الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثالث
في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتعلق بذلك من
الأخبار
الشافية من العلة، ومواعظ المنجية من الأهواء المضلة،
والمناسبات الواضحة البراهين والأدلة
أقول: لا خفاء أن الشيخ لسان الدين رحمه الله تعالى أخذ عن جماعة من أهل العدوة والأندلس عدة فنون، وحدث عنهم بما يصدق الأقوال ويحقق الظنون.
1 -
فمن أشياخه رحمه الله تعالى الفقيد الجليل الشريف النبيه الشهير، رئيس العلوم اللسانية بالأندلس، قاضي الجماعة أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسني السبتي (1) ، رحمه الله تعالى؛ كان هذا الشريف آية الله الباهرة في العربية والبيان والأدب، ويكفيه فضلاً أنه شرح الخزرجية (2) ، وافترع هضاب مشكلاتها بفهمه، من غير أن يسبقه أحد إلى استخراج كنوزها، وإيضاح رموزها، وشرح مقصورة أديب المغرب الإمام أبي الحسن حازم بن محمد القرطاجني الأندلسي الذي مدح بها أمير المؤمنين المنتصر بالله أبا عبد الله محمد الحفصي، وسمى هذا الشرح ب " رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة "، وهذا
(1) ترجمة الشريف السبتي (الشهير بالغرناطي) في الإحاطة 2: 129 ومقدمة رفع الحجب المستورة، والديباج: 290 والمرقبة العليا: 171.
(2)
الخزرجية قصيدة للخزرجي في العروض، وشرح الشريف عليها يسمى " رياضة الأبي في شرح قصيدة الخزرجي ".
الشرح في مجلدين كبيرين، وفيه من الفوائد ما لا مزيد عليه، رأيته بالمغرب، واستفدت منه كثيراً.
ومن فوائد الشريف المذكور أنه قال فيما جاء من الحديث في صفة وضوء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، " فأقبل بهما وأدبر " إن أحسن الوجوه في تأويله أن يكون قدم الإقبال تفاؤلاً، ثم فسر بعد ذلك على معنى أدبر وأقبل، قال: والعرب تقدم بكلامها ألفاظاً على ألفاظ أخرى، وتلتزمه في بعض المواضع، كقولهم: قام وقعد ولا تقول: قعد وقام، وكذلك أكل وشرب، ودخل وخرج، وعلى هذا النمط كلام العرب، فتكون هذه المسألة من هذا، قال: ويؤيد ما قلناه - وهو موضع النكتة - تفسيره لأقبل وأدبر في باقي الحديث على معنى أدبر ثم أقبل، ولو كان اللفظ على ظاهره لم يحتج إلى تفسير؛ انتهى.
وحدث رحمه الله تعالى عن جده لأمه قال: كنت بالمشرق، فدخلت على بعض القرائين، فألفيت الطلب يعربون عليه قول امرئ القيس (1) :
كأن أبانا في أفانين ودقه
…
كبير أناس في بجاد مزمل (2) فأنشد ولا أدري هل هي له أو لغيره:
إذا ما الليالي جاورتك بساقط
…
وقدرك مرفوع فعنه ترحل
ألم تر ما لاقاه في جنب جاره
…
كبير أناس في بجاد مزمل وكان بعض الناس ينشد في هذا المقصد قول الآخر:
عليك بأرباب الصدور، فمن غدا
…
مضافاً لأرباب الصدور تصدراً
(1) ديوان أمرئ القيس: 25.
(2)
شبه الجبل " أبانا " بالرجل الكبير المزمل في بجاد؛ والبجاد: كساء مخطط، وقيل في مزمل إنها مخفوضة على الجوار وحقها الرفع ولذلك قال في البيت التالي " ألم تر ما لاقاه في جنب جاره ".
وإياك أن ترضى بصحبة ساقط
…
فتنحط قدراً من علاك وتحقرا
فرفع أبو من ثم خفض مزمل
…
يبين قولي مغرياً ومحذراً وهذا معنى قول الشاعر:
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم
…
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي وما أحسن قول أبي بحر صفوان بن إدريس المرسي رحمه الله تعالى:
إنا إلى الله من أناس
…
قد خلعوا لبسة الوقار
جاورتهم فانخفضت هوناً
…
يا رب خفض على الجوار ومن نظم الشريف رحمه الله تعالى:
وأحور زان خديه عذار
…
سبى الألباب منظره العجاب
أقول لهم وقد عابوا غرامي
…
به إذا لاح للدمع انسكاب
أبعد كتاب عارضه يرجى
…
خلاص لي وقد سبق الكتاب ومن الغريب في توارد الخواطر ما وجد بخط الأديب أبي القاسم ابن جزي الكلي رحمهما الله تعالى - وسيأتيان - ما معناه: قلت هذه القطعة:
ومعسول اللمى عادت عذاباً
…
على قلبي ثناياه العذاب
وقد كتب العذار بوجنتيه
…
كتاباً حظ قارئه اكتئاب
وقالوا لو سلوت فقلت خيراً
…
وأنى لي وقد سبق الكتاب ثم عرضتها على شيخنا القاضي أبي القاسم الشريف بعد نظمها بمدة يسيرة فقال لي: قد نظمت هذا المعنى بالعروض والقافية في هذه الأيام اليسيرة، وأنشدني:
وأحور زان خديه عذار
…
الأبيات السابقة.
وهذا يقع كثيراً، ومنه ما وقع لابن الرقام حيث قال: من شعر عمي قوله:
جل في البلاد تنل عزاً وتكرمة
…
في أي أرض فكن تبلغ مناك بها
جل الفوائد بالأسفار مكتسب
…
والله قد قال " فامشوا في مناكبها " فقال له الفقيه ابن حذلم: مثل هذا وقع لأبي حيان إذ قال:
يا نفس ما لك تهوين الإقامة في
…
أرض تعذر كل من مناك بها
أما تلوت وعجز المرء منقصة
…
في محكم الوحي " فامشوا في مناكبها " فحصل العجب من هذا الاتفاق الغريب.
ونقلت ممن نقل من خط الفقيه محمد بن علي بن الصباغ العقيلي ما صورته: كان الشريف الغرناطي - رحمه الله تعالى - آية زمانه، وأزمة البيان طوع بنانه، له شرح المقصورة القرطاجية أغرب ما تتحلى به الآذان، وأبدع ما ينشرح له الجنان، إلى العقل الذي لا يدرك، والفضل الذي حمد منه المسلك. حدثني بنادرة جرت بينه وبين مولاي الوالد من أثق به من طلبة الأندلس وأعلامها قال: دخل والدك يوماً لأداء الشهادة عنده، فوجد بين يديه جماعة من الغزاة يؤدون شهادة، فسمع القاضي منهم، وقال لهم: هل من يعرفكم فقالوا: نعم، يعرفنا علي الصباغ، فقال القاضي: أتعرفهم يا أبا الحسن فقال له: نعم يا سيدي، معرفة محمد بن يزيد، فما أنكر عليه شيئاً بل قال لهم: عرف الفقيه أبو الحسن ما عنده، فانظروا من يعرف معه رسم حالكم، فانصرفوا راضين، ولم يرتهن والدي في شيء من حالهم، ولا كشف القاضي لهم ستر القضية.
قال محمد بن علي بن الصباغ: أما قول والدي " معرفة محمد بن يزيد " فإشارة إلى قول الشاعر (1) :
(1) انظر نور القبس: 331 حيث يقال إن البيتين لعبد الصمد بن المعذل في هجاء المبرد، وقيل بل هما للمبرد نفسه، أراد أن يثبت لنفسه نسبا.
أسائل عن ثمالة كل حي
…
فكلهم يقول وما ثماله
فقلت: محمد بن يزيد منهم
…
فقالوا: الآن زدت بهم جهالة فتفطن القاضي رحمه الله تعالى لجودة ذكائه إلى أنه لم يرتهن في شيء من معرفتهم، ممتنعاً من إظهار ذلك بلفظه الصريح، فكنى واكتفى بذكاء القاضي الصحيح، رحمهما الله تعالى؛ انتهى. ومن فوائد الشريف ما حكاه عنه تلميذه الإمام النظار أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى، ونصه: قال لي الشيخ القاضي الكبير أبو القاسم الحسني يوماً وقد جرى ذكر حتى التي للابتداء، وأن معناها التي يقع بعدها الكلام سواء كان ذلك متعلقاً بما قبلها لم يتم دونه أو لا، بل لا يكون الأمر إلا كذلك، قال: وقد حدثني بعض الأصحاب أنه سمع رجلاً يصلي أشفاع رمضان، فقرأ من سورة الكهف إلى قوله تعالى " ثم أتبع سبباً " فوقف هنالك، وركع وسجد، قال: فظننت أنه نسي ما بعد ثم ركع وسجد حتى يتذكر بعد ذلك ويعيد أول الكلام، فلما قام من السجود ابتدأ القراءة بقوله " حتى إذا بلغ " فلما أتم الصلاة قلت له في ذلك، فقال: أليست حتى الابتدائية قال القاضي الشريف المذكور: فيجب أن يفهم أن الاصطلاح في حتى وفي غيرها من حروف الابتداء ما ذكر؛ انتهى. وقال الشاطبي: أنشدني أبو محمد ابن حذلم لنفسه:
شأن المحبين في أشجانهم عجب
…
وحالتي بينهم في الحب أعجبها
قد كنت أبعث من ريح الصبا رسلاً
…
تأتي فتطفئ أشواقي فتذهبها
والآن أرسل دمعي إثرها ديماً
…
فتلتظي نار وجدي حين أسكبها
فاعجب لنار اشتياق في الحشا وقفت
…
ألريح (1) تذهبها والماء يلهبها
(1) ق: النار.
ثم قال الشاطبي ما نصه: أخذ هذا المعنى فتممه، من قطعة أنشدناها شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف رحمه الله تعالى عليه؛ أذكر الآن آخر بيت منها وهو:
يا من رأى النار إن تطفأ مخالفة
…
فبالرياح، وإن توقد فبالماء وأخذ عن الشريف المذكور رحمه الله تعالى جماعة غير لسان الدين، من أشهرهم العلامة النظار أبو إسحاق الشاطبي، والوزير الكاتب أبو عبد الله ابن زمرك.
قال حفيد السلطان الغني بالله بن الأحمر رحمه الله تعالى في حق ابن زمرك: إنه كان يتردد الأعوام العديدة إلى قاضي الجماعة أبي القاسم الشريف، فأحسن الإصغاء، وبذ الأئمة البلغاء، بما أوجب أن رثاه عند الوقوف على قبره بالقصيدة الفريدة التي أولها:
أغرى سراة الحي بالإطراق
…
وقال في موضع آخر (1) : ومما بذ به - يعني ابن زمرك - سبقاً وتبريزاً، وعرضه على نقدة البيان فرأت منه كل مذهبة خلصت إبريزاً، مرثيته للقاضي المعظم الشريف أبي القاسم الحسني من شيوخه، وهي:
أغرى سراة الحي بالإطراق
…
نبأ أصم مسامع الآفاق
أمسى به ليل الحوادث داجياً
…
والصبح أصبح كاسف الإشراق
فجع الجميع بواحد جمعت له
…
شتى العلا ومكارم الأخلاق
هبوا لحكمكم الرصين فإنه
…
صرف القضاء فماله من واق
نقش الزمان بصرفه في صفحة
…
كل اجتماع مؤذن بفراق
ماذا ترجي من زمانك بعدما
…
علق الفناء بأنفس الأعلاق
(1) يعني في كتابه الذي ألفه في ابن زمرك، انظر أزهار الرياض 2: 160 حيث تجد هذه المرثية.
من تحسد السبع الطباق علاءه
…
عالوا عليه من الثرى بطباق
إن المنايا للبرايا غاية
…
سبق الكرام لخصها بسباق
لما حسبنا أن تحول أبؤساً
…
كشفت عوان حروبها عن ساق
ما كان إلا البدر طال سراره
…
حتى رمته يد الردى بمحاق
أنف المقام مع الفناء نزاهة
…
فنوى الرحيل إلى مقام باق
عدم الموافق في مرافقة (1) الدنا
…
فنضى (2) الركاب إلى الرفيق الباقي
أسفاً على ذاك الجلال تقلصت
…
أفياؤه وعهدن خير رواق
يا آمري بالصبر، عيل تصبري
…
دعني عدتك لواعج الأشواق
وذر اليراع تشي بدمع مدادها
…
وشي القريض يروق في الأوراق
واحسرتا للعلم أقفز ربعه
…
والعدل جرد أجمل الأطواق
ركدت رياح المعلوات لفقدها
…
كسدت به الآداب بعد نفاق
كم من غوامض قد صدعت بفهمها
…
خفيت مداركها على الحذاق
كم قاعد في البيد بعد (3) قعوده
…
قعدت به الآمال دون لحاق
لمن الركائب بعد بعدك تنتضى
…
ما بين شام ترتمي وعراق
تفلي الفلا بمناسم مفلولة
…
تسم الحصى بنجيعها الرقراق
كانت إذا اشتكت الوجى وتوقفت
…
يهفو نسيم ثنائك الخفاق
فإذا تنسمت الثناء أمامها
…
مدت لها الأعناق في الإعناق
يا مزجي البدن القلاص خوافقاً
…
رفقاً بها فالسعي في إخفاق
مات الذي ورث العلا عن معشر
…
ورثوا تراث المجد باستحقاق
رفعت لهم رايات كل جلالة
…
فتميزوا في حلبة السباق
(1) ص: عدم المرافق في موافقة؛ ق: موافقة.
(2)
الأزهار: فثنى.
(3)
الأزهار: فوق.
علم الهداة وقطب أعلام النهى (1)
…
حرم العفاة المجتنى الأرزاق
رقت سجاياه وراقت مجتلى
…
كالشمس في بعد وفي إشراق
كالزهر في لألائه، والبدر في
…
عليائه، الزهر في الإبراق
مهما مدحت سواه قيد وصفه
…
وصفاته حمد على الإطلاق
يا وارثاً نسب النبوة جامعاً
…
في العلم والأخلاق والأعراق
يا ابن الرسول وإنها لوسيلة
…
يرقى بها أوج المصاعد راقي
ورد الكتاب بفضلكم وكمالكم
…
فكفى ثناء الواحد الخلاق
مولاي إني في علاك مقصر
…
قد ضاق عن حصر النجوم نطاقي
ومن الذي يحصي مناقب مجدكم (2)
…
عد الحصى والرمل غير مطاق
يهني قبوراً زرتها فلقد ثوت
…
منا مصون جوانح وحداق
خط الردى منها سطوراً نصها:
…
لا بد أنك للفناء ملاق
ولحقت ترجمة الكتاب وصدره
…
وفوائد المكتوب في الإلحاق
كم من سراة في القبور كأنهم
…
في بطنها در ثوى بحقاق
قل للسحاب اسحب ذيولك نحوه
…
والعب بصارم برقك الخفاق
أودى الذي غيث العباد بكفه
…
يزري بواكف غيثك الغيداق
إن كان صوبك بالمياه فدرها
…
در يروض ماحل الإملاق
بشر كثير نقد نعوا لما نعي
…
قاضي القضاة وغاب في الأطباق
ألبستهم ثوب الكرامة ضافياً
…
وأرحت من كد ومن إرهاق
يتفيأون ظلال جاهك كلما
…
لفحت سموم الخطب بالإحراق
عدموا المرافق في فراقك وانطوى
…
عنهم بساط الرفق والإرفاق
رفعوا سريرك خافضين رؤوسهم
…
ما منهم إلا حليف سياق (3)
(1) الأزهار: أعلام الورى.
(2)
الأزهار: فضلكم.
(3)
السياق: نزع الروح.
لكن مصيرك للنعيم مخلداً
…
كان الذي أبقى على الأرماق
ومن العجائب أن يسرى بحر الندى
…
طود الهدى يسري على الأعناق
إن يحملوك على الكواهل طالما
…
قد كنت محمولاً على الأحداق (1)
أو يرفعوك على العواتق طالما
…
رفعت ظهر منابر وعتاق
ولئن رحلت إلى الجنان فإننا
…
نصلى بنار الوجد والأشواق
لو كنت تشهد حزن من خلفته
…
لثنى (2) عنانك كثرة الإشفاق
إن جن ليل جن من فرط الأسى
…
وسوى كلامك ما له من راق
فابعث خيالك في الكرى يبعث به
…
ميت السرور لثاكل مشتاق
أغليت يا رزء التصبر مثلما
…
أرخصت در الدمع في الآماق
إن يخلف الأرض الغمام فإنني
…
أسقي الضريح بدمعي المهراق وكانت وفاة الشريف المذكور سنة إحدى وستين وسبعمائة.
قال ابن الخطيب القسمطيني (3) في وفياته: وفي هذه السنة - يعني سنة 761 - توفي شيخنا قاضي الجماعة بغرناطة حرسها الله تعالى أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسني، وكتب لي بالإجازة العامة بعد التمتع بمجلسه، وله شعر مدون سماه " جهد المقل "(4) وله الشرح على الخزرجية في العروض، وأقدم عليها بعد أن عجز الناس عن فكها، وكان إماماً في الحديث والفقه والنحو، وهو على
(1) سقط هذا العجز وصدر البيت التالي من ق.
(2)
ص ق: أثنى.
(3)
نسبة إلى قسمطينة أو قسنطينة (بالنون) من مدن الجزائر؛ وابن الخطيب القسمطيني هو الإمام العلامة المسند المؤرخ أبو العباس أحمد بن حسن الشهير بابن الخطيب ويعرف أيضا بابن منقذ (توفي سنة 810) ومن مؤلفاته: كتاب أنس الفقير في ترجمة الشيخ أبي مدين وأصحابه وطبقته (ط. الرباط 1965) والوفيات التي جعلها خاتمة على شرحه لقصيدة ابن فرح في مصطلح الحديث. (راجع فهرست الفهارس 2: 323 ونيل الابتهاج: 57 قال: ذكره الونشريسي في وفياته) .
(4)
قال لسان الدين في الإحاطة عند الحديث عن شعر الشريف " واقتنيت منه جزءا خصني به سماه جهد المقل
…
".
الجملة ممن يحصل الفخر بلقاءه، ولم يكن أحد بعده مثله بالأندلس؛ انتهى.
وقال في الإحاطة إن مولد الشريف كان سنة سبع وتسعين وستمائة، وأن وفاته سنة ستين وسبعمائة، وفي وفاته مخالفة لما تقدم، والله أعلم.
وما أحسن قول الشريف أبي القاسم المترجم به:
حدائق أنبتت فيها الغوادي
…
دروب النور رائقة البهاء
فما يبدو بها النعمان إلا
…
نسبناه إلى ماء السماء [ابنا الشريف]
وكان للشريف أبي القاسم المذكور ابنان نجيبان: أحدهما قاضي الجماعة أبو المعالي، والآخر أبو العباس أحمد (1)، قال الراعي في كتابه " الفتح المنير في بعض ما يحتاج إليه الفقير " ما نصه: حكاية تتعلق بالانقطاع، نسأل الله تعالى العافية: وقع للسيد الشريف قاضي الجماعة بغرناطة أبي المعالي ابن السيد الشريف أبي القاسم الحسني شارح الخزرجية ومقصورة حازم نفع الله تعالى بسلفهم الكريم، وكانت أم السيد أبي المعالي حسينية (2) فكان شريفاً من الجهتين، أنه كان قد ترك كبار الوظائف والرياسات، وتجرد للعبادة، ولبس المرقعة، وسلك طريق القوم. وكان من الدين (3) والعلم والتعظيم في قلوب (4) أهل الدنيا وأهل الآخرة على جانب عظيم، يشار إله بالأصابع، وكان شيخي وأستاذي أبو العباس أحمد قاضياً بشرقي الأندلس فكان أخوه أبو المعالي المذكور لا يأكل في بيت شقيقه شيئاً لأجل
(1) ترجمة أبي العباس أحمد ابن الشريف السبتي في نيل الابتهاج: 58 وقد عرج في الترجمة على ذكر أخيه أبي المعالي؛ وقد أورد لسان الدين لأبي العباس منهما ترجمة في الكتيبة الكامنة: 301 إلا أنه ذكره بكنيته دون اسمه.
(2)
ق: حسنية.
(3)
ق: من أهل الدين.
(4)
ق: في قلوب الناس.
ذلك، ولعيشه من خدم السلطان، وكان إذا احتاج إلى الطعام وهو في بيت أخيه أعطاني درهماً من عنده أشتري له به ما يأكل، وأقام على هذه الحلة الحسنة سنين كثيرة، ثم إنه دخل يوماً على الفقراء بزاوية المحروق من ظاهر غرناطة، وكان شيخ الفقراء بها في ذلك الوقت الشيخ أبا جعفر أحمد المحدود، فقال لهم: يا سادتي، إنه كان معي قنديل أستضيء به، فقدته في هذه الأيام، وما بقيت أبصر شيئاً، فقال لهم شيخهم المذكور: يا شريف أول رجل يدخل علينا في هذا المجلس يجيبك عن مسألتك، فدخل عليهم رجل من خيارهم من أهل البادية، فسلم وجلس، فقال له الشيخ: إن الشريف سأل الجماعة، فقلت له: أول رجل يدخل علينا يجيبك، فوفقت أنت، فأجبه عن مسألته، فقال له: ما سؤالك يا شريف فقال: إنه كان لي قنديل أستضيء به ففقدته، وما بقيت أبصر شيئاً، فقال له الفقير: هذا لا يصدر إلا عن سوء أدب، أخبرنا بما وقع منك، فقال له الشريف: ما أعلم أنه وقع مني شيء، غير أن المباشر فلاناً طلبه السلطان للمصادرة، فاستخفى منه، فمررت ببابه يوماً، فناداني من شقة الباب: يا سيدي اجعل خاطرك معي لله تعالى، فقلت له: اذكر الذكر الفلاني، قلت: وأنا أظن أنه أمره بذكر اسمه تعالى اللطيف فإنه سريع الإجابة في تفريج الشدائد والكرب، نص عليه البوني في منتخبه، وهو مجرب في ذلك، وقد رواه لي عن بعض مشايخه السيد الشريف أحمد أخوه، فقال له الفقير: هل كان أذن لك في تلقينه قال: لا. قال له الفقير: لا يعود إليك نورك أبداً؛ لأنك قد أسأت الأدب، فكان كما قال، فانقطع وولي بعده قضاء الجماعة، وعزل عن سخط، وخدم الملوك، وأكل طعامهم، وحالته أولاً وآخراً معروفة بغرناطة، نسأل الله تعالى أن لا يجعلنا من المطرودين عن باب رحمته بمنه وكرمه؛ انتهى كلام الراعي رحمه الله تعالى.
رجع إلى مشايخ لسان الدين. رحمه الله تعالى ورضي عنه وسامحه، فنقول:
2 -
ومن مشايخ لسان الدين الإمام الرحال شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن جابر الوادي آشي (1) ، ولد بتونس، وهو محمد بن الإمام المحدث معين الدين جابر بن محمد بن قاسم بن أحمد القيسي، شيخ ممتع رحال متقن.
قال الخطيب ابن مرزوق: وعاشرته كثيراً سفراً وحضراً، وسمعت بقراءته وسمع بقراءتي، وقرأت عليه الكثير، وقيدت من فوائده، وأنشدني الكثير، فأول ما قرأت عليه بالقاهرة بمسجد [
…
] (2) ، وقرأت عليه بمدينة فاس، وبظاهر قسنطينة، وبمدينة بجاية وبظاهر المهدية، وبمنزلي من تلمسان، وقرأت عليه أحاديث عوالي من تخريج الدمياطي، وفيها الحديث المسلسل بالأولية، وسلسلته عنه من غير رواية الدمياطي بشرطه، ثم قرأت عليه أكثر كتاب " الموطإ " رواية يحيى، وأعجله السفر فاتممته عليه في غير القاهرة، وحدثني به عن جماعة، ومعوله على الشيخين قاضي القضاة أبي العباس ابن الغماز الخزرجي وهو أحمد بن محمد بن حسن والشيخ أبي محمد ابن هارون وهو عبد الله بن محمد القرطبي الطائي الكاتب المعمر الأديب، بحق سماعه لأكثره على الأول وقراءته بأجمعه على الثاني، قال الأول: أخبرنا أبو الربيع ابن سالم بجميع طرقه فيها منها عن ابن مرزوق وأبي عبد الله ابن أبي عبد الله الخولاني عن أبي عمرو عثمان بن أحمد المعافري عن أبي عيسى بسنده، وقال الثاني: أخبرنا أبو القاسم ابن بقي بقرطبة، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الحق عن محمد بن فرج مولى الطلاع عن يونس بتمام سنده.
قال شيخنا: وفي هذا السند غريبتان: إحداهما أنه ليس فيه إجازة، والثانية أن شيخه كلهم قرطبيون.
قال ابن مرزوق: قلت ولا غرابة في اتصال سماع الموطإ وقراءته، فقد
(1) ترجمة ابن جابر الوادي آشي في الديباج المذهب: 311 والتعريف: 18 وانظر النفح 1: 38، 2:664.
(2)
بياض في ق ص.
وقع لي قلة التحصيل متصلاً من طرق ولله الحمد، وقد روته عن قرطبي، وهو أبو العباس ابن العشاء. ثم قرأت عليه كتاب " الشفاء " لعياض، وحدثني به عن أبي القاسم (1) عن أبي عبد الله ابن أبي القاسم الأنصاري المالقي نزيل سبتة ويعرف بها بابن حكم وبابن أخت أبي صالح، عن أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الخزرجي، عن أبي جعفر أحمد بن حكم، عن المؤلف وحدثني به أيضاً عن قاضي الجماعة ابن (2) أبي الربيع ابن سالم عن أبي جعفر ابن حكم.
ثم قال ابن مرزوق بعد كلام ما صورته (3) : رويت عنه وأنشدني لأبي محمد ابن هارون:
لا تطمعن في نفع آلك إنه
…
ضرر وقل النفع عند الآل
أقصر رويدك إن ما أعلقته
…
بالآل من أهل كمثل الآل ولابن هارون المذكور:
أقل زيادة الأحبا
…
ب تزدد عندهم قربا
فإن المصطفى قد قا
…
ل زر غباً تزد حبا ولابن هارون (4) أيضاً:
رماني بالنوى زمني
…
فشمل الأنس مفترق
وليلي كله فكر
…
فقلبي منه محترق
وللآداب أبناء
…
ببحر الفقر قد غرقوا
وكل منهم وجل
…
بما يلقاه أو فرق
(1) بعد هذه اللفظة بياض في ص بقدر كلمتين.
(2)
هنا بياض بقدر ثلاث كلمات في ص.
(3)
ما صورته: سقطت من ص.
(4)
زاد في ق: المذكور.
يغص بريقه منه
…
كما في النطق أو شرق
وقد صفرت أكفهم
…
فلا ورق ولا ورق
ولطف الله مرتقب
…
به العادات تنخرق قال ابن مرزوق: وشعره الفائق لا يحصر، وهو عندي في مجلد كبير، وولد ابن جابر سنة 67 وسمع بمصر على الجماعة، وكتب بخطه كثيراً، وله معرفة بالحديث والنحو واللغة والشعر، وله نظم حسن، وتوفي بتونس سنة 779، وأخذ القراءات عن ابن الزيات وغيره، وترجمة الحافظ ابن جابر رحمه الله تعالى واسعة مشهورة، وقد ذكرناه في غير هذا الكتاب بما جمعناه.
[أشعار لبعض شيوخ لسان الدين]
ومما أنشده لسان الدين رحمه الله تعالى لبعض المتصوفة من شيوخه ولم يسمه قوله:
هل تعلمون مصارع العشاق
…
عند الوداع بلوعة الأشواق
والبين يكتب من نجيع دمائهم
…
إن الشهيد بكم توى بفراق
لو كنت شاهد حالهم يوم النوى
…
لرأيت ما يلقون غير مطاق
منهم كئيب لا يمل بكاءه
…
قد أحرقته مدامع الآماق
ومحرق الأحشاء أشعل نارها
…
طول الوجيب بقلبه الخفاق
وموله لا يستطيع كلامه
…
مما يقاسي في الهوى ويلاقي
خرس اللسان فما يطيق عبارة
…
ألم ألم وما له من راق
ما للمحب من المنون وقاية
…
إن لم يجد محبوبه بتلاق
مولاي عبدك ذاهب بغرامه
…
أدرك بفضلك من ذماه الباقي
إني إليك بذلي متوسل
…
فاعطف بلطف منك أو إشفاق
وهذه الأبيات أوردها رحمه الله تعالى في " الروضة " في العشق، بعد أن حده وتكلم عليه، ثم أورد عدة مقطوعات، ثم ذكر منها هذه الأبيات كما ذكر. وأنشد لسان الدين رحمه الله تعالى لبعض أشياخه، وسماه، وأنسيته أنا الآن:
بما بيننا من خلوة معنوية
…
أرق من النجوى وأحلى من السلوى
قفي ساعة في ساحة الدار وانظري
…
إلى عاشق لا يستفيق من البلوى
وكم قد سألت الريح شوقاً إليكم
…
فما حن مسراها علي ولا ألوى وقوله أيضاً:
أنست بوحدتي حتى لو أني
…
أتاني الأنس لاستوحشت منه
ولم تدع التجارب لي صديقاً
…
أميل إليه إلا ملت عنه وقوله رحمه الله تعالى:
عليك بالعزلة إن الفتى
…
من طاب بالقلة في العزلة
لا يرتجي عزلة وال، ولا
…
يخشى من الذلة في العزلة 3 - ومن أكابر شيوخ ابن الخطيب رحمه الله تعالى جدي الإمام العلامة قاضي القضاة بحضرة الخلافة فاس المحروسة أبو عبد الله (1) .
قال في " الإحاطة " محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن القرشي المقري، يكنى أبا عبد الله، قاضي الجماعة بفاس، تلمساني.
أوليته - نقلت من خطه قال: وكان الذي اتخذها من سلفنا قراراً، بعد أن كانت لمن قبله مزاراً، عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي المقري صاحب الشيخ
(1) ترجمة المقري الجد في الإحاطة 2: 136 ونيل الابتهاج: 249 وسلوة الأنفاس 3: 271 والتعريف: 59 والمرقبة العليا: 196 (وانظر الحاشية 3 ص 556 من الجزء الأول) .
أبي مدين، الذي دعا له ولذريته بما ظهر فيهم قبوله وتبين، وهو أبي الخامس فأنا محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن، وكان هذا الشيخ عروي (1) الصلاة، حتى إنه ربما امتحن بغير شيء فلم يؤنس منه التفات، ولا استشعر منه شعور، ويقال: إن هذا الحضور مما أدركه من مقامات شيخه أبي مدين؛ انتهى.
[هل المقري الجد قرشي]
وكتب بعض المغاربة على هامش هذا المحل من الإحاطة ما صورته: القرشي وهم؛ انتهى.
فكتب تحته الشيخ الإمام أبو الفضل ابن الإمام التلمساني رحمه الله تعالى على ما نصه: بل صحيح، نطقت به الألسن والمكاتبات والإجازات وأعربت عنه الخلال الكريمة، إلا أن البلدية يا سيدي أبا عبد الله والمنافسة تجعل القرشية في إمام المغرب أبي عبد الله المقري وهماً، والحمد لله؛ انتهى.
قلت: وممن صرح بالقرشية في حق الجد المذكور ابن خلدون في تاريخه وابن الأحمر في " نثير الجمان " وفي شرح البردة عند قوله:
لعل رحمة ربي حين ينشرها
…
والشيخ ابن غازي، والولي الصالح سيدي أحمد رزوق، والشيخ علامة زمانه سيدي أحمد الونشريسي، وغير واحد، وكفى بلسان الدين شاهداً مزكى.
وقد ألف عالم الدنيا ابن مرزوق تأليفاً استوفى فيه التعريف بمولاي الجد سماه " النور البدري في التعريف بالفقيه المقري " وهذا بناء منه على مذهبه أنه
(1) نسبة إلى عروة، لعله عروة بن الزبير، فقد كان يطيل الصلاة ويكثر من الدعاء حتى كان يقول إني لأسأل الله في صلاتي كل شيء حتى الملح.
- بفتح الميم وسكون القاف - كما صرح بذلك في شرح الألفية عند قوله:
ووضعوا لبعض الاجناس علم
…
وضبطه غيرهم وهم الأكثرون بفتح الميم وتشديد القاف، وعلى ذلك عول أكثر المتأخرين، وهما لغتان في البلدة التي نسب إليها، وهي مقرة من قرى زاب إفريقية، وانتقل منها جده إلى تلمسان صحبة شيخه ولي الله سيدي أبي مدين رضي الله عنه.
رجع إلى تكملة كلام مولاي الجد في حق أوليته:
قال رحمه الله تعالى بعد الكلام السابق في حق جده عبد الرحمن، ما صورته: ثم اشتهرت ذريته على ما ذكر من طبقاتهم بالتجارة، فمهدوا طريق الصحراء بحفر الآبار وتأمين التجار، واتخذوا طبلاً للرحيل، وراية تقدم عند المسير، وكان لد يحيى الذين أحدهم أبو بكر خمسة رجال، فعقدوا الشركة بينهم في جميع ما ملكوه أو يملكونه على السواء بينهم والاعتدال، فكان أبو بكر ومحمد وهما أرومتا نسبي من جميع جهات أمي وأبي بتلمسان، وعبد الرحمن وهو شقيقهما الأكبر بسجلماسة، وعبد الواحد وعلي وهما شقيقاهم الصغيران بإيوالاتن فاتخذوه بهذه الأقطار الحوائط (1) والديار، وتزوجوا النساء، واستولدوا الإماء، وكان التلمساني يبعث إلى الصحراوي بما يرسم له من السلع، ويبعث إليه الصحراوي بالجلد والعاج والجوز والتبر، والسجلماسي كلسان الميزان يعرفهما بقدر الخسران والرجحان، ويكاتبهما بأحوال التجار وأخبار البلدان، حتى اتسعت أموالهم، وارتفعت في الضخامة أحوالهم، ولما افتتح التكرور كورة إيوالاتن وأعمالها أصيبت أموالهم فيما أصيب من أموالها، بعد أن جمع من كان بها منهم إلى نفسه الرجال، ونصب دونها ودون مالهم القتال، ثم اتصل بملكهم فأكرم مثواه،
(1) الحوائط: جمع حائط وهو مزرعة النخيل.
ومكنه من التجارة بجميع بلاده، وخاطبه بالصديق الأحب، والخلاصة الأقرب، ثم صرار يكاتب من بتلمسان يستقضي منهم مآربه، فيخاطبه بمثل تلك المخاطبة، وعندي من كتبه وكتب ملوك المغرب ما ينبئ عن ذلك، فلما استوثقوا من الملوك، تذللت لهم الأرض للسلوك، فخرجت أموالهم عن الحد، وكادت تفوت الحصر والعد، لأن بلاد الصحراء قبل أن يدخلها أهل مصر (1) كان يجلب إليها من المغرب ما لا بال له من السلع، فتعاوض عنه بما له بال من الثمن - أي مدبر دنيا ضم جنبا أبي حمو وشمل ثوباه، كان يقول: لولا الشناعة لم أزل في بلادي تاجراً من غير تجار الصحراء الذين يذهبون بخبيث السلع، ويأتون بالتبر الذي كل أمر الدنيا له تبع، ومن سواهم يحمل منها الذهب، ويأتي إليها بما يضمحل عن قريب ويذهب، ومنه ما يغير من العوائد، ويجر السفهاء إلى المفاسد - (2) ، ولما درج هؤلاء الأشياخ جعل أبناؤهم ينفقون مما تركوا لهم، ولم يقوموا بأمر التثمير قيامهم، وصادفوا توالي الفتن، ولم يسلموا من جور السلاطين، فلم يزل حالهم في نقصان إلى هذا الزمن، فها أنا ذا لم أدرك من ذلك إلا أثر نعمة اتخذنا فضوله عيشاً، وأصوله حرمة، ومن جملة ذلك خزانة كبيرة من الكتب، وأسباب كثيرة تعين على الطلب، فتفرغت بحول الله عز وجل للقراءة، فاستوعبت أهل البلد لقاء، وأخذت عن بعضهم عرضاً وإلقاء، سواء المقيم القاطن (3) ، والوارد والظاعن؛ انتهى كلامه في أوليته، وقد نقله لسان الدين في الإحاطة.
وقال مولاي الجد رحمه الله تعالى: كان مولدي بتلمسان أيام أبي حمو موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيان، وقد وقفت على تاريخ ذلك، ولكني
(1) ق: أهل مقرة.
(2)
هكذا وردت هذه العبارة معترضة في الأصول والإحاطة؛ وأبو حمو المذكور فيها هو موسى بن عثمان بن يغمراسن، والمقري قد ولد في زمانه؛ ويمدحه بأنه كان عارفا بالتدبير، قد ضم جنباه وشمل ثوبه امراءا عارفا بشؤون التجارة، حتى كان يتمنى لو أنه بقي في بلاده تاجرا
…
إلخ.
(3)
ق: والقاطن.
رأيت الصفح عنه لأن أبا الحسن ابن مؤمن سأل أبا طاهر السلفي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا الفتح ابن زيان عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت علي بن محمد اللبان عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا القاسم حمزة بن يوسف السهمي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا بكر محمد بن عدي المنقري عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا إسماعيل الترمذي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت بعض أصحاب الشافعي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت الشافعي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت مالك بن أنس عن سنه فقال: أقبل على شأنك، ليس من المروءة للرجل أن يخبر بسنه؛ انتهى.
قلت: ولما تذاكرت مع مولاي العم الإمام - صب الله تعالى على مضجعه من الرحمة الغمام - هذا المعنى الذي ساقه مولاي الجد رحمه الله تعالى أنشدني لبعضهم (1) :
احفظ لسانك لا تبح بثلاثة
…
سن ومال ما استطعت ومذهب
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة
…
بمكفر وبحاسد (2) ومكذب قال الونشريسي بحق الجد ما نصه: القاضي الشهير الإمام العالم أبو عبد الله محمد بن محمد المقري، التلمساني المولد والمنشأ، الفاسي المسكن، كان رحمه الله تعالى عالماً عاملاً ظريفاً نبيهاً (3) ذكياً نبيلاً فهماً متيقظاً جزلاً محصلاً؛ انتهى.
وقد وقفت له بالمغرب على مؤلف عرف فيه بمولاي الجد، وذكر جملة من أحواله، وذلك أن طلبه بعض أهل عصره في تأليف أخبار الجد، فألف فيه ما ذكر.
(1) أوردهما ابن الجوزي في صيد الخاطر: 346 قال: وقد أنشدنا محمد بن عبد الباقي البزار.
(2)
صيد الخاطر: بمموه ومحرف.
(3)
نبيها: سقطت من ق.
وقال في الإحاطة في ترجمة مولاي الجد بعد ذكره أوليته ما صورته:
حاله: هذا الرجل مشار إليه بالعدوة الغربية اجتهاداً ودؤوباً (1) وحفظاً وعناية واطلاعاً ونقلاً ونزاهة، سليم الصدر، قريب الغور، صادق القول، مسلوب التصنع، كثير الهشة، مفرط الخفة، ظاهر السذاجة، ذاهب أقصى مذاهب التخلق، محافظ على العمل، مثابر على الانقطاع، حريص على العبادة، مضايق في العقد والتوجه، يكابد من تحصيل النية بالوجه واليدين مشقة، ثم يغافص الوقت فيها ويوقعها دفعة متبعاً إياها زعقة التكبير برجفة ينبو عنها سمع من لم تؤنسه بها العادة بما هو دليل على حسن المعاملة وإرسال السجية، قديم النعمة متصل الخيرية، مكب على النظر والدرس والقراءة، معلوم الصيانة والعدالة، منصف في المذاكرة، حاسر للذراع عند المباحثة، راحب عن الصدر في وطيس المناقشة، غير مختار للقرن ولا ضان بالفائدة، كثير الالتفات متقلب الحدقة، جهير بالحجة بعيد عن المراء والمباهتة (2) ، قائل بفضل أولي الفضل من الطلبة، يقوم أتم القيام على العربية والفقه والتفسير ويحفظ الحديث ويتهجر بحفظ التاريخ والأخبار والآداب، ويشارك مشاركة فاضلة في الأصلين والجدل والمنطق، ويكتب ويشعر (3) مصيباً غرض الإجادة، ويتكلم في طريقة الصوفية كلام أرباب المقال ويعتني بالتدوين فيها، شرق وحج ولقي جلة واضطبن (4) رحلة مفيدة، ثم عاد إلى بلده فأقرأ به واقطع إلى خدمة العلم، فلما ولي ملك المغرب السلطان محالف الصنع ونشيدة الملك وأثير الله من بين القرابة والاخوة أمير المؤمنين أبو عنان اجتذبه، وخلطه بنفسه واشتمل عليه وولاه قضاء الجماعة بمدينة فاس، فاستقل بذلك أعظم الاستقلال، وأنفذ الحق وألان الكلمة وآثر التسديد وحمل الكل وخفض الجناح،
(1) ق: ودينا.
(2)
ق: والمباهاة.
(3)
ويشعر: سقطت من ق.
(4)
اضطبن: احتقب.
فحسنت عنه القالة، وأحبته الخاصة والعامة. حضرت بعض مجالسه للحكم فرأيت من صبره على اللدد وتأنيه للحجج ورفقه بالخصوم (1) ما قضيت منه العجب.
دخوله غرناطة - ثم لما أخر عن القضاء استعمل بعد لأي في الرسالة، فوصل الأندلس أوائل جمادى الثانية من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، فلما قضى غرض رسالته وأبرم عقد وجهته واحتل مالقه في منصرفه بدا له في نبذ الكلفة واطراح وظيفة الخدمة وحل التقيد إلى ملازمة الإمرة (2) ، فتقاعد وشهر غرضه وبت في الانتقال طمع من كان صحبته (3) ، وأقبل على شأنه، فخلي بينه وبين همه، وترك وما انتحله من الانقطاع إلى ربه، وطار الخبر إلى مرسله، فأنف من تخصيص إيالته بالهجرة والعدول عنها بقصد التخلي والعبادة، وأنكر ما حقه الإنكار من إبطال عمل الرسالة، والانقباض قبل الخروج عن العهدة (4) ، فوغر صدره على صاحب الأمر، ولم يبعد الظنة والمواطأة على النفرة، وتجهزت جملة من الخدام المجلين في مأزق الشبهة المضطلعين بإقامة الحجة، مولين خطة الملام، مخيرين بين سحائب عاد من إسلامه، مظنة إعلاق النقمة، وإيقاع العقوبة، أو الإشادة بسبب إجارته بالقطيعة والمنابذة. وقد كان المترجم به لحق بغرناطة فتذمم بمسجدها، وجأر بالانقطاع إلى الله، وتوعد من يجبره بنكير من يجير ولا يجار عليه سبحانه، فأهم أمره، وشغلت القلوب آبدته، وأمسك الرسل بخلال ما صدرت شفاعة اقتضى له فيها رفع التبعة وتركه إلى تلك الوجهة، ولما تحصل ما تيسر من ذلك انصرف محفوفاً بعالمي (5) القطر قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني المذكور قبله والشيخ الخطيب أبي البركات ابن الحاج مسلمين لوروده،
(1) ق ص: للخصوم.
(2)
ق: الآخرة، ولعلها أصوب.
(3)
ق: صحبه.
(4)
من إبطال
…
العهدة: سقطت من ص.
(5)
ص ق: يعلمي.
مشلفهين بالشفاعة في غرضه، فانقشعت الغمة وتنفست الكربة، واستصحبا من المخاطبة السلطانية في أمره من إملائي ما يذكر حسبما ثبت في الكتاب المسمى ب " كناسة الدكان بعد انتقال السكان " المجموع بسلا ما صورته:
" المقام الذي يحب (1) الشفاعة ويرعى الوسيلة، وينجز العدة ويتمم الفضيلة، ويضفي مجده المنن الجزيلة، ويعيي حمده الممادح العريضة الطويلة، مقام محل والدنا الذي كرم مجده، ووضح سعده، وصح في الله تعالى عقده، وخلص في الأعمال الصالحة قصده، وأعجز الألسنة حمده، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله سبحانه لوسيلة يرعاها، وشفاعة يكرم مسعاها، وأخلاق جميلة تجيب دعوة الطبع الكريم إذا دعاها، معظم سلطانه الكبير وممجد مقامه الشهير، المتشيع لأبوته الرفيعة قولاً باللسان واعتقاداً بالضمير، المعتمد منه بعد الله على الملجإ الأحمى والولي النصير، فلان. سلام كريم، طيب بر عميم، يخص مقامكم الأعلى، وأبوتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته.
" أما بعد حمد الله الذي جعل الخلق الحميد دليلاً (2) على عنايته بمن حلاه حلاها، وميز بها النفوس النفيسة التي اختصها بكرامته وتولاها، حمداً يكون كفؤاً للنعم التي أولاها، وأعادها ووالاها، والصلاة على سيدنا محمد عبده ورسوله المترقي من درجات الاختصاص أرفعها وأعلاها، الممتاز من أنوار الهداية بأوضحها وأجلاها، مطلع آيات السعادة يروق مجتلاها، والرضى عن اله وصحبه الذين خبر صدق ضمائرهم لما ابتلاها، وعسل ذكرهم في الأفواه فما أوصافهم على الألسن وأحلاها، والدعاء لمقام أبوتكم حرس الله تعالى علاها، بالسعادة التي يقول الفتح أنا طلاع الثنايا وابن جلاها، والصنائع
(1) ص ق: يحسب.
(2)
ق: دلالة.
التي تخترق المفاوز بركائبها المبشرات فتفلي فلاها، فإنا كتبنا كتب الله تعالى لكم عزة مشيدة البناء، وحشد على أعلام صنائعكم الكرام جيوش الثناء، وقلدكم من قلائد مكارم الأخلاق ما يشهد لذاتكم منه بسابقة الاعتناء من حمراء غرناطة حرسها الله والود باهر السنا ظاهر السناء، مجدد على الآناء، والتشيع رحب الدسيعة والفناء.
" وإلى هذا - وصل الله تعالى سعدكم، وحرس مجدكم، فإننا خاطبنا مقامكم الكريم في شأن الشيخ الفقيه الحافظ الصالح أبي عبد الله المقري خار الله تعالى لنا وله، وبلغ الجميع من فضله العميم أمله، جواباً عما صدر عن مثابتكم فيه من الإشارة الممتثلة، والمآرب المعملة، والقضايا غير المهملة، نصادركم بالشفاعة، التي مثلها بأبوابكم لا يرد، وظمآها عن منهل قبولكم لا تحلأ ولا تصد، حسبما سنة الأب الكريم والجد، والقبيل الذي وضح منه في المكارم الرسم والحد، ولم نصدر الخطاب حتى ظهر لنا من أحواله صدق المخيلة، وتبلج صبح الزهادة والفضيلة، وجود النفس الشحيحة، بالعرض الأدنى البخيلة، وظهر تخليه عن هذه الدار، واختلاطه باللفيف والغمار، وإقباله على ما يعني مثله من صلة الأوراد ومداومة الاستغفار. وكنا لما تعرفنا إقامته بمالقة لهذا الغرض الذي شهره، والفضل الذي أبرزه للعيان وأظهره، أمرنا أن يعتنى بأحواله، ويعان على فراغ باله، ويجرى عليه سيب من ديون الأعشار الشرعية وصريح ماله، وقلنا ما أتاك من غير مسألة مستند صحيح لاستدلاله، ففر من مالقة على ما تعرفنا لهذا السبب، وقعد بحضرتنا مستور المنتمى والمنتسب، وسكن بالمدرسة بعض الأماكن المعدة لسكنى المتسمين بالخير والمحترفين ببضاعة الطلب، بحيث لم يتعرف وروده ووصوله إلا ممن لا يؤبه بتعريفه، ولم تتحقق زوائده وأصوله لقلة تصريفه.
" ثم تلاحق إرسالكم الجلة فوجبت حينئذ الشفاعة، وعرضت على سوق الحلم والفضل من الاستلطاف والاستعطاف البضاعة، وقررنا ما تحققناه من أمره
وانقباضه عن زيد الخلق وعمره، واستقباله الوجهة التي من ولى وجهه شطرها فقد آثر أثيراً، ومن ابتاعها بمتاع الدنيا فقد نال فضلاً كبيراً وخيراً كثيراً، وسألنا منكم أن تبيحوا له ذلك الغرض الذي رماه بعزمه، وقصر عليه أقصى همه، فما أخلق مقامكم أن يفوز به طالب الدنيا بسهمه، ويحصل منه طالب الآخرة على حظه الباقي وقسه، ويتوسل الزاهد بزهده والعالم بعلمه، ويعول البريء على فضله ويثق المذنب بحمله، فوصل الجواب الكريم بمجرد الأمان وهو أرب من آراب، وفائدة من جراب، ووجه من وجوه إعراب، فرأينا أن المطل بعد جفاء، والإعادة ليس يثقلها خفاء، ولمجدكم بما ضمنا عنه وفاء، وبادرنا الآن إلى العزم عليه في ارتحاله، وأن يكون الانتقال عن رضى منه من صفة حاله، وأن يقتضي له ثمرة المقصد، ويبلغ طية الإسعاف في الطريق الأقصد، إذ كان الأمان لمثله ممن تعلق بجناب الله من مثلكم حاصلاً، والدين المتين بين نفسه وبين المخافة فاصلاً، وطالب كيمياء السعادة بإعانتكم واصلاً، ولما مدت اليد في تسويغ حالة هديكم عليها أبداً يحرض، وعلمكم يصرخ بمزيتها فلا يعرض، فكملوا أبقاكم الله ما لم تسعنا فيه مشاحة الكتاب، وألحقوا بالأصل حديث هذه الإباحة فهو أصح حديث في الباب، ووفوا غرضنا من مجدكم، وخلوا بينه وبين مراده من ترك الأسباب، وقصد غافر الذنب وقابل التوب بإخلاص المتاب، والتشمير ليوم العرض وموقف الحساب، وأظهروا عليه عناية الجناب، الذي تعلق به أعلق الله به يدكم من جناب، ومعاذ الله أن تعود شفاعتنا من لدنكم غير مكملة الآراب.
" وقد بعثنا من يتوب عنا في مشافهتكم بها أحمد المناب، ويقتضي خلاصها بالرغبة لا بالغلاب، وهما فلان وفلان، ولولا الأعذار لكان في هذا الغرض أعمال الركاب، يسبق أعلام الكتاب، وأنتم تولون هذا القصد من مكارمكم ما يوفر الثناء الجميل، ويربي على التأميل ويكتب على الود الصريح العقد وثيقة التسجيل، وهو سبحانه يبقيكم لتأييد المجد الأثيل، وإنالة الرفد الجزيل، والسلام
الكريم يخص مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، ورحمة الله تعالى وبركاته، في الحادي والعشرين لجمادى الآخرة من عام سبعة وخمسين وسبعمائة؛ انتهى كلام ابن الخطيب في الإحاطة.
وذكر في الريحانة أنه كتب في هذا الغرض ما نصه:
" وإلى هذا فإننا وقفنا على كتابكم الكريم في شأن الشيخ الصالح الفقيه الفاضل أبي عبد الله المقري وفقنا الله وإياه لما يزلف لديه، وهدانا إلى ما يقرب إليه، وما بلغكم بتقاعده بمالقة، وما أشرتم به في أمره، فاستوفينا جميع ما قررتم، واستوعبنا ما أجملتم في ذلك وفسرتم، وعلموا يا محل والدنا أمتعنا الله ببقائكم الذي في ضمنه اتصال السعادة، وتعرف النعم المعادة أننا لما انصرف عن بابنا هو ومن رافقه عن انشراح صدور، وتكييف جذل بما تفضلتم به وسرور، تعرفنا أنه تقاعد بمالقة عن صحبه، وأظهر الاشتغال بما عند ربه، وصرف الوجه إلى التخلي مشفقاً من ذنبه، واحتج بأن قصده ليس له سبب، ولا تعين له في الدنيا أرب، وأنه عرض عليكم أن تسمحوا له فيما ذهب إليه، وتقروه عليه، فيعجل البدار، ويمهد تحت إيالتكم القرار، فلما بلغنا هذا الخبر، لم يخلق الله عندنا به مبالاة تعتبر، ولا أعددناه فيما يذكر، فكيف فيما ينكر، وقطعنا أن الأمر فيه هين، وأن مثل هذا الغرض لا تلفت إليه عين، فإن بابكم غني من طبقات أولي الكمال، ملي بتسويغ الآمال، موفور الرجال، معمور بالفقهاء العارفين بأحكام الحرام والحلال، والصلحاء أولي المقامات والأحوال، والأدباء فرسان الروية والارتجال، ولم ينقص بفقدان الحصى أعداد الرمال، ولا يستكثر بالقطرة جيش العارض المنثال، مع ما علم من إعانتكم على مثل هذه الأعمال، واستمساككم بإسعاف غرض من صرف وجهه إلى ذي الجلال، ولو علمنا أن شيئاً يهجس في الخاطر من أمر مقامه، لقابلناه بعلاج سقامه.
" ثم لم ينشب أن تلاحق بحضرتنا بارزاً في طور التقلل والتخفيف، خالطاً
نفسه باللفيف، قد صار نكرة بعد العلمية (1) والتعريف، وسكن بعض مواضع المدرسة منقبضاً عن الناس لا يظهر إلا لصلاة يشهد جماعتها، ودعوة للعباد يخاف إضاعتها، ثم تلاحق إرسالكم الجلة، الذين تحق لمثلهم التجلة، فحضروا لدينا وأدوا المخاطبة الكريمة كما ذكر إلينا، وتكلمنا معهم في القضية، وتنخلنا في الوجوه المرضية، فلم نجد وجهاً أخلص من هذا الغرض، ولا علاجاً يتكفل ببرء المرض، من أن كلفناهم الإقامة التي يتبرك بيمن جوارها، ويعمل على إيثارها، بخلاف ما نخاطب مقامكم بهذا الكتاب الذي مضمنه شفاعة يضمن حباؤكم احتسابها، ويرعى انتماءها إلى الخلوص وانتسابها، ويعيدها قد أعلمت الحظوة أثوابها، ونقصدكم ومثلكم من يقصد في المهمة، فأنتم المثل الذائع في عموم الحلم وعلو الهمة، في أن تصدروا له مكتوباً مكمل الفصول، مقرر الأصول، يذهب الوجل، ويرفع الخجل، ويسوغ من مآربه لديكم الأمل، ويخلص النية ويرتب العمل، حتى يظهر ما لنا عند أبوتكم من تكميل المقاصد، جرياً على ما بذلتم من جميل العوائد، وإذا تحصل ذلك كان بفضل الله إيابه، وأناخت بعقوة (2) وعدكم الوفي ركابه، ويصل لمقامكم عزه ومجده وثوابه، وأنتم ممن يرعى أمور المجد حق الرعاية، وسيجرى في معاملة الله تعالى على ما أسس من فضل البداية، وتحقق الظنون فيما لديه من المدافعة عن حوزة الإسلام والحماية، هذا ما عندنا أعجلنا به الإعلام، وأعملنا فيه الأقلام، بعد أن أجهدنا الاختيار وتنخلنا الكلام، وجوابكم بالخير كفيل، ونظركم لنا وللمسلمين جميل، والله تعالى يصل سعدكم، والسلام ". انتهى.
قلت: هذه آفة مخالطة الملوك، فإن مولاي الجد المذكور كان نزل عن (3) القضاء وغيره، فلما أراد التخلي إلى لم يتركه السلطان أبو عنان كما رأيت.
(1) العلمية: سقطت من ق.
(2)
ص ق: عقرة؛ والعقوة: الساحة.
(3)
ق: هاربا من؛ وسقطت من ص.
[شيوخ المقري الجد]
وقد ذكر لسان الدين رحمه الله تعالى في الإحاطة شيوخ مولانا الجد، فلنذكرهم من جزء الجد الذي سماه " نظم اللآلي في سلوك الأمالي " (1) ومنه اختصر لسان الدين ما في الإحاطة في ترجمة مشيخته فنقول: قال مولاي الجد رحمه الله تعالى.
1، - 2 - فممن أخذت عنه، واستفدت منه، علماها - يعني تلمسان - الشامخان، وعالماها الراسخان: أبو زيد عبد الرحمن، وأبو موسى عيسى، ابنا محمد بن عبد الله ابن الإمام (2) ، وكانا قد رحلا في شبابهما من بلدهما برشك (3) إلى تونس فأخذوا بها عن ابن جماعة وابن العطار واليفرني (4) وتلك الحلبة، وأدركا المرجاني وطبقته من أعجاز المائة السابعة، ثم وردوا في أول المائة الثامنة تلمسان على أمير المسلمين أبي يعقوب وهو محاصر لها، وفقيه حضرته يومئذ أبو الحسن علي بن يخلف التنسي، وكان قد خرج إليه برسالة من صاحب تلمسان المحصورة فلم يعد، وارتفع شأنه عند أبي يعقوب، حتى إنه شهد جنازته، ولم يشهد جنازة أحد قبله، وقام على قبره، وقال: نعم الصاحب فقدنا اليوم؛ حدثني الحاج الشيخ بعباد تلمسان أبو عبد الله محمد بن محمد بن مرزوق العجيسي أن أبا يعقوب طلع إلى جنازة التنسي في الخيل حوالي روضة الشيخ أبي مدين فقال: كيف تتزكون الخيل تصل إلى ضريح الشيخ هلا عرضتم هنالك - وأشار إلى حيث المعراض الآن - خشبة ففعلنا، فلما قتل أبو يعقوب وخرج المحصوران أنكرا ذلك، فأخبرتهما، فأما أبو زيان - وكان السلطان يومئذ - فنزل وطأطأ رأسه ودخل،
(1) ق: اللآل
…
الامال.
(2)
ترجمة ابني الإمام في التعريف: 28 والعبر 7: 100 والديباج: 152 ونيل الابتهاج: 139، 190؛ وفيه نقل عن المقري الجد (انظر ص: 140) .
(3)
نيل الابتهاج: تلمسان.
(4)
نيل الابتهاج: والبطرني.
وأما أبو حمو - وكان أميراً - فوثب وخلفها. ولما رجع الملك إلى هذين الرجلين اختصا ابني الأمام، وكان أبو حمو أشد اعتناء بهما، ثم بعده ابنه أبو تاشفين، ثم زادت حظوتهما عند أمير المسلمين أبي الحسن، إلى أن توفي أبو زيد في العشر الأوسط من رمضان عام أحد وأربعين وسبعمائة بعد وقعة طريف بأشهر، فزادت مرتبة أبي موسى عند السلطان، إلى أن كان من أمر السلطان بإفريقيا ما كان في أول عام تسعة وأربعين، وكان أبو موسى قد صدر عنه قبل الوقعة فتوجه صحبة ابنه أمير المسلمين أبي عنان إلى فاس، ثم رده إلى تلمسان، وقد استولى عليها عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان، فكان عنده إلى أن مات الفقيه عقب الطاعون العام.
قال لي خطيب الحضرة الفاسية (1) أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن مالك بن عبد الله الرندي: لما أزمع الفقيه ومن أطلق معه على القفول إلى تلمسان بت على تشييعهم، فرأيتني كأنني نظمت هذا البيت في المنام:
وعند وداع القوم ودعت سلوتي
…
وقلت لها بيني فأنت المودع فانتبهت وهو في في، فحاولت قريحتي بالزيادة عليه فلم يتيسر لي مثله.
ولما استحكم ملك أبي تاشفين واستوثق رحل الفقيهان إلى المشرق في حدود العشرين وسبعمائة فلقيا علاء الدين القونوي، وكان بحيث إني لما رحلت فلقيت أبا علي حسين بن حسين ببجاية قال لي: إن قدرت أن لا يفوتك شيء من كلام القونوي حتى تكتب جميعه فافعل، فإنه لا نظير له ولقيا أيضاً جلال الدين القزويني صاحب البيان، وسمعا صحيح البخاري على الحجار، وقد سمعته أنا عليهما، وناظرا تقي الدين بن تميمة، وظهرا عليه، وكان ذلك من أسباب محنته، وكانت له مقالات فيما يذكر (2) وكان شديد الإنكار على الإمام فخر الدين، حدثني
(1) ص: الفارسية يعني حضرة أبي عنان فارس.
(2)
نيل الابتهاج: وكانت للتقي المذكور مقالات شنيعة من حمل حديث النزول على ظاهره
…
إلخ.
شيخي العلامة أبو عبد الله الآبلي أن عبد الله بن إبراهيم الزموري أخبره أنه سمع ابن تيمية ينشد لنفسه (1) :
محصل في أصول الدين حاصله
…
من بعد تحصيله علم بلا دين
أصل الضلالة والإفك المبين، فما
…
فيه فأكثره وحي الشياطين قال: وكان في يده قضيب، فقال: والله لو رأيته لضربته بهذا القضيب هكذا، ثم رفعه ووضعه.
وبحسبك مما طار لهذين الرجلين من الصيت بالمشرق أني لما حللت بيت المقدس وعرف به مكاني من الطلب، وذلك أني قصدت قاضيه شمس الدين بن سالم ليضع لي يده على رسم أستوجب به هنالك حقاً، فلما أطللت عليه عرفه بي بعض من معه، فقام إلي حتى جلست، ثم سألني بعض الطلبة بحضرته فقال لي: إنكم معشر المالكية تبيحون للشامي يمر بالمدينة أن يتعدى ميقاتها إلى الجحفة، وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد أنم عين المواقيت لأهل الآفاق " هن لهن، ولمن مر عليهن من غير أهلهن " وهذا قد مر على ذي الخليفة وليس من أهله فيكون له، فقلت له: إن النبي، صل الله عليه وسلم، قال " من غير أهلهن " أي من غير أهل المواقيت، وهذا سلب كلي، وإنه غير صادق على هذا الفرد، ضرورة صدق نقيضه وهو الإيجاب الجزئي عليه، لأنه من بعض أهل المواقيت قطعاً، فلما لم يتناوله النص رجعنا إلى القياس، ولا شك أنه لا يلزم أحداً أن يحرم قبل ميقاته وهو يمر به لكن من ليس من أهل الجحفة لا يمر بميقاته إذا مر بالمدينة، فوجب عليه الإحرام من ميقاتها، بخلاف أهل الجحفة، فإنها بين أيديهم، وهم يمرون عليها، فوقعت من نفوس أهل البلد بسبب ذلك، فلما عرفت أتاني آت من أهل المغرب فقال لي: تعلم أن مكانك في
(1) انظر هذا في نيل الابتهاج: 245 (ترجمة الآبلي) .
نفوس أهل هذا البلد مكين، وقدرك عندهم رفيع، وأنا اعلم انقباضك (1) عن ابني الإمام، فإن سئلت فانتسب لهما، فقد سمعت منهما، وأخذت عنهما، ولا تظهر العدول عنهما إلى غيرهما فتضع من قدرك، فإنما أنت عند هؤلاء الناس خليفتهما، ووارث علمهما وأن لا أحد فوقهما (2) :
وليس لما تبني يد الله هادم
…
وشهدت مجلساً بين يدي السلطان أبي تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمو ذكر فيه أبو زيد ابن الإمام أن ابن القاسم مقلد مقيد النظر بأصول مالك، ونازعه أبو موسى عمران بن موسى المشدالي، وادعى أنه مطلق الاجتهاد، واحتج له بمخالفته لبعض ما يرويه ويبلغه عنه لما ليس من قوله، وأتى من ذلك بنظائر كثيرة قال: فلو تقيد بمذهبه لم يخالفه بغيره، فاستظهر أبو زيد نص لشرف الدين التلمساني مثل فيه الاجتهاد المخصوص باجتهاد ابن القاسم بالنظر إلى مذهب مالك والمزني إلى الشافعي، فقال عمران: هذا مثال، والمثال لا تلزم صحته، فصاح به أبو موسى ابن الإمام وقال لأبي عبد الله ابن أبي عمرو: تكلم، فقال: لا أعرف ما قال هذا الفقيه، الذي أذكره من كلام أهل العم انه لا يلزم من فساد المثال فساد الممثل، فقال أبو موسى للسلطان: هذا كلام أصولي محقق، فقلت لهما وأنا يومئذ حديث السن: ما أنصفتما الرجل، فإن المثل كما تؤخذ على جهة التحقيق كذلك تؤخذ على طريق التقريب، ومن ثم جاء ما قاله هذا الشيخ، أعني ابن أبي عمرو، وكيف لا وهذا سيبويه يقول: وهذا مثال ولا يتكلم به، فإذا صح أن المثال قد يكون تقريباً فلا يلزم صحة المثال ولا فساد الممثل لفساده، فهذان القولان من أصل واحد.
(1) كذا وفي نيل الابتهاج: أخذك.
(2)
نيل الابتهاج: وإن الأمر فوقهما.
وشهدت مجلساً آخر عند هذا السلطان قرأ فيه عن أبي زيد ابن الإمام حديث لقنوا موتاكم لا إله إلا الله في صحيح مسلم، فقال له الأستاذ أبو إسحاق ابن حكم السلوي: هذا الملقن محتضر حقيقة ميت مجازاً، فما وجه ترك محتضريكم إلى موتاكم، والأصل الحقيقة فأجابه أبو زيد بجواب لم يقنعه، وكنت قد قرأت على الأستاذ بعض التنقيح فقلت: زعم القرافي أن المشتق إنما يكون حقيقة في الحال، مجازاً في الاستقبال، مختلفاً في الماضي، إذا كان محكوماً به، أما إذا كان متعلق الحكم كما هنا فهو حقيقة مطلقاً إجماعاً، وعلى هذا التقرير لا مجاز، فلا سؤال، لا يقال: إنه احتج على ذلك بما فيه نظر، لأنا نقول: إنه نقل الإجماع، وهو أحد الأربعة التي لا يطالب مدعيها بالدليل، كما ذكر أيضاً، بل نقول: إنه أساء حيث احتج في موضع الوفاق، كما أساء اللخمي وغيره في الاحتجاج على وجوب الطهارة ونحوها، بل هذا أشنع، لكونه مما علم من الدين بالضرورة، ثم إنا لو سلمنا نفي الإجماع فلنا أن نقول: إن ذلك إشارة إلى ظهور العلامات التي يعقبها الموت عادة، لأن تلقينه قبل ذلك إن لم يدهش فقد يوحش، فهو تنبيه على وقت التلقين، أي لقنو من تحكمون أنه ميت، أو نقول: إنما عدل عن الاحتضار لما فيه من الإبهام، ألا ترى اختلافهم فيه: هل أخذ من حضور الملائكة، أو حضور الأجل، أو حضور الجلاس، ولا شك أن هذه حالة خفية يحتاج في نصبها دليلاً على الحكم إلى وصف ظاهر يضبطها، وهو ما ذكرناه، أو من حضور الموت، وهو أيضاً مما لا يعرف بنفسه، بل بالعلامات، فلما وجب اعتبارها وجب كون تلك التسمية إشارة إليها، والله تعالى أعلم.
كما كان أبو زيد يقول فيما جاء من الأحاديث من معنى قول ابن أبي زيد وإذا سلم الإمام فلا يثبت بعد سلامه ولينصرف: إن ذلك بعد أن ينتظر بقدر ما يسلم من خلفه، لئلا يمر بين يدي أحد، وقد ارتفع عنه حكمه، فيكون كالداخل مع المسبوق، جمعاً بين الأدلة، قلت: وهذا ملح الفقيه.
اعترض عند أبي زيد قول ابن الحاجب ولبن الآدمي والمباح طاهر بأنه إنما يقال في الآدمي لبان، فأجاب بالمنع، واحتج بقول النبي، صلى الله عليه وسلم، " اللبن للفحم " وأجيب بأن قول ذلك لتشريكه المباح معه في الحكم؛ لأن اللبان خاص به، وليس موضع تغليب، لأن اللبان ليس بعاقل، ولا حجة على تغليب ما يختص بالعاقل.
تكلم أبو زيد يوماً في مجلس تدريسه في الجلوس على الحرير، فاحتج إبراهيم السلوي للمنع بقول أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فمنع أبو زيد أن يكون إنما أراد باللباس الافتراش فحسب، لاحتمال أن يكون إنما أراد التغطية معه أو وحدها، وذكر حديثاً في تغطية الحصير، فقلت: كلا الأمرين يسمى لباساً، قال الله عز وجل {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} (البقرة: 187) وفيه بحث.
كان أبو زيد يصحف قول الخونجي في الجمل والمقارنات التي يمكن اجتماعه معها فيقول: " والمفارقات " ولعله في هذا كما قال أبو عمرو ابن العلاء للأصمعي لما قرأ عليه (1) :
وغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تامر
…
فقال:
وغررتني وزعمت أنك لا تني بالضيف تامر
…
فقال: أنت في تصحيفك أشعر من الحطيئة، أو كما حكي عمن صلى بالخليفة في رمضان ولم يكن يومئذ يحفظ القرآن، فكان ينظر في المصحف، فصحف آيات: صنعة الله، أصيب بها من أساء، إنما المشركون نحس، وعدها
(1) التصحيف: 95.
أباه، تقية الله خير لكم، هذا أن دعوا للرحمن ولداً، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يعنيه.
سمعت أبا زيد يقول: إن أبا العباس الغماري التونسي أول من أدخل " معالم " الإمام فخر الدين للمغرب، وبسبب ما قفل به من الفوائد رحل أبو القاسم ابن زيتون.
وسمعته يقول: إن ابن الحاجب ألف كتابه الفقهي من ستين ديواناً (1)، وحفظت من وجادة أنه ذكر عند أبي عبد الله ابن قطرال المراكشي أن ابن الحاجب اختصر " الجواهر " فقال: ذكر هذا لأبي عمرو حين فرغ منه فقال: بل ابن شاس اختصر كتابي، قال ابن قطرال: وهو أعلم بصناعة التأليف من ابن شاس، والإنصاف أنه لا يخرج عنه وعن ابن بشير إلا في الشيء اليسير، فهما أصلاه ومعتمداه، ولا شك أن له زيادات وتصرفات تنبئ عن رسوخ قدمه وبعد مداه.
وكان أبو زيد (2) من العلماء الذين يخشون الله، حدثني أمير المؤمنين المتوكل أبو عنان أن والده أمير المسلمين أبا الحسن ندب الناس إلى الإعانة بأموالهم على الجهاد، فقال له أبو زيد: لا يصح لك هذا حتى تكنس بيت المال، وتصلي ركعتين كما فعل علي بن أبي طالب، وسأله أبو الفضل ابن أبي مدين الكاتب ذات يوم عن حاله، وهو قاعد ينتظر خروج السلطان، فقال له: أما الآن فأنا مشرك، فقال: أعيذك من ذلك، فقال: لم أرد الشرك في التوحيد، لكن في التعظيم والمراقبة، وإلا فأي شيء جلوسي ههنا
والشيء بالشيء يذكر، قمت ذات يوم على باب السلطان بمراكش فيمن
(1) ابن الحاجب: عثمان بن عمر بن يونس جمال الدين المصري (- 646) له مختصر في الفقه المالكي يعرف عادة باسم " فرعي ابن الجاجب " أو المختصر الفقهي ومختصر في أقول الفقه يسمى " أصلي ابن الحاجب " وهو مختصر كتابه منتهى السول (انظر مقدمة ابن خلدون: 1025) .
(2)
النص في نيل الابتهاج: 140.
ينتظر خروجه، فقام إلى جانبي شيخ من الطلبة، وأنشدني لأبي بكر ابن خطاب (1) رحمه الله تعالى:
أبصرت أبواب الملوك تغص بال
…
راجين إدراك العلا والجاه
مترقبين لها فمهما فتحت
…
خروا لأذقان لهم وجباه
فأنفت من ذاك الزحام وأشفقت
…
نفسي على إنضاء جسمي الواهي
ورأيت باب الله ليس عليه من
…
متزاحم، فقصدت باب الله
وجعلته من دونهم لي عدة
…
وأنفت من غيي وطول سفاهي يقول جامع هذا المؤلف: رأيت بخط عالم الدنيا ابن مرزوق على هذا المحل من كلام مولاي الجد مقابل قوله " ورأيت باب الله " ما صورته: قلت ذلك لسعته أو لقلة أهله:
إن الكرام كثير في البلاد، وإن
…
قلوا، كما غيرهم قل وإن كثروا {قل لا يستوي الخبيث والطيب} - الآية (المائدة: 100) انتهى.
رجع إلى كلام مولاي الجد قال رحمه الله تعالى ورضي عنه: وحدثني شيخ من أهل تلمسان أنه كان عند أبي زيد مرة، فذكر القيامة وأهوالها فبكى، فقلت: لا بأس علينا وأنتم أمامنا، فصاح صيحة، واسود وجهه، وكاد يتفجر دماً، فلما سري عنه رفع يديه وطرفه إلى السماء وقال: اللهم لا تفضحنا مع هذا الرجل، وأخباره كثيرة.
وأما شقيقه أبو موسى فسمعت عليه كتاب مسلم، واستفدت منه كثيراً،
(1) هو عزيز خطاب المرسي كان أول أمره ناسكا زاهدا واستمر على هذه الطريقة حتى امتحن برياسة بلده سنة 636 فخاض في سفك الدماء واجترأ على الأموال من غير وجهها إلى أن قتل في العام نفسه (ترجمته في الذيل والتكملة 5: 144 وصلة الصلة: 165 والتكملة رقم 1952 واختصار القدح: 126 والمغرب 2: 252 وأعمال الأعلام: 315 والحلة السيراء 2: 308) .
فمما سألته عنه قول ابن الحاجب في الاستلحاق " وإذا استلحق مجهول النسب " إلى قوله " أو الشرع بشهرة نسبه " كيف يصح هذا القسم مع فرضه مجهول النسب فقال: يمكن أن يكون مجهول النسب في حال الاستلحاق، ثم يشتهر بعد ذلك، فيبطل الاستلحاق، فكأنه يقول: ألحقه ابتداء ودواماً، ما لم يكذبه أحد، هذه هي إحدى الحالتين، إلا أ، هذا إنما يتصور في الدوام فقط، ومما سألته عنه أن الموثقين يكتبون الصحة والجواز والطوع على ما يوهم القطع، وكثيراً ما ينكشف الأمر بخلافه، ولو كتبوا مثلاً ظاهر الصحة والجواز والطوع لبرئوا من ذلك، فقال لي: لما كان مبنى الشهادة وأصلها العلم لم يجمل ذكر الظن ولا في معناه احتمال، فإذا أمكن العلم بمضمونها لم يجز أن يحمل على غيره، فإذا تعذر كما ها هنا بني باطن أمرها على غاية ما يسعه فيه الإمكان عادة، وأجري ظاهرة على ما ينافس أصلها، صيانة لرونقها، ورعاية لما كان ينبغي أن تكون عليه لولا الضرورة. قلت: ولذلك عقد ابن فتوح وغيره عقود الجوائح على ما يوهم العلم بالتقدير، مع أن ذلك إنما يدرك بما غايته الظن في الحزر والتخمين، وكانا معاً يذهبان إلى الاختيار وترك التقليد.
3 -
وممن أخذت عنه أيضاً حافظها ومدرسها ومفتيها أبو موسى عمران ابن موسى بن يوسف المشدالي (1) ، صهر شيخ المدرسين أبي علي ناصر الدين (2) على ابنته، وكان قد فر من حصار بجاية فنزل الجزائر، فبعث فيه أبو تاشفين، وأنزله من التقريب والإحسان بالمحل المكين، فدرس بتلمسان الحديث والفقه والأصلين والنحو والمنطق والجدل والفرائض، وكان كثير الاتساع في الفقه والجدل، مديد الباع فيما سواهما مما ذكر، سألته عن قول ابن الحاجب في
(1) ترجمة أبي موسى المشدالي في نيل الابتهاج: 208.
(2)
هو منصور بن أحمد بن عبد الحق (- 731)(راجع ترجمته في نيل الابتهاج: 377 وعنوان الدراية: 134) .
السهو فإن أخال الإعراض فمبطل عمده فقال: معناه فإن أخال غيره أنه معرض، فحذف المفعول لجوازه، وأقام المصدر مقام المفعولين كما يقوم مقامه ما في معناه من أن وأن، قال الله العظيم {ألم أحسب الناس أن يتركوا} (العنكبوت: 1 - 2) قلت: وأقوى من هذا أن يكون المصدر هو المفعول الثاني، وحذف الثالث اختصاراً لدلالة المعنى عليه: أي فإن أخال الإعراض كائناً، كما قالوا: خلت ذلك، وقد أعربت الآية بالوجهين، وهذا عندي أقرب، ومن هذا الباب ما يكتب به القضاة من قولهم " أعلم باستقلاله فلان " أي أعلم فلان من يقف عليه بأن الرسم مستقل، فحذفوا الأول، وصاغوا ما بعده المصدر.
سئل عمران وأنا عنده عما صبغ من الثياب بالدم فكانت حمرته منه، فقال: يغسل، فإن لم يخرج شيء من ذلك في الماء فهو طاهر، لأن المتعلق به على هذا التقدير ليس إلا لون النجاسة، وإذا عسر قلعه بالماء فهو عفو، وإلا وجب غسله إلى أن لا يخرج منه شيء، قلت: في البخاري قال معمر: رأيت الزهري يصلي فيما صبغ بالبول من ثياب اليمن، وتفسيره على ما ذكره عمران. وكان قد صاهر لقاضي الجماعة أبي عبد الله ابن هربة على ابنته فلم تزل عنده إلى أن توفي عنها.
4 -
ومنهم مشكاة الأنوار، الذي يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار، الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن حكم السلوي، رحمه الله تعالى. ورد تلمسان بعد العشرين، ثم لم يزل بها إلى أن قتل يوم دخلت على بني عبد الواد، وذلك في الثامن والعشرين من شهر رمضان عام سبعة وثلاثين وسبعمائة.
قال لي الشيخ ابن مرزوق: ابتدأ أمر بني عبد الواد بقتلهم لأبي الحسن السعيد، وكان أسمر لأم ولد تسمى العنبر، وختم بقتل أبي الحسن ابن عثمان إياهم، وهو بصفته المذكورة حذوك النعل بالنعل، فسبحان من دقت حكمته في كل شيء.
ولما وقف الرفيقان أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري ومجمد بن عبد الرحمن بن الحكيم الرندي في رحلتهما على قبر السعيد بعباد تلمسان تناول ابن الحكيم فحمة ثم كتب بها على جدار هناك:
انظر ففي إليك اليوم معتبر
…
إن كنت ممن بعين الفكر قد لحظا
بالأمس أدعى سعيداً، والورى خولي
…
واليوم يدعى سعيداً من بي اتعظا قال ابن حكم: كان أول اتصالي بالأستاذ أبي عبد الله ابن آجروم أني دخلت عليه وقد حفظت بعض كتاب المفصل فوجدت الطلبة يعرفون بيت يديه هذا البيت (1) :
عهدي به الحي الجميع وفيهم
…
قبل التفرق ميسر وندام وقد عُمي عليهم خبر " عهدي " فقلت له: قد سدت الحال وهي الجملة بعده مسده، فقال لي بعض الطلبة: وهل يكون هذا في الجملة كما كان في قولك: " ضربي زيداً قائماً " قلت له: نعم، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:" أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ".
ذكر أبو زيد ابن الإمام يوماً في مجلسه أنه سئل بالمشرق عن هاتين الشرطيتين {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} (الأنفال: 23) فإنهما تستلزمان بحكم الإنتاج لو علم الله فيهم خيراً لتولوا، وهو محال، ثم أراد أن يرى ما عند الحاضرين، فقال ابن حكم: قال ابن الخونجي: والإهمال بإطلاق لفظ لو وإن في المتصلة، فهاتان القضيتان على هذا مهملتان، والمهملة في قوة الجزئية، ولا قياس عن جزئيتين. فلما اجتمعت ببجاية أبي علي حسين بن حسين وأخبرته بهذا، وبما أجاب به الزمخشري وغيره، مما يرجع إلى انتفاء تكرر الوسط، قال لي: الجوابان في المعنى سواء، لأن القياس على
(1) البيت للبيد، ديوانه:288.
الجزئيتين إنما امتنع لانتفاء أمر تكرر الوسط، فأخبرت بذلك شيخنا الآبلي، فقال: إنما يقوم القياس على الوسط، ثم يشترط فيه بعد ذلك أن لا يكون من جزئيتين، ولا سالبتين، إلى ما يشترط، فقلت: ما المانع من كون هذه الشروط تفصيلاً لمجمل ما ينبني عليه من الوسط وغيره، وإلا فلا مانع غير ما قاله ابن حسين، قال الآبلي: وقد أجبت بجواب السلوي، ثم رجعت إلى ما قال الناس لوجوب كون مهملات القرآن كلية لأن الشرطية لا تنتج جزئية، فقلت: هذا فيما يساق منها للحجة، مثل " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا "، أما في مثل هذا فلا.
ولما ورد تلمسان الشيخ الأديب أبو الحسن ابن فرحون نزيل طيبة على تربتها السلام سأل ابن الحكم عن معنى هذين البيتين:
رأت قمر السماء فأذكرتني
…
ليالي وصلها بالرقمتين
كلانا ناظر قمراً ولكن
…
رأيت بعينها ورأت بعيني ففكر ثم قال: لعل هذا الرجل كان ينظر إليها، وهي تنظر إلى قمر السماء، فهي تنظر إلى القمر حقيقة، وهو لإفراط الاستحسان يرى أنها الحقيقة، فقد رأى بعينها لأنها ناظرة الحقيقة، وأيضاً فهو ينظر إلى قمر مجازاً، وهو لإفراط الاستحسان (1) لها يرى أن قمر السماء هي المجاز، فقد رأت بعينه، لأنها ناظرة المجاز.
قلت: ومن ههنا تعلم وجه الفاء في قوله فأذكرتني، لأنه لما صارت رؤيتها رؤيته، وصار القمر حقيقة إياها، وكان قوله رأت قمر السماء فأذكرتني، بمثابة قوله فأذكرتني، فإن بعض من لا يفهم كلام الأستاذ حق الفهم ينشده " فأذكرتني " فالفاء في البيت الأول مبنية على معنى البيت الثاني، لأنها
(1) ق: استحسانه.
مبنية عليه، وهذا النحو يسمى الإيذان في علم البيان.
ولما اجتمعنا بأبي الوليد ابن هانئ مقدمه علينا من غرناطة سأل ابن حكم عن تكرار من في قوله تعالى " سواء منكم من أسر القول ومن جهر به " دون ما بعدها، فقال: لولا تكررها أولاً لتوهم التضاد بتوهم اتحاد الزمان، فارتفع بتكرار الموضوع، أما الآخر فقد تكرر الزمان، فارتفع توهم التضاد، فلم يحتج إلى زائد على ذلك، فقلت: فهلا اكتفى بسواء على تكرار الموضوع، لأن التسوية لا تقع إلا بين أمرين، وإنما الجواب عندي أنها تكررت أولاً على الأصل لأنهما صنفان يستدعيهما كل واحد منهما أن تقع عليه، ثم اختصرت ثانياً لفهم المراد من التفصيل بالأول مع أمن اللبس، وقد أجاب الزمخشري بغير هذين فانظره.
سألني ابن حكم المذكور عن نسب المجيب في هذا البيت:
ومهفهف الأعطاف قلت له انتسب
…
فأجاب ما قتل المحب حرام ففكرت ثم قلت: أراه تميمياً، لإلغائه ما النافية، فاستحسنه مني لصغر سني يومئذ.
تذاكرت (1) يوماً مع ابن حكم في تكملة البدر بن محمد بن مالك ل " شرح التسهيل " لأبيه، ففصلت عليه كلام أبيه، ونازعني الأستاذ، فقلت:
عهود من الآبا توارثها الأبنا
…
فما رأيت بأسرع من أن قال:
بنوا مجدها لكن بنوهم لها أبنى
…
فبهت من العجب (2) .
(1) ص: نظرت؛ ق: وتكلمت.
(2)
ق: التعجب.
وتوفي الشيخ ابن مالك سنة اثنتين وسبعين وستمائة، وفيها ولد شيخنا عبد المهيمن الحضرمي، فقيل: مات فيها إمام نحو، وولد فيها إمام نحو.
سألت ابن حكم عن قول فخر الدين في أول المحصل " وعندي أن شيئاً منها غير مكتسب "(1) بمعنى لا شيء ولا واحد، هل له أصل في العربية أو كما قيل من بقايا عجمته فقال لي: بل له أصل، وقد حكى بان مالك مثله عن العرب، فلم يتفق أن أستوقفه عليه، ثم لم أزل أستكشف عنه كل من أظن أن لديه شيئاً منه (2) ، فلم أجد من عنده أثارة منه، حتى مر بي في باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليها كان من شرح التسهيل قوله فإن تقدم على الاستفهام أحد المفعولين نحو " علمت زيداً أبو من هو " اختير نصبه، لأن الفعل مسلط عليه، فلا مانع، ويجوز رفعه، لأنه والذي بعد الاستفهام شيء واحد في المعنى فكأنه في حيز الاستفهام، والاستفهام مشتمل عليه، وهو نظير قوله: إن أحد إلا يقول ذلك، وأحد هذا لا يقع إلا بعد نفي، ولكن لما كان هنا والضمير المرفوع بالقول شيئاً واحداً في المعنى تنزل منزلة واقع بعد نفي، فعلمت أنه نحى إلى هذا، لأن شيئاً ههنا والضمير المرفوع بمكتسب المنفي في المعنى شيء واحد، فكان شيئاً كأنه وقع بعد غير: أي بعد النفي.
سأل ابن فرحون ابن حكم: هل تجد في التنزيل ست فاءات مرتبة ترتيبها في هذا البيت:
رأى فحب فرام الوصل فامتنعت فسام صبراً فأعيا نيله فقضى
ففكر ثم قال: نعم " فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون - إلى آخره " فمنعت له البناء في " فتنادوا " فقال لابن فرحون: فهل عندك غيره فقال: نعم " فقال لهم رسول الله إلى آخر السورة " فمنع له
(1) المحصل: 3؛ القول في التصورات وعندي
…
إلىخ.
(2)
ق ص: عنه.
بناء الآخرة لقراءة الواو، فقلت: امنع ولا تسند فيقال لك: إن المعاني قد تختلف باختلاف الحروف، وإن كان السند لا يسمع الكلام عليه، وأكثر ما وجدت الفاء تنتهي في كلامهم إلى هذا العدد، سواء بهذا الشرط وبدونه، كقول نوح عليه السلام:" فعلى الله توكلت - الآية " وكقول امرئ القيس:
غشيت ديار الحي بالبكرات
…
البيتين (1)، لا يقال: فالجب سابع، لأنا نقول: إنه عطف على عاقل المجرد منها، ولعل حكمة الستة أنها أول الأعداد التامة كما قيل في حكمة خلق السموات والأرض فيها، وشأن اللسان عجيب.
وقوله في هذا البيت فحب لغة قليلة جرى عليها محبوب كثيراً، حتى استغني به عن محب، فلا تكاد تجده إلا في قول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيره
…
مني بمنزلة المحب المكرم ونظيره محسوس من حس والأكثر أحس ولا تكاد تجد محساً، وهذا التوجيه أحسن من قول القرافي في " شرح التنقيح ": إنهم أجروا محسوسات مجرى معلومات لأن الحس أحد طرق العلم.
سمعت ابن حكم يقول: بعث بعض أدباء فاس إلى صاحب له:
ابعث إلي بشيء
…
مدار فاس عليه
وليس عندك شيء
…
مما أشير إليه فبعث إليه ببطة من مري (2) ، يشير بذلك إلى الرياء.
(1) هما قول أمرئ القيس:
غشيت ديار الحي بالبكرات
…
فعارمة فبرقة العيرات
فغول فحليت فأكناف منعج
…
إلى عاقل فالجب ذي الأمرات (2) قد شرحنا من قبل لفظة " مري "(ج 3: 92) وأما " البطة " فهي إناء كالقارورة يعمل على شكل بطة.
وحدثت (1) أن قاضيها أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الملجوم حضر وليمة، وكان كثير البلغم، فوضع بين يديه صهره أبو العباس ابن الأشقر غضاراً من اللون المطبوخ بالمري لمناسبته لمزاجه، فخاف أن يكون قد عرض له بالرياء.
وكان ابن الأشقر يذكر بالوقوع في الناس، فناوله القاضي غضار المقروض، فاستحسن الحاضرون فطنته.
5 -
ومنهم عالم الصلحاء، وصالح العلماء، وجليس التنزيل، وحليف البكاء والعويل، أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد بن إبراهيم بن الناصر المجاصي (2) خطيب جامع القصر الجديد، وجامع خطتي التحديث والتجويد، ويسميه أهل مكة البكاء، ولما قدم أبو الحسن علي بن موسى البحيري سأل عنه، فقيل إليه: لو علم بك أتاك، فقال: أنا آتي من سمعت سيدي أبا زيد الهزميري يقول للأول ما رآه ولم يكن يعرفه قبل ذلك: مرحباً بالفتى الخاشع، أسمعنا من قراءتك الحسنة.
دخلت عليه بالفقيه أبي عبد الله في أيام العيد، فقدم لنا طعاماُ، فقلت: لو أكلت معنا، فرجونا بذلك ما يرفع من حديث " من أكل مع مغفور له غفر له " فتبسم وقال لي: دخلت على سيدي أبو عبد الله الفاسي بالإسكندرية، فقدم طعاماُ، فسألته عن هذا الحديث، فقال: وقع في نفسي منه شيء، فرأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، في المنام، فسألته عنه، فقال لي: لم أقله، وأرجو أن يكون ذلك.
وصافحته بمصافحة الشيخ أبا عبد الله الزيان بمصافحته أبا سعيد عثمان بن عطية الصعيدي أبا عباس أحمد الملثم بمصافحته المعمر بمصافحته رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
(1) ق: ذكر.
(2)
ترجمة المجاصي في نيل الابتهاج: 121 ونقل بعض ما قاله المقري الجد فيه.
وسمعته يحدث عن شيخه أبي محمد الدلاصي أنه كان للملك العادل مملوك اسمه محمد، فكان يخصه لدينه وعقله بالنداء باسمه، وإنما كان ينعق بمماليكه يا ساقي، يا طباخ يا مزين، فنادى به ذات يوم: يا فراش، فظن ذلك لموجدة عليه، فلما لم ير أثر ذلك، وتصورت له به خلوة، سأله عن مخالفته لعادته معه، فقال: لا عليك، كنت حينئذ جنباً، فكرهت ذكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في تلك الحالة.
ومما نقلته من خط المجاصي ثم قرأته عليه فحدثني به قال: حدثني القاضي أبو زكريا يحيى أحمد بن محمد بن يحيى بن أبي بكر ابن عصفور قال: حدثني جدي يحيى المذكور، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن التجيبي المقرئ بتلمسان، حدثنا الحافظ أبو محمد - يعني والله أعلم عبد الحق الإشبيلي - أخبرنا (1) أبو غالب أحمد ابن الحسن المستعمل، أخبرنا أبو الفتوح عبد الغافر بن الحسين بن أبي الحسن ابن خلف الألمعي، أخبرنا (2) أبو نصر أحمد بن إسحاق النيسابوري، أملى علينا أبو عثمان إسماعيل ين عبد الرحمن الصابوني، أخبرنا محمد بن علي بن الحسين العلوي، أخبرنا عبد الله بن إسحاق اللغوي وأنا سألته، أخبرنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، أخبرنا عبد الله بن نافع بن عيسى بن يونس عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لي جبريل: ألا أعلمك الكلمات التي قالهن موسى حين انفلق له البحر قلت: بلى، قال قل: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وبك المستغاث، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال ابن مسعود: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم تسلسل الحديث عن ذلك، كل أحد من رجاله يقول: ما تركتهن منذ سمعتهن من فلان، لشيخه، وقد سمعت المجاصي
(1) ق: حدثنا، حيث وقعت.
(2)
أخبرنا أبو الفتح
…
أخبرنا: سقطت من ق.
يكررها كثيراً، وما تركتهن منذ سمعتهن منه.
وأنشدني المجاصي وقال: أنشدني نجم الدين الواسطي، أنشدني شرف الدين الدمياطي، أنشدني تاج الدين الأرموي مؤلف الحاصل، قال: أنشدني الإمام فخر الدين لنفسه (1) :
نهاية إقدام العقول عقال
…
وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة (3) من جسومنا
…
وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
…
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم من رجال رأينا ودولة (3)
…
فبادوا مسرعين جميعاُ وزالوا
وكم من جبال علت شرفاتها
…
رجال فماتوا والجبال جبال وتوفي المجاصي في العشر الآخر من شهر ربيع الأول، عام أحد وأربعين وسبعمائة.
6 -
ومنهم الشيخ الشريف القاضي الرحلة المعمر أبو علي الحسن بن يوسف ابن يحيى الحسيني السبتي.
أدرك أبو الحسين ابن أبي الربيع وأبا القاسم العزفي واختص بابن عبيدة وابن الشاط، ثم رحل إلى المشرق فلقي ابن دقيق العيد وحلبته، ثم قفل فاستوطن تلمسان إلى أن مات بها سنة أربع وخمسين، أو ثلاث وخمسين وسبعمائة، قرأ علينا حديث الرحمة وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا الحسن بن علي بن عيسى ابن الحسن اللخمي، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا (4) علي بن المظفر بن القاسم الدمشقي، وهو أول حديث سمعته منه، أجبرنا أبو الفرج محمد بن عبد الرحمن بن أبي العز الواسطي، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو العز
(1) وردت الأبيات في ترجمة فخر الدين في ابن أبي أصيبعة 2: 28.
(3)
ابن أبي أصيبعة: وكم قد رأينا من رجال ودولة.
(3)
ابن أبي أصيبعة: وكم قد رأينا من رجال ودولة.
(4)
ق: حدثنا، حيثما وقعت.
عبد المغيث بن زهير، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي، وهو أول حديث سمعته منه. قال الحسن بن علي: وحدثنا أيضاً عالياً الحسن بن محمد البكري، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا ابن الفتوح محمد بن محمد بن محمد بن الجنيد الصوفي، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا زاهر بن طاهر، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي الفضائل عبد الوهاب بن صالح عرف بابن المغرم إمام جامع همذان بها، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو منصور عبد الكريم بن محمد بن حامد المعروف بابن الخيام، وهو أول حديث سمعته عنه، أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك، وهو أول حديث سمعته عنه، حفظاً، أخبرنا أبو الطاهر محمد بن محمد بن مخمش (1) الزيادي، وهو أول حديث سمعته عنه، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن هلال البزاز، وهو أول حديث سمعته عنه، أخبرنا عبد الرحمن بن البشر بن الحكم، وهو أول حديث سمعته عنه، أخبرنا أبو سفيان بن عيينة، وهو أول حديث سمعته عنه، عن عمرو ابن دينار، عن أبي قاموس مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال:" الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ".
(ح) وحدثني الشريف أيضاُ كذلك بطريقه عن السلفي بأحاديثه المشهورة فيه، وهذا الحديث أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قال لي الشريف: قال لي القاضي أبو العباس الرندي: لما قدم أبو العباس ابن الغماز (2) من بلنسية نزل بجاية، فجلس بها في الشهود مع عبد الحق بن ربيع (3) ،
(1) ابن مخمش: سقطت من ق، وفي ص: محمش.
(2)
هو أحمد بن محمد بن الحسن ابن الغماز الأنصاري نزل بجاية وولي قضاءها وإقامة الصلوات بجامعها الأعظم وتوفي بتونس (693)، انظر الغبريني: 70 - 72.
(3)
لعبد الحق ترجمة مسهبة في الغبريني 32 - 36.
فجاء عبد الحق يوماً وعليه برنس أبيض، وقد حسنت شارته وكملت هيأته، فلما نظر إليه ابن الغماز أنشده:
لبس البرنس الفقيه فباهى
…
ورأى أنه المليح فتاها
لو زليخا رأته حين تبدى
…
لتمنته أن يكون فتاها وبه أن ابن الغماز جلس لارتقاب الهلال بجامع الزيتونة، فنزل الشهود من المئذنة وأخبروا أنهم لم يهلوه، وجاء حفيد له صغير، فأخبره أنه أهله، فردهم معه، فأراهم إياه، فقال: ما أشبه الليلة بالبارحة، وقع لنا مثل هذا مع أبي الربيع ابن سالم، فأنشدنا فيه:
توارى هلال الأفق عن أعين الورى
…
وأرخى حجاب الغيم دون محياه
فلما تصدى لارتقاب شقيقه
…
تبدى له دون الأنام فحياه سمعت الشريف يقول: أول زجل عمل في الدنيا:
بالله يا طير مدلل
…
مر بي وسط القفار
إياك تجدد لعاده
…
ترمي حجيرة في داري 7 - ومنهم قاضي جماعتها وكاتب خلافتها وخطيب جامعها، أبو عبد الله محمد بن منصور بن علي بن هدية القرشي (1) ، من ولد عقبة بن نافع الفهري، نزلها سلفه قديماً، وخلفه بها إلى الآن، توفي في أواسط سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وشهد جنازته سلطانها يومئذ أبو تاشفين، وولى ابنه أبا علي منصوراً مكانه يومئذ، ولما ثقل لسانه دعا ابنه فقال له: اكتب هذين البيتين فإني نظمتهما على هذه الحالة، فكتب:
إلهي مضت للعمر سبعون حجة
…
جنيت بها لما جنيت الدواهيا
(1) ترجمة ابن هدية في المقبة العليا: 134 وذكر أن وفاته صدر سنة 736.
وعبدك قد أمسى عليل ذنوبه
…
فجد لي برحمى منك، نعم الدوا هيا ولما ورد الأديب أبو عبد الله محمد بن محمد المكودي من المغرب رفع عليه قصيدة أولها:
سرت والدجى لم يبق إلا يسيرها
…
نسيم صبا لم يحيي القلوب مسيرها وفيها الأبيات العجاب التي سارت سير الأمثال، وهي قوله:
وفي الكلة الحمراء حمراء لو بدت
…
لثكلى لولى ثكلها وثبورها
فما يستوي مثوى لها من سوى القنا
…
خيام، ومن بيض الصفاح ستورها
وما بسوى صدق الغرام أرومها
…
ولا بسوى زور الخيال أزورها فأحسن إليه، وكلم السلطان حتى أرسل جرايته عليه، وقد شهدت المكودي وهذه القصيدة تقرأ عليه.
8 -
ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن أبي عمرو التميمي (1) .
أدرك ابن الزيتون، وأخذ عن أبي الطاهر ابن سرور وحلبته، وعنه أخذت شرح المعالم له، وولي القضاء بتلمسان مرات، فلم تستفزه الدنيا، ولا باع الفقر بالغنى.
9 -
ومنهم (2) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد النور (3) .
قاضي الجماعة بعد ابن أبي عمرو، وكانت له رحلة إلى المشرق، لقي بها
(1) سقطت هذه الترجمة من ق.
(2)
ق: ومنهم القاضي.
(3)
ترجمة ابن عبد النور في التعريف: 46 وجذوة الاقتباس: 190 ونيل الابتهاج: 240 وهو ندرومي أي ينسب إلى ندرومة في الشمال الغربي من تلمسان.
جلالة الدين القزويني وحلبته، وتوفي بتونس في الوباء العام في حدود الخمسين وسبعمائة.
10 -
ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن الحسين البروني (1) .
قدم عليها من الأندلس، فأقام إلى أن مات. سمعته يقول: البقر العدوية كالإبل المهملة في الصحراء، لا يجوز أن تباع بالنظر إليها، لكن بعد أن تمسك ويستولى عليها.
11 -
ومنهم أبو عمران موسى المصمودي، الشهير بالبخاري.
سمعت البروني يقول: كان الشيخ أبو عمران يدرس صحيح البخاري، ورفيق له يدرس صحيح مسلم، فكانا يعرفان بالبخاري ومسلم، فشهدا عند قاض فطلب المشهود عليه الاعتذار فيهما، فقال له أبو عمران: أتمكنه من الإعذار في الصحيحين فضحك القاضي، وأصلح بين الخصمين.
سألته عما ضربه ابن هدية عليه من إباحة الاستياك في رمضان بقشر الجوز فقال لي: نعم، ويبلع ريقه، تأول، رحمه الله تعالى، أن الخصال المذكورة في السواك إنما تجتمع في الجوز، فكان يحمل كل ما روى فيه عليه، وهذا غلط فاحش، لأن العرب لا تكاد تعرفه، ونظر إلى ما في البخاري من قوله بعد أن ذكر جواز السواك للصائم " ولا أن يبتلع ريقه " يعني الصائم في الجملة، فحمله على المستاك بالجوز، وكان رحمه الله تعالى قليل الإصابة في الفتيا، كثير المصيبات عليها.
12 -
ومنهم نادرة الأعصار: أبو عبد الله محمد بن يحيى بن علي بن النجار (2) .
(1) انظر نيل الابتهاج: 228.
(2)
ترجمة ابن النجار في التعريف: 47 ونيل الابتهاج: 239 وجذوة الاقتباس: 190 وسماه ابن خلدون " شيخ التعاليم " وذكر أنه كان إماما في علوم النجامة وأحكامها وما يتعلق بها.
قال لي العلامة الآبلي: ما قرأ أحد علي حتى قلت له: لم أبق عندي ما أقول لك غير ابن النجار.
سمعت ابن النجار يقول: مر عمل الموقتين على تساوي فضلي ما بين المغرب والعشاء والفجر والشمس، فيؤذنون بالعشاء لذهاب ثماني عشرة درجة، وبالفجر لبقائها، والجاري على مذهب مالك أن الشفق الحمرة، وأن تكون فضلة ما بين العشائين أقصر، لأن الحمرة ثانية الغوارب والطوالع، فتزيد فضلة الفجر بمقار ما بين ابتداء طلوع الحمرة والشمس، فعرضت كلامه هذا على المزاور أبي زيد عبد الرحمن بن سليمان اللجائي، فصوبه.
وذكرت يوماً (1) حكاية ابن رشد الاتفاق في الخمر إذا تخللت بنفسها أنها تطهر، واعترضه بما في اعترضه بما في " الإكمال " عن ابن وضاح أنها لا تطهر، فقال لي: لا معتبر بقول ابن وضاح هذا، لأنه يلزم عليه تحريم الخل، لأن العنب لا يصير خلاً حتى يكون خمراً، وفيه بحث.
وذكرت يوماً قول ابن الحاجب فيما يحرم من النساء بالقرابة وهي أصول وفصول، وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل وإن علا فقال: إن تركب لفظ التسمية (2) العرفية من الطرفين حلت، وإلا حرمت، فتأملته فوجدته كما قال، لأن أقسام هذا الضابط أربعة: التركب من الطرفين كابن العم وابنة العم مقابله كالأب والبنت، التركب من قبل الرجل كابنة الأخ والعم مقابله كابن الأخت (3) والخالة.
وأنشدت يوماً عنده على زيادة اللام (4) :
باعد أم عمر من أسيرها
…
...
(1) قارن بما ورد في نيل الابتهاج: 239.
(2)
نيل الابتهاج: بقضية النسبة.
(3)
نيل الابتهاج: الأخ.
(4)
تمام هذا الرجز: " حراس أبواب على قصورها ".
فقال لي: وما يدريك أنه أراد العمرة الذي أراده المعري بقوله (1) :
وعمر هند كأن الله صوره
…
عمرو ابن هند يعني الناس تعنيتا وأضاف اللام إليه كما قالوا: أم الحليس، قلت: ولا يندفع هذا بثبوت كون المعنية تكنى أم عمرو؛ لأن ذلك لا يمنع إرادة المعنى الآخر، فتكون: أم عمرو وأم العمر.
قال ابن النجار: بعثت بهذه الأبيات من نظمي إلى القاضي أبي عبد الله ابن هدية فأخرج لغزها:
إن حروف اسم من كلفت به
…
خفت على كل ناطق بفم
سائغة سهلة مخارجها
…
من أجل هذا تزداد في الكلم
صحفه ثم أقلبن مصحفه
…
فعل ذكي مهذب فهم
واطلبه في الشعر جد مطلبه
…
تجده كالصبح لاح في الظلم (2)
فإن تأملت بت منه على
…
علم، ألا فأنت عنه عمي واللغز " سلمان " وموضعه تأملت بت، وتوفي رحمه الله تعالى بتونس أيام الوباء العام.
13 -
ومنهم الأستاذ المقرئ الراوية الرحلة أبو الحسن علي بن أبي بكر ابن سبع بن مزاحم المكناسي.
ورد علينا من المشرق، فأقام معنا أعواماً، ثم رحل إلى فاس، فتوفي بها في الوباء العام، جمعت عليه السبع، وقرأت عليه البخاري والشاطبيتين وغير
(1) شروح السقط: 1626، وعمر عند: يعني قرط هند، وعمرو بن هند: أحد ملوك الحيرة كان يعرف بالعنف وتعنيت الناس. فقوله في الرجز أم العمر - بإدخال اللام - قد يعني " ذات القرط ".
(2)
ق: كالعلم.
ذلك، فأما البخاري فحدثني به قراءة منه على أحمد بن الشحنة الحجار سنة ثلاثين وسبعمائة، وكان الحجار قد سمعه على ابن الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة، وهذا ما لا يعرف له نظير في الإسلام، وقد قال عبد الغني الحافظ: لا نعرف في الإسلام من وازاه غير عبد الله بن محمد البغوي في قدم السماع، فإنه توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة، قال ابن خلاد: سمعناه يقول: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني سنة خمس وعشرين ومائتين، وسمعه ابن الزبيدي على أبي الوقت بسنده، قال لي ابن مزاحم: هذا طريق كله سماع. وأما الشاطبيتان فحدثني بهما قراءة عليه لجميعها عن بدر الدين ابن جماعة، بقراءتهما عليه عن أبي الفضل هبة الله بن الأزرق، بقراءتهما عليه عن المؤلف كذلك، وحدثني بتسهيل الفوائد عن ابن جماعة عن المؤلف ابن مالك، وغير ذلك.
14 -
وممن ورد عليها لا يريد الإقامة بها شيخي وبركتي وقدوتي أبو عبد الله محمد بن حسين القرشي الزبيدي التونسي (1) .
حدثني بالصحيحين قراءة لبعضهما ومناولة لجميعها، عن أبي اليمن ابن عساكر لقيه بمكة سنة إحدى وثمانين وستمائة بسنده المشهور، وحدثني أيضاً أن أبا منصور العجمي حدثه بمحضر الشيخين والده حسين وعمه حسن وأثنى عليه ديناً وفضلاً أنه أدخل ببعض بلاد المشرق على المعمر أدخله عليه بعض ولد (2) ولده، فألفاه ملفوفاً في قطن، وسمع له دوياً كدوي النحل، فقيل له: ألقيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورأيته قال: نعم، قلت: ليس في هذا ما يستراب منه إلا الشيخ المعمر، فإنا لا نعرف حاله، فإن صح فحديثنا عنه
(1) عرف به ابن خلدون في التعريف: 14 وقال: كان كبير تونس لعهده في العلم والفتيا وانتحال طرق الولاية التي ورثها عن أبيه حسين وعمه حسن الوليين الشهيرين؛ وذكره ابن بطوطة في رحلته: 16 وكانت وفاته سنة 740هـ والزبيدي - بضم الزاي - نسبة إلى قرية بساحل المهدية.
(2)
ولد: سقطت من ق.
ثلاثي، وقد تركت سنة خمس وأربعين بمصر رجلاً يسمى بعثمان معه تسعون حديثاُ يزعم أنه سمعها من المعمر وقد أخذت عنه، وكتبت منه، فهذا ثنائي، وأمر المعمر غريب، والنفس أميل إلى نفيه.
15 -
ومنهم إمام الحديث والعربية، وكتاب الخلافة العثمانية والعلوية (1) ، أبو محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي السبتي (2) .
جمع فأوعى، واستوهب أكثر المشاهير وما سعى، فهو المقيم الظاعن، الضارب القاطن، سألني عن الفرق (3) بين علم الجنس واسم الجنس، فقلت له: زعم الخسر وشاهي أنه ليس بالديار المصرية من يعرفه غيره، وأنا أقول: ليس في الدنيا عالم إلا وهو يعلمه غيره (4) ؛ لأنه حكم لفظي أوجب تقديره المحافظة على ضبط القوانين كعدل عمر ونحوه، فاستحسن ذلك.
وكان ينكر إضافة الحول إلى الله عز وجل، فلا يجيز أن يقال بحول الله وقوته قال: لأنه لم يرد إطلاقه، والمعنى يقتضي امتناعه؛ لأن الحول كالحيلة أو قريب منها.
وتوفي بتونس أيام الوباء العام.
16 -
ومنهم الفقيه المحقق الفرضي المدقق أبو عبد الله محمد بن سليمان بن
(1) العثمانية: نسبة إلى عثمان بن يعقوب المريني، والعلوية: نسبة إلى علي أبي الحسن المريني.
(2)
كان والده محمد بن عبد المهيمن الحضرمي أبو عبد الله كبير القدر ولي القضاء بسبتة لقرابته من رؤسائها بني العزفي سنة 683 فقام بالأحكام أجمل قيام، فلما صار بلده إلى بني نصر أواخر سنة 507 صرف إلى غرناطة هو وأقرباؤه فأقام بها مع ابنه الكاتب البارع عب المهيمن، ثم عاد إلى سبتة وتوفي سنة 712 (المرقبة العليا 132 - 133) ثم أصبح عبد المهيمن الابن كاتبا للسلطان أبي الحسن المريني وصاحب علامته وكان يعد إمام المحدثين والنحاة بالمغرب، وعنه أخذ ابن خلدون وغيره (التعريف: 20، 38 ومستودع العلامة: 50 وتاريخ ابن خلدون 7: 247 وجذوة الاقتباس: 279 ونثير الجمان لابن الأحمر والإحاطة: 315) .
(3)
ق: سألني الفرق.
(4)
وأنا أقول
…
غيره: سقط من ص.
علي السطي (1) قرأت عليه كتاب الحوفي علماً وعملاً، قال لي في قول ابن الحاجب والثمن الثلث والسدس من أربعة وعشرين: هذا لا يصح؛ إذ لا يجتمع الثلث والثمن في فريضة، وقد سبقه إلى هذا الوهم صاحب المقدمات، وسألت عنه ابن النجار فقال لي: إنما أراد المقام لأنه يجتمع مع الثلثين، والإنصاف أنه لا يحسن التعبير بما لا تصح إرادة نفسه عن غيره، فكان الوجه أن يقول: والثلثان أو مقام الثلث، ونحو ذلك، لأن الثلث إنما يدخل هنا تقديراُ لا تحقيقاً كما في الجواهر، وانظر باب المدبر من كتاب الحوفي، فإن فيه موافقة السبعة لعدد لا توافقه فهو من باب الفرض، وعليه ينبغي أن يحمل كلام ابن الحاجب.
17 -
19 - ومنهم الأستاذ أبو عبد الله الرندي، والقاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرزاق الجزولي (2) ، والقاضي أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي يحيى، في كثير من الخلق، فلنضرب عن هذا.
20 -
ومن شيوخي (3) الصلحاء الذين لقيت بها خطيبها الشيخ أبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن علي الخياط، أدرك أبا إسحاق الطيار، وقد صافحته وأنا صغير، لأنه توفي سنة تسع وعشرين، بمصافحته أباه، بمصافحته الشيخ أبا تميم، بمصافحته أبا مدين، بمصافحته أبا الحسن ابن حرزهم، بمصافحته ابن العربي، بمصافحته الغزالي، بمصافحته أبا المعالي، بمصافحته أبا طالب المكي، بمصافحته أبا محمد الجريري، بمصافحته الجنيد، بمصافحته سرياً، بمصافحته معروفاً، بمصافحته داود الطائي، بمصافحته حبيباً العجمي، بمصافحته الحسن البصري، بمصافحته علي بن أبي طالب، بمصافحته رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) السطي: نسبة إلى قبيلة سطة من بطون أوربة بنواحي فارس وكان أحفظ الناس لمذهب مالك وأفقههم فيه (انظر ترجمته في التعريف: 31، 38 ونيل الابتهاج: 242 وجذوة الاقتباس: 142) .
(2)
ترجمة الجزولي في نيل الابتهاج: 249 وسلوة الأنفاس 3: 276.
(3)
ق: المشايخ.
21 -
ومنهم خطيبها المصقع أبو عبد الله محمد بن علي بن الجمال، أدرك محمد بن رشيد البغدادي (1) صاحب الزهر والوتريات على حروف المعجم والمذهبة وغيرها، حدثني عنه أنه تاب بين يديه لأول مجلس جلسه بتلمسان سبعون رجلاً.
22، - 23 - ومنهم الشقيقان الحاجان الفاضلان أبو عبد الله محمد، وأبو العباس أحمد (2) ، ابنا ولي الله أبي عبد الله محمد بن محمد بن أبي بكر ابن مرزوق العجيسي.
كساني محمد خرقة التصوف بيده، كما كساه إياها الشيخ بلال بن عبد الله الحبشي خادم الشيخ أبي مدين، كما كساه أبو مدين، قال محمد بن مرزوق: وكان مولد بلال سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وخدم أبا مدين نحواً من خمسة عشر عاماً، إلى أن توفي عام تسعين وخمسمائة، ثم عاش بعده أكثر من مائة سنة، ولبس أبو مدين من يد ابن حرزهم، ولبس ابن حرزهم من يد ابن العربي، واتصل اللباس اتصال المصافحة.
24 -
ومنهم أبو زيد عبد الرحمن بن يعقوب بن علي الصنهاجي المكتب، حدثنا عن قاضيها أبي زيد عبد الرحمن بن علي الدكالي أنه اختصم عنده رجلان في شاة ادعى أحدهما أنه أودعها الأخر، وادعى الآخر أنها ضاعت منه، فأوجب اليمين على المودع عنده، أنها ضاعت من غير تضييع، فقال: كيف أضيع وقد شغلتني حراستها عن الصلاة حتى خرج وقتها فحكم عليه بالغرم، فقيل له في
(1) محمد بن رشيد البغدادي مجد الدين (- 662) يعرف بالوتري لأنه نظم الوتريات وهي قصائد على حروف المعجم تتألف كل واحدة من 21 بيتا في مدح الرسول وأول كل بيت على حرف القافية. بدأ نظمها بغرناطة سنة 652 ثم زاد فيها وعدل منها، وحج سنة 661 وقد نشرت باسم " ديوان معدن الإفاضات في مدح أشرف الكائنات "(بيروت 1310) وعند حاجي خليفة (1999)" ذريعة الوصول إلى زيارة جناب الرسول ".
(2)
انظر نيل الابتهاج: 251، قال التنبكتي: وأبو العباس ابن مرزوق هو والد الخطيب ابن مرزوق الجد، وأبو عبد الله المذكور عمه.
ذلك، فقال تأولت قول عمر ومن ضيعها لما سواها أضيع.
25 -
ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد الغزموني (1) ، مكتبي الأول، ووسيلتي إلى الله عز وجل، قرأ على الشيخين أبي عبد الله القصري وأبي (2) حريث وحج حجات، وكان عقد بقلبه أنه كلما ملك مائة دينار عيوناً سافر إلى الحج (3) ، وكان بصيراً بتعبير الرؤيا، فمن عجائب شأنه فيه (4) أنه كان في سجن أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق فيمن كان فيه من أهل تلمسان أيام محاصرته لها، فرأى أبو جمعة ابن علي التلالسي (5) الجرائحي منهم كأنه قائم على سانية (6) دائرة وجميع قواديسها يصب في نقير وسطها، فجاء ليشرب، فلما اغترف الماء إذا فيه فرث ودم فأرسله، ثم اغترف فإذا هو كذلك، ثلاثاً أو أكثر، فعدل عنه، فرأى خصة (7) ماء وشرب منها، ثم استيقظ وهو النهار فأخبره، فقال: أن صدقت رؤياك فنحن عما قليل خارجون من هذا المكان، قال: كيف قال: السانية والزمان، والنقير السلطان، وأنت جرائحي تدخل يدك في جوفه فينالها الفرث والدم، وهذا الذي لا تحتاج معه، فلم يكن إلا ضحوة الغد، وإذا النداء عليه، فأخرج فوجد السلطان مطعوناً بخنجر، فأدخل يده فنالها الفرث والدم، فخاط جراحته، ثم خرج، فرأى خصة ماء فغسل يديه وشرب، ثم لم يلبث السلطان أن توفي وسرحوا.
وتعداد أهل هذه الصفة يكثر، فلنصفح عنهم، ولنختم فصل (8) من لقيه
(1) في نيل الابتهاج (253) القرموني.
(2)
ق: وابن.
(3)
وحج
…
الحج: سقطت من ق.
(4)
وردت القصة في نيل الابتهاج: 253.
(5)
ق: التلائسي.
(6)
كذا في الأصلين، وفي النيل: ساقية.
(7)
الخصة: الحوض أو الصهريج (انظر ملحق المعاجم لدوزي) .
(8)
ق: ولنختم المذكورين في فصل
…
إلخ.
بتلمسان بذكر رجلين هما بقيد الحياة أحدهما عالم الدنيا، والآخر نادرتها.
26 -
أما العالم فشيخنا ومعلمنا العلامة أبو عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الآبلي، التلمساني (1) ، سمع جده لأمه أبا الحسين ابن غلبون المرسي (2) القاضي بتلمسان، وأخذ عن فقهائها أبي الحسين التنسي وابني الإمام، ورحل في آخر المائة السابعة فدخل مصر والشام والحجاز والعراق، ثم قفل إلى المغرب فأقام بتلمسان مدة، ثم فر أيام أبي حمو موسى بن عثمان إلى المغرب.
حدثني أنه لقي أبا العباس أحمد بن إبراهيم الخياط شقيق شيخنا أبي عثمان المتقدم ذكره، فشكا له ما يتوقعه من شر أبي حمو، فقال له: عليك بالجبل، فلم يدر ما قال، حتى تعرض له رجل من غمارة، فعرض عليه الهروب به، قال: فخفت أن يكون أبو حمو قد دسه علي، فتنكرت له، فقال لي: إنما أسير بك على الجبل، فتذكرت قول أبي إسحاق، فوطأته، وكان خلاصي على يده، قال: ولقد وجدت العطش في بعض مسيري به، حتى غلظ لساني واضطربت ركبتاي، فقال لي: أن جلست قتلتك حتى لا أفتضح بك، فكنت أقوي نفسي، فمر على بالي في تلك الحالة استسقاء عمر بالعباس، وتوسله به، فوالله ما قلت شيئاً حتى رفع لي غدير ماء، فأريته إياه، فشربنا ونهضنا.
ولما دخل المغرب أدرك أبا العباس ابن البناء، فأخذ عنه، وشافه (3) كثيراً من علمائه، قال لي: قلت لأبي الحسن الصغير: ما قولك في المهدي فقال: عالم سلطان، فقلت له: قد أبنت عن مرادي. ثم سكن جبال الموحدين، ثم رجع إلى فاس، فلما افتتحت تلمسان لقيته بها، فأخذت عنه، فقال لي الآبلي (4) :
(1) ترجمة الآبلي في التعريف: 21، 33 والدرر الكامنة 3: 288 ونيل الابتهاج: 244 وجذوة الاقتباس 144، 191 والآبلي - بمد وموحدة مكسورة - نسبة إلى آبلة (Avila) من بلاد الجوف الأندلسي أي إلى الشمال الغربي من مدريد.
(2)
اسمه محمد بن غلبون.
(3)
نيل الابتهاج: وسأل.
(4)
انظر نيل الابتهاج: 245.
كنت يوماً مع القاسم بن محمد الصنهاجي، فوردت عليه طومارة من قبل القاضي أبي الحجاج الطرطوشي فيها:
خيرات ما تحويه مبذولة
…
ومطلبي تصحيف مقلوبها فقال لي: ما مطلبه فقلت: نارنج.
دخل على الآبلي (1) وأنا عنده بتلمسان الشيخ أبو عبد الله الدباغ المالقي المتطبب فأخبرنا أن أديباً استجدى وزيراً بهذا الشطر:
ثم حبيب قلما ينصف
…
فأخذته فكتبته، ثم قلبته وصحفته، فإذا هو: قصبتا ملف شحمي.
ومر الدباغ يوماً علينا بفاس، فدعاه الشيخ، فلباه، فقال: حدثنا بحديث اللظافة، فقال: نعم، حدثني أبو زكريا ابن السراج الكاتب بسلجمانة أن أبا إسحاق التلمساني وصهره مالك بن المرحل، وكان ابن السراج قد لقيهما، اصطحبا في مسير، فآواهما الليل إلى مشجر، فسألا عن طالبه، فدلا، فاستضافاه، فأضافهما، فبسط قطيفة بيضاء، ثم عطف عليهما بخبز ولبن، وقال لهما. استعملا من هذه اللظافة حتى يحضر عشاؤكما، وانصرف، فتحاورا في اسم اللظافة لأي شيء هو منهما حتى ناما، فلم يرع أبا إسحاق إلا مالك يوقظه ويقول: قد وجدت اللظافة، قال: كيف قال: أبعدت في طلبها حتى وقعت بما لم يمر قط على مسمع هذا البدوي فضلاً عن أن يراه، ثم رجعت القهقرى حتى وقعت على قول النابغة:
بمخضب رخص كأن بنانه
…
عنم يكاد من اللطافة يعقد فسنح لبالي أنه وجد اللطافة، وعليها مكتوب بالخط الرقيق اللين، فجعل
(1) قارن بما في نيل الابتهاج: 252.
إحدى النقطتين للطاء فصارت اللطافة اللظافة واللين اللبن وإن كان قد صحف عنم بغنم، وظن أم يعقد جبن، فقد قوي عنده الوهم، فقال أبو إسحاق: ما خرجت عن صوابه، فلما جاء سألاه، فأخبر أنها اللبن، واستشهد بالبيت كما قال مالك.
ولا تعجب من مالك فقد ورد فاساً شيخنا أبو عبد الله بن يحيى الباهلي عرف بابن المسفر (1) ، رسولاً عن صاحب بجاية، فزاره الطلبة، فكان فيما حدثهم أنهم كانوا على زمان ناصر الدين يستشكلون كلاماً وقع في تفسير سورة الفاتحة من كتاب فخر الدين، ويستشكله الشيخ معهم، وهذا نصه (2) : ثبت في بعض العلوم العقلية أن المركب مثل البسيط في الجنس، والبسيط مثل المركب في الفصل، وأن الجنس أقوى من الفصل، فرجعوا به إلى الشيخ الآبلي، فتأمله ثم قال: هذا كلام مصحف، وأصله أن المركب قبل البسيط في الحس، والبسيط قبل المركب في العقل، وأن الحس أقوى من العقل، فأخبروا ابن المسفر، فلج، فقال لهم الشيخ: التمسوا النسخ، فوجدوه في بعضها كما قال الشيخ، والله يؤتي فضله من يشاء.
قال لي الآبلي: لما نزلت تازت بت مع أبي الحسن ابن بري وأبي عبد الله الترجالي (3) ، فاحتجت إلى النوم، وكرهت قطعهما عن الكلام، فاستكشفتهما عن معنى هذا البيت للمعري:
أقول لعبد الله لما سقاؤنا
…
ونحن بوادي عبد شمس وهاشم فجعلا يفكران فيه، فنمت حتى أصبحا، ولم يجداه، فسألاني عنه، فقلت: معناه أقول لعبد الله لما وهى سقاؤنا، ونحن بوادي عبد شمس: شم لنا برقاً.
(1) النص في نيل الابتهاج: 245.
(2)
انظر تفسير الفخر الرازي.
(3)
ق: البرجالي.
قلت: وفي جواز مثل هذا نظر.
سمعت الآبلي يقول: دخل قطب الدين الشيرازي والدبيران على أفضل الدين الخونجي ببلده، وقد تزيا بزي القونوية، فسأله أحدهما عن مسألة، فأجابه، فتعايا على الفهم، وقرب التقرير، فتعايا، فقال الخونجي متمثلاً:
علي نحت المعاني من معادنها
…
وما علي لكم أن تفهم البقر فقال له: ضم التاء يا مولانا، فعرفهما، فحملهما إلى بيته.
قلت: سمعت الشيخ شمس الدين الأصبهاني بخانقاه قوصون بمصر يقول: إن شيخه القطب توفي عام أحد عشر وسبعمائة، وله سبع وسبعون سنة، وهذا يضعف هذه الحكاية عندي.
سمعت الآبلي يقول: إن الخونجي ولي قضاء مصر بعد عز الدين بن عبد السلام، فقدم شاهداً كان عز الدين أخره، فعذله في ذلك، فقال: إن مولانا لم يذكر السبب الذي رفع يده من أجله، وهو الآن غير متمكن من ذكره.
سمعت الشيخ الآبلي يحدث عن قطب الدين القسطلاني أنه ظهر في المائة السابعة من المفاسد العظام ثلاث: مذهب بان سبعين، وتملك الططر للعراق، واستعمال الحشيشة.
سمعت الآبلي يقول: قال أبو المطرف ابن عميرة:
فضل الجمال على الكمال بوجهه
…
فالحق لا يخفى على من وسطه
وبطرفه سقم وسحر قد أتى
…
مستظهراً بهما على ما استنبطه
عجباً له برهانه بشروطه
…
معه فما مقصوده بالسفسطة قال: فأجابه أبو القاسم ابن الشاط فقال:
علم التباين في النفوس وأنها
…
منها مغلطة وغير مغلطه
فئة رأت وجه الدليل وفرقة
…
أصغت إلى الشبهات فهي مورطه
فأراد جمعهما معاً في ملكه
…
هذي بمنتجة وذي بمغلطه
يعني قولهم في التام: هو ما تحمل فيه البرهان الفصل.
وأخبار الآبلي وأسمعتي منه تحتمل كتاباً، فلنقف على هذا القدر منها.
27 -
وأما النادرة فأبو عبد الله [محمد] بن أحمد بن شاطر الجمحي المراكشي (1) ، صحب أبا زيد الهزميري كثيراً، وأبا عبد الله ابن تجلات، وأبا العباس ابن البناء وأضرابه من المراكشيين ومن جاورهم، ورزق بصحبة الصالحين حلاوة القبول، فلا تكاد (2) تجد من يستثقله، وربما سئل عن نفسه فيقول: ولي مفسود.
قلت له يوماً: كيف أنت فقال: محبوس في الروح؛ وقال: الليل والنهار حرسيان: أحدهما أسود، والآخر أبيض، وقد أخذا بمجامع الخلق يجرانهم إلى يوم القيامة، وإن مردنا إلى الله تعالى.
وسمعته يقول: المؤذنون يدعون أولياء الله إلى بيته لعبادته، فلا يصدهم عن دعائهم ظلمة ولا شتاء ولا طين، ويصرفونهم عن الاشتغال بما لم يبين لهم فيخرجونهم ويغلقون الأبواب دونهم.
ووجدته ذات يوم في المسجد ذاكراً، فقلت له: كيف أنت فقال: {فهم في روضة يحبرون} (الروم: 15) فهممت بالانصراف، فقال: أين تذهب من روضة من رياض الجنة يقام بها على رأسك بهذا التاج وأشار إلى المنار مملوءاً الله أكبر.
مر ابن شاطر يوماً على أبي العباس أحمد بن شعيب الكاتب (3) وهو جالس
(1) ترجمة ابن شاطر في نيل الابتهاج: 248 والإحاطة، الورقة: 105 والنقل فيهما عن المقري الجد؛ وتوفي سنة 757هـ.
(2)
وأضرابه
…
تكاد: سقطت من ق.
(3)
أحمد بن شعيب الجزنائي من أهل فاس، برع في اللسان والأدب والعلوم العقلية ونظمه السلطان أبو سعيد المريني في حلبة الكتاب وأجرى عليه الرزق مع الأطباء وهلك في الطاعون (سنة 750) ؛ نثير فرائد الجمان: 335 ونثير الجمان: 70 ونيل الابتهاج: 68 والتعريف: 48 وجذوة الاقتباس: 47 ودرة الحجال 1: 21.
في جامع الجزيرة، طهره الله تعالى، وقد ذهبت به الكفرة، فصاح به، فلما رفع رأسه إليه قال له: انظر إلى مركب عزرائيل هذا، وأشار إلى نعش هنالك، قد رفع شراعه ونودي عليه الطلوع يا غزي.
وأكل يوماً مع أبي القاسم عبد الله بن رضوان الكاتب جلجلاناً، قال له أبو القاسم: إن في هذا الجلجلان لضرباً من طعم اللوز، فقال ابن شاطر: وهل الجلجلان إلا لوزة دقة
وسئل عن العلة (1) في نضارة الحداثة، فقال: قرب عهدها بالله، فقيل له: فمم تغير الشيوخ فقال: من بعد العهد من الله، وطول الصحبة مع الشياطين، فقيل له: فبخر أفواههم (2) فقال: من كثرة ما تفل الشياطين فيها.
وكان يسمى الصغير: فأر المصطكي، قال لي ابن شاطر: لقيت عمي ميموناً المعروف بدبير لقرب موته وقد اصفر وجهه وتغيرت حالته، فقلت له: ما بالك وكان قد خدم الصالحين ورزق بذلك القبول، فقال: انسدت الزربطانة فطلع، يعني العذرة، يشير إلى الاحتقان للطبيعة.
أنشدني ابن شاطر قال: أنشدني أبو العباس ابن البناء لنفسه:
قصدت إلى الوجازة في كلامي (3)
…
الأبيات.
وأخبار ابن شاطر عندي تحتمل كراسة، فلنقنع منها بهذا القدر.
فصل: ولما دخلت تلمسان على بني عبد الواد تهيأ لي السفر منها، فرحلت
(1) النص في نيل الابتهاج: 248.
(2)
نيل الابتهاج: قيل ففيم نتن أفواههم
(3)
تتمة البيت: لعلمي بالصواب في الاختصار
…
وقد وردت الأبيات في الإحاطة: 106.
إلى بجاية، فلقيت بها أعلاماً درجوا فأمست بعدهم خلاء بلقعاً.
28 -
فمنهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي، عرف بابن المسفر (1) ، باحثته واستفدت منه، وسألني عن اسم كتاب الجوهري فقلت له: من الناس من يقول الصحاح بالكسر ومنهم من يفتح، فقال: إنما هو بالفتح بمعنى الصحيح، كما ذكره في باب صح، قلت: ويحتمل أن يكون مصدر صح كحنان.
وكتب إلى بعض أصحابه بجواب رسالة صدره بهذين البيتين:
وصلت صحيفتكم فهزت معطفي
…
فكأنما أهدت كؤوس القرقف
وكأنها نيل الأمان لخائف
…
أو وصل محبوب لصب مدنف 29 - ومنهم قاضيها أبو عبد الله محمد ابن الشيخ أبي يوسف يعقوب الزواوي، فقيه ابن فقيه، كان يقول: من عرف ابن الحاجب اقرأ به المدونة، قال: وأنا أقرأ به المدونة.
30 -
ومنهم أبو علي حسين بن حسين إمام المعقولات بعد ناصر الدين.
31 -
ومنهم خطيبها أبو العباس أحمد بن عمران، وكان قد ورد تلمسان وأورد بها على قول ابن الحاجب في حد العلم " صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض " الخاصة إلا أن يزاد في الحد " لمن قامت به " لأنها إنما توجب فيه تميزاً لا تمييزاً، وهذا حسن.
32، - 33 - ومنهم الشيخان أبو عزيز وأبو موسى ابن فرحان، وغيرهم من أهل عصرهم.
(1) ترجمة ابن المسفر في نيل الابتهاج: 237 والديباج المذهب: 332 وكانت وفاته سنة 743.
34 -
ثم رحلت إلى تونس فلقيت بها قاضي الجماعة وفقيهها أبا عبد الله ابن عبد السلام (1) ، فحضرت تدريسه، وأكثرت مباحثته، ولما نزلت بظاهر قسمطينة تلقاني رجل من الطلبة، فسألني عن هذه الآية {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} (المائدة: 67) فإن ظاهرها أن الجزاء هو الشرط: أي وإن لم تبلغ فما بلغت، وذلك غير مفيد، فقلت: بل هو مفيد، أي: وإن لم تبلغ في المستقبل لم ينفعك تبليغك في الماضي، لارتباط أول الرسالة بآخرها، كالصلاة ونحوها، بدليل قصة يونس، فعبر بانتفاء ماهية التبليغ عن انتفاء المقصود منه، إذ كان إنما يطلب ولا يعتبر بدونه، كقوله عليه الصلاة والسلام " لا صلاة إلا بطهور "، ثم اجتمعت بابن عبد السلام بجامع بوقير من تونس، فسألته عن ذلك، فلم يزد على أن قال: هذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله " وقد علمتم مل قال الشيخ تقي الدين فيه. قلت: كلام تقي الدين لا يعطي الجواب عن الآية، فتأمله.
35 -
41 - وقاضي المناكح أبا محمد الأجمي، وهو حافظ فقهائها في وقته، والفقيه أبا عبد الله ابن هارون شارح ابن الحاجب في الفقه والأصول، والخطيب أبا عبد الله ابن عبد الستار، وحضرت تدريسه بمدرسة المعرض، والعلامة أبا عبد الله ابن الجياب الكاتب، والفقيه أبا عبد الله ابن سلمة، والشيخ الصالح أبا الحسن المنتصر وارث طريقة الشيخ أبي محمد المرجاني آخر المذكورين بإفريقية، ورأيت الشيخ ابن الشيخ المرجاني، فحدثني أبو موسى ابن الإمام أنه أشبه به من الغراب بالغراب، وسيدي أبا عبد الله الزبيدي المتقدم ذكره، وأوقفني على خطأ في كتاب الصحاح، وذلك أنه زعم أن السالم جلدة ما بين العين والأنف، قال: وفيه يقول ابن عمر في ابنه سالم (2) :
(1) ترجمة ابن عبد السلام في نيل الابتهاج: 240 والتعريف: 19 والديباج المذهب: 336 والمرقبة العليا: 161.
(2)
انظر اللسان (سلم) .
يديرونني عن سالم وأديرهم
…
وجلدة بين الأنف والعين سالم قال: وهذا أراد عبد الملك حيث كتب إلى الحجاج " أنت مني كسالم " وهذا خطأ فاحش، وكان يلزمه أن يسميها بالعمارة أيضاً، لقوله عليه السلام " عمارة جلدة ما بين عيني وأنفي " وإنما يراد بمثل هذا القرب والتحمد (1) .
ولقيت بتونس غير واحد من العلماء والصلحاء يطول ذكرهم، ثم قفلت إلى المغرب يسايرني (2) رجل من أهل قسنطينة يعرف بمنصور الحلبي، فما لقيت رجلاً أكثر أخباراً ولا أظرف نوادر منه، فما حفظته من حديثه أن رجلاً من الأدباء مر برجل من الغرباء، وقد قام بين ستة أطفال، جعل ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن شماله، وأخذ ينشد:
ما كنت أحسب أن أبقى كذا أبداً
…
أعيش والدهر في أطرافه حتف
ساس بستة أطفال توسطهم
…
شخصي كأحرف ساس وسطها ألف قال: فتقدمت إليه وقلت: فأين تعريقة السين فقال: طالب ورب الكعبة، ثم قال للآخر من جهة يمينه: قم، فقام يجر رجله كأنه مبطول، فقال: هذا تمام تعريقة السين.
41 -
53 - ثم رحلت من تلمسان إلى المغرب، فلقيت بفاس الشيخ الفقيه الحاج أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحيم اليزناسي، والشيخ الفقيه أبا محمد عبد المؤمن الجاناتي، والشيخ الفقيه الصالح أبا زرهون عبد العزيز بن محمد القيرواني، والفقيه أبا الضياء مصباح بن عبد الله اليالصوني، وكان حافظ وقته، والفقيه أبا عبد الله ابن عبد الكريم، وشيخ الشيوخ أبا زيد عبد الرحمن بن عفان الجزولي، والأستاذ أبا العباس المكناسي، وكنت لقيت الأستاذ أبا العباس ابن
(1) ق: واللحمة.
(2)
ق: ولما رحلت منها جعل يسايرني
…
إلخ.
حزب الله، والأستاذ أبا عبد الله ابن القصار بتلمسان، ولقيت غير هؤلاء ممن يكثر عددهم، وكنت قد لقيت بتازى الفقيه أبا عبد الله ابن عطية، والأستاذ أبا عبد الله المجاصي، والشيخ أبا الحسين الجيار، وغيرهم (1) .
53 -
67 - ثم بلغت بالرحلة إلى أغمات، ثم وصلت إلى سبتة (2) ، فاستوعبت بلاد المغرب ولقيت بكل بلد من لا بد من لقائه من علمائه وصلحائه، ثم قفلت إلى تلمسان فأقمت بها ما شاء الله تعالى، ثم أعملت الرحلة إلى الحجاز، فلقيت بمصر (3) الأستاذ أثير الدين أبا حيان الغرناطي، فرويت عنه، واستفدت منه وشمس الدين الأصبهاني الآخر، وشمس الدين بن عدلان، وقرأ علي بعض شروحه (4) لكتب المزني، وناولني إياه، وشمس الدين بن اللبان آخر المذكورين بها، والشيخ الصالح أبا محمد المنوفي فقيه المالكية بها، وتاج الدين التبريزي الأصم، وغيرهم ممن يطول ذكرهم.
ثم حججت فلقيت بمكة (5) إمام الوقت أبا عبد الله ابن عبد الرحمن التوزري المعروف بخليل، وسألته يوم النحر حين وقف بالمشعر الحرام عن بطن محسر لأحرك فيه على الجمل، فقال لي: تمالأ الناس على ترك هذه السنة، حتى نسي بتركها محلها، والأقرب أنه هذا، وأشار إلى ما يلي الجابية التي على يسار المار من المشعر إلى منى من الطريق من أول ما يحاذيها إلى أن يأخذ صاعداً إلى منى، وما رأيت أعلم بالمناسك منه، والإمام أبا العباس ابن رضي الدين الشافعي، وغير واحد من الزائرين والمجاورين وأهل البلد.
وبالمدينة أعجوبة الدنيا أبا محمد عبد الوهاب الجبرتي وغيره.
(1) ق: ممن لا يحتمل هذا المختصر تعدادهم ولا يمكن استيفاؤهم.
(2)
ثم بلغت
…
سبتة: سقطت من ق.
(3)
ق: ثم رحلت منها إلى مصر فلقيت
…
إلخ.
(4)
ص: شرحه.
(5)
ق: ورحلت منها إلى مكة المشرفة فلقيت
…
إلخ.
ثم أخذت على الشام، فلقيت بدمشق شمس الدين بن قيم الجوزية صاحب الفقيه ابن تيمية، وصدر الدين الغماري (1) المالكي، وأبا القاسم ابن محمد اليماني الشافعي، وغيرهم، وببيت المقدس (2) الأستاذ أبا عبد الله ابن مثبت، والقاضي شمس الدين بن سالم، والفقيه المذكر أبا عبد الله ابن عثمان، وغيرهم.
ثم رجعت (3) إلى المغرب فدخلت سجلماسة ودرعة، ثم قطعت (4) إلى الأندلس فدخلت الجبل وأصطبونة ومربلة ومالقة وبلش والحامة، وانتهت بي الرحلة إلى غرناطة، وفي علم الله تعالى ما لا أعلم، وهو المسؤول أن يحملنا على الصراط الأقوم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؛ انتهى كلام جدي رحمه الله تعالى في الجزء الذي ألفه في مشيخته، وقد لخصه لسان الدين في الإحاطة.
[ترجمة المقري بقلم ابن خلدون]
ولنذكر هنا زيادات لا بأس بها، فنقول: ولما ألم ولي الدين ابن خلدون بذكر مولاي الجد في تاريخه الكبير عند تعريفه بنفسه وصفه بأنه كبير علماء المغرب ونص محل الحاجة من تاريخه (5) : لما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين أقمنا في البحر نحواً من أربعين ليلة، ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر، ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر (6) على التخت واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون، وكنا على ترقب ذلك لما كان يؤثر بقاصية البلاد
(1) ق: العمادي.
(2)
ق: ثم جئت بيت المقدس فلقيت.
(3)
ق: قفلت.
(4)
ق: جئت؛ وعند هذا الموضع بهامش ص: قف على أن الإمام المقري جد المؤلف دخل بلدنا درعة حرسها الله، مما يدل على نسبة إلى بلدة درعة بالمغرب.
(5)
زاد في ق: أنه قال؛ والنص في التعريف: 246.
(6)
يعني أبا سعيد برقوق بن أنص (توفي سنة 801) وانظر تاريخ ابن خلدون 5: 467.
من سموه لذلك وتمهيده له، وأقمت بإسكندرية شهراً لتهيئة أسباب الحج، ولم يقدر عامئذ، فانتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة، فرأيت حضرة الدنيا، وبستان العالم، محشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في أوجه (1) ، وتزهو والخوانق (2) المدارس بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه، وقد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء يسقيهم النهل والعلل سيحه، ويجبي إليهم الثمرات والخيرات ثبجه، ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة وأسواقها تزخر بالنعم، وما زلنا نحدث عن هذا البلد، وبعد مداه في العمران، واتساع الأحوال، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا حاجهم وتاجرهم بالحديث عنه، سألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس وكبير العلماء بالمغرب أبا عبد الله المقري فقلت له: كيف هي القاهة فقال: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام، وسألت شيخنا أبا العباس ابن إدريس (3) كبير العلماء ببجاية مثل ذلك، فقال: كأنما انطلق أهله من الحساب، يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب، وحضرت صاحبنا قاضي العسكر بفاس الفقيه الكاتب أبا القاسم البرجي (4) بمجلس السلطان أبي عنان منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر وتأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم سنة خمس وخمسين، وسأله عن القاهرة فقال: أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار: إن الذي يتخيله الإنسان فإن ما يراه دون الصورة التي تخيلها لاتساع الخيال على كل محسوس إلا القاهرة (1) فإنها أوسع من كل ما يتخيل
(1) التعريف: جوه.
(2)
التعريف: الخوانك.
(3)
أحمد بن إدريس البجائي (انظر ترجمته في الديباج: 81 ونيل الابتهاج: 50) .
(4)
أبو القاسم محمد بن يحيى البرجي من أهل برجة بالأندلس كان كاتب السلطان أبي عنان وصاحب الإنشاء والسر في دولته (انظر ترجمته في التعريف: 64 والإحاطة 2: 215 وجذوة الاقتباس 197) .
(1)
التعريف: جوه.
فيها، فأعجب السلطان والحاضرون بذلك؛ انتهى كلام ابن خلدون، ولا يخلو عن فائدة زائدة.
[فوائد عن المقري الجد]
ولا بأس أن نورد من فوائد مولاي الجد ما حضرني الآن: فمن ذلك ما حكاه ابن الرزاق عن ابن قطرال قال (1) : سمع يهودي بالحديث المأثور نعم الإدام الخل فأنكر ذلك، حتى كاد يصرح بالقدح، فبلغ ذلك بعض العلماء، فأشار على الملك أن يقطع عن اليهود الخل وأسبابه سنة، قال: فما تمت حتى ظهر فيهم الجذام.
ومنها أنه قال: أنشدني الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد قال: أنشدني الشيخ التقي ابن دقيق العيد لنفسه في معنى لطيف حجازي (2) :
إذا كنت في نجد وطيب نعيمه
…
تذكرت أهلي باللوى فمحسر
وإن كنت فيهم زدت (3) شوقاً ولوعة
…
إلى ساكني نجد وعيل تصبري
فقد طال ما بين الفريقين موقفي
…
فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري ومنها ما حاكاه عن عبد الله بن الحق عن ابن قطرال قال (4) : كنت بالمدينة على ساكنها الصلاة والسلام إذ أقبل رافضي بفحمة في يده، فكتب بها على الجدار هناك:
من كان يعلم أن الله خالقه
…
فلا يحب أبا بكر ولا عمرا
(1) قارن بما ورد في نيل الابتهاج: 252.
(2)
انظر الطالع السعيد: 321 والديوان الملحق: 173 وطبقات السبكي 6: 12.
(3)
الطالع: ذيت.
(4)
قارن بما في نيل الابتهاج: 252.
وانصرف، فألقي علي من الفطنة وحسن البديهة ما لم أعهد مثله من نفسي قبل، فجعلت مكان يحب يسب ورجعت إلى مجلسي، فجاء فوجده كما أصلحته، فجعل يلتفت يميناً شمالاً، كأنه يطلب من صنع ذلك، ولم يتهمني، فلما أعياه الأمر انصرف.
ومنها أنه قال: حدثت أن الزاهد أبا عمرة ابن غالب المرسي نزيل تلمسان وقد لقيت غير واحد من أصحابه، سأله بعض أن يشهد عقد ابنته، فتعذر عليه، فلم يزل به حتى أجاب بعد جهد، فحضر العقد، وطعم الوليمة، ثم لما حضرت ليلة الزفاف استحضره في ركوبها إلى دار زوجها على عادة أهل تلمسان، فأجابه مسرعاً، فقيل له: أين هذا التيسير من ذاك التعسير فقال: من أكل طعام الناس مشى في خدمتهم، أو كما قال.
ومنها أنه قال: حدثت أنه الفقيه أبا عبد الله ابن العواد العدل بتونس التقى يوماً مع القاضي أبي علي ابن قداح، وكان ابن العواد شيخاً، فقال له أبو علي: كبرت يا أبا عبد الله فصرت تمشي كل شبر بدينار، يوري بكثرة الفائدة في مشيه إلى الشهادة، فقال له: كنت إذا كنت في سنك أخرج رزقي من الحجر، يعرض لابن القداح بأنه جيار، وكذلك كان هو وأبوه، رحمهم الله تعالى جميعاً، وهذا من مزاح الأشراف، كما جرى بين معاوية والأحنف، انظر صدر أدب الكتاب.
ومنها أنه قال: قال لي الحاج أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الواحد الرباطي: كنا عند الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، ففقد أحدنا نعليه، فقال الشيخ: كنا عند العلم التبريزي فدخل عليه رجل يدعى بشيراً فكلمه ثم خرج فلم يجد نعليه، فرجع إلى العلم وأنشده:
دخلت إليك يا أملي بشيراً
…
فلما أن خرجت خرجت بشرا
أعد يائي التي سقطت من اسمي
…
فيائي في الحساب تعد عشرا
وقال رحمه الله تعالى: لما سعى أولاد الشيخ أبي (1) شعيب بالقاضي أبي الحجاج الطرطوشي إلى السلطان وأمر بإشخاصه وكثر إرجاف المتشيعين فيهم من بعده وخرج الأمر على خلاف ما أملوا منه قال في ذلك:
حمدت الله في قوم أثاروا
…
شروراً فاستحالت لي سرورا
وقالوا النار قد شبت فلما
…
دنوت لها وجدت النار نورا ومنها (2) : أنه حكى أن الشيخ أبا القاسم ابن محمد اليمني مدرس دمشق ومفتيها حكى له بدمشق أنه قال له شيخ صالح برباط الخليل عليه السلام: نزل بي مغربي فمرض حتى طال علي أمره، فدعوت الله أن يفرج عني وعنه بموت أو صحة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: أطعمه الكسكسون، قال: يقول هذا بالنون، فصنعته له، فكأنما جعلت له فيه الشفاء، وكان أبو القاسم يقول فيه كذلك، ويخالف الناس في حذف النون من هذا الاسم، ويقول: لا أعدل عن لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: قلت: ووجه هذا من الطب أن هذا الطعام مما يعتاده المغاربة ويشتهونه، على كثرة استعمالهم له، فربما نبه منه شهوة أو رده إلى عادة.
وقال الجد رحمه الله تعالى: رأيت بجامع الفسطاط من مصر فقيراً عليه قميص إلى جانبه دفاسة قائمة وبين يديه قلنسوة، فذكر لي هنالك (3) أنهما محشوتان بالبرادة، وأن زنة الدفاسة أربعمائة رطل مصرية، وهي ثلاثمائة وخمسون مغربية، وزنة القلنسوة مائتا رطل مصرية، وهي مائة وخمسة وسبعون مغربية (4) ، فعمدت إلى الدفاسة فأخذتها إلى طوقها أنا ورجل آخر، فأملناها بالجهد، ثم أقمناها، ولم نصل بها إلى الأرض، وعدت إلى القلنسوة فأخذتها من إصبع كان
(1) ق: ابن.
(2)
قارن بما في نيل الابتهاج: 252.
(3)
زاد في ق: رجل.
(4)
وهي ثلاثمائة
…
مغربية: سقطت سهوا من ق.
في رأسها فلم أطق حملها فتركتها، وكان يوم الجمعة، فلما قضيت الصلاة مررنا في جملة من أصحابنا بالفقير، فوجدناه لابساُ تلك الدفاسة في عنقه، واضعاُ تلك القلنسوة على رأسه، فقام إلينا وإلى غيرنا، ومشى بهما كما يمشي أحدنا بثيابه، فجعلنا نتعجب، ويشهد بعضنا بعضاً على ما رأى من ذلك، ولم يكن بالعظيم الخلقة.
وقال رحمه الله تعالى: كان الأستاذ ابن الحكم قد بعث إلي بمحرر لأبعث به إلى من يعرضه للبيع، ثم بلغه أن أحمالاُ من المتاع التونسي قد وصلت إلى البلد، فكتب إلي: الحمد لله الذي أمر عند كل مسجد بأخذ الخزينة، وصلواته الطيبة، وبركاته الصيبة، على من ختم به شريعته وأكمل دينه، وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه والذين يتبعونه، وبعد ما تعلق به الإعلام، أن تعوضوا المحرر بإحرام (1) ، لا يخفى على مثلكم جنسه ومجانسه، ومن كلام العرب: كل ثوب ولابسه، وإن أربى على ثمن الأول ثمن الثاني، فلست عن الزيادة والحمد لله بالواني.
ومن فوائده أنه قال: كتب (2) في صدر رسالة إلى صاحبنا الشيخ الناسك أبي علي منصور ابن شيخ عصره وفريد دهره ناصر الدين المشدالي الشيخ الخاشع صاحبنا أبو الحسن علي ابن موسى البحيري يذكره شوقه إلى لقائه، لما كان يبلغه عنه، حتى قدر باجتماعهما بوهران أيام قضاء البحيري بها:
أوحشتني ولو طلعت على الذي
…
لك في فؤادي لم تكن لي موحشا
يا محرقاً بالنار قلب محبه
…
أنسيت أنك مستكن في الحشا وقال رحمه الله تعالى: أنشدني محمد البلفيقي قال (3) : أنشدني ابن رشيد قال: أنشدني أبو حفص ابن الخيمي المصري لنفسه:
(1) الإحرام: في المغرب يطلق على لباس مكون من بردة سوداء وطيلسان من الكتان الأسود (انظر رحلة ابن جبير ص: 134 والتعليقات ص: 28) .
(2)
ق: ومن فوائده ما كتب.
(3)
أنشدني
…
قال: سقطت من ق.
لو رأى وجه حبيبي عاذلي
…
لتفاصلنا على وجه جميل (1) وقال رحمه الله تعالى: قال لي محمد بن داود بن المكتب قال لي بلال الحبشي خادم الشيخ ابن مدين (2) : كان الشيخ كثيراُ ما ينشد هذا البيت:
الله قل وذر الوجود وما حوى
…
إن كنت مرتاداً بصدق مراد وقال رحمه الله تعالى: دخلت على عبد الرحمن بن عفان الجزولي (3) ، وهو يجود بنفسه، وكنت قد رأيته قبل ذلك معافى، فسألته عن السبب، فأخبرني أنه خرج إلى لقاء السلطان، فسقط عن دابته، فتداعت أركانه، فقلت: ما حملك أن تتكلف مثل هذا في ارتفاع سنك فقال: حب الرياسة آخر ما يخرج من قلوب الصديقين.
وقال رحمه الله تعالى: قال لي محمد بن مرزوق: قال لي بعض أصحاب أبي إسحاق الطيار دفين عباد تلمسان: إن أبا إسحاق أقام خمساً وعشرين سنة لا ينام إلا قاعداً، فسألت ابن مرزوق: لم لقب بالطيار فحدثني عن بعض أصحابه أنه نشر ذات يوم ثوبه في الشمس على بعض السطوح، ثم قعد هنالك، فمر به رجل فقال له: طر، فقال: أعن أمرك قال: نعم، فطار حتى وقع على الأرض وما به من باس، فقال الجد رحمه الله تعالى بعد هذا ما نصه: فقلت: إذا ما صار الحق للعبد سمعاً وبصراُ فسمع به وأبصر أصاخ إلى الأحوال، واجتلى المعاني، فيرى من غير مبصر، ويسمع من غبر ناطق، كما قال الشيخ أبو عبد الله الشوذي (4) الحلوي دفين تلمسان:
(1) ق: مليح.
(2)
ترجمة بلال خادم الشيخ أبي مدين في أنس الفقير: 93، وانظر ما تقدم ص:242.
(3)
ترجمة عبد الرحمن الجوزلي في نيل الابتهاج: 129 وفيه ما جاء هنا نقلا عن المقري الجد. والسلطان الذي خرج للقائه هو أبو الحسن المريني، وكانت وفاة الجزولي بعد موقعة طريف سنة 741.
(4)
تنسب إليه الشوذية وكان في أول أمره من فقهاء مرسية ثم التف حوله أمثال عزيز بن خطاب وحازم وأبي المطرف وغيرهم. والشوذية طريقة صوفية تشبه طريقة ابن عربي إلا أنها أكثر إيجابية، وقد تورط أصحابها في السياسة وقالوا بأن العلوم الشرعية غير صحيحة في ذاتها، ولذلك وجدوا مقاومة شديدة، وحمل عليهم ابن خلدون ولسان الدين.
إذا نطق الوجود أصاخ قوم
…
بآذان إلى نطق الوجود
وذاك النطق ليس به انعجام
…
ولكن دق عن فهم البليد
فكن فطناُ تنادى من قريب
…
ولا تك من ينادى من بعيد وقال رحمه الله تعالى: حدثت بمصر أن الشيخ سيدي عمر بن الفارض ولع بجمل، فكان يستأجره من صاحبه ليتأنس به، فقيل له: لو اشتريته، فقال: المحبوب لا يملك، فسألت: في أي حال كان هذا منه فقيل لي: في ابتداء أمره، فقلت: وجد اعتبار {أفلا ينظرون إلى الإبل} (الغاشية: 17) فوقفت به رؤية المعنى فيه عليه، فأحبه مدلاً، وطلبه مجلاُ.
وقال رضي الله عنه: حفظت من خط أبي زيد والد صاحبنا أبي الحسن: قيل للغزالي: ما تقول في الحلاج فقال: وما عسى أن أقول فيمن شرب بكأس الصفاء، على بسط الوفاء، فسكر وعربد، فاستوجب من الله الحد، فكان حده شهادته، ثم قال بعد هذا: قلت عربد الحلاج في الحضرة لما نسي بسكره أوامره، فانتصر الظاهر لنفسه لصحة تعلق اسمه، وسدل الباطن على عذره حجاب الغيرة من إفشاء سره:
على سمة الأسماء تجري أمورهم
…
وحكمة وصف الذات للحكم أجرت وقال رحمه الله تعالى: سمعت شيخنا ببيت المقدس يقول: تجلى الله بالمسجد الأقصى بالجمال، وعلى المسجد الحرام بالجلال، وعلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالكمال، قلت: فذلك يوقف النواظر، وذاك يملأ الخواطر، وهذا يفتح البصائر.
وقال رحمه الله تعالى: أخبرني أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عنان فارس
نصره الله أن جده أمير المسلمين أبا سعيد سأل كاتبه عبد المهيمن الحضرمي عن تهادي أهل الحب التفاح دون الخوخ، وكلاهما حسن المنظر، طيب المخبر، شديد شبه بأخيه، سديد تشبيه الوجنات به لمتوخيه، فقال: ما عند مولانا فقال: أرى ذلك لاشتمال التفاح على الحب الذي يذكر بالحب والهوى، والخوخ على النوى الذي يذكر اسمه صفرة الجوى.
وقال رحمه الله تعالى: قال لي أبو حيان بالقاهرة: قال لي عمر بن الخيمي: تجاذبت أنا ونجم الدين بن إسرائيل هذا البيت:
يا بارقاُ بأعالي الرقمتين بدا
…
لقد حكيت، ولكن فاتك الشنب فتحاكمنا إلى ابن فارض، فأشار بأن ننظم قصيدة نضمنها البيت، فنظم ونظمت:
يا مطلباً ليس لي في غيره أرب
…
إليك آلى التقضي وانتهى الطلب فقضى به لي (1) .
وقال رحمه الله تعالى: حدثت أن أبا زيد الهزميري بعث إلى أبي عمران التسولي، وكان كثير الصلاة، أنه لم يبق وبينك وبين الله حجاب إلا ركيعات، فرجع إليه ما معناه: إن الاتصال كان منها، فلا كان يوم الانفصال عنها، يعني من رزق من باب فليلزمه.
وقال رحمه الله تعالى: كنت بجامع تلمسان، وإلى جانبي رجل ينتمي إلى طريقة العرفان، فجعل سائل يشكو الجوع والألم، فتصدق ذلك الرجل عليه بدرهم، وقال: إياك أن تشكو الرحمن إلى من لا يرحم، فقلت: أمره أن
(1) انظر أيضا الغيث المسجم 1: 117 فيما يتصل بهذه المعارضة بين ابن الخيمي ونجم الدين بن إسرائيل، وفي معارضات قصيدة ابن الخيمي انظر 1:118.
يسأل عزيزاُ بمولاه، ونهاه أن يشكو ذليلاً إلى سواه.
وكان الفارابي كثيراً ما يقول: يا رب إليك المشتكى، حتى إنه يوجد أثناء كلامه في غير موضعه، فيعجب به من لا علم عنده بمنزعه.
وقال رحمه الله تعالى: حدثت أن الفخر مر ببعض شيوخ الصوفية، فقيل للشيخ: هذا يقيم على الصنائع ألف دليل، فلو قمت عليه، فقال: وعزته لو عرفته ما استدل عليه، فباغ ذلك الإمام، فقال: نحن نعلم من وراء الحجاب، وهم ينظرون من غير حجاب.
وقال رحمه الله تعالى: حدثت أن رجلاُ كان يجلس إلى أبي الحسن الحرالي، وكان يشرب الخمر، فسكر ذات يوم، فسقط على زجاجة، فشج وجهه، فاختفى إلى أن برئ، ثم عاد إلى مجالسة الشيخ، فلما رآه أنشد:
أجريح كاسات أرقت نجيعها
…
طلب الترات يعز منه خلاص
لا تسفكن دم الزجاجة بعدها
…
إن الجروح كما علمت قصاص ففهمها الشاب، فتاب.
وقال رحمه الله تعالى: كثيراُ ما كنت أسمع أبا محمد المجاصي ينشد هذا البيت:
هم الرجال وعيب أن يقال لمن
…
لم يتصف بمعاني وصفهم رجل ثم يبكي، وكان أهل البلد يسمونه " البكاء " وبعضهم الخاشع.
ووجدت بخط مولاي الجد على ظهر كتابه " القواعد " ما نصه: الحمد لله تعالى جده، قرأت صدر الكتاب " زهرة البساتين " للقاسم بن الطيلسان، ثم سمعت ثلاثة أحاديث من أوله، بل حديثاُ وأثراُ وإنشاداُ من في الشيخ الخطيب الصالح أبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عياش الأنصاري، ثم تناولت منه جميع الكتاب المذكور، وأجازنيه بحق سماعه لبعضه، وتناوله لجميعه من جده
محمد المذكور، بحق أخذه له عن مؤلفه صهره القاسم المذكور، وذلك بالمسجد الجامع من مالقة المحروسة، قال ذلك وكتبه محمد بن محمد بن أحمد المقري في متم عشرين لشهر ربيع الآخر من عام سبعة وخمسين وسبعمائة.
وبخطه رحمه الله تعالى حيث ذكر ما نصه: الحمد لله، مخالف القواعد الشرعية للعوائد العرفية، كإنكار الحشر وفتنة القبر، ونهوهما من الأمر بالمعروف، للركون إلى المشهور المألوف، كالتقليد مع الدليل، الذي ذمه الشرع في محكم التنزيل.
وبخطه أيضاً (1) : الحمد لله، قد تتابع صفات العام حتى يصير كأنه أشير به إلى شخص بعينه فيختص، ومن ثم قيل في قوله الله عز وجل {ولا تطع كل حلاف مهين} (القلم: 10) إنه الأخنس بن شريق، وفي قوله تعالى {وبل لكل همزة لمزة} (الهمزة: 1) إنه أمية بن خلف، وفي قوله تعالى {ذرني ومن خلقت وحيداً} (المدثر: 11) إنه الوليد بن مغيرة، انتهى.
ووجدت بخطه أيضاً رحمه الله تعالى ما نصه (2) : الحمد لله، قال لي المتوكل على الله أبو عنان أمير المؤمنين فارس بن علي: كان جدنا أبو يوسف يعقوب ابن عبد الحق يقول: الولايات ست: ثلاث وقفتها على اختياري: الحجابة، والقصبة، والشرطة، وثلاث موكولة إليكم: القضاء، والإمامة، والحسبة. ثم قال رحمه الله تعالى: وهذا تدبير حسن.
ومن فوائده: حدثني العدل أبو عبد الله محمد بن أبي زرع عن القاضي أبي عبد الله ابن أبي الصبر أنه أمر الوالي بفاس أن يبني فندق الشماعين، وكان قد خرب، فتوقف حتى يأذن السلطان، فقال له: أسلفني ما أبنيه به، فإن أجاز ذلك السلطان، وإلا رددته عليك، ففعل، فلما طولب ذكر ما قاله له القاضي،
(1) ق: وقال حيث أشير ما نصه. ص: وبخطه أيضا
…
إلخ.
(2)
ق: وكتب رحمه الله ما نصه.
فغضب السلطان وبعث فيه، فجعل المبعوثون يأتونه واحداً بعد واحد وهو متمهل في وضوئه وإصلاح بذته ومركوبه، ثم جعل يمشي الهوينا، فلقيه ابنه، فقال له: أسرع لقد أكثر السلطان من التوجيه إليك، وهو واجد عليك، فقال له: مسكين أبو يحيى خاف وثبت على حاله، فلما كان في الطريق لقي بعض العلماء فتعرض إليه فقال: قل بخفي لطفك، بلطيف صنعك، بجميل سترك، دخلت في كنفك، تشفعت بنبيك، فحفظه، ثم طلبه فلم يجده، فجعل يقول ذلك، فلما رآه السلطان سكن ما به، ثم سأل عن ذلك برفق، فقال له القاضي: كرهت الخراب بقرب القرويين وبالشماعين الذي هو عين فارس، فسألت الوالي ذلك على أني أغرم إن لم تجز، وقلت له: المرجو من السلطان أن يجعله حبساً، فقال: قد فعلت، ثم بعث إلى الشهود وحبسه على الجامع، وشكر القاضي صنيعه، وصرفه مغبوطاً.
وهذا السلطان هو أبو يعقوب يوسف بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني، وتوفي محاصراً لتلمسان في ذي القعدة من عام ستة وسبعمائة، وكان ابتداء حصاره إياها سنة ثمان وتسعين وستمائة، وكان جملة الحصار فيها حدثت ألف شهر (1) ؛ انتهى.
ومن فوائد مولاي الجد رحمه الله تعالى ما حكاه تلميذه أبو إسحاق الشاطبي في كتاب " الإنشادات والإفادات " ونصه: إفادة حضرت يوماً مجلساً في المسجد الجامع بغرناطة مقدم الأستاذ القاضي أبي عبد الله المقري، في أواخر ربيع الأول عام سبعة وخمسين وسبعمائة، وقد جمع ذلك المجلس القاضي أبا عبد الله والقاضي أبا القاسم الشريف شيخنا والأستاذ أبا سعيد ابن لب والأستاذ أبا عبد الله البلنسي وذا الوزارتين أبا عبد الله ابن الخطيب وجماعة من الطلبة،
(1) انظر خبر هذا الحصار في الاستقصا 3: 79 - 80. قلت: وقوله " ألف شهر " لا يتفق مع الفترة التي عينها.
فكان من جملة ما جرى أن قال القاضي أبا عبد الله المقري: سئلت في مسألة في الأصول لم أجد لأحد فيها نصاً، وهي تخصيص العام المؤكد بمنفصل، فأجبت بالجواز محتجاً بقول الله عز وجل " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن " فهذا عامل مؤكد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " ولم يحل الله من الفواحش إلا مسألة الناسي ". انتهى.
ومن (1) الكتاب المذكور ما نصه: إفادة حدثني الشيخ الفقيه القاضي الجليل الشهير الخطير أبو عبد الله محمد بن أحمد المقري رحمه الله تعالى، وأملاه علينا، عن العالم الكبير أبي حيان ابن يوسف بن حيان أنه قال: ورد كتاب من الأستاذ أبي عبد الله ابن مثبت الغرناطي إلى صاحب له يدعى حمزة، وفيه: سئل الشيخ، قال أبو حيان: يعني وجدت على ظهر نسخة من المفصل بخط عتيق سئل ابن الأخضر بمحضر ابن الأبرش: علام انتصب قوله:
مقالة أن قد قلت سوف أناله
…
فقال:
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
…
فقال: سألتك عن إعراب كلمة، فأجبتني بشطر بيت، فقال ابن الأبرش: قد أجابك لو كنت تفهم، قال أبو حيان: فوقعت عليه للحين: إن هذا الشطر من قول النابغة:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني
…
وتلك التي تصطك منها المسامع
مقالة أن قد قلت سوف أناله
…
وذلك من تلقاء مثلك رائع يروى مقالة بالرفع، على أنه بدل من أنك لمتني الفاعل، وبالفتح على ذلك إلا أنه بناه لما أضافه إلى مبني.
(1) ق: وفي.
ومنه: إفادة حدثني الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى قال: سئل أبو العباس ابن البناء رحمه الله تعالى، وكان رجلاً صالحاً، في قوله تعالى {قالوا إن هذان لساحران} (طه: 63) لم لم تعمل إن في هذان فقال: لما لم يؤثر في المقول لم يؤثر العامل في المعمول، فقال له: يا سيدي هذا لا ينهض جواباً، فإنه لا يلزم من بطلان قولهم بطلان عمل إن، فقال له: إن هذا الجواب نوارة لا تحتمل أن تحك بين الأكف؛ انتهى.
ومنه: إفادة قال لنا الشيخ الأستاذ القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى: إن أهل المنطق وغيره يزعمون أن الأسماء المعدولة لا تكاد توجد في كلام العرب، وهي موجودة في القرآن، وذلك قوله {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} (البقرة: 68) فإن زعم زاعم أن ذلك على حذف المبتدأ، ودخلت لا على الجملة، وتقديره لا هي فارض ولا هي بكر، قيل له: إن كان يسوغ لك ذلك في هذا الموضع فلا يسوغ في قوله تعالى {لا شرقية ولا غربية} (النور: 35) فصح أن الاسم المعدول موجود فصيح في كلام العرب.
ومنه: إفادة حدثنا الأستاذ أبو عبد الله المقري، قال: سئل عن قوله تعالى {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} (الأنبياء: 33) لم عاد ضمير من يعقل إلى ما لا يعقل فقال بعضهم: لما اشترك مع من يعقل في السباحة وهي العوم عومل لذلك معاملته، قال: وهذل لا ينهض جواباً، فإن السباحة لما لا يعقل كالحوت، وإنما لمن يعقل العوم، لا السباحة، وأيضاً فإلحاقه بما العوم له لازم كالحوت أولى من إلحاقه بما هو غير لازم له، قال: وأجاب الأستاذ أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي السبي بأن الشيء المعظم عند العرب تعامله معاملة العاقل، وإن لم يكن عاقلاً، أعظمه عندهم، وأجبت لأنا بأنه لما عوملت في غير هذا الموضع معاملة من يعقل في نحو قوله تعالى {والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (يوسف: 4) لصدور أفعال العقلاء عنها أجرى عليها هنا ذلك الحكم للأنس به في موضعه.
ومنه: إفادة لقمني الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى لقمة بيده المباركة (1)، وقال: لقمني الشيخ أبو عبد الله المسفر قال: لقمني أبو زكريا المحياوي قال: لقمني أبو محمد صالح قال: لقمني الشيخ أبو مدين قال: لقمني أبو الحسن ابن حرزهم قال: لقمني ابن العربي قال: لقمني الغزالي قال: لقمني أبو المعالي قال: لقمني أبو طالب المكي قال: لقمني أبو محمد الجريري قال: لقمني الجنيد قال: لقمني السقطي قال: لقمني معروف الكرخي قال: لقمني داود الطائي قال: لقمني حبيب العجمي قال: لقمني الحسن البصري قال: لقمني علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: لقمني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: وبهذا السند صافحته أيضاً رضي الله تعالى عنه (2) ؛ انتهى.
وللمحدثين في هذا السند كلام مشهور، وانتصر بعضهم للسادة الصوفية رضي الله تعالى عنهم.
ومنه: إنشادة أنشدني الشريشي الفقيه أبو عبد الله قال: أنشدني القاضي المقري قال: أنني الرباطي قال: أنشدني ابن دقيق العيد لنفسه من صدر رسالة كتب بها لبعض إخوانه بالحجاز (3) :
يهيم قلبي (4) طرباً عندما
…
أستلمح البرق الحجازيا
ويستميل الوجد قلبي (5) وقد
…
أصبح لي ثوب الحجى زيا
يا هل أقضي من منى حاجتي
…
فأنحر البدن المهاريا
وأرتوي من زمزم فهي لي
…
ألذ من ريق المها ريا
(1) لقمة بيده المباركة: سقطت من ق.
(2)
انظر سند المصافحة ص: 241.
(3)
انظر الديوان الملحق: 154 والطالع السعيد: 332 ولها تخريجات أخرى في الديوان (هامش: 153) .
(4)
الديوان: تهيم نفسي.
(5)
الديوان: عقلي.
ومنه: إفادة حدثنا القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى قال: رأيت لبعض من ألف على كتاب الكشاف للزمخشري فائدة لم أرها لغيره في قوله تعالى " والراسخون في العلم " إذ الناس يختلفون في هذا الموضع اختلافاً كثيراً، فقال قوم: الراسخون في العلم يعلمون تأويله، والوقوف عند قوله " والراسخون في العلم " وقال قوم: أن الراسخون لا يعلمون تأويله، وإنما يوقف (1) عند قوله " وما يعلم تأويله إلا الله " فقال هذا القائل: أن الآية من باب الجمع والتفريق والتقسيم، من أنواع البيان، وذلك لأن قوله تعالى " هو الذي نزل عليك الكتاب " هو جمع، وقوله " منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات " تفريق، وقوله تعالى " فأما الذين في قلوبهم زيغ - إلى قوله تعالى: وابتغاء تأويله " أحد طرفي التقسيم، وقوله تعالى " والراسخون في العلم " الطرف الثاني، وتقديره: وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به، وجاء قوله تعالى " وما يعلم تأويله إلا الله " اعتراضاً بين طرفي التقسيم، قال: وهذا مثل قوله تعالى " وأنا منا المسلمون " فقوله وأنا جمع، وقوله " منا المسلمون ومنا الساقطون " تفريق، وقوله فمن أسلم وأما الساقطون تقسيم، وهو من بديع التفسير، قلت: ومثله أيضاً قوله تعالى " يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه "؛ انتهى. ومنه: إنشادة أنشدنا الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله المقري في القول بالموجب لبعض العلماء في وديعة:
إن قال قد ضاعت فصدق أنها
…
ضاعت، ولكن منك يعني لو تعي
أو قال قد وقعت فصدق أنها
…
وقعت، ولكن منه أحسن موقع ومنه: إنشادة أيضاً من القول بالموجب لبعض الحنابلة:
(1) ق: يتوقف.
يحجون بالمال الذي يجمعونه
…
حراماً إلى البيت العتيق المحرم
ويزعم كل أن تحط ذنوبهم
…
تحط ولكن فوقهم في جهنم ومنه: إفادة كتب لي بخطه شيخنا الفقيه القاضي الجليل أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى على ظهر التسهيل لابن مالك الذي كتبته بخطي بعدما كتب لي بخطه روايته فيه عن أبي الحسن ابن مزاحم عن بدر الدين ابن جماعة عن المؤلف فكتب بعد ذلك ما نصه: قال محمد بن محمد المقري: بدر الدين ابن جماعة المذكور يدعى بقاضي القضاة، على ما جرت به عوائد أهل المشرق في تسمية مثله، وأنا أكره هذا الاسم محتجاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم " أن أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى بملك الملوك، لا ملك إلا الله "؛ انتهى ما انتقيته من كتاب الإنشادات والإفادات للشاطبي فيما يتعلق بجدي رحمه الله تعالى.
ومن فوائد مولاي الجد رحمه الله، مما لم يذكر فيما سبق أنه حكي أن ابن أمجوط الموله دخل في حلقة أبي عبد الله ابن رشيد بجامع القرويين، وبين رجليه قصبة كأنها فرس، وبيده أخرى كأنها رمح، فانتهره رجل، فضربه برمحه على رأسه، وقال له: اسكت يا ميت، فأبهت الناس لكلامه، فقال له الشيخ: يا فقير أنت في حال ونحن في مقال، وشأن أرباب الأحوال التسليم لأصحاب (1) المقال، فنظر إليه الموله وانصرف، ثم لم ينشب المنتهر أن توفي بعد ذلك بأيام قلائل.
[أخبار للمقري عن ابن شاطر]
ومنها: قلت لابن شاطر يوماً (2) : كيف حالك فقال: محبوس في الروح،
(1) ق: لأرباب.
(2)
مر هذا، انظر ما تقدم ص:248.
وصدق لأن الدنيا سجن المؤمن، ولا مخلص له من حبسه إلا بمفارقة نفسه.
وقال: سألت ابن شاطر عن معنى قول ابن الفارض:
فلم أله باللاهوت عن حكم مظهري (1)
…
ولم أنس بالناسوت موضع حكمتي فقال: يقول ما أنا بالحلاج ولا ببلعام، ثم قال مولاي الجد بعد هذا الكلام ما صورته: قلت: وهذا هو الإنسان على الكمال والتمام، ولقد سمعته يقول في الحلاج: نصف إنسان، يشير إلى البيت.
وقال أيضاً رحمه الله تعالى: سمع ابن شاطر إنساناً يقول: الجنة رخيصة، فقال: كيف تكون رخيصة والله عز وجل يقول " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " انتهى. ثم قال مولاي الجد بأثر هذا الكلام: قلت: ما الأنفس والأموال في جنب ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر لا سيما وفوق هذه الحسنى زيادة الإكرام بالنظر والرضا.
وقال أيضاً: قيل لابن شاطر: صف لنا الدنيا، فقال:" كسراب بقيعة " الآيتين، فبلغ ذلك أبا زيد ابن الإمام، فأنكر عائباً لاستحسان سامعه، تالياً " يحرفون الكلم عن مواضعه " ولقد أصيب المتعسف بأدهى منها وأمر، فإنه أفحم يوماً ببعض أهل النظر فتلا عليه " فبهت الذي كفر " على أن له أن يقول: لم أخرج الآية عن مرادها، فالبهت من انقطاع المعاند، والكفر من جحد الجاحد، ولنا أن نقول: التحريف المذموم هو التحويل للإبطال وليس هذا في قصد الممثل الأول بالمثال؛ انتهى.
وهذا كله على مذهب جمهور المالكية في منع الاقتباس، وللكلام على ذلك موضع غير هذا، فليراجع في كتب البيان وغيرها.
(1) ق: منطقي.
وقال رحمه الله تعالى: حدثت أن المتوكل على الله أبا عنان رحمه الله تعالى أعطى ابن شاطر ألف دينار ليحج بها، فمر بها على تلمسان، فصار يدفع منها شيئاً فشيئاً للمتفرجين بغدير الوريط شرقي عباد تلمسان العلوي، إلى أن نفذت، فلما ورد السلطان أبو عنان تلمسان لقيه بسوق العطارين من منشر الجلد، فقال له: يا سيدي أبا عبد الله حج مبرور، فقال له: إذا جهلت أصل المال فانظر مصارفه، ويأبى الله إلا أن ينفق الخبيث في مثله، فضحك السلطان وانصرف؛ انتهى.
وكان (1) لابن شاطر هذا عجائب، ولم يكن مخلاً بشيء من الحقوق الشرعية، وكان معتقداً عند أهل وقته، وكان السلطان أبو عنان على فقهه يعظمه ويصله ويسلم له، وبات عنده ليلة بقصره، وكان يدخل القصر، ولا تحتجب منه الجواري، وقال له: أتبول في قبة مولانا فقال لها: إن قبة مولانا الخضراء أعظم من هذه، وأنا أفعل تحتها ما هو أفظع من البول، وما انتهرني قط، فذكرت ذلك الجارية للسلطان، فضحك وعلم أنه يريد السماء. وكان يكتب القرآن والعمدة ولا يغلق حرفاً مجوفاً فإذا غلب على ذلك أصلحه، حتى حكي أنه سافر لإصلاح حرف مجوف أغلقه سهواً من نسخة كان باعها، ولم يتذكر ذلك حتى سافر مشتريها، فما رجع حتى جدده.
وحكى الشيخ أبو القاسم ابن داود الفخار السلوي أن الشيخ أبا عبد الله الشريف التلمساني صاحب " المفتاح في أصول الفقه " وشارح " الجمل الخونجية " المتوفى عام اثنين وسبعين وسبعمائة دفين المدرسة اليعقوبية من تلمسان المحروسة افتتح شرح العمدة بما نصه: اللهم احمد نفسك عمن أمرته أن يتخذك وكيلاً، حمداً عائداً منك إليك، متحداً بك، دائماً بدوام ملكك، لا منقطعاً ولا مفصولاً،
(1) ق: وذكر.
قال: فقال لي أبو عبد الله ابن شاطر: ما هو انفصال عالم الملك فقلت له: بالضرورية الوقتية، فقال لي: ما أجهلك! وأجهل سيدك أبا عبد الله! وأجهل ابن سودكين (1) الذي أخذ من كتابه هذا الحمد! إذ قال لا منقطعاً ولا مفصولاً بعد قوله بدوام ملكك وهو بالضرورية الوقتية، وهي منقطعة، فهلا قال: دائماً بدوام قيوميتك، وعظيم قدرك، ومجدك الأعلى، وسبحات وجهك الأكرم، لا منقطعاً ولا مفصولاً، فبلغ ذلك أبا عبد الله الشريف، فبدله؛ انتهى. وأخبار ابن شاطر كثيرة، وقد مر ذكره في كلام مولاي الجد رحمه الله تعالى، وسيأتي ما ذكره لسان الدين به في الإحاطة.
[تتمة الفوائد على المقري]
ومن فوائد مولاي الجد رحمه الله تعالى ما قاله إثر قول الرازي في التفسير الحس أقوى من العقل ونصه: هذا على ما حكاه في المحصل من أن المعقولات فرع المحسوسات، قال: ولذلك من فقد حساً فقد فقد علماً كالأكمه والعنين، ومذهب جمهور الفلاسفة أن اليقينيات هي المعقولات لا المحسوسات، انظر المحصل؛ انتهى.
ومن فوائده رحمه الله تعالى أن قال: أنشدت يوماً الآبلي قول ابن الرومي:
أفنى وأعمى ذا الطبيب بطبه
…
وبكحله الأحياء والبصراء
فإذا مررت رأيت من عميانه
…
أمم على أمواته قراء فاستعادني حتى عجبت منه، مع ما أعرف من عدم ميله إلى الشعر، وانفعاله له، وظننت أنه أعجب مما تضمنه البيت الأول من غريب اللف والنشر المكرر الذي لا أعرف له ثانياً فيه، فقال: أظننت أني استحسنت الشعر فقلت: مثلك
(1) إسماعيل بن سودكين (ق: شودكين) النوري (- 640) تلميذ ابن عربي وشارح كتبه.
يستحسن مثل هذا الشعر؛ فقال: إن ما تعرفت منه كون العميان كانوا في ذلك الزمان يقرؤن على المقابر، فإنني كنت أرى ذلك حديث العهد، فاستفدت التاريخ.
وقال مولاي الجد رحمه الله تعالى (1) : حدثني الآبلي أن أبا عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن أبي العيش الخزرجي الخطيب بتلمسان كان يقول في خطبته: من يطع الله ورسوله فقد رشد، بالكسر، وكان الطلبة ينكرون عليه ذلك، فلما ورد عليهم الراوية الرحلة أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري سمعه يقول ذلك، فأنكر عليه في جملتهم، وبلغ الخطيب ذلك، فلم يرجع، فلما قفل ابن رشيد من وجهته تلك دخل على الأستاذ أبي الحسن ابن البيع بسبتة، فهنأه بالقدوم، وقال له فيما قال: رشدت - يا ابن رشيد - ورشدت لغتان صحيحتان، حكاهما يعقوب في " الإصلاح "(2)، ثم قال مولاي الجد (3) : قلت: هذه كرامة للرجلين أو للثلاثة.
وقال رحمه الله تعالى (4) : قال طالب لشيخنا الآبلي يوماً: مفهوم اللقب صحيح أما أنا فلا أقول شيئاً، فعرف الطالب ما وقع فيه، فخجل.
وهذا الآبلي (5) تقدم في كلام مولاي الجد رحمه الله تعالى أنه عالم الدنيا، وهو تلمساني كما تقدم، قال تلميذه أبو القاسم السلوي الفخار: دخل علي شيخنا الآبلي يوماً، وأنا أعجن طين الفخارة، فقال لي: ما علامة قبول هذه المادة أكمل صورة ترد عليها فقلت: أن تدفع عن نفسها ما هو من غير جنسها من حجر أو زبل أو غيره، فأدركه وجد عظيم، حتى إنه صاح وقام وقعد، وبقي هنية مطرقاً برأسه مفكراً، ثم قال: هكذا هي النفوس البشرية.
(1) ق: ومن فوائده رحمه الله، والقصة في نيل الابتهاج:252.
(2)
إصلاح المنطق: 213.
(3)
زاد في ق: قال الآبلي.
(4)
النص في نيل الابتهاج: 245.
(5)
ق: ووصف الشيخ الآبلي.
قال: وقال لي يوماً، وقد وجد الصبيان يصوبون بقصب رقاق على الذباب فإذا خرج قتلوه: الغلط الداخل عليه من أي نوع المغلطات هو فقلت له: من إيهام العكس، لما كان كل ذباب مصوتاً ظن أن كل مصوت ذباب، فاستحسن ذلك.
قلت: وحدثني مولاي العم الإمام شيخ الإسلام سيدي سعيد بن أحمد المقري رحمه الله تعالى، عن شيخه ابن جلال مفتي حضرتي فاس وتلمسان، أنه كان يحكي أن الغلط من عدم كلية كبرى في الشكل الأول، لأنه ركبه هكذا: هذا مصوت وكل مصوت ذباب، وقد علمت أنها هنا إنما تصدق جزئية لا كلية، وإذا كانت جزئية بطل الإنتاج، لأن ذلك من الضروب العقيمة؛ انتهى.
ومن (1) فوائد مولاي الجد رحمه الله تعالى أنه قال (2) : سمعت شيخنا الآبلي يقول: ما في الأمة المحمدية أشعر من ابن الفارض.
وقال أيضاً رحمه الله تعالى (3) : سمعت شيخنا الآبلي يقول: إنما أفسد العلم كثرة التواليف، وإنما أذهبه بنيان المدارس، وكان ينتصف له من المؤلفين والبانين وإنه لكما قال، غير أن في شرح ذلك طولاً، وذلك أن التأليف نسخ الرحلة التي هي أصل جمع العلم، فكلن الرجل ينفق فيها المال الكثير (4) ، وقد لا يحصل له من العلم إلا النزر اليسير، لأن عنايته على قدر مشقته في طلبه، ثم صار يشتري أكبر ديوان بأبخس ثمن، فلا يقع منه أكثر من موقع ما عوض عنه، فلم يزل الأمر كذلك حتى نسي الأول بالآخر، وأفضى الأمر إلى ما يسخر منه الساخر؛ وأما البناء فلأنه يجذب الطلبة إلى ما يرتب فيه الجرايات (5) ، فيقبل بها على من
(1) قبلها في ق: رجع.
(2)
انظر نيل الابتهاج: 245.
(3)
نقل صاحب نيل الابتهاج هذا النص ص: 235 - 246.
(4)
نيل الابتهاج: مالا كثيراز
(5)
نيل الابتهاج: لما فيه من مرتب الجرايات.
يعينه أهل الرياسة للأجراء والإقراء منهم أو ممن يرضى لنفسه الدخول في حكمهم، ويصرفونها (1) عن أهل العلم حقيقة الذين لا يدعون إلى ذلك، وإن دعوا لم يجيبوا، وإن أجابوا لم يوفوا لهم بما يطلبون من غيرهم. ثم قال مولاي الجد رحمه الله تعالى: ولقد استباح الناس النقل من المختصرات الغربية أربابها، ونسبوا ظواهر ما فيها إلى أمهاتها، وقد نبه عبد الحق في تعقيب التهذيب على ما يمنع من ذلك لو كان من يسمع - وذيلت كتابه بمثل عدد مسائله أجمع - ثم تركوا الرواية فكثر التصحيف، وانقطعت سلسلة الاتصال، فصارت الفتاوى تنقل من كتب من لا يدري ما زيد فيها مما نقص منها، لعدم تصحيحها، وقلة الكشف عنها. ولقد كان أهل المائة السادسة وصدر السابعة لا يسوغون الفتوى من تبصرة الشيخ أبي الحسن اللخمي لكونه لم يصحح على مؤلفه ولم يؤخذ (2) عنه، وأكثر ما يعتمد اليوم ما كان من هذا النمط. ثم انضاف إلى ذلك عدم الاعتبار بالناقلين، فصار يؤخذ من كتب المسخوطين كما يؤخذ من كتب المرضيين (3) ، بل لا تكاد تجد من يفرق بين الفريقين، ولم يكن هذا فيمن قبلنا، فلقد تركوا كتب البراذعي على نبلها، ولم يستعمل منها، على كره من كثير منهم، غير التهذيب الذي هو المدونة اليوم لشهرة مسائله وموافقته في أكثر ما خالف فيه المدونة لأبي محمد، ثم كل أهل هذه المائة عن حال من قبلهم من حفظ المختصرات وشق الشروح والأصول الكبار، فاقتصروا على حفظ ما قل لفظه، ونزر حظه، وأفنوا أعمارهم في فهم رموزه، وحل لغوزه، ولم يصلوا إلى رد ما فيه إلى أصوله بالتصحيح، فضلاً عن معرفة الضعيف من ذلك والصحيح، بل هو حل مقفل، وفهم أمر مجمل، ومطالعة تقييدات
(1) نيل الابتهاج: ويصرفهم.
(2)
نيل الابتهاج: لكونها لم تصحح
…
ولم تؤخذ.
(3)
نيل الابتهاج: كالأخذ من المرضيين.
زعموا أنها تستنهض النفوس، فبينا نحن نستكبر العدول عن كتب الأئمة إلى كتب الشيوخ، أتيحت لنا تقييدات للجهلة، بل مسودات المسوخ، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فهذه جملة تهديك إلى أصل العلم، وتريك ما غفل الناس عنه؛ انتهى.
ولنصلها بخاتمة (1) تشير إلى حال العلماء أيضاً اعلم أن شر العلماء علماء السلاطين، وللعلماء معهم أحوال؛ فكان الصدر الأول يفرون منهم، وهم يطلبونهم، فإذا حضر واحد منهم أفرغوا عليه الدنيا إفراغاً ليقتنصوا بذلك غيره، ثم جاء أهل العصر الثاني، فطمحت أنفسهم إلى دنيا من حصل لهم، ومنعهم القليل، فانتقصوا مما كان لغيرهم بقدر ما نقصوا من منابذتهم، ثم كان فيمن بعدهم من يأتيهم بلا دعوة، وأكثرهم إن دعي أجاب، فانتقصوا بقدر ذلك أيضاً، ثم تطارح جمهور من بعدهم عليهم، فاستغنوا بهم عن دعاء غيرهم، لا على جهة الفضل أو محبة المدحة منهم، فلم يبقوا عليهم من ذلك إلا النزر اليسير، وصرفوهم في أنواع السخر والخدم إلا القليل، وهم ينتظرون صرفهم، والتصريح بالاستغناء عنهم، وعدم الحاجة إليهم، ولا تستعظم هذا، فلعله سبب إعادة الحال جذعة، عجب الله من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل، وهذا كله ليظهر لك سر قول النبي صلى الله عليه وسلم " لتتبعن سنن من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه خلفهم "، قيل: اليهود والنصارى قال: فمن وقد قص علينا القرآن والأخبار من أمرهم ما شاهدناه أكثره أو أكثر منه فينا، سمعت العلامة الآبلي يقول (2) : لولا انقطاع الوحي لنزل فينا أكثر مما نزل فيهم، لأنا أتينا أكثر مما أتوا، يشير
(1) ق: وذيلت على ذلك بخاتمة.
(2)
انظر نيل الابتهاج: 246.
إلى افتراق هذه الأمة على أكثر مما افترقت عليه بنو إسرائيل، واشتهار بأسهم بينهم إلى يوم القيامة، حتى ضعفوا بذلك عن عدوهم، وتعدد ملوكهم لاتساع أقطارهم واختلاف أنسابهم وعوائدهم، حتى غلبوا بذلك على الخلافة، فنزعت من أيديهم، وساروا في الملك بسير من قبلهم، مع غلبة الهوى واندراس معالم التقوى، لكنا آخر الأمم، أطلعنا الله من غيرنا على أقل مما ستر منا، وهو المرجو أن يتم نعمته علينا، ولا يرفع ستره الجميل عنا. فمن أشد ذلك إتلافاً لغرضنا تحريف الكلم عن مواضعه الصحيحة أن ذلك لم يكن بتبديل اللفظ، إذ لا يمكن ذلك في المشهورات من كتب العلماء المستعملة، فكيف في الكتب الإلهية، وإنما كان ذلك بالتأويل كما قال ابن عباس وغيره، وأنت تبصر ما اشتملت عليه كتب التفسير من الخلاف، وما حملت الآي والأخبار من التأويلات الضعاف، قيل لمالك: لم اختلف الناس في تفسير القرآن فقال: قالوا بآرائهم فاختلفوا؛ أين هذه من قول الصديق " أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله عز وجل برأيي " كيف وبعض ذلك قد انحرف عن سبيل العدل إلى بعض الميل، وأقرب ما يحمل عليه جمهور اختلافهم أن يكون بعضهم قد علم بقصد إلى تحقيق نزول الآية من سبب أو حكم أو غيرهما، وآخرون لم يعلموا ذلك على التعيين، فلما طال بحثهم وظنوا عجزهم أرادوا تصوير الآية بما يسكن النفوس إلى فهمها في الجملة، ليخرجوا عن حد الإبهام المطلق، فذكروا ما ذكروه على جهة التمثيل، لا على سبيل القطع بالتعيين، بل منه ما لا يعلم أنه أريد لا عموماً ولا خصوصاً، لكنه يجوز أن يكون المراد، فإن لم يكن إياه فهو قريب من معناه، ومنه ما يعلم أنه مراد لكن بحسب الشركة والخصوصية مع جواز أن يكون هو المراد بحسب الخصوصية، ثم اختلط الأمران. والحق أن تفسير القرآن من أصعب الأمور، فالإقدام عليه جراءة، وقد قال الحسن (1)
(1) ق: قائل.
لابن سيرين: تعبر الرؤيا كأنك من آل يعقوب! فقال له: تفسر القرآن كأنك شهدت التنزيل! وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يفسر من القرآن إلا آيات معدودة، وكذلك أصحابه والتابعون بعدهم، وتكلم أهل النقل في صحة التفسير المنسوب لابن عباس إليه إلى غير ذلك، ولا رخصة في تعيين الأسباب والناسخ والمنسوخ إلا بنقل صحيح أو برهان صريح، وإنما الرخصة في تفهيم ما تفهمه العرب بطباعها من لغة وإعراب وبلاغة لبيان إعجاز ونحوها؛ انتهى.
[ترجمة المقري من نيل الابتهاج]
ولنرجع إلى بقية أنباء مولاي الجد رحمه الله، فنقول: قال صاحب نيل الابتهاج بتطريز الديباج ما صورته (1) : محمد بن محمد بن أحمد القرشي التلمساني الشهير بالمقري بفتح الميم، وتشديد القاف المفتوحة كذا ضبطه الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في كتابه العلوم الفاخرة وضبطه ابن الأحمر في فهرسته وسيدي أحمد زروق بفتح الميم وسكون القاف الإمام العلامة النظار المحقق القدوة الحجة الجليل الرحلة (2) ، أحد فحول أكابر علماء المذهب المتأخرين الأثبات قاضي الجماعة بفاس، ذكره ابن فرحون في الأصل، يعني الديباج، وأثنى عليه؛ انتهى.
وقال الخطيب ابن مرزوق (3) : كان صاحبنا المقري معلوم القدر، مشهور الذكر بالخير، تبعه بعد موته من حسن الثناء وصالح الدعاء، ما يرجى له النفع به يوم اللقاء، وعوارفه معلومة عند الفقهاء، ومشهورة بين الدهماء؛ انتهى.
(1) انظر نيل الابتهاج: 250.
(2)
الرحلة: سقطت من نيل الابتهاج.
(3)
انظر هذا النقل في نيل الابتهاج أيضا.
وقال أبو العباس الونشريسي في بعض فوائده: ومقرة بفتح الميم بعدها قاف مفتوحة مشددة قرية من قرى بلاد الزاب من أعمال إفريقية، سكنها سلفه، ثم تحولوا إلى تلمسان، وبها ولد الفقيه المذكور، وبها نشأ، وقرأ وأقرأ، إلى أن خرج منها صحبة الركاب المتوكلي العناني أمير المؤمنين فارس عام تسعة وأربعين وسبعمائة إلى مدينة فاس المحروسة، فولاه القضاء، فنهض بأعباءه علماً وعملاً، وحمدت سيرته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، إلى أن توفي بها إثر قدومه من بلاد الأندلس في غرض الرسالة لأبي عنان عام تسعة وخمسين وسبعمائة، ثم نقل إلى مسقط رأسه تلمسان.
وقال في موضع آخر: إنه توفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى عام تسعة وخمسين وسبعمائة، بمدينة فاس المحروسة، ثم نقل تلمسان محل ولادته ومقر أسلافه، ودفن بها في البستان الملاصق لقبلي داره الكائنة بباب الصرف من البلد المذكور، وهو الآن على ملك بعض ورثة الشيخ أبي يحيى الشريف؛ انتهى.
ومن أخبار مولاي الجد رحمه الله تعالى أنه قال (1) : شهدت الوقفة سنة أربع وأربعين وسبعمائة، وكانت جمعة، وقام الخطيب في سابع ذي الحجة في الناس بالمسجد الحرام، وقال: إن جمعة وقفتكم هذه خاتمة مائة جمعة وقف بها من الجمعة التي وقف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع آخر عشر من الهجرة، وشاع ذلك في الناس وذاع وكان علم ذلك مما تواتر عندهم، والله أعلم، وهم يزعمون أن الجمعة تدور على خمس سنين، وهذا مناف لذلك، ولكن كثير منهم ينكر اطراد هذا ويقول: إنها قد تكون على خلاف ذلك، فلا أدري.
(1) انظر نيل الابتهاج: 252.
ومنها أنه قال: شهدت شمس الدين بن قيم (1) الجوزية قيم الحنابلة بدمشق، وقد سأله رجل عن قوله عليه الصلاة والسلام " من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجاباً من النار " كيف إن أتى بعد ذلك بكبيرة فقال: موت الولد حجاب، والكبيرة خرق لذلك الحجاب، وإنما يكون الحجاب حجاباً ما لم يخرق فإذا خرق فقد زال عن أن يكون حجاباً، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام " الصوم جنة " ما لم يخرقها، ثم قال: وهذا الرجل أكبر أصحاب تقي الدين ابن تيمية.
ومن أخبار مولاي الجد الدالة على صرامته ما حكاه ابن الأزرق عنه (2) : أنه كان يحضر مجلس السلطان أبي عنان لبث العلم، وكان نقيب الشرفاء (3) بفاس إذا دخل مجلس السلطان يقوم له السلطان وجميع من في المجلس إجلالاً له، إلا الشيخ المقري، فإنه كان لا يقوم في جملتهم، فأحس النقيب من ذلك، وشكاه إلى السلطان، فقال له السلطان: هذا رجل وارد علينا نتركه على حاله إلى أن ينصرف، فدخل النقيب في بعض الأيام على عادته، فقام له السلطان على العادة وأهل المجلس، فنظر إلى المقري، وقال له: أيها الفقيه، ما لك لا تقوم كما يفعل السلطان نصره الله وأهل مجلسه إكراماً لجدي ولشرفي ومن أنت حتى لا تقوم لي فنظر إليه المقري وقال له: أما شرفي فمحقق بالعلم الذي أنا أبثه ولا يرتاب فيه أحد، وأما شرفك فمظنون، ومن لنا بصحته منذ أزيد من سبعمائة سنة، ولو علمنا شرفك قطعاً لأقمنا هذا من هنا، وأشار إلى السلطان أبي عنان، وأجلسناك مجلسه، فسكت؛ انتهى.
(1) ق: مفتي، وتيل الابتهاج: مقيم.
(2)
النص في نيل الابتهاج: 254.
(3)
نيل الابتهاج: مزوار الشرفاء؛ والمزوار لقب يعني المقدم وهو من البربرية " امزوار " فيقال مزوار الأطباء ومزوار الطلبة
…
إلخ. (انظر معجم دوزي) .
قال ابن الأزرق: وعلى اعتذاره ذلك بأن الشرف الآن مظنون (1) ، فمن معنى ذلك أيضاً ما يحكى عنه أنه كان يقرأ بين يدي السلطان أبي عنان المذكور صحيح مسلم بحضرة أكابر فقهاء فاس وخاصتهم، فلما وصل إلى أحاديث الأئمة من قريش قال الناس: إن قال الشيخ الأئمة من قريش وأفصح بذلك استوغر قلب السلطان، وإن ورى وقع في محظور، فجعلوا يتوقعون له ذلك، فلما وصل إلى الأحاديث قال بحضرة السلطان: والجمهور أن الأئمة من قريش، ثلاثاً، ويقول بعد كل كلمة: وغيرهم متغلب، ثم نظر إلى السلطان وقال له: لا عليك، فإن القرشي اليوم مظنون، أنت أهل للخلافة، إذ بعض الشروط قد توفرت فيك والحمد لله، فلما انصرف إلى منزله بعث له السلطان بألف دينار؛ انتهى.
قال أبو عبد الله ابن الأزرق: قلت: ويلزم أيضاً من اعتذاره أن قيام السلطان لذي الشرف المحقق بالعلم أولى بالمحافظة (2) على تعظيم حرمات الله، وقد روي عن بعض الأمراء أنه تكبر على ذلك، واستخف بمنزلة من عظم به غيره، فسلبه الله ملكه وملك بنيه من بعده؛ انتهى.
ومن أجوبة مولاي الجد رحمه اله تعالى قوله (3) : سألني السلطان عمن لزمته يمين على نفي العلم فحلف جهلاً على البت، هل يعيد أم لا فأجبته بإعادتها، وقد كان من حضر من الفقهاء أفتوا بأن لا تعاد، لأنه أتى بأكثر مما أمر به على وجه يتضمنه، فقلت له: اليمين على وجه الشك غموس، قال ابن يونس: والغموس: الحلف على تعمد الكذب، أو على غير يقين، ولا شك أن الغموس محرمة منهي عنها، والنهي يدل على الفساد، ومعناه في العقود عدم ترتب أثره؛ فلا أثر لهذا اليمين، ويجب أن تعاد، وقد يكون من هذا اختلافهم فيمن إذنها
(1) نيل الابتهاج: يكون الشرف الآن مظنونا.
(2)
ق ص ونيل الابتهاج: في المحافظة.
(3)
ق: ومن أنبائه أيضا قوله؛ والحكاية في نيل الابتهاج: 253.
السكوت، فتكلمت هل يجتزأ بذلك والإجزاء هنا أقرب، لأنه الأصل، والصمات رخصة لغلبة الحياء، فإن قلت: البت أصل، ونفي العلم إنما يعتبر عند تعذره، قلت: ليس رخصة كالصمات.
ومنها أنه قال (1) : سألني بعض الفقراء عن السبب في سوء بخت المسلمين في ملوكهم، إذ لم يل أمرهم من يسلك بهم الجادة ويحملهم (2) على الواضحة، بل من يغتر في مصلحة دنياه (3) ، غافلاً عن عاقبة أخراه، فلا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا يراعي عهداً ولا حرمة، فأجبته بأن ذلك لأن الملك ليس في شريعتنا وذلك أنه كان فيمن كان قبلنا شرعاً، قال الله تعالى ممتناً على بني إسرائيل " وجعلكم ملوكاً " ولم يكن ذلك في هذه الأمة، بل جعل لهم خلافة، قال الله تعالى " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض " وقال تعالى " وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً " وقال سليمان " رب اغفر لي وهب لي ملكاً " فجعلهم الله تعالى ملوكاً، ولم يجعل في شرعنا إلا الخلفاء، فكان أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يستخلفه نصاً، لكن فهم الناس ذلك فهماً، وأجمعوا على تسميته بذلك، ثم استخلف أبو بكر عمر، فخرج بها عن سبيل الملك الذي يرثه الولد عن الوالد، إلى سبيل الخلافة الذي هو النظر والاختيار، ونص في ذلك على عهده، ثم اتفق أهل الشورى على عثمان، فإخراج عمر لها عن بنيه إلى الشورى دليل على أنها ليست ملكاً، ثم تعين علي بعد ذلك، إذ لم يبق مثله، فبايعه من آثر الحق على الهوى، واصطفى الآخرة على الدنيا، ثم الحسن كذلك، ثم كان معاوية أول من حول الخلافة ملكاً، والخشونة
(1) راجع المصدر السابق.
(2)
نيل الابتهاج: سلك
…
وحملهم.
(3)
نيل الابتهاج: صلاح دنياه.
ليناً، ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم، فجعلها ميراثاُ، فلما خرج بها عن وضعها (1) لم يستقم ملك فيها، ألا ترى أن عمر بي عبد العزيز رضي الله عنه كان خليفة لا ملكاً، لأن سليمان رحمه الله تعالى رغب عن بني أمية إيثار لحق المسلمين ولئلا يتقلدهم حياً وميتاً، وكان يعلم اجتماع الناس عليه فلم يسلك طريق الاستقامة بالناس قط إلا خليفة، وأما الملوك فعلى ما ذكرت إلا ما قل، وغالب أفعاله غير مرضية؛ انتهى.
وفوائد مولاي الجد وتحفه وطرفه ولطائفه ودقائقه يستدعي استقصاؤها مجلدات (2)، فلنكتف بما قدمناه:
وفي الإشارة ما يغني عن الكلم
…
[مؤلفات المقري الجد]
وأما تآليفه فكثيرة: منها كتاب " القواعد "(3) اشتمل على ألف قاعدة ومائتي قاعدة، قال العلامة الونشريسي في حقه: إنه كتاب غزير العلم، كثير الفوائد، لم يسبق إلى مثله، بيد أنه يفتقر إلى عالم فتاح؛ انتهى.
وقد أشار إليه في مأخذ الأربعة، وهو قليل بهذه الديار المشرقية، ولم أر منه بمصر إلا نسخة عند بعض الأصحاب، وذكر أنها من أوقاف رواق المغاربة بالأزهر المعمور، وأما قول لسان الدين في الإحاطة عند تعرضه لذكر تأليف مولاي الجد ما صورته ألف كتاباً يشمل على أزيد من مائة مسألة فقهية، ضمنها كل أصل من الرأي والمباحثة فهو غير القواعد بلا مرية.
(1) نيل الابتهاج: موضعها.
(2)
ق: وإن تتبعنا أخبار مولاي الجد وفوائده وأقواله وأفعاله خرجنا بالاستطراد عن المراد
…
إلخ.
(3)
قارن بما في نيل الابتهاج: 255.
ومنها كتاب " الطرف والتحف "(1) غاية في الحسن والظرف، قاله الونشريسي وقد وقفت على بعضه فرأيت العجب العجاب.
ومنها اختصار المحصل ولم يكمله، وشرحه لجمل الخونجي، كذلك (2) ، ومنها كتاب عمل من طب لمن حب وهو بديع في بابه، مشتمل على أنواع: الأول فيه أحاديث حكمية كأحاديث الشهاب وسراج المهتدين لابن العربي، والنوع الثاني منه الكليات الفقهية على جملة أبواب الفقه في غاية الإفادة، والثالث في قواعد وأصول، والرابع في اصطلاحات وألفاظ، قال الونشريسي: وقد أطلعني الفقيه أبو محمد عبد الله بن عبد الخالق على نسخة من هذا الكتاب، فتلطفت في استنساخها، فلم يسمح به؛ انتهى.
قلت: وقد رأيت هذا الكتاب بحضرة فاس عند بعض أولاد ملوك تلمسان وهو فوق ما يوصف، وفيه يقول مولاي الجد رحمه الله تعالى:
هذا كتاب بديع في محاسنه
…
ضمنته كل شيء خلته حسنا
فكل ما فيه إن مر اللبيب به
…
ولم يشم عبيراً شام منه سنا
فخذه واشدد به كف الضنين وذد،
…
حتى تحصله، عن جفنك الوسنا وهذه الأبيات كافية في وصف هذا الكتاب، إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه.
[نقول من كتاب المحاضرات للمقري الجد]
ومنها كتاب المحاضرات وفيه من الفوائد والحكايات والإرشادات كثير، وقد ملكت منه بالمغرب نسختين، فلنذكر منه بعض الفوائد، فنقول: قال رحمه الله تعالى: قيل لصوفي: لم تقول الله الله ولا تقول لا إله إلا الله فقال:
(1) نيل الابتهاج: التحف والطرف.
(2)
قال التنبكتي فيه أيضا: لم يتم.
نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب، وهذا إن لم يكن في هذه الكلمة لأنها أفضل ما قالته الأنبياء فهو في كثير من التنزيه الذي يطلقه المتكلمون وغيرهم، حتى قال الشاشي عنهم: إنهم يتمندلون بأسماء الله عز وجل، ما عرفه من كيفه، ولا وحده من مثله، ولا عبده من شبهه، المشبه أعشى، والمعطل أعمى، المشبه متلوث بفرث التجسيم والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق لبن خالص وهو التنزيه، انزل من علو التشبيه، ولا تعل قلل أباطيل التعطيل، فالوادي المقدس بين الجبلين.
أبو المعالي (1) : من اطمأن إلى موجود انتهى إليه فكره فهو مشبه، ومن سكن إلى النفي المحض فهو معطل، ومن قطع بموجود واعترف بالعجز عن إداراكه فهو موحد:
جل رب الأعراض والأجسام
…
عن صفات الأعراض والأجسام
جل ربي عن كل ما اكتنفته
…
لحظات الأفكار والأوهام
برئ الله من هشام وممن
…
قال في الله مثل قول هشام الدقاق: المريد صاحب وله، لأن المراد بلا شبه، وقيل: مثله الأعلى {ليس كمثله شيء} .
الجنيد: أشرف كلمة في التوحيد قول الصديق: الحمد لله الذي لم يجعل للخلق سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته.
القشيري (2) : يعني أن العارف عاجز عن معرفته، والمعرفة موجودة فيه. غيره: ما عرف الله سوى الله، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك:
كل ما ترتقي إليه بوهم
…
من جلال وقدرة وسناء
فالذي أبدع البرية أعلى
…
منه، سبحان مبدع الأشياء
(1) ق: ومنه، بسقوط لفظة " أبو المعالي ".
(2)
موضع هذه اللفظة في ق، قال.
سأل (1) المريسي الشافعي عن التوحيد بحضرة الرشيد، فقال: أن لا تتوهمه ولا تتهمه، فأبهت بشر.
الشبلي (2) : من توهم أنه واصل، فليس له حاصل، ومن رأى أنه قريب فهو بعيد، ومن تواجد فهو فاقد، ومن أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل (3)، ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا نادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، وما تبرجت ظواهر المكونات إلا نادتك حقائقها: إنما نحن فتنة فلا تكفر:
ما ينتهي نظري منهم إلى رتب
…
في الحسن إلا ولاحت فوقها رتب الجريري: ليس العلم التوحيد إلا لسان التوحيد.
الحسن (4) : العجز عن درك الإدراك إدراك:
تبارك الله وارت غيبه حجب
…
فليس يعرف إلا الله ما الله دعا (5) نبي إلى الله عز وجل بحقيقة التوحيد، فلم يستجب له إلا الواحد بعد الواحد، فعجب من ذلك، فأوحى الله عز وجل إليه: تريد أن تستجيب لك العقول قال: نعم، قال: احجبني عنها، قال: كيف أحجبك وأنا أدعو إليك قال: تكلم في الأسباب، وفي أسباب الأسباب، فدعا الخلق من هذا الطريق، فاستجاب له الجم الغفير.
ومنه (6) : سمه أعرابي اختلاف المتكلمين بمسجد البصرة في الإنسان وانتزاع كل واحد منهم الحجة على رأيه، فخرج وهو يقول:
(1) ق: سئل.
(2)
ق: ومنه قيل.
(3)
جاهل: مكررة في ق.
(4)
ق: ومنه.
(5)
ق: دعا الخلق.
(6)
ق: ومنه قيل.
إن كنت أدري فعلي بدنه
…
من كثرة التخليط في من أنه (1) ومن عجز عن أقرب الأشياء نسبة منه، فكيف يقدر على أبعد الأمور حقيقة عنه من عرف نفسه عرف ربه.
ومنه: دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره.
لما احتضر الوليد بن أبان، قال لبنيه: هل تعلمون أحداً هو أعلم بالكلام مني قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم بما عليه أهل الحديث، فإني رأيت الحق معهم، وعن أبي المعالي نحوه.
ومنه: هجر أحمد المحاسبي لما صنف في علم الكلام، فقال: إنما قصدت إلى نصر السنة، فقال: ألست تذكر البدعة وشبهة البدعة قلت: من تحقق كلام فخر الدين الرازي وجده في تقرير الشبه أشد منه في الانفصال عنها، وفي هذا ما لا يخفى.
ومنه: من آمن بالنظر إلى ظاهر الثعبان كفر بالاستماع إلى خوار العجل، ومن شاهد مجاوزة القدرة الإلهية لمنتهى وسع القوة البشرية لم يكترث بوعيد الدنيا ولم يؤثر الهوى على الهدى والتقوى.
ومنه: علي بن الحسين: من عرف الله بالأخبار، دون شواهد الاستبصار والاعتبار، اعتمد على ما تلحقه التهم.
ومنه: قيل لطبيب: بم عرفت ربك قال: بالأهليلج، يجفف الحلق، ويلين البطن. وقيل لأديب: بم عرفت ربك قال: بنحلة في أحد طرفيها عسل، وفي الآخر لسع، والعسل مقلوب اللسع. وسأل الدهرية الشافعي عن دليل الصانع، فقال: ورقة الفرصاد تأكلها دودة القز فيخرج منها الإبريسم، والنحل فيكون منها العسل، والظباء فينعقد في نوافجها المسك، والشاء فيكون منها البعر؛ فآمنوا كلهم، وكانوا سبعة عشر.
(1) أنه: لغة في أنا، ومنه قول حاتم:" هذا فزدي أنه "(الخزانة 2: 389) .
قيل لإعرابي: بم عرفت ربك قال: البعرة تدل على البعير، والروث يدل على الحمير، وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وبحار ذات أمواج، أما يدل ذلك على العليم القدير:
قد يستدل بظاهر عن باطن
…
حيث الدخان يكون موقد نار قيل لإعرابي: بم عرفت الله (1) قال: بنقد عزائم الصدور وسوق الاختيار إلى حبائل المقدور.
ومنه: الدقاق: لو كان إبليس بالحق عارفاً، ما كان لنفسه بالإضلال والإغواء واصفاً.
ومنه: التوحيد محو آثار البشرية، وتجديد صفات الألوهية. الحق واحد في ذاته لا ينقسم، واحد في صفاته لا يماثل، واحد في أفعاله لا يشارك. لو كان موجوداً عن عدم، ما كان موصوفاً بالقدم. الحياة شرط القدرة، دلت على ذلك الفطرة. لو لم يكن الصانع حياً، لاستحال أن يوجد شيئاً، لو لم يكن باقياً لكان للألوهية منافياً. لو كان الباري جسماً، ما استحق الإلهية اسماً. لو كان الباري جوهراً، لكان للحيز مفتقراً. العرض لا يبقى، والقديم لا يتغير ولا يفنى. لو لم يكن بصفة القدرة موصوفاً، لكان بسمة العجز معروفاً. لو لم يكن عالماً قادراً، لاستحال كونه خالقاً فاطراً. دلت الفطرة والعبرة، أن الحوادث لا تحصل إلا من ذي قدرة. لو لم يكن بالإرادة قاصداً، ما كان العقل بذلك شاهداً. من تنوع إيجاده، دل ذلك على أن الفعل مراده. لو لم يكن بالسمع والبصر موصوفاً، لكان لضديهما مألوفاً. لو جاز سامع لا سمع له، لجاز صانع لا صنع له، لو كان سمعه بأذن، لافتقرت ذاته إلى ركن. من صدرت عنه الشرائع والأحكام، كان موصوفاً بالكلام. ليس في الصفات
(1) ق: ربك.
السبع ما لا يتعلق إلا الحياة، ولا ما يؤثر إلا القدرة والإرادة. كما جاز أن يأمر بما لا يريد جاز أن يريد ما لا يحب. لا يسأل عما يفعل. الواحد كاف، وما زاد عليه متكاف. ليس مع الله تعالى موجودات لأن الموجودات كلها كالظل. من نور القدرة له رتبة التبعية، لا رتبة المعية.
إن من أشرك بالل
…
هـ جهول بالمعاني
أحول العقل؛ لهذا
…
ظن للواحد ثاني قال جعفر بن محمد: لو كان على شيء لكان محمولاً، ولو كان في شيء لكان محصوراً، ولو كان من شيء لكان محدثاً.
قيل لثمامة بن الأشرس: متى كان الله، فقال: ومتى لم يكن فقيل: فلم كفر الكافر فقال: الجواب عليه.
قال خادم أبي عثمان: قال لي مولاي: يا محمد، لو قيل لك أين معبودك ما كنت تجيب قال: أقول بحيث لم يزل، قال: فإن قيل لك فأين كان في الأزل فقال: أقول بحيث هو الآن، فنزع قميصه وأعطانيه.
قيل لصوفي: أين هو فقال: محقك الله! أيطلب مع العين أين
ومنه: سمعت شيخنا يقول: نقصنا صفة كمال له فينا، يعني إذا وجب له كل الكمال وجب لنا كل النقص، وهذا على أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وفيه كلام.
ومنه: بلغ أحمد أن أبا ثور قال في الحديث " خلق الله آدم على صورته "، إن الضمير لآدم، فهجره، فأتاه أبو ثور، فقال أحمد: أي صورة كانت لآدم يخلقه عليها كيف تصنع بقوله " خلق الله آدم على صورة الرحمن " فاعتذر إليه، وتاب بين يديه.
ومنه: أتى يهودي المسجد فقال: أيكم وصي محمد صلى الله عليه وسلم فأشاروا إلى الصديق، فقال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي
نبي، قال: سل، قال: فأخبرني عما ليس لله، وعما ليس عند الله، وعما لا يعلمه الله، فقال: هذه مسائل الزنادقة، وهم بقتله، فقال ابن عباس: ما أنصفتموه، إما أن تجيبوه وإما أن تصرفوه إلى من يجيبه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي " اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه "، فقال أبو بكر: قم معه إلى علي، فقال له: أما ما لا يعلمه الله فقولكم في عزير أنه ابن الله، والله عز وجل لا يعلم له ولد، فقال في التنزيل " ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " الآية. وأما ما ليس عند الله فالظلم، وأما ما ليس له فالشريك (1) ، فأسلم اليهودي، فقبل أبو بكر رأس علي، وقال له: يا مفرج الكربات، ووردت (2) مثل هذه المسائل عن الصحابة، فالله تعالى أعلم.
وقال العتابي لأبي قرة النصراني عند المأمون: ما تقول في المسيح قال: من الله، قال: البعض من الكل على سبيل التجزيء، والولد من الوالد على طريق التناسل، والخل من الخمر على وجه الاستحالة، والخلق من الخالق على جهة الصنعة، فهل من معنى خامس قال: لا، ولكن لو قلت بواحد منها ما كنت تقول قال: الباري لا يتجزأ، ولو جاز عليه ولد لجاز له ثان وثالث وهلم جراً، ولو استحال فسد، والرابع مذهبنا، وهو الحق.
ومنه: أول ما تكلم به عيسى في المهد أنه قال " إني عبد الله " وهو حجة على الغالين فيه، يقال لهم: إن صدق فقد كذبتم، وإلا فمن عبدتم، ولمن ادعيتم
قال القاضي ابن الطبيب للقسيس لما وجهه عضد الدولة إلى ملك الروم: لم اتحد اللاهوت بالناسوت فقال: أراد أن ينجي الناس من الهلاك، قال:
(1) ق: فالشرك.
(2)
ص: وروي.
فهل درى أن يقتل ويصلب أولاً فإن لم يدر لم يجز أن يكون إلهاً ولا ابناً، وإن درى فالحكمة تمنع من التعرض لمثل ما قلتم إنه جرى.
سأل القاضي هذا البطرك عن أهله وولده، فأنكر ذلك النصراني، فقال: تبرئون هذا مما تثبتونه لربكم سوأة لهذا الرأي! فانكسروا.
ابن العربي: سمعت الفقراء ببغداد يقولون: إن عيسى عليه السلام كان إذا خلق من الطين كهيئة الطير طار شيئاً ثم سقط ميتاً لأنه كان يخلق ولا يرزق، ولو رزق لم يبق أحد إلا قال " هو الله " إلا من أوتي هداه.
سأل ابن شاهين الجنيد عن معنى " مع " فقال: مع الأنبياء بالنظر والكلاءة " إنني معكما " ومع العامة بالعلم والإحاطة " إلا وهو معكم " فقال: مثلك يصلح دليلاً على الله.
ومنه: سأل قدري علياً رضي الله عنه عن القدر، فأعرض عنه، فألح عليه، فقال: أخلقك كيف شئت، أو كيف شاء فأمسك، فقال: أترونه يقول كيف شئت إذاً والله أقتله، قال: كيف شاء، قال: أيحييك كيف تشاء أو كيف يشاء قال: كيف يشاء، قال: فيدخلك حيث تشاء أو حيث يشاء قال: حيث يشاء، قال: اذهب فليس لك من الأمر شيء.
أبو سليمان: أدخلهم الجنة قبل أن يطيعوه، وأدخلهم النار قبل أن يعصوه، جل حكم الأزل، أن يضاف إلى العلل، سبق قضاؤه فعله " إني جاعل في الأرض خليفة " وأوقفت مشيئته أمره " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ".
قال الشاذلي: أهبط آدم إلى الأرض قبل أن يخلقه، لأنه قال " في الأرض " ولم يقل في السماء ولا في الجنة.
الأوزاعي: قضى بما نهى، وحال دون ما أمر، واضطر إلى ما حرم:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له
…
إياك إياك أن تبتل بالماء
قال الأوزاعي لغيلان: مشيئتك مع مشيئة الله عز وجل أو دونها فلم يجب، فقال هشام بن عبد الملك: فلو اختار واحدة، فقال: إن قال معها فقد زعم أنه شريك، وإن قال وحدها فقد تفرد بالربوبية، قال: لله درك أبا عمرو.
من بيان عظمته " رفيع الدرجات " من آثار قدرته " بديع السموات " توقيع أمره " يأمر بالعدل والإحسان " واقع زجره " وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي " تنفيذ حكمه " فعال لما يريد " دستور ملكه " لا يسأل عما يفعل ".
إياس بن معاوية: ما خاصمت أحداً بعقلي كله إلا القدرية، قال لقدري: ما الظلم فقال: أخذ ما ليس لك، قلت: فإن الله له كل شيء.
الواسطي: ادعى فرعون الربوبية على الكشف، وادعت المعتزلة الربوبية على الستر، تقول ما شئت فعلت.
ومنه: ما أقصته السوابق لم تدنه الوسائل، إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل، إذا كان الله عز وجل عدلاً في قضاءه فمصيبات الخلق بما كسبت أيديهم:
ما عذر معتزلي موسر منعت
…
كفاه معتزلياً معسراً صفدا
أيزعم القدر المحتوم ثبطه
…
إن قال ذاك فقد حل الذي عقدا ومنه: دخل محمد بن واسع على بلال بن فروة فقال: ما تقول في القدر قال: تفكر في جيرانك أهل القبور فإن فيهم شغلاً عن القدر.
وكل من أغرق في نعته
…
أصبح منسوباً إلى العي المقادير تبطل التقدير، وتنقض التدبير.
قال معتزلي لسني: لو أراد ثبوت أحد على الكفر لم يقل " ليخرجكم من الظلمات إلى النور " فقال السني: لو لم يكن الإيمان من
فعله لم يقل {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} .
قال نقفور طاغية النصارى لأبي الحسن الشلباني (1) : أنت تقول أن الخير والشر من الله وذلك لأن النصارى كلهم على مذهب القرية في الاستطاعة، قال: نعم، قال: كيف يعذب عليه هل كان حقاً أن يخلق فقال: لم يضطره إلى ما خلق مضطر.
قيل: نزلت " وما أضلنا إلا المجرمون " في القدرية، لأنهم أضافوا الحول والقوة في الشر إلى البشر فأشركوه في الخلق، أما ترى قوله تعالى:" إن المجرمين في ضلال وسعر " إلى قوله تعالى: " إنا كل شيء خلقناه بقدر ".
كنت دهراً أقول بالاستطاعه
…
وأرى الجبر ضلة وشناعه
ففقدت استطاعتي في هوى ظب
…
ي، فسمعاً لمن أنحب وطاعه غيره (2) :
ما لا يكون فلا يكون بحيلة
…
أبداً، وما هو كائن سيكون غيره (3) :
تريد النفس أن تعطى مناها
…
ويأبى الله إلا ما يشاء شفاء الصدور، في التسليم للمقدور:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركب
…
فلا رأي للمضطر إلا ارتكابها غيره:
(1) كذا في ق ص، ولعل الصواب:" الشباني " - بضم الشين -.
(2)
ص: ومنه.
(3)
غيره: سقطت من ق ص.
أي يومي من الموت أفر
…
يوم لا يقدر أم يوم قدر إذا كان الداء من السماء، بطل الدواء.
قال الحائط للوتد: لم تشقني قال: سل من يدقني.
الناس يلحون الطبيب، وإنما
…
غلط الطبيب إصابة المقدور (1) قيل لحكيم: أخرج الهم من قلبك، فقال: ليس بإذني دخل.
نفسي تنازعني فقلت لها قري
…
موت يريحك أو صعود المنبر
ما قد قضي سيكون فاصطبري له
…
ولك الأمان من الذي لم يقدر
ولتعلمي أن المقدر كائن
…
لا بد منه صبرت أو لم تصبري ومنه: الهارب من المقدور كالمتقلب في كف الطالب. من كان السلطان يطلبه، ضاق عليه مذهبه " وما أنتم بمعجزين " أسلى آية في التنزيل " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم " إلى قوله تعالى " بما آتاكم ".
ومنه: أخل رجل بخدمة صاحب الإسكندرية، فتغيب، ثم ظفر به عرفاؤه، فقادوه فانساب منهم، ورمى بنفسه في بئر، وتحت الإسكندرية أسراب يسير فيها القائم من أول البلد إلى آخره، فلم يزل يمشي حتى وجد بئراً صاعدة، فتعلق بها، فإذا هي في دار السلطان، فأخذه فأدبه، فانظر كيف فر من قودة السلطان مكرهاً، وأتاه برجله طائعاً.
ذهب القضاء بحيلة العقلاء
…
ومنه: قال يزيد بن المهلب لموسى بن نصير (2) : أنت أدهى الناس وأعلمهم،
(1) هذا البيت لابن الرومي وقافيته: " الأقدار ".
(2)
مر هذا في النفح ج 1، ص:283.
فكيف طرحت نفسك في يد سليمان فقال: إن الهدهد يهتدي للماء في الأرض الفيفاء، وينصب له الصبي الفخ بالدودة أو الحبة فيقع فيه:
ولو جرت الأمور على قياس
…
لوقي شرها الفطن اللبيب الواسطي: اختيار ما جرى لك في الأزل، خير من معارضة الوقت.
ابن معاذ: عجبت من ثلاثة: رجل يريد تناول رزقه بتدبيره، ورجل شغله غدوه، وعالم مفتون يعيب على زاهد مغبوط.
ومنه: شكي لبعض الأنبياء امرأة كانت تؤذي أهل زمانها، فأوحى الله إليه: أن فر من قدامها حتى تنقضي أيامها.
ومنه: ابن المعتز: كرم الله عز وجل لا ينقض حكمته، ولذلك لا تقع الإجابة في كل دعوة " ولو اتبع الحق أهواءهم ".
أريد فلا أعطى، وأعطى ولم أرد
…
وقصر علمي أن أنال المغيبا (1) ومنه: كان ابن مجاهد ينشد لبعضهم:
أيها المغتدي ليطلب علماً
…
كل علم عبد لعلم الكلام
تطلب الفقه كي تصحح حكماً
…
ثم أغفلت منزل الأحكام ومنه: قال الأحدب البغدادي للقاضي الباقلاني: هل لله عز وجل أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه فقال: إن أردتم بالتكليف القول المجرد فقد وجد، " قل كونوا حجارة "" أنبئوني بأسماء هؤلاء "" ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون " وإن أردتم به ما يصح فعله وتركه فالكلام متناقض " وهذا هو الذي نعرفه، لأن التكليف اقتضاء فعل ما فيه مشقة، وما لا يطاق لا يفعل البتة، فقال: سئلت عن كلام مفهوم فطرحته في الاحتمالات، فقال: إني بينت الوجوه المحتملة، فإن اكن معك شيء فهاته،
(1) لبشار: (شرح المختار: 118) .
فقال عضد الدولة: قد صدق، وما جمعتكم إلا للفائدة، لا للمهاترة. ثم قال لقاضيه بشر بن حسن المعتزلي: تكلم، فقال: ما لا يطاق على ضربين: أحدهما ما لا يطاق للاشتغال بضده، وهذا سبيل الكافر، لا يطيق الإيمان للاشتغال بالكفر، وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه، ولو ورد لكان جائزاً، ولقد أثنى الله عز وجل على من سأله أن لا يكلفه ما لا يطيقه فقال " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " لأن الله له أن يفعل في ملكه ما يريد.
ومنه: خرج عمر بن عبد العزيز في سفر ليلاً، فقال له رجل: انظر إلى القمر ما أحسنه، فنظر فقال: قد علمت أنك أردت نزوله بالدبران، ونحن لا نتطير بذلك ولا نعتقده:
إذا عقد القضاء عليك أمراً
…
فليس يحله إلا القضاء
يدبر بالنجوم وليس يدري
…
هو رب النجم يفعل ما يشاء [وقال آخر] :
ليس للنجم إلى ض
…
ر ولا نفع سبيل
إنما النجم على الأو
…
قات والسمت دليل (1) غيره:
من كان يخشى زحلاً
…
أو كان يرجو المشتري
فإنني منه وإن
…
كان أخي الأدنى بري لما وجه عض الدولة القاضي ابن الطيب إلى ملك الروم قال له الوزير (2) :
(1) ق: الدليل.
(2)
أورد القاضي عياض هذا النص في ترجمة الباقلاني في ترتيب المدارك، وهي منقولة في آخر كتاب التمهيد (ط. مصر) ص: 241 - 259 وانظر النص المقصود ص: 250 وما بعدها، والوزير المشار إليه هو أبو القاسم المطهر بن عبد الله.
أخذت الطالع لخروجك فسأله القاضي عن ذلك، ففسره له، فقال: السعد والنحس بيد الله، ليس للكواكب فيه تأثير، وإنما وضعت كتب النجوم ليتمعش بها العامة، ولا حقيقة لها، فاستحضر الوزير ابن الصوفي ودعاه إلى مناظرة القاضي، فقال: لا أقوم على المناظرة، وإنما أقول: إذا كان من النجوم كذا كان كذا، وأما التعليل فمن علم المنطق، والذي يتولى المناظرة عليه أبو سليمان المنطقي (1) ، فأحضر وأمر (2)، فقال هذا القاضي يقول: إذا ركب عشرة أنفس في ذلك المركب الذي في دجلة فالله تعالى قادر على أن يزيد فيهم آخر في ذلك الوقت، فإن قلت له لا يقدر قطعتم لساني، فأي معنى لمناظرتي فقال القاضي للوزير: ليس كلامنا في القدرة، لكن في تأثير الكواكب، فانتقل هذا إلى ما ترى لعجزه، وأنا إن قلت إن الله تعالى قادر على ذلك فلا أقول إنه يخرق العادة الآن، ولا يجوز عندنا ذلك، فهو فرار من الزحف، فقال المنطقي: المناظرة دربة وأنا لا أعرف مناظرة هؤلاء القوم، وهم لا يعرفون مواضعاتنا، فقال الوزير: قد قبلنا اعتذارك، والحق أبلج.
رأس الدين صحة اليقين. من سابق القدر عثر.
وإذا خشيت من الأمور مقدراً
…
وفررت منه فنحوه تتوجه قيل: لما وقع الوباء بالكوفة فر ابن أبي ليلى على حمار، فسمع منشداً ينشده:
لم يسبق الله على حمار
…
ولا على ذي منسر طيار
أو يأتي الحدف على مقدار
…
قد يصبح الله أمام الساري (3) فقال: إذا كان الله أمام الساري فلا مهرب، ورجع.
(1) هو محمد بن بهرام السجستاني (حدود 380) صاحب كتاب " صوان الحكمة " وأستاذ التوحيدي، وقد أكثر أبو حيان من ذكر أقواله وأخباره في مؤلفاته.
(2)
المدارك: وأمر بمكالمة القاضي.
(3)
عيون الأخبار 1: 144 لبصري هرب من الطاعون.
ومنه: شكا بعض الصالحين إلى الخليفة ضرر الأتراك، فقال: أنتم تعتقدون أن هذا من قضاء الله وقدره، فكيف أرده فقال: إن صاحب القضاء قال: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " فردهم عنهم.
القدر والطلب كالعدلين على ظهر الدابة كل واحد منهما معين لصاحبه، فالقدر بالطلب، والطلب بالقدر.
قيل لعارف: إن كنت متوكلاً فألق نفسك من هذا الحائط فلن يصيبك إلا ما كتب الله لك، فقال: إنما خلق الله الخلق ليجربه، لا ليجربوه.
الجوهري: كف الله النار عن يد موسى لئلا تقول النار: طبعي، واحترق لسانه لئلا يقول الكريم: مكاني، وقال غيره: لو لم يقل لنار إبراهيم " سلاماً " لهلك من برد النار.
قيل للجنيد: أنطلب الرزق قال: إن علمتم أين هو فاطلبوه، قيل: فنسأل الله قال: إن خشيتم أن ينساكم فذكروه، قيل: فنلزم البيوت قال: التجربة منك شك، قيل: فما الحيلة قال: ترك الحيلة.
يقول: ليكن تصرفك بإذنه، لا بشهوتك، فقد قيل: ترك الطلب يضعف الهمة، ويذل النفس، ويورث سوء الظن.
الطرطوشي: القدر والطلب كأعمى ومقعد في قرية، يحمل الأعمى المقعد، ويدل المقعد الأعمى.
قال رجل لبشر: إني أريد السفر إلى الشام، وليس عندي زاد، فقال: أخرج لما قصدت إليه، فإنه إن لم يعطك ما ليس لك، لم يمنعك ما لك.
الناس في هذا الباب ثلاثة: فرقة عاملت الله عز وجل على مقتدر شمول قدرته للشر والخير، وأعرضوا عن الأسباب، فأدركوا التوكل، وفاتهم الأدب، وهم بعض الصوفية، وقد قيل: اجعل أدبك دقيقاً، وعلمك ملحاً، وهذا
إبليس لم (1) تنفعه كثرة علمه لما دفعته قلة أدبه. وفرقة عاملته على ذلك مع الجريان على عوائد مملكته، والتصرف بإذنه على مقتضى حكمته، وهم الأنبياء وخواص العلماء، فأصابوا الأدب، وما أخطأوا التوكل.
والفرقة الثالثة - وهم الجمهور - أقبلوا على الأسباب، ونسوا المسبب، ففاتهم الأمران، فهلكوا.
ومنه: جل الواحد المعروف، قبل الحدود والحروف.
لقد ظهرت فما تخفى على أحد
…
إلا على أكمه لا يعرف القمرا
كما بطنت بما أبديت من حجب
…
وكيف يبصر من بالعزة استترا سئل النصيبي عن الرؤية بمجلس عضد الدولة (2) ، فأنكرها محتجاً بأن كل شيء يرى بالعين فهو في مقابلتها، فقال له القاضي ابن الطيب: لا يرى بالعين، قال له الملك: فبماذا يرى قال: بالإدراك الذي يحدثه الله في العين وهو البصر، ولو أدرك المرئي بالعين لوجب أن يدرك بكل عين قائمة، وهذا الأجهر عينه قائمة ولا يرى بها شيئاً.
ومنه: ابن العربي: للصوفية في إطلاق لفظ العشق على الحق تجاوز عظيم، واعتداء كبير، ولولا إطلاقه للمحبة ما أطلقناها، فكيف أن نتعداها
الدقاق: العشق مجاوزة الحد في الحب، ولما كان الحق لا يوصف بالحد لم يوصف بالمحدود، إذ لو جمع محاب الخلق كلهم لشخص واحد لم يبلغ ما يستحقه قدر الحق من الحب.
خمسة أبهمت، فلم تعين (3) لعظم أمرها: الاسم الأعظم، وساعة الجمعة، وليلة القدر، والصلاة الوسطى، والكبائر: لأن اجتنابها يكفر غيرها، يعني على أحد الأقوال في المسألة.
(1) ق ص: لا.
(2)
انظر هذا الخبر في أزهار الرياض 3: 82 وترجمة الباقلاني السابقة: 249.
(3)
فلم تعين: سقطت من ق.
ومنه: قيل في التسعة والتسعين اسماً: إنها تابعة لاسم الله، وهو تمام المائة، فهي عدد درج الجنة، لما في الصحيح من أن درجها مائة، بين كل درجتين مسيرة مائة عام، ولذلك قيل: من أحصاها دخل الجنة، وهذه الأسماء مفضلة على غيرها مما لا يحصى، ألا ترى قوله عليه السلام في الصحيح: بأسمائه الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم
ذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعاً منه، فلم يشر في شيء منها إلى خلقه، وذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعاً ثلث ذلك العدد فصرح في جميعها بخلقه، قال ابن عطية: وهذا يدل على أنه غير مخلوق.
أبو علي ابن أبي اللحم: بت ليلة جمعة بمصر في أيام أبي حريش، وكان يقول بخلق القرآن، وأبي خلف المعافري، وكان يقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، أفكر عن أيهما آخذ، فلما نمت أتاني آت فقال لي: قم، فقمت، قال: قل، فقلت: ما أقول فقال:
لا والذي رفع السما
…
ء بلا عماد للنظر
فتزينت بالساطعا
…
ت اللامعات وبالقمر
والمالئ السبع الطبا
…
ق بكل مختلف الصور
ما قال خلق في القرآ
…
ن بخلقه إلا كفر
لكن كلام منزل
…
من عند خلاق البشر ثم قال: اكتبها، فأخذت كتاباً من كتبي وكتبتها فيه، فلما أصبحت وجدت ذلك بخطي على كتاب من كتبي، فجلست في البيت إلى الزوال ثم خرجت فسألني إنسان عما رأيت البارحة، فقلت: ما أخبرت أحداً، فقال: قد شاعت رؤياك في الناس.
الخواص: انتهيت إلى رجل مصروع، فجعلت أؤذن في أذنه، فناداني الشيطان من جوفه: دعني أقتله، فإنه يقول بخلق القرآن.
عمرو بن دينار: أدركت سبعة من الصحابة يقولون: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، قلت: قال مالك: يستتاب.
ومنه (1) : كان عضد الدولة يحب العلم والعلماء، فكان مجلسه يحتوي على عدد منهم أكثرهم الفقهاء والمتكلمون، وكان يعقد لهم مجالس للمناظرة، فقال لقاضيه بشر بن الحسن: إن مجلسنا خال من عاقل من أهل الإثبات ينصر مذهبه، فقال: إنما هم عامة يرون الخير وضده، ويعتقدونهما جميعاً، وإنما أراد ذم القوم، ثم أقبل يمدح المعتزلة، فقال عضد الدولة: محال أن يخلو مذهب طبق الأرض من ناصر فانظر، قال: بلغني أن بالبصرة شيخاً يعرف بأبي الحسن الباهلي، وفي رواية أبي بكر ابن مجاهد، وشاباً بابن الباقلاني، فكتب إليهما، فلما وصل الكتاب قال الشيخ: قوم كفرة - لأن الديلم كانوا روافض - لا يحل لنا أن نطأ بساطهم، فقال الشاب: كذا قال ابن كلاب والمحاسبي ومن في عصره: إن المأمون فاسق لا يحضر مجلسه، حتى ساق أحمد بن حنبل إلى طرسوس، وجرى عليه ما عرف، ولو ناظروه لكفوه عن هذا الأمر، وتبين له ما هم عليه بالحجة، وأنت أيضاً أيها الشيخ تسلك سبيلهم حتى يجري على الفقهاء ما جرى على أحمد. ويقولون بخلق القرآن ونفي الرؤية، وها أنا خارج إن لم تخرج، قال الشيخ: إن شرح الله صدرك لهذا فاخرج، فرد الله به الكرة.
حفظ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم المنتقى والمرسل أمثال المنزل، ثم انتقي من ذلك صحة وفصاحة ما يبلغ حجم المصحف أو يربي عليه، فهل وجدت فيه ما يشبه أو ينزع إليه أشهد أنه من عند الله، تنزيل من لدنه.
أول إعجاز القرآن الجهل بنوعه من جنس الكلام، فإنه لا يدخل في مضمار الشعر، ولا ينخرط في سلك الخطب، ولا المواعظ والمقامات والكتب، ولا في شيء مما يؤلف التخاطب به، وتعرف فيه طبقات أهل مذهبه، فإن
(1) راجع هذا الخبر في أزهار الرياض 3: 79 وترجمة الباقلاني السابقة: 246 وما بعدها.
لم يتبين ما رسمت لك فاعرض كلامك في كل صنف من هذه الأصناف تجد لنفسك مع فحوله حالة القصور أو المماثلة أو الزيادة، ولا تجد لكلامك نسبة إلى القرآن، بل لا تدري ما تقول إن طلب منك البيان، إلا أن تسلب العقل، كمسيلمة وأمثاله ممن ابتلي بالهذيان، وقد تفطن للدلالة كافر غلبت عليه الجهالة، انظر المسيرة.
الزمخشري: ما أعجب شأن الضلال، لم يرضوا للنبوة ببشر، وقد رضوا للإلهية بحجر.
سأل القاضي أبا بكر (1) ملك الروم - حين وجهه عضد الدولة إليه - عن انشقاق القمر، كيف لم يره جميع الناس فقال: لأنهم كانوا على أهبة ووعد، قال: فما النسبة التي بينكم وبين القمر حتى لم يره غيركم من الروم وغيرهم قال: النسبة التي بينكم وبين المائدة حتى رأيتموها دون اليهود والمجوس، فدعا القسيس، فأقر للقاضي، فقال له القاضي: أتقول إن الكسوف يراه جميع أهل الأرض أم أهل الإقليم الذي في محاذاته قال: لا يراه إلا من في محاذاته، قال: فما تنكر من لا يرى انشقاق القمر إلا في تلك الناحية ممن تأهب لذلك قال: هذا صحيح، إلا أن الشأن في مثله أن لا ينقل آحاداً، لكن تواتراً، بحيث يصل العلم الضروري به إلينا وإلى غيرنا، وانتفاء ذلك يدل على افتعال الخبر، فقال الملك للقاضي: الجواب، فقال: يلزمه في نزول المائدة ما ألزمنا في انشقاق القمر، فبهت الذي كفر.
قال ملك الروم للقاضي ابن الطيب في هذه الرسالة: ما تقول في المسيح قال: ولا تقولون إنه ابن الله قال: ما اتخذ الله من ولد، قال: العبد يخلق ويحيي ويبرئ قال: ما فعل المسيح ذلك قط، قال: هذا مشهور في الخلق،
(1) انظر المصدرين السابقين.
قال: لا، قال: ما قال أحد من أهل المعرفة إن الأنبياء يفعلون المعجزات، لكن الله تعالى يفعلها على أيديهم تصديقاً لهم، قال: إن ذلك في كتابكم، قال: في كتابنا أن كله بإذن الله تعالى، ولو جاز أن يكون ذلك فعل المسيح لجاز أن يقال إن موسى قلب العصا، وأخرج يده بيضاء، وفلق البحر، قال إن الأنبياء من لدن آدم كانوا يتضرعون للمسيح حتى يفعل ما يطلبون، قال: أفي لسان اليهود عظم لا يقولون معه إن المسيح كان يتضرع لموسى، وكذلك أمة كل نبي، لا فرق بين الموضعين في الدعوى.
الجوزي في قوله عليه السلام " يوشك أن ينزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " إنما كان الإمام منا لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجه " لا نبي بعدي ".
كان بالبصرة يهودي يقرر المتكلمين على نبوة موسى، فإذا أقروا جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال: نحن على ما اتفقنا عليه، إلى أن نتفق على غيره، فسأل أبا الهذيل عن ذلك فقال: إن كان موسى هذا الذي أخبر بمحمد صلى الله عليه وسلم وأقر بشرفه وأمر باتباعه فأنا أقر بنبوته، وإن كان غيره فأنا لا أعرفه، فتحير اليهودي، ثم سأله عن التوراة، فقال: إن كانت التي نزلت على موسى المذكور فهي حق، وإلا فهي عندي باطل.
ومنه: قيل للحسن: الملائكة أفضل من الأنبياء فقال: أين أنت من هذه الآية " ولا أقول إني ملك ".
ومنه: وعن عمر وعلي رضي الله عنهما أن الحضر لقيهما وعلمهما هذا الدعاء، وذكر فيه خيراً كثيراً لمن قاله في إثر كل صلاة: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا تغلطه المسائل، ومن لا يتبرم على إلحاح الملحين، أذقني برد عفوك، وحلاوة مغفرتك.
ومنه: سمع إياس يهودياً يقول: ما أحمق المسلمين! يزعمون أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون، فقال: أوكل ما تأكله تحدثه قال: لا؛ لأن الله تعالى يجعل أكثره غذاء، قال: فما تنكر أن يجعل
جميع ما يأكل أهل الجنة غذاء
الرزية كل الرزية، تضييع أمر المرأة الرندية، وذلك لأنه وردت على تلمسان في العشرة الخامسة من المائة الثامنة امرأة من رندة لا تأكل ولا تشرب ولا تبول ولا تتغوط وتحيض، فلما اشتهر هذا من أمرها أنكره الفقيه أبو موسى ابن الإمام، وتلا " كانا يأكلان الطعام " فأخذ الناس يبثون ثقات نسائهم ودهاتهن إليها، فكشفن عنها بكل وجه يمكنهن، فلم يقفن على غير ما ذكر، وسئلت: هل تشتهين الطعام فقالت: هل تشتهون التبن بين يدي الدواب وسئلت: هل يأتيها شيء فأخبرت أنها صامت ذات يوم فأدركها الجوع والعطش، فنامت فأتاها آت في النوم بطعام وشراب، فأكلت وشربت، فلما أفاقت وجدت نفسها قد استغنت، فهي على تلك الحال، تؤتى في المنام بالطعام والشراب إلى الآن، ولقد جعلها السلطان في موضع بقصره وحفظها بالعدول ومن يكشف عما عسى تجيء أمها به إذا أتت أربعين يوماً، فلم بوقف لها على أمر، بيد أني أردت أن يزاد في عدد العدول، ويجمع إليهم الأطباء، ومن يخوض في المعقولات من علماء الملل المسلمين وغيرهم، ويوكل من نساء الفرق من يبالغ في كشف من يدخل إليها، ولا يترك أحد يخلو بها، وبالجملة يبالغ في ذلك، ويستدام رعيها عليه سنة، لاحتمال أن يغلب عليها طبع فتستغني في فصل دون فصل، ثم يكتب هذا في العقود، ويشاع أمره في العالم، وذلك لأنه يهدم حكم الطبيعة الذي هو أضر الأحكام على الشريعة، ويبين كيفية غذاء أهل الجنة، وأن الحيض ليس من فضلات الغذاء، ويبطل التأثير والتولد، ويوجب أن الاقترانات بالعادات، لا باللزوم، وعند الأسباب، لا بها، إلى غير ذلك، إلا أني لما أشرت انقسم من أشرت عليه بتبليغه إلى من لم يفهم ما قلت، ومن لم يرفع به رأساً، لإيثار الدنيا على الدين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ذكر أن امرأة أخرى كانت معها على تلك الحالة، وحدثني غير واحد
من الثقات ممن أدرك عائشة الجزيرية أنها كانت كذلك، وأن عائشة بنت أبي يحيى اختبرتها أربعين يوماً أيضاَ، وكم من آية أضيعت (1) ، وحجة نسيت. هذا مما لم يعرف مثله قبل المائة الثامنة، وكذلك الوباء العام القريب فروطه، يوشك أن يطول أمره، فينسى ذكره، ويكذب المحدث به إذا انقضى عصره، وكم فيه أيضاً من أدلة، على أصول الملة.
ومنه: قال شيخ صالحي الفقهاء في عصرنا بفاس أبو زرهون عبد العزيز ابن محمد القيرواني رحمه الله تعالى: مات فقير عندنا بالمئذنة (2) ، فوجدوا عنده ربطة من دراهم، فوضعوها عند المؤذن، فلما نزل ليلحده سقطت من جيبه في القبر، ولم يشعر حتى واراه، فكشف عنه، فإذا الدراهم قد لصقت ببدنه درهماً إلى درهم كالنجوم، فحاول قلع واحد منها فقامت معه قطعة من لحمه، وتبعها من ذلك المحل ريح منتنة، قال الشيخ: على ذلك وشاهدته ثم ردوا الترب عليه وانصرفوا.
قال عبد الله بن إدريس لغيلان الممرور: متى تقوم الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، غير أنه من مات فقد قامت قيامته، قال: فالمصلوب يعذب عذاب القبر قال: إن حقت عليه الكلمة، وما تدري لعل جسده في عذاب لا تدركه أبصارنا ولا أسماعنا، فإن لله لطفاً لا يدرك، وانظر الحديث " فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم ما أسمع من عذاب القبر ".
ومنه: المازري: مسألة التكفير بالمال مشكلة، وقد اضطرب فيها قول مالك وهو إمام الفقهاء، والقاضي أبي بكر وهو إمام المتكلمين.
الغزالي: لا يقطع بتفكير الفلاسفة إلا في ثلاث مسائل: قدم العالم، ونفي العلم بالجزئيات، وإنكار المعاد البدني وتوابعه القطعية.
(1) ق: أضعفت.
(2)
ق: عند باب المئذنة؛ ص: عندنا بالبادية.
أصل الفلاسفة اعتقاد المحسوسات معقولات، والمعتزلة اعتقاد المشهورات قطعيات، ومن ثم قيل لهم: مخنثة الفلاسفة.
لا يكفي التقليد في عقائد التوحيد، لا فرق بين إنسان ينقاد، وبهيمة تقاد.
ومنه: كان أبو هاشم من أفسق الناس، فجلس ذات يوم يعيب الإرجاء وكان في المجلس مرجئ، فأنشد:
يعيب القول بالإرجاء حتى
…
يرى بعض الرجاء من الجرائر
وأعظم من ذوي الإرجاء ذنباً
…
وعيدي يصر على الكبائر كان مالك ينشد كثيراً (1) :
وخير أمور الدين ما كان سنة
…
وشر الأمور المحدثات البدائع ابن عقيل: يشبه أن يكون واضع الإرجاء زنديقاً، فإن صلاح العالم في إثبات الوعيد واعتقاد الجزاء، فلما لم يكن هذا المائن جحد الصانع لمخالفة العقل، أسقط فائدة الإثبات، وهي الخشية والمراقبة، وهدم سياسة الشريعة، فهم شر طائفة على الإسلام.
سئل مالك عن أشر الطوائف، فقال: الروافض.
بينا ابن المعلم شيخ الرافضة في بعض مجالس المناظرة مع أصحابه أقبل ابن الطبيب فقال: جاءكم الشيطان، فسمعه على بعد، فلما جلس إليهم تلا عليهم {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً} (مريم: 83) .
مالك: أهل السنة من لا لقب له: لا خارجي، ولا قدري، ولا رافضي.
البديع (2) :
يقولون لي: ما تحب الوصي
…
فقلت: الثرى بفم الكاذب
(1) ق: كثيرا ما ينشد.
(2)
ديوان بديع الزمان: 8 (ط. مصر 1903) .
أحب النبي وآل النبي
…
وأختص آل أبي طالب
وأعطي الصحابة حق الولاء
…
وأجري على السنن الواجب
فإن كان نصباً ولاء الجميع
…
فإني كما زعموا ناصبي
وإن كان رفضاً ولاء الجميع (1)
…
فلا برح الرفض من جانبي
أحب النبي وأصحابه
…
فما المرء إلا مع الصاحب
أيرجو الشفاعة من سبهم
…
بل المثل السوء للضارب
يوقى المكاره قلب الجبان
…
وفي الشبهات يد الحاطب أخذ البيت الخامس من قول الشافعي:
إن كان رفضاً حب آل محمد
…
فليشهد الثقلان أني رافضي ومنه: أبو حنيفة: لقيت عطاء فقال لي: ممن أنت فقلت: من أهل الكوفة، فقال: من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً قلت: نعم، قال: فممن أنت منهم قلت: ممن يؤمن بالقدر، ولا يسب السلف، ولا يكفر بالذنب، قال: عرفت، فالزم.
ومنه: الإرادة تطلق على المحبة، وعلى قصد أحد الجائزين بالتخصيص، وكل واحد من المعنيين يوجد بدون الآخر، أما الأول فكقوله:
تريد النفس أن تعطى مناها
…
وهو ظاهر، وأما الثاني فكقصد المتوعد بالإهلاك إلى أمر عبده الذي أمره بأمر (2) لينظر امتثاله، ولدقة الفرق بينهما ضل المعتزلة في أمرهما فقالوا: إن الله عز وجل لا يريد المعاصي، لأنه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، قال عمار بن ياسر يوم صفين:
(1) الديوان: ولاء الوصي.
(2)
ق ص: أمر أن يأمره.
صدق الله وهو للصدق أهل
…
وتعالى ربي وكان جليلا
رب عجل شهادة لي بقتل
…
في الذي قد أحب قتلاً جميلا ومنه: العبدري: قتل الحسين دعا إلى حرب، وأخذ بثأره كذاب ثقيف، ونوه باسمه أعداء ملة جده بنو عبيد ليقتص من قضية بمثلها، فيقرأ الفهم سورة تلك الصورة، ويتهجى اللبيب حروف تلك الحروب، فيعلم أن الكل آلات مستعملات، حسبما اقتضاه العلم القديم.
ومنه (1) : أبو العباس الأبياني: ثلاث لو كتبت على ظفر لوسعهن، وفيهن خير الدنيا والآخرة: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، اتزع لا تتسع.
ومنه: كانت سكينة بني إسرائيل في التابوت، فغلبوا عليها، وسكينة هذه الأمة في القلوب، فغلبوا بها، استحفظوا كتابهم فحرفوا من أحكامه ووصفه، وحفظ كتابنا فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومنه: في الصحيح: كان أبو ذر يقسم قسماً أن " هذان خصمان اختصموا في ربهم " نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة وعتبة وشيبة والوليد، قلت: ففي الآية شهادة من الله تعالى لعلي بالجنة والشهادة، أما الجنة فبنصها، وأما الشهادة فلأنه وصاحبيه استشهدوا (2) ، وخصمهم قتلوا، فهي رادة على الخوارج قطعاً.
ومنه: جاز أبو بكر ابن نافع بالكرخ أيام الديلم وقوة الرفض، فقالت له امرأة: سيدي أبا بكر، فقال: لبيك يا عائشة، فقال له: متى كان اسمي عائشة فقال أيقتلونني وتخلصين
وفي آخر هذا الكتاب ما صورته: فهذه جملة تراجم، وفيها مقنع لمن أراد المحاضرة، أو تنميق مجالس المناظرة، وكان الفراغ من جمعها في آخر
(1) ق: قال.
(2)
ق ص: فلأن صاحبيه استشهدا.
يوم من شعبان المكرم من عام سبعة وخمسين وسبعمائة؛ انتهى ما تعلق به الغرض من بعض كلام مولاي الجد رحمه الله تعالى في كتابه المحاضرات.
ولنرجع إلى سرد ما بقية تواليفه رحمه الله تعالى فنقول: ومنها " شرح لغة قصائد المغربي الخطيب "، و " مقالة في الطلعة (1) المملكة "، وشرح التسهيل، والنظائر، وكتاب المحرك لدعاوى الشر من أبي عنان، وإقامة المريد، ورحلة المتبتل، وحاشية بديعة جداً على مختصر ابن الحاجب الفقهي، فيها أبحاث وتدقيقات لا توجد في غيرها، وقد وقفت عليها بالمغرب، ومن أشهر كتبه في التصوف كتاب الحقائق والرقائق وهو من الحسن بمكان لا يلحق، وقد شرحه الشيخ الصالح شيخ شيوخ (2) شيوخنا سيدي أحمد زروق رضي الله عنه ونفعنا به.
[نقول من كتاب الحقائق والرقائق للمقري]
وقد سنح لي أن أسرد هنا شيئاً من هذا الكتاب الفذ في بابه فنقول:
قال قيه مولاي الجد رحمه الله تعالى: هذا كتاب شفعت فيه الحقائق بالرقائق، ومزجت المعنى الفائق باللفظ الرائق، فهو زبدة التذكير، وخلاصة المعرفة، وصفوة العلم، ونقاوة العمل، فاحتفظ بما يوحيه إليك فهو الدليل، وعلى الله قصد السبيل.
حقيقة - عمل قوم على السوابق وقوم على اللواحق والصوفي من لا ماضي له ولا مستقبل، فإن كان زجاجياً فبخ بخ.
رقيقة - من لم يجد ألم البعد، لم يجد لذة القرب، فإن اللذة هي التخلص من الألم.
(1) ص: الطلقة.
(2)
شيوخ: سقطت من ق.
حقيقة - لما انطبعت الصور في مرآة الخيال قال العقل: أنا الملك المكوكب، فقالت الرياضة: الزمني وتعرف قدرك، فإذا العقل عقال.
رقيقة - من ضحك في نوم الغفلة بكى عند الانتباه، فإن الأضغاث أضداد.
حقيقة: أثر الزهد عقل دن سقراط على سراج غوطة أبي نصر، فقيل: فأين اعتبار " أفلا ينظرون " فقال: " وفي أنفسكم أفلا تبصرون ".
رقيقة: طالب الدنيا يخاف الفوت، وصاحبها يترقب الزوال ولو بالموت، فإذا حمي الوطيس، وحج الرئيس، أنشأ الزاهد بينهما ينشد:
عزيز النفس لا ولد يموت
…
ولا أنس يحاذره يفوت حقيقة - العابد طالب رياسة وحرمة، والزاهد صاحب نفاسة وهمة، والمعنى للعارف يعادي في لله تعالى ويوالي، ويرضي الله ولا يبالي.
رقيقة - من سابق سبق ومن رافق ارتفق، ومن لاحق التحق والعجز والكسل مقدمتا الخيبة، و:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
…
حقيقة - العمل دواء القلب، وإذا كان الدواء لا يصلح إلا إذا كان على حمية البدن، فكذلك العمل لا ينجح إلا بعد صوم النفس، فارق نفسك وتعال.
رقيقة - مثل دواعي الخير والشر في الإنسان كمثل الخلط الفاعل والقوة الدافعة في العليل، تغلب القوة فيسكن الخلط فيجد الراحة، وعن قليل يتحرك فيجد الألم.
حقيقة - العمل على السلامة مسالمة، وعلى الغنيمة تجارة، وعلى الأمر قرض، فيضاعف له أضعافاً كثيرة.
رقيقة - تطهر من أدناس هواك، وتزين بلباس تقواك، وقم لمسجد انقطاعك
على قدم شكواك، وأحرم بتوجيه قلبك إلى قبلة نجواك، تجد الحق عندك وليس بسواك.
حقيقة - وجد العارف فجاد بنفسه، فوجد الله عنده، وتواجد المريد فحاكى، ومن لم يبك تباكى.
رقيقة - زك نفسك لقلبك، تزك عند ربك، بعها منه رخيصة، فهي على ثمنها لديه حريصة " إن الله اشترى..... ".
حقيقة - الزوال وقت المناجاة، فطهر قلبك قبله من الحاجات، وإياك والحظ، فذهاب نقطته أسرع من اللحظ.
رقيقة - الزاد لك وهو مكتوب، والزائد عليك وهو مسلوب، فأجمل في طلب المضمون، ولا تلزم نفسك صفقة المغبون.
حقيقة - أمر بالتوكل لتقصر الطرف عليه، وأذن في التسبب لتنصرف منه إليه، فذاك مخبر بحقيقة التفرد وهذا مظهر لحكمة التعبد.
رقيقة - الملك أبو الدنيا، وهو مع ذلك محبوس فيها، تبهم عليه الأبواب، ويستدعي الحراس والحجاب، فإذا خرج حدقت إليه الألحاظ وأحدقت بجهاته الحفاظ، أي حظ حظ من فقد نعمة " فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ".
حقيقة - قال صاحب الزهر الأنيق: علا مات المحبة أربع الإفلاس، والاستئناس، والأنفاس، والوسواس. قلت: الإفلاس التجرد إلا عنه كالخليل، والاستئناس التوحش إلا منه كالكليم، والأنفاس والوسواس صلة الاسم وعائده.
رقيقة - ذكر مذكر بمالقة، فقام الخطيب الشيخ الولي أبو عبد الله الساحلي بهذا البيت:
ليت شعري أفي زمام رضاكم
…
كتب اسمي أم في زمام (1) الهوان
(1) ق: ذمام؛ والزمام: الديوان.
وكنت يوماً مع السلطان والجند يعرضون عليه، وكان يسقط ويثب، وأنا أتفكر في البيت، حتى خفت أن أفتضح، فقلت: واهماه من هذا الإبهام! ثم كدت أخلد بقبح العمل إلى الأرض فينشلني (1) حسن الظن بالله عز وجل فأنهض:
إن المقادير إذا ساعدت
…
ألحقت العاجز بالحازم (2) حقيقة - إذا قابل إبرة القلب مغناطيس الحسن صبا فانجذب، فإذا اتصل عشق فانقطع، فإذا انجد فني فبقي، حاشا الصوفي أن يموت.
رقيقة - افتخر الغراب بإقامة قرآن الفجر، حتى تغسل بول الشيطان من أذنك، فطرب الديك فرحاً بالفوز، وندب العصفور ندماً على الفوت.
حقيقة - الخلوة بيت الاعتبار، وفي بيته يؤتى الحكم، وباب هذا البيت العلم " وائتوا البيوت من أبوابها ".
رقيقة - واقع فقير هناة، ثم دخل خلوته، فبدت له نفسه بوجه مومسة، فقال: ما أنت قالت أم الحياة، فقال: ما أجمل أن تبدل هائك همزة، فقالت: إذن لم تصنع ما شئت، فانتبه لقرع العتاب (3) ، فتاب.
حقيقة - القلب إيوان الملك ويسعني، وعز الملك يأنف عن ذل المزاحمة، أنا أغنى الشركاء عن الشرك.
رقيقة - لما وضع البسطامي أوزار حوبه، فك طابع الصحيفة عن قلبه، فلم يجد بها غير الطفرى، فصاح بنفسه لك البشرى، انزل طيفور عما تريد، ليس في الدار أبو يزيد.
حقيقة - قال شيخنا أبو هادي يوماً لأصحابه: بماذا يرتقي العبد عن مقامه إلى
(1) ص: فينشدني.
(2)
ص: بالقادر.
(3)
ق: الباب.
مقام أعلى منه قالوا: بفضل الله ورحمته، فقال: إنما أسألكم عن السبب الخاص بهذا الأمر، قالوا: ما عند الشيخ قال: يخلق الله له همة فيرتقي بها إلى رتبة أسمى من رتبته.
ومن هذا الكتاب: حقيقة: التفت إلى مواهب الملوك تجدهم إنما يوسعون فيما قد يسترجعون، فأما العلماء وكل من يعطي بحق فإنما يعطون بقصد " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم " واصبر نفسك دونهم فعن قريب تنصرف عنهم.
رقيقة - قلت لقلبي: كيف تجدك فقال: أما من أمارتك ففي عناء الجهاد، وأما من لوامتك فعلى جمر الصبر، قلت: فمتى الراحة قال: إذا اطمأنت النفس، فاضمحل الوهم وغاب الحس.
حقيقة - قطع السوى طهارة المنيب، ولا يقبل الله صلاة بغير طهور، وكتابه النحيب، والمكاتب عبد ما بقي عليه، وبابه الدخول على الحبيب.
نظر رجل إلى امرأة عفيفة فقالت: يا هذا غض بصرك عما ليس لك، تنفتح بصيرتك فترى ما هو لك.
رقيقة - لما حنكت الطينة بتمر (1) الجنة، وغذيت بلبانها، فطرت على محبتها - انظروا إلى حب الأنصار التمر - فلم تطق الفطام عنها.
وتأبى الطباع على الناقل (2)
…
فذاك ما تجد من الحنين إلى التلاق، والأنين على الفراق، والشغف بمدح العابر، وذم الغابر، وفي ذلك (3) :
(1) ق ص: بثمر.
(2)
شطر بيت لأبي الطيب وصدره: يراد من القلب نسيانكم.
(3)
البيت للمعري من قصيدته: " عللاني فإن بيض الأماني
…
".
كم أردنا ذاك الزمان بمدح
…
فشغلنا بذم هذا الزمان وإن لم تعرف عصراً خالياً، ولا خلاً نائياً، لم يمر عليك مما تشتهيه، أطيب مما أنت فيه (1) :
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
…
وحنينه أبداً لأول منزل ومنه:
حقيقة - قيل: عرض الكليم بطلب القوت في رحلة الهجرة " إني لما أنزلت إلي من خير فقير " فحمل على كاهل " إن أبي يدعوك " وصرح في سفر التأديب " لو شئت لاتخذت عليه أجراً " فحمل على كاهل " هذا فراق بيني وبينك " قلت: لما تمحض الطلب له اكتفى، فلما تعلق حق الغير به وفى، ولذلك قضى أبا المرأتين الأجلين.
رقيقة - كان قد خرق السفينة إراءة لكرامة " فاقذفيه في اليم " في مرآة {وكان وراءهم ملك} (الكهف: 79) .
وربما صحت الأجسام بالعلل (2)
…
وقتل الغلام إشارة إلى اشتمال قتله " فقضى عليه " على رحمة " فنجيناك من الغم " برمز " فخشينا أن يرهقهما " والمحن الصم حبائل المنح، وإقامة الجدار إثارة لفتوة " فسقى لهما " ليخفض له جناح " إني لما أنزلت إلي من خير فقير " فيستظل من حر " لو شئت لاتخذت عليه " في نية " هذا فراق بيني وبينك "
(1) البيت لأبي تمام.
(2)
عجز بيت للمتنبي وصدره: " لعل عتبك محمود عواقبه ".
حقيقة: قيل لمحمد بن حسن الزبيدي التونسي وأنا عنده بها: كيف لم يصبر الكليم وقد ناط الصبر بالمشيئة " ستجدني إن شاء الله صابراً " وقد جاء في الصحيح في قصة سليمان عليه السلام " لو قال إن شاء الله لكان كما قال " والمقام الموسوي أجل " واصطنعتك لنفسي " وطلابه أفضل ما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر، فقال: كان موسى على علم من علم الله، وهو علم المعاملة، لا يعلمه الخضر، وكان الخضر على علم من علم الله لا يعلمه موسى، فلم يظن أن ما لم يحط به خبراً يأباه حكم الظاهر، وإلا كيف يلتزم الصبر عليه، وقد أمر بصرف الإنكار إليه " ما منعك إذ رأيتهم ضلوا " بل لم يعد مثله من ملاقاة المشاق، فيما كان عليه الخضر من اختراق الآفاق، وركوب الطباق، فما عقله بقوله، فقد صدقه بفعله، وما لم يستطع عليه صبراً، فلم يدخل في التزامه اعتقاداً ولا ذكراً.
رقيقة - قال لي عبد الرحمن بن يعقوب المكتب: كان عندنا بالساحل سائح هجيراه: إلهي بسطت لي أملي، وأحصيت علي عملي، وغيبت عني أجلي، ولا أدري إلى أي الدارين يذهب بي، لقد أوقفتني موقف المحزونين ما أبقيتني.
حقيقة - تنازع القلب والنفس الخلق، فقسمها بينهما قاضي العقل، فمن باع منهما حظه فلا شفعة لصاحبه عليه.
ومنه:
حقيقة - الحجب ثلاثة: فحجاب الغيرة منع، وحجاب الحيرة دفع، وحجاب الغفلة قطع " أولئك كالأنعام بل هم أضل "
رقيقة - اللحم أيام التشريق مكروه، وكل لذة عند أرباب الدنيا كاللحم عندك أيام الأضحى، فلا ترينك الغفلة عن سرك زيادة النعمة عندك.
حقيقة - الفقر إلى الله الاستغناء به عما سواه، وهوية الرضى بالله أن لا يخطر بالبال إلاه.
ومنه:
حقيقة - التلون مجون، تارة طرباً وطوراً (1) شجون، والتمكن معرفة، وأين الحال من الصفة
رقيقة - قال لي محمد بن عبد الواحد الرباطي: قال لي محمد بن عبد السيد الطرابلسي: دخلت على أبي الحسن الحرالي فقلت له: كيف أصبحت فأنشد:
أصبحت ألطف من مر النسيم سرى
…
على الرياض يكاد الوهم يؤلمني
من كل معنى لطيف أحتسي قدحاً
…
وكل ناطقة في الكون تطربني حقيقة - قال الطالب: الوقت سيف، وقال الواصل: بل مقت، فتلا العارف {قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} (الأنعام: 91) .
رقيقة - لصاحب الوقت يومان:
يوم بأرواح يباع ويشترى
…
وأخوه ليس يسام فيه بدرهم وفصل الفضل (2) بينهما:
وما تفضل الأيام أخرى بذاتها
…
ولكن أيام الملاح ملاح ومنه:
حقيقة - قال لي الشيخ أبو عبد الله محمد بن مرزوق العجيسي بعباد تلمسان: قال لي أبو عبد الله ابن حيون: إنه وجد على ظهر كتاب بخط عتيق: قال أبو يزيد البساطي: يظهر في آخر الزمان رجل يسمى شعيباً، لا تدرك له نهاية، قالا: وهو أبو مدين، قلت: وقف بظاهره مع الشريعة، وذهب ببطانه مع الحقيقة، فما انقطع لصحة البداية، ولا رجع لعدم الغاية.
(1) ق: وتارة.
(2)
ق: وفصل القضاء.
رقيقة - قمت ببعض الأسحار، على قدم الاستغفار، وقد استشعرت الصبابة، واستدثرت الكآبة، فأملى الجنان على اللسان، بما نفث في روعه روح الإحسان:
منكسر القلب بالجنايا
…
يدعوك يا مانح العطايا
أقعده الذنب عن رفيق
…
حثوا لرضوانك المطايا ومنه، إثر حقيقة في شأن الحلاج ما نصه، ثم قلت:
ولرب داع للجمال أطعته
…
وأبى الجلال علي أن أتقدما
فأطعت بالعصيان أمرهما معاً
…
وجنحت للتسليم كيما أسلما ومنه:
حقيقة - قلت للسر: ما لك تحس من خلف الموانع فقال: خرق شعاعي سور العوائق، ثم انعكس إلي بصور الحقائق، فأصبحت كما قيل:
كأن مرآة عين الدهر في يده
…
يرى بها غائب الأشيا فلم يغب رقيقة - الليل رداء الرهبة، تهاب الجبان فيه الأبطال، وتتقي الحواس دونه الخيال " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً "
حقيقة - النهار معاش النفس، فهو استعداد " إن لك في النهار سبحاً طويلاً " والليل رياش الأنس، فهو معاد " واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً " فهذا جمع وذلك فرق، والحال أسرع ذهاباً من البرق.
ومنه:
حقيقة - إن أكبرت النفس حالها، فذكرها أصلها ومآلها، فإنها تصغر عند ذلك، وتستقيم بك على أرض المسالك احثوا التراب في وجوه المداحين " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ".
رقيقة - إنما يتعاظم من يجد الحقارة من نفسه، ويتوهم المهانة عند أبناء جنسه، فذلك تراه مغمزاً للعيون، مهمزاً للظنون؛ من أسر سريرة حسنة كساه الله رداءها.
رقيقة - رأيت الملوك لا يشمتون، ولا يدعى لهم إلا بما يتعلق بأغراض الدنيا، وأكثر ذلك مما تحيل عقوده العوائد، فعلمت أن الدنيا ضد الآخرة.
حقيقة - من لم يفر خور وذلك الجبن، من خاف أدلج ورجا، من لم يكر تمن وتلك الزمانة " يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ".
رقيقة - سمعت أبا محمد المجاصي يقول: رويت بالسند الصحيح أن عابداً رابط ببعض الثغور مدة فكان كلما طلع الفجر يسمع من ينشد دون أن يرى شيئاً (1) :
لولا رجال لهم سرد يصومونا
…
وآخرون لهم ورد يقومونا
لزلزت أرضكم من تحتكم غضباً
…
فإنكم قوم سوء لا تبالونا حقيقة - ما حمد الله حق حمده، إلا من عرفه حق معرفته، وذلك مما لا ينبغي لغيره لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
رقيقة - قلت:
أشيم البرق من بين الثنايا
…
وأشتم العبير من الثناء
فأبدو تارة وأغيب أخرى
…
مثار الشوق مثني الحياء حقيقة - تحقق الحامد بكمال الذات فغاب عن حسه في بحار العظمة، وتعلق الشاكر بجمال الفعل فوقف مع نفسه بسوق النعمة، فهذا تاجر " لئن شكرتم لأزيدنكم " وذاك ذاكر " وما بكم من ".
ومنه:
حقيقة - الصبر مطية المريد، والرضى سجية المراد، فهذا القوم للأمر، وذاك يسعى للأجر.
(1) قارن بما في التكملة: 842.
رقيقة - الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والصبر بغير حساب، والرضى بالرضى، وذلك سدرة المنتهى.
حقيقة - النفس الأمارة آبدة لا تملك إلا بلطائف الحيل، والمطمئنة ذلول لا تنفلت إلا ممن غفل " وأخاف أن يأكله الذئب ".
رقيقة - الدنيا معشوق الطالب، عاشق الهارب، هذا يستخدمها، وذاك يخدمها، يبني الخادم المسجد ليقال، ويعمره المخدوم لينال، فعلى الخادم السعي من غير جدوى:
وليس لرحل حطه الله حامل
…
وللمخدوم الجدوى بغير سعي:
وليس لما تبني يد الله هادم
…
إن السعادة أصلها التخصيص حقيقة - الجمال رياش، والحسن صورة، والملاحة روح، فذلك ستره عليك، وهذا سره فيك {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي} (الحجر: 29) .
رقيقة - أعطي يوسف شطر الحسن، يعني حسن آدم، لأنه إن لم يكن في الإمكان أبدع مما كان فقد خلقه الحق بيده في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه من روحه لتتم علة الأمر بسجود التحية والتكريم، فكان كما قال من أنزل عليه الفرقان خلق الله آدم على صورة الرحمن فآدم إذا كمال الحسن، وإلا فهو المراد، لأن الشطر، يقتضي الحصر، والنصف، ينزع عن الوصف، وأعطي محمد صلى الله عليه وسلم كمال الجمال، فما أبصره أحد إلا هابه، وتمام الملاحة فما عرفه شخص إلا أحبه، مع أنباء نوره في الآباء، بأن أبوة المعنى لسيد نجباء الأبناء، كما قال العارف عمر:
وإني وإن كنت ابن آدم صورة
…
فلي فيه معنى شاهد بأبوتي
حقيقة - لا يثنينك الخوف عن قرع الباب فتيأس، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يدنينك الرجاء من الفترة فتأمن، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، فإن لم تستطع بعد الحرص أن تعدل، فلا تمل كل الميل مع النفس " إن النفس لأمارة بالسوء ".
رقيقة - ارفع قصتك في رقعة الإقبال على كف الرجاء، خافضاً من طرف الحياء، وصوت الإدلال، عاكفاً في زاوية الانكماش من وراء ستر الخوف، يخرج عليك حاجب القدر من باب الكرم بتوقيع " فاستجبنا له ".
ومنه:
حقيقة - صدق مجاهدة الفاروق أيقظ الوسنان، وطرد الشيطان، وأرضى الرحمن، ففاز بسلامة ما سلكت فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك؛ وحقق مشاهدة الصديق أسمع من ناجى، فحاز غنيمة لو كشف الغطاء ما ازداد يقيناً.
رقيقة - ذهب أبو بكر في السابقين، ولحق عمر بأهل اليقين، فما أدرك الصديق أداء التصلية، حتى استدرك الفاروق قضاء التقفية:
ولو كنت في أهل اليمين منعماً
…
بكيت على ما فات من زمن الصبا حقيقة - النص سلاح، والنظر مطية، والاتباع جنة، والورع نجاة، والخلاف فتنة، والبدع مهالك، وخير الأمور أوساطها (1) .
ومنه:
حقيقة - تخير المساعد، واختبر المصاعد، وليكن همك في سفرك منك معرفتك كيف ترجع إليك، فلن يحقق صفة الربوبية، من لم يتحقق نعت العبودية.
(1) ص: أواسطها؛ ق: أوسطها.
رقيقة - حدثت أن سيدي أبا الحسن الشاذلي لما أزمع على التحول من طيبة على من بها الصلاة والسلام، أوقف فعله على إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له، فرآه في منامه فقال: توحشنا يا علي فأخذ يعتل، فأذن له، وقال: إذا جئت مصر فاقرأ عز الدين بن عبد السلام مني السلام، قال: فلما التقينا بلغته المألكة (1) سراً، فلم تظهر نفسه لذلك، فلما قام المزمزم قال:
صدق المحدث الحديث كما جرى
…
وحديث أهل الحب ما لا يفترى فاستغفر الشيخ، ثم كذب نفسه، ثم حط للتسليم رأسه.
حقيقية - الوهم شيطان القلب يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وسائر الجهات لمراقبة " قل هو القادر " فمن ثم كان أشد تقلباً من المرجل على النار، فإذا ذكر الله سكن " ألا بذكر الله تطمئن القلوب ".
رقيقة - فرق القلب من ذكر الله خوف " وجلت قلوبهم " ثم سكن لذكره ورجاء " وتطمئن قلوبهم " فعاد داء تقشر منه دواء " ثم تلين " فنعق بلائمه:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
…
ثم هتف بمنادمه:
وداوني بالتي كانت هي الداء
…
حقيقة - العبودية صفة نفسك، لأنها حال أحد العبيد، والعبودة صفة قلبك، لأنها ملكة واحد العباد، والعبادة قصد وجهك، لأنها نعت الفردوس من العباد.
(1) المألكة: الرسالة.
ومنه:
حقيقة - إنما تزيد في الدنيا بقدر ما تنقص من الآخرة، فإن تشييد الجدار على قدر (1) انتقاص الجبل.
رقيقة - من جر لنفسه جار على قلبه، فلا تجوز شهادته عند ربه، لأن العدل من ترك العدول والميل.
حقيقة - لا تقدمن إلا بدليل وإذن، واحذر ما لا ينفع ما استطعت فقد تم، انظر فلا حرج إن جهلت ما لم تكلف علمه، وأخاف عليك سوء العاقبة الهجوم.
رقيقة - إذا اهتز العرش بالسحر لدعاء أهل " تتجافى جنوبهم " انبعث من نسيمه ما أغشاهم طيبه الراحة " أمنة منه " وأهب المستغفر من نومه لإدراك فضل " رضي الله عنهم ورضوا عنه ".
حقيقة - دع الغريب وما يريب، واركب الجادة، ولا تسلك بنيات الطريق " فترق بكم عن سبيله ".
ومنه:
حقيقة - سفر المريد تجارة، وسفر الأعراف عمارة، فهذا يرحل للإقامة عند الحقيقة، وذاك يطلب الاستقامة على الطريقة.
رقيقة - إياك أيها المصلي لنا، أن تلتفت إلى غيرنا، وأقبل علينا بصدق نيتك، وناجنا بخلوص سريرتك، فقد قمنا بينك وبين قبلتك، وناجيناك بلسان تلاوتك، فإن غبت عنا، فلست منا.
حقيقة - الشطح كناية، والكرامة عناية، والاعتراض جناية، فإياك ولك فإن عرفت فاتبع، وإن جهلت فسلم.
(1) ق: حسب.
رقيقة - الليل معاد الأنس " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً " والنهار معاش النفس " إن لك في النهار سبحاً طويلاً " فهذا نشاط رغبة يتسع في مناكبه المجال، وتعتور على مراكبه الأحوال، وذلك حجاب رهبة تهوي إليه الأوجال، وتجتمع فيه هموم الرجال، ألا ترى كيف تهاب الجبان دونه الأبطال، وتتقي الحواس خلفه الخيال كما قال:
نهاري نهار الناس حتى إذا دجا
…
لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى
…
ويجمعني والهم بالليل جامع حقيقة - حجب الطالب أربعة: فحجاب الغيرة قاذع، قيل لبعضهم: أتحب أن تراه فقال: لا، قيل: ولم قال: أجل ذلك عن نظري مثلي، وحجاب التيه قامع، نزل الفقير على ابن عجوز، فبينما هي تصلح له الطعام غشي على الفتى، فسألها الفقير فقالت له: إنه يهوى ابنة عم له بتلك الخيمة، فخطرت، فاشتم غبار ذيلها، فذهب الفقير ليخطبها عليه، فقالت: إذا لم يطق غبار ذيلي فكيف يستطع أن يشاهدني وحجاب الحيرة دافع، ومن ثم حلا لأرباب الغيبة، قال بعضهم: يا دليل الحائرين، زدني تحيراً، ومر على أصحاب الرغبة والرهبة، كما قال:
قد تحيرت فيك خذ بيدي
…
يا دليلاً لمن تحير فيكا وحجاب الغفلة قاطع، كان بعضهم يقول: إن عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.
ونظر أخر إلى امرأة فوقع عليه سهم فعوره وعليه مكتوب: نظرت بعين العورة فرميناك بسهم الأدب، ولو نظرت بعين الشهوة لرميناك بسهم القطيعة.
رقيقة - حدثت أن ابن الفارض دخل على الشيخ عز الدين وقد ذهب به التفكر فيما له عند الله عز وجل، فكاشفه بأن أنشده من قصيدة له:
لك (1) البشارة فاخلع ما عليك فقد
…
ذكرت ثم على ما فيك من عوج فبدرته البشاشه، وأظن أن قد خلع قماشه.
حقيقة - وقفت ذات يوم بالجبانة، واستفهمت اسمي ها عرف منها مكانه، فأملى بعد هنيئة من نظمه، ما وقفت منه على حقيقة مبلغ علمه:
كل ميت رأته عيني فإني
…
ذلك الميت إن نظرت بقلبي
وجميع القبور قبري لولا
…
جهل نفسي بما لها عند ربي رقيقة - أهم ما على المسالك مراعاة قلبه، أن يتلف في تقلبه، فذلك فساد حاله، وذهاب رأس ماله، تزوج فقير فلبس ثياب العرس، فطلب قلبه فلم يجده، فصاح: خلقاني، فأعطوه، فأخذها وخرج.
حقيقة - حجب المطلوب ثلاثة: فحجاب التيه جمال، كما قال العارف عمر:
ته دلالاً فأنت أهل لذاكا
…
وتحكم فالحسن قد أعطاكا وحجاب العزة جلال:
همت بإتياننا حتى إذا نظرت
…
إلى المراة نهاها وجهها الحسن وحجاب الكبرياء كمال، أنشدت لرابعة:
أحبك حبين حب الهوى
…
وحباً لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى
…
فشغلي بذكرك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهل له
…
فأن ترفع الحجب حتى أراكا
وما الحمد في ذا ولا ذاك لي
…
ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
(1) ص: ولي.
وهذا معناه ما صح في الصحيح وما بين أهل الجنة وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن.
ومنه: حقيقة: الآثار منصة التجلي، فمن لم يزر مهلب " ويتفكرون " زار عمير " يمرون " وبطل رصد الحجاج.
رقيقة: من تفكر تذكر، ومن تذكر تبصر، فإن أكمل وقف، وإن قصر انصرف " إنا هديناه السبيل ".
حقيقة: الوحدة فهم، والتوحيد علم، والاتحاد حكم، والأثينينية وهم.
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
…
ومنه:
حقيقة - أهم ما على السالك مراعاة قلبه، أن يتلف في تقلبه، فإن ذلك فساد حاله، وذهاب رأس ماله، رؤي فقير ينادي في السوق: ارحموا صوفياً ذهب رأس ماله، فقيل له: وهل للصوفي رأس مال فقال: نعم، كان لي قلب ففقدته.
ومنه:
حقيقة (1) - تنازع القلب والنفس الخلق، فترافعا إلى العقل، فقسمه بينهما، فانفردت النفس بالهوى، والقلب بالتقوى، فصرفت طرقهما إلى الجهتين، وقطعت الشفعة فيهما بين الفئتين.
ومنه، عند ختم الكتاب، ما نصه:
حقيقة - لا يودع السر إلا عند أهله، ولا يذيعه إلا من ضاق ذرعاً بحمله،
(1) مر هذا آنفا ص: 316.
فإن عدا مودعه الرمز فقد زل، وغن تعدى مذيعه الغمز فقد ضل.
رقيقة - الحسن خلق، والجمال خلق، وحسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن، وحيث هو الجمال هو الجميل.
حقيقة - تحقق العلماء بالتوحيد فاستشعروا " والله خلقكم وما تعملون " لكنهم اعتبروا خلق السبب والابتلاء به، فتصرفوا بدلالة الإذن في مذهبه، فاستقاموا على طريقة الأدب، ولم يفتهم فضل التوكل، ولم تتسع معارف الزهاد لما عرفوا المشبب بكيفية الانصراف إلى السبب منه، لدقة الفرق بينه وبين الانصراف عنه، فوقفوا مع التوكل للعذر، ولم يستعملوا أدب الجريان مع ابتلاء الأمر، وعكف الغافلون على ظاهر السبب، ففاتهم التوكل والأدب " أولئك كالأنعام بل هم أضل ".
رقيقة: الفيت لعبد الحق الإشبيلي بيتاً هو عندي أفضل من قصيدة، وهو:
قد يساق المراد وهو بعيد
…
ويريد المريد وهو قريب ومن أراد معرفة قدر هذا البيت فليتل " الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ".
حقيقة: أشرف أسمائك ما أضافك إليه، وأكرم صفاتك ما دل فيك عليه (1) .
لا تدعني إلا بيا عبدها
…
فإنه أشرف أسمائي
ولا تصفني بالهوى عندها
…
فعندها تحقيق أنبائي رقيقة:
أعزز بمن سوداء قلبي مغرب
…
لخياله، وسواد عيني مشرق
إن غاب عن سري فعنه لم يغب
…
أو عن عياني فهو فيه محقق
(1) مر البيت الأول فيما تقدم المجلد 2: 193.
والعين تعجز أن ترى إنسانها
…
والقلب بالروح اللطيف مصدق صن عينك عن قلبك لربك، وقلبك عن نفسك لحبك، ونفسك عن طبعك لويلك، وطبعك عن هواك لعدوك، وهواك عمن سواك، وقد كنت من نسل الجنة، وكان بينك وبين البلاء أوقى جنك، لطف الله تعالى بي وبكم في مجاري أحكامه، ويسرنا أجمعين للعمل بموجبات إكرامه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم لقائه؛ انتهى ما تعلق به الغرض من كتاب الحقائق والرقائق لمولاي الجد الإمام، سقى الله عهده صوب الغمام. وما ذكرته من كلامه غيض من فيض، وقل من كثر، ويكفي من الحلي ما قل وستر العنق.
ولنذكر بعض نظمه رحمه الله تعالى، وقد تقدم بعضه أثناء ما سبق من كلامه رضي الله عنه، فراجعه إن شئت.
[من شعر المقري الجد]
ومن بديع نظمه رحمه الله تعالى ما في الإحاطة ونصه (1) : نقلت من ذلك قوله: هذه لمحة العارض، لتكملة ألفية ابن الفارض، سلب الدهر من فرائدها مائة وسبعة وسبعين، فاستعنت على ردها بحول الله المعين.
من فصل الإقبال:
رفضت السوى وهو الطهارة عندما
…
تلفعت في مرط الهوى وهو زينتي
وجئت الحمى وهو المصلى ميمماً
…
بوجهة فلبي وجهها وهو قبلتي
وقمت وما استفتحت إلا بذكرها
…
وأحرمت إحراماً لغير تحلة
فديني إن لاحت ركوع، وإن دنت
…
سجود، وإن لاهت قيام بحسرة (2)
(1) الإحاطة 2: 146.
(2)
ص: بكسرة؛ ق: بحرة.
على أننا في القرب والبعد واحد
…
تؤلفنا بالوصل عين التشتت
وكم من هجير خضت ظمآن طاوياً
…
إلهيا وديجور طويت برحلة
وفيها لقيت الموت أحمر والعدا
…
بزرقة أسنان الرماح وحدة
وبيني وبين العذل فيها منازل
…
تنسيك أيام الفجار ومؤتة
ولما اقتسمنا خطتينا فحامل
…
فجار بلا أجر وحامل برة
خلا مسمعي من ذكرها فاستعدته
…
فعاد ختام الأمر أصل القضية
وكم لي على حكم الهوى (1) من تجلد
…
دليل على أن الهوى من سجيتي
يقول سميري والأسى سالم الأسى
…
ولا توضع الأوزار إلا لمحنة
لو أن مجوساً بت موقد نارها
…
لما ظل إلا منهلاً ذا شريعة
ولو كنت بحراً لم يكن فيه نضحة
…
لعين إذا نار الغرام استحرت
فلا ردم من نقب المعاول آمن
…
ولا هدم إلا منك شيد بقوة
فمم تقول الأسطقسات منك أو
…
علام مزاج ركبت أو طبيعة
فإن قام لم يثبت له منك قاعد
…
وإلا فأنت الدهر صاحب قعدة
فما أنت يا هذا الهوى ماء أو هوا
…
أم النار أم دساس عرق الأمومة (2)
وإني على صبري كما أنا واصف
…
وحالي أقوى القائمين بحجة
أقل الضنى أن عج من جسمي الضنى
…
وما شاكه معشار بعض شكيتي
وأيسر شوقي أنني ما ذكرتها
…
ولم أنسها إلا احترقت بلوعة
وأخفى الجوى قرع الصواعق منك في
…
جواي (3) وأخفى الوجد صبر المودة
وأسهل ما ألقى من العذل أنني
…
أحب أقلي (4) ذكرها وفضيحتي
وأوج حظوظي اليوم منها حضيضها
…
بالامس، وسل حر الجفون الغزيرة
(1) ق: القضا.
(2)
ق: الأموة.
(3)
ق: في جوى نجي.
(4)
ق: أقل.
وأوجز أمري أن دهري كله
…
كما شاءت الحسناء يوم الهزيمة
أروح وما يلقى التأسف راحتي
…
وأغدو وما يعدو التفجع خطتي
وكالبيض بيض الدهر والسمر سوده
…
مساءتها في طي طيب المسرة
وشأن الهوى ما قد عرفت ولا تسل
…
وحسبك أن لم يخبر الحب رؤيتي
سقام بلا برء، ضلال بلا هدى
…
أوام بلا ري، دم لا بقيمة
ولا عتب فالأيام ليس لها رضى
…
وإن ترض منها الصبر فهو تعنتي
ألا أيها اللوام عني قوضوا
…
ركاب ملامي فهو أول محنتي
ولا تعذلوني في البكاء ولا البكى
…
وخلوا سبيلي ما استطعتم ولوعتي
فما سلسلت بالدمع عيني إن جنت
…
ولكن رأت ذاك الجمال فجنت (1)
تجلى وأرجاء الرجاء حوالك
…
ورشدي غاو والعمايات عمت
فلم يستبن حتى كأني كاسف (2)
…
وراجعت إبصاري له وبصيرتي ومن فصل الاتصال:
وكم موقف لي في الهوى خضت دونه
…
عباب الردى بين الظبى والأسنة
فجاوزت في حدي مجاهدتي له
…
مشاهدتي لما سمت بي همتي
وحل جمالي في الجلال، فلا أرى
…
سوى صورة التنزيه في كل صورة
وغبت عن الأغيار في تيه حيرتي (3)
…
فلم انتبه حتى امتحى اسمي وكنيتي
وكاتبت ناسوتي بأمارة الهوى
…
وعدت إلى اللاهوت بالمطمئنة
وعلم يقيني صار عيناً حقيقة
…
ولم يبق دوني حاجب غير هيبتي
وبدلت بالتلوين تمكين عزة
…
ومن كل أحوالي مقامات رفعة
وقد غبت بعد الفرق والجمع موقفي
…
مع المحو والإثبات عند تثبتي
(1) ق: فحنت.
(2)
ق: حبي له كل كاشف.
(3)
الإحاطة: حالتي.
وكم جلت في سم الخياط وضاق بي
…
لبسطي وقبضي بسط وجه البسيطة
وما اخترت إلا دن سقراط زاهداً
…
وفي ملكوت النفس أكبر عبرة
وفقري مع الصبر اصطفيت على الغنى
…
مع الشكر إذ لم يحظ فيه مثوبتي
وأكتم حبي ما كنى عنه أهله
…
وأكني إذا هم صرحوا بالخبية
وإني في جنسي ومنه لواحد
…
كنوع، ففصل النوع علة حصتي
تسببت في دعوى التوكل ذاهباً
…
إلى أن أجدى حيلتي ترك حيلتي
وآخر حرف صار مني أولاً
…
مريداً وحرف في مقام العبودة
تعرفت يوم الوقف منزل قومها
…
فبت بجمع سد خرق التشتت
فاصبحت أقضي النفس منها منى الهوى
…
وأقضي على قلبي برعي الرعية
فبايعتها بالنفس داراً سكنتها
…
وبالقلب منه منزلاً فيه حلت
فخلص الاستحقاق نفسي من الهوى
…
وأوجب الاسترقاق تسليم شفعتي
فيا تفس لا ترجع تقطع بيننا
…
ويا قلب لا تجزع ظفرت بوحدة ومن فصل الإدلال:
تبدت لعيني من جمالك لمحة
…
أبادت فؤادي من سناها بلفحة
ومرت بسمعي من حديثك ملحة
…
تبدت لها فيك القران وقرت
ملامي بن، عذري استبن، وجدي استعن
…
سماعي أعن، حالي أبن، قائلي اصمت
فمن شاهدي سخط، ومن قائلي رضا
…
وتلوين أحوالي وتمكين رتبتي
مرامي إشارات، مراعي تفكر
…
مراقي نهايات، مراسي تثبت
وفي موقفي والدار أقوت رسومها
…
تقرب أشواقي تبعد (1) حسرتي
معاني أمارات، مغاني تذكر
…
مباني بدايات، مثاني تلفت
وبث غرام، والحبيب بحضرة
…
ورد سلام (2) ، والرقيب بغفلة
(1) ق: وتبعد.
(2)
ق: غرامي
…
سلامي.
ومطلع بدر في قضيب على نقاً
…
فويق محل عاطل دون دجية
ومكمن سحر بابلي له بما
…
حوت أضلعي فعل القنا السمهرية
ومنبت مسك من شقيق ابن منذر
…
على سوسن غض بجنة وجنة
ووصف اللآلي في اليواقيت كلما
…
تعل بصرف الراح في كل سحرة
سل السلسبيل العذب عن طعم ريقه
…
ونكهته يخبرك عن علم خبرة
ورمان كافور علته طوابع
…
من الند لم تحمل به بنت مزنة
ولطف هواء بين حقف وبانة
…
ورقة ماء في قوارير فضة
لقد عز عنك الصبر حتى كأنه
…
سراقة لحظ منك للمتلفت
وأنت وإن لم تبق مني صبابة
…
منى النفس لم تقصد سواك بوجهة
وكل فصيح منك يسري لمسمعي
…
وكل مليح منك يبدو (1) لمقلتي
تهون علي النفس فيك، وإنها
…
لتكرم أن تغشى سواك بنظرة
فإن تنظريني بالرضى تشف علتي
…
وإن تظفريني باللقا تطف غلتي
وإن تذكريني والحياة بقيدها (2)
…
عدلت لأمتي منيتي بمنيتي
وإن تذكريني بعدما أسكن الثرى
…
تجلت دجاه عند ذاك وولت
صليني وإلا جددي الوعد تدركي
…
صبابة نفس أيقنت بتفلت (3)
فما أم بو هالك بتنوفة
…
أقيم لها خلف الحلاب فدرت
فلما رأته لا ينازع خلفها
…
إذا هي لم ترسل عليه وضنت
بكت كلما راحت عليه وإنها
…
إذا ذكرته آخر الليل حنت
بأكثر مني لوعة غير أنني
…
رأيت وقار الصبر أحسن حلية
فرحت كما أغدو إذا ما ذكرتها
…
أطامن أحشائي على ما أجنت
(1) ص ق: يبدي.
(2)
ص ق: تعيدها.
(3)
ق: بتعلة.
أهون ما ألقاه إلا من القلى
…
هوى ونوى نيل الرضى منك بغيتي
أخوض الصلا، أطفي العلا والعلو لا
…
أصل السلا، أرعى الخلا بين عبرتي
ألا قاتل الله الحمامة غدوة
…
لقد أصلت الأحشاء نيران لوعة (1)
وقاتل مغناها وموقف شجوها
…
على الغصن ماذا هيجت حين غنت
فغنت غناء أعجمياً فهيجت
…
غرامي من ذكرى عهود تولت
فأرسلت الأجفان سحباً وأوقدت
…
جواي الذي كانت ضلوعي أكنت
نظرت بصحراء البريقين نظرة
…
وصلت بها قلبي فصل (2) وصلت
فيا لهما قلباً شجياً ونظرة
…
حجازية لو جن طرف لجنت
وواعجباً للقلب كيف اعترافه
…
وكيف بدت أسراره خلف سترة
وللعين لما سوئلت كيف أخبرت
…
وللنفس لما وطنت كيف ذلت
وكنا سلكنا في صعود من الهوى
…
يسامي بأعلام العلا كل رتبة (3)
إلى مستوى ما فوقه فيه مستوى
…
فلما توافينا ثبت وزلت
وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا
…
على نحر قربان لدى فبر شيبة
مؤكدة بالنذر أيام عهده
…
فلما تواثقنا شددت وحلت ومن فصل الاحتفال:
أزور اعتماراً أرضها بتنسك
…
وأقصد حجاً بيتها بتحلة
وفي نشأتي الأخرى ظهرت بما علت
…
له نشأتي الأولى على كل فطرة
ولولا خفاء الرمز من لا ولن ولم
…
تجدها لشملي مسلكاً بتشتت
ولو لم يجدد عهدنا عقد خلة
…
قضيت ولم يقض المنى صدق توبة
(1) ما وضعته بين قوسين صغيرين هو تضمين من قصائد تائية مختلفة بعضها لأعراب وبعضها من تائية كثير عزة.
(2)
ق ص: فضل.
(3)
ق ص: زينة.
بعثت إلى قلبي بشيراً بما رأت
…
على قدم عيناي منه فكفت
فلم يعد أن شام البشارة شام ما
…
جفا الشام من نور الصفات الكريمة
فيا لك من نور لو أن التفاتة
…
تعارض منه بالنفوس النفيسة
تحدث أنفاس الصبا أن طيها
…
بما حملته من حراقة حرقة
وتنبئ آصال الربيع عن الربى
…
وأشجاره أن قد تجلت فجلت
وتخبر أصوات البلابل أنها
…
تغنت بترجيعي على كل أيكة
فهذا جمالي منك في بعد حسرتي
…
فكيف به إن قربتني بخلة
تبدى وما زال الحجاب ولا دنا
…
وغاب ولم يفقده شاهد حضرتي
له كل غير في تجليه مظهر
…
ولا غير إلى ما محت كف غيرة
تجلي دليل، واحتجاب تنزه
…
وإثبات عرفان، ومحو تثبت
فما شئت من شيء وآليت أنه
…
هو الشيء لم تحمد فجار أليتي
وفي كل خلق منه كل عجيبة
…
وفي كل خلق منه كل لطيفة
وفي كل خاف منه مكمن حكمة
…
وفي كل باد منه مظهر جلوة
أراه بقلب القلب واللغز كامناً
…
وفي الزجر والفال الصحيح الأدلة
وفي طي أوفاق الحساب وسر ما
…
يتم من الأعداد فابدأ بستة
وفي نفثات السحر في العقد التي
…
تطوع لها كل الطباع الأبية
يصور شكلاً مثل شكل ويعتلي
…
عليه بأوهام النفوس الخبيثة
وفي كل تصحيف وعضو بذاته
…
اختلاج، وفي التقويم مجلى لرؤية
وفي خضرة الكمون تزجي شرابه
…
مواعيد عرقوب على إثر صفرة
وفي شجر قد خوفت قطع أصلها
…
فبان بها حمل لأقرب مدة (1)
وفي النخل في تلقيحه واعتبر بما
…
أتى فيه عن خير البرية واسكت
(1) سقط البيت من ق.
وفي الطابع السبي والأحرف (1) التي
…
يبين منها النظم كل خفية
وفي صنعة الطلسم والكيمياء (2) وال
…
كنوز وتغوير المياه المعينة
وفي حرز أقسام المؤدب محرز
…
وحزب أصيل الشاذلي وبكرة
وفي سيمياء الحاتمي ومذهب اب
…
ن سبعين إذ يعزى إلى شر بدعة
وفي الملل (3) الأولى وفي النحل الألى
…
بها أوهموا لما تساموا بسنة
وفي كل ما في الكون من عجب وما
…
حوى الكون إلا ناطقاً بعجيبة
فلا سر إلا وهو فيه سريرة
…
ولا جهر إلا وهو فيه كحيلة
سل الذكر عن إنصاف أصناف ما انبنى (4)
…
عليه الكلام من حروف سليمة
وعن وضعها في بعضها وبلوغ ما
…
أتت فيه أمضى عدها وتثبت
فلا بد من رمز الكنوز لذي الحجى
…
ولا ظلم إلا ظلم صاحب حكمة
ولولا سلام ساق للأمن خيفتي
…
لعاجل مس البرد خوفي لميتي
ولو لم تداركني ولكن بعطفها
…
درجت رجائي أن نعتني خيبتي
ولو لم تؤانسني عنا قبل لم ولم
…
قضى العتب مني بغية بعد وحشي
ونعم أقامت أمر ملكي بشكرها
…
كما هونت بالصبر كل بلية ومن فصل الاعتقال:
سرت بفؤادي إذ سرت فيه نظرتي
…
وسارت ولم تثن العنان بعطفة
وذلك لما أطلع الشمس في الدجى
…
محيا ابنة الحيين في خير ليلة
يمانية لو أنجدت حين أنجدت
…
لما أبصرت عيناك حياً كميت
(1) الإحاطة: في الأحرف.
(2)
ق: والكيميا وفي.
(3)
الإحاطة: المثل.
(4)
الإحاطة: ابتنى.
لأصحمة في نصحها قدم بنى
…
لكل نجاشي بها حصن ذمة
ألمت فحطت رحلها ثم لم يكن
…
سوى وقفة التوديع حتى استقلت
فلو سمحت لي بالتفات وحل من
…
مهاوي الهوى والهون جد تفلتي
ولكنها همت بنا فتذكرت
…
قضاء قضاة الحسن قدماً فصدت
أجلت خيالاً إنني لا أجله
…
ولم أنتسب منه لغير تعلة
على أنني كلي وبعضي حقيقة
…
وباطل أوصافي وحق حقيقي
وجنسي وفصلي والعوارض كلها
…
ونوعي وشخصي والهواء وصورتي
وجسمي ونفسي والحشا وغرامه
…
وعقلي وروحانيتي القدسية
وفي كل لفظ عنه ميل لمسمعي
…
وفي كل معنى منه معنى للوعتي
ودهري به عيد ليوم عروبة
…
وأمري أمري والورى تحت قبضتي
ووقتي سهود في فناء شهدته
…
ولا وقت لي إلا مشاهد غيبة
أراه معي حساً ووهماً وإنه
…
مناط الثريا من مدارك رؤيتي
وأسمعه من غير نطق كأنه
…
يلقن سمعي ما توسوس مهجتي
ملأت بأنوار المحبة باطن
…
كأنك نور في سرار سريرتي
وجليت بالإجلال أرجاء ظاهري
…
كأنك في أفقي كواكب زينة
فأنت الذي أعفيه عند تستري
…
وأنت الذي أبديه في حين شهرتي
فته أحتمل، واقطع وأصل، واعل أستفل
…
ومر أمتثل، واملل أمل، وارم أثبت
فقلبي إن عاتبته فيك لم أجد
…
لعتبي فيه الدهر موقع نكتة
ونفسي تنبو عن سواك نفاسة
…
فلا تنتمي إليك إلا بمنة
تعلقت الآمال منك بفوق ما
…
أرى دونه ما لا ينال بحيلة
وحامت حواليها وما وافقت (1) حمى
…
سحائب يأس أمطرت ماء عبرتي
فلو فاتني منك الرضى ولحقتني
…
بعفو بكيت الدهر فوت فضيلة
(1) ق: وقعت؛ ص: واقعت.
ولو كنت في أهل اليمين منعماً
…
بكيت على ما كان من أسبقية
وكم من مقام قمت عنك مسائلاً
…
أرى كل حي كل حي وميت
أتيت بفاراب أبا نصرها فلم
…
أجد عنده علماً يبرد غلتي
ولم يدر ما قولي ابن سينا سائلاً
…
فقل كيف أرجو عنده برء علتي
فهل في ابن رشد بعد هذين مرتجى
…
وفي ابن طفيل لاحتثاث مطيتي
لقد ضاع لولا أن تداركني حمى
…
من الله سعي بينهم طول مدتي
فقيض لي نهجاً إلى الحق سالكاً
…
وأيقظني من نوم جهلي وغفلتي
فحصنت أنظار الجنيد جنيدها
…
بترك فلي من رغبة ريح رهبة
وكسرت عن رجل ابن أدهم أدهماً
…
وأنقذته من أسر حب الأسرة
وعدت على حلاج سكري بصلبه
…
وألقيت بلعام التافتي بهوة
فقولي مشكور، ورأيي ناجح
…
وفعلي محمود، بكل محلة
رضيت بعرفاني فأعليت للعلا
…
وأجلسني بعد الرضى فيه جلتي
فعشت ولا ضيراً أخاف ولا قلى
…
وصرت حبيباً في ديار أحبتي
فها أنا ذا أمسي وأصبح بينهم
…
مبلغ نفسي منهم ما تمنت ومن نظمه أيضاً ما حكى عنه في الإحاطة إذ قال: وأنشدني قوله في حال قبض، وقيدتها عنه (1) :
إليك بسطت الكف أستنزل الفضلا
…
ومنك قبضت الطرف أستشعر الذلا
وها أنا ذا قد قمت يقدمني الرجا
…
ويحجم بي الخوف الذي خامر العقلا
أقدم رجلاً إن يضيء برق مطمع
…
وتظلم أرجائي فلا أنقل الرجلا
ولي عثرات لست آمل إن هوت
…
بنفسي أن لا أستقبل وأن أصلى
فإن تدركني رحمة أنتعش بها
…
وإن تكن الأخرى فأولى بي الأولى
(1) الإحاطة 2: 155.
ومن نظمه رحمه الله تعالى (1) :
وجد تسعره الضلو
…
ع وما تبرده المدامع
هم تحركه الصبا
…
بة والمهابة لا تطاوع
أمل إذا وصل الرجا
…
أسبابه فالموت قاطع
بالله يا هذا الهوى
…
ما أنت بالعشاق صانع وقال رحمه الله تعالى كما في " الإحاطة ": ومما كتبت به لمن بلغني عنه بعض الشيء (2) :
نحن، إن تسأل بناس، معشر
…
أهل ماء فجرته الهمم
عرب من بيضهم أرزاقهم
…
ومن السمر الطوال الخيم
عرضت أحسابهم أرواحهم
…
دون نيل العرض وهي الكرم
أورثونا المجد حتى إننا
…
نرتضي الموت ولا نزدحم
ما لنا في الناس من ذنب سوى
…
أننا نلوي إذا ما اقتحموا وقال: مما قلته مذيلاً به قول القاضي أبي بكر ابن العربي:
أما والمسجد الأقصى
…
وما يتلى به نصا
لقد رقصت بنات الشو
…
ق بين جوانحي رقصا قولي:
فأقلع بي إليه هوى
…
جناحاً عزمه قصا
أقل القلب واستدعى
…
على الجثمان فاستعصى
فقمت أجول بينهما
…
فلا أدنى ولا أقصى
(1) ص: قال: ومما قلته من الشعر، وانظر الإحاطة:155.
(2)
انظر هذه القطعة وما يليها في الإحاطة 2: 155 - 156.
قال رحمه الله تعالى: ومما قلته في التورية بشأن راوي المدونة:
لا تعجبن لظبي قد دها أسداً
…
فقد دها أسداً من قبل سحنون ومن نظم مولاي الجد مما لم يذكره في الإحاطة قوله حسبما ألفي بخطه على ظهر نسخة من تأليفه القواعد:
ناديت والقلب بالأشواق محترق
…
والنفس من حيرة الإبعاد في دهش
يا معطشي من وصال كنت آمله
…
هل فيك لي فرج إن صحت واعطشي ومن نظمه ما أسنده الونشريسي إليه:
خالف هواك وكن لعقلك طائعاً
…
تجد الحقيقة عند طرف الناظر ومنه مما نسبه له المذكور، ورأيت من ينسبهما (1) لغيره:
لما رأيناك بعد الشيب يا رجل
…
لا تستقيم وأمر النفس تمتثل
زدنا يقيناً بما كنا نصدقه
…
بعد المشيب يشب الحرص والأمل وفي الإحاطة في ترجمة شعره ما صورته قال: ومما قلته من الشعر، وبه نختم الكلام (2) :
أنبت عوداً لنعماء بدأت بها
…
فضلاً وألبستها بعد اللحا الورقا
فظل مستشعراً مستدثراً أرجاً
…
ريان ذا بهجة يستوقف الحدقا
فلا تشنه بمكروه الجنى فلكم
…
عودته من جميل من لدن خلقا
وانف القذى عنه واثر الدهر منبته
…
وغذه برجاء واسقه غدقا
واحفظه من حادثات الدهر أجمعها
…
ما جاء منها على ضوء وما طرقا
(1) ق: نسبهما.
(2)
الإحاطة 2: 156.
انتهى ما قصدته من ترجمة مولاي الجد على ما اقتضاه الوقت، ولو أرسلت عنان القلم في شأنه لضاق هذا الديوان عن ذلك، ويرحم الله شيخ شيوخ شيوخنا عالم المغرب سيدي أبا العباس الونشريسي ثم التلمساني نزيل فاس صاحب المعيار وغيره إذ قال في تأليفه الذي عرف فيه بمولاي الجد لما سأله بعضهم في ذلك، وذكر ما حضره، ما نصه: ولقد استوفى شيخ شيوخنا المحقق النظار أبو عبد الله ابن مرزوق الحفيد ترجمة المقري في كتاب سماه النور البدري في التعريف بالفقيه المقري وقد تقدمت الإشارة إلى أن اسم هذا التأليف مبني على أن المقري بفتح الميم وسكون القاف، وقد علمت ما في ذلك مما مضى.
قلت: وقد ملكت بفاس مجلداً ضخماً بخط مؤلفه، وهو أحد علماء مدينة فاس، ألفه برسم مولاي الجد، والثناء عليه، والتنويه بقدره، وذكر محاسنه، ولم يحضرني الآن لكوني تركته مع جملة كتبي بالمغرب، وقد تعلق بحفظي ما قاله في أوله من جملة أبيات:
إذا ذكرت مفاخر أهل فاس
…
ذكرنا من أتى من تلمسان
وقلنا هل رأيتم في قضاة
…
شبيهاً للفقيه العدل ثاني إلى أن قال:
ونفس العلم إن شانت لشخص
…
ما للمقري في العلم شاني [تلامذة المقري الجد]
وقد أخذ عنه رحمه الله تعالى جماعة أعلام مشهورون، منهم لسان الدين ابن الخطيب ذو الوزارتين، والوزير أبو عبد الله ابن زمرك، والأستاذ العلامة أبو عبد الله القيجاطي الآية في علم القراءات، والشيخ الفقيه القاضي الرحال
الحاج أبو عبد الله محمد بن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الزموري الدار المعروف بنقشابو، والولي ابن خلدون صاحب التاريخ، وفي بعض المواضع يعبر عنه بصاحبنا، وفي بعضها بشيخنا، والنظار أبو إسحاق الشاطبي، والعلامة أبو محمد عبد الله ابن جزي، والحافظ ابن علاق، وغيرهم ممن يطول تعداده، ولا كالشيخ الشهير الكبير العارف بالله سيدي محمد بن عباد الرندي (1) شارح حكم ابن عطاء الله فإنه ممن يفتخر مولاي الجد رحمه الله تعالى بكون مثله تلميذاً له، ولا بأس أن نورد ترجمته تبركاً به في هذا الكتاب، واو لم تقتضه المناسبة التي راعيناها في هذا التأليف، فكيف وقد اقتضته فنقول:
[ترجمة تلميذه ابن عباد الرندي]
قال في حقه صاحبه الشيخ أبو زكريا السراج، ما صورته: شيخنا الفقيه الخطيب البليغ الخاشع الخاشي، الإمام العالم المنصف السالك العارف المحقق الرباني ذو العلوم الباهرة، والمحاسن المتظاهرة، سليل الخطباء، ونتيجة العلماء، أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الفقيه الواعظ الخطيب البليغ العلم الحظي الوجيه الحسيب الأصيل أبي إسحاق إبراهيم بن أبي بكر بن عباد، كان حسن السمت، طويل الصمت، كثير الوقار والحياء، جميل اللقاء، حسن الخلق والخلق، عالي الهمة متواضعاً، معظماً عند الخاصة والعامة، نشأ ببلده رندة على أكمل طهارة، وعفاف وصيانة، وحفظ القرآن ابن سبع سنين، ثم تشاغل بعد بطلب العوم النحوية والأدبية والأصولية والفروعية، حتى رأس فيها وفهم معانيها، ثم أخذ في طريق الصوفية والمباحثة على الأسرار الإلهية حتى أشير إليه، وتكلم في علوم الأحوال والمقامات والعلل والآفات وألف فيه تواليف عجيبة وتصانيف
(1) ترجمة ابن عباد الرندي في نيل الابتهاج: 287 نقلا عن فهرسة السراج وابن الخطيب القسمطيني مؤلف أنس الفقير (وترجمة ابن عباد فيه ص: 79) .
بديعة غريبة (1) ، وله أجوبة كثيرة في مسائل العلوم نحو مجلدين، ودرس كتباً وحفظها أو جلها كشهاب القضاعي والرسالة ومختصري ابن الحاجب وتسهيل ابن مالك ومقامات الحريري وفصيح ثعلب وغيرها، وقوت القلوب؛ أخذ ببلده رندة عن أبيه القرآن وغيره، وعن خاله الشيخ الفقيه القاضي عبد الله الفريسي العربية وغيرها، وعن الشيخ الفقيه الخطيب أبي الحسن علي بن أبي الحسن الرندي حرف نافع، وعرض عليه الرسالة، وبتلمسان وفاس عن السيد الشريف الإمام العالم العلامة المحقق أبي عبد الله التلمساني الحسني جمل الخونجي تفهماً وغيره، وعن الشيخ الفقيه القاضي العالم أبي عبد المقري كثيراً من المختصر الفرعي لابن الحاجب وفصيح ثعلب وبعض صحيح مسلم كلها تفقهاً، وعن الشيخ الفقيه العالم أبي محمد عبد النور العمراني الموطأ والعربية، وعن الإمام العالم أبي عبد الله الآبلي الإرشاد لأبي المعالي وجميع كتاب ابن الحاجب الأصلي وعقيدة ابن الحاجب تفقهاً، وعن الشيخ الفقيه الحافظ أبي الحسن الصرصري بعض التهذيب تفقهاً، وعن الشيخ الأستاذ المقرىء الصالح أحمد بن عبد الرحمن المجاصي شهر بالمكناسي كثيراً من جمل الزجاج وتسهيل ابن مالك، وعن الشيخ الفقيه الصالح أبي مهدي عيسى المصمودي جميع كتاب ابن الحاجب والحاجبية له أيضاً تفقهاً، وتفقه على الفقيه العالم أبي محمد الوانغيلي في كتاب ابن الحاجب الفقهي وأخذ حرف نافع، وعن الشيخ الفقيه الصالح المدرس بالحلفاويين أبي محمد عبد الله الفشتالي كثيراً من التهذيب، وعن قاضي الجماعة وخطيب الحضرة أبي عبد الله محمد بن أحمد الفشتالي كثيراً من التهذيب تفقهاً، وكذا من غيرهم، ولقي بسلا الشيخ الحاج الصالح السني الزاهد الورع أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر، وأقام معه ومع أصحابه سنين عديدة، قال: قصدتهم لوجدان السلامة معهم، ثم رحل لطنجة فلقي بها الشيخ الصوفي أبا مروان عبد الملك، قال: لازمته كثيراً
(1) غريبة: سقطت من ق ص ونيل الابتهاج.
وقرأت عليه وسمعت منه، وأنشدني من شعره ومن شعر غيره، وترددت بيني وبينه مسائل في إقامته بسلا، وانتفعت به عظيماً في التصوف وغيره، وأجازني إجازة عامة، مولده برندة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، وتوفي بعد العصر يوم الجمعة ثالث رجب عام اثنين وتسعين وسبعمائة، وحضر جنازته الأمير فمن بعده، وهمت العامة بكسر نعشه تبركاً به، ولم أر جنازة أحفل ولا أكثر خلقاً منها، ورثاه الناس بقصائد كثيرة؛ انتهى كلام السراج.
وقال غيره في حقه: محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن مالك بن إبراهيم بن محمد بن مالك بن إبراهيم بن يحيى بن عباد، النفزي نسباً، الرندي بلداً، الشهير بابن عباد، الفقيه الصوفي الزاهد الولي العارف بالله تعالى.
وقال في حقه الشيخ ابن الخطيب القسمطيني في كتابه " أنس الفقير وعز الحقير "(1) : هو الخطيب الشهير، الصالح الكبير، وكان والده من الخطباء، الفصحاء النجباء، ولأبي عبد الله هذا عقل وسكون، وزهد بالصلاح مقرون، وكان يحضر معنا مجلس شيخنا الفقيه أبي عمران [موسى] العبدوسي رحمه الله تعالى، وهو من أكابر أصحاب ابن عاشر، ومن خيار تلامذته، وأخذ عنه، وله كلام عجيب في التصوف، وصنف فيه، كما هو الآن يقرأ على الناس مع كتب التذكير، وله في ذلك قلم انفرد به، وسلم له فيه بسببه، ومن تصانيفه شرح كتاب الحكم لابن عطاء الله في سفر، رأيته وعلى ظهر نسخة منه مكتوب:
لا يبلغ المرء في أوطانه شرفاً
…
حتى يكيل تراب الأرض بالقدم ومن كلامه فيه: الاستئناس بالناس، من علامات الإفلاس، وفتح باب الأنس بالله تعالى الاستيحاش من الناس. ومن كلامه فيه: من لازم الكون وبقي معه وقصر همته عليه ولم تنفتح له طريق الغيوب الملكوتية، ولا خلص بسره إلى
(1) انظر هذا المصدر ص: 79.
فضاء مشاهدة الوحدانية، فهو مسجون بمحيطاته، ومحصور في هيكل ذاته. إلى غير ذلك من كلامه، وكان يحضر السماع ليلة المولد عند السلطان، وهو لا يريد ذلك، وما رأيته قط في غير مجلس جالساً مع أحد وإنما حظ من يراه الوقوف معه خاصة، وكنت إذا طلبته بالدعاء احمر وجهه واستحيا كثيراً، ثم يدعو لي، وأكثر تمتعه من الدنيا بالطيب والبخور الكثير، ويتولى أمر خدمته بنفسه، ولم يتزوج ولم يملك أمة، ولباسه في داره مرقعة، فإذا خرج سترها بثوب أخضر أو أبيض، وله تلامذة كلهم أخيار مباركون، وبلغني عن بعضهم أنه تصدق حين تاب على يده بعشرة آلاف دينار ذهباً، وهو الآن إمام جامع القرويين بفاس وخطيبه، وأكثر قراءته في صلاة الجمعة " إذا جاء نصر الله " وأكثر خطبته وعظ، ومثله من يعظ الناس، لأن اتعظ في نفسه، وقد أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام: يا عيسى، عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني، ذكره الغزالي؛ وعهدي به أنه على صفة البدلاء، الصادقين النبلاء، كثر الله مثله في الإسلام؛ انتهى.
قلت: وقد زرت قبره مراراً بفاس، ودعوت الله تعالى عنده، وهو عند أهل فاس بمثابة الشافعي عند أهل مصر، ومن منن الله سبحانه علي أني سكنت محله لما توليت الخطابة والإمامة بجامع القرويين من فاس المحروسة مضافين إلى الفتوى، والدار المعلومة للخطيب بالجامع المذكور إلى الآن تعرف بدار الشيخ ابن عباد، وأقمت على ذلك خمس سنين وأشهراً، ثم قوضت الرحال للمشرق، وها أنا إلى الآن فيها، والله ييسر الخير حيث كان.
وقال الشيخ سيدي أحمد زروق في شأن الشيخ ابن عباد: إنه ولد برندة، وبها نشأ في عفاف وصون، ثم رحل لفاس وتلمسان فقرأ بهما الفقه والأصول والعربية، ثم عاد فصحب بمدينة سلا أفضل أهل زمانه علماً وعملاً سيدي أحمد
ابن عاشر، فأظهر الله تعالى عليه من بركاته ما لا يخفى على متأمل، ثم نقل بعد وفاة الشيخ فجعل خطيباً بجامع القرويين من مدينة فاس، وبقي بها خمس عشرة سنة خطيباً، فتوفاه الله تعالى بها بعد صلاة العصر من يوم الجمعة رابع رجب سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، ودفن بكدية البراطل من داخل باب الفتوح، وكان رضي الله عنه إذا صمت وسمت، وتجمل وزهد، معظماً عند الكافة، معولاً في حل المشكلات على فتح الفتاح العليم:
ومن علمه أن ليس يدعى بعالم
…
ومن فقره أن لا يرى يشتكي الفقرا
ومن حاله أن غاب شاهد حاله
…
فلا يدعي وصلاً ولا يشتكي هجرا كذا رأيت بخط من أثق به في تعريفه مختصراً مع زيادة ما تحققت، وكتبه شاهدة بكماله علماً وعملاً، فهي كافية في تعريفه، وكان الذي طلبه في وضع الشرح على الحكم سيدي أبو زكريا السراج الذي أكثر رسائله له وسيدي أبو الربيع سليمان بن عمر؛ انتهى.
وقال في موضع آخر: سيدنا العارف المحقق الخطيب البليغ نسيج وحده، ومقدم من أتى بعده، أبو عبد الله، قرأ بفاس وتلمسان العربية والأصول والفقه ككتاب الإرشاد ومختصر ابن الحاجب الفقهي والأصلي وتسهيل ابن مالك، وتوفي بفاس، وقبره بها مشهور، ومزيته معروفة شرقاً وغرباً، وقد كتب مسائل معروفة أكثرها لسيدي يحيى السراج، وله كتب الشرح مع سيدي سليمان بن عمر الذي قال في حقه: إنه ولي بلا شك، بطلبهما لذلك، ورأيت كتاباً في الإمامة سماه " تحقيق العلامة في أحكام الإمامة " فذكرته لشيخنا القوري رحمه الله تعالى، وكان معتنياً بكتبه معولاً عليها في حاله، فقال: أظنه لوالده سيدي إبراهيم، وقد كان خطيباً بالقصبة إذ كانت عامرة، وله خطب عظيمة الفصاحة، حسنة الموقع؛ انتهى.
وقال الشيخ أبو يحيى ابن السكاك: أما شيخي وبركتي أبو عبد الله ابن عباد
رضي الله عنه فإنه شرح الحكم وعقد درر منثورها في نظم بديع، وجمعت من إنشائه مسائل مدارها على الإرشاد إلى البراءة من الحول والقوة، فيها نبذ كأنفاس الأكابر، مع حسن التصرف في طريق الشاذلي، وجودة تنزيله على الصور الجزئية، وبسط التعبير، مع إنهاء البيان إلى أقصى غاياته، والتفنن في تقريب الغامض إلى الأذهان بالأمثلة الوضعية، فقرب بها حقائق الشاذلية تقريباً لم يسبق إليه، كما قرب الإمام ابن رشد مذهب مالك تقريباً لم يسبق إليه، وكان مع ذلك آية في التحقق بالعبودية والبراءة من الحول والقوة وعدم المبالاة بالمدح والذم، بل له مقاصد نفيسة في الإعراض عن الخلق، وعدم المبالاة بهم، وأعظم أخلاقه التي لا يصبر عنها ويضطرب لها غاية الاضطراب أن يحضر حيث ينسى الحق، لا سيما إن كان نسيان الحق بالنسبة إليه، فهو الذي يقلقه، ويضيق صدره على اتساعه ووفور انشراحه عن ذلك، ولقد ذكر بعض من كان من أخص الناس به ومنقطعاً إليه أحوال رجال الرسالة القشيرية والحلية وما منحوا من المواهب، قال: فلما مات الشيخ واستبصرت ما أشاهده منه من أفعال تدل على القطع بصديقيته لاح لي أن لتك الصفات التي يذكر مشخصة فيه، نشاهدها عياناً، ولو لم أر الشيخ لقلت: إنني لم أر كمالاً، وعلى الجملة فهو واحد عصره بالمغرب، ذكر لي عن قطب المعقول بالمغرب والمشرق الآبلي أنه كان يشير إليه في حال قراءته عليه، أعني الشيخ ابن عباد، ويقول: إن هناك علماً جماً لا يوجد عند مشاهير أهل ذلك الوقت، إلا أنه كان لا يتكلم رضي الله عنه، وشهد له المقطوع بولايتهم بالتقدم، وأقروا له بالشيخوخة، وتبركوا به، كسيدي سليمان اليازغي (1) وسيدي محمد المصمودي وسيدي سليمان ابن يوسف ابن عمر الأنفاسي (2) وأمثالهم، وكان شيخه الحجة الورع أحمد ابن عاشر يشيد بذكره، ويقدمه على سائر أصحابه، ويأمرهم بالأخذ عنه، والانتفاع به،
(1) ق: البازغي، وهو خطأ.
(2)
انظر سلوة الأنفاس 3: 156.
والتسليم له، ويقول: بان عباد أمة وحده، ولا شك أنه كذلك كان، أعني غريباً فإن العارف غريب الهمة بعيد القصد، لا يجد مساعداً على قصده. وكان الغالب عليه الحياء من الله تعالى، والتنزل بين يدي عظمته، وتنزيله نفسه منزلة أقل الحشرات، لا يرى لنفسه مزية على مخلوق، لما غلب عليه من هيبة الجلال وعظمة المالك وشهود المنة، نظاراً إلى جميع عباد الله تعالى بعين الرحمة والشفقة والنصيحة العامة، مع توفية المراتب حقها، والوقوف مع الحدود الشرعية واعبارهم من حيث مراد الله تعالى بهم، هذا دأبه مع الطائع والعاصي ما لم يظهر له من أحد مخايل حب التعظيم والمدح والتجبر على المساكين ورؤية الحق إذ هي دعوى لا تليق بالعبد، ومن كانت هذه صفته فقد وصل حد الخذلان، بل هي علامة تقارب القطع على أنه شقي مسلم إلى غضب الله تعالى ومقته، أعاذنا الله تعالى منه. وكان من حال هذا السيد تألف قلوب الأولاد الصغار، فهم يحبونه محبة تفوق محبته لآبائهم وأمهاتهم، فينتظرون خروجه للصلاة وهم عدد كثير، يأتون منكل أوب ومن المكاتب البعيدة، فإذا رأوه ازدحموا على تقبيل يده. وكذا كان ملوك زمانه يزدحمون عليه، ويتذللون بين يديه، فلا يحفل بذلك. وذكر لي بعض تلامذته أن أقواله تشبه (1) أفعاله، لما منحه الله تعالى من فنون الاستقامة، مع ما في كلامه من النور والحلاوة التي استفزت ألباب المشارقة، بحيث صار لهم بحث عريض (2) على تواليفه؛ انتهى كلام ابن السكاك.
وله من التواليف: الرسائل الكبرى، والصغرى (3) ، وشرح الحكم، ونظمها في ثمانمائة بيت من الرجز.
وحدث الشيخ أبو مسعود الهراس قال: كنت أقرأ في صحن جامع القرويين
(1) ق ص: لا تشبه.
(2)
ق: تحريض.
(3)
طبع هذان الكتابان أولهما بفاس سنة 1320 والثاني ببيروت سنة 1958.
والمؤذنون يؤذنون بالليل، فإذا أبو عبد الله ابن عباد قد خرج من باب داره، وجاء يطير في الصحن كأنه جالس متربع حتى دخل في البلاط الذي حول الصومعة، ثم مشيت فوجدته يصلي حول المحراب، وسأله السراج عن أبي حامد الغزالي، فقال: هو فوق الفقهاء وأقل من الصوفية.
ومما نقل من خطه رحمه الله تعالى ولا يدرى هل هي له أم لا:
الحزم قبل العزم فاحزم واعزم
…
وإذا استبان لك الصواب فصمم
واستعمل الرفق الذي هو مكسب
…
ذكر القلوب وجد وأجمل واحلم
واحرص وسر واشجع وصل وامنن وصل
…
واعدل وأنصف وارع واحفظ وارحم
وإذا وعدت فعد بما تقوى على
…
إنجازه وإذا اصطنعت فتمم وذكر الشيخ الفقيه الخطيب القاضي الحاج الرحيل أبو سعيد ابن أبي سعيد السلوي أنه رأى في حائط جامع القرويين أبياتاً مكتوبة بفحم بخط الشيخ أبي عبد الله ابن عباد وهي (1) :
أيتها النفس إليه اذهبي
…
فحبه المشهور من مذهبي
مفضض الثغر له نقطة
…
من عنبر في خده المذهب
أيأسني التوبة من حبه
…
طلوعه شمساً من المغرب قال الشيخ أبو سعيد: فاستشكلت هذه الأبيات لما اشتملت عليه من التغزل، وذكر الخال والخد والثغر، ومقام الشيخ ابن عباد يجل عن الاشتغال بمثل هذا، فلقيت يوماً أبا القاسم الصيرفي، فذاكرته بالقصة ووجه الإشكال فيها، فقال لي: مقامك عندي أعلى من أن تستشكل مثل هذا، هذه أوصاف ولي الله القائم بأمر الله المهدي، فشكرته على ذلك؛ انتهى.
(1) قد مرت هذه الأبيات ج 4 ص: 14 منسوبة خطأ لابن خروف وهي لابن طلحة الصقلي، وانظر ما يجيء ص:482.
قلت: رأيت بخط الونشريسي إثر هذه الحكاية ما نصه: قلت في صحة هذه الحكاية عن الشيخ نظر، لما احتوت عليه من تعبير الحسن، وقدر الشيخ وورعه أعلى من هذا، فهذان إشكالان، والله أعلم.
وحكى (1) أن الشيخ ابن عباد رحمه الله تعالى لما احتضر جعل رأسه في حجر أبي القاسم هذا، وأخذ في قراءة آية الكرسي إلى قوله " الحي القيوم " ثم يقول: يا الله يا حي يا قيوم، فيلقنه من حضر " لا تأخذه سنة ولا نوم " فيمتنع الشيخ من قراءتها ويقول: يا الله يا حي يا قيوم، فلما قربت وفاته سمع منه هذا البيت وكان آخر ما تكلم به:
ما عودوني أحبابي مقاطعة
…
بل عودوني إذا قاطعتهم وصلوا ولما توفي الشيخ ابن عباد رضي الله عنه في التاريخ المتقدم حضر جنازته السلطان أمير المسلمين أبو العباس أحمد ابن السلطان أبي سالم وأهل البلدتين يعني فاساً الجديد التي هي مسكن السلطان وخواص أتباعه، وفاساً العتيق التي هي محل الأعلام والخاص والعام من الناس في ذلك القطر، إذ هي إذ ذاك حضرة الخلافة وقبة الإسلام في المغرب ويقدم بعده للإمامة والخطبة بجامع القرويين نائبه أيام مرضه الشيخ الصالح الورع أبو زيد عبد الرحمن الزرهوني حسبما قاله الجاديري رحمه الله تعالى.
وحكى الونشريسي رحمه الله تعالى أن الشيخ ابن عباد كلم ابن دريدة الوالي في مظلمة، فلم يقبل، فلما كان يوم الجمعة ونزل السلطان أبو العباس الصلاة بجامع القرويين وراء الشيخ ابن عباد، قال الشيخ في خطبته: من الأمور المستحسنة، أن لا يبقى الوالي سنة؛ انتهى.
وللشيخ ابن عباد خطب مدونة بالمغرب مشهورة بأيدي الناس، ويقرؤون
(1) ق: ثم.
منها ما يتعلق بالمولد النبوي الشريف بين يدي السلطان تبركاً بها، وكذا يقرؤونها في المجتمعات في المواسم، كأول رجب وشعبان ونصفهما والسابع والعشرين منهما، كرمضان، وقد حضرت بمراكش المحروسة سنة عشر وألف قراءة كراسة الشيخ في المولد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام بين يدي مولانا السلطان المرحوم أحمد المنصور بالله الشريف الحسني رحمه الله تعالى، وقد احتفل لذلك المولد بأمور يستغرب وقوعها، جازاه الله تعالى عن نيته خيراً وقد أشرت إلى ذلك في كتابي الموسوم بروضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس وسردت جملة من القصائد والموشحات في وصف ذلك الصنيع (1) ، ورحمة الله وراء الجميع.
رجع إلى مشايخ لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى فنقول:
4 -
ومنهم: الشيخ الفقيه القاضي بمكناسة الزيتون أبو محمد عبد الحق ابن سعيد بن محمد (2)، ذكره في نفاضة الجراب وقال: إنه لقيه بمكناسة الزيتون سنة إحدى وستين وسبعمائة، وكان من أهل المعرفة والحصافة (3) ، قائماً على كتاب أبي عمرو ابن الحاجب في مذهب مالك، وكان ممتازاً به فيما دون تلمسان، قرأه على الشيخين علمي الأفق المغربي أبي موسى وأبي زيد ابني الإمام عالمي تلمسان والمغرب جميعاً قال لسان الدين في النفاضة: وتصدر المذكور لإقراءه الآن، فمل شئت من اضطلاع، ومعرفة واطلاع، وقيد جزءاً نبيلاً على فتوى الإمام القاضي أبي بكر ابن العربي المسماة بالحاكمة، وسماه
(1) نقص هذا المصدر من أوله، ولكن ما تبقى من ص 5 - 14 يدل على ما يشير المؤلف إليه.
(2)
ترجمة عبد الحق بن سعيد في نيل الابتهاج: 164 نقلا عن الروض الهتون عن نفاضة الجراب، وقال كان حيا سنة 761هـ.
(3)
نيل الابتهاج: والفصاحة.
ب " الخادمة (1) على الرسالة الحاكمة " أجاد فيه وأحسن، وقرأت عليه بعضه وأذن في تحمله؛ انتهى.
5 -
ومن أشياخ لسان الدين الذين لقيهم بمكناسة الزيتون الفقيه الفاضل الخير يونس بن عطية الونشريسي، له عناية بفروع الفقه، وولي القضاء بقصر كتامة.
6 -
ومنهم الفقيه الفاضل الخير أبو عبد الله محمد ابن أحمد ابن أبي عفيف (2) ، المتصدر لقراءة كتاب الشفاء النبوي، لديه جملة حسنة من أصول الفقه أشف بها على كثير من نظرائه قراءة منه إياها على أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل الصباغ، وشاركه في قراءتها على الإمام أبي عبد الله الآبلي.
7 -
ومنهم الفقيه المدرك الأستاذ في فن العربية: أبو علي عمر بن عثمان الونشريسي (3)، قال لسان الدين: حضرت مذاكرته في مسألة أعوزت (4) عليه، وطال عنها سؤاله، وهي قول الشاعر:
الناس أكيس من أن يمدحوا رجلاً
…
ما لم يروا عنده آثار إحسان وصورة السؤال: كيف [صح] وقوع أفعل بين شيئين لا اشتراك بينهما في الوصف؛ إذ أوقع الشاعر " أكيس " بين الناس وبين أن يمدحوا، وهو مؤول بالمصدر وهو المدح، ولا يوصف بذلك؛ انتهى.
قلت: الإشكال مشهور، والجواب عنه بضرب من المجاز ظاهر، وقد
(1) نيل الابتهاج: الخارجة، وفي التجارية: الجازمة.
(2)
ترجمة ابن أبي عفيف في نيل الابتهاج: 248 نقلا عن نفاضة الجراب.
(3)
ترجمة عمر الونشريسي في نيل الابتهاج: 178 نقلا عن نفاضة الجراب وتوفي بفاس سنة 810 (عن الروض الهتون لابن غازي) .
(4)
ق: رسالة أغورت.
أشار إليه أبو حيان في الارتشاف وجماعة آخرون في قول بعض المؤلفين كصاحب التلخيص أكثر من أن تحصى ولولا السآمة لذكرت ما قيل في ذلك، وخلاصة ما قالوه أن في الكلام تقديراً، والله أعلم.
8 -
وممن لقيه لسان الدين بمكناسة الزيتون الفقيه العدل الأخباري الأديب المشارك أبو جعفر أحمد بن محمد بن إبراهيم الأوسي الخباز، من أهل الظرف والانطباع والفضيلة، وهو كاتب عاقد للشروط، ناظم ناثر مشارك في فنون من العلم، مؤلف، وقد ذكرنا في غير هذا المحل ما دار بينه وبين لسان الدين من المحاورة والمراجعة، فليراجع، قال لسان الدين رحمه الله تعالى: ناولني المذكور تأليفه الحسن الذي سماه المنهل المورود في شرح المقصد المحمود شرح فيه وثائق الجزيري فأربى بياناً وإفادة وإجادة، وأذن لي في حمله عنه، وهو في ثلاث مجلدات، وأنشدني كثيراً من شعره.
9 -
ومنهم القاضي بها أبو عبد الله ابن أبي رمانة (1)، قال لسان الدين: لقيته بمكناس، وكان من أهل الحياء والحشمة، وذوي السذاجة والعفة، ثم ذكر ما داعبه به حين تأخر عن لقائه، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع.
10 -
وممن لقيه لسان الدين بمكناس الفقيه العدل أبو علي الحسن بن عثمان ابن عطية (2) الونشريسي، قال: وكان فقيهاً عدلاً من أهل الحساب، والقيام على الفرائض، والعناية بفروع الفقه، ومن ذوي السذاجة والفضل، ويقرض الشعر، وله أرجوزة في الفرائض مبسوطة العبارة مستوفية المعنى؛ انتهى.
وقال ابن الأحمر في حقه: هو شيخنا الفقيه المفتي المدرس القاضي الفرضي الأديب، الحاج أبو علي ابن الفقيه الصالح أبي سعيد عثمان التجاني المنعوت
(1) هو محمد بن علي بن أبي رمانة المكناسي قاضي مكناس (الديباج: 249) وانظر ص: 143.
(2)
نيل الابتهاج: 89 نقلا عن نفاضة الجراب وعن ابن الأحمر؛ والمقري ينقل عن التنبكي.
بالونشريسي، أجازني عامة، أخذ عن الفقيه المفتي الأديب الخطيب المعمر القاضي المحدث الراوية خاتمة المحدثين بالمغرب أبي البركات ابن الحاج البلفيقي؛ انتهى.
ومولده في حدود أربع وعشرين وسبعمائة.
وذكر صاحب " المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي إفريقية والأندلس والمغرب " جملة من فتاويه وقال في وثائقه، وقد أجرى ذكره، ما صورته: إن بلدينا الشيخ القاضي العلامة أبا علي الحسن وقعت له قضية مع عدول مكناسة، وذلك أم السلطان أبا عنان فارساً كان أمر بالاقتصار على عشرة من الشهود بمدينة مكناسة وكتب اسم الشيخ أبي علي هذا في العشرة، فشق ذلك على بعض شيوخ العدول المؤخرين لحداثة سن أبي علي، فلما علم تشغيبهم صنع رجزاً ورفعه إلى مقام المتوكل على الله أبي عنان نصه:
نبدأ أولاً بحمد الله
…
ونستعينه على الدواهي
ثم نوالي بالصلاة والسلام
…
على نبي (1) دونه كل الأنام
وبعد ذا نسأل رب العالمين
…
أن يهب النصر أمير المؤمنين
خليفة الله أبا عنان
…
لا زال في خير وفي أمان
ملكه الله من البلاد
…
من سوس الأقصى إلى بغداد
ويسر الحجاز والجهادا
…
وجعل الكل له مهادا
يا أيها الخليفة المظفر
…
دونك أمري إنه مفسر
عبدكم نجل عطية الحسن
…
قد قيل لا يشهد إلا إن أسن
وهو في أمركم المعهود
…
من جملة العشرة الشهود
نص عليه أمركم تعيينا
…
وسنه قارب أربعينا (2)
(1) ق ونيل الابتهاج: على النبي.
(2)
ق: الأربعينا.
مع الذي ينتسب العبد إليه
…
من طلب العلم وبحثه عليه
على الفرائض له أرجوزه
…
أبرز في نظامها إبريزه
ومجلس له على الرساله
…
فكيف يرجو حاسد زواله
حاشا أمير المؤمنين ذاكا
…
وعدله قد بلغ السماكا
وعلمه قد طبق الآفاقا
…
وحلمه قد جاوز العراقا
وجوده مشتهر في كل حي
…
قصر عن إدراكه حاتم طي وحكى بعض الحفاظ أنه لما بلغت الأبيات السلطان أمر بإقراره على ذلك، وقد وقفت على رجزه المذكور، وله شرح عليه لم أره، والظاهر أنه ممن تدبج معه لسان الدين، رحم الله الجميع؛ وهو معدود في جملة من لقيه.
11 -
ومن مشايخ لسان الدين رحمه الله ذو الكرامات الكثيرة والمقامات الكبيرة، سيدي الحاج أبو العباس أحمد ابن عاشر الصالح (1) المشهور، كان لسان الدين رحمه الله تعالى حريصاً على لقائه بسلا أيام كان بها، وقد لقيه، ولم يتمل منه لشدة نفوره من الناس، خصوصاً أصحاب الرياسة، ولذا قال لسان الدين، لما ذكر أنه لقيه في مفاضة الجراب، ما صورته: يسر الله لقائه على تعذره؛ انتهى.
وسنترجم الولي المذكور في نظم لسان الدين حيث وصفه بقوله:
بولي الله فابدأ وابتدر
…
وقبره الآن بسلا محط رجاء (2) الطالبين، وكعبة قصد الراغبين، تلوح عليه أنوار العناية، وتستمد منه أنواء الهداية، وهو على ساحل البحر المحيط بخارج مدينة سلا المحروسة، وقد زرته ولله الحمد عند توجهي إلى حضرة مراكش
(1) ترجمة أحمد بن عاشر في نيل الابتهاج: 48 وأنس الفقير: 7 وكانت وفاته سنة 765.
(2)
ق: رحال.
سنة ألف وتسعة، والناس يشدون الرحال إليه من أقطار المغرب، نفعنا الله تعالى به، وأعاد علينا من بركاته، بجاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
رجع إلى مشايخ لسان الدين الوزير ابن الخطيب رحمه الله تعالى.
12 -
ومنهم الأستاذ المحقق العلامة الكبير النحوي الشهير أبو عبد الله محمد بن علي الفخار البيري، رحمه الله تعالى (1) .
كان شيخ النحاة بالأندلس غير مدافع، وأخذ عنه خلق كثيرون كالشاطبي أبي إسحاق صاحب شرح الألفية والوزير ابن زمرك وغيرهما، وقد حكى عنه مسائل غريبة تلميذه الشاطبي، وقال لسان الدين في الإحاطة في ترجمة مشيخته ما صورته: ولازمت قراءة العربية والفقه والتفسير والمعتمد عليه العربية على الشيخ الأستاذ الخطيب أبي عبد الله ابن الفخار البيري، الإمام المجمع على إمامته في فن العربية، المفتوح عليه من الله تعالى فيها حفظاً واطلاعاً واضطلاعاً ونقلاً وتوجيهاً بما لا مطمع فيه لسواه؛ انتهى.
ولنورد بعض فوائد ابن الفخار فنقول:
ومن فوائد ابن الفخار المذكور التي حكاها عن الشاطبي قوله: حدثني أن بعض الشيوخ كان إذا أتي بإجازة يشهد فيها سأل الطالب المجاز عن لفظ إجازة ما وزنه وما تصريفه ثم قال الشاطبي: ولما حدثنا بذلك سألناه عنها فأملى علينا ما نصه: وزن إجازة في الأصل إفعالة، وأصلها إجوازة فأعلت بنقل حركة الواو إلى الجيم حملاً على الفعل الماضي استثقالاً، فتحركت الواو في الأصل وانفتح ما قبلها في اللفظ، فانقلبت ألفاً، فصارت إجازة بألفين فحذفت الألف الثانية، عند سيبويه لأنها زائدة والزائد أولى بالحذف من الأصلي، وحذفت
(1) ترجمة ابن الفخار في الكتيبة الكامنة: 70 والإحاطة (الورقة: 27) إلا أن كنيته فيها " أبو بكر "؛ وبغية الوعاة: 80 وغاية النهاية 2: 200 وكانت وفاته سنة 723.
الأولى عند الأخفش لأنها لا تدل على معنى وهو المد، وقول سيبويه أولى، لأنه قد ثبت عوض التاء من المحذوف في نحو " زنادقة " والتاء الزائدة، وتعويض الزائد من الزائد أولى من تعويض الزائد من الأصلي، للتناسب، ووزنها في اللفظ عند سيبويه إفعلة وعند الأخفش إفال لأن العين عنده محذوفة؛ انتهى.
وقال الشاطبي رحمه الله تعالى: لما توفي شيخنا الأستاذ الكبير، العلم الخطير، أبو عبد الله ابن الفخار سألت الله عز وجل أن يرينيه في المنام فيوصيني بوصية أنتفع بها في الحالة التي أنا عليها من طلب العلم، فلما نمت في تلك الليلة رأيت كأني أدخل عليه في داره التي كان يسكن بها، فقلن له: يا سيدي أوصني، فقال لي: لا تعترض على أحد، ثم سألني بعد ذلك مسألة من مسائل العربية كالمؤنس لي، فأجبته عنها، ولا أذكرها الآن؛ انتهى.
وقال الشاطبي أيضاً ما صورته: حدثنا الأستاذ الكبير الشهير أبو عبد الله محمد بن الفخار شيخنا - رحمه الله تعالى - قال (1) : حدثني بسبتة بعض المذاكرين أن ابن خميس لما ورد عليها بقصد الإقراء بها اجتمع إليه عيون طلبتها، فألقوا عليه مسائل من غوامض الاشتغال، فحاد عن الجواب عنها بأن قال لهم: أنتم عندي كرجل واحد، يعني أن ما ألقوا عليه من المسائل إنما تلقوها من رجل واحد، وهو ابن أبي الربيع، فكأنه إنما يخاطب رجلاً واحداً ازدراء بهم، فاستقبله أصغر القوم سناُ وعلماً بأن قال له: إن كنت بالمكان الذي تزعم فأجبني عن هذه المسائل من باب معرفة علامات الإعراب التي أذكرها لك، فإن أجبت فيها بالصواب لم تحظ بذلك في نفوسنا لصغرها بالنظر إلى تعاطيك من الإدراك والتحصيل، وإن أخطأت فيها لم يسعك هذا البلد، وهي عشر: الأولى أنتم يا زيدون تغزون، والثانية أنتن يا هندات تغزون، والثالثة أنتم يا زويدن ويا هندات تغزون، والرابعة أنتن يا هندات تخشين، والخامسة
(1) قارن بما ورد في أزهار الرياض 2: 297 - 301.
أنت يا هند تخشين، والسادسة أنت يا هند ترمين، والسابعة أنتن يا هندات ترمين، والثامنة أنتن يا هندات تمحون أو تمحين، كيف تقول والتاسعة أنت يا هند تمحين أو تمحون، كيف تقول والعاشرة أنتما تمحوان أو تمحيان، كيف تقول وهل هذه الأفعال كلها مبنية أو معربة أو بعضها مبني وبعضها معرب وهل هي كلها على وزن واحد أو على أوزان مختلفة علينا السؤال وعليك التمييز لنعلم الجواب، فبهت الشيخ، وشغل المحل بأن قال: إنما يسأل عن هذا صغار الولدان، قال له الفتى: فأنت دونهم إن لم تجب، فانزعج الشيخ، وقال: هذا سوء أدب، ونهض منصرفاً، ولم يصبح إلا بمالقة متوجهاً إلى غرناطة حرسها الله تعالى، ولم يزل بها مع الوزير ابن الحكيم إلى أن مات رحمة الله تعالى عليه؛ انتهى.
ثم قال الشاطبي: والجواب عن هذه المسائل ما يذكر: أما الجواب عن تغزون الأولى فإنه معرب، ووزنه أصلاً تفعلون، ولفظاً تفعون، وعن الثانية فبني للحاق نون الإناث ووزنه تفعلن، وعن الثالثة على التغليب فعلى رده بالأول يلحق بالأول، وللثاني كالثاني، وأما تخشين من الرابعة فمبني للنون ووزنه تفعلن، وعن الخامسة فمعرب، ووزنه أصلاً تفعلين ولفظاً تفعين، وأما ترمين من السادسة فمعرب، ووزنه أصلاً تفعلين، ولفظاً تفعين، ومن السابعة مبني للنون، ووزنه تفعلن، وأما تمحون وتمحين من الثامنة فهما لغتان، وهما مبنيان للنون، والتاسعة لا يقال إلا تمحين، بالياء خاصة لتتفق اللغتان، ووزنهما تفعين كتخشين، وأما تمحيان من العاشرة فعلى لغة الياء لا إشكال وعلى الواو فيظهر من كلام النحويين أنه لا يجوز إلا بالواو؛ انتهى.
وقد أورد هذه الحكاية عالم الدنيا سيدي أبو عبد الله محمد بن مرزوق رحمه الله تعالى في شرحه الواسع العجيب المسمى " تمهيد المسالك إلى شرح ألفية ابن مالك " ونص محل الحاجة منه: وقد حكي أن بعض طلبة سبتة أورد
على أبي عبد الله ابن خميس عشر مسائل من هذا النوع، وهي: أنتم يا زيدون تغزون، وأنتن يا هندات تغزون، وأنتم يا زيدون ويا هندات تغزون، وأنتن يا هندات تخشين، وأنت يا هند تخشين، وأنت يا هند ترمين وأنتن يا هندات ترمين، وأنتن يا هندات تمحون أو تمحين، كيف تقول وأنت يا هند تمحون أو تمحين، كيف تقول وأنتما تمحوان أو تمحيان، على لغة من قال محوت، كيف تقول وهل هذه الأمثلة كلها مبنية أو معربة أو مختلفة وهل وزنها واحد أو مختلف قالوا: ولم يجب بشيء، قلت ولعله استسهل أمرها، فأما المثال الأول فمعرب، وزنه تفعلون كتنظرون، إذ أصله تغزوون، فاستثقلت ضمة الواو التي هي لا فحذفت، ثم حذفت الواو أيضاً لالتقائها ساكنة مع واو الضمير، وكانت أولى بالحذف لأن واو الضمير فاعل، ولغير ذلك مما تقدم بعضه، وأما الثاني فمبني ووزنه تفعلن كتخرجن، وأما الثالث فكالأول إعراباً ووزناً لأن فيه تغليب المذكر على المؤنث، وأما الرابع فمبني ووزنه تفعلن، مثل تفرحن لأنه لما احتيج إلى تسكين آخر الفعل لإسناده إلى نون جماعة النسوة ردت الياء إلى أصلها لأنها إنما قلبت ألفاً لتحريكها، وانفتاح ما قبلها، والآن ذهبت حركتها لاستحقاقها السكون، وأما الخامس فمعرب ووزنه تفعلين كتفرحين، وأصله تخشيين، فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع ياء الضمير، وترك فتحة الشين دالة على الألف، وأما السادي فمعرب ووزنه تفعلين كتضربين، وأصله ترميين، حذفت كسرة الياء لاستثقالها، ثم حذفت الياء لاجتماعها ساكنة مع ياء الضمير، وأما السابع فمبني ووزنه تفعلن كتضربن، وأما الثامن والتاسع فمضارع محى ورد بالأوزان الثلاثة، فمن قال يمحو قال في المضارع من جماعة النسوة تمحون مثله من غزا بناء ووزناً، ومن قال يمحي قال فيه تمحين كترمين بناء
ووزناً، ومن قال يمحى قال فيه تمحين كتخشين بناء ووزناً، ويقال المضارع للواحدة في اللغة الأولى تمحين كتدعين، إعراباً ووزناً وتصريفاً، وقد تقدم في كلام المنصف، وعلى الثانية كما يقال لها من رمى إعراباً ووزناً وتصريفاً، وعلى الثالثة كما يقال لها من تخشى أيضاً، وقد تقدما، وليس ما وقع في السؤال كما نقل من خط بعض الشارحين أنه يقال فيها تمحون كتفرحن بشيء، وأمر التثنية ظاهر؛ انتهى بحروفه.
وما قاله رحمه الله تعالى في الاعتذار عن ابن خميس هو اللائق بمقامه، فإن مكان ابن خميس من العلوم غير منكر، وقد مدحه ابن خطاب بقوله:
رقت حواشي طبعك ابن خميس
…
فهفا قريضك لي وهاج رسيسي
ولمثله يصبو الحليم ويمتري
…
ماء الشؤون به وسير العيس
لك في البلاغة، والبلاغة بعض ما
…
تحويه من أثر، محل رئيس
نظم ونثر لا تبارى فيهما
…
عززت ذاك وذا بعلم الطوسي يعني أبا حامد الغزالي.
[ترجمة ابن خميس]
وقال لسان الدين ابن الخطيب في " عائد الصلة " في حق أبي عبد الله محمد ابن خميس التلمساني المذكور ما صورته (1) : كان رحمه الله تعالى نسيج وحده زهداً وانقباضاً وبأواً (2) وهمة، حسن الشيبة، جميل الهيئة، سليم الصدر، قليل التصنع، بعيداً عن الرياء، عاملاً على السياحة والعزلة، عارفاً بالمعارف القديمة،
(1) ترجمة ابن خميس (محمد بن عمر بن محمد بن عمر الحجري الرعيني) في أزهار الرياض 2: 301 وبغية الوعاة: 86.
(2)
أزهار الرياض: وأدبا.
مضطلعاً بتفاريق النحل، قائماً على العربية والأصلين، طبقة الوقت في الشعر، وفحل الأوان في المطول، أقدر الناس على اجتلاب الغريب، ثم ذكر من أحواله جملة، إلى أن قال: وبلغ الوزير أبا عبد الله ابن الحكيم أنه يروم السفر، فشق ذلك عليه، وكلفه تحريك الحديث بحضرته، وجرى ذلك، فقال الشيخ: أنا كالدم بطبعي أتحرك في كل ربيع؛ انتهى.
وقال ابن خاتمة في " مزية المرية على غيرها من البلاد الأندلسية ": إنه نظم في الوزير ابن الحكيم القصائد التي حليت بها لبات الآفاق، وتنفست عنها صدور الرفاق، وكان من فحول الشعراء، وأعلام البلغاء [يصرف العويص] ويرتكب مستصعبات القوافي، ويطير في القريض مطار ذي القوادم الباسقة والخوافي، حافظاً لأشعار العرب وأخبارها، وله مشاركة في العقليات، واستشراف على الطلب، وقعد لإقراء العربية بحضرة غرناطة، ومال بأخرة إلى التصوف والتجوال، والتحلي بحسن السمت وعدم الاسترسال، بعد طي بساط ما فرطه له في بلده من الأحوال. وكان صنع اليدين، حدثني بعض من لقيت من الشيوخ أنه صنع قدحاً من الشمع على أبدع ما يكون في شكله ولطافة جوهره وإتقان صنعه، وكتب بدائرة شفته:
وما كنت إلا زهرة في حديقة
…
تبسم عني ضاحكات الكمائم
فقلبت من طور لطور فها أنا
…
أقبل أفواه الملوك الأعاظم وأهداه خدمة للوزير أبي عبد الله ابن الحكيم.
وأنشدنا شيخا القاضي أبو البركات ابن الحاج، وحكى لنا قال: أنشدني أبو عبد الله ابن خميس، وحكى لي قال: لما وقفت على الجزء الذي ألفه ابن سبعين وسماه " الفقيرية " كتبت على ظهره:
الفقر عندي لفظ دق معناه
…
من رامه من ذوي الغايات عناه
كم من غبي بعيد عن تصوره
…
أراد كشف معماه فعماه
وأنشدنا شيخنا الأستاذ أبو عثمان ابن ليون غير مرة قال: سمعت أبا عبد الله ابن خميس ينشد، وكان يحسب أنهما له، ويقال: إنهما لابن الرومي:
رب قوم في منازلهم
…
عرر بها صاروا غررا
ستر الإحسان ما بهم
…
سترى لو زال ما سترا ثم قال ابن خاتمة: وقد جمع شعره ودونه صاحبنا القاضي أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم الحضرمي في جزء سماه " الدر النفيس في شعر ابن خميس " وعرف به صدره، وقدم ابن خميس المرية سنة ست وسبعمائة فنزل بها في كنف القائد أبي الحسن ابن كماشة من خدام الوزير ابن الحكيم، فوسع له في الإيثار والمبرة، وبسط له وجه الكرامة طلق الأسرة، وبها قال في مدح الوزير المذكور قصيدته التي أولها:
العشي تعيا والنوابغ
…
عن شكر أنعمك السوابغ (1) ووجه بها إليه [من المرية] وهي طويلة، ومنها:
ودسائع ابن كماشة
…
مع كل بازغة وبازغ
تأتي بما تهوى النغا
…
نغ من شهيات اللغالغ ومنها:
ما ذاق طعم بلاغة
…
من ليس للحواشي ماضغ ويقال: إن الوزير اقترح عليه أن ينظم قصيدة هائية، فابتدأ منها مطلعها، وهو قوله:
(1) العشي: جمع أعشى وهو لقب لعدة شعراء منهم الأعشى الكبير وأعشى همدان وغيرهما، وكذلك النوابغ: جمع نابغة وهو يطلق على عدة شعراء.
لمن المنازل لا يجيب صداها
…
محيت معالمها وصم صداها وذلك آخر شهر رمضان من سنة ثمان وسبعمائة، ثم لم يزد على ذلك إلى أن توفي رحمه الله تعالى، فكان آخر ما صدر عنه من الشعر وقد أشار معناه إلى منعاه، وآذن أولاه بحضور أخراه، وكانت وفاته بحضرة غرناطة قتيلاً ضحوة يوم الفطر مستهل شوال سنة ثمان وسبعمائة، وهو ابن نيف وستين سنة، وذلك يوم مقتل مخدومه الوزير ابن الحكيم، أصابه قاتله بحقده على مخدومه، وكان آخر ما سمع منه " أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله " واستفاض من حال القاتل أنه هلك قبل أن يكمل سنة من حين قتله من فالج شديد أصابه، فكان يصيح ويستغيث: ابن خميس يطلبني، ابن خميس يضربني، ابن خميس يقتلني، وما زال الأمر يشتد به حتى قضى نحبه على تلك الحال، نعوذ بالله من الورطات، ومواقعات العثرات؛ انتهى ملخصاً.
وحكى غيره أن بعضهم كتب بعد قوله " لمن المنازل لا يجيب صداها " ما نصه: لابن الحكيم، ومن بديع نظم ابن خميس قوله (1) :
تراجع من دنياك ما أنت تارك
…
وتسألها العتبى وها هي فارك
تؤمل بعد الترك رجع ودادها
…
وشر وداد ما تود الترائك
حلا لك منها ما حلا لك في الصبا
…
فأنت على حلوائه متهالك
تظاهر بالسلوان عنها نخوة لا زهادة
…
وشعر عذاري أسود اللون حالك وهي طويلة طنانة، وفي آخرها يقول:
فلا تدعون غيري لدفع ملمة
…
إذا ما دهى من حادث الدهر داهك (2)
(1) أزهار الرياض: 305.
(2)
داهك: طاحن كاسر.
فما إن لذاك الصوت غيري سامع
…
وما إن لبيت المجد بعدي سامك (1)
يغص ويشجى نهشل ومجاشع
…
بما أورثتني حمير والسكاسك
تفارقني الروح التي لست غيرها
…
وطيب ثنائي لاصق بي صانك (2)
وماذا عسى ترجو لداتي وأرتجي
…
وقد شمطت مني اللحى والأفانك (3)
يعود لنا شرخ الشباب الذي مضى
…
إذا عاد للدنيا عقيل ومالك ومما اشتهر من نظمه قوله (4) :
أرق عيني بارق من أثال
…
كأنه في جنح ليلي ذبال
أثار شوقاً في ضمير (5) الحشا
…
وعبرتي في صحن خدي أسال
حكى فؤادي قلقاً واشتعال
…
وجفن عيني أرقاً وانهمال
جوانح تلفح نيرانها
…
وأدمع تنهل مثل الغزال (6)
قولوا وشاة الحب ما شئتم
…
ما لذة الحب سوى أن يقال
عذراً للوامي (7) ولا عذر لي
…
فزلة العالم ما إن تقال
قم نطرد الهم بمشمولة
…
تقصر الليل إذا الليل طال
وعاطها صفراء ذمية
…
تمنعها الذمة من أن تنال
كالمسك ريحاً، واللمى مطعماً
…
والتبر لوناً، والهوى في اعتدال
عتقها في الدن خمارها
…
والبكر لا تعرف غير الحجال
لا تثقب المصباح (8) لا واسقني
…
على سنا البرق وضوء الهلال
(1) سامك: رافع للقواعد معل للبناء.
(2)
صائك: لاصق.
(3)
الأفانك: جمع أفنيك وهو مجمع اللحيين؛ وفي ص ق: الأفاتك.
(4)
قارن بأزهار الرياض.
(5)
أزهار: من ضميم؛ ق: من.
(6)
العزالي: الروايا أو القرب.
(7)
أزهار: أعذر لوامي.
(8)
أثقب المصباح: جعل ضوءه ساطعا.
فالعيش نوم، والردى يقظة
…
والمرء ما بينهما كالخيال
خذها على تنغيم مسطارها (1)
…
بين خوابيها وبين الدوال
في روضة باكر وسميها
…
أخمل دارين وأنسى أوال (2)
كأن فأر المسك مفتوقة
…
فيها إذا هبت صباً أو شمال
من كف ساجي الطرف ألحاظه
…
مفوقات أبداً للنضال
من عاذري والكل لي عاذر
…
من حسن الوجه قبيح الفعال
من خلبي الوعد كذابه
…
لبان لا يعرف غير المطال
كأنه الدهر وأي امرئ
…
يبقى على الدهر إذا الدهر حال
أما تراني آخذاً ناقضاً
…
عليه ما سوغني من محال
ولم أكن قط له عائباً
…
كمثل ما عاتبه قبلي رجال
يأبى ثراء المال علمي، وهل
…
يجتمع الضدان: علم ومال
وتأنف الأرض مقامي بها
…
حتى تهاداني ظهور الرحال
لولا بنو زيان ما لذ لي ال
…
عيش ولا هانت علي الليال
هم خوفوا الدهر وهم خففوا
…
على بني الدنيا خطاه الثقال
لقيت (3) من عامرهم سيداً
…
غمر رداء الحمد جم النوال
وكعبة للجود منصوبة
…
يسعى إليها الناس من كل بال
خذها أبا زيان من شاعر
…
مستلمح النزعة عذب المقال
يلتقط الألفاظ لقط النوى
…
وينظم الآلاء نظم اللآل
مجارياً مهيار في قوله
…
ما كنت لولا طمعي في الخيال وقصيدة مهيار مطلعها (4) :
(1) المسطار: الخمرة أول ما تعصر.
(2)
أوال: الاسم القديم للبحرين.
(3)
أزهار: ألقيت.
(4)
انظر ديوان مهيار ج 3 ص: 166.
ما كنت لولا طمعي في الخيال
…
أنشد ليلى بين طول الليال ومن نظم ابن خميس قوله (1) :
نظرت إليك بمثل عيني جؤذر
…
وتبسمت عن مثل سمطبي جوهر
عن ناصع كالدر أو كالبرق أو
…
كالطلع أو كالأقحوان مؤشر
تجري عليه من لماها نطفة
…
بل خمرة لكنها لم تعصر
لو لم يكن خمراً سلافاً ريقها
…
تزري وتلعب بالنهى لم تخطر
وكذاك ساجي جفنها لو لم يكن
…
فيه مهند لحظها لم يحذر
لو عجبت طرفك في حديقة خدها
…
وأمنت سطوة صدغها المتنمر
لرتعت من ذاك الحمى في جنة
…
وكرعت من ذاك اللمى في كوثر
طرقتك وهناً والنجوم كأنها
…
حصباء در في بساط أخضر
والركب بين مصعد ومصوب
…
والنوم بين مسكن ومنفر
بيضا إذا اعتكرت ذوائب شعرها
…
سفرت فأزرت بالصباح المسفر
سرحت غلائلها فقلت سبيكة
…
من فضة أو دمية من مرمر
منحتك ما منعتك يقظاناً فلم
…
تخلف مواعدها ولم تتغير
وكأنما خافت بغاة وشاتها
…
فأتتك من أردافها في عسكر
وبجزع ذاك المنحنى أدمانة
…
تعطوا (2) فتسطوا بالهزبر القسور
وتحية جاءتك في طي الصبا
…
أذكى وأعطر من شميم العنبر
جرت على واديك فضل ردائها
…
فعرفت فيها عرف ذاك الإذخر
هاجت بلابل نازح عن إلفه
…
متشوق ذاكي الحشا متسعر
وإذا نسيت ليالي العهد التي
…
سلفت لنا فتذكريها تذكري
(1) قارن بأزهار الرياض 2: 314.
(2)
أدمانة: ظبية ذات لون أسمر؛ تعطو تتناول ورق الشجر فترفع جيدها.
رحنا تغنينا ونرشف ثغرها
…
والشمس تنظر مثل عين الأخزر
والروض بين مفضض ومعسجد
…
والجو بين ممسك ومعصفر وكان السلطان أمير المؤمنين أبو عنان المريني - رحمه الله تعالى - كثير العناية بنظم ابن خميس وروايته، قال رحمه الله تعالى: أنشدنا القاضي خطيب حضرتنا العلية أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق بقصر المصارة يمنه الله قال: أنشدنا بلفظه شيخ الأدباء وفحل الشعراء، أبو عبد الله ابن خميس لنفسه (1) :
أنبت ولكن بعد طول عتاب
…
وفرط لجاج ضاع فيه شبابي
وما زلت والعلياء تعلي غريمتها
…
أعلل نفسي دائماً بمتاب
وهيهات من بعد الشباب وشرخه
…
يلذ طعامي أو يسوغ شرابي
خدعت بهذا العيش قبل بلائه
…
كما يخدع الصادي بلمع سراب
تقول هو الشهد المشور جهالة
…
وما هو إلا السم شيب بصاب
وما صحب الدنيا كبكر وتغلب
…
ولا ككليب ريء فحل ضراب
إذا كعت الأبطال عنها تقدموا
…
أعاريب غراً في متون عراب
وإن ناب خطب أو تفاقم معضل
…
تلقاه منهم كل أصيد ناب
تراءت لجساس مخيلة فرصة
…
تأتت له في جيئة وذهاب
فجاء بها شوهاء (2) تنذر قومها
…
بتشييد أرجام (3) وهدم قباب
وكان رغاء السقب في قوم صالح
…
حديثاً فأنساه رغاء سراب
فما تسمع الآذان في عرصاتهم
…
سوى نوح ثكلى أو نعيب غراب
وسل عروة الرحال عن صدق بأسه
…
وعن بيته في جعفر بن كلاب
وكانت على الأملاك منه وفادة
…
إذا آب منها آب غير مآب
(1) أزهار الرياض 2: 316.
(2)
شوهاء: صفة للطعنة.
(3)
الأرجام: الحجارة فوق القبور.
يجير على الحيين قيس وخندف
…
بفضل يسار أو بفصل خطاب
زعامة مرجو النوال مؤمل
…
وعزمة مسموع الدعاء مجاب
فمر يزجيها حواسر ظلعاً
…
بما حملوها من منى ورغاب
إلى فدك والموت أغرب غاية
…
وهذا المنى يأتي بكل عجاب
تبرض صفو العيش حتى استشفه
…
فداف له البراض قشب حباب (1)
فأصبح في تلك المعاطف نهزة
…
لنهب ضباع أو لنهس ذئاب
وما سهمه عند النضال بأهزع
…
ولا سيفه عند الصراع (2) بنابي
ولكنها الدنيا تكر على الفتى
…
وإن كان منها في أعز نصاب
وعادتها أن لا توسط عندها
…
فإما سماء أو تخوم تراب
فلا ترج من دنياك وداً وإن يكن
…
فما هو إلا مثل ظل سحاب
وما الحزم كل الحزم إلا اجتنابها
…
فأشقى الورى من تصطفي وتحابي
أبيت لها، ما دام شخصي، أن ترى
…
تمر ببابي أو تطور (3) جنابي
فكم عطلت من أربع وملاعب
…
وكم فرقت من أسرة وصحاب
وكم عفرت من حاسر ومدجج
…
وكم أثكلت من معصر وكعاب
إليكم بني الدنيا نصيحة مشفق
…
عليكم بصير الأمور نقاب (4)
طويل مراس الدهر جذل مماحك
…
عريض مجال الهم حلس ركاب
تأتت له الأهوال أدهم سابقاً
…
وغصت به الأيام أشهب كابي
ولا تحسبوا أني على الدهر عاتب
…
فأعظم ما بي منه أيسر ما بي
وما أسفي إلا شباب خلعته
…
وشيب أبى إلا نصول خضاب
(1) قشب حباب: سم حية؛ والإشارة إلى قصة عروة الرحال الذي أجار لطيمة النعمان وقتله البراض الكناني فجر ذلك إلى حروب الفجار، وهو خبر مشهور في كتب الأيام والأمثال.
(2)
أزهار: المصاع.
(3)
تطور: تقترب.
(4)
النقاب: الخبير الذي يضع الأمور مواضعها أو لديه قوة حدس.
وعمر مضى لم أحل مه بطائل
…
سوى ما خلا من لوعة وتصابي
ليالي شيطاني على الغي قادر
…
وأعذب ما عندي أليم عذاب
عكسنا قضايانا على حكم عادنا
…
وما عكسها عند النهى بصواب
على المصطفى المختار أزكى تحية
…
فتلك التي أعتد يوم حسابي
فتلك عتادي أو ثناء أصوغه
…
كدر سحاب أو كدر سخاب (1) ومن مشهور نظم ابن خميس قوله (2) :
عجباً لها أيذوق طعم وصالها
…
من ليس يأمل أن يمر ببالها
وأنا الفقير إلى تعلة ساعة
…
منها، وتمنعني زكاة جمالها
كم ذاد عن عيني الكرى متألق
…
يبدو ويخفى في خفي مطالها
يسمو لها بدر الدجى متضائلاً
…
كتضاؤل الحسناء في أسمالها (3)
وابن السبيل يجيء يقبس نارها
…
ليلاً فتمنحه عقيلة مالها
يعتادني في النوم طيف خيالها
…
فتصيبني ألحاظها بنبالها
كم ليلة جادت به فكأنما
…
زفت علي ذكاء وقت زوالها
أسرى فعطلها وعطل شهبها
…
بأبي شذا المعطار من معطالها
وسواد طرته كجنح ظلامها
…
وبياض غرته كضوء هلالها
دعني أشم بالوهم أدنى لمعة
…
من ثغرها واشم مسكة خالها
ما راد طرفي في حديقة خدها
…
إلا لفتنته بحسن دلالها
أنسيب شعري رق مثل نسيمها
…
فشمول راحك مثل ريح شمالها
وانقل أحاديث الهوى واشرح غري
…
ب لغاتها واذكر ثقات رجالها
(1) السخاب: القلادة.
(2)
أزهار الرياض: 319.
(3)
استعاره من قول أبي تمام:
كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت
…
كتضاؤل الحسناء في الأطمار
وإذا مررت برامة فتوق من
…
أطلائها وتمشى في أطلالها
وانصب لمغزلها حبالة قانص
…
ودع الكرى شركاً لصيد غزالها
وأسل جداول بفيض دموعها
…
وانضح جوانحها بفضل سجالها
أنا من بقية معشر عركتهم
…
هذي النوى عرك الرحى بثفالها (1)
أكرم بها فئة أريق نجيعها
…
بغياً فراق العين حسن مآلها
حلت مدامة وصلها وحلت لهم
…
فإن انتشوا فبحلوها وحلالها
بلغت بهرمس غاية ما نالها
…
أحد وناء لها لبعد منالها
وعدت على سقراط سورة كأسها
…
فهريق ما في الدن من جريانها
وسرت إلى فاراب منها نفحة
…
قدسية جاءت بنخبة آلها (2)
ليصوغ من ألحانه في حانها
…
ما سوغ القسيس من أرمالها
وتغلغلت في سهرورد فأسهرت
…
عيناً يؤرقها طروق خيالها (3)
فخبا شهاب الدين لما أشرقت
…
وخوى فلم يثبت لنور جلالها
ما جن مثل جنونه أحد، ولا
…
سمحت يد بيضا بمثل نوالها
وبت على الشوذي (4) منها نشوة
…
ما لاح منها غير لمعة آلها
بطلت حقيقته وحالت حاله
…
فيما يعبر عن حقيقة حالها
هذي صبابتهم ترق صبابة
…
فيروق شاربها صفاء زلالها وهي طويلة.
قال السلطان أبو عنان رحمه الله تعالى (5) : أخبرني شيخنا الإمام العالم العلامة
(1) من قول زهير في معلقته:
" فتعرككم عرك الرحى بثقالها
…
............ البيت " (2) يشير إلى الفارابي الفيلسوف وقدرته في الموسيقى.
(3)
فيه إشارة إلى السهروردي المتصوف.
(4)
انظر هامش 4 ص: 260.
(5)
أزهار الرياض: 322.
وحيد زمانه أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم الآبلي رحمه الله تعالى، قال: لما توجه الشيخ الصالح الشهير أبو إسحاق التنسي من تلمسان إلى بلاد المشرق اجتمع هنالك بقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، فكان من قوله له: كيف حال الشيخ العالم أبي عبد الله ابن خميس وجعل حيليه بأحسن الأوصاف، ويطنب في ذكر فضله، فبقي الشيخ أبو إسحاق متعجباً، وقال: من يكون هذا الذي حليتموه بهذا الحلي ولا أعرفه ببلده فقال له: هو القائل:
عجباً لها أيذوق طعم وصالها
…
قال: فقلت له: إن هذا الرجل ليس عندنا بهذه الحالة التي وصفتم، إنما هو عندنا شاعر فقط، فقال له: إنكم لم تنصفوه، وإنه لحقيق بما وصفناه به.
قال السلطان: وأخبرنا شيخنا الآبلي المذكور أن قاضي القضاة ابن دقيق العيد كان قد جعل القصيدة المذكورة بخزانة كانت له تعلو موضع جلوسه للمطالعة، وكان يخرجها من تلك الخزانة، ويكثر تأملها والنظر فيها، ولقد تعرفت أنه لما وصلت هذه القصيدة إلى قاضي القضاة تقي الدين المذكور لم يقرأها حتى قام إجلالاً لها؛ انتهى.
وكان ابن خميس رحمه الله تعالى - بعد مفارقة بلده تلمسان، سقى الله أرجاءها أنواء نيسان - كثيراً لمشاهدها، ويتأوه من تذكره لمعاهدها، وينشد القصائد الطنانة في ذلك، سالكاً في الحنين إليها المسالك، فمن ذلك قوله (1) :
تلمسان لو أن الزمان بها يسخو
…
منى النفس لا دار السلام ولا الكرخ
وداري بها الأولى التي حيل دونها
…
مثار الأسى لو أمكن الحنق اللبخ (2)
(1) أزهار الرياض: 323، وهي قصيدة مليئة بالغريب تعمدا ولذا احتاجت ألفاظها إلى شرح، فاضطرتنا إلى الخروج عن خطتنا في الإقلال من الشروح اللفظية.
(2)
اللبخ: الاحتيال والضرب والقتل.
وعهدي بها والعمر في عنفوانه
…
وماء شبابي لا أجين ولا مضخ (1)
قرارة تهيام، ومغنى صبابة
…
ومعهد أنس لا يلذ به لطخ
إذا الدهر مثني العنان منهنه
…
ولا ردع يثني من عناني ولا ردخ (2)
ليالي لا أصغي إلى عذل عاذل
…
كأن وقوع العذل في أذني صمخ (3)
معاهد أنس عطلت فكأنها
…
ظواهر ألفاظ تعمدها النسخ
وأربع آلاف عفا بعض آيها
…
كما كان يعرو بعض ألواحنا اللطخ
فمن يك سكران من الوجد مرة
…
فإني منه طول دهري لملتخ (4)
ومن يقتدح زنداً لموقد جذوة
…
فزند اشتياقي لا عفار ولا مرخ
أأنسى وقوفي لاهياً في عراصها
…
ولا شاغل إلا التودع والسبخ (5)
وإلا اختيالي ماشياً في سماطها
…
رخياً كما يمشي بطرته الرخ (6)
وإلا فعدوي مثلما ينفر الطلا
…
وليداً، وحجلي مثلما ينهض الفرخ
كأني فيها أردشير ابن بابك
…
ولا ملك لي إلا الشبيبة والشرخ
وإخوان صدق من لاتي كأنهم
…
جآذر رمل لا عجاف ولا بزخ (7)
وعاة لما يلقى إليهم من الهدى
…
وعن كل فحشاء ومنكرة صلخ (8)
هم القوم كل القوم سيان في العلا
…
شبابهم الفرعان والشيخة السلخ (9)
مضوا ومضى ذاك الزمان وأنسه
…
ومر الصبا والمال والأهل والبذخ
(1) الأجين: المتغير طعمه؛ المطخ: الذي تكاثرت فيه الدعاميص.
(2)
الردخ: الردع.
(3)
الصمخ: الضرب في صماخ الأذن.
(4)
الملتخ: الذي اشتد سكره.
(5)
السبخ: الفراغ.
(6)
الرخ: حجر حر الحركة من أحجار الشطرنج.
(7)
الأبزخ: المقعنسس، أي الذي برز صدره ودخل ظهره.
(8)
الصلخ: جمع أصلخ وهو التام الصمم.
(9)
الفرعان: الطويلو الشعر، والسلخ: الصلع.
كأن لم يكن يوماً لأقلامهم بها
…
صرير، ولم يسمع لأكعبهم جبخ (1)
ولم يك في أرواحها (2) من ثنائهم
…
شميم ولا في القضب من لينهم ملخ (3)
ولا في مححيا الشمس من هديهم سناً
…
ولا في جبين البد من طيبهم ضمخ
سعيتم بني عمور في شت شملنا
…
فما تجركم ربح ولا عيشنا ربخ (4)
دعيتم إلى ما يرتجى من صلاحكم
…
فردكم عنه التعجرف والجمخ (5)
تعاليتم عجباً فطم عليكم
…
عباب له في رأس عليائكم جلخ
وأوغلتم في العجب حتى هلكتم
…
جماح غواة ما ينهنههم قفخ (6)
كفاكم بها سجن طويل وإن يكن
…
هلاك لكم فيها فهي لكم فخ
فكم فئة منا ظفرتم بنيلها
…
بأبشارها من حجم أظفاركم برخ (7)
كأنكم من خلفها وأمامها
…
أسود غياض وهي ما بينكم أرخ (8)
فللسوق منها القيد إن هي أغربت
…
وللهام إن لم تعط ما رعت النقخ (9)
كأن تحتها من شدة القلق القطا
…
ومن فوقها من شدة الحذر الفتخ (10)
وأقرب ما تهذي به الهلك والتى
…
وأيسر ما تشكو به الذل والفنخ (11)
فماذا عسى نرجوه من لم شعثها
…
وقد حز منها الفرع واقتلع الشلخ (12)
(1) الجبخ: قعقعة الكعاب في الميسر.
(2)
ق: أدواحها.
(3)
الملخ: الطراوة.
(4)
الربخ: الوقوع.
(5)
الجمخ: العجرفة.
(6)
الجلخ: اكتساح السيل للوادي؛ والقفخ: الضرب على الرأس.
(7)
البرخ: قطع اللحم، وشبه أظفارهم بالسيوف.
(8)
الأرخ: الفتي من البقر.
(9)
النقخ: الضرب على الهام
(10)
الفتخ: جمع فتخاء وهي صفة العقاب.
(11)
الفنخ: فتح الرأس أو ضربه بالعصا.
(12)
الشلخ: الأصل والعرق.
وما يطمع الراجون من حفظ آيها
…
وقد عصفت فيها رياحهم النبخ (1)
زعانف أنكاد لئام عناكل
…
متى قبضوا كفاً على إثره طخوا (2)
ولما استقلوا من مهاوي ضلالهم
…
وأوموا إلى أعلام رشدهم زخوا (3)
دعاهم أبو يعقوب للشرف الذي
…
يذل له رضوى ويعنو له دمخ (4)
فلم يستجيبوه فذاقوا وبالهم
…
وما لامرئ عن أمر خالقه نخ (5)
وما زلت أدعو للخروج عليهم
…
وقد يسمع الصم الدعاء إذا أصخوا
وأبذل في استئصالهم جهد طاقتي
…
وما لظنابيب ابن سابحة قفخ (6)
تركت لمينا سبتة كل نجعة
…
كما تركت للعز أهضامها شمخ
وآليت أن لا أرتوي غير مائها
…
ولو حل بي في غيره المن والمذخ (7)
وأن لا أحط الدهر إلا بعقرها
…
ولو بوأتني دار أمرتها بلخ
فكم نقعت من غلة تلكم الأضا
…
وكم أبرئت من علة تلكم اللبخ (8)
وحسبي منها عدلها واعتدالها
…
وأبحرها العظمى وأريافها النفخ
وأملاكها الصيد المقاولة الألى
…
لعزهم تعنو الطراخمة البلخ (9)
كواكب هدي في سماء رياسة
…
تضيء فما يدجو ضلال ولا يضخو (10)
ثواقب أنوار تري كل غامض
…
إذا الناس في طخياء غيهم إلتخوا (11)
(1) النبخ: جمع أنبخ وهو الجافي الغليظ.
(2)
العنكل: الصلب، وفي ق ص: لأم عثاكل؛ وطخ الشيء: ألقاه من يده فابعده.
(3)
زخ: اندفع في الوهدة.
(4)
دمخ: اسم جبل.
(5)
النخ: السير العنيف.
(6)
الظنوب: عظم الساق؛ القفخ: الكسر أو الشدخ.
(7)
المذخ: نوع من العسل.
(8)
الأضاءة: الغدير أو البحيرة؛ اللبخ: نوع من الشجر ينفع ورقه في التداوي.
(9)
الطراخمة: المتكبرون؛ البلخ: المتعجرفون.
(10)
طخا الضلال: اشتدت ظلمته.
(11)
الطخياء: الظلمة الشديدة؛ التخ: حار واضطرب.
وروضات آداب إذا ما تأرجت
…
تضاءل في أفياء أفنانها الرمخ (1)
مجامر ند في حدائق نرجس
…
تنم ولا لفح يصيب ولا دخ (2)
وأبحر علم لا حياض رواية
…
فيكبر منها النضح أو يعظم النضخ
بنوا العزفيين الألى من صدورهم
…
وأيديهم تملا القراطيس والطرخ (3)
إذا ما فتى منهم تصدى لغاية
…
تأخر من ينحو وأقصر من ينخو
رياسة أخيار وملك أفاضل
…
كرام لهم في كل صالحة رضخ (4)
إذا ما بدا منا جفاء تعطفوا
…
علينا، وإن حلت بنا شدة رخوا
نزورهم حذاً نحافاً فننثني
…
وأجمالنا دلح وأبداننا دلخ (5)
يربوننا بالعلم والحلم والنهى
…
فما خرجنا بز ولا حدنا برخ (6)
وما الزهد في أملاك لخم ولا التقى
…
ببدع، وللدنيا لزوق بمن يرخو
وإلا ففي رب الخورنق غنية
…
فما يومه سر ولا صيته رضخ (7)
تطلع يوماً والسدير أمامه
…
وقد نال منه العجب ما شاء والجفخ (8)
وعن له من شيعة الحق قائم
…
بحجة صدق لا عبام ولا وشخ (9)
فأصبح يجتاب المسوح زهادة
…
وقد كان يؤذي بطن أخمصه النخ (10)
وفي واحد الدنيا أبي حاتم لنا
…
دواء، ولكن ما لأدوائنا نتخ (11)
(1) الرمخ: الشجر المجتمع.
(2)
الدخ: لغة في الدخان.
(3)
الطرخ: الأحواض، والمفرد طرخة.
(4)
الرضخ: النوال.
(5)
الأخذ: الضامر؛ الدلوح: المتثاقل لنقل حمله؛ والدلوخ: السمين.
(6)
البز: الابتزاز؛ البرخ: القهر.
(7)
الرضخ: خبر تسمعه ولا تستيقنه.
(8)
الجفخ: التنفج والتكبر.
(9)
العبام: الفدم العيي؛ الوشخ: الضعيف.
(10)
النخ: نوع من البسط.
(11)
النتخ: الانتزاع.
تخلى عن الدنيا تخلي عارف
…
يرى أنها في ثوب نخوته لتخ (1)
وأعرض عنها مستهيناً لقدرها
…
فلم يثنه عنها اجتذاب ولا مصخ (2)
فكان له من قلبها الحب والهوى
…
وكان لها من كفه الطرح والطخ (3)
وما معض عنها وهي في طلابه
…
كمن في يديه من معاناتها نبخ (4)
ولا مدرك ما شاء من شهواتها
…
كمن حظه منها التمجع والنجخ (5)
ولكننا نعمى مراراً عن الهدى
…
ونصلج حتى ما لآذاننا صمخ (6)
وما لامرئ عما قضى الله مزحل
…
ولا لقضاء الله نقض ولا فسخ
أبا طالب لم تبق شيمة سؤدد
…
يساد بها إلا وأنت بها سنخ
لسوغت أبناء الزمان أيادياً
…
لدرتها في كل سامعة شخ (7)
وأجريتها فيهم عوائد سؤدد
…
فما لهم كسب سواها ولا نخ
غذتهم غواديها فهي في عروقهم
…
دماء، وفي أعماق أعظمهم مخ
وعمتهم حزناً وسهلاً. فأصبحوا
…
ومرعاهم وزخ ومرعيهم ولخ (8)
بني العزفيين ابلغوا ما أردتم
…
فما دون ما تبغون وحل ولا زلخ (9)
ولا تقعدوا عمن أراد سجالكم
…
فما غربكم جف ولا غرفكم وضخ (10)
وخلوا وراء كل طالب غاية
…
وتيهوا على من رام شأوكم وانخوا (11)
(1) اللتخ: كاللطخ أي البقعة في الثوب.
(2)
المصخ: جذب الشيء وانتزاعه.
(3)
الطخ: قذف الشيء بعيدا.
(4)
النبخ: قروح في اليد.
(5)
التمجع: الاكتفاء بقليل من لبن أو تمر؛ النجخ: الزهد فيها.
(6)
نصلج: نصاب بالصمم؛ والصمخ: صماخ الأذن.
(7)
الشخ: صوت الشخب.
(8)
الوزخ: نوع من الشجر؛ والولخ: الطويل من العشب.
(9)
الزلخ: المزلق.
(10)
الغرب: الدلو؛ الجف: الذي تشن؛ الغرف: انتشال الماء؛ وضخ: قليل.
(11)
سقط هذا البيت من ق.
ولا تذروا الجوزاء تعلو عليكم
…
ففي رأسها من وطء أسلافكم شدخ
لأفواه أعدائي وأعين حسدي
…
إذا جليت خائيتي الغض والفضخ
دعوها تهادى في ملاءة حسنها
…
ففي نفسها من مدح أملاكها مدخ (1)
يمانية زارت يمانين فانثنت
…
وقد جد فيها الزهو واستحكم الزمخ (2) وقد بسط في الإحاطة ترجمة ابن خميس المذكور، ومما أنشد له قوله (3) :
سل الريح إن لم تسعد السفن أنواء
…
فعند صباها من تلمسان أنباء
وفي خفقان البرق منها إشارة
…
إليك بما تنمي إليها وإيماء
تمر الليالي ليلة بعد ليلة
…
وللأذن إصغاء وللعين إكلاء (4)
وإني لأصبو للصبا كلما سرت
…
وللنجم مهما كان للنجم إصباء (5)
وأهدي إليها كل يوم تحية
…
وفي رد إهداء التحية إهداء
وأستجلب النوم الغرار ومضجعي
…
قتاد كما شاءت نواها وسلاء (6)
لعل خيالاً من لدنها يمر بي
…
ففي مره بي من جوى الشوق إبراء
وكيف خلوص الطيف منها ودونها
…
عيون لها في كل طالعة راء
وإني لمشتاق إليها ومنبئ
…
ببعض اشتياقي لو تمكن إنباء
وكم قائل تفنى غراماً بحبها
…
وقد أخلقت منها ملاء وأملاء
لعشرة أعوام عليها تجرمت
…
إذا ما مضى قيظ بها جاء إهراء (7)
(1) المدخ: العظمة.
(2)
الزمخ: الكبر وشموخ الأنف.
(3)
أزهار الرياض: 336 وفيها يذكر ما حل ببلده من تلمسان لدى حصار يعقوب بن عبد الحق لها.
(4)
الإكلاء: ترديد البصر.
(5)
أزهار: إسراء.
(6)
السلاء: الشوك.
(7)
الإهراء: شدة البرد التي تهرأ الأجسام.
يطنب فيها عائثون وخرب
…
ويرحل عنها قاطنون وأحياء (1)
كأن رماح الناهبين لملكها
…
قداح، وأموال المنازل أبداء (2)
فلا تبغين فيها مناخاً لراكب
…
فقد قلصت منها ظلال وأفياء
ومن عجب أن طال سقمي ونزعها
…
وقسم إضناء علينا وإطناء (3)
وكم أرجفوا غيظاً بها ثم أرجأوا
…
فيكذب إرجاف ويصدق إرجاء
يرددها عياب الدهر مثلما
…
يردد حرف الفاء في النطق فأفاء.
فيا منزلاً نال الردى منه ما اشتهى
…
ترى هل لعمر الأنس بعدك إنساء
وهل للظى الحرب التي فيك تلتظي
…
إذا ما انقضت أيام بؤسك إطفاء
وهل لي زمان أرتجي به عودة
…
إليك ووجه البشر أزهر وضاء ومنها:
أحن لها ما أطت النيب حولها
…
وما عاقها عن مورد الماء أظماء
فما فاتها مني نزاع على النوى
…
ولا فاتني منها على القرب إجشاء (4)
كذلك جدي (5) في صحابي وأسرتي
…
ومن لس بع في أهل ودي إن فاؤوا
ولولا جوار ابن الحكيم محمد
…
لما فات نفسي من بني الدهر إقماء (6)
حماني فلم تنتب محلي نوائب
…
بسوء ولم ترزأ فؤادي أرزاء
وأكفأ بيتي في كفالة جاهه
…
فصاروا عبيداً لي وهم لي أكفاء (7)
يؤمون قصدي طاعة ومحبة
…
فما عفته عافوا وما شئته شاؤوا
(1) أزهار: وتناء؛ وهم المقيمون بالمكان.
(2)
الأبداء: الأنصباء من الجزور عند المتياسرين.
(3)
الإطناء: الداء.
(4)
الإجشاء: تحرك النفس بالشوق.
(5)
ق: وجدي.
(6)
الإقماء: الإذلال والتحقير.
(7)
أكفأ البيت: ستره.
دعاني إلى المجد الذي كنت آملاً
…
فلم يك لي عن دعوة المجد إبطاء
وبوأني من هضبة العز تلعة
…
يناجي السها منها صعود وطأطاء (1)
يشيعني منها إذا سرت حافظ
…
ويكلؤني منها إذا نمت كلاء (2)
ولا مثل نومي في كفالة غيره
…
وللذئب إلمام وللصل إيماء
بغيضه ليث أو بمرقب خالب
…
تبز كساً فيه وتقطع أكساء
إذا كان لي من نائب الملك كافل
…
ففي حيثما هومت كن وإدماء
وإخوان صدق من صنائع جاهه
…
يبادرني منهم قيام وإيلاء
سراع لما يرجى من الخير عندهم
…
ومن كل ما يخشى الشر أبراء
إليك أبا عبد الإله صنعتها
…
لزومية فيها لوجدي إفشاء
مبرأة مما يعيب لزومها
…
إذا عاب إكفاء سواها وإيطاء
أذعت بها السر الذي كان قبلها
…
عليه لأحناء الجوانح إضناء
وإن لم يكن كل الذي كنت آملاً
…
وأعوز إكلاء فما عاز إكماء (3)
ومن يتكلف مفحماً شكر منة
…
فما لي إلى ذاك التكلف إلجاء
إذا منشد لم يكن عنك ومنشىء
…
فلا كان إنشاد ولا كان إنشاء رجع إلى ترجمة ابن الفخار وفوائده:
قال الشاطبي: حدثنا الأستاذ الكبير أبو عبد الله ابن الفخار قال: جلس بعض الطلبة إلى بعض الشيوخ المقرئين، فأتى المقرئ بمسألة الزوائد الأربعة في أول الفعل المضارع، وقال: يجمعها قولك نأيت فقال له ذلك الطالب: لو جمعتها بقولك أنيت لكان أملح، ليكون كل حرف تضعيف ما قبله، فالهمزة لواحد وهو المتكلم، والنون لاثنين وهما: الواحد ومعه غيره، والواحد
(1) الطأطاء: المنهبط من الأرض.
(2)
الكلاء: الحافظ.
(3)
الإكماء: كثرة الكمأة.
المعظم نفسه، والياء لأربعة: للواحد الغائب، وللغائبين، وللغائبين، وللغائبات، والتاء لثمانية: للمخاطب، وللمخاطبين، وللمخاطبين، والمخاطبة، والمخاطبتين، والمخاطبات، وللغائب، وللغائبتين، فاستحسن الشيخ ذلك منه.
وحكى الشاطبي أيضاً أن شيخه ابن الفخار أورد عليهم سؤالاً، وهو: كيف يجمع بين مسألة رجل أوقع الصلاة بثوب حرير اختياراً وبين قوله:
جرى الدميان بالخبر اليقين
…
فلم ينقدح لنا شيء، فقال: الجواب أن الأول ممنوع عند الفقهاء شرعاً، ورد اللام في دم في التثنية ممنوع عند النحاة قياساً، وكلاهما في حكم المعدوم حساً، وإذا كان كذلك كان الأول بمنزلة من صلى بادي العورة اختياراً، فتلزمه الإعادة، وكان الثاني بمنزلة ما باشر فيه عين دم علم التثنية، فتلزمه الفتحة، وإن كان أصلها السكون، قال: وهذه المسألة تشبه مسألة ابن جني في الخصائص، قال (1) : ألقيت يوماً على بعض من كان يعتادني مسألة فقلت له: كيف تجمع بين قوله:
لدن بهز الكف يعسل متنه
…
فيه كما عسل الطريق الثعلب وبين قوله اختصم زيد وعمرو فلم ينقدح له فيها شيء، وعاد مستفهماً، فقال له: اجتماعهما أن الواو اقتصر به على بعض ما وضع لنا من الصلاحية الملازمة مطلقاً، والطريق اقتصر به على بعض ما كان يصلح له (2) .
قال الشاطبي: وحدثني أيضاً قال: كان لقاضي القضاة علماً وجزالة أبي جعفر ولد يقرأ علي بمالقة، وكان ابناً نبيهاً فهماً ونبلاً، فسأل مني يوماً مسألة
(1) الخصائص 3: 319 والبيت لساعدة بن جؤية الهذلي في وصف الرمح.
(2)
الخصائص: فقلت اجتماعها من حيث وضع كل منهما في غير الموضع الذي بدئ له، وذلك أن الطريق خاص وضع موضع العام.
يذكرها لأقرانه، وكان معجباً بالغرائب، فجرى على لساني أن قلت له: بين على زيد فعل أمر وفاعل، والأصل ابأين على زيد، ثم سهل بالنقل والحذف، على قياس التسهيل، فصار بين كما ترى، فأعجب بالمسألة حتى ناظر فيها ليلة أباه، وكان أنحى نحاة أهل عصره، فأعجب مما يرى من ابنه من النبل والتحصيل، فبلغت المسألة الشيخ الأستاذ أبا بكر (1) ابن الفخار رحمه الله تعالى، فاعتنى بها، وحاول في استخراج وجه من وجوه الاعتراض على عادة المصلحين من طلبة العلم، فوجد في مختصر العين أن الكلمة من ذوات الواو، ولم يذكر صاحب المختصر غير ذلك، ولم يكن رحمه الله تعالى رأى قول أبي الحسن اللحياني في نوادره: إنه مما يتعاقب على لامه الواو والياء فيقال: بأى يبأى بأواً وبأياً، كما يقال شأى يشأى شأواً وشأياً، فلم يقدم شيئاً على أن اجتمع بالقاضي المذكور فقال له: ألم تسمع ما قاله فلان بين على زيد وإنما هو بون على زيد؛ لأنه من ذوات الواو، ونص على ذلك صاحب المختصر، وحمله على أن يرسل إلي ويردني عن ذلك الذي قلته في المسألة، واجتمعت أنا معه، وحدثني بما جرى له مع الأستاذ ابن الفخار، فذكرت له ما حكاه أبو الحسن اللحياني في نوادره، وما قاله ابن جني في سر الصناعة فسر بذلك، وأرسل بعد إلى القاضي ابن الفخار، وذكر له نص اللحياني وقل ابن حني وجمع القاضي بيننا، وعقد في قلوبنا مودة، فكان الأستاذ ابن الفخار يومئذ يقصدني في منزلي وفي المواسم، ويستشيرني في أموره على سبيل التأنيس، رحمة الله عليه، فأواه على فقد الناس أمثاله.
وقال الشاطبي أيضاً: أنشدني الفقيه الأستاذ الكبير أبو عبد الله ابن الفخار رحمه الله تعالى، وقال: ألقي في سري بيت لم أسمعه قط في السادس عشر من شهر رجب عام ستة وخمسين وسبعمائة:
(1) ها هنا كناه أبا بكر فكأن له كنيتين.
لتكن راجياً كما أنت ترجو
…
ولأربى من الذي أنت راجي قال الشاطبي: وقرر لنا الأستاذ ابن الفخار المذكور يوماً توجيه قول أبي الحسن الأخفش في كسرة الذال من نحو يومئذ إنها إعرابية لا بنائية، إذ لم يذكر أحد وجه هذا المذهب من قبل، قال ابن جني: إن الفارسي اعتذر له بما يكاد يكون عذراً، فلما تم التوجيه قلت له وأنا حينئذ صغير السن: هب أن الأمر على ما قاله الأخفش من أن الكسرة إعرابية، فما يصنع ببناء الزمان المضاف إلى إذ في أحد الوجهين والإضافة إلى المفرد المعرب تقتضي الإعراب دون البناء فتعجب من صدور هذا السؤال مني لصغر سني، وأجاب عنه بأنه قد يذهب السبب ويبقى حكمه، كما قال ابن جني في اسم الإشارة في ترجمة سيبويه هذا علم ما الكلم من العربية على أن يكون سيبويه وضعه غير مشير به وتركه مبنياً، وأزال سبب البناء، ونظر ذلك بباب التسوية على ما هو مقرر في موضعه، قال: ونظير ذلك ما قرر من إضافة حيث إلى المفرد مع بقاء البناء فيما ذكره الزمخشري، وذلك قوله:
أما ترى حيث سهيل طالعاً
…
وقوله أنشدنا ابن الأعرابي لبعض المحدثين:
ونحن سعينا بالبلايا لمعقل
…
وقد كان منكم حيث لي العمائم وقد كان حقها أن تعرب لزوال سبب البناء، وهو الإضافة إلى جملة، وحصول سبب الإعراب وهو الإضافة إلى المفرد، ولكنه لم يعتبر النادر، وأبقى الحكم الشائع.
وقال الشاطبي أيضاً: كان شيخنا ابن الفخار يأمرنا بالوقف على قوله تعالى في سورة البقرة {قالوا الآن} ونبتدئ {جئت بالحق} وكان يفسر لنا معنى ذلك قولهم الآن أي فهمنا وحصل البيان، ثم قيل: جئت بالحق، يعني في كل
مرة، وعلى كل حال، وكان - رحمه الله تعالى - يرى هذا الوجه أولى من تفسير ابن عصفور له من أنه على حذف الصفة، أي: بالحق البين، وكان يحافظ عليه.
وقال الشاطبي: أنشدني صاحبنا الفقيه الأجل الأديب البارع أبو محمد ابن حذلم (1) لنفسه أبياتا، أنشدنيها يوم عيد على قبر سيدنا الإمام الأستاذ الكبير الشهير أبي عبد الله ابن الفخار يرثيه بها:
أيا جدثاً قد أحرز الشرف المحضا
…
بأن صار مثوى السيد العالم الأرضى
عجبت لما أحرزته من معارف
…
وشتى معال لم تزل تعمر الأرضا
طويت عليه وهو عين زمانه
…
فيا جفن عين الدهر كم تؤثر الغمضا
فحياك من صوب الحيا كل ديمة
…
تديم له في الجنة الرفع والخفضا
فها نحن في عيد الأسى حول قبره
…
وقوفاً لنقضي من عيادته الفرضا
كمثل الذي كنا وقوفاً ببابه
…
بعيد الأماني زائرين له أيضا
ومنا سلام لا يزال يخصه
…
يذكره من بعض أشواقنا البعضا [ترجمة ابن حذلم]
قلت: وابن حذلم المذكور له باع مديد في العلم والأدب، وهو أبو محمد عبد الله بن عبد الله بن حذلم، ومن نظمه قوله:
أبت المعارف أن تنال براحة
…
إلا براحة ساعد الجد
فإذا ظفرت بها فلست بمدرك
…
أرباً بغير مساعدة الجد وقوله رحمه الله:
(1) انظر ترجمة ابن حذلم في مستودع العلامة: 74، وكان ابن حذلم كاتب علامة السلطان عبد الرحمن المريني فقيها عارفا بالنوازل.
كم من صديق حال في وده
…
ولم أزل أزويه عن محضه
حضوره عين على وده
…
وغيبه عين على بغضه
ولم أكن أجهل هذا ولا
…
عجزت أن أجري على قرضه
لكن من قد سرني بعضه
…
أحب أن أصفح عن بعضه وقوله رحمه الله يوم عيد، وهو مما ألهج به أنا كثيراً:
يقولون لي خل عنك الأسى
…
ولذ بالسرور فذا يوم عيد
فقلت لهم والأسى غالب
…
ووجدي يحيى وشوقي يزيد
توعدني مالكي بالفراق
…
فكيف أسر وعيدي وعيد وقوله رحمه الله:
حبيب زارني في الليل سراً
…
فأحيا نفس مشتاق إليه
وعللني بنشر المسك منه
…
وحياني بصفحة وجنتيه
وعانقني عناق الود صفحاً
…
وفارقني فيا لهفي عليه رجع - وتوفي الأستاذ سيبويه زمانه أبو عبد الله محمد بن علي بن الفخار أستاذ الجماعة بغرناطة ليلة الاثنين ثاني عشر رجب علم أربعة وخمسين وسبعمائة رحمه الله تعالى.
رجع إلى مشايخ لسان الدين رحمه الله تعالى.
13 -
ومنهم (1) الأستاذ ابن العواد، قال في " الإحاطة " (2) : قرأت كتاب الله عز وجل على المكتب نسيج وحده، في تحمل المنزل حق حمله، تقوى وصلاحاً وخصوصية وإتقاناً ونغمة وعناية وحفظاً وتبحراً في هذا الفن،
(1) ق: ومن مشايخه.
(2)
انظر مخطوطة الإحاطة، الورقة: 411 أول فصل " المشيخة ".
واضطلاعاً بغرائبه، واستيعاباً لسقطات الأعلام، الأستاذ الصالح أبي عبد الله ابن عبد الولي العواد تكتيباً ثم حفظاً ثم تجويداً، على مقرإ أبي عمرو، ثم نقلني إلى أستاذ الجماعة، ومطية الفنون، ومفيد الطلبة، الشيخ الخطيب المتفنن أبي الحسن علي القيجاطي، فقرأت عليه القرآن والعربية، وهو أول من انتفعت به؛ انتهى.
14 -
ومن أشياخه رحمه الله الشيخ العلامة أبو عبد الله ابن بيبش، وله رحمه الله تعالى نظم جيد، فمنه قوله ملغزاً في مسطرة الكتابة:
ومقصورة خلف الحجاب وسرها
…
مضاع، فما يلقاك من دونها ستر
لها جثة بيضاء أسبل فوقها
…
ذوائب زانتها، وليس لها شعر
إذا ألبست مثل الصباح وبرقعت
…
رأيت سواد الليل لم يمحه الفجر
عقيلة صون لا يفرق شملها
…
سوى من أهمته الخطابة والشعر وقوله في ترتيب حروف الصحاح:
أساجعة بالواديين تبوئي
…
ثماراً جنتها حاليات خواضب
دعي ذكر روض زاره سقي شربه
…
صباح ضحى طير ظماء عواصب
غرام فؤادي قاذف كل ليلة
…
متى ما نأى وهناً هداه يراقب وله جواب عن البيتين المشهورين:
يا ساكناً قلبي المعنى
…
وليس فيه سواك ثاني
لأي معنى كسرت قلبي
…
وما التقى فيه ساكنان فقال:
نحلتني طائعاً فؤاداً
…
فصار إذ حزته مكاني
لا غرو إذ كان لي مضافاً
…
أني على الكسر فيه باني
وقد ذكرت ذلك في غير هذا الموضع مع زيادة بلفظ لسان الدين، فليراجع في الباب الخامس من هذا الكتاب.
15 -
ومن أشياخ (1) لسان الدين رحمه الله تعالى قاضي الجماعة الصدر المتفنن أبو عبد الله ابن بكر (2)، قال في الإحاطة: وقرأت على قاضي الجماعة أبي عبد الله ابن بكر رحمه الله تعالى؛ انتهى.
وقاضي الجماعة عند المغاربة هو بمعنى قاضي القضاة عند المشارقة، فليعلم ذلك. وابن بكر المذكور هو محمد بن يحيى بن محمد بن أحمد بن بكر بن سعيد الأشعري المالقي، من ذرية أبي موسى الأشعري، كان من صدور العلماء، وأعلام الفضلاء، سذاجه ونزاهة ومعرفة وتفنناً، فسيح الدرس، أصيل النظر، واضح المذهب، مؤثراً للإنصاف، عارفاً بالأحكام والقراءة، مبرزاً في الحديث تاريخاً وإسناداً وتعديلاً وجرحاً، حافظاً للأنساب والأسماء والكنى، قائماً على العربية، مشاركاً في الأصول والفروع واللغة والعروض والفرائض والحساب، مخفوض الجناح حسن الخلق عطوفاً على الطلبة، محباً في العلم والعلماء، مطرحاً للتصنع، عديم المبالاة بالملبس بادي الظاهر (3) عزيز النفس نافذ الحكم، تقدم ببلده مالقة، ناظراً في أمور العقد والحل ومصالح الكافة، ثم ولي القضاء بها فأعز الخطة وترك الشوائب (4) ، وأنفذ الحق ملازماً للقراءة والإقراء، محافظاً
(1) ق: مشايخ.
(2)
ترجمة ابن أبي بكر في نيل الابتهاج: 234 نقلا عن الإحاطة، والمرقبة العليا: 141 - 147 ووقع في سرد مشيخة لسان الدين من الإحاطة " ابن أبي بكر " وهو خطأ؛ وقد ترجم ابن الخطيب له أيضا في " عائد الصلة " وعنه ينقل النباهي. وقد أطنب النباهي في الثناء عليه وقال إنه ممن جمع بيد الدراية والرواية، وكان لا يأكل إلا عند حاجته للأكل ولا ينام إلا إذا غلبه النوم ولا يتكلم بغير العلم إلا عن ضرورة وشبهه في قضائه بسحنون بن سعيد.
(3)
كذا في الأصلين ونيل الابتهاج؛ وربما كانت " باذ ".
(4)
الشوائب: سقطت من ص ق؛ وفي نيل الابتهاج: وترك الهواذة، وهو أدق وأنسب.
للأوقات، حريصاً على الإفادة، ثم ولي القضاء بغرناطة المحروسة (1) سنة 737، فقام بالوظائف وصدع بالحق وبهرج الشهود فزيف منهم ما يزيد على سبعين، واستهدف بذلك إلى معاداة ومناضلة خاض ثبجها وصادم تياره، غير مبال بالمغبة ولا حافل بالتبعة، فناله لذلك من المشقة والكيد العظيم ما نال مثله، حتى كان لا يمشي إلى الصلاة ليلاً ولا يطمئن على حاله، وجرت له في ذلك حكايات، إلى أن عزم عليه الأمير أن يرد للعدالة بعض من أخره، فلم يجد في قناته مغمزاً ولا في عوده معجماً، وتصدر لبث العلم بالحضرة، يقرئ فنوناً جمة، فنفع وخرج وأقرأ القرآن ودرس الفقه والأصول والعربية والفرائض والحساب، وعقد مجالس الحديث شرحاً وسماعاً على انشراح صدره وحفظ تجمل وخفض جناح، قال القاضي ابن الحسن (2) : إنه كان صاحب عزم ومضاء، وحكم صادع وقضاء أحرق قلوب الحسدة، وأعز الخطة بإزالة الشوائب، وذهب وفضض الحق بمعارفه، ونذف في المشكلات، وثبت في المعضلات، واحتج وبكت، وتفقه ونكت. وحدثنا صاحبنا أبو جعفر الشقوري قال (3) : كنت جالساً بمجلس حكمه، فرفعت رقعة مضمنها أنها محبة في مطلقها، وتبتغي الشفاعة لها في ردها، فتناول الرقعة، ووقع على ظهرها بلا مهلة: الحمد لله، من وقف على ما بالقلوب فليصخ لسماعه إصاخة معيث، وليشفع للمرأة عند زوجها (4) تأسياً بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لبريرة في مغيث (5) ، والله يسلم لنا العقل والدي، ويسلك بنا سبيل المهتدين، والسلام من كاتبه.
(1) لعل اللفظة هنا يقابلها لفظة " محرم " في نيل الابتهاج.
(2)
هذا موافق لما في نيل الابتهاج نصا ولكنه عن المرقبة العليا بالمعنى.
(3)
انظر المرقبة العليا: 145.
(4)
المرقبة: مفارقها.
(5)
بريرة: جارية عائشة، ومغيث زوجها، فلما أعتقت بريرة وهو ما يزال على الرق اختارت مفارقته فجاء إلى النبي يبكي ويسأله أن يشفع له عندها.
قال الشقوري: قال لي بعض الأصحاب: هلا كان هو الشفيع لها، فقلت: الصحيح أن الحاكم لا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه على المنصوص.
قرأ ابن بكر المذكور على الأستاذ ابن أبي السداد الباهلي (1) القرآن جمعاً وإفراداً والعربية والحديث، ولازمه وتأدب به، وعلى الشيخ الصالح أبي عبد الله ابن عياش (2) كثيراً من كتب الحديث، وسمع عليه جميع صحيح مسلم إلا دولة واحدة، وأخذ عن الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير والخطيب ابن رشد والولي الصالح أبي الحسين ابن فضيلة والأستاذ أبي عبد الله ابن الكماد (3) ، وأجازه العدل الراوية أبو فارس عبد العزيز ابن الهواري وأبو إسحاق (4) التلمساني؛ ومن أهل الدمياطي، وجماعة من أهل الشام والحجاز، فقد (5) رحمه الله تعالى في المصاف يوم المناجزة بطريف، زعموا أنه وقع عن بغلة ركبها، وأشار عليه بعض المنهزمين بالركوب فلم يقدر، فقال له: انصرف هذا يوم الفرح، إشارة لقوله تعالى " فرحين بما آتاهم من فضله " وذلك ضحى يوم الاثنين 7 جمادى الأولى سنة 741 رحمه الله تعالى.
16 -
ومن أشياخ لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى الشيخ أبو إسحاق ابن أبي يحيى الشهير الذكر في المغرب، وقد عرف به في الإحاطة في اسم إبراهيم من ترجمة الغرباء بما نصه: إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر التسولي، من أهل تازى، يكنى أبا سالم، ويعرف بابن أبي يحيى (6) .
(1) اسمه عبد الواحد بن أبي السداد.
(2)
هو محمد بن عياش الخزرجي؛ وفي النيل: أبي عبد الله انب حريث.
(3)
هو محمد بن أحمد بن داود اللخمي (الديباج: 298) .
(4)
زاد في ق: ابن.
(5)
ق: وفاته.
(6)
ترجمة ابن أبي يحيى في المرقبة العليا: 136 وجذوة الاقتباس: 84 والإحاطة 1: 217 والمقري ينقل عن الإحاطة.
حاله من الكتاب المؤتمن (1) - كان هذا الرجل قيماً على التهذيب ورسالة ابن أبي زيد، حسن الإقراء لهما، وله عليهما تقييدان نبيلان قيدهما أيام قراءته إياهما على أبي الحسن الصغير، حضرت مجالسه بمدرسة عدوة الأندلس من فاس، ولم أر في متصدري بلده أحسن تدريساً منه، كان فصيح اللسان، سهل الألفاظ، موفياً حقوقها، وذلك لمشاركته الحضر فيما بأيديهم من الأدوات، وكان مجلسه وقفاً على التهذيب والرسالة، وكان مع ذلك سمحاً فاضلاً، حسن اللقاء، على خلق بائنة على أخلاق أهل مصره، امتحن بصحبة السلطان، فصار يستعمله في الرسائل، فمر في ذلك حظ كبير من عمره ضائعاً لا في راحة دنيا ولا في نصب آخرة، ثم قال: وهذه سنة الله فيمن خدم الملوك، ملتفتاً إلى ما يعطونه، لا إلى ما يأخذون من عمره، وراحته أن يبوء بالصفقة الخاسرة، لطف الله بمن ابتلي بذلك وخلصنا خلاصاً جميلاً.
ومن كتاب " عائد الصلة ": الشيخ الفقيه الحافظ القاضي، من صدور المغرب (2) ، مشاركة في العلم، وتبحراً في الفقه، كان وجيهاً عند الملوك، صحبهم وحضر مجالسهم واستعمل في السفارة، فلقيناه بغرناطة، وأخذنا بها عنه، تام السراوة حسن العهد مليح المجالس أنيق المحاضرة، كريم الطبع صحيح المذهب.
تصانيفه - قيد على المدونة بمجلس شيخه أبي الحسن كتاباً مفيداً، وضم أجوبته على المسائل في سفر، وشرح كتاب الرسالة شرحاً عظيم الإفادة.
مشيخته - لازم أبا الحسن الصغير، وهو كان قارئ كتب الفقه عليه، وجل انتفاعه في التفقه به، وروى عن أبي زكريا ابن يس (3) ، قرأ عليه كتاب
(1) الكتاب " المؤتمن " من تأليف أبي البركات ابن الحاج البلفيقي وسيأتي ذكره في ترجمته ص: 486.
(2)
في الأصلين: العلم، والتصويب عن الإحاطة.
(3)
الإحاطة: ابن أبي ياسين.
" الموطأ " إلا كتاب المكاتب وكتاب المدبر فإنه سمعه بقراءة الغير، وعن أبي عبد الله ابن رشد، قرأ عليه الموطأ وشفاء عياض، وعن أبي الحسن ابن عبد الجليل السدراتي، قرأ عليه الأحكام الصغرى لعبد الحق، وأبي الحسن ابن سليمان، قرأ عليه رسالة ابن أبي زيد، وعن غيرهم.
وفاته - فلج بأخرة فالتزم منزله بفاس يزوره السلطان ومن دونه، وتوفي بعد عام ثمانية وأربعين وسبعمائة؛ انتهى.
وقال ابن الخطيب القسمطيني: إن أبي يحيى المذكور توفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة (1) ؛ انتهى.
17 -
ومن أشياخ لسان الدين الطنجالي الهاشمي، وهو محمد بن أحمد (2) . قال في عائد الصلة: كان على سنن سلفه كثرة حياء وسمة صلاح وشدة انقباض وإفراط وقار وحشمة، بذ الكهولة على حداثة سنه في باب الورع والدين والإغراق في الصلاح والخير، وتقدم خطيباً ثم قاضياً ببلده، فأظهر من النزاهة والعدالة ما يناسب منصبه، ففزع الناس إليه من كائنة الوباء العظيم بأموالهم، وقلدوه عهود صدقاتهم، فاستقر في يده المال الصامت والحلى والذخيرة والعدة ما تضيق بيوت أموال الملك عنه وصرف ذلك مصارفه، ووضعه وفق عهوده، فلم يتلبس منه بنقير ولا قطمير، وكان مدركاً أصيل الرأي، قائماً على الفرائض والحساب، ثم تحرج وطلب الإعفاء فأسعف به على حال ضنانة، وفي ذلك يقول قريبه صاحبنا الفقيه القاضي أبو الحسن ابن الحسن يخاطبه (3) :
(1) وقال النباهي: في حدود 749.
(2)
ترجمته في المرقبة العليا: 155.
(3)
يعني النباهي صاحب المرقبة العليا، وقصيدته ص:158.
لك الله يا بدر السماحة (1) والبشر
…
رفعت بأعلى رتبة راية الفخر
ولا سيما لما وليت أمورها
…
فرويتها من عذب نائلك الغمر
ودارت قضاياها عليك بأسرها
…
على حين لا بر يعين ولا بر
فقمت بها خير القيام مصمماً
…
على الحق تصميم المهندة البتر
فسر بك الإسلام يا ابن حمامة
…
وأمست بك الأيام باسمة الثغر
تعيد عليك الحمد ألسن حالها
…
وتتلو لما يرضيك (2) من سور الشكر
لذاك أمير المسلمين بعدله
…
أقامك تقضي في الزمان على جبر
فأحييت رسم العلم بعد مماته
…
وغادرت وجه الحكم أسنى من البدر
ولكنك استعفيت عنه تورعاً
…
وتلك سبيل الصالحين كما تدري
فكم من ولي فر عنه لعلمه
…
به كأبي الحجاج جدك من ذخر
فزاد اتصالاً عزه باجتنابه
…
له وسما قدراً على قنة النسر
جريت على نهج السلامة في الذي
…
تبعت له فابشر بأمنك في الحشر
وأرضاك مولاك الإمام بفضله
…
وأعفاك إعفاء الكرامة والبر
فأنت على الحالين أفضل من قضى
…
وأشرف من يعفى إلى آخر الدهر
لما حزت من شتى المعالي التي بها
…
تحليت عن أسلافك السادة الغر
صدور مقامات المعارف كلها
…
بحور النوال الجم في اليسر والعسر
هم النفر الأعلون من آل هاشم
…
وناهيك من مجد أثيل ومن فخر وهي طويلة؛ انتهى.
18 -
من أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى الشيخ الإمام الخطيب الرئيس سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق (3) ، ولنلخص ترجمته من " الإحاطة " وغيرها،
(1) المرقبة: السعادة.
(2)
المرقبة: وتحفظ ما يرضيك.
(3)
ترجمة ابن مرزوق في التعريف: 49 ونيل الابتهاج: 272 والديباج: 305 وتاريخ ابن خلدون 7: 312 والإحاطة، الورقة: 31؛ والدرر الكامنة 3: 450 (ط. القاهرة) .
فنقول: هو محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي التلمساني، يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين.
قال أبو الحسن على ابن لسان الدين ابن الخطيب في حقه: سيدي وسند أبي، فخر المغرب، وبركة الدول وعلم الأعلام، ومستخدم السيوف والأقلام، ومولى أهل المغرب على الإطلاق، أبقاه الله تعالى وأمتع بحياته وأعانني على ما يجب في حقه، قاله تربيته وولده علي ابن المؤلف، انتهى، يعني ابن الخطيب.
وقال لسان الدين: هذا الرجل من طرق دهره ظرفاً وخصوصية ولطافة، مليح التوسل، حسن اللقاء، مبذول البشر، كثير التودد، نظيف البزة، لطيف التأني، خير البيت، طلق الوجه، خلوب اللسان، طيب الحديث، مقدر الألفاظ، عارف بالأبواب، درب على صحبة الملوك والأشراف، متقاض (1) لإيثار السلاطين والأمراء يسحرهم بخلابة لفظه، ويفتلهم في الذروة والغارب بتنزله، ويهتدي إلى أغراضهم الكمينة بحذقه، ويصطنع غاشيتهم بتلطفه ممزوج الدعابة بالوقار والفكاهة بالنسك والحشمة بالبسط، عظيم المشاركة لأهل وده والتعصب لإخوانه، آلف مألوف كثير الأتباع والعلق، يسخر الرقاع في سبيل الوساطة، مجدي الجاه، غاص المنزل بالطلبة، منقاد للدعوة، بارع الخط أنيقه، عذب التلاوة متسع الرواية، مشارك في فنون من أصول وفروع وتفسير، يكتب ويشعر ويقيد ويؤلف، فلا يعدو السداد في ذلك، فارس منبر غير جزوع ولا هلوع، رحل إلى المشرق في كنف حشمة من جناب والده رحمه الله تعالى فحج وجاور ولقي الجلة، ثم فارقه وقد عرف بالمشرق حقه، وصرف وجهه إلى المغرب، فاشتمل عليه السلطان أبو الحسن أميره اشتمالاً خلطه بنفسه، وجعله مفضى سره وإمام جمعه وخطيب منبره وأمين رسالته، فقدم في غرضها على الأندلس أواخر عام ثمانية وأربعين
(1) الإحاطة: متعاط؛ ص: متغاض.
وسبعمائة، ولما حالت بالأمير المذكور الحال استقر بالأندلس مفلتاً من النكبة، في وسط عام اثنين وخمسين وسبعمائة، فاجتذبه سلطانها رحمه الله وأجراه على تلك الوتيرة فقلده الخطبة بمسجده في السادس لصفر عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وأقعده للإقراء بالمدرسة من حضرته، وفي أخريات عام أربعة وخمسين صرف عنه جفن بره في أسلوب طماح ودالة وسبيل هوى وقحة، فاغتنم الفترة وانتهز الفرصة، وأنفذ في الرحيل العزمة وانصرف عزيز الرحلة مغبوط المنقلب، فاستقر بباب ملك المغرب أمير المؤمنين أبي عنان فارس في محل تجلة وبساط قرب، مشترك الجاه مجدي التوسط ناجع الشفاعة، والله يتولاه ويزيده من فضله.
مشيخته - من كتابه المسمى عجالة المستوفز المستجاز في ذكر من استجازني (1) من المشايخ دون من أجاز من أثمة المغرب والشام والحجاز: فممن لقيه بالمدينة المشرفة على ساكنها الصلاة والسلام الإمام العالم العلامة عز الدين أبو محمد الحسن بن علي بن إسماعيل الواسطي، صاحب خطتي الإمامة والخطابة بالمسجد الكريم النبوي، وأفرد جزءاً في مناقبه. والشيخ (2) الإمام جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى الخزرجي السعدي العبادي، تحمل عن عفيف الدين أبي محمد عبد السلام بن مزروع وأبي اليمن وغيره. والشيخ الإمام خادم الوقت بالمسجد الكريم، ونائب الإمامة والخطابة به، ومنشد الأمداح النبوية هنالك (3) . والشيخ الصالح الثقة المعمر محيي الدين أبو زكريا يحيى بن محمد المغراوي التونسي سمع ابن حامل والتوزري. والشيخ نور الدين أبو الحسن علي بن محمد الحجار الفراش بحرم رسول الله والوقاد به، وكان مقصوداً من كل قطر. والشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الصنعاني نائب القضاء بالمدينة. والشيخ الإمام
(1) الإحاطة: من سمعت عنه.
(2)
الشيخ: سقطت من ق واستعيض عنها بلفظة " منهم " حيث وقعت في سرد مشيخة أبن مرزوق.
(3)
إلى هنا وقفت نسخة الإحاطة في تعداد شيوخه، ولا ريب في أن ذلك يدل على الإيجاز المخل في هذه النسخة.
قاضي القضاة بالمدينة شرف الدين بن محرز الإخميمي بن الأسيوطي. والشيخ الصالح عز الدين خالد بن عبد الله الطواشي. والشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله المعيشي، سمع ابن مزروع البصري وغيره. والشيخ بهاء الدين موسى بن سلامة الشافعي المصري، الخطيب بالمسجد الكريم بها. والشيخ الخطيب أبو طلحة الزبير بن أبي صعصعة الأسواني. والشيخ عفيف الدين المطري، والشيخ الأديب أبو البركات أيمن بن محمد بن محمد إلى أربعة عشر ابن أيمن التونسي المجاور، والشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن فرحون اليعمري التونسي المجاور. والشيخ أبو فارس عبد العزيز بن عبد الواحد بن أبي ركبون التونسي، وقرأ بها على أبيه القرآن العظيم، قال: وكانت قراءتي عليه بالمدينة عند قبره عليه الصلاة والسلام.
وبمكة شرفها الله تعالى الشيخ المعمر الثقة شرف الدين أبو عبد الله عيسى بن عبد الله الحجبي المكي، المتوفى وقد قارب المائة، والشيخ زين الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبري المكي. والشيخ الصالح شرف الدين خضر بن عبد الرحمن العجمي، وشيخ شيوخ رباط الأعجام حيدر بن عبد الله المقرئ. والشيخ مقرئ الحرم برهان الدين إبراهيم بن مسعود الأيلي المصري. والشيخ مصلح الدين الحسن بن عبد الله العجمي. والشيخ مصلح الدين الحسن بن عبد الله العجمي. والإمام الصالح أبو الصفاء خليل بن عبد الله القسطلاني التوزري. والشيخ الإمام الصالح أبو محمد عبد الله بن أسعد الشافعي الحجة، انتهت إليه الرياسة العلمية والخطط الشرعية بالحرم. والشيخ فخر الدين عثمان بن أبي بكر النويري المالكي. والشيخ الإمام المدرس بالحرم شهاب الدين أحمد بن الحرازي اليمني. والشيخ قاضي القضاة نجم الدين محمد بن جمال الدين بن عبد الله بن المحب الطبري، والشيخ جلال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن براجين، القشيري التلمساني، وقرأ بها على أبيه وألبسه بها الخرقة، والشيخ الملك شرف الدين عيسى بن محمد بن أبي بكر بن أيوب، والشيخة فاطمة بنت محمد ابن محمد بن أبي بكر بن أيوب، والشيخة فاطمة بني محمد بن محمد بن أبي بكر بن
محمد بن إبراهيم الطبري المكية، والشيخ أبو الربيع سليمان بن يحيى بن سلمان، المراكشي السفاح، والشيخ قاضي القضاة وخطيب الخطباء عز الدين أبو عمر عبد العزيز ابن محمد ابن جماعة الكناني قاضي القضاة بالديار المصرية.
وبمصر الشيخ علاء الدين القونوي، والتقي السعدي، وقاضي القضاة القزويني وهو شهير الذكر رفيع القدر، وقاضي القضاة البرهان الحنفي، والشرف أقضى القضاة الإخميمي، والشيخ المحدث المسند البدر محمد بن محمد الفارقي، والقطب الحافظ أبو محمد ابن منير، والشهاب أحمد الجوهري الحلبي، والمعمر الشرف يحيى المقدسي بن المصري، والشيخ محسن القرشي، والشهاب الحنبلي، وفتح الدين محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس اليعمري، والشيخ المسند شمس الدين أبو بكر بن سيد الناس أخوه، والإمام أبو حيان، والحافظ النسابة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن طي ابن حاتم بن شيخ الزبيري المصري، يبلغ شيوخه نحواً من ألفي شيخ، والشيخ الشمس بن عدلان، والشهاب البوشي المالكي، والشيخ المتصوف تاج الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ثعلب المصري مدرس المالكية، والشمس ابن كتشغري الخطاب الصيرفي، والعماد ابن النجم الدمياطي، والتاج الأشعري، والتقي الثعلبي، والفتح بن عبد القوي، والشمس الورجمي، والتقي الأشموني، والعلامة التقي السبكي، والمعروف ابن بني الشاذلي، وأبو الحسن التميمي، والبرهان الخيمي، والشمس الأسواني، والبرهان الحكري، والشمس ابن جابر الوادي آشي، وأبو محمد عبد الكريم الطوسي، وأبو فارس الزروالي التونسي، وصالح بن عبد العظيم بن يونس، وأبو عبد الله ابن القماح، والتاج التبريزي، والشيخ محمود الأصبهاني، والشرف المغيلي، والبرهان والسفاقسي.
ومن النساء الشيخة المسندة ست الفقهاء فاطمة بنت محمد الفيومي البكري، وببلبيس أسد الدين يوسف ابن داود الأيوبي بن أبناء الملوك.
ومن الشاميين بالقدس علاء الدين أبو الحسن علي بن أيوب، وخطيب
القدس النور ابن الصائغ المقدسي، ومحمد بن علي بن مثبت الأندلسي، والبرهان الجعبري إمام الخليلي.
ومن أهل دمشق البرهان ابن الفركاح، والشمس ابن مسلم قاضي الحنابلة.
وبالإسكندرية أحمد المرادي بن العشاب، وأبو القاسم ابن علي بن البراء، والناصر بن المنير.
وبطرابلس الخطيب أبو محمد جابر بن عبد الغفار.
وبتونس الزبيدي، والقاضي ابن عبد الرفيع، والقاضي ابن عبد السلام، وابن راشد، وأبو موسى هارون، والمحدث أبو عبد الله التلمساني، والحافظ أبو زكريا يحيى بن عصفور التلمساني نزيل تونس، وأبو محمد بن سعد الله بن أبي القاسم بن البراء.
وببلاد الجريد الشيخ الخطيب أبو عبد الملك ابن حيون.
وبالزاب ابن أبي (1) ، والشيخ أبو محمد بن راشد.
وببجاية الإمام النظار المجتهد أبو علي ناصر الدين المشدالي، والحافظ فقيه زمانه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن يللبخت الزواوي، والشيخ الفقيه أبو عبد الله الخطيب المسفر.
وبتلمسان الشيخان الإمامان ابنا الإمام، وقاضي القضاة بها أبو عبد الله ابن هدية، والخطيب أبو محمد المجاصي، والشريف أبو علي حسن بن يوسف بن يحيى الحسني، والشيخ أبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن علي المعروف بابن إسحاق الخياط (2) وغيرهم (3) .
محنته (4) - اقتضى الخوض الواقع بين يدي تأميل الأمير أبي الحسن رحمه الله
(1) بعدها بياض في ص.
(2)
الخياط: سقطت من ص ق.
(3)
اضطربت نسخة ق كثيرا في تعداد هؤلاء الشيوخ، وكان فيها سقط كثير في ألقابهم.
(4)
ق: ثم قال لسان الدين: ولما اقتضى
…
إلخ؛ قلت ومن هنا يعود النص فيلتقي مع ما في نسخة الإحاطة.
تعالى عودة الأمر إليه وقد ألقاه اليم إلى الساحل بمدينة الجزائر أن قبض عليه بتلمسان أمراؤها المتوثبون علها في هذه الفترة من بني زيان، إرضاء لقبيلهم المتهم بمداخلته، وقد رحل عنهم دسيساً من أميرهم عثمان بن يحيى، فصرف مأخوذاً عليه طريقه، منتهباً رحله، منتهكة حرمته، وأسكن قرارة مطبق عميق القعر مقفل المسلك حريز القفل، ثني اثنين؛ انتهى ملخصاً.
ورأيت بخط ابن مرزوق على قوله وقد رحل عنهم دسيساً إلى آخره ما نصه: لم أرحل عنهم إلا بإذنهم، واقتراحهم علي في الإصلاح بينهم، لكنهم غدروا تقية على أنفسهم، قاله ابن مرزوق، انتهى، وكتب تحته ولد ابن الخطيب ما صورته: نعم ما ترى.
وعند الله تجتمع الخصوم
…
انتهى.
رجع إلى كلام لسان الدين في حقه: قال بعد الكلام السابق ما ملخصه: ولأيام قتل ثانيه ذبحاً بمقربة من شفا تلك الركية، وانقطع أثره وأيقن الناس بفوات الأمر فيه، ولزمان من محنته ظهرت عليه بركة سلفه في خبر ينظر بطرفه إلى الكرامة فنجا ولا تسل كيف، وخلصه الله خلاصاً جميلاً، وقدم على الأندلس، والله ينفعه بنيته؛ انتهى.
وكتب ابن مرزوق على هذا المحل ما نصه: لم يكن المقتول حين قتل معي، ولا قتل ذبحاً، قاله ابن مرزوق، انتهى.
وكتب بعض علماء مصر تحته ما نصه: هذه دعوى، والمؤرخ أعرف، انتهى، فكتب آخر بعد هذا ما نصه: أتخبرني عني انتهى.
رجع - ثم قال لسان الدين في ترجمة شعره ما صورته: ركب مع السلطان
بخارج الحمراء أيام ضربت اللوز قبابها البيض وزينت الفحص العريضة، والروض الأريض، فارتجل في ذلك:
انظر إلى النوار في أغصانه
…
يحكي النجوم إذا تبدت في الحلك
حيا أمير المسلمين وقال: قد
…
عميت بصيرة من بغيرك مثلك
يا يوسفاً حزت الجمال بأسره
…
فمحاسن الأيام تومي هيت لك
أنت الذي صعدت به أوصافه
…
فيقال فيه: ذا مليك أو ملك إلى أن قال: ومن الشعر المنسوب إلى محاسنه ما أنشد عنه وبين يديه ليلة الميلاد المعظم عام ثلاثة وستين وسبعمائة (1) :
قل لنسيم السحر
…
لله بلغ خبري
إن أنت يوماً بالحمى
…
جررت فضل المئزر
ثم حثثت الخطو من
…
فوق الكثيب الأعفر
مستقرياً في عشبه
…
مخفي وطء المطر
تروي عن الضحاك في ال
…
روض حديث الزهر
مخلق الأذيال بال
…
عبير أو بالعنبر
وصف لجيران الحمى
…
وجدي بهم وسهري
وحقهم ما غيرت
…
ودي صروف الغير
لله عهد فيه ق
…
ضيت حميد الأثر
أيامه هي التي
…
أحسبها من عمري
ويا لليل فيه ما
…
عيد بغير القصر
العمر فينان ووج
…
هـ الدهر طلق الغرر
والشمل بالأحباب من
…
ظوم كنظم الدرر
(1) لم ترد هذه القصيدة في الإحاطة.
صفو من العيش بلا
…
شائبة من كدر
ما بين أهل تقطف ال
…
أنس جني الثمر
وبين آمال تبي
…
ح القرب صافي الغدر
يا شجرات الحي ح
…
ياك الحيا من شجر
إذا أجال الشوق في
…
تلك المغاني فكري
خرجت من خدي حدي
…
ث الدمع فوق الطرر
وقلت يا خد آرو من
…
دمعي صحاح الجوهري
عهدي بحاد الركب كال
…
ورقاء عند السحر
والعيس تجتاب الفلا
…
واليعملات تنبري
تخبط بالأخفاف مظ
…
لوم البرى (1) وهو بري
قد عطفت عن ميد
…
والتفتت عن حور
قسي سير ما سوى ال
…
عزم لها من وتر
حتى إذا الأعلام ح
…
لت لحفي البشر
واستبشر النازح بال
…
قرب ونيل الوطر
وعين الميقات لل
…
سفر نجاح السفر
فالناس بين محرم
…
بالحج أو معتمر
لبيك لبيك إل
…
هـ الخلق باري الصور
ولاحت الكعبة بي
…
ت الله ذات الأثر
مقام إبراهيم وال
…
مأمن عند الذعر
واغتنم القوم طوا
…
ف القادم المبتدر
وأعقبوا ركعتي ال
…
سعي استلام الحجر
وعرفوا في عرفا
…
ت كل عرف أذفر
(1) البرى: التراب.
ثم أفاض الناس سع
…
ياً في غد للمشعر
فوقفوا وكبروا
…
قبل الصباح المسفر
وفي منى نالوا المنى
…
وأيقنوا بالظفر
وبعد رمي الجمرا
…
ت كان حلق الشعر
أكرم بذلك السفر وال
…
له وذاك السفر
يا فوزه من موقف
…
يا ربحه من متجر
حتى إذا كان الودا
…
ع وطواف الصدر
فأي صبر لم يخن
…
أو جلد لم يغدر
وأي وجد لم يطر
…
وسلوة لم تهجر
ما أفجع البيت لقل
…
ب الواله المستعبر
ثم ثنوا نحو رسو
…
ل الله سير الضمر
فيعانوا في طيبة
…
لألاء نور نير
رأوا رسول الله واس
…
تشفوا بلثم اجذر
نالوا به ما أملوا
…
وعرجوا في الأثر
على الضجعين أبي
…
بكر الرضى وعمر
زيارة الهادي الشفي
…
ع جنة في المحشر
فأحسن الله عزا
…
ء قاصد لم يزر
ربع ترى مستنزل ال
…
آي به والسور
وملتقى جبريل بال
…
هادي الزكي العنصر
وروضة الجنة بي
…
ن روضة ومنبر
منتخب الله ومخ
…
تار الورى من مضر
والمنتقى وكون من
…
ملابس الخلق عري
إذا لم يكن في أفق
…
من زحل ومشتري
ذو المعجزات الغر أم
…
ثال النجوم الزهر
يشهد بالصدق له
…
منها انشقاق القمر
والضب والظبي إلى
…
نطق الحصى والشجر
من أطعم الألف بصا
…
ع في صحيح الخبر
والجيش رواه بما
…
ء الراحة المنهمر
يا نكتة الكون التي
…
فاتت المنال الفكر
يا حجة الله على ال
…
رائح والمبتكر
يا أكرم الرسل على ال
…
له وخير البشر
يا من له التقدم ال
…
حق على التأخر
يا من لدى مولده
…
المقدس المطهر
إيوان كسرى ارتج إذ
…
ضاءت قصور قيصر
وموقد النار طفي
…
شطركأن لم يسعر
يا عمدتي يا ملجئي
…
يا مفزعي يا وزري
يا من له اللواء وال
…
حوض وورد الكوثر
يا منقذ الغرقى وهم
…
رهن العذاب الأكبر
إن لم تحقق أملي
…
بؤت بسعي المخسر
صلى عليك الله يا
…
ثمال كل معسر
صلى عليك الله يا
…
نور الدجى المعتكر
يا ويح نفسي كم أرى
…
في غفلة من عمري
واحسرتي من قلة ال
…
زاد وبعد السفر
يحجني والله بال
…
برهان وعظ المنبر
يا حسنها من خطب
…
لو حركت من نظري
يا حسنها من شجر
…
لو أورقت من ثمر
أؤمل الأوبة وال
…
أمر بكف القدر
أسوف العزم به
…
من شهر لشهر
من صفر لرجب
…
من رجب لصفر
ضيعت في الكبرة ما
…
أعددته في صغري
وليس ما مر من ال
…
أيام بالمنتظر
وقلما أن حمدت
…
سلامة في غرر
ولي غريم لا يني
…
في طلب المنكسر
يا نفس جدي قد بدا
…
الصبح ألا فاعتبري
واتعظي بمن مضى
…
وارتدعي وازدجري
ما بعد شيب فود من
…
مرتقب فشمري
أنت وإن طال المدى
…
في قلعة وسفر
وليس من عذر يقي
…
م حجة المعتذر
يا ليت شعري والمنى
…
تسرق طيب العمر
هل ارتجي من عودة
…
أو رجعة أو صدر
فأبرد الغلة من
…
ذاك الزلال الخصر
مقتدياً بمن مضى
…
من سلف ومعشر
نالوا جوار الله وه
…
والفخر للمفتخر
أرجو بإبراهيم مو
…
لانا بلوغ الوطر
فوعده لا يمتري
…
في الصدق منه ممتري
وهو الإمام المرتضى
…
والخير ابن الخير
أكرم من نال العلا
…
بالمرهفات البتر
ممهد الملك وسي
…
ف الحق والليث الجري
خليفة الله الذي
…
فاق بحسن السير
وكان منه الخبر في ال
…
علياء وفق الخبر
فصدق التصديق من
…
مرآه للتصور
ومستعين الله في
…
ورد له وصدر
فاق الملوك الصيد بال
…
مجد الرفيع الخطر
فأصبحت ألقابهم
…
منسية لم تذكر
وحاز منه أوحد
…
وصف العديد الأكثر
برأيه المأمون أو
…
عسكره المظفر
بسيفه السفاح أو
…
بعزمه المقتدر
بالعلم المنصور أو
…
بالذابل المنتصر
يا ابن الإمام الطاهر ال
…
بر الزكي السير
مدحك قد علم نظ
…
م الشعر لم يشعر
جهد المقل اليوم من
…
مثلي كوسع المكثر
فإن يقصر ظاهري
…
فلم يقصر مضمري قلت: قول لسان الدين في حق هذه القصيدة إنها من الشعر المنسوب إلى محاسنه فيه تعريض خفيف بأن هذه القصيدة يحتمل أن تكون قيلت على لسانه حسبما جرت بذلك عادة الأكابر والرؤساء أن ينسب إليهم ما ليس من كلامهم في نفس الأمر، وليس الواقع عندي كذلك، لأن باع ابن مرزوق في النظم والنثر مديد، فأنى يقصر عن هذا القصيد ومن يصدر منه على البديهة قوله:
انظر إلى النوار في أغصانه
…
الأبيات السابقة في اللوز - لا يستغرب منه مثل هذا، ولذا كتب ابن لسان الدين على قول والده من الشعر المنسوب إلى محاسنه ما صورته: حضرت إنشاءها وإنشادها ليلة الميلاد الشريف في التاريخ المذكور، واستحسنها شعراء العدوتين، وهي مما لا ينكر على مدارك سيدي أبي عبد الله ورسوخه في علم
النظم والنثر، قاله علي بن الخطيب؛ انتهى.
وكتب بعضهم على قوله في هذه القصيدة:
أيامه هي التي
…
أعدها من عمري ما نصه: ولت والله، انتهى؛ فكتب ابن مرزوق بعده ما نصه: لكنها بدلت بخير منها والحمد لله، وحسنت الخاتمة ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً؛ انتهى.
وكتب ابن لسان الدين على قوله:
قلما أن حمدت
…
سلامة في غرر ما نصه: كذلك كان، وليت والدي رحمه الله تعالى كذلك؛ انتهى.
وكتب على قوله " برأيه المأمون - إلخ ما نصه: لو كان له رأي مأمون (1) ما نزل على قلعة الملك لسكنى القصبة بدخيلة طلب الراحة، فضربت عنقه، وكانت الراحة منه؛ انتهى.
وكتب بعض اثر هذا ما صورته: القدر لا يبالغ، الحذر ينفع ما لم يأتك القدر، فإذا أتى قدر، لم ينفع حذر؛ انتهى.
ثم قال لسان الدين (2) : ووردت باب السلطان الكبير العالم أبي عنان فبلوت من مشاركته وحميد سعيه ما يليق بمثله، ولما نكبه لم أقصر عن ممكن (3) حيلة في أمره، فلما ملك السلطان أبو عنان وصار الأمر لأخيه المتلاحق من الأندلسي أبي سالم بعد
(1) ص ق: الميمون.
(2)
عاد اللقاء مع نسخة الإحاطة، الورقة:35.
(3)
ص: حميد.
الولد المسمى بالسعيد كان ممن دانت له الطاعة، وأناخ راحلة الملك، وحلب ضرع الدولة (1) ، وخطب عروس الموهبة، فأنسب ظفره في متات معقود من لدن الأب، مشدود من لدن القرابة (2) ، فاستحكم عن قرب، واستغلظ عن كثب، فاستولى على أمره وخلقه بنفسه ولم يستأثر عنه ببثه (3) ، ولا انفرد بما سوى بضع أهله، بحيث لا يقطع في شيء إلا [به و] عن رأيه، ولا يمحو ويثبت إلا واقفاً عند حده، فغشيت بابه الوفود وصرفت إليه الوجوه ووقفت عليه الآمال، وخدمته الأشراف وجلبت إلى سدته بضائع العقول والأموال، وهادته الملوك فلا تحدوا الحداة إليه، ولا تحط الرحال لديه، إن حضر أجرى الرسم وأنفذ الأمر والنهي لحظاً أو سراراً أو مكاتبة، وإن غاب ترددت الرقاع واختلفت الرسل، ثم انفرد أخيراً ببيت الخلوة ومنتبذ المناجاة من دونه معصب (4) الوزراء وغايات الحجاب (5) ، فإذا انصرف تبعته الدنيا وسارت بين يديه الوزراء ووقفت ببابه الأمراء، قد وسع الكل لحظه وشملهم بحسب الرتب والأحوال ورعيه، ووسم (6) أفذاذهم تسويده، وعقدت ببنان عليتهم بنانه، لكن رضى الناس الغاية التي لا تدرك، والحسد بين آدم قديم، وقبيل الملك مباين لمثله، فطويت الجوانح على سل، وحنيت الضلوع على بث، وأغضيت الجفون على قذى، إلى أن كان من نكبته الثالثة ما هو معروف، جعلها الله له طهوراً. ولم جرت الحادثة على الدولة بالأندلس وكان لحاق جميعنا بالمغرب جنيت ثمرة ما أسلفته من وده، فوفى الكيل وأشرك في الجاه وأدر الرزق ورفع
(1) الإحاطة: وأجاب موسم الدعوة.
(2)
في ص ق: التقريب.
(3)
الإحاطة: بشيء.
(4)
ص ق: مصطف.
(5)
الإحاطة: الحجابات.
(6)
الإحاطة: ووسع.
المجلس، بعد التسبب في (1) الخلاص والسعي في الجبر، جبره الله تعالى، وكان له أحوج ما يكون إلى ذلك {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء: 89) انتهى.
وكتب ابن لسان الدين على هذا المحل ما صورته: هذا لسان أبي عليه في الغيبة والحضور؛ انتهى.
ومما خاطبه به لسان الدين مهنئاً (2) من طريق القدوم على الأبواب المرينية، مفلتاً من البلية بشفاعته، ما نصه: سيدي الذي إليه انقطاعي وانحياشي، وملاذي وملجئي الذي يسر خلاصي وسنى انتياشي، ومنعمي الذي جبر جناحي وأنبت رياشي، ومولى هذا الصنف العلمي ولا أحاشي، كتبه صنيع نعمكم الخالصة الحرة، ومسترق فضلكم الذي تألقت (3) منه في ليل الخطوب الغرة (4) ابن الخطيب لطف الله به من كذا، وقد شد إلى بلاغ النفس عذرها في مباشرة تقبيل اليد التي لها اليد العظمى، والسجية الرحمى، فلكم طوقت من نعمى، وجبال النعم قد أثقلت الظهر، واستغرقت السر والجهر، فبأي لسان أو بأي بنان، ولا أثر بعد عيان، تقابل نعمة تداركت الرمق وقد أشفى، وأبقت الذماء والشروع في استئصالها لا يخفى، فيا لك من فرد هزم ألفا، ووعد نصر لم يعرف خلفا، ونية خلصت تبتغي إلى الله زلفى، لقد صدع بها مولاي غريبة في الزمن، بالغاً حسن صنيعها صنعاء اليمن، مترفعة عن الثمن، وإن لم يقم بها مثله وإلا فمن، فليهن سيدي ما ذاع لمجده (5) بها من فخر، وما قدم يوم تزل الأقدام من ذخر، وما جلب للمقام المولوي الإبراهيمي من طيب ذكر، واستفاضة حمد وشكر،
(1) الإحاطة: تسبيب؛ ص: بعد التسبيب للخلاص.
(2)
مهنئا: سقطت من ص.
(3)
ق ص: تألفت.
(4)
ق: غرة.
(5)
ص ق: من مجده.
لقد ارتهن دعاء الحافي والناعل، والدال على الخير شريك الفاعل، والذي أحيا النفس جدير برد عدتها، وإنجاز عدتها، وأنا قد قويت بجاهكم وإن كنت ضعيفاُ، واستشعرت سعداً جديداً وقدراً منيفاً، وأيقنت أن الله عز وجل كان بي لطيفاً، إذ هيأ لي من رحمة ذلك المقام المولوي على يدكم نصراً عزيزاً، وبوأني من جاهه حرزاً حريزاً، وقد استأسدت أعداء، وأعضل الداء، وأعمل الاعتداء، وعز الفداء، فافرج الضيق، وتيسرت للخير الطريق، وساغ الريق، ونجا الغريق، غريبة لا تمثل إلا في الحلم، ولطيفة فيها اعتبار الأولي العلم، اللهم جاز سيدي في نفسه وولده (1) ، وحاله وبلده، ومعاده بعد طول عمره وانفساح أمده، وكن له نصيراً أحوج ما يكون إلى نصر، واجعل له سعة من كل حصر، واقصر عليه جاه كل قصر، كما جعلت ذاته فوق كل ذات وعصره فوق كل عصر، وليعلم سيدي أن من أراد بي (2) منافسة وحسداً، وزأر علي أسداً، لما استقل على الكرسي جسداً، من غير ذنب تبين، ولا حد تعين، أصابه من خلاصي المقيم المقعد، ووعد النفس بأمل أخلف منه الموعد، لما استنقذني الله برحمته من بين ظفره ونابه، وغطاني بستر جنابه، وكثرني في العيون على قلة، وأعزني بعد نصره على حال ذلة، لم يدع حيلة إلا نصبها أمامي، ليحبط ذلك (3) المقام الكريم ذمامي، ويكدر جمامي، ويستدرك حمامي، وزعم أن بيده على البعد زمامي، ويأبى ذلك رأي (4) يفرق بين الحق وضده، وعدل لا يخرج الشيء عن حده، فنبهت سيدي خوفاً أن تتجه حيلة، أو تفسد وسيلة، وأنا قادم بالأهل والولد ليعمل في رب الصنيعة على شاكلة الحمد الذي هو له أهل، فما بابتدائه جهل، ولا يختلف في عظم ما أسداه غر ولا كهل، ولا ينبه مثله على تتميم، وإجزال فضل عميم، ومؤانسة غريب، وصلة
(1) ص: في ولده.
(2)
ق: أرادني.
(3)
ص: بذلك.
(4)
ص: حق.
نصر عزيز وفتح قريب، بحول الله تعالى.
وقال (1) لسان الدين بعد ما سبق نقله عنه في حق ابن مرزوق: ولما انقضى أمر سلطانه رحمه الله تعالى متجنى عليه (2) بسببه، محمولاً عليه من أجله، تقبض (3) عليه وأجمع الملأ على قتله، وشد اعتقاله، وطلب بالمال العريض وانتهيت أمواله واعتقلت رباعه، وجنبت مراكبه، واصطفيت أمهات أولاده، وتمادى به الاعتقال والشدة، إلى أن عادته عوائد الله في الخلاص من الشدة، والانتياش من الورطة ظاهرة عليه بركة سلفه، قائمة له حجة الكرامة (4) في أمره.
حكى أمير المسلمين سلطاننا أعزه الله قال: عرض لي والدي رحمه الله تعالى في النوم فقال: يا ولدي، اشفع في الفقيه ابن مرزوق، فقبلت يده، واقتضيت حظه، وحكيت داعيته، وعينت للوجهة في ذلك قاضي الحضرة، فكان في ذلك ابتداء الفرج.
وحدثني (5) الثقة من خدام السلطان أبي العنان عنه مخبراً عن نفسه لما نفس عنه من نكبته، وأجاره من سخطه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني بذلكن وكفى بها جاهاً وحرمة، قلت: فترك سبيلهن وأتيح له ركوب البحر إلى البلاد المشرقية بأهله وولده، فسار في كنف الستر، وتحت جناح الوقاية، في وسط رجب من عام أربعة وستين وسبعمائة من ساحل باديس، صحب الله وجهته، وختم عصمته؛ انتهى ما لخصته من كلام لسان الدين بلفظه (6) .
(1) ق: ثم قال.
(2)
عليه: سقطت من ق ص.
(3)
ق ص: فقبض.
(4)
ق ص: قائمة لهم حجة
…
لهم.
(5)
ق: وذكر.
(6)
بلفظه: سقطت من ق.
ورأيت على هامش هذا المحل من الإحاطة بخط المذكور ما صورته: أقول وأنا ابن مرزوق المسمى فيه: إني قد وصلت إلى تونس المحروسة من شهر رمضان من سنة خمس وستين، فلقيت بها من المبرة والكرامة والوجاهة فوق ما يعهده أمثالي، ووليت خطابة جامع ملكها، وتدريس أم المدارس فيها، وهي المعروفة بمدرسة الشماعين، كل ذلك تحت رعاية وعناية وملازمة لمجلس ملكها، إلى أن توفي سنة إحدى وسبعين، ثم مع ولده وابن أخيه، إلى أن رحلت في البحر في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين، فحللت بالديار المصرية، ولقيت من ملكها الذي لم أر في الملوك مثله حلماً وفضلاً وحياء وجوداً وتلطفاً ورحماً، فأحسن لي وأجرى علي وعلى أولادي ما قام به الحال، وقلدني دروساً ومدارس، وأهلني للمثول بين يديه، والحال مستمر على ذلك حتى الآن، وذلك من فضل الله ومعهود إحسانه، والمرجو من الله تعالى حسن العاقبة، وكتب في رمضان سنة خمس وسبعين؛ انتهى.
وكتب بعده أبو الحسن علي بن لسان الدين رحمهما الله تعالى ما صورته: صدق، وهو فوق كل ذلك كله، فقدره معروف، ولطالما كان ملك المغرب يفتخر به، فصار يفتخر بتقليد الدروس:
والدهر لا يبقي على حالة
…
انتهى.
قال في " الإحاطة "(1) : ولما شرح كتاب الشفاء للقاضي عياض رحمه الله تعالى واستبحر فيه، وأكثر النقل وبذل الجهد، طلب (2) أهل العدوتين نظم
(1) انظر الإحاطة، الورقة:48.
(2)
ق: طلب منه.
مقطوعات تتضمن الثناء على الكتاب المذكور، وإطراء مؤلفه، فانثال عليه من ذلك الطم والرم، بما تعددت منه الأوراق (1) ، واختلفت في الإجادة وغيرها الأرزاق، إيثاراً لغرضه، ومبادرة من كل الجهات لإسعاف أربه، وطلب مني أن ألم في ذلك بشيء فكتبت (2) له في ذلك:
شفاء عياض للصدور شفاء
…
فليس بفضل قد حواه خفاء
هدية بر لم يكن لمديلها
…
سوى الأجر والذكر الجميل وفاء
وفى لنبي الله حق وفائه
…
وأكرم أوصاف الكرام وفاء
وجاء به بحراً يقول بفضله
…
على البحر طعم طيب وصفاء
وحق رسول الله بعد وفاته
…
رعاه، وإغفال الحقوق جفاء (3)
هو الذخر يغني في الحياة عتاده
…
ويترك منه للبنين رفاء
هو الأثر المحمود ليس يناله
…
دثور، ولا يخشى عليه عفاء
حرصت على الإطناب في نشر (4) فضله
…
وتمجيده لو ساعدتني فاء واستزاد من هذا الغرض الذي (5) لم يقنع فيه بالقليل فبعثت إليه من محل انتقالي من سلا حرسها الله تعالى:
أأزاهير رياض (6)
…
أم شفاء لعياض
جدل الباطل للح
…
ق بأسياف مواض
وجلا الأنوار برها
…
ناً بحق وافتراض
(1) الإحاطة: من ذلك النظم ما تعددت به
…
إلخ.
(2)
ق: فنظمت.
(3)
سقط هذا البيت من ص، ووقع هو والذي بعده قبل الثالث في ق؛ وما هنا يشبه ترتيب الإحاطة.
(4)
ص ق: بحر.
(5)
ق: ثم لم يكتف في هذا النمط الذي
…
إلخ.
(6)
الإحاطة: هي أزهار الرياض؛ ولم يورد من القصيدة في الإحاطة إلا أربعة أبيات.
وشفى من يشتكي الغ
…
لة في زرق الحياض
أي بنيان مقال
…
آمن خوف انقضاض
أي عهد ليس يرمى
…
بانتكاث وانتقاض
ومعان في سطور
…
كأسود في غياض
وشفاء لصدور
…
من ضنى الجهل مراض
حرر القصد فما شي
…
ن بنقض واعتراض
يا أبا الفضل أدر أن ال
…
له عن سعيك راض
فاز عبد أقرض الل
…
هـ برحجان القراض
وجبت غر المزايا
…
من طول أو عراض
لك يا أصدق راو
…
لك يا أعدل قاض
لرسول الله وفي
…
ت بجد وانتهاض
خير خلق الله في حا
…
ل وفي آت وماض
سدد (1) الله ابن مرزو
…
ق إلى تلك المراضي
زبدة العرفان معنى
…
كل نسك وارتياض
فتولى بسط ما أج
…
ملت من غير اقباض
ساهراً لم يدر في استخ
…
لاصه طعم اغتماض
إن يكن ديناً على الأ
…
يام يا قدحان التقاضي
دام في علو ومن عا
…
ده يهوي في اخفاض
ما وشي الصبح الدياجي
…
بسواد في بياض ثم نظمت له أيضاً في الغرض المذكور، والإكثار من هذا النمط في هذا (2) الموضوع ليس على سبيل التبجح بإجادته وغرابته، ولكن على سبيل الإشادة
(1) ص ق: سود.
(2)
ق ص: في غير هذا.
بالشرح المشار إليه، فهو بالغ راية الاستبحار (1) :
حييت يا مختط سبت بن نوح
…
بكل مزن يغتدي أو يروح
وحمل الريحان ريح الصبا
…
أمانة فيك إلى كل روح
دار أبي الفضل عياض الذي
…
أضحت برياه رياضاً تفوح
يا ناقل الآثار يعنى بها
…
وواصلاً في العلم جري الجموح
طرفك في الفضل بعيد المدى
…
طرفك للمجد شديد الطموح
كفاك (2) إعجازاً كتاب الشفا
…
والصبح لا ينكر عند الوضوح
لله ما أجزلت فينا به
…
من منحة تقصر عنها المنوح
روض من العلم هم فوقه
…
من صيب الفكر الغمام السفوح
فمن بيان الحق زهر ند
…
ومن لسان الصدق طير صدوح
تأرج العرف وطاب الجنى
…
وكيف لا يثمر أو لا يفوح
وحلة من طيب خير الورى
…
في الجيب والأعطاف منها نضوح
ومعلم للدين (3) شيدته
…
فهذه الأعلام منها تلوح
فقل لهامان كذا أو فلا
…
يا من أضل الرشد تبني الصروح
في أحسن التقويم أنشأته
…
خلقاً جديداً بين جسم وروح
فعمر المكتوب لا ينقضي
…
إذا تقضى عمر سام ونوح
كأنه في الحفل ريح الصبا
…
وكل عطف فهو غصن مروح
ما عذر مشغوف بخير الورى
…
إن هاج منه الذكر أن لا يبوح
عجبت من أكباد أهل الهوى
…
وقد سطا البعد وطال النزوح
إن ذكر المحبوب سالت دماً
…
ما هن أكباد ولا جروح
(1) الاستبحار: سقطت من ق.
(2)
ق ص: كذاك.
(3)
ق: في الدين.
يا سيد الأوضاع يا من له
…
بسيد الأرسال فضل الرجوح
يا من له الفضل على غيره
…
والشمس تخفى عن إشراق يوح (1)
يا خير مشروح وفى واكتفى
…
من ابن مرزوق بخير الشروح
فتح من الله حباه به
…
ومن جانب الله تأتي الفتوح ثم قال: وعلى الجملة والتفصيل، فهذا الرجل نسيج وحده شهرة وجلالة وخصالاً وأبوة صالحة تولاه الله وكان له، وانصرف بجماته إلى بلاد المشرق عام أربعة وستين وسبعمائة، تولاه الله تعالى وأسعد منقلبه، ومولده بتلمسان عام أحد عشر وسبعمائة، انتهى كلام لسان الدين.
[تراجم أخرى لابن مرزوق]
ولنزد في هذه الترجمة على ما ذكره فنقول: قال ابن خلدون: صاحبنا الخطيب أبو عبد الله ابن مرزوق، من أهل تلمسان، كان سلفه نزلاء الشيخ أبي مدين بالعباد، ومتوارثين تربته من لدن جدهم خادمه في حياته،وكان جده الخامس أو السادس أبو بكر ابن مرزوق معروفاً بالولاية فيهم، ونشأ محمد هذا بتلمسان، ومولده فيما أخبرني عام عشرة وسبعمائة، انتهى.
وهو مخالف (2) لما ذكره لسان الدين فيما مر عنه (3) .
ثم قال ابن خلدون: وارتحل مع والده إلى الشرق سنة ثلاث عشرة، وسمع ببجاية على الشيخ ناصر الدين (4) ، ولما جاور أبوه بالحرمين رجع إلى القاهرة، فأقام وبرع في الطلب والرواية، وكان يجيد الخطين، ورجع سنة ثلاث وثلاثين (5) إلى
(1) يوح: الشمس، ولعل الصواب:" والبدر يخفى ".
(2)
يعني تاريخ مولده.
(3)
ق: فيما يروى عنه.
(4)
وسمع
…
الدين: لم يرد في التعريف، والنص منقول عنه باختصار.
(5)
التعريف: سنة خمس وثلاثين.
المغرب، ولقي السلطان محاصراً لتلمسان، وقد شيد بالعباد مسجداً عظيماً وكان عمه محمد بن مرزوق خطيباً به على عادتهم في العباد، وتوفي، فولاه السلطان خطابة ذلك المسجد مكان عمه، وسمعه يخطب على المنبر، ويشيد بذكره ويثني عليه، فحلي بعينيه فقربه، وهو مع ذلك يلازم ابني الإمام، ويأخذ نفسه بلقاء الأفاضل والأكابر والأخذ عنهم، وحضر مع السلطان وقعة طريف، ثم استعمله في الرسالة إلى الأندلس، ثم إلى ملك قشتالة في تقرير الصلح، واستنقاذ ولده المأسور يوم طريف، ورجع بعد وقعة القيروان مع زعماء النصارى، فرجع إلى المغرب. ووفد على السلطان أبي عنان بفاس مع أمه حظية أبي الحسن، ثم رجع إلى تلمسان، وأقام بالعباد، وعلى تلمسان يومئذ أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن وأخوه أبو ثابت، والسلطان أبو الحسن بالجزائر، وقد حشد هناك، فأرسل أبو سعيد ابن مرزوق المذكور إليه سراً في الصلح، فلما اطلع أخوه أبو ثابت على الخبر أنكره على أخيه، فبعثوا من حبس ابن مرزوق، ثم أجازوه البحر إلى الأندلس، فنزل على أبي الحجاج سلطانها بغرناطة، فقربه واستعمله على الخطبة بجامع الحمراء، فلم يزل خطيبه إلى أن استدعاه أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه واستيلائه على تلمسان وأعمالها، فقدم عليه، ورعى له وسائله ونظمه في أكابر أهل مجلسه، ثم بعثه لتونس على ملكها (1) سنة ثمان وخمسين ليخطب له ابنة السلطان أبي يحيى، فردت الخطبة، واختفت بتونس، ووشي إلى السلطان أبي عنان أنه كان مطلعاً على مكانها فسخطه لذلك وأمر بسجنه، فسجن مدة، ثم أطلقه قبل موته.
ولما استولى أبو سالم على السلطنة آثره، وجعل زمام الأمور بيده، فوطئ الناس عقبه، وغشي أشراف الدولة بابه، وصرفوا إليه الوجوه، فلما وثب عمر بن عبد الله بالسلطان آخر عام اثنين وستين حبس ابن مرزوق، ثم أطلقه
(1) التعريف: عام ملكها.
بعد أن رام كثير من أهل الدولة على قتله، فمنعه منهم، ثم لحق بتونس سنة أربع وستين، ونزل على السلطان أبي إسحاق وصاحب دولته أبي محمد ابن تافراكين، فأكرموه وولوه الخطابة بجامع الموحدين، وأقام بها إلى أن هلك السلطان أبو يحيى سنة سبعين وولي ابنه خالد، ثم لما قتل السلطان أبو العباس خالداً واستولى على السلطنة، وكان بينه وبين ابن مرزوق شيء لميله مع ابن عمه محمد صاحب بجاية، عزله عن الخطبة، فوجم لها، فأجمع الرحلة إلى المشرق، وسرحه السلطان، فركب السفينة، ونزل بالإسكندرية، ثم ارتحل إلى القاهرة، ولقي أهل العلم وأمراء الدولة، ونفقت بضائعه عندهم، وأوصلوه إلى السلطان الأشرف، فولاه الوظائف العلمية، فلم يزل بها موفر الرتبة، معروف الفضيلة، مرشحاً لقضاء المالكية، ملازماً للتدريس، إلى أن هلك سنة إحدى وثمانين؛ انتهى ملخصاً.
وقال الحافظ ابن حجر: إنه لما وصل تونس أكرم إكراماً عظيماً، وفوضت إليه الخطابة بجامع السلطان وتدريس أكبر المدارس، ثم قدم القاهرة، فأكرمه الأشرف شعبان، ودرس بالشيخونية (1) والصرغتمشية والنجمية، وكان حسن الشكل، جليل القدر، مات في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين؛ ى انتهى.
وقال ابن الخطيب القسمطيني: هو شيخنا الفقيه الجليل الخطيب، توفي بالقاهرة ودفن بين ابن القاسم وأشهب، وله طريق واضح في الحديث، ولقي أعلاماً، وسمعنا منه البخاري وغيره في مجالس، ولمجلسه لباقة وجمال، وله شرح جليل على " العمدة " في الحديث؛ انتهى.
وكتب بخطه (2) بلدينا أبو عبد الله ابن العباس التلمساني ما نصه: نقلت من خط بعض السادات كتبه للإمام زعيم العلماء الحفيد ابن مرزوق أنه وجد بخط جده
(1) ص: بالسيوفية.
(2)
ص: ووجد بخط.
الخطيب ابن مرزوق لما ثقفه عمر ابن عبد الله على يد الشيخ أبي يعقوب كتب ما نصه: الحمد لله على كل حال، خرج الطبري من منسكه (1) وأبو حفص الملاي في سيرته عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله تعالى عنهم، قالا: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية التي بأعلى مكة، وليس بها يومئذ مقبور، فقال: يبعث الله من ههنا سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، فقال أبو بكر: من هم يا رسول الله قال: هم الغرباء من أمتي الذين يدفنون ههنا، ففي هذا الموضع دفن والدي رحمه الله تعالى، وبعد سماعه لهذا الحديث بسبعة أيام دفن فيه، أفتراه لا يشفع فيمن أقال عثرة ولده أفما يشترى هذا بأموال الأرض أفلا يرعى لي ثمانية وأربعين منبراً في الإسلام شرقاً وغرباً وأندلساً أفلا يرعى لي أنه ليس اليوم يوجد من يسند أحاديث الصحاح سماعاً من باب إسكندرية إلى البرين والأندلس غيري ونحو من مائتين وخمسين (2) شيخاً والله ما أعلمه، لكن حرمني الله تعالى، نبذت الاشتغال به، وآثرت اتباع الهوى والدنيا، فهويت، اللهم غفرانك! أفلا يرعى لي مجاورة نحو اثني عشر عاماً وختم القرآن في داخل الكعبة، والإحياء في محراب النبي صلى الله عليه وسلم، والإقراء بمكة، ولا أعلم من له هذه الوسيلة غيري أفلا يرعى لي الصلاة بمكة وغربتي بينكم (3) ، ومحنتي في بلدي، على محبتكم وخدمتكم، من ذا الذي خدمكم من الناس يخرج على هذا الوجه أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله من ذنوبي، وذنوبي أعظم، وربي أعلم، وربي أرحم، والسلام؛ انتهى.
(1) ص: مناسكه.
(2)
ص: مائة وخمسين.
(3)
ق: فيكم.
ففي هذا دليل على عظم قدره ومكانته في الدين والدنيا.
قلت: ولقد رأيت مصحفه بتلمسان عند أحفاده، وعليه خطه الرائق الذي أعرفه، وهو يقول: قرأت في هذا المصحف تجاه الكعبة المشرفة اثني عشر ألف ختمة؛ انتهى.
ومع هذا فقد نسي في المصحف المذكور لفظك إليك من قوله تعالى " ينقلب إليك البصر " حتى كتبه بخطه فوق السطر حفيده العلامة سيدي أبو عبد الله محمد بن مرزوق، رحم الله الجميع.
قال (1) الخطيب المذكور رحمه الله تعالى في بعض تعاليقه ما صورته: ومن أشياخ والدي سيدي محمد المرشدي، لقيه في ارتحالنا إلى الشرق، وحين حملني إليه وأنا ابن تسع عشرة سنة نزلنا عنده، ووافقنا صلاة الجمعة، ومن عادته أن لا يتخذ للمسجد إماماً، وحضر يومئذ من أعلام الفقهاء من لا يمكن اجتماع مثلهم في غير ذلك المشهد، قال: فقرب وقت الصلاة، فتشوف ممن حضر من الفقهاء والخطباء إلى التقديم، فإذا الشيخ قد خرج فنظر يميناً وشمالاً وأنا خلف والدي، فوقع بصره علي، فقال لي: يا محمد، تعال، قال: فقمت معه حتى دخلت معه في موضع خلوة، فباحثني في الفروض والشروط والسنن، وقادني إلى المنبر، وقال لي: يا محمد، ارق المنبر، فقلت له: يا سيدي، والله لا أدري ما أقول، فقال لي: ارق، وناولني السيف الذي يتوكأ عليه الخطيب عندهم، وأنا جالس مفكر فيما أقول إذا فرغ المؤذنون، فلما فرغوا ناداني بصوته، وقال لي: يا محمد قم، وقل بسم الله، قال: فقمت، وانطلق لساني بما لا أدري ما هو، إلا أني كنت أنظر إلى الناس ينظرون إلي ويخشعون من موعظتي، فأكملت الخطبة، فلما نزلت قال لي: أحسنت يا محمد،
(1) ق: وكتب.
قراك عندنا أن نوليك الخطابة، وأن لا تخطب بخطبة غيرك ما وليت وحييت، ثم سافرنا فحججنا، وأراد والدي الجوار، وأمرني بالرجوع لأونس عمي وقرابتي بتلمسان، وأمرني بالوقوف علي سيدي المرشدي هنالك، فوقفت عليه وسألني عن والدي، فقلت له: يقبل أيديكم، ويسلم عليكم، فقال لي: تقدم يا محمد، واستند إلى هذه النخلة، فإن شعيباً يعني أبا مدين عبد الله عندها ثلاث سنين، ثم دخل خلوته زماناً، ثم خرج فأمرني بالجلوس بين يديه، ثم قال لي: يا محمد، أبوك من أحبابنا وإخواننا، إلا أنك يا محمد، إلا أنك يا محمد، فكانت هذه إشارة إلى ما امتحنت به من مخالطة أهل الدنيا والتخليط، ثم قال لي: يا محمد (1) أنت متشوش من جهة أبيك، تتوهم أنه مريض، ومن بلدك، أما أبوك فبخير وعافية، وهو الآن عن يمين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن يمينه خليل المالكي، وعن يساره أحمد قاضي مكة، وأما بلدك، فبسم الله، فخط دائرة في الأرض، ثم قام فقبض إحدى يديه على الأخرى وجعلهما خلف ظهره يطوف بتلك الدائرة، ويقول: تلمسان، تلمسان، حتى طاف بتلك الدائرة مرات، ثم قال لي: يا محمد، قد قضى الله الحاجة فيها، فقلت له: كيف يا سيدي (2) فقال: ستر الله إن شاء الله على من فيها من الذراري والحريم، ويملكها هذا الذي حصرها، يعني السلطان أبا الحسن، فهو خير لهم، ثم جلس وجلست بين يديه، فقال لي: يا خطيب، فقلت: يا سيدي عبدك ومملوكك، فقال لي: كن خطيباً، أنت الخطيب، وأخبرني بأمور، وقال لي: لا بد أن تخطب بالجامع الغربي، وهو الجامع الأعظم بالإسكندرية، ثم أعطاني شيئاً من كعيكات صغار، زودني بها، وأمرني بالرحيل.
(1) فكانت
…
محمد: سقطت من ص.
(2)
ق: يا سيدي كيف.
وأما خبر تلمسان فدخلها المريني كما ذكر، وستر الله من فيها من الذراري والحريم، وكان هذا المرشدي يتصرف في الولاية كتصرف سيدي أبي العباس السبتي، نفعنا الله بهما.
وللخطيب ابن مرزوق تآليف: منها شرحه الجليل على العمدة في خمسة أسفار، جمع فيه بيت ابن دقيق العيد والفاكهاني مع زوائد، وشرحه النفيس على الشفاء، ولم يكمل، وشرحه على الأحكام الصغرى لعبد الحق، وشرحه على ابن الحاجب الفرعي، سماه إزالة الحاجب لفروع ابن الحاجب وله غيرها، وديوان خطب بالغرب مشهور كقصيدته التي قالها في نكبته بتلمسان، وأولها:
رفعت أموري لباري النسم
…
وموجدنا بعد سبق العدم ومن نظمه عند وداعه أهل تونس:
أودعكم وأثني ثم أثني
…
على ملك تطاول بالجميل
وأسأل رغبة منكم لربي
…
بتيسير المقاصد والسبيل
سلام الله يشملنا جميعاً
…
فقد عزم الغريب على الرحيل ومن نظم أبي المكارم منديل ابن آجروم يسلس المذكور عندما سجن بعد قتل السلطان أبي سالم، رحمهم الله أجمعين:
يا شمس علم أفلت بعدما
…
أضاءت المشرق والمغربا
حجبت قسراً عن عيون الورى
…
والشمس لا ينكر أن تحجبا وهو بيت علم وولاية وصلاح لعمه وجده وأبيه وجد أبيه، ولولديه محمد وأحمد وحفيده عالم الدنيا البحر أبي عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق، وولد حفيده المعروف بالكفيف، وحفيد حفيده المعروف بالخطيب، وهو آخر المذكورين منهم فيما نعلم.
[ابن مرزوق الكفيف]
قلت: كان مرادي أن أعرف بجميعهم، ولكني خشيت الطول (1) ، فلنلم بذكر الحفيد عالم الدنيا، وابنه العلامة المشهور بالكفيف، لأنه أعني الكفيف والد أم جدي أحمد، لأني احمد بن محمد بن أحمد، فوالدة الجد أحمد بنت الكفيف المذكور، وهو أعني الكفيف محمد بن محمد بن أحمد بن الخطيب الرئيس أبي عبد الله بن مرزوق المتقدم الذكر (2) ، وكان الكفيف إماماً عالماً علامة، ووصفه (3) ابن داود البلوي بأنه الشيخ الإمام، علم الأعلام، فخر خطباء الإسلام، سلالة الأولياء، وخلف الأتقياء الأرضياء، المسند الراوية المحدث العلامة المتفنن القدوة الحافل الكامل، وأخذ العلم عن جماعة: منهم عالم الدنيا أبوه، قرأ عيه الصحيحين والموطأ وغير ما كتاب من تآليفه وغيرها، وتفقه عليه وأجازه عموماً وعن عالمي تلمسان أبوي الفضل ابن الإمام والعقباني، وغيرهما واللجائي (4) والثعالبي، والنظار أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم المشدالي، وقاضي الجماعة ابن عقاب وحافظ الإسلام ابن حجر العسقلاني، وكل هؤلاء أجازوه، وقرأ عليهم مشافهة، إلا ابن حجر فمكاتبة، ومولده غرة ذي القعدة عام أربعة وعشرين وثمانمائة، نصف ليلة الثلاثاء، ومن شيوخه العلامة ابن العباس التلمساني وغيره.
وقال السخاوي: قدم الكفيف مكة سنة إحدى وستين وثمانمائة، وسمعت سنة إحدى وسبعين وثمانمائة أنه في الأحياء؛ انتهى.
وأخذ عنه جماعة أئمة كالسنوسي صاحب العقائد الشهيرة وغيرها، والونشريسي صاحب المعيار، والعلامة أبي عبد الله ابن العباس، وحلاه بشيخنا
(1) ق: التطويل.
(2)
ترجمة ابن مرزوق الكفيف في نيل الابتهاج: 354 وعنه ينقل المقري؛ والضوء اللامع 9: 46.
(3)
ق: وعرف به.
(4)
هو أحمد بن محمد بن عيسى (نيل الابتهاج: 62) ؛ وفي ق ص: البجائي.
ومفيدنا علم الأعلام وحجة الإسلام آخر حفاظ المغرب، وقال: قرأت عليه الصحيحين وبعض مختصري ابن الحاجب الفرعي والأصلي، وحضرت عله جملة من التهذيب وبعض الخونجي وغيرها، وأخذ عنه بالإجازة عالم فاس ابن غازي حسبما ذكره في كتابه المسمى التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال الساكن والناد.
وقال بعض الحفاظ: إن وفاته عام أحد وتسعمائة بتلمسان. وزرت قبره مراراً، رحمه الله تعالى؛ ونقل عنه المازوني في نوازله المسماة الدرة المكنونة في نوازل مازونة.
[ابن مرزوق الحفيد]
وأما والده (1) عالم الدنيا أبو عبد الله محمد بن مرزوق الشهير بالحفيد (2) فهو البحر الإمام المشهور الحجة الحافظ العلامة المحقق الكبير النظار المطلع المصنف المنصف التقي الصالح الناصح الزاهد العابد الورع البركة الخاشع الخاشي النبيه القدوة المجتهد الأبرع الفقيه الأصولي المفسر المحدث الحافظ المسند الراوية الأستاذ المقرئ المجود النحوي اللغوي البياني العروضي الصوفي الأواب الولي الصالح العارف بالله، الآخذ من كل فن بأوفر نصيب، الراعي في كل علم مرعاه الخصيب، حجة الله على خلقه، المفتي الشهير الرحلة الحاج، فارس الكراسي والمنابر، سليل الأكابر، سيد العلماء الأخيار، وإمام الأئمة وآخر الشيوخ ذوي الرسوخ، بدر التمام الجامع بين المعقول والمنقول والحقيقة والشريعة بأجل محصول، وآخر النظار الفحول، شيخ المشايخ، صاحب التحقيقات البديعة والاختراعات الأنيقة، والأبحاث الغريبة، والفوائد الغزيرة، المتفق على علمه وصلاحه
(1) ق: أبوه.
(2)
ترجمة ابن مرزوق الحفيد في نيل الابتهاج: 304؛ والضوء اللامع 7: 50.
وهديه، الذكي الفهامة القدوة الذي لا يسمح الزمان بمثله أبداً، أوحد الأفراد في جميع الفنون الشرعية، ذو المناقب العديدة والأحوال السديدة، شيخ الإسلام وإمام المسلمين وفتي الأنام، الذي له القدم الراسخ في كل مقام (1) ضيق، والرحب الواسع في حل كل مشكل مقفل، صاحب الكرامات والاستقامات، السني السنى الحريص على تحصيل السنة ومجانبة البدعة، السيف المسلول على أهل البدع والأهواء الزائغة، الذي أفاض الله تعالى على خلقه به بركته، ورفع بين البرية محله ودرجته، ووسع على خليقته به نحلته، معدن العلم وشعلة الفهم، وكيمياء السعادة وكنز الإفادة، ابن الشيخ الفقيه العلم أبي العباس أحمد، ابن الإمام العلامة الرئيس الكبير الخطيب الحافظ الرحلة الفقيه المحدث الشهير شمس الدين محمد، ابن الشيخ العالم الصالح الولي المجاور أبي العباس أحمد، ابن الفقيه الولي الصالح الخاشع محمد، ابن الولي الكبير ذي الكرامات والأحوال الصالحة محمد بن أبي بكر ابن مرزوق العجيسي التلمساني: كان رحمه الله تعالى آية الله في تحقيق العلوم، والاطلاع المفرط على النقول، والقيام التام على الفنون بأسرها، أما الفقه فهو فيه مالك، ولأزمة فروعه حائز ومالك، فلو رآه الإمام قال له: تقدم، فلك العهد والولاية فتكلم، فمنك يسمع فقهي وفروعي، ومثلك من راعى ما ينبغي فروعي، أو ابن القاسم لقر به عيناً وقال له: طالما دفعت عن المذهب عيناً وشيناً أو المازري، لعلم أنه بمناظرته حري، أو الحافظ ابن رشد، لقال: هلم يا حافظ الرشد، أو اللخمي لأبصر منه محاسن التبصرة، أو القرطبي لنال منه التذكرة، أو القرافي لاستفاد منه قواعده المقررة، أو ابن الحاجب لاستند إلى بابه في كشف الإشكالات المحررة، إلى ما انضم إلى ذلك من معرفة التفسير ودرره، والاضطلاع بحقائق التأويل وغرره، فلو
(1) نيل الابتهاج: مزلق.
رآه مجاهد، لعلم أنه في التحقيق خير جاهد (1) ، أو مقاتل، لقال: مثلك طبق من الفهوم الكلى وأصاب المقاتل، أو الزمخشري لعلم أنه كشاف الخفيات على الحقيقة، وقال لكتابه: تنح لهذا الحبر عن سلوك الطريقة، أو ابن عطية، لركب في الرحلة إلى الاستفادة منه المطية، أو أبو حيان لغرق في نهره، ولم تسل له نقطة من بحره، إلى الإحاطة بالحديث وفنونه، والاطلاع على أسانيده ومتونه، ومعرفة منكره ومعروفه، ونظم أنواعه ورصف صنوفه، إذ إليه الرحلة انتهت في رواياته ودراياته، وعليه المعول في حل مشكلاته، وفتح مقفلاته، وأما الأصول (2) فالعضد ينقطع عن مناظرته ساعده، والسيف يكل عند بحثه حده حتى يترك ما عنده ويساعده، والبرهان لا يهتدي معه لحجة، والمقترح لا يركب في بحره لجة. وأما النحو فلو رآه محمود (3) لتلجلج في قراءة المفصل، واستقل ما عنده من القدر المحصل، أو الرماني لاشتقاق إلى مفاكهته وارتاح، واستجدى من ثمار فوائده وامتاح، أو الزجاج علم أن زجاجه لا يقوم بجواهره، وأنه لا يجري معه في هذا العلم إلا في ظواهره، بل لو رآه الخليل، لقال: هذا هو المقصد الجليل، وأثنى عليه بكل جميل، وقال لفرسان النحو: ما لكم إلى لحوق عربيته من سبيل (4) ، وأما البيان فالمصباح لا يظهر له نور عند هذا الصبح، وصاحب المفتاح لا يهتدي معه إلى الفتح، والقزويني يلقي علومه لإيضاح المعاني، والسعد يرقى بمفهومه في مطالع المثاني، وكم له من مناقب، تنحط عن منالها الثواقب، ومواهب، تجلو بأنوارها الغياهب، وأما زهده (5)
(1) نيل الابتهاج: لعلم أنه في علوم القرآن العزيز مجاهد؛ قلت: وفي نص المقري بعض تغيير لما ورد في نيل الابتهاج.
(2)
ق: الكلام.
(3)
يعني الزمخشري.
(4)
ق ص: وقال في شأن النحو والكلام إلى لحوق بيته من سبيل، وهو مضطرب؛ وفي النيل: وقال
…
إلى لحوقه من سبيل.
(5)
ق: ورعه وزهده.
وصلاحه فقد سارت به الركبان، واتفق عليه الثقلان، فمن وصفه بالبحر، فقل له: دون علمه البحر، أو البدر فما يصل خلقه البدر، أو الدر فأنى يشبه منطقه الدر، وبالجملة فالوصف يتقاصر عن صفاته وفضلاء عصره لا يرتقون إلى صفاته، فهو شيخ العلماء في أوانه، وإمام الأئمة في عصره وزمانه، شهد بنشر علومه العاكف والبادي، وارتوى من بحار تحقيقاته الظمآن والصادي:
حلف الزمان ليأتين بمثله
…
حنثت يمينك يا زمان فكفر هكذا وصفه بعض العلماء، وهو فوق ذلك كله.
وقال في حقه بلدينا الشيخ أبو الفرج ابن أبي يحيى الشريف التلمساني رحمه الله تعالى: هو شيخنا الإمام العالم العلم، جامع أشتات العلوم الشرعية والعقلية حفظاً وفهماً وتحقيقاً راسخ القدم، رافع لواء الإمامة بين الأمم، ناصر الدين بلسانه وبنانه وبالقلم، محيي السنة بالفعال والمقال والشيم، قطب الوقت في الحال والمقام والنهج الواضح والسبيل الأمم (1) ، مستمر على الإرشاد والهداية، والتبليغ والإفادة، والرواية والدراية والعناية، ملازم الكتاب والسنة على نهج الأئمة المحفوظين من البدع في زمن لا عاصم فيه من أمر الله إلا من رحم، ذو همة علية ورتبة سنية وأخلاق مرضية وفضل وكرم، إمام الأئمة وعلم (2) الأمة الناطق بالحكم ومنير الظلم، سليل الصالحين، وخلاصة مجد التقى والدين، نتيجة مقدمات المهتدين، حجة الله على العلم والعالم، جامع بين الشريعة والحقيقة، على أصح طريقة، متمسك بالكتاب لا يفارق فريقه، الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد، اتصلت به فأويت منه إلى ربوة ذات قرار ومعين، وقصرت توجهي عليه، ومثلت بين يديه، فأنزلني - أعلى الله قدره - منزلة ولده رعاية للذمم، وحفظاً على الود الموروث من القدم، فأفادني من بحار علمه ما تقصر عنه العبارة
(1) نيل الابتهاج: الأقوم.
(2)
نيل الابتهاج: وعالم.
ويكل دونه القلم، فقرأت عليه جملة من تفسير القرآن ومن الحديث صحيح البخاري بقراءتي وقراءة غيري مراراً وصحيح مسلم كذلك وسنن الترمذي وأبي داود بقراءتي، والموطأ سماعاً وتفقهاً والعمدة، ومن علم الحديث أرجوزته الحديقة وبعض الكبرى وهي الروضة تفقهاً، ومن العربية نصف المقرب تفقهاً وجميع سيبويه كذلك، وألفية ابن مالك، وأوائل شرح الإيضاح لابن أبي ربيع، وبعض المغني لابن هشام، وفي الفقه التهذيب كله تفقهاً، وابن الحاجب الفرعي، وبعض مخنصر الشيخ خليل، والتلقين، وثلثي الجلاب، وجملة من المتيطية، والبيان لابن رشد، وبعض الرسالة، وكل ذلك قراءة تفقه، وتفقهت عليه من كتاب الشافعية في تنبيه الشيرازي ووجيز الغزالي من أوله إلى كتاب الإقرار، ومن كتب الحنفية مختصر القدوري تفقهاً، ومن كتب الحنابلة مختصر الخرقي تفقهاً، ومن أصول الفقه المحصول، ومختصر ابن الحاجب، والتنقيح، وكتاب المفتاح لجدي، وقواعد عز الدين، وكتاب المصالح والمفاسد له، وقواعد القرافي، وجملة من النظائر والأشباه للعلائي، وإرشاد العميدي، ومن أصول الدين المحصل والإرشاد تفقهاً، وفي القراءات قصيدة الشاطبي تفقهاً، وابن بري (1) ، وفي البيان التلخيص والإيضاح والمصباح، وكلها تفقهاً وفي التفقه (2) الإحياء للغزالي سوى الربع الأخير منه، وألبسني خرقة التصوف كما ألبسه أبوه وعمه، وهما ألبسهما أبوهما وجده؛ انتهى ملخصاً (3) .
وكتب المذكور تحت هذا ما نصه: صدق السيد بن السيد أبو الفرج المذكور فيما ذكر من القراءة والسماع والتفقه وبر، وقد أجزته في ذلك كله، فهو
(1) ق ص: وابن العمدة.
(2)
نيل الابتهاج: وفي التصوف.
(3)
ملخصا: سقطت من ق.
حقيق بها مع الإنصاف وصدق النظر، جعلني الله وإياه ممن علم وعمل لآخرته واعتبر، قاله محمد بن مرزوق؛ انتهى.
وقال تلميذه الولي أبو زيد سيدي عبد الرحمن الثعالبي (1) : قدم علينا بتونس شيخنا أبو عبد الله ابن مرزوق فأقام بها، فأخذت عنه كثيراً، وسمعت عليه جميع الموطإ بقراءة صاحبنا أبي حفص عمر ابن شيخنا محمد القلشاني (2) ، وختمت عليه أربعينيات النووي، قرأتها عليه في منزله قراءة تفهم، فكان كلما قرأت عليه حديثاً يعلوه خشوع وخضوع، ثم يأخذ في البكاء، فلم أزل أقرأ وهو يبكي إلى أن ختمت الكتاب، وكان من أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وأجمع الناس على فضله من المغرب إلى الديار المصرية، واشتهر ذكره في البلاد، فكان بذكره تطرز المجالس، وجعل الله تعالى حبه في قلوب العامة والخاصة فلا يذكر في مجلس إلا والنفوس مشوقة (3) إلى ما يحكى عنه، وكان في التواضع والإنصاف والاعتراف بالحق في الغاية وفوق النهاية، لا أعلم له نظيراً في ذلك في وقته، ثم ذكر كثيراً جداً من الكتب مما سمعه عليه، وأطال في ذلك.
وقال في موضع آخر: هو سيدي الشيخ الإمام الحبر الهمام، حجة أهل الفضل في وقتنا وخاتمتهم، ورحلة النقاد وخلاصتهم، ورئيس المحققين وقادتهم، السيد الكبير، والذهب الإبريز، والعلم الذي نصبه التمييز (4) ، ابن البيت الكبير، والفلك الأثير، ومعدن الفضل الكثير، سيدي أبو عبد الله محمد ابن الإمام الجليل الأوحد الأصيل، جمال الفضلاء، سليل الأولياء، أبي العباس أحمد، ابن العالم الكبير، العلم الشهير تاج المحدثين وقدوة المحققين، أبي عبد الله محمد بن مرزوق.
(1) ترجمة الثعالبي في نيل الابتهاج: 148.
(2)
من أكابر علماء تونس (- 848) ؛ انظر النيل: 180.
(3)
نيل الابتهاج: متشوقة.
(4)
ق: نصب على التمييز.
وقال أيضاً في موضع آخر: هو شيخي الإمام العلم الصدر الكبير، المحدث الثقة المحقق بقية المحدثين، وإمام الحفظة الأقدمين والمحدثين، سيد وقته وإمام عصره وورع زمانه وفاضل أقرانه، أعجوبة أوانه وفاروق زمانه، ذو الأخلاق المرضية، والأحوال الصالحة السنية، والأعمال الفاضلة الزكية، أبو عبد الله.
وقال في حقه المازوني في أول نوازله: شيخنا الإمام الحافظ بقية النظار والمجتهدين، ذو التواليف العجيبة، والفوائد الغريبة، مستوفي المطالب والحقوق، أبو عبد الله ابن مرزوق.
وقال تلميذه الحافظ العلامة أبو عبد الله التنسي عند ذكره: إن إمامنا مالكاً سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين لا أدري، وجنة العالم لا أدري ما نصه: ولم نر فيمن أدركنا من شيوخنا من تمرن على هذه الخصلة الشريفة ويكثر استعمالها غير شيخنا الإمام العلامة رئيس علماء المغرب على الإطلاق أبي عبد الله بن مرزوق.
وقال الشيخ أبو الحسن القلصادي في رحلته: أدركت (1) كثيراً منم العلماء والعباد والزهاد والصلحاء، أولاهم في الذكر والتقديم (2) الشيخ الفقيه الإمام العلامة الكبير الشهير شيخنا وبركتنا أبو عبد الله ابن مرزوق، حل كنف العلم والعلا، وجل قدره في الجلة والفضلا، قطع الليالي ساهراً، وقطف من العلم أزاهراً، فأثمر وأورق، وغرب وشرق، حتى توغل في فنون العلم واستغرق، إلى أن طلع للأبصار هلالاً لأن الغرب مطلعه، وسما في النفوس موضعه وموقعه، فلا ترى أحسن من لقائه، ولا أسهل من إلقائه، لقي الشيوخ الأكابر، وبقي حمده متعرفاً (3) من بطون الكتب والسنة الأقلام وأفواه المحابر،
(1) نيل الابتهاج: أدركت بتلمسان.
(2)
ق: والتقدم.
(3)
نيل الابتهاج: مغترفا؛ وفي ص: وبقي عمره.
وكان رضي الله عنه من رجال الدنيا والآخرة، وكانت أوقاته كلها معمورة بالطاعات ليلاً ونهاراً من صلاة وقراءة قرآن وتدريس علم وفتيا وتصنيف، وكانت له أوراد معلومة وأوقات مشهورة (1) ، وكانت له بالعلم عناية تكشف بها العماية، ودراية تعضدها الرواية، ونباهة تكسب النزاهة، قرأت عليه رضي الله عنه بعض كتابه في الفرائض وأواخر إيضاح الفارسي وشيئاً من شرح التسهيل وعرضت عليه إعراب القرآن وصحيح البخاري والشاطبيتين وأكثر ابن الحاجب الفرعي والتلقين وتسهيل ابن مالك والألفية والكافية وابن الصلاح في علم الحديث ومنهاج الغزالي وبعض الرسالة وغيرها، ثم توفي يوم الخميس بمصر رابع عشر شعبان عام اثنين وأربعين وثمانمائة وصلي عليه بالجامع الأعظم بعد صلاة الجمعة، وحضر جنازته السلطان فمن دونه، ولم أر مثلها قبل، وأسف الناس لفقده، وآخر بيت سمع منه قبل موته:
إن كان سفك دمي أقصى مرادكم
…
فما غلت نظرة منكم بسفك دمي انتهى ملخصاً.
وفي فهرست ابن غازي في ترجمة شيخه أبي محمد الورياجلي (2) ما صورته: وممن لقي من شيوخ تلمسان المحروسة الإمام العلم العلامة الصدر الأجل الأوحد المحقق النظار الحجة العالم الرباني أبو عبد الله بن مرزوق، وقد حدثني بكثير من مناقبه وصفة إقرائه، وقوة اجتهاده، وتواضعه لطلبة العلم، وشدته على أهل البدع، وما اتفق له مع بعضهم، إلى غيرها من شيمه الكريمة، ومحاسنه العظيمة؛ انتهى.
وقال بعضهم في حقه: إنه كان يسير سيرة سلفه في العلم والتخلق والحلم والشفقة وحب المساكين، آية الله في الفهم والذكاء والصدق والعدالة والنزاهة
(1) نيل الابتهاج: مشهودة.
(2)
ص: الورياطي؛ وهو خطأ.
واتباع السنة في الأقوال والأفعال، ومحبة أهلها في جميع الأحوال، مبغضاً لأهل البدع ومحباً سد الذرائع، وله كرامات؛ انتهى.
أخذ العلم عن جماعة أجلاء فمنهم (1) العلامة السيد عبد الله الشريف التلمساني، وعالم المغرب القاضي سيدي سعيد العقباني التلمساني، والوالي العابد الصالح أبو إسحاق سيدي إبراهيم المصمودي، وأفرد ترجمته بتأليف، وعن عمه وأبيه، ويروي عن جده بالإجازة وابن عرفة وأبي العباس القصار التونسي (2) ، وبفاس عن النحوي أبي حيان وأبي زيد المكودي، وجماعة غيرهما، وبمصر عن السراج البلقيني، والزين الحافظ العراقي، والشمس الغماري، والسراج ابن الملقن، وصاحب القاموس، والمحب ابن هشام ابن صاحب المغني والنور النويري، والولي ابن خلدون، والقاضي التنسي، وغيرهم.
وأخذ عنه جماعة كالثعالبي، والقاضي عمر القلشاني، وابن العباس [والعلامة] نصر الزواوي، والولي سيدي الحسن أبركان، وابنه، وأبي البركات الغماري، وأبي الفضل المشدالي، وقاضي غرناطة أبي العباس ابن أبي يحيى الشريف، وإبراهيم ابن فائد، وأبي العباس الندرومي، وابنه الكفيف، وسيدي علي بن ثابت، والشهاب بن كحيل التجاني، والعلامة أحمد بن يونس القسمطيني، والعلامة يحيى بن يدير (3) ، وأبي الحسن القلصادي، والشيخ عيسى بن سلامة البسكري، وغيرهم، كالحافظ التنسي التلمساني.
قلت: وسندي إليه عن عمي الإمام سيدي سعيد المقري، عن الشيخ أبي عبد الله التنسي، عن والده الحافظ أبي عبد الله محمد التنسي المذكور، عن ابن مرزوق المذكور بكل مروياته وتآليفه.
وقال السخاوي في حقه: هو أبو عبد الله، يعرف بحفيد ابن مرزوق، وقد
(1) ص: وأما شيوخه فمنهم
…
إلخ.
(2)
ق ص: القط والتونسي؛ وأثبت ما في نيل الابتهاج.
(3)
ق ص: زيد.
يختص بابن مرزوق، وقد تلا لنافع على عثمان الزروالي، وانتفع في الفقه بأبي عبد الله ابن عرفة، وأجازه أبو القاسم محمد بن الخشاب ومحمد بن علي الحفار الأنصاري ومحمد القيجاطي، وحج قديماً سنة تسعين وسبعمائة رفيقاً لابن عرفة، وسمع منن ابن (1) البهاء الدماميني والنور العقيلي بمكة، وفيها قرأ البخاري على ابن صديق، ولازم المحب (2) ابن هشام في العربية، وكذا حج سنة تسع عشرة وثمانمائة، ولقيه الزيني رضوان بمكة، وكذا لقيه ابن حجر؛ انتهى.
وأما تواليفه فكثيرة منها شروحه الثلاثة على البردة، وسمي الأكبر إظهار صدق المودة في شرح البردة واستوفى فيه غاية الاستيفاء، وضمنه سبعة فنون في كل بيت، والأوسط، والأصغر المسمى بالاستيعاب لما فيها من البيان والإعراب، ومنها الغاية القراطيسية (3) في شرح الشقراطيسية والمفاتيح المرزوقية في استخراج رموز الخزرجية ورجز في علوم الحديث سماه الروضة ومختصره في رجز سماه الحديقة ورجز في الميقات سماه المقنع الشافي مشتمل على ألف وسبعمائة بيت، ونهاية الأمل في شرح الجمل أي جمل الخونجي، واغتنام الفرصة في محادثة عالم قفصة وهو أجوبة عن مسائل في فنون العلم وردت عليه من علامة قفصة أبي يحيى ابن عقيبة فأجابه عنها، والمعراج إلى استمطار فوائد الأستاذ ابن سراج في كراسة ونصف، أجاب به أبا القاسم ابن سراج الغرناطي عن مسائل نحوية ومنطقية، و " أنوار (4) اليقين في شرح حديث أولياء الله المتقين وهو حديث أول حلية أبي نعيم في شأن البدلاء وغيرهم، والدليل المومي في ترجيح طهارة الكاغد الرومي، والنصح الخالص في الرد على مدعي رتبة الكامل الناقص في سبعة كراريس، رد به على عصريه الإمام أبي
(1) ابن: سقطت من نيل الابتهاج.
(2)
ص ق: المجد.
(3)
نيل الابتهاج: والمفاتيح القراطيسية.
(4)
نيل الابتهاج: ونور.
الفضل قاسم العقباني في فتواه في مسألة الفقراء الصوفية لما صوب العقباني صنيعهم وخالفه هو، ومختصر الحاوي في الفتاوي لابن عبد النور، و " الروض البهيج في مسائل الخليج "(1) وأنوار الدراري في مكررات البخاري [وأرجوزة نظم تلخيص ابن البناء] ورجز تلخيص المفتاح، نظمه في حال صغره، ورجز حرز الأماني ورجز جمل الخونجي، ورجز اختصار ألفية ابن مالك، وتأليفه في مناقب شيخه المصمودي، وتفسير سورة الإخلاص على طريقة الحكماء، وهذه كلها تامة.
وأما ما لم يكمل من تآليفه فالمتجر الربيح والسعي الرجيح والمرحب الفسيح في شرح الجامع الصحيح، وروضة الأريب في شرح التهذيب، والمنزع النبيل في شرح مختصر خليل، شرح منه كتاب الطهارة في مجلدين، ومن الأقضية إلى آخره في سفرين، وإيضاح السالك على ألفية ابن مالك، إلى اسم الإشارة أو الموصول مجلد كبير في قدر شرح المرادي، وشرح شواهد شراح الألفية إلى باب " كان " مجلد، وله خطب عجيبة.
وأما أجوبته وفتاويه على المسائل المنوعة فقد سارت بها الركبان شرقاً وغرباً، بدواً وحضراً، وقد نقل المازوني والونشريسي منها جملة وافرة.
ومن تآليفه أيضاً عقيدته المسماة عقيدة أهل التوحيد المخرجة من ظلمة التقليد والآيات الواضحات وفي وجه دلالة المعجزات والدليل الواضح المعلوم في طهارة كاغد الروم، وإسماع الصم في إثبات الشرف من قبل الأم وذكر من تواليفه شرح ابن الحاجب الفرعي، وشرح التسهيل؛ انتهى.
ومولده كما ذكر في شرحه على البردة ليلة الاثنين رابع عشري (2) ربيع الأول عام ستة وستين وسبعمائة، قال: حدثتني أمي عائشة بنت الفقيه الصالح
(1) زاد في نيل الابتهاج: في أوراق نصف كراس.
(2)
ص: رابع عشر من.
القاضي أحمد بن الحسن المديوني، وكانت من الصالحات ألفت مجموعاً من أدعيه اختارتها، وكانت لها قوة في تعبير الرؤيا اكتسبتها من كثرة مطالعتها لكتب الفن، إنه أصابني مرض شديد أشرفت منه على الموت، ومن شأنها وأبيها أنهما لا يعيش لهم ولد إلا نادراً، وكانوا أسموني أبا الفضل أول الأمر، فدخل عليها أبوها أحمد المذكور، فلما رأى مرضي وما بلغ بي غضب وقال: ألم أقل لكم لا تسموه أبا الفضل، ما الذي رأيتم له من الفضل حتى تسموه أبا الفضل سموه محمداً، لا أسمع أحداً يناديه بغيره إلا فعلت به وفعلت، يتوعد (1) بالأدب، قالت: فسميناك محمداً، ففرج الله عنك؛ انتهى.
ومن فوائده ما حكى في بعض فتاويه قال: حضرت مجلس شيخنا العلامة نخبة الزمان ابن عرفة رحمه الله تعالى أو مجلس حضرته فقرأ " ومن يعش عن ذكر الرحمن " فجرى بيننا مذكرات رائقة، وأبحاث حسنة فائقة، منها أنه قال: قرئ يعشو بالرفع ونقيض بالجزم، ووجهها أبو حيا بكلام ما فهمته، وذكر أن في النسخة خللاً، وذكر بعض ذلك الكلام، فاهتديت إلى تمامه فقلت: يا سيدي، معنى ما ذكره أن جزم نقيض بمن الموصولة لشبهها بالشرطية لما تضمنت من معنى الشرط، وإذا كانوا يعاملون الموصول الذي لا يشبه لفظه لفظ الشرط بذلك فما يشبه لفظ الشرط أولى بتلك المعاملة، فوافق رحمه الله تعالى وفرح كما أن الإنصاف كان طبعه وعند ذلك أنكر علي جماعة من أهل المجلس وطالبوني بإثبات معاملة الموصول معاملة الشرط، فقلت: نصهم على دخول الفاء في خبر الموصول في نحو الذي يأتيني فله درهم من ذلك، فنازعوني في ذلك، وكنت حديث عهد بحفظ التسهيل، فقلت: قال ابن مالك فيما يشبه المسألة: وقد يجزم متسبب عن صلة الذي تشبيهاً بجواب الشرط، وأنشدت من شواهد المسألة قول الشاعر:
(1) ق: متوعدا.
كذاك الذي يبغي على الناس ظالماً
…
تصبه على رغم عواقب ما صنع فجاء الشاهد موافقاً للحال؛ انتهى بنقل تلميذه المازوني.
وقد ذكر الشيخ (1) ابن غازي الحكاية في فهرسته في ترجمة شيخه الأستاذ الصغير، وفيها بعض مخالفة لما تقدم، فلنسقه، قال: حدثني أنه بلغه عن ابن عرفة أنه كان يدرس من صلاة الغداة إلى الزوال، يقرئ فنون، ويبتدئ بالتفسير، وإن الإمام ابن مرزوق أول ما دخل عليه وجده يفسر هذه الآيات " ومن يعش عن ذكر الرحمن " فكان أول ما فاتحه أن قال له: هل يصح كون من هنا موصولة فقال ابن عرفة: كيف وقد جزمت فقال: تشبيهاً له بالشرط، فقال ابن عرفة: إنما يقدم على هذا بنص من إمام أو شاهد من كلام العرب، فقال: إما النص فقول التسهيل كذا، وأما الشاهد فقول: الشاعر:
فلا تحفرن بئراً تريد أخاً بها
…
فإنك فيها أنت دونه تقع
كذاك الذي يبغي على الناس ظالماً
…
تصبه على رغم عواقب ما صنع فقال ابن عرفة: فأنت إذاً ابن مرزوق، قال: نعم، فرحب به؛ انتهى. وهو خلاف ما تقدم، والأول أصوب لنقل غير واحد أن جزم الموصولات إنما يكون في الجواب لا في الشرط، والله تعالى أعلم.
وفي بعض المجاميع أن ابن عرفة اشتغل بضيافته لما انقضى (2) المجلس.
ومن فوائده أنه كان يصرف لفظ أبي هريرة بناء على أن جزء العلم غير علم، وخلفه أهل فاس في ذلك لما بلغهم، وما للأستاذ الصغير والحافظ القوري (3) إلى منع الصرف لوجوه ليس لها موضعها، ومنها قول ابن مالك:
(1) الشيخ: سقطت من ق.
(2)
نيل الابتهاج: انفصل.
(3)
ص: القدوري؛ ق: النويري.
ولاضطرار كبنات الأوبر
…
فإنه مؤذن بأن جزء العلم علم، وقد ألف في المسألة ابن عباس التلمساني تأليفاً سماه الاعتراف في ذكر ما لفظ أبي هريرة من الانصراف؛ انتهى.
ومن نظمه رحمه الله تعالى:
بلد الجدار ما أمر نواها
…
كلف الفؤاد بحبها وهواها
يا عاذلي كن عاذري في حبها
…
يكفيك منها ماؤها وهواها ويعني ببلد الجدار تلمسان، ولذلك قال في رجز في علم الحديث ما صورته:
ومن بها أهل ذكاء وفطن
…
في رابع من الأقاليم قطن
يكفيك أن الداودي بها دفن
…
مع ضجيعه ابن غزلون الفطن قلت: وحدثني عمي الإمام سيدي سعيد المقري رحمه الله تعالى أن العلامة ابن مرزوق لما قدم تونس في بعض الرسائل السلطانية طلب منه أهل تونس أن يقرأ لهم في التفسير بحضرة السلطان، فأجابهم إلى ذلك، وعينوا له محل البدء، فطالع فيه، فلما حضروا قرأ القارئ غير ذلك، وهو قوله تعالى " فمثله كمثل الكلب " وأرادوا بذلك إفحام الشيخ والتعريض به، فوجم هنيهة، ثم تفجر ينابيع العلم إلى أن أجرى ذكر ما في الكلب من الخصال المحمودة، وساقها أحسن مساق، وأنشد عليها الشواهد، وجلب الحكايات، حتى عد من ذلك جملة، ثم قال في آخرها: فهذا ما حضر ما حضر محمود أفعال الكلب وخصاله، غير أن فيه واحدة ذميمة، وهي إنكاره الضيف، ثم افترق المجلس، وأخبرني أنه أطال في ذلك المجلس من الصبح إلى قرب الظهر، وقد طال عهدي بالحكاية، وإنما نقلتها بمعناها من حفظي، وهي من الغرائب، ولولا الإطالة لذكرت ما وقع له مع علماء برصه في الحجاز حسبما ذكره في مناقب شيخه المصمودي، رحم الله الجميع.
رجع إلى ذكر مشايخ لسان الدين، فنقول:
19 -
ومن مشايخ لسان الدين الرئيس أبو الحسن علي بن الجياب (1) ، وهو كما في " الإحاطة " علي بن محمد بن سليمان بن علي بن سليمان بن حسن، الأنصاري الغرناطي، أبو الحسن، قال: وهو شيخنا ورئيسنا العلامة البليغ.
ومن مشايخه أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، وخلق، قال: وقد دونت شعره، فمن معشراته قوله في حرف الجيم:
جريئاً على الزلات غير مفكر
…
جباناً على الطاعات غير معرج
جمعت لما يفنى اغتراراً بجمعه
…
وضيعت ما يبقى، سجية أهوج
جنوناً بدار لا يدوم سرورها
…
فدعها سدى، ليست بعشك فادرجي (2)
جيادك (3) في شأو الضلال سوابق
…
تفوت مدى سن الوجيه وأعوج
جهلت سبيل الرشد فاقصد دليله
…
تجد دار سعد بابها غير مرتج
جناب رسول ساد أولاد آدم
…
وقرب في السبع الطباق بمعرج
جمال أنار الأرض شرقاً ومغرباً
…
فكل سناً من نوره المتبلج (4)
جلا صدأ المرتاب أن سبح الحصى
…
لديه بنطق ليس بالمتلجلج
جعلت امتداحي والصلاة عليه لي
…
وسائل تحظيني بما أنا مرتج وقال من الأغراض الصوفية السلطانية:
هات اسقني صرفاً بغير مزاج
…
راحي هي التي راحتي وعلاجي
(1) ترجمة ابن الجياب في الكتيبة الكامنة: 183 ونيل الابتهاج: 193 ونثير فرائد الجمان: 239 (رقم: 6) ودرة الحجال 2: 435 والديباج المذهب: 207 والإحاطة: 330 (وهي موجزة) .
(2)
ليس بعشك فادرجي: مثل يقال في من يدخل نفسه في ما لا يعنيه.
(3)
ص ق: جيادي.
(4)
سقط البيت من ق.
إن صب منها في الزجاج قطرة
…
شف الزجاج عن السنا الوهاج
وإذا الخليع أصاب منها شربة
…
حاجاه بالسر المصون محاجي
وإذا المريد أصاب منها جرعة
…
ناجاه بالحق المبين مناجي
تاهت به في مهمه لا يهتدي
…
فيه لتأويب ولا إدلاج
يرتاح من طرب بها فكأنما
…
غنته بالأرمال والأهزاج
هبت عليه نسمة قدسية
…
في فيء باب دائم الإرتاج
فإذا انثنى يوماً وفيه بقية
…
سارت قصداً على المنهاج
وإذا تمكن منه سكر معربد
…
فليصبرن لمصرع الحلاج
قصرت عبارة فيه عن وجدانه
…
فغدا يقيض بمنطق لجلاج
أعشاه نور للحقيقة باهر
…
فتراه يخيط في الظلام الداجي
رام الصعود بها إلى مركز أصله
…
فرمت به في بحرها المواج
فلئن أمد برحمة وسعادة
…
فليخلصن من بعد طول هياج
وليرجعن بنعمة موفورة
…
ما شيب بعذب شرابها بأجاج
ولئن تخطاه القبول لما جنى
…
فليرجعن نكساً على الأدراج
ما أنت إلا درة مكنونة
…
قد أودعت في نطفة أمشاج
فاجهد على تخليصها من طبعها
…
تعرج بها في أرفع المعراج
واشدد يديك معاً على حبل التقى
…
فإن اعتصمت به فأنت الناجي
ولدى العزيز ابسط بساط تذلل
…
وإلى الغني امدد يد المحتاج
هذا الطريق له مقدمتان صا
…
دقتان أنتجتا أصح نتاج
فاجمع إلى ترك الهوى حمل الأذى
…
واقنع من الإسهاب بالإدماج
حرفان قد جمعا الذي قد سطروا
…
من بسط أقوال طول حجاج
والمشرب الأصفى الذي من ذاقه
…
فقد اهتدى منه بنور سراج
أن لا ترى إلا الحقيقة وحدها
…
والكل مضطر إليها لاجي
هذي بدائع حكمة أنشأتها
…
بإشارة المولى أبي الحجاج
وسع الأنام بفضله وبعدله
…
وبحلمه وبجوده الثجاج
من آل نصر نخبة الملك الرضى
…
أمن المروع هم وغيث الراجي
من آل قيلة ناصري خير الورى
…
والخلق بين تخاذل ولجاج
ماذا أقول وكل قول قاصر
…
في وصف بحر زاخر الأمواج
منه لباغي العرف در فاخر
…
ولمن يعادي الدين هول فاجي
دامت سعودك في مزيد والمنى
…
تأتيك أفواجاً على أفواج وقال من المطولات:
لمن المطايا في السراب سوابحا
…
تفلي الفلاة غوادياً وروائحا
عوج كأمثال القسي ضوامر
…
يرمين في الآفاق مرمى نازحا وقال يمدح، ويصف مصنعاً سلطانياً (1) :
زارت تجر بنخوة (2) أذيالها
…
هيفاء تخلط بالنفار دلالها
فالشمس من حسد لها مصفرة
…
إذ قصرت عن أن تكون مثالها
وافتك تمزج لينها بقساوة
…
قد أدرجت طي العتاب نوالها
كم رمت كتم مزارها لكنه
…
صحت دلائل لم تطق إعلاها
تركت على الأرجاء عند مسيرها
…
أرجاً كأن المسك فت خلالها
ما واصلتك محبة وتفضلاً
…
لو كان ذاك لواصلن إفضالها
لكن توقعت السلو فجددت
…
لك لوعة لا تتقي ترحالها
فوحبها (3) قسماً يحق بروره
…
لتشجمنك في الهوى أهوالها
(1) انظر نثير فرائد الجمان: 241.
(2)
نثير: تجرر نخوة.
(3)
ق: فوحقها.
حسنت نظم الشعر في أوصافها
…
إذ قبحت لك في الهوى أفعالها
يا حسن ليلة وصلها، ما ضرها
…
لو أتبعت من بعدها أمثالها
لما سكرت بريقها وجفونها
…
أهملت كأسها لم ترد إعمالها
هذا الربيع أتاك ينشر حسنه
…
فافسح لنفسك في مداه مجالها
واخلع عذارك في البطاله جامحاً
…
واقرن بأسحار الهنا آصالها
في جنة تجلو محاسنها كما
…
تجلو العروس لدى الزفاف جمالها
شكرت أيادي للحيا شكر الورى
…
شرف الملوك همامها مفضلها
وصميمها أصلاً وفرعاً، خيرها
…
ذاتاً خلقاً، سمحها بذالها
الطاهر الأعلى الأمين المرتضى
…
بحر المكارم غيثها سلسالها
حاز المعالي كابراً من كابر
…
وجرى لغايات الكرام فنالها
إن تلقه في يوم بذل هباته
…
تلق الغمائم أرسلت هطالها
أو تلقه في يوم جرب عداته
…
تلق الضراغم فارقت أشبالها
ملك إذا ما صال يوماً صولة
…
خلت البسيطة زلزلت زلزالها
فبسيبه وبسيف نلت المنى
…
واستعجلت أعداؤه أجالها
الواهب الآلاف قبل سؤالها
…
فكفى العفاة سؤالها ومطالها
القاتل الآلاف قبل قراعها
…
فكفى العداة قراعها ونزالها
إن قلت بحر كفه قصرت إذ
…
شبهت بالملح الأجاج نوالها
ملأ البسيطة عدله وأمانه
…
فالوحش لا تعدو على من غالها
وسقى البرية فيض كفيه فقد
…
عم البلاد سهولها وجبالها
جمع العلوم عناية بعيونها (1)
…
آدابها وحسابها وجدالها
منقولها معقولها، وأصولها
…
وفروعها، تفصيلها إجمالها
فإذا عفاتك عاينوك تهللوا
…
لما رأوا من كفك استهلالها
(1) ق ونثير: بفنونها.
وإذا عداتك أبصروا تيقنوا
…
أن المنية سلطت رئبالها
بددت شملهم ببيض صوارم
…
رويت من علق الكماة نصالها
وأبحت أرضهم فأصبح أهلها
…
خواراً (1) تغادر نهبة أموالها
فتحت إمارتك السعيدة للورى
…
أبواب بشرى واصلت إقبالها
وبنت مصانع رائقات ذكرت
…
دار النعيم جنانها وظلالها
وأجلها قدراً وأرفعها مدى
…
هذا الذي سام النجوم وطالها
هو جنة فيها الأمير مخلد
…
بلغت إمارته بها آمالها
ولأرض أندلس مفاخر أنتم
…
أربابها أضفيتم سربالها
فحميتم أرجائها، وكفيتم
…
أعداءها، وهديتم ضلالها
فبآل نصر فاخرت لا غيرهم
…
لم تعتمد من قبلهم أقيالها
بمحمد ومحمد ومحمد
…
قصرت على الخصم الألد نضالها
فهم الألى ركبوا لكل عظيمة
…
جرداً كسين من النجيع جلالها
وهم الألى فتحوا لكل ملمة
…
باباً أزاح بفتحه إشكالها
متقلدون من السيوف عضابها
…
متأبطون من الرماح طوالها
الراكبون من الجياد عرابها
…
والضاربون من العدا أبطالها
أولي عهد المسلمين ونخبة ال
…
أملاك صفوة محضها وزلالها
إن العباد مع البلاد مقرة
…
بفضائل لك مهدت أحوالها
فتفك عانيها، وتحمي سربها
…
وتفيد حلماً دائماً جهالها وقال يرثي ولده أبا القاسم رحمهما الله تعالى:
هو البين حتماً، لا لعل ولا عسى
…
فما بال نفسي لم تفض عند أسى
وما لفؤادي لم يذب منه حسرة
…
فتباً لهذا القبل سرعان ما قسا
(1) نثير: جزرا.
وما لجفوني لا تفيض مورداً
…
من الدمع يهمي تارة ومورسا
وما للساني مفصحاً بخطابه
…
وما كان لو أوفى بعهد لينسبا (1)
أمن بعد ما أودعت روحي في الثرى
…
ووسدت مني فلذة القلب مرسما
وبعد فراق ابني أبا القاسم الذي
…
كساني ثوب الثكل لا كان ملبسا
أؤمل (2) في الدنيا حياة وأرتضي
…
مقيلاً لدى أبنائها ومعرسا
فآهاً وللمفجوع فيها استراحة
…
ولا بد للمصدور أن يتنفسا
على عمر أفنيت فيه بضاعتي
…
فأسلمني للقبر حيران (3) مفلسا
ظللت به في غفلة وجهالة
…
إلى أن رمى سهم الفراق فقرطسا
إلى الله أشكو برح حزني فإنه
…
تلبس منه القلب ما قد تلبسا
وهدة خطب نازلتني عشية
…
فما أغنت الشكوى ولا نفع الأسا
فقد صدعت شملي وأصمت مقاتلي (4)
…
وقد هدمت ركني الوثيق المؤسسا
ثبت لها وقعاً لشدة وقعها
…
فما زلزلت صبري الجميل وقد رسا
وأطمع أن يلقى برحمته الرضى
…
وأجزع أن يشقى بذنب فينسكا
أبا القاسم اسمع شكو والدك الذي
…
حسا من كؤوس البين أفظع ما حسا
وقفت فؤادي مذ رحلت على الأسى
…
فأشهد لا ينفك وقفاً محبسا
وقطعت آمالي من الناس كلهم
…
فلست أبالي أحسن المرء أم أسا
تواريت يا بدري وشمسي وناظري
…
فصار وجودي مذ تواريت حندسا
وخلفت لي عبئاً من الثكل فادحاً
…
فما أتعب الثكلان نفساً وأتعسا
أحقاً ثوى ذاك الشاب فلا أرى
…
له بعد هذا اليوم حولي مجلسا
فيا غصناً نضراً ثوى عندما استوى
…
وأوحشني أضعاف ما كان أنسا
ويا نعمة لما تبلغتها انقضت
…
فأنعم أحوالي صار بها أبؤسا
(1) ق: ليقبسا.
(2)
ق ص: أآمل.
(3)
ص: خزيان.
(4)
ق: مفاصل.
لودعته والدمع تهمي سحابه
…
كما أسلم السلك الفريد المخمسا
وقبلت في ذاك الجبين مودعاً
…
لأكرم من نفسي علي وأنفسا
وحققت من وجدي به قرب رحلتي
…
وماذا عسى أن ينظر الدهر من عسا
فيا رحمة للشيب يبكي شبيبة
…
قياس لعمري عكسه كان أقيسا
فلو أن هذا الموت يقبل فدية
…
حبونا أموالاً كراماً وأنفسا
ولكنه حكم من الله واجب
…
يسلم فيه من بخير الورى ائتسى
تغمدك الرحمن بالعفو والرضى
…
وكرم مثواك الجديد وقدسا
وألف منا الشمل في جنة العلا
…
فنشرب تنسيماً ونشرب سندسا وكتب إلى القاضي الشريف وهو بوادي آش:
أهزلاً وقد جدت بك اللمة الشمطا
…
وأمناً وقد ساورت يا حية رقطا
أغرك طول العمر في غير طائل
…
وسرك (1) أن الموت في سيره أبطا
رويداً فإن الموت أسرع وافد
…
على عمرك الفاني ركائبه حطا (2)
فإذ ذاك لا تسطيع إدراك ما مضى
…
بحال، ولا قيضاً تطيق ولا بسطا (3)
تأهب فقد وافى مشيبك منذراً
…
وها هو في فوديك أحرفه خطا (4)
فوافقت منه كاتب السر واشياً
…
له القلم الأعلى يخط به وخطا
معمى كتاب فكه احذر فهذه
…
سفينة هذا العمر قاربت الشطا
وإن طالما خاضت به اللجج التي
…
خطبت بها في كل مهلكة خبطا
وما زلت في أمواجها متقلباً
…
فآونة رفعاً وآونة حطا
فقد أوشكت تلقيك في قعر حفرة
…
تشد عليك الجانبين بها ضغطا
ولست على علم بما أنت بعدها
…
ملاق، أرضواناً من الله أم سخطا
(1) ص: وغرك.
(2)
سقط هذا البيت من ق.
(3)
وقع البيت بعد تاليه.
(4)
وقع البيت ثالثا في ص.
وأعجب شيء منك دعواك في النهى
…
وهذا الهوى المردي على العقل قد غطى
قسطت عن الحق المبين جهالة
…
وقد خالفتك النفس فادعت القسطا
وطاوعت شيطاناً تجيب إذا دعا
…
وتقبل إن أغوى، وتأخذ إن أعطى
تناءى عن الآخرة، وقد قربت مدى
…
تداني من الدنيا، وقد أزمعت شحطا
وتمنحها حباً وفرط صبابة
…
وما منحت إلا القتادة والخرطا
فها أنت تهوى وصلها وهي فارك
…
وتأمل قرباً من حماها وقد شطا
صراط هدى نكبت عنه عماية
…
ودار ردى أوعيت في سحتها سرطا (1)
فما لك إلا السيد الشافع الذي
…
له فضل جاه كل ما يرتجي يعطى
دليل إلى الرحمن، فأنهج سبيله
…
فمن حاد عن نهج الدليل فقد أخطا
محبته شرط القبول، فمن خلت
…
صحيفته منها فقد فقد الشرطا
وما قبلت منه لدى الله قربة
…
وما زكت الأعمال، بل حبطت حبطا
به الحق وضاح، به الإفك زاهق
…
به الفوز مرجو، به الذنب قد حطا
هو الملجأ الأحمى، هو الموئل الذي
…
به في غد يستشفع المذنب الخطا
لقد مازجت روحي محبته التي
…
بقلبي خطت قبل أن أعرف الخطا
إليك ابن خير الخلق بنت بديهة
…
تقبل تبجيلاً أناملك السبطا
وحيدة هذا العصر وافت وحيدة
…
لتبسط من شتى بدائعها بسطا
وتتلو آيات التشيع إنها
…
لموثقة عهداً ومحكمة ربطا
لك الشرف المأثور يا ابن محمد
…
وحسبك أن تنمى إلى سبطه سبطا
إلى شرفي دين وعلم تظاهرا
…
تبارك من أعطى وبورك في المعطى
ورهطك أهل البيت، بيت محمد
…
فأعظم به بيتاً، وأكرم به رهطا
بعثت به عقداً من الدر فاخراً
…
وذكر رسول الله درته الوسطى
وأهديت منه للسيادة غادة
…
نظمت من الدر الثمين بها سمطا
(1) هذه قراءة ص؛ وفي ق: شحمها شرطا.
وحاشيتها من كل ما شانها، فإن
…
تجعد حوشي تجد لفظها سبطا
وفي الطيبين الطاهرين نظمتها
…
فساعدها من أجل ذلك حرف الطا
عليك سلام الله ما ذر شارق
…
وما رددت ورقاء في غصن لغطا قال:
لله عصر الشباب عصراً
…
فتح للخير كل باب
حفظت ما شئت فيه حفظاً
…
كنت أراه بلا ذهاب
حتى إذا ما الشيب وافى
…
ند ولكن بلا إياب
لا تعتنوا بعدها بحفظ
…
وقيدوا العلم بالكتاب وقال:
يا أيها الممسك البخيل
…
إلهك المنفق الكفيل
أنفق وثق بالإله تربح
…
فإن إحسانه جزيل
وقدم الأقربين واذكر
…
ما روي أبداً بمن تعل وقال:
وقائلة لم عراك المشيب
…
وما إن بعهد الصبا من قدم
فقلت لها لم أشب كبرة
…
ولكنه الهم نصف الهرم وقال:
أيعتادني كل سقم وأنت طبيب
…
وتبعد آمالي وأنت قريب
يقيني أن الله جل جلاله
…
يقيني فراجي الله ليس يخيب وقال:
هي النفس إن أنت سامحتها
…
رمت بك أقصى مهاوي الخديعه
وإن أنت جشمتها خطة
…
تنافي رضاها تجدها مطيعه
فإن شئت فوزاً فناقض هواها
…
وإن وصلتك أجزها بالقطيعه
ولا تعبأن بميعادها
…
فميعادها كسراب بقيعه وقال:
من أنت يا مولى الورى مقصوده
…
طوبى له قد ساعدنه سعوده
فليشهدنك له فؤاد صادق
…
وشهوده قامت عليه شهوده
وليفنين عن نفسه ورسومه
…
طراً، وفي ذلك الفناء وجوده
وليحفظنه بارق يرقى به
…
في أشرف المعراج ثم يعيده
حتى يظل ولا يدري دهشة
…
تقريبه المقصود أم تبعيده
لكنه ألقى السلاح مسلماً
…
فمراده ما أنت منه تريده
فلقد تساوى عند إكرامه
…
وهوانه ومفيده ومبيده وقال ملغزاً في حجل (1) :
حاجيت (2) كل فطن لبيب
…
ما اسم لأنثى من بني يعقوب (3)
ذات كرامات فزرها قربة
…
فزورها أحق بالتقريب
تشركها في الاسم أنثى لم تزل
…
حافظة لسرها المحجوب
وقد جرى في خاتم الوحي الرضى
…
لها حديث ليس بالمكذوب
وهو إذا ما الفاء (4) منه صحفت
…
صبغ الحياء لا الحيا المسكوب
فهاكها واضحة أسرارها
…
فأمرها أقرب من قريب وقال أيضاً في آب:
(1) الكتيبة الكامنة: 189.
(2)
الكتيبة: خاطبت.
(3)
اليعقوب: ذكر الحجل.
(4)
يعني فاء الكلمة وهو حرف الحاء.
حاجيتكم ما اسم علم
…
ذو نسبة إلى العجم
يخبر بالرجعة وه
…
وراجع كما زعم
وصف الحبيب هو بالت
…
صحيف أو بدء قسم
دونكه أوضح من
…
نار على رأس علم وقال في كانون:
وما اسم لسميين
…
ولم يجمعهما جنس
فهذا كلما يأتي
…
فبالآخر لي أنس
وهذا ما له شخص
…
وهذا ما له حس
وهذا ما له سوم
…
وذا قيمته فلس
وهذا أصله الأرض
…
وهذا أصله الشمس
وهذا واحد من سب
…
عة تحيا بها النفس
فمن محموله الجن
…
ومن موضوعه الإنس
فقد بان الذي ألغز
…
ت ما في أمره لبس وقال في سلم:
ما اسم مركب مفيد الوضع
…
مستعمل في الوصل لا في القطع
ينصب لكن أكثر استعمال من
…
يعنى به في الخفض أو في الرفع
هو إذا حققته مغيراً (1)
…
تراه شملاً لم يزل ذا صدع
فالاسم إذا طليته تجده في
…
خامسة من الطوال السبع (2)
وهو إذا صحفته يعرب عن
…
مكسر في غير باب الجمع (3)
(1) الكتيبة: وهو إذا صغرته مخففا.
(2)
إشارة إلى الآية " أو سلما في السماء "(الأنعام: 25) .
(3)
إذا صحف " سلم " أصبح " يثلم " أي يتكسر.
له أخ أفضل منه لم تزل
…
آثاره محمودة في الشرع (1)
هما جميعاً من بني النجار والأف
…
ضل أصل في حنين الجذع (2)
فهاكه قد سطعت أنواره
…
لا سيما لكل زاكي الطبع وقال في مائدة:
حاجيت كل فطن نظار
…
ما اسم لأنثى من بني النجار
وفي كتاب الله جاء ذكرها
…
فقلما يغفل عنها القاري
في خبر المهدي فاطلبها تجد
…
إن كنت من مطالعي الأخبار
ما هي إلا العيد عيد رحمة
…
ونعمة ساطعة الأنوار
يشركها في الاسم وصف حسن
…
من وصف قضب الروضة المعطار (3)
فهاكه كالشمس في وقت الضحى
…
قد شف عنها حجب الأستار ثم قال لسان الدين: وأما نثره فمطولات عرفت بما تخللها من الأحوال متونها، وقلت لمكان البديهة والاستعجال عيونها، وقد اقتنصت جزءاً منها سميته تافه من حجم ونقطة من يم وولد بغرناطة في جمادى الأولى عام ثلاثة وسبعين وستمائة، وتوفي ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة، وأنشدت من نظمي في رثائه خامس يوم دفنه على قبره هذه القصيدة:
ما لليراع خواضع الأعناق
…
طرق النعي فهن في إطراق
وكأنما صبغ الشحوب وجوهها
…
والسقم من الجزع ومن إشفاق
ما للصحائف صوحت روضاتها
…
أسفاً وكن نضيرة الأوراق
ما للبيان كؤوسه مهجورة
…
غفل المدير لها ونام الساقي
(1) أخوه هو المنبر.
(2)
من بني النجار: من صنع النجار.
(3)
أي أن قضب الروض تميد فهي " مائدة " أي متمايلة.
ما لي عدمت تجلدي وتصبري
…
والصبر في الأزمات من أخلاقي
خطب أصاب بني البلاغة والحجى
…
شب الزفير به عن الأطواق
أما وقد أودى أبو الحسن الرضى
…
فالفضل أودى على الإطلاق
كنز المعارف لا تبيد نقوده
…
يوماً ولا تفنى على اللإنفاق
من للبدائع أصبحت سمر السرى
…
ما بين شام للورى وعراق
من لليراع يجيل من خطيها
…
سم العدا ومفاتح الأرزاق
قضب ذوابل مثمرات بالمنى
…
وأراقم ينفثن بالترياق
من للرقاع الحمر يجمع حسنها
…
خجل الخدود وصبغة الأحداق
تغتال أحشاء العدو كأنها
…
صفحات دامية الغرار رقاق
وتهز أعطاف الولي كأنها
…
راح مشعشعة براحة ساقي
من للفنون يجيل في ميدانها
…
خيل البيان كريمة الأعراق
من للحقائق أبهمت أبوابها
…
للناس يفتحها على استغلاق
من للمساعي الغر تقصد جاهه
…
حرماً فينصرها على الإخفاق
كم شد من عقد وثيق حكمه
…
في الله أو أفتى بحل وثاق
رحب الذراع بكل خطب فادح
…
أعيت رياضته على الحذاق
صعب المقادة في الهوادة والهوى
…
سهل على العافين والطراق
ركب الطريق إلى الجنان وحورها
…
يلقينه بتصافح وعناق
فاعجب لأنس في مظنة وحشة
…
ومقام وصل في مقام فراق
أمطيباً بمحامد العمل الرضى
…
ومكفناً بمكارم الأخلاق
ما كنت أحسب قبل نعشك أن أرى
…
رضوى تسير به على الأعناق
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى
…
أن اللحود خزائن الأعلاق
يا كوكب الهدي الذي من بعده
…
ركد الظلام بهذه الآفاق
يا واحداً مهما جرى في حلبة
…
جلى بغرة سابق السباق
يا ثاوياً بطن الضريح وذكره
…
أبدا ًرفيق ركائب ورفاق
يا غوث من وصل الصريخ فلم يجد
…
في الأرض من وزر ولا من واق
ما كنت إلا ديمة منشورة
…
من غير إرعاد ولا إبراق
ما كنت إلا روضة ممطورة
…
ما شئت من ثمر ومن أوراق
يا مزمعاً عنا العشي ركابه
…
هلا ثويت ولو بقدر فواق
رفقاً أبانا جل ما حملتنا
…
لا تنس فينا عادة الإشفاق
واسمح ولو بمزار لقيا في الكرى
…
تبقي بها منا على الإرماق
وإذا اللقاء تصرمت أسبابه
…
كان الخيال تعلة المشتاق
عجباً لنفس ودعتك وأيقنت
…
أن ليس بعد نواك يوم تلاقي
ما عذرها إن لم تقاسمك الردى
…
في فضل كأس قد شربت دهاق
إن قصرت أجفاننا عن أن ترى
…
تبكي النجيع عليك باستحقاق
واستوقفت دهشاً فإن قلوبنا
…
نهضت بكل وظيفة الآماق
ثق بالوفاء على المدى من فتية
…
بك تقتدي في العهد والميثاق
سجعت بما طوقتها من منة
…
حتى زرت بحمائم الأطواق
تبكي فراقك خلوة عمرتها
…
بالذكر في طفل وفي إشراق
أما الثناء على علاك فذائع
…
قد صح بالإجماع والإصفاق
والله قد قرن الثناء بأرضه
…
بثنائه من فوق سبع طباق
جادت ضريحك ديمة هطالة
…
تبكي عليه بواكف رقراق
وتغمدتك من الإله سعادة
…
تسمو بروحك للمحل الراقي
صبراً بني الجياب إن فقيدكم
…
سيسر مقدمه بما هو لاق
وإذا الأسى لفح القلوب أواره
…
فالصبر والتسليم أي رواق وأنشد في هذا الغرض الفقيه أبو عبد الله ابن جزي:
ألم تر أن المجد أقوت معالمه
…
فأطنابه قد قوضت ودعائمه
هوى من سماء المعلوات هلالها
…
وخانت جواد المكرمات قوائمه
وثلت من الفخر المشيد عروشه
…
وفلت من العز المنيع صوارمه
وعطل من حلي البلاغة قسها
…
وعري من جود الأنامل حاتمه
أجل إنه الخطب الذي جل وقعه
…
وثلم غرب الدين والعلم هاجمه
وإلا فما للنوم طار مطاره
…
وما للزيم الحزن قصت قوادمه
وما لصباح الأنس أظلم نوره
…
وما لمحيا الدهر قطب باسمه
وما لدموع العين فضت كأنها
…
فواقع زهر والجفون كمائمه
قضى الله في قطب الرياسة أن قضى
…
فشتت ذاك الشمل من هو ناظمه
ومن قارع الأيام سبعين حجة
…
ستنبو غراره ويندق قائمه
وفي مثلها أعيا النطاسي طبه
…
وضل طريق الحزم في الرأي حازمه
تساوى جواد في رداه وباخل
…
فلا الجود واقيه، ولا البخل عاصمه
وما نفعت رب الجياد كرامه
…
ولا منعت منه الغني كرائمه
وكل تلاق فالفراق أمامه
…
وكل طلوع فالغروب ملازمه
وكيف مجال العقل في غير منفذ
…
إذا كان باني مصنع هو هادمه
ليبك علياً مستجير بعدله
…
يصاخ لشكواه ويمنع لظالمه
ليبك علياً مائح بحر علمه
…
يروى بأنواع المعارف هائمه
ليبك علياً مظهر فضل نصحه
…
يحلأ عن ورد المآثم حائمه
ليبك علياً معتف جود كفه
…
يواسيه في أمواله ويقاسمه
ليبك علياً ليله وهو قائم
…
يكابده أو يومه وهو صائمه
ليبك علياً فضل كل بلاغة
…
يخلده في صفحة الطرس راقمه
وشخص ضئيل الجسم يرهب نفثه
…
ليوث الشرى في خيسها وضراغمه (1)
(1) في هذا البيت كناية عن القلم.
تكفل بالرزق المقدر للورى
…
إذا الله أعطى فهو في الناس قاسمه
يسدده سهماً وينضوه صارماً
…
ويشرعه رمحاً فكل يلائمه
إذا سال من شقيه سائل حبره
…
بما شاء منه سائل فهو عالمه
ليبك عليه اليوم من كان باكياً
…
فتلك مغانيه خلت ومعالمه
تقلد منه الملك عضب بلاغة
…
يقد السلوقي المضاعف صارمه
وقلده مثنى الوزارة فاكتفى
…
بها ألمعي حازم الرأي عازمه
ففي يده وهو الزعيم بحقها
…
براعته والمشرفي وخاتمه
سخي على العافين سهل قياده
…
أبي على العادين صعب شكائمه
إذا ضلت الآراء في ليل حادث
…
رآها برأي يصدع الخطب ناجمه
وقام بأمر الدين والملك حامياً
…
فذل معاديه وضل مراغمه
وقد كان نيط العلم والحلم والتقى
…
به وهو ما نيطت عليه تمائمه
ودوخ أعناق الليالي بهمة
…
يبيت ونجم الأفق فيها يزاحمه
وزاد على بعد المنال تواضعاً
…
أبى الله إلا أن تم مكارمه
سقيت الغوادي؛ أي علم وحكمة
…
ودين متين ذلك القبر كاتمه
وما زال يستسقى بدعوتك الحيا
…
وها هو يستسقى لقبرك ساجمه
بكت فقدك الكتاب إذ كان شملهم
…
يؤلفه من دوح فضلك ناعمه
وطوقتهم بالبر ثم سقيتهم
…
نداك فكنت الروض ناحت حمائمه
ويبكيك مني ذاهب الصبر موجع
…
توقد في جنبيه للحزن جاحمه
فتىً نال منه الدهر إلا وفاءه
…
فما وهنت في حفظ عهد عزائمه
عليل الذي زرت عليه جيوبه
…
قريح الذي شدت عليه حزائمه
فقد كنت ألقى الخطب منه بجنة
…
تعارض دوني بأسه وتصادمه
سأصبر مضطراً وإن عظم الأسى
…
أحارب حزني مرة وأسالمه
وأهديك إذ عز اللقاء تحية
…
وطيب ثناء كالعبير نواسمه
وأنشد الفقيه القاضي أبو جعفر ابن جزي قصيدة أولها:
أبثكما والصبر للعهد ناكث
…
حديثاً أملته علي الحوادث وأنشد القاضي أبو بكر ابن علي القرشي قصيدة أولها:
هي الآمال غايتها نفاد
…
وفي الغايات تمتاز الجياد وأنشد الفقيه الكاتب القاضي أبو القاسم ابن الحكم قصيدة أولها:
لينع الحجى والحلم من كان ناعيا
…
ويرع العلا والعلم من كان راعيا قصائد مطولات يخرج استقصاؤها عن الغرض، فكان هذا التأبين غريباً لم يتقدم به عهده بالحضرة لكونها دار ملك، والتجلة في مثل هذا مقصورة على أولي الأمر؛ انتهى ما لخصته من ترجمته في " الإحاطة ".
ولنزد فنقول: ومن ألغازه في الدرهم:
ما بغيض إلى الكرام خصوصاً
…
وحبيب إلى الأنام عموما
فاعجبوا منه كيف يحمي ويحمى
…
ويكف العدا ويغني العديما
إن تغير شطريه فالأول اسم
…
يألف الضرع والغمام السجوما
ويكون الثاني كبير أناس
…
حطمته حياته تحطيما
فإذا ما قلبت أول شطر
…
رد منطوق لغزه مفهوما
وإذا ما قلبت ثاني شطر
…
كان كفاً وليس كفاً رقيماً
قلبه بعد حذفك الفاء منه
…
هو شيء يحلل التحريما
أو صغير مستحس لم يؤدب
…
إن تعلمه يقبل التعليما
فالتبين ما قلته ولتعين
…
وبه فلتقم مقاماً كريما وقال في المسك:
ما طاهر طيب ولكن
…
ما أصله من ذوي الطهارة
من الظباء الحسان لكن
…
إذا تأملته ففاره
نص حديث الرسول فيه
…
شهادة تقتضي بشاره
تصحيفه بعد حذف حرف
…
منزلك الآهل العمارة يعني مبنى.
وقال في فلك:
ما اسم لشيء مرتقي
…
في مغرب ومشرق
إذا حذفت فاءه
…
كان لك الذي بقي وقال أيضاً في الفنار:
ما اسم إذا حذفت من
…
هـ فاءه المنوعه
فإنه ابنة الزنا
…
مضافة لأربعه يعني ابنة الزناد، وهي النار.
وقال في النوم:
ما اسم مسماه به
…
يسقط حكم التكليف
وإن دخلت البيت بالتص
…
حيف حق التعنيف
وإن أردت شبهه
…
فقلبه بالتصحيف
بينه فهو في كتا
…
ب الله بادي التعريف وقال في غزال:
حاجيتكم ما اسم شيىء
…
يروق في الوصف حسنا
له محاسن شتى
…
منها فرادى ومثنى
(1)
…
له بل السعر أثنى
مهما تنله بحذف
…
أتاك حرفاً لمعنى (2)
إن زال أول حرف
…
زال الذي منه يعنى
أو زال ثانية منه
…
فالقتل أدهى وأفنى
أو زال ثالثة فه
…
ولغو صب معنى
أو زال رابعة فال
…
جهاد فيه تسنى
فأوضح القصد يا من
…
قد فاق عقلاً وذهنا وقال في النمل:
ما حيوان اسمه
…
قد جاء في الذكر الحكيم
وهو إذا قلبته
…
لمن به أنت عليم
وإن تصحف اسمه
…
فبعض أوصاف اللئيم وقال في دواة:
وما أثنى بها رعي الرعايا
…
وإمضاء المنايا والقضايا
وتقصدها بنوها من رضاع
…
إذا انبعثوا لإبرام القضايا
لها اسم إن أزلت النقط منه
…
فعذ بالله من شر البلايا
وغن أبدلت آخره بهمز
…
فقد أبرأت نازلة الشكايا
وإن بدلت أوله بنون
…
أتيت ببعض أرزاق المطايا
فأوضح ما رمزناه بفكر
…
سديد القصد مبد للخفايا وقال في سفينة:
ما ذات نفع وغناء عظيم
…
لها حديث في الزمان قديم
(1) بياض في ق ص.
(2)
تبدل هذا العجز مع العجز التالي في ق.
أوحى بها الله إلى عبده
…
فحبذا فعل الرسول الكريم
وعابها فيما مضى صالح
…
حسبك ما نص الكتاب الحكيم (1)
وفي كتاب الله تردادها
…
فاقرأ تجد في قضايا الكليم
إن أنت صحفت اسمها تلقه
…
محل أنس أو بلاء مقيم
أو هو فعل لك فيما مضى
…
لكن إذا أبرأت داء السقيم
فهاكه قد لاح برهانه
…
مبيناً لكل فكر سليم وقال أيضاً في المسك:
كتبتم كثيراً ولم تكتبوا
…
كهذا الذي سلبه واضحه
فما اسم جرى ذكره في الكتاب
…
فإن شئته فاقرأ الفاتحه
ففيها مصحف مقلوبه
…
يعبر عن حالة صالحة
وليست بغادية فاعلموا
…
ولكنها أبداً رائحه ويعني بقوله في الفاتحة قوله أول الأبيات كتبتم فافهم.
وقال في صقر:
حاجيتكم ما اسم لبعض السباع
…
تصحيفه ما لك فيه انتفاع
وعكسه إن شئت عكساً له
…
يوجد لكن عند دور السماع
وإن تصحف بعد قلب له
…
فمذهب يعزى لأهل النزاع (2)
فبين الإلغاز وارفع لنا
…
بنور فكر منك عنه القناع وقال في الحوت:
ما حيوان في اسمه
…
إن اعتبرته فنون
(1) يشير إلى أن الرجل الصالح عاب السفينة التي كانت لغلامين يتيمين كما جاء في سورة الكهف.
(2)
تصحيف صقر بعد قلبه هو " رفض " أي مذهب الرافضة.
أحرفه ثلاثة
…
والكل منها هو نون
إن أنت صحفت اسمه
…
فما جناه المذنبون (1)
أو أبيض أو أسود
…
أو صفة النفس الحؤون
قلب اسمه مصحفاً
…
عليه دارت السنون
كانت به فيما مضى
…
عبرة قوم يعقلون
أودع فيه زمناً
…
سر من السر المصون
فهاكه كالنار في ال
…
زند له فيها كمون وقال في لبن:
أفديك ما اسم إذا ما
…
صحفته فهو سبع
وإن تصحف بعكس
…
ففيه للقبط شرع
والاسم يعرب عما
…
لديه ري وشبع
في النحل يلفى ولكن
…
لا يتقى فيه لسع
فليس للنحل أصل
…
ولا لها فيه فرع
فهاكه قد تبدى
…
لحجبه عنه رفع وقال في القلم:
ومأموم به عرف الإمام
…
كما باهت بصحبته الكرام
له إذ يرتوي طيشان صاد
…
ويسكن حين يعروه الأوام
ويذري حين يستسقي دموعاً
…
يرقن كما يروق الابتسام وله - رحمه الله تعالى - كثير من هذا، ولم أر أحداً أحكم الإلغاز مثلما أحكمه ابن الجياب المذكور، ولولا الإطالة (2) لذكرت منها ما يستدل به على
(1) تصحيف حوت هو " حوب " أي الذنب.
(2)
ق: خشية الإطالة.
صحة الدعوى، وفيما ذكرنا كفاية.
ومن نظم الرئيس ابن الجياب المذكور في رثاء عمر بن علي بن عتيق القرشي الهاشمي الغرناطي قوله:
قضي الأمر فيا نفس اصبري
…
صبر تسليم لحكم القدر
وعزاء يا فؤادي إنه
…
حكم ملك قاهر مقتدر
حكمة أحكمها تدبيره
…
نحن منها في سبيل السفر
أجل مقدر ليس بمس
…
تقدم يوماً ولا مستأخر
أحسن الله عزاء كل ذي
…
خشية لربه في عمر
في إمامنا التقي الخاشع
…
الطاهر الذات الزكي النير
قرشي هاشمي منتقى
…
من صميم الشرف المطهر
يشهد الليل عليه أنه
…
دائم الذكر طويل السهر
في صلاة بعثت وفودها
…
زمراً للمصطفى من مضر
قائماً وراكعاً وساجداً
…
لطلوع فجره المنفجر
جمع الرحمن شملنا غداً
…
بحبيب الله خير البشر
وتلقته وفود رحمة الل
…
هـ تأتي بالرضى والبشر قلت: هذا النظم - وإن برد بما فيه من الزحاف - فله من الوعظ وذكر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم خير لحاف.
قال لسان الدين: ولما نظم القاضي أبو بكر ابن شبرين ببيت الكتابة ومألف الجملة هذين البيتين:
ألا يا محب المصطفى زد صبابة
…
وضمخ لسان الذكر منك بطيبه
ولا تعبأن بالمبطلين فإنما
…
علامة حب الله حب حبيبه وأخذ الأصحاب في تذييل ذلك، قال الشيخ الرئيس أبو الحسن ابن الجياب
رحمه الله تعالى ورضي عنه:
فمن يعمر الأوقات طراً بذكره
…
فليس نصيب في الهدى كنصيبه
ومن كان عنه معرضاً طول ذكره
…
فكيف يرجيه شفيع ذنوبه وقال أبو القاسم ابن أبي العافية:
أليس الذي جلى دجى الجهل هديه
…
بنور أقمنا بعده نهتدي به
ومن لم يكن من ذاته شكر منعم
…
فمشهده في الناس مثل مغيبه وقال أبو بكر ابن أرقم:
نبي هدانا من ضلال وحيرة
…
إلى مرقى سامي المحل خصيبه
فهل ينكر الملهوف فضل مجيره
…
ويغمط شاكي الداء شكر طبيبه فانتهى القوم إلى الخطيب أبي محمد ابن أبي المجدي فقال:
ومن قال مغروراً حجابك ذكره
…
فذلك مغمور طريد عيوبه
وذكر رسول الله فرض مؤكد
…
وكل محق قائل بوجوبه وقال يوماً الشيخ أبو الحسن ابن الجياب تجربة للخاطر على العادة:
جاهد النفس جاهداً فإذا ما
…
فنيت منك فهو عين الوجود
وليكن حكمها المسدد فيها
…
حكم سعد في قتله لليهود فأجابه أبو محمد ابن أبي المجدي بقوله:
أيها العارف المعبر ذوقاً
…
عن معان عزيزة في الوجود
إن حال الفناء عن كل غير
…
كمقام المراد غير المريد
كيف لي بالجهاد غير معان
…
وعدوي مظاهر بجنود
ولو أني حكمت فيمن ذكرتم
…
حكم سعد لكنت جد سعيد
فأراها حبابة بي فتوناً
…
وأراني في حبها كيزيد
سوف أسلو بنصحكم عن هواها
…
ولو أبدت فعل المحب الودود
ليس شيء شوى إلهك يبقى
…
واعتبر صدق ذا بقول لبيد (1)[ترجمة ابن أبي المجد]
وابن أبي المجد المذكور هو عبد الله البر بن علي بن سليمان بن محمد بن محمد بن أشعب الرعيني (2) ، من أرجدون من كورة رية، يمنى أبا محمد ويعرف بابن أبي المجد، كان من أعلام الكورة سلفاً وصلاحاً ونية في الصالحين، كثير الإيثار بما تيسر، مليح التخلق، حسن السمت، طيب النفس، حسن الظن، له حظ من الأدب والفقه والقراءات والفرائض، وخوض في التصوف، قطع عمره خطيباً وقاضياً ببلده ووزيراً، قرأ على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير وابن فضيلة المعافري وابن رشد، وأجازه طائفة كبيرة، توفي ليلة النصف من شعبان عام تسعة وثلاثين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
[رجع إلى ابن الجياب]
ومن نظم ابن الجياب ما كتب على باب المدرسة العلمية بغرناطة:
يا طالب العلم هذا بابه فتح
…
فادخل تشاهد سناه لاح شمس ضحى
واشكر مجيرك في حل ومرتحل
…
إذ قرب الله من مرماك ما نزحا
وشرفت حضرة الإسلام مدرسة
…
بها سبيل الهدى والعلم قد وضحا
(1) يشير إلى قول لبيد " ألا كل شيء ما خلا الله باطل ".
(2)
ترجمة ابن أبي المجد في الكتيبة الكامنة: 52؛ وفي ص: ابن أبي أشعث.
أعمال يوسف مولانا ونيته
…
قد طرزت صحفاً ميزانها رجحا ومنه قوله:
أبى الله إلا أن تكون اليد العليا
…
لأندلس من غير شرط ولا ثنيا
وإن هي عضتها بنوب نوائب
…
فصيرت الشهد المشور بها شريا (1)
فما عدمت أهل البلاغة والحجى
…
يقيمون فيها الرسم للدين والدنيا
إذا خطبوا قاموا بكل بليغة
…
تجلي القلوب الغلف والأعين العميا
وإن شعروا جاءوا بكل غريبة
…
تخال النجوم النيرات لها حليا
فأسأل في الدنيا من الله ستره
…
علينا وفي الأخرى إذا حانت اللقيا وقال أبو الحسن ابن الجياب:
أرى الدهر في أطواره متقلباً
…
فلا تأمنن الدهر يوماً فتخدعا
فما هو إلا مثلما قال قائل:
…
" مكر مفر مقبل مدبر معا " وحكي أنه أهدى له الفقيه ابن قطبة رماناً ثم دخل عليه عائداً، فلما رآه قال له: يا فقيه، نعم بالهدنة زمانك، أراد: نعمت الهدية رمانك، وكان هذا قبل موته من مرضه بيسير، وهو مما يدل على ثبوت ذهنه حتى قرب الموت، سامحه الله تعالى.
ومن نثر ابن الجياب رحمه الله تعال ما كتبه عن سلطانه إلى بعض سلاطين وقته، وهو السلطان أبو سعيد المريني صاحب فاس، ونصه: المقام لدى الملك المنصور الأعلام، والفضل الثابت الأحكام، والمجد الذي أشرقت به وجوه الأيام، والفخر الذي تتدارس أخباره بين الركن والمقام، والعز الذي تعلو به كلمة الإسلام، مقام محل الأب الواجب الإكبار والإعظام، السلطان الكذا أبقاه
(1) الشري: الحنظل.
الله في ملك منيع الذمار، وسعد باهر الأنوار، ومجد رفيع المقدار، وسلطان عزيز الأنصار، كريم المآثر والآثار، كفيل بالإعلاء لدين الله والإظهار؛ معظم مقامه وموقره، ومجل سلطانه ومكبره، المثني على فضله الذي أربى على ظاهره مضمره، الشاكر لمجده الذي كرم أثره، المعتد بأبوته العلية في كل ما يقدمه ويؤخره، ويورده ويصدره، الداعي إلى الله تعالى بطول بقائه في سعد سام مظهره، حام عسكره، فلان: سلام كريم، طيب عميم، يخص مقامكم الأعلى، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله الذي أولاكم ملكاً منصوراً، وفخراً مشهوراً، وأحيا بدولتكم العلية لمكارم الأخلاق ذكراً منشوراً، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسول الله الذي اختاره بشيراً ونذيراً، وشرح بهدايته صدوراً، وجعل الملأ الأعلى له ظهيراً، والرضى عن آله وصحبه الذين ظاهروه في حياته، وخلفوه في أمته بعد وفاته، فنالوا في الحالين فضلاً مسطوراً، وأحراً موفوراً، والدعاء لمقامكم الأعلى أسماه الله تعالى بنصر لا يزال به الإسلام محبواً محبوراً، وسعد يملأ أرجاء البسيطة نوراً، فكتبته كتب الله لكم عوائد السعادة، وحباكم من آلائه بالحسنى والزيادة، من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى وليس بفضل الله سبحانه ثم ببركة مقامكم أيد الله تعالى سلطانه إلا الخير الأكمل، واليسر الأشمل، والحمد لله كثيراً كما هو أهله، فلا فضل إلا فضله.
وأما الذي عند معظم أمركم من الإعظام لمقامكم والإكبار، والثناء المردد المجدد على توالي الأعصار، والشكر الذي تتلى سوره آناء الليل والنهار، والعلم بما لكم من المكارم التي سار ذكرها في الأقطار أشهر من المثل السيار، والاعتداد بسلطانكم العلي في الإعلان والإسرار، والاستناد إلى جنابكم الكريم في الأقوال والأفعال والأخبار، فذلك لا يزال بحمد الله تعالى محفوظاً ملحوظاً بعين الاستبصار، والله ولي العون على ذلك بفضله وطوله.
وإلى هذا أيد الله تعالى سلطانكم، ومهد أوطانكم، فقد تقدمت مطالعة
مقامكم أسماه الله أن ملك قشتالة دس من يتحدث في عقد صلح يعود بالهدنة على البلاد، ويرتفع به عنها مكابدته من جهة الأعاد، وقد رنا أولاً أن ذلك ليس على ظاهر الحال فيه، وأنه يبدي به غير ما يخفيه، ولكن جرينا معه في ذلك المضمار قصداً للتشوف (1) على الأخبار، فلما دار الحديث في هذا الحكم، ظهر منه أنه قد جنح للسلم، وكان خديمنا نقروز بحكم الاتفاق قد ورد إشبيلية لبعض أشغاله، فاستحضره وأخذ معه في أمر الصلح وشرح أحواله، وأعاده إلى معظمكم ليستفهم ما عنده، ويعلم مذهبه وقصده، فأعيد إليه بأنه إن أراد المصالحة على صلح والده على هذه الدار النصرية من غير زيادة على شروط تلك القضية، ولا يعرض لاسترجاع معقل من المعاقل التي أخلصت من يد النصرانية، وأن يكون عقده على الجزيرة الخضراء ورندة وغيرهما من البلاد الأندلسية، فلا بد من مطالعة محل والدنا السلطان أمير المسلمين أبي سعيد أيده الله واستطلاع ما يراه، وحينئذ نعمل بحسب نظره الجميل ومقتضاه، وأكد على نقروز في أنه إن انقاد لهذا الأمر فليعقد معه هدنة لأمد من الدهر بقدر ما يتسع لتعريفكم بهذه الحال وإعلامكم، ويستطلع فيها نظر مقامكم، فما هو إلا أن عاد يوم تاريخ هذا بكتاب ملك قشتالة، وقد أجاب إلى الصلح وانقاد إليه، على حسب ما شرط عليه، وأعطى مهادنة مدة شهر فبرير ليعرف فيها مقامكم، ويعلم ما لديه، ووافق ذلك وصول الشيخ الفقيه الأجل أبي عبد الله ابن حبشية أعزه الله من بابكم الكريم أسماه الله، فأخذ معه في هذا القصد، واستفهم عما لديه من مقامكم في ذلك من الإمضاء أو الرد، فذكر أنكم قد أذنتم لمعظمكم في عقد السلم على ما يراه من الأحكام، إذ ظهر فيها المصلحة لأهل الإسلام، فلما عرف مذهبكم الصالح، وقصدكم الناجح، رأى أن يوجه إلى ملك النصارى من يخلص معه حال الصلح، على ما يعود إن شاء الله
(1) ق: قصد التشوق.
تعالى على المسلمين بالنجح، وقدم تعريفكم بما دار من الحديث بين يدي جوابه الوافد على مقامكم صحبة الفقيه أبي عبد الله أعزه الله تعالى، ولا يخفى على مقامكم حاجة هذه البلاد في الوقت إلى هدنة يستدرك بها رمقها مما لقيته من جهد الحرب، وما حل بها في هذه السنين من القحط والجدب، فالصلاح بحمد الله في هذه الحال بادي الظهور، وإلى الله عاقبة الأمور.
" هذا ما تزيد لدى معظم مقامكم، وما يتزيد بعد فليس إلا المبادرة إلى مطالعتكم وإعلامكم، وما كان إمساك الفقيه أبي عبد الله ابن حبشية في هذه الأيام إلا لانتظار خبر الصلح، حتى يأتيكم به مستوفى الشرح، وها هو قد أخذ في الرجوع إلى بابكم الأسمى، والقدوم إلى حضرتكم العظمى، والله يصل سعودكم ويحرس وجودكم ويبلغكم أملكم ومقصودكم، والسلام.
ومن إنشاء ابن الجياب رحمه الله تعالى في العزاء بالسلطان أبي الحسن المريني ما صورته بعد الصدر:
" أما بعد حمد الله الواحد القهار، الحي القيوم حياة لا تتقيد (1) بالأعصار، القادر الذي كل شيء في قبضة قدرته محصور بحكم الاضطرار، الغني في ملكوته فلا يلحقه لاحق الافتقار، المريد الذي بإراته تصريف الأقدار، وتقدير الآجال والأعمار، العالم الذي لا تغرب عن علمه خفايا الأسرار، وخبايا الأفكار، مالك الملك وأهله، ومدبر الأمور بحكمته معدله، تذكرة لأولي الألباب وعبرة لأولي الأبصار، خالق الموت والحياة لينقلنا من دار الفناء إلى دار القرار، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله المصطفى المختار، الذي نهتدي بهديه الكريم في الإيراد والإصدار، والأحلاء والإمرار، في الشدة والرخاء، والسراء والضراء، بسيره الكريمة الآثار، ونتعزى بالمصيبة به عما دهم من المصائب الكبار، ونقدم منه إلى ربنا شفيعاً ماحياً للأوزار، وآخذاً بالحجز عن النار،
(1) ق: تنفد.
ونعلم أننا باتباع سبيله نسعد سعادة الأبرار، وبإقامة ملته وحماية شرعته ننال مرضاة الملك الغفار، والرضى عن آله وصحبه، وأوليائه وحزبه، الذين ظاهروه في حياته على إقامة الحق الساطع الأنوار، وخلفوه في أمته قائمين بالعدل حامين للذمار، والدعاء لمحل أبينا والدكم قدس الله روحه، وبرد ضريحه، بالرحمة التي تتعهد روضته التي هي أذكى من الروض المعطار، والرضوان الذي يتبوأ به مبوأ صدق في الملوك المجاهدين الأخيار، ولمقامكم الأعلى بسعادة المقدار، وتمهيد السلطان وبلوغ الأوطار، فإنا كتبناه - كتب الله لكم عوائد النصر، وربط على قلبكم بالصبر - من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى عندما تحقق لدينا النبأ الذي فت في الإعضاد، وشب نار الأكباد، والحادث الذي هد أعظم الأطواد، وزلزل الأرض لراسية الأوتاد، والواقع الذي لولا وجودكم لمحا رسم الأجواد، وعطل رسوم الجهاد، وكسا الآفاق ثوب الحداد، والخطب الذي ضاقت له الأرض بما رحبت، وأمرت الدنيا بما عذبت، من وفاة محل أبينا أكبر ملوك المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، والدكم ألحفه الله تعالى برود رضاه، وجعل جنته نزله ومثواه، ونفعه بما أسلف من الأعمال الكريمة، وما خلده من الآثار العظيمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون تسليماً لما قضاه، ورضى بما أنفذه وأمضاه، وعند الله نحتسب منه والداً شفيقاً، حانياً رفيقاً، لم يزل يولي الجميل قوله وفعله، ويصل لنا من أسباب عنايته ما اقتضاه فضله، وما هو أحق به وأهله.
" وكنا طول حياته لم نجد أثراً لفقد الوالد، لما أولانا من جميل العوائد، وكرم المقاصد، جزاه الله أحسن جزاءه، وأعاننا على توفية حقه وأدائه، ولمثل هذه المصيبة - ولا مثل لها - تظلم الأرجاء، ويضيق الفضاء، وتبكيه مسومة الجياد، ومعالم الجهاد، والسيوف في الأغماد، وشتى العباد والبلاد، فلا تسألوا كيف هو عندنا موقع هذا الخطب العظيم، والحادث المقعد المقيم، والرزية التي لا رزية مثلها، والحادثة التي أصيبت بها الملة وأهلها، فوجدناه لفقده
يتضاعف مع الآناء، ويتجدد تذكار ما أسلف من أعمال الملوك الفضلاء، ولكنه أمر حتم، وقضاء من الله جزم، وسبيل يسلك عليها الأول والآخر، والآني والغابر، وليس إلا التسليم، لما حكم به الحكيم العليم.
ولما انتهى إلينا هذا النبأ الذي ملأ القلب حسرة والعين عبرة، وتوارت شتى الأنباء، وغلب اليأس فيها على الرجاء، وجدنا له ما يوجد لفقد الأب الذي ابتدأ بالإحسان والإجمال، وأولى عوارف القبول والإقبال، ولكنه ما أطفأ نار ذلك الوجد، وجبر كسر ذلك الفقد، إلا ما من الله به علينا وعلى المسلمين من تقلدكم ذلك الملك الذي بكم سمعت معالمه، وقامت مراسمه، وعليكم انعقد الإجماع، وبولايتكم استبشرت الأصقاع، وكيف لا تستبشر بولاية الملك الصالح الخاشع الأواب، صاحب الحرب والمحراب، عدة الإسلام، وعلم الأعلام، من ثبتت فضائله أوضح من محيا النهار، وسارت مكارمه في الآفاق أشهر من المثل السيار.
" وقد كان محل أبينا والدكم رضي الله عنه لما علم من فضائلكم الكريمة الآثار، وما قمتم به من حقه الذي وفيتموه توفية الصلحاء الأبرار، ألقى إليكم مقاليد سلطانه، وآثر إليكم أثر قبوله ورضوانه، حتى انفصل عن الدنيا وقد ألبسكم من أثواب رضاه ما تنالون به قرة العين، وعز الدارين، والظفر بكلتا الحسنيين، فتلك المملكة بحمد الله تعالى قد قام بها حامي ذمارها، وابن خيارها، ومطلع أنوارها، الملك الرضي العدل الطاهر، قوام الدياجي وصوام الهواجر، حسنة هذا الزمان، ونخبة ذلك البيت المؤسس على التقوى والرضوان، فالحمد لله على أن جبر بكم صدع الإيمان، وانتضى منكم سيفاً مسلولاً على عبدة الصلبان، وأقر بكم ملك آبائكم الملوك الأعاظم، وتدارك بولايتكم أمر هذا الرزء المتفاقم، فإن فقدنا أعظم مفقود، فقد ظفرنا بأكرم مقصود، وما مات من أبقى منكم سلالة طاهرة تحيي سنن المعالي والمكارم، وتعمل على شاكلة أسلافها الأكارم، فتلك المملكة قد أصبحت بحمد الله ونور سعدكم في أرجائها طالع، وسيف
بأسكم في أعدائها قاطع، وعزمكم الأمضى لأمرها جامع مانع، وقد أوت منكم إلى الملجإ الأحمى، واستمسكت بإيالتكم العظمى، وعرفت أنكم ستبدون فيها من آثار دينكم المتين، وفضلكم المبين، ومعاليكم القاطعة البراهين، ما يملؤها عدلاً وإحساناً، وتبلغ به آمالها مثنى ووحداناً، فهنيئأً لنا ولها أن صارت في ملككم، وأن تشرفت بملككم، وألقت مقاليدها إلى من يحمي حماها، ويدفع عداها، وليهن ذلك المقام الأعلى ما أولاه من العز المكين، وما قلده من الملك الذي هو نظام الدنيا والدين، وأن أعطاه راية الجهاد فتلقاها باليمين، لينصر بها ملة الرسول الصادق الأمين، فله الفخر بذلك على جميع السلاطين، وأما هذه البلاد الأندلسية حماها الله فهي وإن فقدت من السلطان الأعلى أبي سعيد أكرم ظهير، ووقع مصابه منها بمحل كبير، فقد لجأت منكم إلى من يحميها، ويكف بأس أعاديها، ويبتغي مرضاة خالقها فيها، فملككم بحمد الله تعالى مقتبل الشباب، جديد الأثواب، عريق الأنساب، أصيل الأحساب، ومجدكم جار على أعراقه جري الجياد العراب.
" وإنا لما ورد علينا هذا النبأ معقباً بهذه البشرى، ووفد علينا ذلك الخبر مردفاً بهذه المسرة الكبرى، علمنا أن الله سبحانه قد رأب ذلك الصدع بهذا الصنع الجميل، وتلافى ذلك الخطب بهذا الخير الجزيل، فأخذنا من مساهمتكم في الأمور النصيب الوافر، ورأينا أن آمالنا منكم قد جلت من محياها السافر، وعينا للوفادة على بابكم لينوب عنا في العزاء والهناء عين الأعيان الفضلاء، ووجه القواد والكرماء.
ولنقتصر على هذا المقدار من كلام الرئيس ابن الجياب، رحمه الله تعالى؛ ويظهر لي أن نظمه إلى طبقة من نثره، وعلى كل حال فهو لا يتكلف نظماً ولا نثراً، رحمه الله تعالى ورضي عنه وعامله بمحض فضله.
20 -
ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى الفقيه الكاتب البارع العلامة
النحوي اللغوي صاحب العلامة بالمغرب الشهير الرئيس أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي (1) قال في " الإحاطة " فيه ما ملخصه: عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن بن محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن محمد الحضرمي، أبو محمد، شيخنا الرئيس، صاحب القلم الأعلى بالمغرب.
من " الإكليل ": تاج المفرق، وفخر المغرب على المشرق، أطلع منه نوراً أضاءت له الآفاق، وأثر منه بذخيرة حملت أحاديثها الرفاق، ما شئت من مجد سامي المصاعد والمناقب، نشأ بسبتة بلده بين علم يقيده، وفخر يشيده، وطهارة يلتحف مطارفها، ورياسة يتفيأ وارفها، وأبوه رحمه الله تعالى قطب مدارها، ومقام حجها واعتمارها، فسلك الوعوث من المعارف والسهول، وبذ على حداثة سنه الكهول، فلما تحلى من الفوائد العلمية بما تحلى، واشتهر اشتهار الصباح إذا تجلى، تنافست فيه همم الملوك الأخاير، استأثرت به الدول على عادتها في الاستئثار بالذخاير، فاستقلت بالسياسة ذراعه، وأخدم الذوابل والسيوف يراعه، وكان عين الملك التي بها يبصر، ولسانه الذي يسهب به أو يختصر، وقد تقدمت له إلى هذه البلاد الوفادة، وجلت به عليها الإفادة، وكتب عن بعض ملوكها، وانتظم في عقودها الرفيعة وسلوكها، وله في الآداب الراية الخافقة، والعقود المتناسقة، ومشيخته حافلة تزيد عن الإحصاء، وشعره منحط عن محله من العلم والشهرة، وإن كان داخلاُ تحت طور الإجادة، فمن ذلك قوله:
تراءى سحيراً والنسيم عليل
…
وللنجم طرف بالصباح كليل
وللفجر نهر خاضه الليل فاعتلت
…
شوى أدهم الظلماء منه خجول
بريق بأعلى الرقمتين كأنه
…
طلائع شهب في السماء تجول
(1) قد مر التعريف بعبد المهيمن الحضرمي وذكر مصادر ترجمته (ص: 240) من هذا الجزء.
فمزق ساجي الليل منها شراره
…
وخرق ستر الغيم منه نصول
تبسم ثغر الروض عند ابتسامه
…
وفاضت عيون للغمام منه همول
ومالت غصون البان نشوى كأنها
…
يدار عليها من صباه شمول
وغنت على تلك الغصون حمائم
…
لهن حفيف فوقها وهديل
إذا سجعت في لحنها ثم قرقرت
…
يطيح خفيف دونها وثقيل
سقى الله ربعاً لا تزال تشوقني
…
إليه رسوم دونها وطلول
وجاد رباه، كلما ذر شارق
…
من الوتق هتان أجش هطول
وما لي أستسقي الغمام ومدمعي
…
سفوح على تلك العراص همول
وعاذلة باتت تلوم على السرى
…
وتكثر من تعذالها وتطيل
تقول إلى كم ذا فراق وغربة
…
ونأي على ما خيلت ورحيل
ذريني تسعى للتي تكسب العلا
…
سناء وتبقي الذكر وهو جميل
فإما تريني من ممارسة الهوى
…
نحيلاً فحد المسرفي نحيل
وفوق أنابيب اليراعة صعدة
…
تزين، وفي قد القناة ذبول
ولولا السرى لم يجتل البدر كاملاً
…
ولا بات منه للسعود نزيل
ولولا اغتراب المرء في طلب العلا
…
لما كان نحو المجد منه وصول
ولولا نوال ابن الحكيم محمد
…
لأصبح ربع المجد وهو محيل
وزير سما فوق السماك جلالة
…
وليس له إلا النجوم قبيل
من القوم: أما في الندي فإنهم
…
هضاب، وأما في الندى فسيول
حووا أشرف العلياء إثرناً ومكسباً
…
وطابت فروع منهم وأصول
وما جونة هطالة ذات هيدب
…
مرتها شمال حرجف وقبول
لها زجل من رعدها ولوامع
…
من البرق عنها للعيون كلول
كما هدرت وسط القلاص وأرسلت
…
شقاقها عند الهياج فحول
بأجود من كف الوزير محمد
…
إذا ما توالت للسنين محول
ولا روضة بالحسن طيبة الشذا
…
ينم عليها إذخر وجليل
وقد أزكيت للزهر فيها مجامر
…
تعطر منها للنسيم ذيول
وفي مقل النوار للطل عبرة
…
ترددها أجفانها وتجيل
بأطيب من أخلاقه الغر كلما
…
تفاقم خطب للزمان يهول
حيت أبا العبد الإله مناقباً
…
تفوت يدي من رمها وتطول
فغرناطة مصر أنت خصيبها
…
ونائل يمناك الكريمة نيل
فداك رجالاً حاولوا درك العلا
…
ببخل، وهل نال العلاء بخيل
تخيرك المولى وزيراً وناصحاً
…
فكان له مما أراد حصول
وألقى مقاليد الأمور مفوضاً
…
إليك فلم يدم يمينك سول
وقام بحفظ الملك منك مؤيد
…
نهوض بما أعيا سواك كفيل
وساس الرعايا منك أشوس باسل
…
مبيد العدا للمعتفين منيل
وأبلج وقاد الجبين كأنما
…
على وجنتيه للنضار مسيل
تهيم بها العلياء كأنها
…
بثينته في الحب وهو جميل
له عزمات لو أعير مضاءها
…
حسام لما نالت ظباه فلول
سرى ذكره في الخافقتين فأصبحت
…
إليه قلوب العاملين تميل
وأعدى قرضي جوده وثناؤه
…
فأصبح في أقصى البلاد يجول
إليك أبا فخر الوزارة أرقلت
…
برحلي هوجاء النجاء ذلول
فليت إلى لقياك ناصية الفلا
…
بأيدي ركاب سيرهن ذميل
تسددني سهماً لكل ثنية
…
ضوامر أشباه القسي نحول
وقد لفظتني الأرض حتى رمت إلى
…
ذراك برحلي هوجل وهجول
فقيدت أفراسي به وركائبي
…
ولذ مقام لي به وحلول
وقد كنت ذا نفس عزوف وهمة
…
عليها لأحداث الزمان ذحول
وتهوى العلا حظي وتغري بضده
…
لذاك اعترته رقة ونحول
وتأبى لي الأيام إلا إدالة
…
فصونك لي، إن الزمان مديل
فكل خضوع في جنابك عزة
…
وكل اعتزاز قد عداك خمول وقال:
أبت همتي أن يراني امرؤ
…
على الدهر يوماً له ذا حضوع
وما ذاك إلا لأني اتقيت
…
بعز القناعة ذل الخشوع مولده بسبتة عام ستة وسبعين وسبعمائة، وتوفي في تونس ثاني عشر شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة في الطاعون، وكانت جنازته مشهورة رحمه الله تعالى؛ انتهى.
وحكي أن السلطان أبا الحسن المريني سب الشيخ عبد المهين الحضرمي بمجلس كتابه، فأخذ عبد المهين القلم وكسره، وقال: هذا هو الجامع بيني وبينك، ثم إن السلطان أبا الحسن ندم، وأفضل عليه، وخجل مما صدر منه وأحسن إليه.
وكان عبد المهين ينطق بالكلام معرباً، ويرتفع نسبه إلى العلاء بن الحضرمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصل سلفه من اليمن، وكان جدهم الأعلى عبدون لحقه الضيم ببلده، فارتحل إلى المغرب، فنزل سبتة.
ولعبد المهيمن الحضرمي شيخ أجلاء كابن أبي الربيع النحوي وابن الشاط وابن مسعود وغيرهم. وكان ذا سعد وسؤدد حسن الحظ، رأيت خطه بإجازته لأبي عبد الله ابن مرزوق وغيره. وكان عالي الهمة سرياً، أعطى المنصب حقه، وكان لا يحتمل الضيم واحتقار العلم، وكان سريع الجواب: حكي أن القاضي المليلي وأبا محمد عبد المهيمن الحضرمي المذكور صاحب العلامة للسلطان أبي الحسن حضرا مجلس السلطان، فجرى ذكر الفقيه ابن عبد الله الرزاق، فقال المليلي: جمع من الفنون كذا، حتى وضع يده على أبي محمد عبد المهيمن، وقال
مخاطباً للسلطان: ويكتب لك احسن من ذا، فوضع عبد المهيمن يده على المليلي وقال: نعم يا مولاي، ويقضي لك أحسن من ذا.
وقال ابن الخطيب القسمطيني الشهير بابن قنفذ في وفياته ما نصه: وفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة توفي الشيخ الراوية المحدث بابن الكاتب أبو محمد عبد المهيمن ابن محمد بن عبد المهيمن بن محمد بن علي بن محمد الحضرمي، السبتي، ومن أشياخه الأستاذ ابن أبي الربيع وابن الغماز وابن صالح الكناني وغيرهم من الأعلام؛ انتهى.
وقال غيره: إن والد عبد المهيمن توفي غرة صفر سنة اثني عشر وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
وحكي أن الشيخ أبا محمد عبد المهيمن ذكر يوماً بني العزفي فأثنى عليهم، فقال له أحد الحسنيين، وكان بينهم شيء: إنهم كانوا لا يحبون أهل البيت، فكيف حبك أنت لهم يعني لأهل البيت، فقال: أحبهم حب التشرع، لا حب التشييع؛ انتهى.
قيل: يعني بالعزفيين أهل الدولة الثانية، وأما أهل الأولى فكانوا من المختصين بمحبة الآل، وهم أحدثوا بالمغرب تعظيم ليلة الميلاد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام.
ومن أغرب ما وقع للرئيس عبد المهيمن الحضرمي من التشبيه قوله:
لقد راقني مرأى سجلماسة الذي
…
يقر له في حسنه كل منصف
كأن رؤوس النخل في عرصاتها
…
فواتح سورات بآخر مصحف وهذا من التشبيه العقيم الذي لم يسبق إليه فيما أظن. وكان سبب قوله ذلك أن السلطان أمير المسلمين أبا الحسن المريني لما تحرك لقتال أخيه السلطان أبي علي عمر بسجلماسة فظفر بها استمطر أنواء أفكار الكتاب وغيرهم في تشبيه النخل، فقال عبد المهيمن ما مر، فلم يترك مقالاً لقائل.
وقد أنشد الحافظ ابن مرزوق الحفيد قال: أنشدني شيخنا ولي الدين الرئيس
أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي لشيخه الرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي السبي رحمه الله تعالى قوله:
يجفى الفقير ويغشى الناس قاطبة
…
باب الغني، كذا حكم المقادير
وإنما الناس أمثال الفراش، فهم
…
يلفون حيث مصابيح الدنانير قلت: ورأيت هذين البيتين في كتاب روح الشحر وروح الشعر للعالم الكاتب ابن الجلاب منسوبين لأبي المتوكل الهيثم بن أحمد السكوني الإشبيلي، قال: أنشدني أبو الحجاج الحافظ، قال: أنشدني الهيثم، فذكر البيتين، وكان تاريخ وفاته قبل أن يخلق عبد المهيمن، فتعين أن البيتين ليسا من نظمه، وإنما تمثل بهما ونسبتهما له وهم لا محالة، والله أعلم.
وأما ما اشتهر على الألسنة بالمغرب من أن أبا حيان مدح عبد المهيمن بقوله:
ليس في الغرب عالم
…
مثل عبد المهيمن
نحن في العلم أسوة
…
أنا منه وهو مني فقد نسبه ابن غازي إلى أبي حيان كما اشتهر، لكن تاريخ مرور أبي حيان بالمغرب كان قيل ظهور عبد المهيمن بلا خفاء، وهو عندي محمول على أحد أمرين: أن المراد عبد المهيمن جد عبد المهيمن المذكور، أو أن أبا حيان كتب بالبيتين من مصر بعدما ظهر عبد المهيمن وصارت له الرياسة بالمغرب إذ أبو حيان عاش إلى ذلك الزمان بلا ريب، ولذا لما ذكر لسان الدين ابن الخطيب في كتابه الكتيبة الكامنة في أنباء أهل المائة الثامنة الشيخ أبا حيان قال: وهذا الرجل طالت حياته حتى أجاز ولدي.
ولعبد المهيمن المذكور أخبار غير ما قدمناه منع منها الاختصار. وقد ألف الخطيب ابن مرزوق باسم ولد (1) ولده فهرسته المشهورة، وحلاه في صدرها أحسن
(1) ولد: سقطت من ق.
حلية، وهو أهل لذلك. وقد ذكره مولاي الجد في شيوخه كما تقدم، وقال فيه: إنه إمام الحديث والعربية، وكاتب الدولة العثمانية والعلوية، فليراجع ذلك فيما سبق في ترجمة الجد.
وأبو سعيد ابن عبد المهيمن كان عالي الهمة كآبائه، ولما بويع السلطان أبو عنان طلب منه أن يكون مرتسماً في جملة كتاب بابه، فامتنع، وقال: لا أكون تحت حكم غيري، وعنى بذلك أن أباه كان رئيس الكتاب، فكيف يكون هو مرؤوساً بغيره فلم ترض همته رحمه الله تعالى إلا برتبة أبيه أو الترك، وارتحل أبو سعيد محمد المذكور، وكان فقيهاً عالماً، من فاس لسبتة إلى أن توفي بها سنة 787، وكان قليل الكلام، جميل الرواء، حسن الهيئة والبزة والشكل، روى عن والده وعن الحجار وكتب له سنة 724، وروى عن الفقيه أبي الحسن ابن سليمان والرحالة ابن جابر الوادي آشي وابن رشيد وغيرهم.
وابن أبي سعيد هذا اسمه عبد المهيمن كجده، وكان صاحب القلم الأعلى، روى عن أبيه وجده وغيرهما، رحم الله الجميع.
21 -
ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى الإمام العلامة قاضي الجماعة أبو البركات ابن الحاج البلفيقي (1) : نادرة الزمان، وشاعر ذلك الأوان، وهو محمد ابن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن الشيخ الولي أبي إسحاق ابن الحاج البلفيقي، وكان أبو البركات أحد رجال الكمال علماً ومجداً وسؤدداً ومكتسباً، وقد عرف به في الإحاطة بترجمة مد فيها النفس، وكتب ابنه على أول الترجمة ما صورته:
رحمك الله تعالى يا فقيه الأندلس وحسيبها وصدرها وشيخها، وبرد ضريحك، فلله ما أفدت من نادرة واكتسبت من فائدة؛ انتهى.
(1) قد ذكرنا مصادر ترجمة ابن الحاج البلفيقي في المجلد الأول من النفح (ص: 516) .
وحكى في " الإحاطة "(1) أنه لما استسقى وحصلت الإجابة أنشده لسان الدين:
ظمئت إلى السقيا والأباطح والربى
…
حتى دعونا العام عاماً مجديا
والغيث مسدول الحجاب، وإنما
…
علم الغمام قدومكم فتأدب ثم ذكر في الإحاطة تأليف أبي البركات وشعره، إلى أن قال حاكياً عن أبي البركات ما صورته: ومما نظمته وقد أكثروا من التعجب لملازمتي البناء وحفر الآبار (2) :
في احتفار الأساس والآبار
…
وانتقال التراب والجيار
وقعودي ما بين رمل وآج
…
ر وجص والطوب والأحجار
وامتهاني بردي بالطين والما
…
ء ورأسي ولحيتي بالغبار
نشوة لم تمر قط على قل
…
ب خليع وما لها من خمار
من غريب البناء أن بنيه
…
متعبون يهوون طول النهار
يبتغون الوصال من صانعيه
…
والبدار إليه كل البدار
فإذا حل في ذراهم تراهم
…
يشتهون منه بعيد المزار
من عذيري من لائم في بنائي
…
وهو لي الترجمان عن أخباري
ليس يدري معناه من ليس يدري
…
أن ما عنده على مقدار
أقتدي بالذي يقول بناها
…
ذلك الخالق الحكيم الباري
وبمن يرفع القواعد من بي
…
ت عتيق للحج والزوار
وبمن كان ذا جدار وقد كا
…
ن أبوه من صالحي الأبرار
وبما قد أقامه الخضر المخ
…
صوص علماً بباطن الأسرار
(1) الإحاطة 2: 103.
(2)
لم يرد هذا في الإحاطة.
كان تحت الجدار كنز، وما أد
…
راك ما كان تحت كنز الجدار
وبمن من قضى من آبائي الغ
…
ر الألى شيدوا رفيع المنار
فالذي قد بنوه نبني له مث
…
لاً ونجري له على مضمار
قد بنينا من المساجد دهراً
…
ثم نبني لجارها خير جار
مثلما قد بنيت للمجد أمثا
…
ل مبانيهم بكل اعتبار
فالمباني لسان حالي ولي في
…
ها لعمري ذكر من الأذكار
روح أعمالنا المقاصد، لكن
…
حيث تخفى تخفى مع الأعذار
فعسى من قضى ببنيان هذي ال
…
مدار يقضي لنا بعقبى الدار ثم قال في الإحاطة بعد كلام: ومن نظمه في الإنحاء على نفسه، واستبعاد وجود المطالب في جنسه، قال مما نظمته يوم عرفة عام خمسين وسبعمائة وأنا منزو في غار ببعض جبال المرية (1) :
زعموا أن في الجبال رجالاً
…
صالحين قالوا من الأبدال
وادعوا أن كل من ساح فيها
…
فسيلقاهم على كل حال
فاخترقنا تلك الجبال مراراً
…
بنعال طوراً ودون نعال
ما رأينا بها خلاف الأفاعي
…
وشبا عقرب كمثال النبال
وسباع يجرون بالليل عدواً
…
لا تسلني عنهم بتلك الليالي
ولو أنا كنا لدى العدوة الأخ
…
رى رأينا نواجذ الرئبال
وإذا أظلم الدجى جاء إبلي
…
س إلينا يزور طيف خيال
هو كان الأنيس فيها ولولا
…
هـ أصيبت عقولنا بالخبال
خل عنك المحال يا من تعنى
…
ليس يلقى الرجال غير الرجال وجمع شعره وسماه العذب والأجاج من كلام أبي البركات ابن الحاج،
(1) الإحاطة: 117.
وسمى أبو القاسم ما استخرجه منه ب " اللؤلؤ والمرجان من بحر أبي البركات ابن الحاج يستخرجان ".
ومن نظم الشيخ أبي البركات ابن الحاج قوله رحمه الله تعالى:
ألا ليت شعري هل لما أنا أرتجي
…
من الله في يوم الجزاء بلاغ
وكي لمثلي أن ينال وسيلة
…
لها عن سبيل الصالحين مراغ
وكم رمت دهري فتح باب عبادة
…
يكون بها في الفائزين مساغ
فكدت ولم أفعل وكيف وليس لي
…
المعينان بها صحة وفراغ
لأصبحت من قوم دعاهم إلى الرضى
…
منادي الهدى فاستنكروه فراغوا
أباغ ترى أخراه من يزدهيه من
…
زخارف دنياه باغ
ويضرب صفحاً عن حقيقة ما طوت
…
فيلهيه زور قد أتته مصاغ
إذا ما بدا للرشد نهج بيانه
…
يراع بع عن وحشته فيراغ
فيا رب برد العفو هب لي إذا غلت
…
من الحر في يوم حساب دماغ
فمن حرق للنفس فيه لواعج
…
ومن خجل للوجد فيه صباغ
وعظتك نفسي لو أنبت، وفي الذي
…
وعظت به لو ترعوين بلاغ وأنشد القاضي أبو البركات في هذا الروي قول شيخه الأستاذ أبي علي ابن سليمان القرطبي:
ألا هل إلى ما أرتضيه بلاغ
…
وكيف يرى يوماً إليه فراغ
وقد قطعت دوني قواطع جمة
…
أراع لها مهما جرت وأراغ
وما لي إلا عفو رب وفضله
…
ففيه إلى ما أرتجيه بلاغ وكان القاضي أبو البركات من بيت كبير علماً وصلاحاً وزهداً، وجده الإمام الولي العارف سيدي أبو إسحاق ابن الحاج أشهر من نار على علم، وقبره مشهور بمراكش وقد زرته بها، وله كرامات مشهورة.
وحكى في مزية المرية من كراماته جملة؛ قال حفيده الشيخ أبو البركات: دخلت على الشيخ الصالح العابد المجتهد الحاج أبي عبد الله محمد بن علي البكري، المعروف بابن الحاج، في منزله بالمرية عائداً قال: أظنه في مرضه الذي مات فيه، فقال حين سألته عن حاله: ادع لي، فقلت له: يا سيدي، بل أنت تدعو لي، فقال لي: شرح الله صدرك، ونور قلبك بنور معرفته! فمن عرف الله لم يذكر غيره، فقد حكى سيدي أبو جعفر ابن مكنون عن جدك قال: كنت مع سيدي أبي إسحاق ابن الحاج بمراكش فقال لي: هل ترى في المنام شيئاً فقلت: نعم، أرى كأني في المرية أمشي من الدار (1) إلى المسجد، ومن كذا إلى كذا، فأعرض عني وقال: ألا ترى إلا الله قال: ثم مر به في أثناء كلامه ابنه محمد، فقال لي: رأيت هذا والله ما أدري أن لي ابناً حتى يمر بي، ولا أذكره إذا غاب عني، ولا أرى إلا الله؛ انتهى.
ومن تآليف أبي البركات رحمه الله تعالى كتاب ذكر فيه أخبار سلفه رضي الله عنهم، وذكر جملة من كرامات جده سيدي أبي إسحاق المذكور، نفعنا الله به.
ومن شعر جده المذكور قوله:
ألا كرم الله البلاد بخطبة
…
هم حسنات الدهر لا نابهم خطب
رعايتهم فرض على كل مسلم
…
وحبهم حقاً قد أوجده الرب
إذا ما سألت الله شيئاً فسل بهم
…
فتعظيمهم قرب، وغيبتهم حرب وقوله:
شكا فشكا قلبي خبالاً مبرحاً
…
على غير علم كان مني بشكواه
وما التقت أسرار إلا بجامع
…
من النعت سلطان الحقيقة سواه
(1) من الدار: سقطت من ق.
فيا فرحة المجهود إن بات سره
…
وسر الذي يهواه مأواه مأواه
ومن أجله قد كان بالبعد راضياً
…
فكيف ترى مغناه والقلب مثواه
بدا فبدت أعلام ضدين في الهوى
…
هما عجب لولا الدليل وفحواه
برؤيته فارقت موتي لبعده
…
ومت بها من أجل علمي ببلواه
فها أما حي ميت بلقائه
…
ولم ينج من لم يسعد الفهم نجواه
إذا لم تكن أنت الحبيب بعينه
…
رضى وعتاب ضل من قال يهواه
وأكذب ما يلفى الفتى وهو صادق
…
إذا لم يحقق بالأفاعيل دعواه وقوله رضي الله تعالى عنه:
الحب في الله نور يستضاء به
…
والهجر في ذاته نور على نور
جنب أخا حدث في الدين ذا غير
…
إن المغير في نكس وتغيير
حاشا الديانة أن تبنى على خبل
…
سبحان خالقنا من قول مثبور
إن الحقائق لا تبدو لمبتدع
…
كذا المعارف لا تهدى لمغرور
تالله لو أبصرت عيناه أو ظفرت
…
يمناه ما ظل في ظن وتقدير
حقق ترى عجب إن كنت ذا أدب
…
ولا يغرنك الجهال بالزور
إن الطريقة في التنزيل واضحة
…
وما تواتر من وحي ومشهور
فافهم هديت هدى الرحمن واهد به
…
هدى يفيدك يوم النفخ في الصور وقوله صدر رسالة وجه بها إلى ابنه محمد أيام قراءته بإشبيلية:
إذا شئت أن تحظى بوصلي وقربتي
…
فجنب قريب السوء واصرم حباله
وسابق إلى الخيرات واسلك سبيلها
…
وحصل علوم الدين واعرف رجاله وكان رحمه الله تعالى كثيراً ما يتمثل ببيتي مهيار الديلمي، وهما:
ومن عجب أني أحب إليهم
…
وأسأل شوقاً عنهم وهم معي
وتبكيهم عني وهم في سوادها
…
ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي وحدث القاضي أبو البركات حفيده عن ابن خميس التلمساني المتقدم الذكر قال: سمعت بعض الأشياخ يقول: كان الشيخ أبو إسحاق البلفيقي الكبير يقول: اجتمع لنا في الله أربعون ألف صاحب.
وحكى الشيخ أبو البركات عن الشيخ الصالح الصوفي أبي الأصبغ ابن عزرة قال: هذه صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أخذتها عن رابك الشيخ الصالح أبي عبد الله محمد بن علي بن الحاج مشافهة، وقال لي: إنها صلاة أبي إسحاق ابن الحاج جدك، وهي: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد صلاة دائمة مستمرة تدوم بدوامك، وتبقى ببقائك، وتخلد بخلودك ولا غاية لها دون مرضاتك، ولا جزاء لقائها ومصليها غير جنتك والنظر إلى وجهك الكريم.
ونقل أبو البركات المذكور عن جده أنه كان يستفتح مجلسه بالمرية بهذا الدعاء: اللهم اجعلنا في عياذ منك منيع، وحصن حصين، وولاية جميلة، حتى تبلغنا آجالنا مستورين محفوظين، مبشرين برضوانك يوم لقائك، قال: وفي وسط الدعاء وآخره: واكفنا عدونا إبليس، وأعداءنا من الجن والإنس بعافيتنا وسلامتنا.
وكان الشيخ رضي الله عنه يواصل أربعين يوماً. ومن مآثره أنه بنى ثمانية عشر جباً في مواضع متفرقة ونحو عشرين مسجداً وبنى أكثر سور حصن بلفيق، كل ذلك من ماله.
وقال رضي الله عنه في بعض رسائله: الصوفي عبارة عن رجل عدل تقي صالح زاهد، غير منتسب لسبب من الأسباب، ولا مخل بأدب من الآداب، قد عرف شأنه وزمانه، وملكت مكارم الأخلاق عنانه، لا ينتصر لنفسه، ولا يتفكر في غده وأمسه، العلم خليله، والقرآن دليله، والحق حفيظه ووكيله
نظره إلى الخلق بالرحمة، ونظره إلى نفسه بالحذر والتهمة؛ انتهى.
وأحوال هذا الشيخ عجيبة، وكراماته شهيرة، وإنما ذكرنا هذا النزر اليسير تبركاً بذكره رضي الله عنه في هذا الكتاب، وتطفلاً على رب الأرباب أن ينفعنا بأمثاله ويحقق لنا النجاة والمتاب، إنه على ذلك قدير.
رجع إلى أخبار أبي البركات - ولما وقع بينه وبين ابن صفوان ما يقع بين المتعاصرين رد عليه ابن صفوان، فانتصر لأبي البركات بعض طلبته بتأليف شواظ من نار ونحاس يرسل على من لم يعرف قدره وقدر غيره من الناس وهو قدر رسالة الشيخ أو أطول، وألفي على ظهره بخط الشيخ أبي البركات ما صورته:
قد شبع الكلب كما ينبغي
…
من حجر صلد ومن مقرع
فإن يعد من بعد ذا الذي
…
قد كان منه فهو ممن نعي ومن بديع نظم الشيخ أبي البركات رحمه الله تعالى قوله:
يلومونني بعد العذار على الهوى
…
ومثلي في وجدي له لا يفند
يقولون أمسك عنه قد ذهب الصبا
…
وكيف أرى الإمساك والخيط أسود وقوله في المجبنات:
ومصفرة الخدين مطوية الحشا
…
على الجبن المصفر يؤذن بالخوف
لها بهجة كالشمس عند طلوعها
…
ولكنها في الحين تغرب في الجوف وفي هذين البيتين تورية متعددة.
وحدث القاضي أبو البركات أنه لما أراد الانصراف عن سبتة قال هل السيد الشريف أبو العباس رحمه الله تعالى: متى عزمت على الرحيل فأنشد أبو البركات:
أما الرحيل فدون بعد غد
…
فمتى تقول الدار تجمعنا فأنشد الشريف رحمه الله تعالى:
لا مرحباً بغد ولا أهلاً به
…
إن كان تفريق الأحبة في غد وحكي أن السيد أبا العباس الشريف المذكور ساير القاضي أبا البركات في بعض أسفاره زمن الشباب ببر الأندلس أعاده الله تعالى فلما انتهينا إلى قرية ترليانة، وأدركهما النصب، واشتد عليهما حر الهجير، نزلا وأكلا على ظهره تحت شجرة مستظلاً بظلها، ثم التفت إلى السيد أبي العباس وقال:
ماذا تقول فدتك النفس في حالي
…
يفنى زماني في حل وارتحال وأرتج عليه، فقال لأبي العباس: أجز، فقال بديهاً:
كذا النفوس اللواتي العز يصحبها
…
لا ترضي بمقام دون آمال
دعها تسر في الفيافي والقفار إلى
…
أن تبلغ السؤل أو موتاً بتجوال
الموت أهون من عيش لدى زمن
…
يُعلي اللئيم ويدني الأشرف العالي ولما أوقع الشيخ أبو البركات على زوجه الحرة العربية أم العباس عائشة بنت الوزير المرحوم أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكتاني ثم المغيلي طلقة كتب نسختها بما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وعلى آل محمد، يقول عبد الله الراجي رخمته محمد المدعو بأبي البركات ابن الحاج خار الله له ولطف به: إن الله جلت قدرته لما أنشأ خلقه على طبائع مختلفة وغرائز شتى، ففيهم السخي والبخيل، والشجاع والجبان، والغبي والفطن، والكيس والعاجز، والمسامح والمناقش، والمتكبر والمتواضع، إلى غير ذلك من الصفات المعروفة من الخلق، كانت العشرة لا تستمر بينهم إلا بأحد أمرين: إما بالاشتراك في الصفات أو في
بعضها، وإما بصبر أحدهما على صاحبه إذا عدم الاشتراك، ولما علم الشارع أن بني آدم على هذا الوضع شرع لهم الطلاق ليستريح إليه من عيل صبره على صاحبه، توسعة عليهم، وإحساناً منه إليهم، فلأجل العمل على هذا طلق كاتب هذا عبد الله محمد المذكور زوجه الحرة العربية المصونة عائشة ابنة الشيخ الوزير الحسيب النزيه الأصيل الصالح الفاضل الطاهر المقدس المرحوم أبي عبد الله محمد المغيلي، طلقة واحدة، ملكت بها أمر نفسها دونه، عارفاً قدره قصد بذلك إراحتها من عشرته، طالباً من الله أن يغني كلاً من سعته، مشهداً بذلك على نفسه في صحته وجواز أمره يوم الثلاثاء أول يوم من شهر ربيع الثاني عام أحد وخمسين وسبعمائة؛ انتهى.
ومن نوادره رحمه الله تعالى أنه لما استناب بعض قضاة المرية الفقيه أبا جعفر المعروف بالقرعة في القضاء بخارج المرية من عمله فاتفق أن جاء بعض الجنانين بفحص المرية يشتكي من جائحة أو أذاية أصابت جنانه، ففسدت غلته لذلك، فأخذ ذلك الجنان قرعة وأشار إليها مشتكياً، وقال: هذه القرعة تشهد بما أصاب جناني، فقال الشيخ أبو البركات عند ذلك: غريبتان في عام واحد: القرعة تقضي، والقرعة تشهد.
وكان له رحمه الله تعالى من هذا النمط كثير.
وقال رحمه الله تعالى: نظمت صبيحة يوم السبت السابع والعشرين لرجب عام خمسة وأربعين وسبعمائة، وقد رأيت في النوم كأني أريد إتيان امرأة لا تحل لي، فيأتي رقيب فيحول بيني وبين ذلك المرة بعد المرة، قولي:
ألا كرم الله الرقيب فإنه
…
كفاني أموراً لا يحل ارتكابها
وبالغ في سد الذريعة فاغتدى
…
يلاحظني نوماً ليغلق بابها وقال رحمه الله: أنشدني شيخي أبو عبد الله ابن رشيد عند قراءتي عليه
شرحه لقوافي أبي الحسن حازم، وقد باحثته يوماً مناقشة في بعض ألفاظ من الشرح المذكور:
تسامح ولا تستوف حقك كله
…
وأغض فلم يستوف قط كريم ومن نظم الشيخ أبي البركات قوله:
ألا خل دمع العين يهمي بمقلتي
…
لفرقة عين الدمع وقف على الدم
فللماء فيه رنة شجنية
…
كرنة مسلوب الفؤاد متيم
وللطير فيه نغمة موصلية
…
تذكرني عهد الصبا المتقدم
وللحسن أقمار به يوسفية
…
ترد إلى دين الهوى كل مسلم وله رحمه الله تعالى:
ما كل من شد على رأسه
…
عمامة يحظى بسمت الوقار
ما قيمة المرء بأثوابه
…
السر في السكان لا في الديار وله سامحه الله تعالى:
إذا ما كتمت السر عمن أوده
…
توهم أن الود غير حقيقي
ولم أخف عنه السر من ضنة به
…
ولكنني أخشى صديق صديقي وله وقد جلس في حلقة بعض المشايخ واستدبر بعض الفضلاء ولم يره، بسبتة:
إن كنت أبصرتك لا أبصرت
…
بصيرتي في الحق برهانها
لا غرو أني لم أشاهدكم
…
فالعين لا تبصر إنسانها ومما يعجبه رحمه الله من قوله، قال في الإحاطة ويحق أن يعجبه:
تطالبني نفسي بما ليس لي به
…
يدان فأعطيها الأمان فتقبل
عجبت لخصم لج في طلباته
…
يصالح عنها بالمحال فيفصل ومما أورد له في الإحاطة وذكر نه لو رحل راحل إلى خراسان لما أتى إلا بهما:
رعى الله إخوان الخيانة إنهم
…
كفونا مؤونات البقاء على العهد
فلو قد وفوا كنا أسارى حقوقهم
…
نراوح ما بين النسيئة والنقد وقد تمثل القاضي أبو البركات في مخاطبة له للسان الدين بقول القائل:
أيتها النفس إليه اذهبي
…
فحبه المشهور من مذهبي
أيأسني التوبة من حبه
…
طلوعه شمساً من المغرب وحكى غير واحد منهم ابن داود البلوي أن القاضي أبا البركات لما عزم على الرحلة إلى المشرق كتب إليه ابن خاتمة بما صورته:
أشمس الغرب حقاً ما سمعنا
…
بأنك قد سئمة من الإقامه
وأنك قد عزمت على طلوعٍ
…
إلى شرق سموت به علامه
لقد زلزلت منا كل قلب
…
بحق الله لا تقم القيامه قال الحاكي: فحلف أبو البركات أن لا يرحل من إقليم فيه من يقول مثل هذا؛ انتهى. يشير بقوله " لقد زلزلت - إلخ " إلى طلوع الشمس من مغربها.
قلت: ولما عزمت على هذه الرحلة كتب إلي بعض أصحابنا المغاربة بالآبيات المذكورة متمثلاً، ولم أرجع عن العزم، والله غالب على أمره.
قال الوزير لسان الدين رحمه الله تعالى: وما أحسن قول شيخنا أبي البركات معتذراً عن زرقة عينيه:
حزنت عليك العين يا مغنى الهوى
…
فالدمع منها بعد بعدك ما رقى
ولذاك ما ظهرت بلون أزرق
…
أوما ترى ثوب المآتم أزرقا قال رحمه الله تعالى: وهو من الغريب.
وقال بعض الشيوخ: كنت أقرأ على الشيخ أبي البركات التفسير، فنسيت ذات ليلة السفر الذي كنت أقرأ فيه بمنزلي، فاتفق أن حضر الجامع الصحيح للبخاري، فقال الشيخ بعد أن أردت القراءة عليه من أوله: افتح في أثناء الأوراق ولا تعين، وما خرج لك من ترجمة لجهة اليمين فاقرأها، فعلت، فإذا غزوة أحد، فقرأت الحديث الأول من الباب، وهو عن عقبة بن عامر، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكنني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها، قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الشيخ قوله " صلى على قتلى أحد " لفظ الصلاة يطلق لغة على الدعاء، وشرعاً على الأفعال المخصوصة المعلومة، وإذا دار اللفظ بين الشرعي واللغوي فحمله على الشرعي أولى حتى يدل الدليل على خلافه، فقوله " صلى على قتلى أحد " يحتمل الصلاة الشرعية، ويكون ذلك منسوخاً إذا قد تقرر أنه لا يصلى على شهيد المعترك ولا على من قد صلى عليه، ولمن يعارضه أن يقول: إن قتلى أحد متفرقون في أماكن، فلا تتأتى الصلاة الشرعية عليهم، إذ الصلاة الشرعية إنما تتأتى لو كانوا مجتمعين، والجواب أنهم وإن كانوا متفرقين تجمعهم جهة واحدة، وليس بعد ما بينهم بحيث لا تتأتى معه الصلاة عليهم، هذا، وإن احتمل حمله على الصلاة اللغوية، وقوله " كالمودع للأحياء والأموات " أما وداعه للأحياء فلا إشكال فيه، وأما الأموات فمعنى وداعه لهم وداع الدعاء لهم، لأنه إذا مات فقد حيل بينه وبين
الدعاء لهم، فلا جرم يودعهم بالدعاء لهم قبل أن يحال بينه وبين ذلك، وقوله صلى الله عليه وسلم " إني بين أيديكم " أي أتقدم قبلكم، وقوله صلى الله عليه وسلم " بين أيديكم فرط " أي متقدم، وبين إذا أضيفت إلى الأيدي تستعمل فيما قبل زمانك وفيما بعده، والمعنى هنا في قوله " بين أيديكم " أي أتقدم قبلكم، وقوله صلى الله عليه وسلم " وأنا شهيد عليكم " فيه وجهان، أحدهما: أن يخلق الله في قلبه علماً ضرورياً يميز به بين البر والفاجر، فيشهد بما خلق الله في قلبه من ذلك، إذ لا تكون الشهادة إلا على أمر مشاهد، ومعلوم أنه لم يشاهد ما فعل بعده من أمته فيخلق الله له علماً بذلك، الوجه الثاني: أن يخبره الله تعالى بذلك كما في حديث الحوض: ليذدان عنه أقوام كما يذاد البعير الضال فأقول: ألا هلم، ألا هلم، فيقال: إنهم قد غيروا بعدك، فأقول: فسحقاً فسحقاً فسحقاً، فشهد بما أخبره الله تعالى به، وهو نظير ما روي في تفسير قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً " من أن قوم نوح يقولون: كيف تشهدون علينا وزمانكم متأخر عن زماننا فيقولون: لأن الله تعالى قص علينا أخباركم في كتابه، فقال " إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه - إلى آخره ".
وقوله صلى الله عليه وسلم " وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا " نظره صلى الله عليه وسلم إلى الحوض فيه وجهان، أحدهما: أن يكون نظره إليه بقلبه، إذا كان قد أطلعه الله عليه ليلة الإسراء، فصار مرتسماً في قلبه، فيكون نظره إليه بعين قلبه، كما يرتسم في قلب أحدنا شكل بيته وما فيه من المتاع والثياب وغير ذلك؛ الثاني: أن يكون الله تعالى قد كشف له عنه، فيكون نظره إليه بعينه مشاهدة، وقوله صلى الله عليه وسلم " وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا " إن قيل: كيف قال ذلك وقد ارتد عن الإسلام من ارتد من العرب بعده فالجواب أنه إنما خاطب بذلك من لم يشرك من أصحابه ومن بعدهم من التابعين وغيرهم من أمته، ولم يراع رعاع العرب
وجهالهم، إذ لا اعتبار بهم لاحتقارهم. وقوله عليه الصلاة والسلام " ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها " قد وقع ما خشي منه عليه الصلاة والسلام من المنافسة في الدنيا، فكان كما ذكر صلى الله عليه وسلم؛ انتهى.
وحدث الشيخ أبو البركات قال: كنت ببجاية بمجلس الإمام ناصر الدين المشدالي أيام قراءتي عليه، وقد أفاض طلبة مجلسه بين يديه: هل الملائكة أفضل أم الأنبياء فقلت: الدليل لأن الملائكة أفضل أن الله أمرهم بالسجود لآدم، قال: فجعل الطلبة ينظر بعضهم إلى بعض، حتى قال لي بعضهم: استند يا سيدنا، كأنه يقول: استند إلى حائط ليزول هوس رأسك، وكانت عبارتهم في ذلك، وكل منهم يقول لي نحو ذلك إزراء، وقال لي الإمام ناصر الدين: أبصر فإنهم يقولون الحق، وكانت لغته أن يقول: أبصر، قال: فقلت: أتقولون إن أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمر ابتلاء واختبار قالوا: نعم، قلت: أفيختبر العبد بتقبيل يد سيده ليرى تواضعه قالوا: لا، فإن ذلك من شأن العبد دون أن يؤمر، بل السيد يختبر تواضعه بأن يأمر بالسجود للعبد، قلت: فكذا الملائكة، لو أمرت بالسجود لأفضل منها لكان بمنزلة أمر العبد بالسجود لسيده، قال: فكأنما ألقمتهم حجراً.
قال الشيخ أبو البركات: وهذه كحكاية أبي بكر ابن الطيب مع بعض رؤساء المعتزلة، وذلك أنه اجتمع معه في مجلس الخليفة، فناظره في مسألة رؤية الباري، فقال له رئيسهم: ما الدليل أيها القاضي على جواز رؤية الله تعالى قال: قوله تعالى " لا تدركه الأبصار " فنظر بعض المعتزلة إلى بعض وقالوا: جن القاضي وذلك أن هذه الآية هي معظم ما احتجوا به على مذهبهم، وهو ساكت، ثم قال لهم: أتقولون إن من لسان العرب قولك الحائط لا يبصر قالوا: لا، قال: أتقولون أن من لسان العرب الحجر لا يأكل قولوا: لا، قال: فلا يصح إذاً نفي الصفة إلا عما من شأنه صحة إثباتها له، قالوا: نعم، قال: فكذلك قوله تعالى " لا تدركه الأبصار " لولا جواز إدراك الأبصار له لم يصح نفيه عنه
فأذعنوا لما قال، واستحسنوه.
وقال الشيخ أبو البركات: كنت ببجاية، وقدم علينا رجل من فاس برسم الحج يعرف بابن الحداد، فركب الناس في الأخذ عنه والرواية لما يحمله كل صعب وذلول، مع أنه لم تكن منزلته هناك في العلم، فعجبت لذلك، حتى قلت لبعض الطلبة: لقد أخذتموه بكلتا اليدين، ولم أركم مع من هو أعلى قدراً منه كذلك، فقالوا لي: لأنه قدم علينا ونحن لا نعرفه، وهو في زي حسن، بخادم يخدمه، يظن من يراه أن أباه من أعيان أهل بلده، فسألناه أحي أبوه أم لا قال: بل حي، قلنا: أهو من أهل العلم قال: لا، هو دلال في سوق الخدم، فلذلك آثرناه على من هو فوقه في العلم، قال: فقلت لهم: حق له أن ترتفع منزلته ويعلا صيته لتخلقه وفضله.
وفوائد أبي البركات كثير. ومن تواليفه المؤتمن على أنباء أبناء الزمن كتاب مفيد جداً. وهو رضي الله عنه من ذرية العباس بن المراد السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحساب إلى يوم الدين.
وقال الشيخ أبو البركات: ذكر لي أن الفقيه الكاتب أبا الحسن ابن الجياب يحدث عني، ولا أذكر الآن أني قلت ذلك، ولكنني لما سمعته علمت أنه مما من شأني أن أقوله وهو أني قلت: مثل العالم مثل رجل يصب ماء في قفة، إن واظب على صب الماء بقيت القفة ملأى، وإن ترك صب الماء بقيت القفة لا شيء فيها من الماء، فكذلك العالم: إن واظب على طلب العلم بقي العلم لم ينقص منه شيء، وإن ترك الطلب ذهب علمه؛ انتهى.
ونقلت ممن رأى كلام ابن الصباغ في ترجمة أبي البركات ما نصه: لما ورد مدينة فاس في غرض الهناء والعزاء على أمير المسلمين أبي بكر السعيد ابن أمير المؤمنين أبي عنان، وأبصر الدار غاصة بأرباب الدولة الفاسية ولم يعدم منها عدا شخصه، والولد على أريكة أبيه أنشد:
لما تبدلت المجالس أوجهاً
…
غير الذين عهدت من جلسائها
ورأيتها محفوفة بسوى الألى
…
كانوا حماة صدورها وبنائها
أنشدت بيتاً سائراً متقدماً
…
والعين قد شرقت بجاري مائها
أما القباب فهي كقبابهم
…
وأرى نساء الحي غير نسائها وأظن أنه (1) تمثل بالأبيات بسره، وإلا يبعد أن يقولها في ذلك الحفل لما في ذلك من التعرض للهلك، والله سبحانه أعلم.
وحكى بعضهم أنه كان جالساً في دهليز بيته مع بعض الأصحاب، فدخلت زوجته من الحمام وهي بغير سراويل لقرب الحمام من البيت، فانكشف ساقها، فدخل خلفها مسرعاً، وغاب ساعة ثم خرج وأنشد:
كشفت على ساق لها فرأيته
…
متلألئاً كالجواهر البراق
لا تعجبوا إن قام منه قيامتي
…
إن القيامة يوم كشف الساق وله في خديم اسمه يحيى احتجم محجمة واحدة:
أراني يحيى صنعة في قفائه
…
مهذبة لما تبادر للباب
أرى (2) الخمس فيها لا تفارق ساعة
…
فصور بالموسى بها شكل محراب وتوفي الشيخ القاضي أبو البركات المذكور بشوال سنة 771 رحمه الله تعالى.
22 -
ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى الشيخ الحكيم العلامة التعاليمي، الشاعر البليغ، أعجوبة زمانه في الاطلاع على علوم الأوائل، أبو زكريا يحيى بن هذيل (3) وقد قال في الإحاطة في حقه (4) ما ملخصه: يحيى
(1) ق: وأظنه.
(2)
ص ق: رأى.
(3)
ترجمة ابن هذيل في الإحاطة، الورقة: 381 ونثير فرائد الجمان: 320 (رقم: 13) والكتيبة الكامنة: 73 (ووردت ترجمته خطأ تحت اسم ابن شقرال) والدرر الكامنة 4: 412.
(4)
في حقه: سقطت من ق.
ابن أحمد بن هديل التجيبي، أبو زكريا، شيخنا؛ جرى ذكره في التاج المحلى بما نصه: درة بين الناس مغفلة، وخزانة على كل فائدة مقفلة، وهدية من الدهر الضنين لبنيه محتفلة، أبدع من رتب التعاليم وعلمها، وركض في الألواح قلمها، وأتقن من صور الهيئة ومثلها، وأسس قواعد البراهين وأثلها، وأعرف من زوال شكاية، ودفع عن جسم نكاية، إلى غير ذلك من المشاركة في العلوم، والوصول من المجهول إلى المعلوم، والمحاضرة المستفزة للحلوم، والدعابة التي ما خالع العذار فيها بالملوم، فما شئت من نفس عذبة الشيم، وأخلاق كالزهر من بعد الديم، ومحاضرة تتحف المجالس والمحاضر، ومذاكرة يروق النواظر زهرها الناضر، وله أدب ذهب في الإجادة كل مذهب، وارتدى من البلاغة بكل رداء مذهب، والأدب نقطة من حوضه، وزهرة من زهرات روضه، وسيمر له في هذا الديوان ما يبهر العقول، ويحاسن بروائه ورائق بهائه الفرند المصقول، فمن ذلك ما خرجته من ديوانه المسمى بالسليمانيات والعزفيات (1) قوله:
ألا استودع الرحمن بدراً مكملاً
…
بفاس من الدرب الطويل مطالعه
ففي فلك الأزرار يطلع سعده
…
وفي أفق الأكباد تلفى مواقعه
يصير مرآه منجم مقلتي
…
فتصدق في قطع الرجاء قواطعه (2)
تجسم من ماء الملاحة (3) خده
…
وماء الحيا فيه ترجرج مائعه
تلون كالحرباء في خجلاته
…
فيحمر قانيه ويبيض ناصعه
إذا اهتز غنى حليه فوق نحره
…
كغصن النقا غنت عليه سواجعه
يؤكد (4) حتف الصب عامل قدره
…
وتعطف من واو العذار توابعه
(1) ص: بالسليمانية؛ الكتيبة: السليمانيات والعربيات، والقصيدة في الكتيبة:77.
(2)
القطع: من اصطلاحات المنجمين بمعنى النقص أو سوء الطالع.
(3)
الكتيبة: نور الملاحة.
(4)
في ق ص: يذكر؛ ويؤكد: مناسبة للتلاعب النحوي في البيت.
أعد الورى سيفاً كسيف لحاظه
…
فهذا هو الماضي وذاك مضارعه (1) وقال:
وصالك هذا أم تحية بارق
…
وهجرتك أم ليل السليم لتائق
أناديك والأشواق تركض جمرها (2)
…
بصفحة خدي من دموع سوابق
أبارق ثغر من عذيب رضابه
…
قضت مهجتي بين العذيب وبارق ومنها:
فلا تتعبن ريح الصبا في رسالة
…
ولا تخجل الطيف الذي كان طارقي
متى طعمت عيني الكرى بعد بعدكم
…
فإني في دعوى الهوى غير صادق وقال:
بدا بدر فوقه الليل عسعسا
…
وجنة أنس في صباح تنفسا
حوى النجم قرطاً والدراري مقلداً
…
وأسبل من الذوائب حندسا
كأن سنا الإصباح رام يزورنا
…
وخاف العيون الرامقات فغلسا
أتى يحمل التوراة طبياً مزنراً
…
لطيف التثني أشنب الثغر ألعسا
وقابل أحبار اليهود بوجهه
…
فبارك عليه ربي (3) وقدسا
فصير دمعي أعيناً شرب سبطه
…
وعمري تيهاً والجوانح مقدساً ومنها:
رويت ولوعي عن ضلوعي مسلسلاً
…
فأصبحت في علم الغرام مدرسا
نفى النوم عني كي أكون مسهداً
…
فأصبحت في صيد الخيال مهندسا
(1) ق ص: يضارعه.
(2)
الكتيبة: حمرها.
(3)
الربي: الحبر من أحبار اليهود (Rabbi) .
غزال من الفردوس تسقيه أدمعي
…
ويأوي إلى قلبي مقيلاً ومكنسا
طغى ورد خديه بجنات (1) صدغه
…
فأضعفه بالآس نبتاً وما أسا وهذا البيت محال على معنى فلاحي، قال أهل الفلاحة: إن الآس إذا اغترس بين شجر الورد أضعفه بالخاصية.
وقال رحمه الله تعالى ورضي عنه (2) :
نام طفل النبت في حجر النعامى
…
لاهتزاز الطل في مهد الخزامى
وسما (3) الوسيمي أغصان النقا
…
فهوت تلثم أفوا الندامى
كحل الفجر لهم جفن الدجى
…
وغدا في وجنة الصبح لثاما
تحسب البدر محيا ثمل
…
قد سقته راحة الصبح مداما
حوله الزهر (4) كؤوس قد غدت
…
مسكة الليل عليهم ختاما
يا عليل الريح رفقاً علني
…
أشف بالسقم الذي حزت سقاما
أبلغن شوقي عريباً باللوى
…
همت في أرض بها حلوا غراما
فرشوا فيها من الدر حصى
…
ضربوا فيها من المسك خياما
كنت أشفي غلة من صدكم
…
لو أذنتم لجفوني أن تنام
واستفدت الروح من ريح الصبا
…
لو أتت تحمل من سلمى سلاما وقال منها أيضاً:
نشأت للصب منها زفرة
…
تسكب الدمع على الربع سجاما
طرب البرق مع القلب بها
…
وبها الأنات طارحن الحماما
(1) ق ص: لجنان.
(2)
الكتيبة: 74 والنثير: 322 وقد سبقت أبيات منها في المجلد: 3 ص: 357.
(3)
الكتيبة والنثير: وسقى؛ والمقابلة بين " سما " و " هوت ".
(4)
الكتيبة والنثير: الشهب.
طلل لا تشتفي الأذن به
…
وهو للعينين قد ألقى كلاما
ترك الساكن لي من وصله
…
ضمة الجدران لئماً والتزاما
نزعات من سليمان بها
…
فهم القلب معانيها فهاما
شادن يرعى حشاشات الحشا
…
حسب حظي منه أن أرعى الذماما وقال (1) :
أأرجو أماناً منك واللحظ غادر
…
ويثبت عقلي (2) فيك والطرف ساحر ومنها:
أعد سليمان أليم عذابه
…
لطائر قلبي فهو للبين صائر (3)
أشاهد منه الحسن في كل نظرة
…
وناظر أفكاري بمغناه (4) ناظر
دعت للهوى أنصار سحر جفونه
…
فقلبي له عن طيب نفس مهاجر
إذا شق عن بدر الدجى أفق زره
…
فإني بتمويه العواذل كافر
وفي حرم السلوان طابت خواطري
…
وقلبي لما في وجنته مجاور
وقد ينزع القلب المبلى (5) لسلوة
…
كما اهتز من قطر الغمامة طائر
يقابل أغراضي بضد مرادها
…
ولم يدر أن الضد للضد قاهر
ونار اشتياقي صعدت مزن أدمعي
…
فمضر سري فوق خدي ظاهر
وقد كنت باكي العين والبين غائب
…
فقل لي كيف الدمع (6) والبين حاضر
(1) الكتيبة: 75.
(2)
الكتيبة: قلبي.
(3)
الكتيبة: صابر.
(4)
الكتيبة: لمعناه.
(5)
الكتيبة: الشجي.
(6)
الكتيبة: فقل كيف حال الدمع.
وليس النوى بالطبع مراً، وإنما
…
لكثرة ما شقت عليه المرائر (1) وقال:
يا بارقاً قاد الخيال فأومضا
…
اقصد بطيفك مدنفاً قد غمضا
ذاك الذي قد كنت تعهد نائماً
…
بالسهد من بعد الأحبة عوضا
لا تحسبني معرضاً عن طيفه
…
لكن منامي عن جفوني أعرضا ومنها:
عجب الوشاة لمهجتي أن لم تذب
…
يوم النوى وتشككت فيما مضى
خفيت لهم من سر صبري آية
…
ما فهمت إلا سليمان الرضى
لله درك ناهجاً سبل الهوى
…
فلمثله أمر الهوى قد فوضا
أمنت نملاً فوق خدك سارحاً
…
وسللت سيفاً من جفونك منتضى وقال في المدح:
حريص على جر الذوائب والقنا
…
إذا كعت الأبطال والجو عابس
ويعتنق الأبطال، لولا سقوطها
…
لقلت: لتوديع أتته الفوارس
إذا اختطفتهم كفه فسروجهم
…
مجال، وهم في راحتيه فرائس وقال يمدح السلطان أبا الوليد ابن نصر عند قدومه من فتح أشكر (2) :
بحيث البنود الحمر والأسد الورد
…
كتائب سكان السماء لها جند (3)
وتحت لواء النصر ملك هو الورى (4)
…
تضيق به الدنيا إذا راح أو يغدو
(1) أخذه من قول الشاعر:
وما اخضر ذاك الخال نبتا وإنما
…
لكثرة ما شقت عليه المرائر (2) يريد السلطان إسماعيل بن فرج، هاجم حصن أشكر سنة 724، وأشكر من عمل بسطة، وفي ق ص: أشكو؛ وانظر الكتيبة: 77 - 79.
(3)
حذف بعد هذا البيت أبياتا مثبتة في الكتيبة.
(4)
الكتيبة: الشرع
…
الهدى.
تأمنت الأرواح في ظل بنده
…
كأن جناح الروح من فوق بند
فلو رام إدراك النجوم لنالها
…
ولو هم لانقادت له الهند والسند ومنها:
بعيني بحر النقع تحت أسنة
…
تنمنمه وهناً كما نمنم البرد
سماء عجاج والأسنة شهبها
…
ووقع القنا رعد إذا وقع الهند
وظنوا أن الرعد والصعق في السما
…
محاق به من أيده الصعق والرعد
عجائب أشكال سما هرمس بها
…
مهندسة تأتي الجبال فتنهد
ألا إنها الدنيا تريك عجائباً
…
وما في القوى منها فلا بد أن (1) يبدو وقال وهو معتقل:
تباعد عني منزل وحبيب
…
وهاج اشتياقي والمزار قريب
وإني على قرب الحبيب مع النوى
…
يكاد إذا اشتد الأنين يجيب
لقد بعدت عني ديار قريبة
…
عجبت لجار الجنب وهو قريب
أعاشر أقواماً تقر نفوسهم
…
فللهم فيها عند ذاك ضروب
إذا شعروا من جارهم بتأوه
…
أجابته منهم زفرة ونحيب
فلا ذاك يشكوهم هذا تأسفاً
…
لكل امرئ مما دهاه نصيب
كأني في غاب الليوث مسالم
…
يروعني منه الغداة وثوب
تحكم فيها الدهر والعقل حاضر
…
بكل قياس والأديب أديب
ولو مال بالجهال ميلته بنا
…
لجاء بعذر: إن ذا لعجيب
رفيق بما لا ينثني عن جريمة
…
بطوش بمن ما أوبقته ذنوب
ويطعمنا منه بوارق خلب
…
نقول عساه يرعوي فيؤوب (2)
(1) ص: لإبانه.
(2)
ق: فيتوب.
إذا ما تشبثنا بأذيال برده
…
دهتنا إذا جر الخطوب خطوب
أدار علينا صولجاناً، ولم يكن
…
سوى أنه بالحادثات لعوب ومنها:
أيا دهر إني قد سئمت تهدفي
…
أجرني فإن السهم منك مصيب
إذا خفق البرق الطروق أجابه
…
فؤادي ودمع المقلتين سكوب
وإن طلع الكف الخضيب بسحرة
…
فدمعي بحناء الدماء خضيب
تذكرني الأسحار (1) دارا ألفتها
…
فيشتد حزني والحمام دروب
إذا علقت نفسي بليت وربما
…
تكاد تفيض أو تكاد تذوب
دعوتك ربي والدعاء ضراعة
…
وأنت تناجى بالدعا فتجيب
لئن كان عقبى الصبر فوزاً وغبطة
…
فإني على الصبر الجميل دروب قال: وبعثت إليه هدية من البادية، فقال يصف منها ديكاً:
أيا صديقاً جعلته سندا
…
فراح فيما أحبه وغدا
طلبت منكم سريدكاً (2) خنثاً
…
وجئتم لي مكانه لبدا
صير مني مؤرخاً ولكم
…
ظللت من علمه من البلدا
قلت له: آدم أتعرفه
…
قال: حفيدي بعصرنا ولدا
نوح وطوفانه رأيتهما
…
قال: علونا بفيضه أحدا
فقلت: هل لي بجرهم خبر
…
فقال: قومي وجيرتي السعدا
فقلت: قحطان هل مررت به
…
قال: نفثنا ببرده العقدا
فقلت: صف لي سبا وساكنها
…
فعند هذا تنفس الصعدا
(1) ق: الأشجار.
(2)
السريدك: يصغير سردوك وهو الديك.
فقال: كم لي بدجنهم سحراً
…
من صرخة لي وللنوم هدا
فقلت: هاروت هل سمعت به
…
فقال: ريشي لسهمه نفدا
فقلت: كسرى وآل شرعته
…
فقال: كنا بجيشه وفدا
ولوا وصاروا وها أنا لبد
…
فهل رأيتم من فوقهم أحدا
ديك إذا ما انثنى لفكرته
…
رأى وجوداً طرائقاً قددا
يرفل في طيلسانه ولهاً
…
قد صير الدهر لونه كمدا
إذا دجا الليل غاب هيكله
…
كأن حبراً عليه قد جمدا
كأنما جلنار لحيته
…
برجان جازا من الهواء مدى
كأن حصناً علا بهامته
…
أعده للقتال فيه عدا
يرنو بياقوتتي لواحظه
…
كأنما اللحظ منه قد رمدا
كأن منجالتي ذوائبه
…
قوس سماء من أصله بعدا
وعوسج مد من مخالبه
…
طغى بها في نقاده وعدا
فذاك ديك جلت محاسنه
…
له صراخ بين الديوك بدا
يطلبني بالذي فعلت به
…
فكم فللنا بلبتيه مدا
وجهته محنة لآكله
…
والله ما كان ذاك منك سدى ولم نزل بعد نستعدي عليه بإقراره بقتله، ونطلبه بالقود عند تصرفه بالعمل، فيوجه الدية لنا في ذلك رسائل.
وقال في غرض أبي نواس (1) :
طرقنا ديور القوم وهناً وتغليسا
…
وقد شرفوا الناسوت إذ عبدوا عيسى
وقد رفعوا الإنجيل فوق رؤوسهم
…
وقد قدسوا الروح المقدس تقديسا
فما استيقظوا إلا لصكة بابهم
…
فأدهش رهباناً وروع قسيسا
(1) الكتيبة: 79.
وقام بها البطريق يسعى ملبياً
…
وقد لين الناقوس رفعاً وتأنيسا
فقلنا له أمناً فإنا عصابة
…
أتينا لتثليث وإن شئت تسديسا
وما قصدنا إلا الكؤوس وإنما
…
لحنا له في القول خبثاً وتدليسا
ففتحت الأبواب بالرحب منهم
…
وعرس طلاب المدامة تعريسا
فلما رأى رقي (1) أمامي ومزهري
…
دعاني أتأنيساً لحنت وتلبيسا
وقام إلى دن بفض ختامه
…
فكبس أجرام الغياهب تكبيسا
وطاف بها رطب البنان مزنر
…
فأبصرت عبداً صير الحر مرؤوسا
سلافاً حواها القار لبساً فخلتها
…
مثالاً من الياقوت في الحبر مغموسا ومنها:
إلى أن سطا بالقوم سلطان نومهم
…
ورأس فتيل (2) الشمع نكس تنكيسا
وثبت إليه بالعناق فقال لي:
…
بحق الهوى هب لي من الضم تنفيسا
كتبت بدمع العين صفحة خده
…
فطلس حبر الشعر كتبي تطليسا
فبئس الذي احتلنا وكدنا عليهم
…
وبئس الذي قد أضمروا قبل ذا بيسا
فبتنا يرانا الله شر عصابة
…
نطيع بعصيان الشريعة إبليسا وقال بديهة في غزالة من النحاس ترمي الماء على بركة:
عنت لنا من وحشة
…
جاءت لورد الماء ملء عنانها
وأظنها إذا حددت آذانها
…
ريعت بنا فتوقفت بمكانها
حيت بقرني رأسها إذ لم تجد
…
يوم اللقاء تحية ببنانها
حنت على الندمان من إفلاسهم
…
فرمت قضيب لجينها لحنانها (3)
لله در غزالة أبدت لنا
…
در الحباب تصوغه بلسانها
(1) ق ص والكتيبة: زقي؛ ولعله الرق - بالراء المهملة - ليطابق المزهر.
(2)
ق ص: قبيل السمع؛ والتصويب من الكتيبة.
(3)
سقط البيت من ق.
لسان الدين: وفلج المذكور، فلزم منزلي لمكان فضله ووجوب حقه، وقد كانت زوجته توفيت، وصحبه عليها وجد، فلما ثقل وقربت وفاته استدعاني وكاد لسانه لا يبين، فأوصاني وقال:
إذا مت فادفني حذاء حليلتي
…
يخالط عظمي في التراب عظامها
ولا تدفنني في البقيع فإنني
…
أريد إلى (1) يوم الحساب التزامها
ورتب ضريحي كيفما شاءه الهوى
…
تكون أمامي أو أكون أمامها
لعل إله العرش يجبر صدعتي
…
فيعلي مقامي عنده ومقامها ومات رحمه الله تعالى في الخامس والعشرين لذي قعدة لعام ثلاثة وخمسين وسبعمائة ودفن بحذاء زوجته كما عهد رحمه الله تعالى؛ انتهى.
ومن نظم ابن هذيل:
وظبي زارني والليل طفل
…
إلى أن لاح لي منه اكتهال
وألغى الشك من وصل فقلنا
…
بليل الشك يرتقب الهلال 23 - ومن أشياخ لسان الدين: الشيخ أبو بكر ابن ذي الوزارتين، وهو - أعني أبا بكر - الوزير
الكاتب الأديب الفاضل المشارك المتفنن المتبحر في الفنون أبو بكر محمد ابن الشيخ الشهير ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم الرندي (2)، ومن نظمه قوله (3) :
تصبر إذا ما أدركتك ملمة
…
فصنع إله العالمين عجيب
وما يلحق (4) الإنسان عار بنكبة
…
ينكب فيها صاحب وحبيب
(1) ق ص: أفي.
(2)
ترجمة أبي بكر الحكيم في الإحاطة 2: 199 والكتيبة الكامنة: 195.
(3)
الإحاطة: 206 والكتيبة: 195.
(4)
الإحاطة والكتيبة: يدرك.
ففي من مضى للمرء ذي العقل أسوة
…
وعيش كرام الناس ليس يطيب
ويوشك أن تهمي سحائب نعمة
…
فيخضب ربع للسرور جديب
إلهك يا هذا قريب لمن دعا
…
وكل الذي عند القريب قريب قال ابن خاتمة: وأنشدني الوزير أبو بكر مقدمه على المرية غازياً مع الجيش المنصور، قال: أنشدني أبي:
ولما رأيت الشيب حل بمفرقي
…
نذيراً بترحال الشباب المفارق
رجعت إلى نفسي فقلت لها انظري
…
إلى ما أرى، هذا ابتداء الحقائق [ترجمة أبي عبد الله ابن الحكيم]
وبيتهم بيت كبير، وأخذ عن غير واحد وعن والده، وهو ذو الوزارتين أبو عبد الله محمد (2) بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى، اللخمي، الرندي، الكاتب البليغ الأديب الشهير الذكر بالأندلس، وأصل سلفه من إشبيلية من أعيانها، ثم انتقلوا إلى رندة في دولة بني عباد، ويحيى جد والده هو المعروف بالحكيم (2) لطبه، وقدم ذو الوزارتين على حضرة غرناطة أيام السلطان أبي عبد الله محمد بن محمد بن نصر إثر قفوله من الحج في رحلته التي رافق بها العلامة أبا عبد الله ابن رشيد الفهري، فألحقه السلطان بكتابه، وأقام يكتب له في ديوان الإنشاء إلى أن توفي هذا السلطان وتقلد الملك بعده ولي عهده أبو عبد الله المخلوع فقلده الوزارة والكتابة، وأشرك معه في الوزارة أبا سلطان عبد العزيز بن سلطان الداني، فلما توفي أبو سلطان أفرده السلطان بالوزارة، ولقبه ذا الوزارتين،
(2) هذه ترجمة والد أبي بكر ابن الحكيبم عن الإحاطة 2: 279.
(2)
هذه ترجمة والد أبي بكر ابن الحكيبم عن الإحاطة 2: 279.
وصار صاحب أمره إلى أن توفي بحضرة غرناطة قتيلاً نفعه الله تعالى غدوة يوم الفطر مستهل شوال سنة ثمان وسبعمائة، وذلك لتاريخ خلع سلطانه وخلافة أخيه أمير المسلمين أبي الجيوش مكانه، ومولده برندة سنة ستين وستمائة.
وكان رحمه الله تعالى علماً في الفضيلة والسراوة ومكارم الأخلاق، كريم لنفس واسع الإيثار، متين الحرمة عالي الهمة، كاتباً بليغاً أديباً شاعراً، حسن الخط يكتب خطوطاً على أنواع كلها جميلة الانطباع، خطيباً فصيح القلم زاكي الشيم، مؤثراً لأهل العم والأدب براً بأهل الفضل والحسب، نفقت بمدته للفضائل أسواق، وأشرقت بإمداده للأفاضل آفاق. ورحل للمشرق كما سبق، فكانت إجازته البحر من المرية، فقضى فريضة الحج، وأخذ عمن لقي هنالك من الشيوخ، فمشيخته متوافرة، وكان رفيقه كما مر الخطيب أبا عبد الله ابن رشيد الفهري، فتعاونا على هذا الغرض، وقضيا منه كل نفل ومفترض، واشتركا فيمن أخذا عنه من الأعلام، في كل مقام، وكانت له عناية بالرواية وولوع بالأدب، وصبابة باقتناء الكتب، جمع من أمهاتها العتيقة، وأصولها الرائقة الأنيقة، ما لم يجمعه في تلك الأعصر أحد سواه، ولا ظفرت به يداه، أخذ عنه الخطيب الصالح أبو إسحاق ابن أبي العاصي، وتدبج معه رفيقه أبو عبد الله ابن رشيد وغير واحد، وكان ممدحاً، وممن مدحه الرئيس أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي والرئيس أبو الحسن ابن الجياب، وناهيك بهما.
ومن بديع مدح ابن الجياب له قصيدة رائقة يهنيه فيها بعيد الفطر منها في أولها (1) :
يا قادماً عمت الدنيا بشائره
…
أهلا بمقدمك الميمون طائره
ومرحباً بك من عيد تحف به
…
من السعادة أجناد تظافره
(1) الإحاطة 2: 285.
قدمت فالخلق في نعمى وفي جذل
…
أبدى بك البشر باديه وحاضره
والارض قد لبست أثواب سندسها
…
والروض قد بسمت منه أزاهره
حاكت يد الغيث في ساحاته حللاً
…
لما سقاها دراكاً منه باكره
فلاح فيها من الأنوار باهرها
…
وفاح فيها من النوار عاطره
وقام فيها خطيب الطير مرتجلاً
…
والزهر قد رصعت منه منابره
موشي ثوب طواه الدهر آونة
…
فها هو اليوم للأبصار ناشره
فالغصن من نشوة يثني معاطفه
…
والطير من طرب تشدو مزاهره
وللكمام انشقاق عن أزاهرها
…
كما بدت لك من خل ضمائره
لله يومك ما أزكى فضائله
…
قامت لدين الهدى فيه شعائره
فكم سريرة فضل فيك قد خبئت
…
وكم جمال بدا للناس ظاهره
فافخر بحق على الأيام قاطبة
…
فما لفضلك من ند يظاهره
فأنت في عصرنا كابن الحكيم إذا
…
قيست بفخر أولي العليا مفاخره
يلتاح منه بأفق الملك نور هدى
…
تضاءل الشمس مهما لاح زاهره
مجد صميم على عرش السماك سما
…
طالت مبانيه واستعلت مظاهره
وزارة الدين والعلم التي رفعت
…
أعلامه والندى الفياض زاخره
وليس هذا ببدع من مكارمه
…
ساوت أوائله فيه أواخره
يلقى الأمور بصدر منه منشرح
…
بحر وآراؤه العظمى جواهره
راعى أمور الرعايا معملاً نظراً
…
كمثل علياه معدوماً نظائره
والملك سير في تدبيره حكماً
…
تنال ما عجزت عنه عساكره
سياسة الحلم لا بطش يكدرها
…
فهو المهيب وما تخشى بوادره
لا يصدر الملك إلا عن إشارته
…
فالرشد لا تتعداه مصايره
تجري الأمور على أقصى إرادته
…
كأنما دهره فيه يشاوره
وكم مقام له في كل مكرمة
…
أنست موارده فيها مصادره
ففضلها طبق الآفاق أجمعها
…
كأنه مثل قد سار سائره
فليس يجحده إلا أخو حسد
…
يرى الصباح فيعشى منه ناظره
لا ملك أكبر من ملك يدبره
…
لا ملك أسعد من ملك يوازره
يا عز أمر به اشتدت مضاربه
…
يا حسن ملك به ازدانت محاضره
تثني البلاد وأهلوها بما عرفوا
…
ويشهد الدهر آتيه وغابره
بشرى لآمله الموصول مأمله
…
تعساً لحاضره المقطوع دابره
فالعلم أشرقت نور مطالعه
…
والجود قد أسبلت سحاً مواطره
والناس في بشر، والملك في ظفر
…
عال على كل عالي القدر قاهره
والأرض قد ملئت أمناً جوانبها
…
بيمن من خلصت فيها سرائره
وإلى أياديه من مثنى وموحدة
…
تساجل البحر إن فاضت زواخره
فكل يوم تلقانا عوارفه
…
كساه أمواله الطولى دفاتره
فمن يؤدي لمن أولاه من نعم
…
شكراً ولو أن سحباناً يظاهره
يا أيها العيد بادر لثم راحته
…
فلثمها خير مأمول تبادره
وافخر بأن قد لقيت ابن الحكيم على
…
عصر يباريك أو دهر تفاخره
ولى الصيام وقد عظمت حرمته
…
فأجره لك وافيه ووافره
وأقبل العيد فاستقبل به جذلاً
…
واهنأ به قادماً عمت بشائره ومن نثر ذي الوزارتين آخر إجازة ما صورته: وها أنا أجري معه على حسن معتقده، إلى ما رآه بمقتضى تودده، وأجيز له ولولديه أقر الله بهما عينه، وجمع بينهما وبينه، رواية جميع ما نقلته وحملته، وحسن اطلاعه يفصل من ذلك ما أجملته، فقد أطلقت لهم الإذن في جميعه، وأبحت لهم الحمل عني ولهم الاختيار في تنويعه، والله سبحانه يخلص أعمالنا لذاته، ويجعلها في ابتغاء مرضاته، قال هذا محمد بن عبد الرحمن بن الحكيم حامداً لله عز وجل، ومصلياً.
ومن شعر ذي الوزارتين ابن الحكيم قوله (1) :
ما أحسن العقل وآثاره
…
لو كان لازم الإنسان إيثاره
يصون بالعقل الفتى نفسه
…
كما يصون الحر أسراره
لا سيما إن كان في غربة
…
يحتاج أن يعرف مقداره وقوله رحمه الله (2) :
إني لأعسر أحياناً فيلحقني
…
يسر من الله إن العسر قد زالا
يقول خير الورى في سنة ثبتت
…
" أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا " وهو من أحسن ما قال رحمه الله.
ومن شعر ذي الوزارتين المذكور قوله (3) :
فقدت حياتي بالعراق ومن غدا
…
بحال نوى عمن يحب فقد فقد
ومن أجل بعدي عن ديار ألفتها
…
جحيم فؤادي قد تلظى وقد وقد وقد سبقه إلى هذا القائل:
أواري أواري بالدموع تجلداً
…
وكم رمت إطفاء اللهيب وقد وقد
فلا تعذلوا من غاب عنه حبيبه
…
فمن فقد المحبوب فقد فقد كذا رواه ابن خاتمة، ورواه غيره هكذا:
أواري أواري والدموع تبينه
…
وهو الصواب، قال ابن خاتمة: وأنشدني رئيس الكتاب الصدر البليغ
(1) الإحاطة: 194. قلت: وورد في المجلد 3: 347 منسوبا لصالح بن شريف الرندي.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
المصدر نفسه.
الفاضل أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان النجاري، قال: أنشدني رئيس الكتاب الجليل أبو محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي، قال: أنشدني رئيس الكتاب ذو الوزارتين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن الحكيم رحمه الله:
صح الكتاب وعنه
…
واختم على مكنته
واحذر عليه من مخا
…
لسة الرقيب بجفنه
واجعل لسانك سجنه
…
كيلا ترى في سجنه قال ابن خاتمة: وفي سند هذه القطعة نوع غريب من التسلسل. وحكى أن ذا الوزارتين المذكور لما اجتمع مع الجليل الفقيه الكاتب ابن أبي مدين أنشده ابن أبي مدين (1) :
عشقتكم بالسمع قبل لقاكم
…
وسمع الفتى يهوى لعمري كطرفه
وحببني ذكر الجليس إليكم
…
فلما التقينا كنتم فوق وصفه فأنشد ذو الوزارتين ابن الحكيم:
ما زلت أسمع عن عيناك كل سناً
…
أبهى من الشمس أو أجلى من القمر
حتى رأى بصري فوق الذي سمعت
…
أذني فوفق بين السمع والبصر ويعجبني في قريب من هذا المعنى قول الحاج الكاتب أبي إسحاق الحسناوي (2) رحمه الله:
سحر البيان بناني صار يعقده
…
والنفث في عقده من منطقي الحسن
لا أنشد المرء يلقاني ويبصرني
…
أنا المعيدي فاسمع بي ولا ترني رجع - وقال لسان الدين في عائد الصلة في حق ذي الوزارتين ابن الحكيم
(1) الإحاطة: 294.
(2)
ص: الخساوي.
ما صورته (1) : كان رحمه الله فريد دهره سماحة وبشاشة ولوذعية وانطباعاً، رقيق الحاشية، نافذ العزمة، مهتزاً للمديح، طلقاً للآمل، كهفاً للغريب، برمكي المائدة مهلبي الحلوى (2) ، ريان من الأدب، مضطلعاً بالرواية، مستكثراً من الفائدة، يقوم على المسائل الفقهية، ويتقدم الناس في باب التحسين والتقبيح، ورفع راية الحديث والتحديث، نفق بضاعة الطلب، وأحيا معالم الأدب، وأكرم العلم والعلماء، ولم تشغله السياسة عن النظر، ولا عاقة تدبير الملك عن المطالعة والسماع، وأفرط في اقتناء الكتب حتى ضاقت تصوره عن خزائنها، وأثرت أنديته من ذخائرها، قام له الدهر على رجل، وأخدمه صدور البيوتات وأعلام الرياسات، وخوطب من البلاد النازحة، وأمل في الآفاق النائبة؛ انتهى المقصود منه.
ومن أحسن ما رثي به الوزير ابن الحكيم رحمه الله قول بعضهم:
قتلوك ظلماً واعتدوا
…
في فعلهم حد الوجوب
ورموك أشلاء، وذا
…
أمر قضته لك الغيوب
إن لم يكن لك سيدي
…
قبر فقبرك في القلوب وقال لسان الدين في الإحاطة في حق رحلة ذي الوزارتين ابن الحكيم ما صورته (3) : رحل إلى الحجاز الشريف من بلده على فتاء سنه أول عام ثلاثة وثمانين وستمائة، فحج وزار، وتجول في بلاد المشرق منتجعاً عوالي الرواية في مظانها، ومنقراً عنها عند مسني شيوخها، وقيد الأناشيد الغربية والأبيات المرقصة، وأقام بمكة شرفها الله من شهر رمضان إلى انقضاء المسم، فأخذ بها
(1) الإحاطة: 279.
(2)
كذا في الإحاطة؛ وفي ق ص: الخلوة.
(3)
الإحاطة: 279.
عن جماعة، وانصرف إلى المدينة المشرفة، ثم قفل مع الركب الشامي إلى دمشق، ثم كر إلى المغرب، لا يمر بمجلس علم أو نعلم إلا روى أو روى، واحتل رندة حرسها الله أواخر عام خمسة وثمانين وستمائة، فأقام بها عيناً في فرابته، وعلماً في أهله، معظماً لديهم، إلى أن أوقع السلطان بالوزراء من بني حبيب الوقيعة البرمكية وورد رندة في أثر ذلك، فتعرض إليه وهنأه بقصيدة طويلة من أوليات شعره أولها (1) :
هل إلى رد عشيات الوصال
…
سبب أم ذاك من ضرب المجال فلما أنشدها إياه أعجب به وبحسن خطه ونصاعة ظرفه، فأثنى عليه، واستدعاه إلى الوفادة على حضرته، فوفد آخر عام ستة وثمانين، فأثبته في خواص دولته، وأحظاه لديه، إلى أن رقاه إلى كتابة الإنشاء ببابه، واستمرت حاله معظم القدر مخصوصاً بالمزية، إلى أن توفي السلطان ثاني الملوك من بني نصر، وتقلد الملك بعده ولي عهده أبو عبد الله، فزاد في إحظائه وتقريبه، وجمع له بين الكتابة والوزارة، ولقبه بذي الوزارتين، وأعطاه العلامة، وقلده الأمر فبعد الصيت وطاب الذكر، إلى أن كان من أمره ما كان؛ انتهى ملخصاً.
وقال في الإحاطة بعد كلام طويل في ترجمته: قال شيخنا الوزير أبو بكر ابن الحكيم ولده: وجدت بخطه رحمه الله تعالى رسالة خاطب بها أخاه الأكبر أبا إسحاق إبراهيم افتتحها بقصيدة أولها (2) :
ذكر اللوى شوقاً إلى أقماره
…
فقضى أسى أو كاد من تذكاره
وعلا زفير حريق نار ضلوعه
…
فرمى على وجناته بشراره (3)
(1) أورد في الإحاطة: 289 - 291 جملة من أبياتها.
(2)
الإحاطة: 292.
(3)
سقط الشطر الثاني من ق.
وقد ذكرناها في غير هذا المحل.
وقال مما يكتب على قوس (1) :
أنا عدة للدين في يد من غدا
…
لله منتصراً على أعدائه
أحكي الهلال وأسهمي في رجمها
…
لمن اعتدى تحكي رجوم (2) سمائه
قد جاء في القرآن أني عدة
…
إذ نص خير الخلق محكم آيه
وإذا العدو أصابه سهمي فقد
…
سبق القضاء بهلكه وفنائه قال لسان الدين (3) : ومن توقيعه ما نقلته من خط ولده،يعني أبا بكر، في كتابه المسمى بالموارد المستعذبة وكان بوادي آش الفقيه الطرائفي (4) ، فكتب إلى خاصة والدي أبي جعفر ابن داود، قصيدة على روي السين، يتشكى فيها من مشرف بلدهم إذ ذاك أبي القاسم ابن حسان منها:
فيا صفي أبي العباس كيف ترى
…
وأنت أكيس من فيها من أكياس
ولوه إن كان ممن ترتضون به
…
فقد دنا الفتح للأشراف في فاس ومنها يستطرد ذكر ذي الوزارتين:
للشرق فضل فمنه أشرقت شهب
…
من نورهم أقبسونا كل مقباس فوقع عليها رحمه الله تعالى:
إن أفرطت بابن حسان غوائله
…
فالأمر يكوه ثوب الذكر والباس
وإن تزل به في جورة قدم
…
كان الجزاء له ضرب على الراس
(1) الإحاطة: 295.
(2)
الإحاطة: نجوم.
(3)
الإحاطة: 295.
(4)
كذا في ق ص؛ وفي الإحاطة: الطريفي.
فقد أقامني المولى بنعمته
…
لبث أحكامه بالعدل في الناس ثم أطال في أمره، إلى أن قال في ترجمه قتله ما صورته (1) : واستولت يد الغوغاء على منازله، شغلهم بها مدبر الفتنة خيفة من أن يعاجلوه قبل تمام أمره، فضاع بها مال لا يكتب، وعروض لا يعلم لها قيمة من الكتب والذخيرة والفرش والآنية والسلاح والمتاع والخرثي، وأخفرت ذمته، وتعدى به عدوه القتل إلى المثلة، وقانا الله مصارع السوء، فطيف بشلوه، وانتهب، فضاع ولم يقبر، وجرت فيه شناعة كبيرة، رحمه الله تعالى؛ انتهى المقصود منه.
رجع:
24 -
ومن مشايخ لسان الدين الأستاذ أبو الحسن علي القيجاطي (2) .
وقال في حقه في الإحاطة ما محصله: علي بن عمر بن إبراهيم بن عبد الله الكناني، القيجاطي، أبو الحسن، أوحد زمانه علماً وتخلقاً وتواضعاً وتفنناً، ورد على غرناطة مستدعى عام اثني عشر وسبعمائة، وقعد بمسجدها الأعظم يقرأ فنوناً من العلم من قراءات وفقه وعربية وأدب، وولي الخطابة، وناب عن بعض القضاة بالحضرة، مشكور المأخذ حسن السيرة عظيم النفع، وقصده الناس وأخذوا عنه، وكان أديباً لوذعياً فكهاً حلواً، وهو أول أستاذ قرأت عليه القرآن والعربية والأدب إثر قراءة المكتب، وله تآليف في فنون وشعر ونثر، فمن شعره قوله (3) :
روض المشيب تفتح أزهاره
…
حتى استبان ثغامه وبهاره
(1) انظر الإحاطة: 301.
(2)
ترجمة أبي الحسن القيجاطي في الكتيبة: 37 والديباج: 207 ونيل الابتهاج: 292 وبغية الوعاة: 344 والإحاطة، الورقة: 323، وقد أوجز الترجمة في النسخة التي اعتمدت عليها وحذف أشعاره.
(3)
الكتيبة: 38.
ودجى الشباب قد استبان صباحه
…
وظلامه قد لاح في نهاره
فاتى حمام لا يعاف وقوعه
…
ومضى غراب لا يخاف مطاره
والعمر مثل البدر يبدو حسنه
…
حيناً ويعقب بعد ذاك سراره
ما للإخاء تقلصت أفياؤه
…
ما للصفاء تكدرت آثاره
والحر يصفح إن أخل خليله
…
والبر يسمح إن تجرأ جاره
فتراه يدفع إن تمكن جاهه
…
وتراه ينفع إن علا مقداره
ولأنت تعلم أنني زمن الصبا
…
ما زلت زنداً والحياء سواره
ولأنت تعلم أنني زمن الصبا
…
ما زلت ممن عف فيه إزاره
والهجر ما بين الأحبة لم يزل
…
ترك الكلام أو السلام مثاره
ولكم تجافى عن جفاء خليله
…
فطن، وقد ظفرت به أظفاره
ولكم أصر على التدابر مدبر
…
أفضى إلى ندم به إصراره
فأقام كالكسعي بان نهاره
…
أو كالفرزدق فارقته نواره
أنكرتم من حق معترف لكم
…
بالحق ما لا ينبغي إنكاره
والشرع قد منع التقاطع نصه
…
قطعاً، ونقد وردت به أخباره
والسن سن تورع وتبرع
…
وتسرع لتشرع تختاره
ما يومنا من أمسنا قدك اتئد
…
ذهب الشباب فكيف ينفى عاره
هلا حظرتم أو حذرتم منه ما
…
حق عليكم حظره وحذاره
عجباً لمن يجري هواه لغاية
…
محدودة إضماره مضماره
يأتي ضحاً ما كان يأتيه دجى
…
فكأنه ما شاب منه عذاره
فيعد ما تفنى به حسناته
…
ويعيد ما تبقى به أوزاره
فالنفس قد أجرته ملء عنانها
…
يشتد في مضمارها إحضاره
والمرء من إخوانه في جنة
…
بل جنة تجري بها أنهاره
واليمن قد مدت إليه يمينه
…
واليسر قد شدت عليه يساره
شعر به أشعرت بالنصح الذي
…
يهديه من أشعاره إشعاره
ولو اختبرتم نقده بمحكة
…
لامتاز بهرجه ولاح نضاله
هذا هدى فبه اقتده تنل المنى
…
أو أنت في هذا وما تختاره
وعليكم مني سلام مثلما
…
أرجت بروض يانع أزهاره وقال من قصيدة رثائية (1) :
حمام حمام فوق أيك الأسى تشدو
…
تهيج من الأشجان ما أوجد الوجد
وذلك شجو في حناجرنا شجاً
…
وذلك هزل في ضمائرنا جد
أرى أرجل الأرزاء تشتد نحونا
…
وأيديها تسعى إلينا فتمتد
ونحن أولو سهو عن الأمر ما لنا
…
سوى أمل إيجابنا عنده جحد
فإن خطرت للمرء ذكرى بخاطر
…
فتسبيحة الساهي إذا سمع الرعد
مصاب به قدت قلوب وأنفس
…
لدينا إذا في غيره قطعت برد
تلين له الصم الصلاب وتنهمي
…
عيون ويبكي عنده الحجر الصلد
فلا مقلة ترنو، ولا أذن تعي
…
ولا رائحة تعطو، ولا قدم تعدو
وقد كان يبدو الصبر منا تجلداً
…
وهذا مصاب صبرنا فيه ما يبدو مولده عام خمسين وستمائة، وتوفي بغرناطة ضحى السبت في السابع والعشرين لذي الحجة عام ثلاثين وسبعمائة، وحضره السلطان فمن دونه، رحمه الله تعالى؛ وانتهى.
25 -
ومنهم العلامة شيخ الشيوخ أبو سعيد فرج بن لب (2) .
قال في " الإحاطة " في حقه ما محصله: فرج من قاسم بن أحمد بن لب،
(1) الكتيبة: 38.
(2)
ترجمة فرج بن لب في الكتيبة: 67 ونيل الابتهاج: 211 وبغية الوعاة: 372 والإحاطة، الورقة: 356، وقد غمز منه لسان الدين في الكتيبة بعد أن أثنى عليه في الإحاطة.
قال ابن الصباغ: من شعر ابن لب يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إذا القلب ثار أثار ادكارا
…
لقلبي فأذكى عليه أوارا
تروم جفوني لنار الهوى
…
خموداً فتهمي دموعاً غزارا
فماء جفوني يسح انهمالا
…
ونار فؤادي تهيج استعارا
أطيل العويل صباحاً مساء
…
كئيبا ولست أطيق اصطبارا
رقيت مراقي للحب شتى
…
فأفنى مراراً وأحيا مرارا
أحن اشتياقاً لريح سرت
…
وأبدي هياماً لبرق أنارا
حنيناً وشوقاً إلى معلم
…
حوى شرفاً خالداً لا يجارى
به أسكن الله أسمى الورى
…
نبياً كريماً وصحباً خيارا
هو المصطفى المنتقى المجتبى
…
أرى معجزات وآياً كبارا
يحق علينا ركوب البحار
…
وجوب القفار إليه ابتدارا ومنها:
فيا فوز من فاز في طيبة
…
بلثم المغاني جداراً جدارا
وألصق خداً على تربها
…
وأكمل حجاً بها واعتمارا
وأهدى السلام لخير الأنام
…
على حين وافى عليه مزارا
فيا هادي الخلق دار نعيم
…
تناهت جمالاً وطابت قرارا
لأنت الوسيلة والمرتجى
…
ليوم يرى الناس فيه سكارى
وما هم سكارى، ولكنهم
…
دهتهم دواه فهاموا حيارى
ترى المرء للهول من أمه
…
ومن أقربيه يطيل الفرارا
وكل يخاف على نفسه
…
فيكسوه خوف الإله انكسارا
فصلى الإله، رسول الهدى،
…
عليك، وأبقى هداك منارا
وقدس ربي ثرى روضة
…
يعم الجهات سناها انتشارا
أعبر شذا المسك منها الثرى
…
بل المسك منه شذاه استعارا
هنيئاً لمن بهداك اهتدى
…
ومغناك وافى، وإياك زارا وقصد رحمه الله تعالى بهذه القصيدة معارضة قصيدة الشبهاب محمود التي نظمها بالحجاز في طريق المدينة الشرفة على ساكنها الصلاة والسلام، وهي طويلة، ومطلعها:
وصلنا السرى وهجرنا الديارا
…
وجئناك نطوي إليك القفارا وقد تبارى الشعراء في هذا الوزن وهذا الروي، ومنه القصيدة المشهورة:
أقول وآنست بالحي نارا
…
ولابن لب رحمه الله تعالى الفتاوى المشهورة:
وقال في الإحاطة في حقه ما محصله: فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي غرناطي أبو سعيد، من أهل الخير والطهارة والذكاء والديانة وحسن الخلق، رأس بنفسه وبرز بمزية إدراكه وحفظه، فأصبح حامل لواء التحصيل وعليه مدار الشورى وإليه مرجع الفتوى، لقيامه على الفقه وغزارة علمه وحفظه، إلى المعرفة بالعربية واللغة، ومعرفة التوثيق والقيام على القرارات والتبريز في التفسير، والمشاركة في الأصلين والفرائض والأدب، وجودة الحفظ؛ وأقرأ بالمدرسة النصرية في الثامن والعشرين لرحب عام أربعة وخمسين وسبعمائة، معظماً عند الخاصة والعامة، مقروناً اسمه بالتسويد، قعد للتدريس ببلده على وفور الشيوخ، وولي الخطابة بالجامع. قرأ على القيجاطي، والعربية على ابن الفخار، وأخذ عن ابن جابر الوادي آشي، فمن شعره في النسيب (1) :
خذوا للهوى من قلبي اليوم ما أبقى
…
فما زال قلبي كله للهوى رقا
(1) الكتيبة: 68.
دعوا القلب يصلى في لظى الوجد ناره
…
فنار الهوى الكبرى وقلبي هو الأشقى
سلوا اليوم أهل الوجد ماذا به لقوا
…
فكل الذي يلقون بعض الذي ألقى
فإن كان عبد يسأل العتق سيداً
…
فلا أبتغي من مالكي في الهوى عتقا
بدعوى الهوى يدعو أناس وكلهم
…
إذا سئلوا طرق الهوى جهلوا الطرقا
فطرق الهوى شتى ولكن أهله
…
يحوزون في يوم السباق بها السبقا
وكم جمعت طرق الهوى بين أهلها
…
وكم أظهرت عند السوى بينهم فرقا
بسيما الهوى تسمو معارف أهله
…
فحيث ترى سيما الهوى فاعرف الصدقا
فمن زفرة تزجي سحائب عبرة
…
إذا زفرة ترقى فلا عبرة ترقا (1)
إذا سكتوا عن وجدهم أعربت به
…
بواطن أحوال وما عرفت نطقا وقال في وداع شهر رمضان:
أأزمعت يا شهر الصيام رحيلا
…
وقاربت يا بدر الزمان أفولا
جدك قد جدت بك الآن رحلة
…
رويدك أمسك للوداع قليلا
نزلت فأزمعت الرحيل كأنما
…
نويت رحيلاً إذ نويت نزولا
وما ذاك إلا أن أهلك قد مضوا
…
تفانوا فأبصرت الديار طلولا
تفكرت في الأوقات (2) ناشئة التقى
…
أشد به وطأ وأقوم قيلا وهي طويلة.
وكان موجوداً عند تأليف الإحاطة رحمه الله تعالى؛ انتهى بالمعنى.
وقال الحافظ ابن حجر: إنه صنف كتاباً في الباء الموحدة، وأخذ عن شيخنا بالإجازة قاسم بن علي المالقي، ومات سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة؛ انتهى.
وقال تلميذه المنتوري ما نصه: من شيوخي الشيخ الأستاذ الخطيب المقرئ
(1) ترقى: تصعد، وترقأ: تسكن وتكف عن البكاء.
(2)
ق: الأوفاق.
المتفنن المفتي أبو سعيد ابن لب، مولده سنة إحدى وسبعمائة، وتوفي ليلة السبت لسبع عشرة ليلة مضت من ذي الحجة عام اثنين وثمانين؛ انتهى.
وهو مخالف لما سبق عن ابن حجر، لكن صاحب البيت أدرى، إذ قال: شيخنا الفقيه الخطيب الأستاذ المقرئ العالم العلم الصدر الأوحد الشهير، كان شيخ الشيوخ وأستاذ الأستاذين بالأندلس، إليه انتهت فيها رياسة الفتوى في العلوم، كان أهل زمانه يقفون عندما يشير إليه، قرأ على أبي علي القيجاطي بالسبع، وتفقه عليه كثيراً في أنواع العلوم، ولازمه إلى أن مات، وأجازه عامة، وعليه اعتمد، وأخذ عن أبي جعفر ابن الزيات، وأبي إسحاق ابن أبي العاصي، وابن جابر الوادي آشي، وقاضي الجماعة أبي بكر، سمع عليه البخاري، وتفقه عليه، وقرأ عليه أكثر عقيدة المقترح تفهماً، وبعض الإرشاد وبعض التهذيب، وعن أبي محمد ابن سلمون، والبركة أبي عبد الله الطنجالي الهاشمي، وأجازه؛ انتهى بمعناه.
وبالجملة فهو من أكابر علماء المالكية بالمغرب حتى قال المواق فيه: شيخ الشيوخ أبو سعيد ابن لب، الذي نحن على فتاويه في الحلال والحرام؛ انتهى.
وقل من لم يأخذ عنه في الأندلس في وقته، فممن أخذ عنه الشاطبي، وابن علاق، وأبو محمد ابن جزي، والأستاذ ابن زمرك، في خلق كثير من طبقتهم، ثم من الطبقة الثانية أبو يحيى ابن عاصم، وأخوه القاضي (1) أبو بكر ابن عاصم، والشيخ أبو القاسم ابن سراج، والمنتوري، في خلق لا يحصون.
وله تواليف، فمنها شرح جمل الزجاجي، وشرح تصريف التسهيل،
(1) ق ص: والقاضي.
وكتاب " ينبوع عين الثرة (1) في تفريع مسألة الإمامة بالأجرة "، وله فتاوى مدونة بأيدي الناس، وممن جمعها الشيخ ابن طركاط الأندلسي، وله كتابة في مسألة الأدعية إثر الصلوات على الهيئة المعروفة، وقد رد عليه في هذا التأليف تلميذه أبو يحيى ابن عاصم الشهيد في تأليف نبيل انتصاراً لشيخه أبي إسحاق الشاطبي، رحم الله تعالى الجميع.
26 -
ومن أشياخ لسان الدين ابن الخطيب أبو القاسم ابن جزي، ففي " الإحاطة " (2) ما ملخصه: محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن جزي، الكلبي، أبو القاسم، من أهل غرناطة، وذوي الأصالة والنباهة فيها، شيخنا، وأصل سلفه من ولبة من حصن البراجلة، نزل بها أولهم عند الفتح صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي، وعند خلع دولة المرابطين كان لجدهم يحيى رياسة وإفراد بالتدبير، وكان رحمه الله تعالى على طريقة مثلى من العكوف على العلم، والاقتصار على الاقتيات من حر النشب، والاشتغال بالنظر والتقييد والتدوين، فقيهاً حافظاً قائماً على التدريس، مشاركاً في فنون من عربية وفقه وأصول وقراءات وأدب وحديث، حفظة للتفسير، مستوعباً للأقوال، جماعة للكتب، ملوكي الخزانة، حسن المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغور، صحيح الباطن، تقدم خطيباً بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنه، فاتفق على فضله، وجرى على سنن أصالته، قرأ على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير العربية والفقه والحديث والقرآن، وعلى ابن الكماد، ولازم الخطيب أبا عبد الله ابن رشيد وطبقتهم كالحضرمي وابن أبي الأحوص وابن برطال وأبي عامر ابن ربيع الأشعري والولي أبي عبد الله
(1) نيل الابتهاج: الشره.
(2)
ترجمة أبي القاسم ابن جزي في الكتيبة: 46 وأزهار الرياض 3: 184 والديباج: 295 ونيل الابتهاج: 235 والمقري ينقل هنا وفي الأزهار عن الإحاطة.
الطنجالي وابن الشاط.
وله تواليف منها وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم والأنوار السنية في الكلمات السنية والدعوات والأذكار المخرجة من صحيح الأخبار، والقوانين الفقهية وتلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية وكتاب تقريب الوصول إلى علم الأصول وكتاب النور المبين في قواعد عقائد الدين، وكتاب المختصر البارع في قراءة نافع وكتاب أصول القراء الستة غير نافع وكتاب الفوائد العامة في لجن العامة إلى غير ذلك مما قيده في التفسير والقراءات وغير ذلك، وله فهرسة كبيرة اشتملت على جملة كبيرة من علماء المشرق والمغرب.
ومن شعره قوله في الأبيات الغينية ذاهباً مذهب المعري وابن المظفر والسلفي وأبي الحجاج ابن الشيخ وأبي الربيع ابن سالم وابن أبي الأحوص وغيرهم من علماء المشرق والمغرب:
لكل بني الدنيا مراد ومقصد
…
وإن مرادي صحة وفراغ
لأبلغ في علم الشريعة مبلغاً
…
يكون به لي للجنان بلاغ
ففي مثل هذا فلينافس أولو النهى
…
وحسبي من دار الغرور بلاغ
فما الفوز إلا في نعيم مؤبد
…
به العيش رغد والشراب يساغ وقال:
أروم امتداح المصطفى فيردني
…
قصوري عن إدراك تلك المناقب
ومن لي بحصر البحر والبحر زاخر
…
ومن لي بإحصاء الحصى والكواكب
ولو أن أعضائي غدت ألسناً إذاً
…
لما بلغت في المدح بعض مآربي
ولو أن كل العالمين تألفوا
…
على مدحه لم يبلغوا بعض واجب
فأمسكت عنه هيبة وتأدباً
…
وعجزاً وإعظاماً لأرفع جانب
ورب سكوت كان فيه بلاغة
…
ورب كلام فيه عتب لعاتب وقال:
يا رب إن ذنوبي اليوم قد كثرت
…
فما أطيق لها حصراً ولا عددا
وليس لي بعذاب النار من قبل
…
ولا أطيق لها صبراً ولا جلدا
فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتي
…
ولا تذيقنني حر الجحيم غدا
شطر أول
…
شطر ثاني وقال:
وكم من صفحة في الشمس تبدو
…
فيسلي حسنها قلب الحزين
غضضت الطرف عن نظري إليها
…
محافظة على عرضي وديني مولده يوم الخميس تاسع ربيع الثاني عام ثلاثة وتسعين وستمائة، وفقد وهو يحرض الناس يوم الكائنة بطريف ضحوة يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى عام أحد وأربعين وسبعمائة، وعقبه ظاهر بين القضاء والكتابة؛ انتهى.
[شعر لابن لؤلؤة]
وأذكرني روي الغين الصعب قول الشيخ أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف السكوني الأندلسي المعروف بابن لؤلؤة رحمه الله تعالى ورضي عنه:
أمن بعد ما لاح المشيب بمفرقي
…
أميل لزور بالغرور يصاب
وأرتاح للذات والشيب منذر
…
بما ليس عنه للأنام مراغ
ومن لم يمت قبل الممات فإنه
…
يراع بهول بعده ويراغ
فيا رب وفقني إلى ما يكون لي
…
به للذي أرجوك منه بلاغ توفي المذكور بالطاعون سنة 750، وكان خطيباً بحسن قمارش رحمه الله تعالى.
[من نظم ابن جزي]
ومن نظم ابن جزي المذكور قوله:
أيا من كففت النفس عنه تعففاً
…
وفي النفس من شوقي إليه لهيب غرام
ألا إنما صبري كصبر، وإنما
…
على النفس من تقوى الإله رقيب لجان وهما من التخيير المعلوم في فن البديع.
وقول لسان الدين رحمه الله تعالى وله عقب ظاهر بين القضاء والكتابة يريد به بنيه البارع أبو بكر والعلامة أبا عبد الله والقاضي أبا محمد عبد الله.
[تراجم أولاد ابن جزي]
ولنذكرهم فنقول: أما أبو بكر أحمد (1) فهو الذي ألف أو أبوه الأنوار السنية وهو من أهل الفضل والنزاهة وحسن السمت والهمة واستقامة الطريقة، غرب في الوقار، ومال إلى الانقباض، وله مشاركة حسنة في فنون من فقه وعربية وأدب وخط ورواية وشعر تسمو ببعضه الإجادة إلى غاية بعيدة، وقرأ على والده ولازمه، واستظهر ببعض تآليفه، وتفقه وتأدب به، وقرأ على بعض معاصري أبيه، ثم ارتسم في الكتابة السلطانية لأول دولة السلطان أبي الحجاج ابن نصر، وولي القضاء ببرجة وبأندرش ثم بوادي آش، مشكور السيرة معروف النزاهة ومن شعره:
أرى الناس يولون الغني كرامة
…
وإن لم يكن أهلاً لرفعة مقدار
ويلوون عن وجه الفقير وجوههم
…
وإن كان أهلاً أن يلاقى بإكبار
بنو الدهر جاءتهم أحاديث جمة
…
فما صححوا إلا حديث ابن دينار
(1) ترجمة أبي بكر بن جزي في الإحاطة 1: 48 والكتيبة: 138 وأزهار الرياض 3: 187.
ومن بديع نظمه الصادر عنه تصديره أعجاز قصيدة امرئ القيس بن حجر الكندي بقوله (1) :
أقول لعزمي أو لصالح أعمالي
…
(ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي)
أما واعظي شيب سما فوق لمتي
…
(سمو حباب الماء حالاً على حال)
أنار به ليل الشباب كأنه
…
(مصابيح رهبان تشب لقفال)
نهاني عن غي وقال منبهاً
…
(ألست ترى السمار والناس أحوالي)
يقولون غيره لتنعم برهة
…
(وهل يعمن من كان في العصر الخالي)
أغالط دهري وهو يعلم أنني
…
(كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي)
ومؤنس نار الشيب يقبح لهوه
…
(بآنسة كأنها خط تمثال)
أشيخاً وتأتي فعل من كان عمره
…
(ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال)
وتشغفك الدنيا وما إن شغفتها
…
(كما شغف المهنوءة الرجل الطالي)
ألا إنها الدنيا إذا ما اعتبرتها
…
(ديار لسلمى عافيات بذي خال)
فأين الذين استأثروا قبلنا بها
…
(لناموا فما إن من حديث ولا صال)
ذهلت بها غياً فكيف الخلاص من
…
(لعوب تنسيني إذا قمت سربالي)
وقد علمت مني مواعد توبتي
…
(بأن الفتى يهذي وليس بفعال)
ومذ وثقت نفسي بحب محمد
…
(هصرت بغصن ذي شماريخ ميال)
وأصبح شيطان الغواية خاسئاً
…
(عليه قتام شيء الظن والبال)
ألا ليت شعري هل تقول عزائمي
…
(لخيلي كري كرة بعد إجفال)
فأنزل داراً للرسول نزيلها
…
(قليل هموم ما يبيت بأوجال)
فطوبى لنفس جاورت خير مرسل
…
(بيثرب أدنى دارها نظر عالي)
ومن ذكره عند القبول تعطرت
…
(صباً وشمال في منازل قفال)
جوار رسول الله مجد مؤثل
…
(وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي)
(1) القصيدة في المصادر السابقة جميعا.
ومن ذا الذي يثني عنان الثرى وقد
…
(كفاني، ولم أطلب، قليل من المال)
ألم تر أن الظبية استشفعت به
…
(تميل عليه هولة غير مجفال)
وقال لها عودي فقالت له نعم
…
(ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي)
فعادت إليه والهوى قائل لها
…
(وكان عداء الوحش مني على بال)
رثى لبعير قال أزمع مالكي
…
(لقتلني والمرء ليس بفعال)
وثور ذبيح بالرسالة شاهد
…
(طويل القرا والروق أخنس ذيال)
وحن إليه الجذع حنة عاطش
…
(لغيث من الوسمي رائده خال)
وأصلين من نخل قد التأما له
…
(فما احتسبا من لين مس وتسهال)
وقبضة رتب منه ذلت لها الظبى
…
(ومسنونة زرق كأنياب أغوال)
وأضحى ابن جحش بالعسيب مقاتلاً
…
(وليس بذي رمج وليس بنبال)
وحسبك من سوط الطفيل إضاءة
…
(مصباح زيت في قناديل ذبال)
وبذت به العجفاء كل مطهم
…
(له حجبات مشرفات على الفال)
ويا خسف أرض تحت باغيه إذ علا
…
(على هيكل نهد الجزارة جوال)
وقد أخمدت نار لفارس طالما
…
(أصابت غضاً جزلاً وكفت بأجزال)
أبان سبيل الرشد إذ سبل الهدى
…
(يقلن لأهل الحلم ضلاً بتضلال)
لأحمد خير العالمين التقيتها
…
(ورضت فذلت صعبة أي إذلال)
وإن رجائي أن ألاقيه غداً
…
(ولست بمقلي الخلال ولا قالي)
فأدرك آمالي وما كل آمل
…
(بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي) ولا خفاء ببراعة هذا النظم، وإحكام هذا النسج، وشدة هذه العارضة.
[قصيدتان لحازم]
قلت: وقد أذكرني هذا التصدير قصيدة الأديب حازم صاحب المقصورة
إذ صدر قصيدة امرئ القيس قفا نبك ولنذكرها هنا، قال رحمه الله تعالى (1) :
لعينيك قل إن زرت أفضل مرسل
…
(قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)
وفي طيبة فانزل ولا تغش منزلاً
…
(بسقط اللوى بين الدخول فحومل)
وزر روضة قد طالما طاب نشرها
…
(لما نسجتها من جنوب وشمأل)
وأثوابك اخلع محرماً ومصدقاً
…
(لدى الستر إلا لبسة المتفضل)
لدى كعبة قد فاض دمعي لبعدها
…
(على النحر حتى بل دمعي محملي)
فيا حادي الآبال سر بي ولا تقل
…
(عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل)
فقد حلفت نفسي بذلك وأقسمت
…
(علي آلت حلفة ولم تحلل)
فقلت لها لا شك أني طائع
…
(وأنك مهما تأمري القلب يفعل)
وكم حملت في أظهر العزم رحلها
…
(فيا عجباً من رحلها المتحمل)
وعاتبت العجز الذي عاق عزمها
…
(فقلت لك الويلات إنك مرجلي)
نبي للهدى قد قال للكفر نوره
…
(ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي)
تلا سوراً ما قولها بمعارض
…
(إذا هي نصته ولا بمعطل)
لقد نزلت في الأرض ملة هديه
…
(نزول اليمان ذي العياب المحمل)
أتت مغرباً من مشرق وتعرضت
…
(تعرض أثناء الوشاح المفصل)
ففازت بلاد الشرق من زينة بها
…
(بشق وشق عندنا لم يحول)
فصلى عليه الله ما لاح بارق
…
(كلمع اليدين في حبي مكلل)
نبي غزا الأعداء بين تلائع
…
(وبين إكام، بعد ما متأمل)
فكم ملك وافاه في زي منجد
…
(بمنجرد قيد الأوابد هيكل)
وكم من يمان واضح جاءه اكتسى
…
(بضاف فويق الأرض ليس بأعزل)
(1) ديوان حازم: 89 وأزهار الرياض 3: 178 وتسمى هذه القصيدة " حديقة الأزهار وحقيقة الافتخار في مدح النبي المختار ".
ومن أبطحي نيط منه نجاده
…
(بجيد معم في العشيرة مخول)
أزالوا ببدر عن بروجهم العدا
…
(كما زلت الصفواء بالمتنزل)
وفادوا ظباهم ولا بفتك فتى ولا
…
(كبير أناس في بجاد مزمل)
وفضي جموعاً فدفداً جامعاً بها
…
(لنا بطن حقف ذي ركام عقنقل)
وأحموا وطيساً في حنين كأنه
…
(إذا جاش فيه جميه غلي مرجل)
ونادوا بنات النبع بالنصر أثمري
…
(ولا تبعدينا من جناك المعلل)
وممن له سددت سهمين فاضربي
…
(بسهمين في أعشار قلب مقتل)
فما أغنت الأبدان درع بها اكتست
…
(ترائبها مصقولة كالسجنجل)
وأضحت لواليها ومالكها العدا
…
(يقولون لا تهلك أسى وتجمل)
وقد فر منصاع كما فر خاضب
…
(لدى سمرات الحي ناقف حنظل)
وكم قال يا ليل الوغى طلت فانبلج
…
(بصبح وما الإصباح منك بأمثل)
فليت جوادي لم يسر بي إلى الوغى
…
(وبات بعيني قائماً غير مرسل)
وكم مرتق أوطاس منهم بمسرج
…
(متى ما ترق العين فيه تسهل)
وقرطه خرصاً كمصباح مسرج
…
(أمال السليط بالذبال المفتل)
فيرنو لهاد فوق هاديه طرفه
…
(بناظرة وحش وجرة مطفل)
ويسمع من كافورتين بجانبي
…
(أثيث كقنو النخلة المتعثكل)
ترفع أن يعزى له شد شادن
…
(وأرخاء سرحان وتقريب تتفل)
ولكنه يمضي كما مر مزبد
…
(يكب على الأذقان دوح الكنهبل)
ويغشى العدا كالسهم أو كالشهاب أو
…
(كجلمود صخر حط من عل)
جياد أعادت رسم رستم دارساً
…
(وهل عند رسم دارس من معول)
وريعت بها خيل القياصر فاختفت
…
(جواحرها في صرة لم تزيل)
سبت عرباً من نسوة العرب تستبي
…
(إذا ما اسبكرت بين درع ومجول)
وكم من سبايا الفرس والصفر أسهرت
…
(نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل)
وحزن بدوراً من ليالي شعورها
…
(تضل العقاس في مثنى ومرسل)
وأبقت بأرض الشام كأنها
…
(بأرجائها القصوى أنابيش عنصل)
وما جف من حب القلوب بغورها
…
(وقيعانها كأنه حب فلفل)
لخضراء ما دبت ولا نبتت بها
…
(أساريع ظبي أو مساويك إسحل)
شدا طيرها في مثمر ذي أرومة
…
(وساق كأنبوب السقي المذلل)
فشدت بروض ليس يذبل بعدها
…
(بكل مغار الفتل شدت بيذبل)
وكم هجرت في القيظ تحكي ذوارعاً
…
(عذارى دوار في ملاء مذيل)
وكم أدلجت والقتر يهفو هزيزه
…
(ويلوي بأثواب العنيف المثقل)
وخضن سيولاً فضن باليد بعدما
…
(أثرن غباراً بالكديد المركل)
وكم ركزوا رمحاً بدعص كأنه
…
(من السيل والغثاء فلكة مغزل)
فلم تبن حصناً خوف حصنهم العدا
…
(ولا أطماً إلا مشيداً بجندل)
فهدت بعضب بعد صقاله
…
(بأمراس كتان إلى صم جندل)
وجيش بأقصى الأرض ألقى جرانه
…
(وأردف أعجازاً وناء بكلكل)
يدك الصفا دكاً ولو مر بعضه
…
(وأيسره عالي الستار ويذبل)
دعا النصر والتأييد راياته اسحبي
…
(على أثرينا ذيل مرط مرحل)
لواء منير النصل طاو كأنه
…
(منارة ممسى راهب متبتل)
كأن دم الأعداء في عذباته
…
(عصارة حناء بشيب مرجل)
صحاب بروا هام العداة وكم قروا
…
(صفيف شواء أو قدير معجل)
وكم أكثروا ما طاب من لحم جفرة
…
(وشحم كهداب الدمقس المفتل)
وكم جبن من غبراء لم يسق نبتها
…
(دراكاً ولم ينضج بماء فيغسل)
حكى طيب ذكراهم ومر كفاحهم
…
(مداك عروس أو صلابة حنظل)
لأمداح خير الخلق قلبي قد صبا
…
(وليس فؤادي عن هواها بمنسل)
فدع من لأيام صلحن له صبا
…
(ولا سيما يوم بدارة جلجل)
وأصبح عن أم الحويرث ما سلا
…
(وجارتها أم الرباب بمأسل)
وكن في مديح المصطفى كمدبج
…
(يقلب كفيه بخيط موصل)
وأمل به الأخرى ودنياك دع فقد
…
(تمتعت من لهو بها غير معجل)
وكن كنبيث للفؤاد منابث
…
(نصيح على تعذاله غير مؤتل)
ينادي إلهي إن ذنبي قد عدا
…
(علي بأنواع الهموم ليبتلي)
فكن لي مجيراً من شياطين شهوة
…
(علي حراص لو يسرون مقتلي)
وينشد دنياه إذا ما تدللت
…
(أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل)
فإن تصلي حبلي بخير وصلته
…
(وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي)
وأحسن بقطع الحبل منك وبته
…
(فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي)
أيا سامعي مدح الرسول تنشقوا
…
(نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل)
وروضة حمد للنبي محمد
…
(غذاها نمير الماء غير المحلل)
ويا من أبى الإصغاء ما أنت مهتد
…
(وما إن أرى عنك الغواية تنجلي)
فلو مطفلاً أنشدتها لفظها ارعوت
…
(فألهيتها عن ذي تمائم محول)
ولو سمعته عصم طود أمالها
…
(فأنزل منها العصم من كل منزل) وقد عرف بحازم هذا في أزهار الرياض وذكرت جملة من نظمه ومن بارع ما وقع له قوله (1) :
أدر المدامة فالنسيم مؤرج
…
والروض مرقوم الرود مدبج
والأرض قد لبست برود جمالها
…
فكأنما هي كاعب تتبرج
والنهر مما ارتاح معطفه إلى
…
لقيا النسيم عبابه متموج
يمسي الأصيل بعسجدي شعاعه
…
أبداً يوشى صفحه ويدبج
وتروم أيدي الريح تسلب ما اكتسى
…
فتزيده حسناً بما هي تنسج
فارتح لشرب كؤوس راح نورها
…
بل نارها في مائها تتوهج
(1) ديوان حازم: 28 وأزهار الرياض 3: 174.
واسكر بنشوة لحظ من أحببته
…
أو كأس خمر من لماه تمزج
واسمع إلى نغمات عود تطبي
…
قلب الخلي إلى الهوى وتهيج
بم وزير يسعدان مثانياً
…
ومثالثاً طبقاتها تتدرج
من لم يهيج قلبه هذا فما
…
للقلب منه محرك ومهيج
فأجب فقد نادى بألسن حاله
…
للأنس دهر للهموم مفرج
طربت جمادات وأفصح أعجم
…
فرحاً وأصبح من سرور يهزج
أفيفضل الحي الجماد مسرة
…
والحي للسراء منه أحوج
ما العيش إلا ما نعمت به وما
…
عاطاك فيه الكأس ظبي أدعج
ممن يروقك منه ردف مردف
…
عبل وخصر ذو اختصار مدمج
فإذا نظرت لطرة ولغرة
…
ولصفحة منه بدت تتأجج
أيقنت أن ثلاثهن وما غدا
…
من تحتها ينآد أو يتموج
ليل على صبح على بدر على
…
غصن تحمله كثيب رجرج
كأس ومحبوب يظل بلحظه
…
قلب الخلي إلى الهوى يستدرج
يا صاح ما قلبي بصاح عن هوى
…
شيئان بينهما المنى تستنتج
وبمهجتي الظبي الذي في أضلعي
…
قد حل وهو يشبها ويؤجج
ناديت حادي عيسه يوم النوى
…
والعيس تحدى والمطايا تحدج
قف أيها الحادي أودع مهجة
…
قد حازها دون الجوانح هودج
لما تواقفنا وفي أحداجها
…
قمر منير بالهلال متوج
ناديتهم قولوا لبدركم الذي
…
بضيائه تسري الركاب وتدلج
يحيي العليل بلفظة أو لحظة
…
تطفي غليلاً في الحشا يتأجج
قالوا نخاف يزيد قلبك لاعجاً
…
فأجبتهم خلوا اللواعج تلعج
وبكيت واستبكيت حتى ظل من
…
عبراتنا بحر ببحر يمرج
وبقيت أفتح بعدهم باب المنى
…
ما بيننا طوراً، وطوراً يرتج
وأقول يا نفس اصبري فعسى النوى
…
بصباح قرب ليلها يتبلج
فترقب السراء من دهر شجا
…
والدهر من ضد لضد يخرج
وترج فرجة كل هم طارق
…
فلكل هم في الزمان تفرج وتذكرت هنا جيمية ابن قلاقس، وهي (1) :
عرضت لمعترض الصباح الأبلج
…
حوراء في طرف الظلام الأدعج
فتمزقت شيم الدجى عن غرتي
…
شمسين في أفق وكلة هودج
ووراء أستار الحمول لواحظ
…
غازلن معتدل الوشيج الأعوج
من كل مبتسم السنان إذا جرى
…
دمع النجيع من الكمي الأهوج
ولقد صحبت الليل قلص برده
…
لعباب بحر صباحه المتموج
وكأن منتثر النجوم لالئ
…
نظمت على صرح من الفيروزج
وسهرت أرقب من سهيل خافقاً
…
متفرداً، وكأنه قلب الشجي
واستعبرت مقل السحاب فأضحكت
…
منها ثغور مفوف ومدبج ولنعد إلى ذكر أبي بكر ابن جزي فنقول:
وله تقييد في الفقه على كتاب والده المسمى بالقوانين الفقهية، ورجز في الفرائض، وإحسانه كثير، وتقدم قاضياً للجماعة بحضرة غرناطة ثامن شوال عام ستين وسبعمائة، ثم صرف عنها، لما توفي الأستاذ الخطيب العالم الشهير أبو سعيد فرج بن لب - رحمه الله تعالى - وكان خطيب الجامع الأعظم بغرناطة، ولي عوضاً عنه أستاذاً وخطيباً عام اثنين وثمانين وسبعمائة، فبقي في الخطابة ثلاثة أعوام، ثم توفي، وأظن وفاته آخر عام خمسة وثمانين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
(1) أزهار الرياض 3: 176.
وأما أخوه أبو عبد الله محمد (1) فهو الكاتب المجيد، أعجوبة الزمان، وتوفي بفاس رحمه الله تعالى عام ثمانية وخمسين وسبعمائة، وقيل - وهو الصواب -: إن وفاته آخر شوال من السنة قبلها حسبما ألفيته بخط بعض أكابر الثقات بداره من البيضاء، وهي فاس الجديدة، قرب مغرب يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شوال من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، وكان دفنه يوم الأربعاء بعد صلاة العصر وراء الحائط الشرقي الذي بالجامع الأعظم من المدينة البيضاء، وكان مولده في شوال من عام واحد وعشرين وسبعمائة؛ انتهى.
قال الأمير ابن الأحمر في نثير الجمان: أدركته ورأيته، وهو من أهل بلدنا غرناطة، وكان أبوه أبو القاسم محمد أحد المفتين بها عالم الأندلس الطائرة فتياه منها إلى طرابلس، وقتل شهيداً بطريف بعد أن أبلى بلاء حسناً، وأبو عبد الله ابنه هذا كتب بالأندلس في حضرة ابن عم أبينا أمير المسلمين أبي الحجاج يوسف، وله فيه أمداح عجيبة، ولم يزل كاتباً في الحضرة الأحمرية النصرية إلى أن امتحنه أمير المسلمين أبو الحجاج؛ انتهى.
ويعني ابن الأحمر بهذا الامتحان أنه ضربه بالسياط، من غير ذنب اقترفه بل ظلمه ظلماً مبيناً، هكذا ألفيته في بعض المقيدات.
ثم قال ابن الأحمر: فقوض الرحال عن الأندلس، واستقر بالعدوة، فكتب بالحضرة المرينية لأمير المسلمين أبي عنان، إلى أن توفي بها رحمه الله تعالى. وكان رحمه الله تعالى طلع في سماء العلوم بدراً مشرقاً، وسارت براعته مشرقاً ومغرباً، وسما بشعره فوق الفرقدين، كما أربى بنثره على الشعرى والبطين، له باع مديد في التاريخ واللغة والحساب، والنحو والبيان والآداب، بصير بالفروع والأصول والحديث، عارف بالماضي من الشعر والحديث،
(1) ترجمة أبي عبد الله ابن جزي في الإحاطة 2: 186 وأزهار الرياض 3: 189 ونثير الفرائد: 292 (رقم: 8) والكتيبة الكمامنة: 223 ونثير الجمان، الورقة:78.
إن نظم أنساك أبا ذؤيب برقته، ونصيباً بمنصبه ونخوته، وإن كتب أربى على ابن مقلة بخطه، وإن أنشأ رسالة أنساك العماد بحسن مساقها وضبطه، وهو رب هذا الشان، وفارس هذا الميدان، ومع تفننه في الشعر فهو في العلوم قد نبغ، وما بلغ أحد من شعراء عصره منه ما بلغ، بل سلموا التقدم فيه إليه، وألقوا زمام الاعتراف بذلك في يديه، ودخلوا تحت راية الأدب التي حمل، إذ ظهر ساطع براعته ظهور الشمس في الحمل، أنشدني لنفسه يمدح أمير المسلمين أبا الحجاج يوسف ابن أمير المسلمين أبا الوليد إسماعيل عم أبينا ابن جدنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج هذه القصيدة البارعة، وحذف منها الراء المهملة (1) :
قسماً بوضاح السنا الوهاج
…
من تحت مسدول الذوائب داج
وبأبلج بالمسك خطت نونه
…
من فوق وسنان اللاحظ ساجي
وبحسن خد دبجت صفحاته
…
فغدت تحاكي مذهب الديباج
وبمبسم كالعقد نظم سلكه
…
ولمى حكى الصهباء دون مزاج
وبمنطق تصبو القلوب لحسنه
…
أنسى المسامع نغمة الأهزاج
وبمائس الأعطاف تثنيه الصبا
…
فيميس كالخطي يوم هياج
ومنعم مثل الكثيب يقله
…
مستضعف يشكو من الإدماج
وبموعد للوصل أنجز فجأة
…
من بعد طول تمنع ولجاج
وبأكؤس أطلعن في جنح الدجى
…
شمس السلافة في سماء زجاج
وحدائق سحب السحاب ذيوله
…
فيها وبات لها النسيم يناجي
وجداول سلت سيوفاً عندما
…
فجئت بجيش للصبا عجاج
وبأقحوان قد تضاحك إذ بكت
…
عين الغمام بمدمع ثجاج
وقدود أغصان يملن كأنها
…
تخفي حديثاً بينها وتناجي
وحمائم يهتفن شجواً بالضحى
…
فهديلهن لذي الصبابة شاجي
(1) الأزهار: 191.
إن المعالي والعوالي والندى
…
والبأس طوع يدي أبي الحجاج
ملك تتوج بالمهابة عندما
…
لم يستجز بالدين لبس التاج
وأفاض حكم العدل في أيامه
…
فالحق أبلج واضح المنهاج
هو منقذ العني، ومغني المعتفي
…
ومذلل العاتي، وغوث اللاجي
ماضي العزيمة، والسيوف كليلة
…
طلق المحيا، والخطوب دواجي
علم الهدى، والناس في علياء قد
…
ضلوا لوقع الحادث المهتاج
غيث الندى، والسحب تبخل بالحيا
…
والمحل يبدي فاقة المحتاج
ليث الوغى، والخيل تزجي بالقنا
…
والبيض تنهل في دم الأوداج
يتقشع الإظلام إذ يبدو له
…
وجه كمثل الكوكب الوهاج
من آل قيلة من ذؤابة سعدها
…
أعلى بني قحطان دون خلاج
حيث العلا ممدودة الأطناب لم
…
تخلق معالمها يد الإنهاج
والأعوجيات السوابق تمتطى
…
فتظلل الآفاق سحب عجاج
والبيض والأسل العوامل تقتضي
…
مهج الكماة بأبلغ الإزعاج
مجد ليوسف جمعت أشتاته
…
أعيا سواه بعد طول علاج
مولاي هاك عقيلة تزهو على
…
أخواتها كالغادة المغناج
إنشاء عبد خالص لك حبه
…
ومن العبيد مداهن ومداجي
آوى إلى أكناف نعماك التي
…
ليست إليه صلاتها بخداج
سباق ميدان البلاغة والوغى
…
لشعاب كل منهما ولاج
جانبت أخت الزاي منها عامداً
…
فأتت من الإحسان في أفواج
فافتح لها باب القبول وأول من
…
أهداكها ما يبتغي من حاج ثم قال بان الأحمر: وأنشدني أيضاً لنفسه يمدح أمير المؤمنين المتوكل على الله أبا عنان فارس ملك المغرب (1) :
(1) الأزهار: 192.
إن قلبي لعهدة الصبر ناكث
…
عن غزال في عقدة السحر نافث
أضرم النار في فؤادي وولى
…
قائلاً لا تخف فإني عابث
ورماني من مقلتيه بسهم
…
ثم قال: اصطبر لثان وثالث
كم عذول أتى يناظر فيه
…
كان تعذاله على الحب باعث
ويمين آليتها بالتسلي
…
فقضى حسنه بأني حانث
جبر الله صدع قلب عميد
…
صدعت شمله صروف الحوادث
فهو يهفو إلى البروك ويروي
…
عن نسيم الصبا ضعاف الآحاد
سلبته الأشجان إلا بقايا
…
من أماني حبالهن رثائث
وبكاء على عهود مواض
…
ملأت صدره هموماً حدائث
لست وحدي أشكو بليلة وجد
…
إن داء الغرام ليس بحادث
يا مضيع العهود والله يعفو
…
عنك أنى ارتضيت خطة ناكث
غرني منك والجمال غرور
…
وظبى اللحظ في القلوب عوابث
مقل يقتسمن أعشار قلبي
…
بالرضى مني، اقتسام الموارث
كيف غيرت بانتزاحك حالي
…
وتغيرت لي، ولست بحارث (1)
فرط حبي وفرط بخلك آلى
…
أن عينيك بالفتور نوافث
وندى فارس وحسبك رداً
…
قول من قال سد باب البواعث
ملك البأس والندى، فهو بالسي
…
ف وبالسيب عائث أوغائث
محرز المجد والثناء، فهذا
…
سائر في الورى، وذاك لابث
أوطأ الشهب رجله وترقى
…
صاعداً في سموه غير ماكث
فدرار تسري وما لحقته
…
ونجوم خلف القصور لوابث
وله المقربات لا بل هي العق
…
بان من فوقها الليوث الدلاهث (2)
(1) يشير إلى قول الشاعر: " تغير لي في من تغير حارث " انظر المجلد الأول: 26.
(2)
الدلاهث: جمع دلهاث وهو المقدام.
مطلعات من كل نعل هلالاً
…
فلهذا تجلو دجى كل حادث
إن ترافقن فالجبال الرواسي
…
أو تسابقن فالغيوث الحثائث
والمواضي كأنها قد أعيرت
…
حدة الذهن منه عند المباحث
هي نار محرقات الأعادي
…
وهي ماء مطهرات الخبائث
فيردن الوغى ذكوراً عطاشاً
…
ثم يصدرن ناهلات طوامث
من معانيه قد رأينا عياناً
…
كل فضل ينصه من يحادث
خلق كالنسيم مر سحيراً
…
بالأزاهير في البطاح الدمائث
في سبيل الإله يقصي ويدني
…
ويوالي في ذاته ويناكث
شرف الملك منه سام وحام
…
ففدته سام وحام ويافث
هاكها من بنات فكري بكراً
…
ليس يسمو لها من الناس طامث
ذات لفظ لا يغتريه اختلال
…
ومعان لا تنتحيها المباحث
زعماء القريض أبقوا بقايا
…
كنت دون الورى لهن الوارث
من أراد انتقادها فهي هذي
…
عرضه البحث فليكن جد باحث ورأيت بخط ابن الصباغ العقيلي (1) على هامش قوله وندى فارس حسبك رداً
…
البيت ما نصه: ما أبدع تخلصه للمدح وأطبعه؛ فإنه أشار إلى قول الشاعر راداً عليه بالتبكيت، ومعقباً له بالتعنيت (2) :
قالوا: تركت الشعر قلت: ضرورة
…
باب السماحة والملاحة مغلق
مات الكرام فلا كريم يرتجى
…
منه النوال ولا مليح يعشق وقيل: إن السلطان أبا عنان أطل من برج يشاهد الحرب بين الثور والأسد على ما جرت بع عادة الملوك، فقال ابن جزي المذكور في وصف الحال:
(1) انظر الأزهار: 194.
(2)
الشعر للغزي (ابن خلكان 1: 41 والخريدة 1: 6، قسم الشام) .
لله يوم بدار الملك مر به
…
من العجائب ما لم يجر في خلدي
لاح الخليفة في برج العلا قمراً
…
يشاهد الحرب بين الثور والأسد ومن بارع نظمه رحمه الله تعالى قوله:
أبا حسن إن شتت الدهر شملنا
…
فليس لود في الفؤاد شتات
وإن حلت عن عهد الإخاء فلم يزل
…
لقلبي على حفظ العهود ثبات
وهبني سرت مني إليك إساءة
…
ألم تتقدم قبلها حسنات وقوله وهو بحال مرض:
إن يأخذ السقم من جسمي مآخذه
…
وأصبح القوم من أمري على خطر
فإن قلبي بحمد الله مرتبط
…
بالصبر والشكر والتسليم للقدر
فالمرء في قبضة الأقدار مصرفه
…
للبرء والسقم أو للنفع والضرر وحكي أن الفقيه الرحال أبا إسحاق إبراهيم الحاج النميري بقي في خلوته جميع شهر رمضان المعظم من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، فلما خرج في يوم عيد الفطر أنشده صهره أبو عبد الله ابن جزي المذكور لنفسه:
ما سرار البدور إلا ثلاث
…
فلماذا أرى أسرارك شهرا
تعجلته سراراً لعام
…
ثم تبقى في سائر العام بدرا وحكي أنه كتب للرئيس صاحب القلم الأعلى والعلامة بفاس أبي القاسم ابن رضوان يطلب منه شراب سكنجبين، وقصد التحيف بقوله: أحسن زان بيتك نجيب تسر به بر مرضي تصحيفه: أحب شراب سكنجبين شربه برء مرضي، قال: فجاوبني ابن رضوان بقوله: إن برك نفيس، تصحيفه مقلوباً: يشفيك ربنا.
ومن نظم ابن جزي المذكور قوله:
رعى الله عهداً بالمرية ما أرى
…
به أبداً ما عشت في الناس بالناسي
وكيف ترى بالله صحبة معشر
…
مجاهد بعض منهم وابن عباس وقوله في الزاوية التي أنشأها السلطان أبو عنان:
هذا محل الفضل والإيثار
…
والرفق بالسكان والزوار
دار على الإحسان شيدت والتقى
…
فجزاؤها الحسنى وعقبى الدار
هي ملجأ للواردين ومورد
…
لابن السبيل وكل ركب ساري
آثار مولانا الخليفة فارس
…
أكرم بها في المجد آثار
لا زال منصور اللواء مظفراً
…
ماضي العزائم سامي المقدار
بنيت على يد عبدهم وخديم با
…
بهم العلي محمد بن جدار
في عام أربعة وخمسين انقضت
…
من بعد سبع مئين في الإعصار ومن نظمه قوله مورياً:
وما أنسى الأحبة يوم (1) بانوا
…
تخوض مطيهم بحر الدموع
وقالوا: اليوم منزلنا الحنايا
…
فقلت: نعم، ولكن من ضلوعي وقوله مورياً أيضاً:
ورب يهودي أتى متطبباً
…
ليأخذ ثارات اليهود من الناس
إذا جس نبض المرء أودى بنفسه
…
سريعاً، ألم تسمع بفتكة جساس وقوله:
من أي أشجاني التي جنت النوى
…
أشكو العذاب وهن في تنويع
من وصلي الموقوف أو من هجري ال
…
موصول أو من نومي المقطوع
(1) الأزهار: حين.
أو من حديث تولهي وتولعي
…
خبراً صحيحاً ليس بالموضوع
يرويه خدي مسنداً عن أدمعي
…
عن مقلتي عن قلبي المفجوع وأول هذه (1) القصيدة:
ذهبي حشاشة قلبي المصدوع
…
بين السلام ووقفة التوديع وقد ضمن شطرها الفقيه عبيد شارح الحلبة (2)، إذ قال من قصيدة مطلعها:
اهمي دموعك ساعة التوديع
…
يا مقلتي ممزوجة بفجيع بقوله:
يوم استقلت عيسهم وترحلوا
…
ذهبت حشاشة قلبي المصدوع وقوله:
بخدي وجسمي والفؤاد وأدمعي
…
شهود بهم دعوى الغرائم تصحح
ومن عجب أن رجع الناي نقلهم
…
وكلهم ذو جرحة فيه تقدح
فجسمي ضعيف، والفؤاد مخلط
…
ودمعي مطروح، وخدي مجرح وقوله:
يا محياً كتب الحسن به
…
أحرفاً أبدع فيها وبرع
ميم ثغر، ثم نون حاجب
…
ثم عين هي تتميم البدع
أنا لا أطمع في وصلك لي
…
وعلى وجهك مكتوب منع ثم قال ابن الأحمر: ومن إنشائه البارع مورياً بالكتب، ورفعها لأمير المؤمنين
(1) هذه: سقطت من ص.
(2)
ق: الحلية.
المتوكل على الله أبي عنان فارس رحمه الله تعالى يهنيه بإبلال ولده ولي عهده الأمير أبي زيان محمد من مرض (1) :
ماذا عسى أدب الكتاب يوضح من
…
خصال مجدك وهو الزاهر الزاهي
وما الفصيح بكليات موعبها
…
كاف فيأتي بأنباء وإنباه أبقى الله تعالى مولانا الخليفة ولسعادته القدح المعلى، ولزاهر كماله التاج المحلى، تجلى من حلاه نزهة الناظر، ويسير بعلاه المثل السائر، ويتسق من سناه العقد المنظم، ويتضح بهداه القصد الأمم، ولا زالت مقدمات النصر له مبسوطة، ومعونة السعد بإشارته منوطة، وهدايته متكفلة بإحياء علوم الدين، وإيضاح منهاج العابدين، وإرشاده يتولى تنبيهى الغافلين، ويأتي من شفاء الصدور بالنور المبين، وميقات الخدمة ببابه مطمح الأنفس، وملخص الجود من كفه بغية الملتمس، قد حكم أدب الدين والدنيا بأنك سراج الملوك، لما أتت عوارفك بالمشرع السلسل ومعارفك بنظم السلوك، ووضحت معالم مجدك وضوح أنوار الفجر، وزهت بعدلك المسالك والممالك زهو خريدة القصر، فلك في جمهرة الشرف النسب الوسيط، ومن جمل المآثر الخلاصة والبسيط، وسبل الخيرات لها برعايتك تيسير، ومحاسن الشريعة بتحصيلك تحبير، وأنت حجة العلماء، الذي تقصر عن تقصي مآثره فطن الأذكياء، إن انبهم التفسير ففي يديك ملاك التأويل، أو اعتاص تفريع الفقه فعندك فصل البيان له والتحصيل، ولإن تشعب التاريخ فلديك استيعابه، أو تطاول الأدب ففي إيجاز بيانك اقتضابه، وإن ذكر الكلام ففي انتقائك من برهانه المحصول، أو المنطق ففي موجز آمالك لبابه المنخول، وليس أساس البلاغة إلا ما تأتي به من فصل المقال، ولا جامع
(1) ليس من السهل التعريف بكل هذه الكتب التي ورى بها في هذه الرسالة، لأن ذلك يتطلب تطويلا لا تتحمله هذه الحواشي، فليراجعها القارئ في فهرست الكتب حيث نورد كل كتاب مقترنا باسم مؤلفه.
الخير إلا ما حزته من تهذيب الكمال، ولذلك صارت خدمتك غاية المطلوب، وحبك قوت القلوب، ولا غر إن كنت من العلياء درتها المكنونة، فأسلافك الكرام هم جواهرها الثمينة، بحماستهم أصيبت مقاتل الفرسان، وبجود (1) جهودهم تنسى ري الظمآن، وبتسهيل عدلهم وضحت شعب الإيمان، وأنت المنتقى من سمط جمانهم، والواسط في قلائد عقبانهم، عنك تؤثر سيرة الاكتفاء، وعن فروعك السعداء تروي أخبار نجباء الأبناء، فهم لمملكتك العليا بهجة مجالسها، وأنس مجالسها، وقطب سرورها، ومطالع نورها، وولي عهدك درتهم الخطيرة، وذخيرتهم الأثيرة، لا زال كامل سعادته بطول مقامك محكماً، وحرز أمانيه بالجمع بين الصحيحين حبك ورضاك معلماً، وقد وجبت التهنئة بما كان في حيلة برئه من التيسير، وما تهيأ في استقامة قانون صحته من نجح التدبير، ولم يكن إلا بعدت به عنك المسالك، وأعوز نور طرفه تقريب المدارك، وتذكر ما عهده من الإيناس الموطأ جنابه عند فضل مالك، فوري من شوقه سقط الزند، والتهب في جوانحه قبس الوجد، فأمددته من دعائك لصالح بحلية الأولياء، فظفر لما شارف مشارق الأنوار من حضرتك بالشفاء، وقد حاز إكمال الأجر بذلك العارض الوجيز، وكان له كتشبيب الإبريز، وها هو قادم بالطالع السعيد، آيب بالمقصد الأسنى من الفتح والتمهيد، يطلع بين يديك طلوع الشهاب، ويبسم عن مفصل الثناء في الهناء بذلك زهر الآداب، فأعد له تحفة القادم من إحسانك الكامل، واخصصه بالتكملة من إيناسك الشامل، فهو الكوكب الدري المستمد من أنوارك السنية، وفي تهذيب شمائله إيضاح للخلق الكريمة الفارسية، لا زالت تزدان بصحاح مآثرك عيون الأخيار، وتتعطر بنفحة الزهر من ثنائك روضة الأزهار، وتتلى من محامدك الآيات البينات، وتتوالى عليك الألطاف الإلهيات، بمن الله سبحانه وفضله، والسلام الكريم
(1) ق: وبحور.
يعتمد المقام العلي، ورحمه الله تعالى وبركاته؛ انتهى.
وللمذكور (1) عدة مقطعات يوري فيها أسماء الكتب فمنها قوله:
ظبي هو الكامل في حسنه
…
وثغره أبهى من العقد
جماله المدهش لكنما
…
أخلاقه تحكي صبا نجد وقوله أيضاً:
لك الله من خل حباني برقعة
…
حبتني من آياته بالنوادر
رسالة رمز في الجمال نهاية
…
ذخيرة نظم أتحفت بالجواهر وقوله:
قصتي في الهوى المدونة ال
…
كبرى وأخبار عشقي المبسوطه
حجتي في الغارم واضحة إذ
…
لم تزل مهجتي بوجد منوطه [نماذج من التورية بأسماء الكتب]
وتذكرت بالتورية بأسماء الكتب قول الأرجاني:
لما تألق بارق من ثغره
…
جادت دموعي بالسحاب الممطر
فكأن عقد الدر حل قلائد ال
…
عقيان منه على صحاح الجوهري وقول لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى:
وظبي لأوضاع الجمال مدرس
…
عليم بأسرار المحاسن ماهر
أرى جيده نص المحلى، وقررت
…
ثناياه ما ضمت صحاح الجواهر
(1) ق: وله.
وقول ابن خاتمة:
ومعطر الأنفاس يبسم دائماً
…
عن در ثغر زانه ترتيب
من لم يشاهد منه عقد جواهر
…
لم يدر ما النتقيح والتهذيب وقوله أيضاً:
سفهني عاذلي عليه
…
وقال لي وده عليل
فقلت معتل أو صحيح
…
يودعه عينه الخليل وقوله أيضاً:
حاز الجمال بصورة قمرية
…
تجلو عليك مشارق الأنوار
وحوى الكمال بصورة عمرية
…
تتلو عليك مناقب الأبرار وقول الرئيس أبي محمد (1) عبد المهيمن الحضرمي (2) :
من اغتدى موطأ أسلافه
…
صح له التمهيد في أحواله
وقابل استذكاره بالمنتقى
…
من رأيه المختار من أعماله
وأضحت المسالك الحسنى له
…
تدني تقصياً قصى آماله
وسار من مشارق الأنوار في
…
أدنى المدارك إلى إكماله ولما وقف على هذه القطيعة الفاضل أبو علي حسين بن صالح بن أبي دلامة عارضها وزاد ذكر القبس والمعلم (3) :
(1) أبي محمد: سقطت من ق.
(2)
انظر أزهار الرياض 3: 201.
(3)
الأزهار: 202 وابن أبي دلامة هذا هو والد يحيى كاتب العلامة للسلطان أبي العباس المريني (مستودع العلامة: 75) .
قل للموطإ للورى أكنافه
…
بشراه بالتمهيد في الأحوال
وإذا اكتفى بالمنتقى استذكاره
…
وفى له المختار في الأعمال
ومسالك الحسنى تؤديه إلى
…
أقصى التقصي من قصى الآمال
ويلوح من قبس الهداية رشده
…
من معلم التفصيل والإجمال رجع إلى ابن جزي، ومن نظمه:
يا دوحة الأنس من بطحاء واسجة
…
هل من سبيل إلى أيامك الأول
إذ نجتلي أواجه الإيناس مسفرة
…
ونجتني ثمر اللذات والغزل ومن نظمه رحمه الله تعالى عند خروجه إلى بلاد المغرب، وروى بكتابي " تحفة القادم " و " زاد المسافر " فقال:
وإني لمن قوم يهون عليهم
…
ورود المنايا في سبيل المكارم
يطيرون مهما ازور للدهر جانب
…
بأجنحة من ماضيات العزائم
وما كل نفس تحمل الذل، إنني
…
رأيت احتمال الذل من شأن البهائم
إذا أنا لم أظفر بزاد مسافر
…
لديكم فعند الناس تحفة القادم وزاد المسافر لصفوان، والتحفة لابن الأبار.
ومن نظمه قوله:
نصب الحبائل للورى بالحسن إذ
…
رفع اللثام وذيله مجرور
وأماله عني العواذل غيلة
…
فهو الممال وقلبي المكسور وقوله أيضاً:
تلك الذؤابة ذبت من شوقي لها
…
واللحظ يحميها بأي سلاح
يا قلب فانج وما إخالك ناجياً
…
من فتنة الجعدي والسفاح
وقوله أيضاً:
وعاشق صلى ومحرابه
…
وجه غزال ظل يهواه
قالوا تعبدت فقلت نعم (1)
…
تعبداً يفهم معناه وقوله رحمه الله تعالى:
أيتها النفس قفي عندما
…
ألزمت، فعلاً كان أو قولا
فمن يكن يرضى بما ساءه
…
أو سره فهو له الأولى
لا يترك العبد وما شاءه
…
إلا إذا أهمله المولى وقوله أيضاً:
لولا ثلاث قد شغفت بحبها
…
ما عفت في حوض المنية موردي
وهي الراوية للحديث، وكتبه،
…
والفقه فيه، وذاك حسب المهتدي وأما أخوهما القاضي أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم بن جزي فهو الإمام العالم العلامة المعمر، رئيس العلوم اللسانية، قال في " الإحاطة " (2) : هذا الفاضل قريع بيت نبيه، وسلف شهير، وأبوة خير، وأخوة بلغية وخؤولة، أديب حافظ قائم على فن العربية، مشارك في فنون لسانية، ظرف في الإدراك، جيد النظم، مطوتع القريحة، باطنه نبل وظاهره غفلة، قعد للإقراء ببلده غرناطة معيداً ومستقلاً، ثم تقدم للقضاء بجهات نبيهة على زمن الحداثة، أخذ عن والده
(1) ص ق: لهم نعم.
(2)
ترجمة عبد الله بن جزي في الإحاطة، الورقة: 204 والكتيبة: 96 ونيل الابتهاج: 129.
الأستاذ الشهير الشهيد أبي القاسم أشياء كثيرة، وعن القاضي أبي البركات ابن الحاج، وقاضي الجماعة الشريف السبتي، والأستاذ البياني، والأستاذ الأعرف أبي سعيد ابن لب، والشيخ المقرئ أبي عبد الله ابن بيبش، وأجازه رئيس الكتاب أبو الحسن ابن الجياب، وقاضي الجماعة أبو عبد الله [ابن بكر، وأبو محمد ابن سلمون، والقاضي ابن شبرين، والشيخ أبو حيان، وقاضي الجماعة أبو عبد الله](1) المقري، وأبو محمد الحضرمي، وجماعة آخرون، وشعره نبيل الأغراض، حسن المقاصد؛ انتهى المقصود منه.
وممن أخذ عنه العباس البقني شارح البردة، والقاضي أبو بكر ابن عاصم، وبالإجازة الإمام ابن مرزوق الحفيد، وغيرهم.
وقد عرف ابن فرحون في الديباج المذهب بأبيه الشهيد أبي القاسم وأخيه القاضي أبي بكر دونه، وعرف ابن الخطيب في الإحاطة بأبيه وأخويه أبي بكر وأبي عبد الله، وفيما ذكرنا من أمرهم كفاية.
ومما نسبه الوادي آشي لأبي محمد عبد الله جزي قوله:
يا من أتاني بعده بعدما
…
عاملته بالبر واللطف
إني تأملت وقد سرني
…
بجملة من سورة الكهف وله أيضاً (2) :
لقد قطعت قلبي يا خليلي
…
بهجر طال منك على العليل
لكن ما عجيب منك هذا
…
إذ التقطيع من شأن الخليل رجع إلى مشايخ لسان الدين رحمه الله تعالى.
(1) أبن بكر
…
أبو عبد الله: سقط من ق ص وأكملناه من الإحاطة ونيل الابتهاج.
(2)
يا من
…
وله أيضا: سقط كله من ق.
27 -
ومنهم القاضي الأديب جملة الظرف أبو بكر ابن شبرين (1) :
وقد استوفى ترجمته في الإحاطة وذكره أيضاً في ترجمة ذي الوزارتين ابن الحكيم بأن قال بعد حكايته قتل ابن الحكيم ما صورته (2) : وممن رثاه شيخنا أبو بكر ابن شبرين رحمه الله تعالى بقوله:
سقى الله أشلاء كرمن على البلى
…
وما غض من مقدارها حادث البلا
ومما شجاني أن أهين مكانها
…
وأهمل قدراً ما عهدناه مهملا
ألا اصنع بها يا دهر ما أنت صانع
…
فما كنت إلا عبدها المتذللا
سفكت دماً كان الرقوء نواله
…
لقد جئتما شنعاء فاضحة الملا
بكفي سبنتى (3) أزرق العين مطرق
…
عدا فغدا في غيه متوغلا
لنعم قتيل القوم في يوم عيده
…
قتيل تبكيه المكارم والعلا
ألا إن يوم ابن الحكيم مثكل
…
فؤادي، فما ينفك ما عشت مثكلا
فقدناه في يوم أغر محجل
…
ففي الحشر نلقاه أغر محجلا
سمت نحوه الأيام وهو عميدها
…
فلم تشكر النعمى ولم تحفظ الولا
تعاورت الأسياف منه ممدحاً
…
كريماً سما فوق السماكين مزحلا
وخانته رجل في الطواف به سعت
…
فناء بصدر للعلوم تحملا
وجدل (4) لم يحضره في الحي ناصر
…
فمن مبلغ الأحياء أن مهلهلا
(1) ترجمة ابن شبرين في الإحاطة 2: 176 والمرقبة العليا: 153 والكتيبة: 166.
(2)
انظر الإحاطة 2: 302.
(3)
ق ص: سبت؛ السبنتي: النمر، والشطر من قصيدة تنسب للشماخ في رثاء سيدنا عمر (رض) والبيت:
وما كنت أخشى أن تكون وفاته
…
بكفي سبنتي أزرق العين مطرق (انظر طبقات ابن سلام: 111) .
(4)
ص: وجندل؛ والإشارة إلى قول الشاعر:
من مبلغ الأحياء أم مهلهلا
…
أضحى قتيلا في الفلاة مجندلا
يد الله في ذاك الأديم ممزقاً
…
تبارك ما هبت جنوباً وشمألا (1)
ومن حزني أن لست أعرف ملحداً
…
له فأرى للترب منه مقبلا
رويدك يا من قد غدا شامتاً به
…
فبالأمس ما كان العماد المؤملا
وكنا نغادي أو نراوح بابه
…
وقد ظل في أوج العلا متوقلا
ذكرناه يوماً فاستهلت جفوننا
…
بدمع إذا ما أحل العم أخضلا
ومازج منا الحزن طول اعتبارنا
…
ولم ندر ماذا منهما كان أطولا
وهاج لنا شجواً تذكر مجلس
…
له كان يهدي الحي والملأ الألى
به كانت الدنيا تؤخر مدبراً
…
من الناس حتماً أو تقدم مقبلا
لتبك عيون الباكيات على فتى
…
كريم إذا ما أسبغ العرف أجزلا
على خادم الآثار تتلى صحائحاً
…
على حامل القرآن يتلى مفصلا
على عضد الملك الذي قد تضوعت
…
مكارمه في الأرض مسكاً ومندلا
على قاسم الأموال فينا على الذي
…
وضعنا لديه كل إصر على علا
وأنى لنا من بعده متعلل
…
وما كان في حياتنا متعللا
ألا يا قصير العمر يا كامل العلا
…
يميناً لقد غادرت حزناً مؤثلا
يسوء المصلى أن هلكت ولم تقم
…
عليك صلاة فيه يشهدنا الملا
وذاك لأن الأمر فيه شهادة
…
وسنتها محفوظة لن تبدلا
فيا أيها الكريم الذي قضى
…
سعيداً حميداً فاضلاً ومفضلا
لتهنك من رب السماء شهادة
…
تلاقي ببشرى وجهك المتهللا
رثيتك عن حب في جوانحي
…
فما ودع القلب العميد وما قلى (2)
ويا رب من أوليته منك نعمة
…
وكنت له ذخراً عتيداً وموئلا
تناساك حتى ما تمر بباله
…
ولم يدكر ذاك الندى والتفضلا
(1) من قول الشماخ أيضا:
جزى الله خيرا من أمير وباركت
…
يد الله في ذاك الأديم الممزق (2) من الآية القرآنية " ما ودعك ربك وما قلى ".
يرابض في مثواك كل عشية
…
صفيف شواء أو قديراً معجلا (1)
لحى الله من ينسى الأذمة رافضاً
…
ويذهل مهما أصبح الأمر مشكلا
حنانيك يا بدر الهدى فلشد ما
…
تركت بدور الأفق بعدك أفلا
وكنت لآمالي حياة هنيئة
…
فغادرت مني اليوم قلباً مقتلاً
فلا وأبيك الخير ما أنا بالذي
…
على البعد ينسى من ذمامك ما خلا
فأنت الذي آويتني متغرباً
…
وأنت الذي أكرمتني متطفلا
فآليت لا ينفك قلبي مكمداً
…
عليك ولا ينفك دمعي مسبلاً وكتب ابن لسان الدين على هامش هذه القطعة ما صورته: شكر الله وفاءك يا ابن شربين وقدس لحدك، وأين مثلك في الدنيا حسناً ووفاء وعلماً لا كما فعل ابن زمرك في ابن الخطيب مخدومه، قاله علي بن الخطيب؛ انتهى.
28 -
ومن أشياخ لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى الشيخ الأستاذ العلامة العلم الأوحد
الصدر المصنف المحدث الأفضل الأصلح الأروع الأتقى الأكمل أبو عثمان سعد ابن الشيخ الصالح التق الفاضل المبرور المرحوم أبي جعفر أحمد بن ليون، التجيبي (2) ، رضي الله عنه تعالى، وهو من أكابر الأئمة الذين أفرغوا جهدهم في الزهد والعلم والنصح، وله تواليف مشهورة، منها اختصار بهجة المجالس لابن عبد البر، واختصار المرتبة العليا لابن راشد لقفصي، وكتاب في الهندسة، وكتاب في الفلاحة، وكتاب كمال الحافظ وجمال اللافظ في الحكم والوصايا والمواعظ، وكان مولعاً باختصار الكتب، وتواليف تذيد عن المائة فيما يذكر، وقد وقفت منها بالمغرب على أكثر من عشرين.
ومما (3) حكي عن بعض كبراء المغرب أنه رأى رجلاً طوالاً فقال لمن
(1) من قول امرئ القيس " صفيف شواء أو قدير معجل ".
(2)
ترجمة ابن ليون في التكملة: 86 (باسم سعيد) ونيل الابتهاج: 105 والإحاطة، الورقة:365.
(3)
ق: وقد.
حضره: لو رآه ابن ليون لاختصره، إشارة إلى كثرة اختصاره للكتب.
ومن تواليفه كتاب نفح السحر في اختصار روح الشحر (1) وروح الشعر لابن الجلاب الفهري، رحمه الله، ومنها كتاب أنداء الديم في الوصايا والمواعظ والحكم وكتاب الأبيات المهذبة في المعاني المقربة وكتاب نصائح الأحباب وصحائح الآداب أورد فيه مائتي قطعة من شعره تتضمن نصائح متنوعة، ولننقح منها نبذة فنقول: منها في التحريض على العلم قوله رحمه الله تعالى:
زاحم أولي العلم حتى
…
تعتد منهم حقيقه
ولا يردك عجز
…
عن أخذ أعلى طريقه
فإن من جد يعطى
…
فيما يحب لحوقه وقوله:
شفاء داء العي حسن السؤال
…
فاسأل تنل علماً، وقل لا تبال
واطلب فالاستحياء والكبر من
…
موانع العلم فما إن ينال وقوله:
" علمت شيئاً وغابت عنك أشياء "(2)
…
فانظر وحقق فما للعلم إحصاء
للعلم (3) قسمان: ما تدري، وقولك لا
…
أدري، ومن يدعي الإحصاء هذاء وقوله:
من لم يكن علمه في صدره نشبت
…
يداه عند السؤالات التي ترد
العلم ما أنت في الحمام تحضره
…
وما سوى ذلك التكليف والكمد
(1) ق: دوح الشجر؛ ص: روح السحر.
(2)
عجز بيت لأبي نواس، وصدره:" فقل لمن يدعي في العلم فلسفة ".
(3)
ق: العلم.
وقوله:
الدرس رأس العلم فاحرص عليه
…
فكل ذي علم فقير إليه
من ضيع الدرس يرى هاذياً
…
عند اعتبار الناس ما في يديه
فعزة العالم من حفظه
…
كعزة المنفق فيما عليه وقال (1) رحمه الله تعالى في غير ما سبق:
ثلاث مهلكات لا محاله
…
هوى نفس يقود إلى البطاله
وشح لا يزال يطاع دأباً
…
وعجب ظاهر في كل حاله وقال:
اللهو منقصة بصاحبه
…
فاحذر مذلة مؤثر اللهو
واللغو نزه عنه سمعك لا
…
تجنح له، لا خير في اللغو وقال:
لا تمالىء على صديقك وادرأ
…
عنه ما اسطعت من أذى واهتضام
ما تناسى الذمام قط كريم
…
كيف ينسى الكريم رعي الذمام
تطعم الكلب مرة فيحامي
…
عنك، والكلب في عداد اللئام وقال:
احذر مؤاخاة الدنيء فإنها
…
عار يشين ويورث التضريرا
فالماء يخبث طعمه لنجاسة
…
إن خالطته ويسلب التطهيرا وقال:
(1) ق: وقوله، وكذلك جرى في كثير من المواضع.
تحفظ من الناس تسلم ولا
…
تكن في تقربهم ترغب
ولا تترك الحزم في كل ما
…
تريد، ولا تبغ ما يصعب وقال:
إخوانك اليوم إخوان الضرورة لا
…
تثق بهم يا أخي في قول أو فعل
لا خير في الأخ إلا أن يكون إذا
…
عرتك نائبة يقيك أو يسلي وقال:
طلب الإنصاف من قل
…
ة إنصاف فساهل
لا تناقش وتغافل
…
فاللبيب المتغافل
قلما يحظى أخو الإن
…
صاف في وقت بطائل وقال:
من خافه الناس عظموه
…
وأظهروا بره وشكره
ومن يكن فاضلاً حليماً
…
فإنما حظه المضره
فامرر وكن صارماً مبيراً
…
يهبك من قد تخاف شره وقال:
إن تبغ عدلاً فما ترضى لنفسك من
…
قول وفعل به أعمل في الورى تسد
وكل ما ليس ترضاه لنفسك لا
…
تفعله مع أحد تكن أخا رشد وقال:
حسبي الله لقد ضلت بنا
…
عن سبيل الرشد أهواء النفوس
عجباً أن الهوى هون وأن
…
نؤثر الهون وإذلال الرؤوس
وقال:
من يخف شره يوف الكرامه
…
ويوالى الرعاية المستدامه
وأخو الفضل والعفاف غريب
…
يحمل الذل والجف والملامه وقال:
دع من يسيء بك الظنون ولا
…
تحفل به إن كنت ذا همه
من لم (1) يحسن ظنه أبداً
…
بك فاطرحه تكتفي همه وقال:
نزه لسانك عن قول تعاب به
…
وارغب بسمعك عن قيل وعن قال
لا تبغ غير الذي يعنيك واطرح ال
…
فضول تحيا قرير العين والبال وقال:
كثرة الأصدقاء كثرة غرم
…
وعتاب يعيي وإدخال هم
فاغن بالبغض قانعاً وتغافل
…
عنهم في قبيح فعل وذم وقال:
ذل المعاصي ميتة يا لها
…
من ميتة لا ينقضي عارها
عز التقى هو الحياة التي
…
ذو العقل والهمة يختارها وقال:
لا تسمع يوماً صديقك قولاً
…
فيه غض ممن يحب الصديق
إن بر الصديق لا شك منه
…
لصديق الصديق أيضاً فريق
(1) ص: من لا.
وقال:
للجار حق فاعتمد بره
…
واحمل أذاه مغضياً ساترا
فالله قد وصى به فاغتفر
…
زله الباطن والظاهرا وقال:
سالم الناس ما استطعت وداري
…
أخسر الناس أحمق لا يداري
ضرك الناس ضر نفسك يجني
…
لا يقوم الدخان إلا لنار وقال:
النصح عند الناس ذنب فدع
…
نصح الذي تخاف أن يهجرك
الناس أعداء لنصاحهم
…
فاترك هديت النصح فيمن ترك وقال:
تجري الأمور على الذي قد قدرا
…
ما حيلة أبداً ترد مقدرا
فارض الذي يجري القضاء به ولا
…
تضجر فمن عدم الرضى أن تضجرا وقال:
أخوك الذي يحميك من الغيب جاهداً
…
ويستر ما تأتي من السوء والقبح
وينشر ما يرضيك في الناس معلناً
…
ويغضي ولا يألو من البر والنصح وقال:
لا تصحب الأردى فتردى معه
…
وربما قد تقتفي منزعه
فالحبل إن يجرر على صخرة
…
أبدى بها طريقة مشرعه
وقال:
ما فات أو كان لا تندم عليه فما
…
يفيد بعد انقضاء الحادث الندم
ارجع إلى الصبر تغنم أجره وعسى
…
تسلو به فهو مسلاة ومغتنم وقال:
السخط عند النائبات زيادة
…
في الكرب تنسي ما يكون من الفرج
من لم يكن يرضى بما يقضى فيا
…
لله ما أشقى وأصعب ما انتهج وقال:
إن تبتغ الإخوان ما إن تجد
…
أخاً سوى الدينار والدرهم
فلا تهنهما وعززهما
…
تعش عزيزاً غير مستهضم وقال:
من يستهن بصديقه
…
يعن العدو على أذاته
بر الصديق مهابة
…
للمرء تخمل من عدائه
فاحفظ صديقك ولتكن
…
تبدي المحاسن من صفاته وقال:
نعوذ بالله من شر اللسان كما
…
نعوذ بالله من شر البريات
يجني اللسان على الإنسان ميتته
…
كم للسان من آفات وزلات وقال:
من لم يكن مقصده مدحة
…
فقد أتى بحبوحة العافيه
محبة المدحة رق بلا
…
عتق، وذل يا له داهيه
من لا يبالي الناس مدحاً ولا
…
ذماً أصاب العيشة الراضيه
وقال:
شر إخوانك من لا
…
تهتدي فيه سبيلا
يظهر الود ويخفي
…
مكره داء دخيلا
يتقي منك اتقاء
…
وهو يوليك الجميلا وقال:
قوام العيش بالتدبير فاجعل
…
لعيشك منه في الأيام قسطا
وخذ بالصبر نفسك فهو عز
…
تلوذ به إذا ما الخطب شطا وقال:
العيش ثلث فطنة
…
والغير منه تغافل
فتغافل إن كنت امرأ
…
إيثار عيشك تامل وقال:
ينفذ المقدور حتماً لا يرد
…
فعلاء الحرص دأباً والكمد
أرح النفس تعش في غبطة
…
وكل الأمر إلى الله فقد وقال:
زر من تحب ثم زره ولا
…
تمل واجعله دأباً موضع النظر
لولا متابعة الأنفاس ما بقيت
…
روح الحياة ولا دامت مدى العمر وقال:
لا تترك الحزم في شيء فإن به
…
تمام أمرك في الدنيا وفي الدين
من ضيع الحزم تصحبه الندامة في
…
أيامه ويرى ذل المهاوين
وقال:
كن إذا زرت حاضر القلب واحذر
…
أن تمل المزور أو أن تطيلا
لا تثقل على جليس وخفف
…
إن من خف عد شخصاً نبيلا وقال:
من خلا عن حاسد قد
…
مات في الأحياء ذكره
إنما الحاسد كالنا
…
ر لعود طاب نشره
لا عدمنا حاسداً في
…
نعمة ليست تسره وقال:
حبيبك من يغار إذا زللتا
…
ويغلظ في الكلام متى أسأتا
يسر إن اتصفت بكل فضل
…
ويحزن إن نقصت أو انتقصتا
ومن لا يكترث بك لا يبالي
…
أحدت عن الصواب أم اعتدلتا وقال:
لن لمن تخشى أذاه
…
والقه في باب داره
إنما الدنيا مدارا
…
ة فمن تخشاه داره وقال:
حسد الحاسد رحمه
…
لا يرى إلا لنعمه
إنما الحاسد يشكو
…
حر أكباد وغمه
لا عدمنا حاسداً في
…
نعمة تكثر همه وقال:
تبديل شخص بشخص
…
خسران الاثنين جمله
فاشدد يديك على من
…
عرفت، وارفع (1) محله
فإن قطع خليل
…
بعد التواصل زله وقال:
أنت بخير ما تركت الظهور
…
والقال والقيل وطرق الشرور
من خاض بحراً فهو لا بد يب
…
تل ومن يجر يصبه العثور
سلامة المرء اشتغال بما
…
يهمه لنفسه من أمور وقال:
أنت حر ما تركت الطمعا
…
وعزيز ما تبعت الورعا
وكفى بالعز مع حرية
…
شرفاً يختاره من قنعا وقال:
خل بنيات الطرق
…
ووافق الناس تفق
من خالف الناس أتى
…
أعظم أبواب الحمق
فكن مع الناس فتر
…
ك جملة الناس خرق وقال:
لا تضق صدراً بحاسد
…
فهو في نار يكابد
من يرى أنك خير
…
منه تعروه شدائد
إنما الحاسد يشقى
…
وهو لا يحظى بعائد (2)
(1) ق: واعرف.
(2)
ق ص: بفائد.
وقال (1) :
من يستمع في صديق قول ذي حسد
…
لا شك يقصيه فاحذر غيلة الحسد
يهابك الناس ما تدني الصديق فإن
…
أقصيته زدت للأعداء في العدد وقال:
كم من أخ صحبته
…
والنفس عنه راغبه
خشيت، إن فارقته
…
بالهجر، سوء العاقبه وقال:
إذا كانت عيوبك عند نقد
…
تعد فأنت أجدر بالكمال
متى سلمت من النقد البرايا
…
وحسبك ما تشاهد في الهلال وقال:
إذا انطوت القلوب على فساد
…
فإن الصمت ستر أي ستر
فلا تنطق وقلبك فيه شيء
…
بغير الحق واحذر قول شر وقال:
إن كنت لا تنصر الصديق فدع
…
سماعك القول فيه واجتنب
سماع عرض الصديق منقصة
…
لا يرتضيها الكريم ذو الحسب وقال:
أنت في الناس تقاس
…
بالذي اخترت خليلا
فاصحب الأخيار تعلو
…
وتنل ذكراً جميلا
(1) وقعت القطعة بعد التي تليها في ق.
صحبة الخامل تكسو
…
من يواخيه خمولا وقال:
اسمح يزنك السماح
…
إن السماح رباح
لا تلق إلا ببشر
…
فالبشر فيه النجاح
تقطيبك الوجه جد
…
أجل منه المزاح وقال:
من كنت تعرفه كن فيه متئداً
…
يكفيك من خلقه ما أنت تعرفه
لا تبغ من أحد عرفته أبداً
…
غير الذي كنت منه قبل تألفه وقال:
حاسب حبيبك كالعدو تدم له
…
ولك المحبة، فالتناصف روحها
من كان يغمض في حقوق صديقه
…
نقصت مودته وشيب صريحها وقال:
تغافل في الأمور ولا تناقش
…
فيقطعك القريب وذو الموده
مناقشة الفتى تجني عليه
…
وتبدله من الراحات شده وقال:
إن شئت تعرف نعمة الله التي
…
أولاك فانظر كل من هو دونكا
لا تنظر الأعلى فتنسى ما لدي
…
ك ومن من الضعفاء يستجدونكا وقال:
عجباً أن ترى قبيح سواكا
…
وتعادي الذي يرى منك ذاكا
لو تناصفت كنت تنكر ما في
…
ك وترضى الوصاة ممن نهاكا وقال:
جرب الناس ما استطعت تجدهم
…
لا يرى الشخص منهم غير نفسه
فالسعيد السعيد من أخذ العف
…
وودارى جميع أبناء جنسه وقال:
فرط حب الشيء يعمي ويصم
…
فليكن حبك قصداً لا يصم
نقص عقل أن يغطي حسك الح
…
ب أو يلهيك عن أمر مهم وقال:
سلم وغض (1) احتسابا
…
فذا هو اليوم أسلم
النقد نار تخلي
…
في القلب جمراً (2) تضرم
فاطو اعتراضك واغفل
…
عن عيب غيرك تسلم وقال:
عدة الكريم عطية
…
لا مطل في عدة الكريم
المطل تحريض العدا
…
ة، وذاك من فعل اللئيم
فدع المطال إذا وعد
…
ت فإنه عمل ذميم وقال:
من تناسى ذنوبه قتلته
…
وأبانت عنه الولي الحميما
(1) ص: وأغض.
(2)
ق ص: تحلى، جمر.
ذكرك الذنب نفرة عنه تبقي
…
لك إنكار فعله مستديما وقال:
عجباً لمادح نفسه لا يهتدي
…
لتنقص يبديه فيه مدحها
مدح الفتى عند التحدث نفسه
…
ذكرى معايبه فيدرى قبحها وقال:
من حسنت أخلاقه عاش في
…
نعمى وفي عز هنيء وود (1)
ومن تسؤ للخلق أخلاقه
…
يعش حقيراً في هموم وكد وقال:
من كان يحمي ناسه [صار ذا
…
عز و] (2) هابته نفوس البشر
ومن يكن يخذل أحبابه
…
هان، ومن هان فلا (3) يعتبر وقال:
قارب وسدد إذا ما كنت في عمل
…
إن الزيادة في الأعمال نقصان
ما حالف القصد في كل الأمور هوى
…
نفس، وكل هوى شؤم وحرمان وقال:
بقدر همته يعلو الفتى أبداً
…
لا خير في خامل الهمات ممتهن
هيهات يعلو فتى خمول همته
…
يقوده لابتذال النفس والمهن
(1) ص: هنيئا يود.
(2)
سقط من ق ص، وأكملناه من المطبوع.
(3)
ص: فما.
وقال:
اصحب ذوي الحدة وارغب عن ال
…
خبيث فالصحبة ذاك داؤها
وانظر إلى قول نبي الهدى
…
خيار أمتي أحداؤها قال:
ما صديق الإنسان في كل حال
…
يا أخي غير درهم يقتنيه
لا تعول عن سواه فتغدو
…
خائب القصد دون ما تبتغيه وقال:
يستفز الهوى للإنسان حتى
…
لا يرى غير محنة أو ضلال
ويرى الرشد غير الرشد، ويغدو
…
يحسب الحق من ضروب المحال وقال:
لا تبالغ في الشر مهما استطعتا
…
وتغافل واحلم إذا ما قدرتا
فانقلاب الأمور أسرع شيء
…
وتجازى بضعف ما قدرتا (1) وقال:
مثل عواقب ما تأتي وما تذر
…
واحذر فقد ترتجي أن ينفع الحذر
لا تقدمن على أمر بلا نظر
…
فإن ذلك فعله كله خطر
وانظر وفكر لما ترجو توقعه
…
فعمدة العاقل التفكير والنظر وقال:
حافظ على نفسك من كل ما
…
يشينها من خلل أو زلل
(1) هكذا في ص؛ وفي ق: ما فعلنا.
واحرص على تخليصها بالذي
…
تنجو به من قول أو من عمل وقال:
سكر الولاية ما له صحو
…
وكلامها وحراكها زهو
يهذي الفتى أيام عزتها
…
فإذا تقضت نابه شجو
فحذار لا تغررك صولتها
…
وزمانها فثبوتها محو وقال:
دع الجدال ولا تحفل به أبدا
…
فإنه سبب للبغض ما وجدا
سلم تعش سالماً من غير متعبة (1)
…
قرير عين إذا لم تعترض أحدا وقال:
إذا ترى المبتلى اشكر أن نجوت ولا
…
تشمت به ولتسل من ربك العافيه
وخف من أن تبتلى كما ابتلي فترى
…
كما تراه وما تقيك من واقيه وقال:
العمر ساعات تقضى فلا
…
تقضها في السهو والغفله
واعمل لما أنت له صائر
…
ما دمت من عمرك في مهله
ولا تكن تأوي لدينا وقل
…
لا بد لا بد من النقله وقال:
كن رفيقاً إذا قدرت حليما
…
وتغافل تسلك طريقاً قويما
لا تظن الزمان يبقي على من
…
سره أو ينيل عزاً سليما
(1) ص: متبعة.
إن للدهر صولة وانقلاباً
…
ولهذا نعيمه لن يدوما وقال:
من لم يكن ينفع في الشده
…
فلا تكن معتمداً وده
لا تعتمد إلا أخا حرمة
…
إن ناب خطب تلفه عده
وخل من يهزأ في وده
…
ولا ترى في معضل جده وقال:
أخوك الذي تلفيه في كل معضل
…
يدافع عنك السوء بالمال والعرض
ويستر ما تأتي من القبح دائماً
…
وينشر ما يرضي وإن سؤته يغضي وقال:
لا تنه عما أنت فاعله
…
وانظر لما تأتيه من ذنب
وابدأ بنفسك فانهها فإذا
…
تقفو الصواب فأنت ذو لب وقال:
ليس الصديق الذي يلقاك مبتسماً
…
ولا الذي في التهاني بالسرور يرى
إن الصديق الذي يولي نصيحته
…
وإن عرت شدة أغنى بما قدرا وقال:
عجباً لمستوف منافع نفسه
…
ويرى منافع من سواه تصعب
ما ذاك إلا عدم إنصاف ومن
…
عدم التناصف كيف يرجو يصحب وقال:
من عدم الهمة في راحة
…
من أمره يكرم أو يهتضم
وإنما يشقى أخو همة
…
فإن الانكاد بقدر الهمم وقال:
قلما تنفع المداراة إلا
…
عند أهل الحفاظ والأحساب
من يداري اللئيم فهو كمن يس
…
تعمل الدر في نحور الكلاب وقال:
دنياك هذي عرض زائل
…
تفتن ذا الغرة والغفله
فاعمل لأخراك وقدم لها
…
ما دمت من عمرك في مهله وقال:
نصيحة الصديق كنز فلا
…
ترد ما حييت نصح الصديق
وخذ من الأمور ما ينبغي
…
ودع من الأمور ما لا يليق وقال:
أنت حر ما لم يقيدك حب
…
أو تكن في الورى يرى لك ذنب
الهوى كله هوان وشغل
…
والمعاصي ذل يعانى وكرب وقال:
هون عليك الأمورا
…
تعش هنيئاً قريرا
واعلم بأن الليالي
…
تبلي جديداً خطيرا
وتستبيح عظيماً
…
ولا تجير حقيرا وقال:
ألف صديق قليل
…
والود منهم جميل
كما عدو كثير
…
إذ ضره لا يزول
فلا تضيع صديقاً
…
فالنفع فيه جليل وقال (1) :
دع الحسود تعاتبه لظى حسده
…
حتى تراه لقى يموت من كمده
ما للحسود سوى الإعراض عنه وأن
…
يبقى إلى كربه في يومه وغده وقال:
الناس حيث يكون الجاه والمال
…
فخل عنك ولا تحفل بما قالوا
وعد عمن يقول العلم قصدهم
…
أو الصلاح أما تبدو له الحال
انظر لماذا هم يسعون جهدهم
…
يبن لك الحق ولا يعروه إشكال وقال:
توسط في الأمور ولا تجاوز
…
إلى الغايات فالغايات غي
كلا الطرفين مذموم إذا ما
…
نظرت وأخذك المذموم عي وقال:
عامل جميع الناس بالحسنى
…
إن شئت أن تحظى وأن تهنا
ولا تسئ يوماً إلى واحد
…
فتجمع الراحة والأمنا وقال:
لا تفكر فللأمور مدبر
…
وارض ما يفعل المهيمن واصبر
أنت عبد وحكم مولاك يجري
…
بالذي قد قضى عليك وقدر
(1) سقط البيتان من ق.
وقال:
إذا رأيت القبيحا
…
فقل كلاماً مليحا
وأغض واستر وسلم
…
وكن حليماً صفوحا
تعش هنيئاً وتلقى
…
براً وشكراً صريحا وقال:
من ينكر الإحسان لا توله
…
ما عشت إحساناً فلا خير فيه
البذر في السباخ ما إن له
…
نفع فذره فهو فعل السفيه وقال:
من لم يكن بنفع في وده
…
دعه ولا تقم على عهده
ود بلا نفع عناء فلا
…
تعن بشيء حاد عن حده وقال:
در مع الدهر كيفما
…
دار إن شئت تصحبه
ودع الحذق جانباً
…
ليس بالحذق تغلبه
وحذار انقلابه
…
فكثير تقلبه وقال:
من ليس يغني في مغيب عنك لا
…
تحفل به فوداده مدخول
يثني عليك وأنت معه حاضر
…
فإذا تغيب يكون عنك يميل وقال:
دع نصح من يعجبه رأيه
…
ومن يرى ينجحه سعيه
النصح إرشاد فلا توله
…
إلا فتى يحزنه غيه
لا يقبل النصح سوى مهتد
…
يقوده لرشده هديه وقال:
البخت أفضل ما يؤتى الفتى فإذا
…
يفوته البخت لا ينفك يتضع
يكفيك في البخت تيسير المور وأن
…
يكون ما ليس ترضى عنك يندفع وقال:
افعل الخير ما استطعت ففعل ال
…
خير ذكر لفاعليه وذخر
وتواضع تنل علاء وعزاً
…
فاتضاع النفوس عز وفخر وقال:
صديق المرء درهمه
…
به ما دام يعظمه
فصنه ما استطعت ولا
…
تكن في اللهو تعدمه
ففقر المرء ميتته
…
لذا تغدو فترحمه وقال:
لا تقرب ما اسطعت خل عدو
…
فخليل العدو حلف عداوه
وتحفظ منه وداره وانظر
…
هل ترى من سيماه إلا القساوة وقال:
لا تعد ذكر ما مضى فهو أمر
…
قد تقضى وقد مضى لسبيله
وتكلم فيما تريد من الآ
…
تي ودبر للشيء قبل حلوله وقال:
قساوة المرء من شقائه فإذا
…
يلين ساد بلا أين ولا نصب
لا يرحم الله إلا الراحمين، فمن
…
يرحم ينل رحمة في كل منقلب وقال:
جئ بالسماح إذا ما جئت في غرض
…
ففي العبوس لدى الحاجات تصعيب
سماحة المرء تنبي عن فضيلته
…
فلا يكن منك مهما اسطعت تقطيب وقال:
لا تسامح يوماً دنياً إذا ما
…
قال في فاضل كلاماً رديا
إن قصد الدني إنزال أهل ال
…
فضل حتى يرى عليهم عليا وقال:
خذ من القول بعضه فهو أولى
…
وتحفظ مما يقول العداة
ربما تأخذ الكلام بجد
…
وهو هزل قد نمقته عدات
فاحترز من غرور الاقوال واعلم
…
أن الاقوال بعضها كذبات وقال:
نافس الأخيار كيما
…
تحرز المجد الأثيلا
لا تكن مثل سراب
…
ريء لم يشف غليلا
إنما أنت حديث
…
فلتكن ذكراً جميلا وقال:
الصمت عز حاضر
…
وسلامة من كل شر
فإذا نطقت فلا تك
…
ثر واجتنب قول الهذر
وحذار مما يتقى
…
وحذار من طرق الغرر
وقال:
سلامة الإنسان في وحدته
…
وأنسه فيها وفي حرفته
ما بقي اليوم صديق ولا
…
من ترتجي النصرة في صحبته
فقر في بيتك تسلم ودع
…
من ابتلي بالناس في محنته وقال:
مطاوعة النساء إلى الندامه
…
وتوقع في المهانة والغرامه
فلا تطع الهوى فيهن واعدل
…
ففي العدل الترضي والسلامه وقال:
كانت مشاورة الإخوان في زمن
…
قول المشاور فيهم غير متهم
والآن قد يخدع الذي تشاوره
…
إشماتاً أو حسداً يلقيك في الندم
فاضرع إلى الله فيما أنت تقصده
…
يهديك للرشد في الأفعال والكلم وقال:
عد عمن يراك تصغر عنه
…
وتحفظ من قربه وأبنه
إن من لا يراك في الناس خيراً
…
منه فالخير في التحفظ منه وقال:
رزانة المرء تعلي قدره أبداً
…
وطيشه مسقط له وإن شرفا
فاربأ بنفسك من طيش تعاب به
…
وإن تكن حزت معه (1) العلم والشرفا وقال:
الصدق عز فلا تعدل عن الصدق
…
واحذر من الكذب المذموم في الخلق
(1) ق: منه.
من لازم الصدق هابته الورى وعلا
…
فالزمه دأباً تفز بالعز والسبق وقال:
ليس التفضل يا أخي أن تحسنا
…
لأخ يجازي بالجميل من الثنا
إن التفضل أن تجازي من أسا
…
لك بالجميل وأنت عنه في غنى وقال:
من واصل اللذات لا بد أن
…
تعقبه منها الندامات
فخذ من اللذات واترك ولا
…
تسرف ففي الإسراف آفات وقال:
دع معجباً بنفسه
…
في غيه ولبسه
لا يقبل النصح لها
…
من نخوة برأسه
فخله لكيده
…
وعجبه بنفسه وقال:
عتب الصديق دلالة
…
منه على صدق المودة
فإذا يقول فقصده ال
…
تنزيه عما قام عنده
فاحلم إذا عتب الصديق
…
ولا تخيب فيك قصده وقال:
ترتجى (1) في النوائب الإخوان
…
هم لدى كل شدة أعوان
فإذا لم يشاركوا فسواء
…
هم والأعداء كيفما قد كانوا
(1) ص: يرتجى.
وقال:
انصر أخاك على علاته أبداً
…
تهب وتسلك سبيل العز والظفر
ولا تدعه إلى الإشمات مطرحاً
…
فإن ذلك عين الذل والصغر وقال:
من عز كانت له الأيام خادمة
…
تريه آماله في كل ما حين
ومن يهن أولغت فيه المدى وأرت
…
له النوائب في أثوابها الجون وقال:
خل المنجم يهذي في غوايته
…
واقصد إلى الله رب النجم والفلك
لو كان للنجم حكم لم تجد أحداً
…
يخالف النجم إلا انهد في درك وقال:
حماية المرء لمن يصحب
…
تدل أن أصله طيب
لا خير فيمن لا يرى ناصراً
…
صديقه وهو له ينسب وقال:
يا عاتباً من لا له همة
…
ألا اتئد إلى متى تعتب
هل يسمع الميت أو يبصر ال
…
أعمى محال كل ما تطلب وقال:
لا يعرف الفضل لأهل الفضل
…
إلا أولو الفضل من أهل العقل
هيهات يدري الفضل من ليس له
…
فضل، ولو كان من أهل النبل
وقال:
لا تطلب المرء بما اعتدت من
…
أخلاقه والمرء في وهن
تنتقل الأخلاق لا شك مع
…
تنقل الحالات والسن وقال:
لا تعامل ما عشت غيرك إلا بالذي أنت ترتضيه لنفسك
ذاك عين الصواب فالزمه فيما تبتغيه من كل أبناء جنسك
وقال:
باعد الناس يوالوكا واعتزل عنهم يهابوكا
فإذا ما تصطفيهم وقعوا فيك وعابوكا
وقال:
إياك لا تخذل الصديقا وارع له العهد والحقوقا
نصرته ما قدرت عز تمهده للعلا طريقا
فلا تسامح به عدواً وكن له ناصراً حقيقا
وقال:
حدث جليسك ما أصغى إليك، فإن تراه يعرض فاقطع عنه وانصرف
خفف فقد يضجر الذي تجالسه طول المقام أو التحديث في سرف
وقال:
جماع الخير في ترك الظهور
…
وإظهار التواضع والبرور
وفي أضدادها من غير شك
…
جميع وجوه أنواع الشرور
وقال:
محبة الدرهم طبع البشر
…
فاقنع من المرء بما قد حضر
وقس على نفسك في بذله
…
تقف على تحقيق عين الخبر وقال (1) :
لا يلم غير نفسه كل من قد
…
عرض النفس أن تهان فذلا
ينظر العاقل الأمور فيأبى
…
أن يرى منه غير ما هو أولى وقال:
أعذر الناس من أتته المضره
…
من أخ كان يرتجي منه نصره
مثل من (2) غص بالشراب ف
…
كان الهلك فيما رجاه يدفع ضره وقال:
سلم تعش سالماً مما يقال
…
من يعترض يعترض في كل حال
نقد الفتى غافلاً عن عيبه
…
لا يرتضى عند (3) أرباب الكمال وقال:
تواضع المرء ترفيع لرتبته
…
وكبره ضعة من غير ترفيع
في نخوة الكبر ذل لا اعتزاز له
…
وفي التواضع عز غير مدفوع (4) وقال:
(1) سقط البيتان من ق.
(2)
ق ص: كصدر.
(3)
ق: عنه.
(4)
ق: مرفوع.
إياك لا تنكر فضيلة كل من
…
تدري فضيلته فترمى بالحسد
إنكارها يجني عليك تنقصاً
…
ويزيده شرفاً يديم لك الكمد وقال:
انصر أخاك ما استطعت فإنما
…
تعتز بالإخوان ما عزوا
من يخذل الإخوان يخذل نفسه
…
ويهن وما لهوانه عز وقال:
إذا جزاك بسوء من أسأت له
…
فذاك عدل وما في العدل من زلل
جزاء سيئة بالنص سيئة
…
لا حيف في ذاك في قول ولا عمل وقال:
نفس وشيطان ودنيا والهوى
…
يا رب سلم من شرور الأربعه
أنت المخلص من رجاك وإنني
…
أرجوك فيما أتقي أن تدفعه وقال:
لا تعظم يا أخي نف
…
سك إن شئت السلامه
من يعظم نفسه يج
…
ن امتهاناً وملامه
فتواضع تلق عزاً
…
واحتفاء وكرامه وقال:
دع لذة الدنيا فمن يبتلى
…
بحبها ذاق عذاب السموم
لذاتها حلم، وأيامها
…
لمح، ولكن كم لها من هموم
محبة الدنيا هلاك، فمن
…
يرومها أهلكه ما يروم
وقال:
كل خل يعد ما أنت تخطي
…
لا تعول على صفاء وداده
إنما الخل من تناسى خطايا
…
ك ويبقى له جميل اعتقاده وقال:
من عامل الناس بالإنصاف شاركهم
…
في مالهم وأحبوه بلا سبب
إنصافك الناس عدل لا تزال به
…
تعلو إلى أن ترى في أرفع الرتب وقال:
قل جميلاً إن تكلمت ولا
…
تقل الشر فعقبى الشر شر
من يقل خيراً ينل خيراً، ومن
…
يقل الشر إذاً يخشى الضرر وقال:
إذا التأمت أمورك بعض شيء
…
بأرضك فاستقم فيها ولازم
فما في غربة الإنسان خير
…
وما بالغربة الدنيا تلايم وقال:
إلى متى تسرح مرخى العنان
…
قل يا أخي حتى متى ذا الحران
ارجع إلى الله وخل الهوى
…
فما الهوى يا صاح إلا هوان
قد انذر الشيب فهل سامع
…
أنت فمصغ للذي قد أبان وقال:
من يكفر النعمة لا بد أن
…
يسلبها من حيث لا يشعر
ومن يكن يشكرها معلناً
…
دامت له نامية تكثر
وقال:
اعذر أخا الفقر في أن
…
يضيق ذرعاً بنفسه
الفقر موت، ولكن
…
من للفقير برمسه
إن الفقير لميت
…
ما بين أبناء جنسه وقال:
كما تدين أنت يا صاحبي
…
تدان فاعمل عمل الفاضل
أنت كما أنت فخل الذي
…
تزين النفس من الباطل
وأين أنت ثم أنت أدر ذا
…
حسبك فاحذر زلل العاقل وقال:
مالك ما أنفقته قربة
…
لله، والباقي حساب عليك
فقدم المال ترد آمناً
…
من بعده وهو ثواب لديك وقال:
دع مدح نفسك إن أردت زكاءها
…
فبمدح نفسك من مقامك تسقط
ما أنت تخفضها يزيد علاؤها
…
والعكس، فانظر أيما لك أحوط وقال:
ذو النقص يصحب مثله
…
فالشكل يألف شكله
فاصحب أخا الفضل كيما
…
تقفو بفعلك فعله
أما ترى المسك دأباً
…
يكسب طيباً محله وقال:
من عيني المرء يبدو ما يكتمه
…
حتى يكون الذي يرعاه يفهمه
ما يضمر المرء يبدو من شمائله
…
لناظر فيه يهديه توسمه وقال:
إنما الدنيا خيال
…
وأمانيها خبال
حبها سكر، ولكن
…
وصلها ما أن ينال
فتنزه عن هواها
…
فهوى الدنيا ضلال وقال:
قلما يؤذيك من لا يعرفك
…
فتحفظ من صديق يألفك
لا تثق بالود ممن تصطفي
…
كم صديق تصطفيه يتلفك وقال:
لا تضجرن بالأمور وارض بما
…
يقضي به الله فهو مكتتب
ما قدر الله لا مرد له
…
فما يفيد العناء والتعب وقال:
تنزه عن دنيات الأمور
…
وخذ بالحزم في الأمر الخطير
فأشراف الأمر لها جمال
…
وخطر في البهاء وفي الظهور
وفي سفسافها لا شك وهن
…
وتمهين يشين مدى الدهور وقال:
من يبتلى من أهله بمنغص
…
يصبر، فما أحد بغير منغص
من أزمنت بالوجه منه قرحة
…
يعزم على ضرر يشين مخصص وقال:
من كان في عزته داره
…
وكرر المشي إلى داره
قبل يدا ًتعجز عن قطعها
…
ولن لمن تخشى من أضراره وقال:
لا تبتغ النعمة من جائع
…
لم يرها قبل لآبائه
لا يرشح الإناء ما لم يكن
…
ملآن قد أفعم من مائه وقال:
مروءة المرء رأس ماله
…
وصونه أشرف اعتماله
من لم يصن نفسه تردى
…
وزال عن رتبة اكتماله وقال:
ترك المطامع عزه
…
واليأس أهنا وأنزه
هيهات يعتز مثر
…
أضحى للأطماع نهزه
نزاهة النفس عز
…
ما ذل من يتنزه وقال:
تعظيمك الناس تعظيم لنفسك في
…
قلوب الأعداء طراً والأوداء
من يعظم الناس يعظم في النفوس بلا
…
مؤونة وينل عز الأعزاء وقال:
اقنع من الناس بمقدار ما
…
يعطون لا تبتغ منهم مزيد
حسبك من كل امرئ قدر ما
…
يعطيك فالأطماع ما إن تفيد وقال:
لن إذا كانت الأمور صعابا
…
وتواضع لها تجدها قرابا
دار من شئت تنتفع منه واترك
…
صولة الكبر فهي تجني عذابا
لا تكن تأخذ الأمور بعنف
…
من يعاني الأمور بالعنف خابا وقال:
سامح الناس إن أساؤوا إليكا
…
وتغافل إذا تجنوا عليكا
ما ترى كيف أنت تعصي ومولا
…
ك يزيد الإنعام دأباً لديكا وقال:
اغتنم ساعة الأنس
…
وانس ما كان بالأمس
ليس للمرء من الدن
…
يا سوى راحة نفس
من يكن حلف هموم
…
باع دنياه ببخس وقال:
حبك الشيء يغطي قبحه
…
فتراه حسناً في كل حال
لا يرى المحبوب إلا حسناً
…
كان قبح فيه مع ذا أو جمال
حتم (1) الحب على ذي الحب أن
…
لا يرى المحبوب إلا في كمال وقال:
يحسب الناقص أن الناس قد
…
غفلوا عن حاله في ضعته
لا يرى الناقص إلا أنه
…
كامل من نعته في صفته
غلط المرء يغطي عقله
…
أن يرى النقص الذي في جهته (2) وقال:
(1) ق: ختم.
(2)
ق: وجهته.
أيام عمرك هذي
…
ساعاتها رأس مالك
فاحرص على الخير فيها
…
قبل أوان ارتحالك
فإنما أنت طيف
…
تجتاب سبل المهالك وقال:
تجد الناس على النقص ولا
…
تجد الكامل إلا من ومن
زمن الباطل وافى أهله
…
وكذاك الناس أشباه الزمن وقال:
قل جميلاً إذا أردت الكلاما
…
تجن عزاً مهنأ مستداما
إن قول القبيح يورث بغضاً
…
وصغاراً عند الورى وملاما وقال:
حسن الظن تعش في غبطة
…
إن حسن الظن من أوقى الجنن (1)
من يظن السوء يجزى مثله
…
قلما يجزى قبيح بحسن وقال:
إن تبغ إخوان الصفاء فهم
…
تحت التراب انتقلوا للقبور
إخوانك اليوم كأزمانهم
…
مشتبهون في جميع الأمور وقال:
ومستقبح من أخ خلة
…
وفيه معايب تسترذل
كأعمى يخاف على أعور
…
عثاراً وعن نفسه يغفل
(1) في المطبوعة: أقوى الفطن.
وقال:
من يبتغ الود من الناس
…
يكن لما قالوه بالناسي
أغض عن الناس تنل ودهم
…
إنك لا تغنى عن الناس وقال:
أعيت مع الناس الحيل
…
وبار فيهم العمل
في أي وجه أملوا
…
يخيب منهم الأمل
فآثر العزلة عن
…
هم تنج من كل خلل وقال:
لا ترج غير الله في شيء تنل
…
ما تبتغيه وتكف كل تخوف
الله أعظم من رجوت فثق به
…
فهو الذي أعطى وأنجى من كفي وقال:
توسل إلى الله في كل ما
…
تحب بمحبوبه المصطفى
تنل ما تحب كما تبتغي
…
وحسبك جاهاً به وكفى انتهى ما لخصت واخترت من الكتاب المذكور.
وهذه نبذة من كتابه (1)" الأبيات المهذبة في المعاني المقربة " فمن ذلك قوله:
اكتم السر واجعل الصدر قبره
…
لا تبح ما حييت منه بذره
أنت ما لم تبح بسرك حر
…
فإذا بحت صرت عبداً بمره
من يرد أن يعيش عيشاً هنيئاً
…
يتحفظ مما عسى أن يضره
(1) ق: كتاب.
وقال:
عداوة العاقل مع عسرها
…
آمن من صداقة الأحمق
يمكن الأحمق من نفسه
…
عمداً ومن أحبابه يتقي
لا يحفظ الأحمق خلاً ولا
…
يرضاه للصحبة إلا شقي وقال:
إذا أمعنت في الدنيا اعبتاراً
…
رأيت سرورها رهن انتحاب
بعاد عن تدان، وافتقار
…
عن استغنا، وشيب عن شباب
حياة كلها أضغاث حلم
…
وعيش ظله مثل السراب وقال:
من تره يسرف ماله
…
يتلفه في لذة وانهماك
فذلك المغبون في رأيه
…
يسلك بالنفس سبيل الهلاك وقال:
من لا يرى في الناس قاصرة
…
عن الكمالات لم يكمل له أدب
ومن يكن راضياً عن نفسه أبداً
…
فذاك غر عن الآداب محتجب
آداب الإنسان تحقيقاً تواضعه
…
وجريه دائماً على الذي يجب وقال:
يحق الحق حتماً دون شك
…
وإن كره المشكك والملد
صريح الحق قد يخفى ولكن
…
بعيد خفائه لا شك يبدو وقال:
كل ما قد فات لا رد له
…
فلتكن عن ذاك مصروف الطمع
أيعود الحسن من بعد الصبا
…
قلما أدبر شيء فرجع وقال:
اغتنم غفلة الزمان وبادر
…
لذة العيش ما بقيت سليما
أمر هذي الحية أيسر من أن
…
تغتدي فيه لائماً أو ملوما وقال:
لا تغرنك صولة الجاه يوماً
…
أو تظنن أنها تتمادى
صولة الجاه لفح نار ولكن
…
كل نار لا بد تلفى رمادا وقال:
تنح عن الناس مهما استطعت
…
ولا تك في الناس راغب
من اعتمد الناس يشقى ولا
…
يرى غير منتقد عائب وقال:
لا تقل يوماً أنا
…
فتقاسي محنا
من يعظم نفسه
…
يلق هونا وعنا
شر ما يأتي الفتى
…
مدحه لو فطنا وقال:
الناس إخوان ذي الدنيا وإن قبحت
…
أفعاله، وغدا لا يعرف الدنيا
يعظمون أخا الدنيا وإن عثرت
…
يوماً به أولغوا فيه السكاكينا وقال:
العدل روح بها تحيا البلاد كما
…
هلاكها أبداً بالجور ينحتم
الجور شين به التعمير منقطع
…
والعدل زين به التمهيد ينتظم
يا قاتل الله أهل الجور كم خربت
…
بهم بلاد وكم بادت بهم أمم وقال:
اليأس أسلى وأغنى
…
من نيل ما يتمنى
يسلو أخو اليأس حتى
…
يهنا ولا يعنى
لليأس برد فمن لم
…
يذقه لم يتهنا وقال:
إذا عظمت نفس امرئ صار قدره
…
حقيراً، وحيث احتل فالذل صاحبه
يسود ويعلو ذو التواضع دائماً
…
ويحظى كما يرضى وتقضى مآربه وقال:
ود من يصطفيك للنفع زور
…
والجميل الذي يريك غرور
إنما الود ود من ليس يخشى
…
فيك ممن يلوم أو من يضير وقال:
اشكر لمن والاك معروفا
…
تكن بفضل النفس معروفا
شكر أخي المنة عدل فكن
…
بالعدل مهما اسطعت موصوفا
من يكفر الإحسان لا بد أن
…
يلفى عن الإحسان مصروفا وقال:
حسب الإنسان ماله
…
وهو في الدنيا كماله
يضجر الفقر أخا الح
…
لم وإن طال احتماله
عزة المرء غناه
…
وبه تحسن حاله
وقال:
لا تصاحب أبداً من
…
عقله غير متين
إن نقص العقل داء
…
يتقى مثل الجنون
صحبة الأحمق عار
…
لاحق في كل حين وقال (1) :
وافق الناس إن أردت السلامه
…
إن روح الوفاق روح كرامه
من يوافق يعش هنيئاً قريراً
…
آمناً من أذية وملامه
فتوق الخلاف واحذر أذاه
…
فركوب الخلاف عمداً ندامه وقال:
ظلمات الخطوب مهما ادلهمت
…
يجلها كالصباح فجر انفراج
أرح النفس لا تبت حلف هم
…
كم هموم فيها السرور يفاجي وقال:
من لم يكن يقصد أن يحمدا
…
يعش هنيئاً وينل أسعدا
من يبتغي المدحة لا بد أن
…
يلحقه الذل وأن يجهدا
عيش الفتى في ترك تقييده
…
وموته البحت إذا قيدا وقال:
قل لأهل الحاجات مهما ابتغوها
…
حسبكم ما أتى من التنبيه
إن تريدوا الحاجات من غير بطء
…
فاطلبوها عند الحسان الوجوه
(1) سقطت هذه القطعة من ق.
وقال:
خذ الأمور برفق واتئد أبداً
…
إياك من عجل يدعو إلى وصب
الرفق أحسن ما تؤتى الأمور به
…
يصيب ذو الرفق أو ينجو من العطب
من يصحب الرفق يستكمل مطالبه
…
كما يشاء بلا أين ولاتعب وقال:
من يبتغي السؤدد لا بد أن
…
يرهقه الجهد فلا يضجر
يصعب إدراك المعالي فمن
…
يرم لحاق بعضها يصبر
لا يحصل السؤدد هيناً ولا
…
يظفر بالبغية إلا جري وقال:
عاش في الناس من درى قدر نفسه
…
ثم دارى جميع أبناء جنسه
علم الإنسان قدره نبل عقل
…
وذكاء يبين عن فضل حدسه وقال:
عظم الناس تنل تعظيمهم
…
واجتنب تحقيرهم فهو الردى
من ير الناس بتحقير يكن
…
عندهم مؤذى حقيراً أبدا
لا يغرنك إهمال امرئ
…
ربما يؤذي الذباب الأسدا وقال:
حب الرياسة يا له من داء
…
كم فيه من محن وطول عناء
طلب الرياسة فت أعضاد الورى
…
وأذاق طعم الذل للكبراء
إن الرياسة دون مرتبة التقى
…
فإذا اتقيت علوت كل علاء
وقال:
لا تركنن إلى بشر
…
إن شئت تأمن كل شر
ذهب الذين إذا ركن
…
ت لهم أمنت من الضرر
لم يبق إلا شامت
…
أو من يضر إذا قدر وقال:
خل رأي الجهال ما اسطعت واتبع
…
رأي أهل الحلوم والتجريب
لا تحد عن مشورة في مهم
…
فهي مما تنمي حياة القلوب
رأي أهل الصلاح نور يجلي
…
ظلمة الكرب في ليالي الخطوب وقال:
لا يرتضي بالدون إلا امرؤ
…
مقصر ذو همة خامله
الموت خير من حياة الفتى
…
مهتضماً ذا رتبة سافله
روح حياة المرء من عزه
…
من ذل مات الميتة العاجله وقال:
استغن عمن تشاء
…
فالله يغنيك عنه
من أمل الناس يشقى
…
وليس يقنع منه
فإن ظفرت بحر
…
فاحفظ عليه وصنه وقال:
خذ من صديقك قدر ما يعطيكا
…
لا تبغ أزيد واحذر أن يجفوكا
من يبغ مقدار الذي يحتاجه
…
من أخيه يبق مخيباً متروكا
شأن الألى رزقوا الحجى أن يقنعوا
…
فابغ القناعة إنها تغنيكا
وقال:
هن إذا عز أخوكا
…
واخش أن يقرض فيكا
إن من عاند أقوى
…
منه قد ضل سلوكا
نقص عقل أن تعادي
…
بشراً لا يتقيكا وقال:
تنزه ما حييت عن القبيح
…
وخالف من يرى رد النصيح
وخذ بالحزم مهما اسطعت واحذر
…
من أن يلقيك حزمك في فضوح
فلا تعدل عن الحق التفاتاً
…
لغير الحق من بعد الوضوح وقال:
لا تخف في الحق لوما
…
صدقه ينجيك حتما
ينجلي الحق ويبدو
…
نوره لا يتعمى
شأن ذي الحق اهتداء
…
وأخو الباطل أعمى وقال:
عامل بجد جميع الناس تحظ به
…
وجنب الهزل إن الهزل يرديكا
الجد أحسن ما تبديه من خلق
…
والجد أشرف ما في الناس يعليكا
من لازم الجد هابته النفوس ومن
…
يهزل يكن أبداً في الناس مهتوكا وقال:
كفاك الله شر من اصطفيتا
…
وضر من اعتمدت ومن عرفتا
جميع الناس موتى عنك إلا
…
معارفك الذين لهم ركنتا
تحفظ من قريب أو صديق
…
وكن في الغير دهرك كيف شئتا
وقال:
من كان يرغب عن أحبابه ويرى
…
تقريب أعدائه لا شك يهتضم
يدنى العدو فلا تدنو مودته
…
هيهات كل معاد قربه ندم
فاحفظ صديقك واحذر أن تعاديه
…
إن الصديق إذا عاديته يصم وقال:
جامل عدوك كي يلين حقده
…
فكيف بعض البعض من إيذائكما
واحفظ صديقك ما استطعت فإنه
…
أدرى بطرق الضر من أعدائكا وقال:
إذا ظفرت بمن أنحى عليك فخذ
…
بالحلم فيه ودع ما منه قد فرطا
إن المسيء إذا جازيته أبداً
…
بفعله زدته في غيه شططا
العفو أحسن ما يجزى المسيء به
…
يهينه أو يريه أنه سقطا وقال:
قاتل عدوك بالفضائل إنها
…
أعدى عليه من السهام النفذ
كسب الفضائل عدة تعليك في
…
رتب بها سبل السعادة تحتذي
فاحرص على نيل الفضائل جاهداً
…
إن الفضيلة صعبة في المأخذ وقال:
وعد الكريم وفاء
…
تجنيه كيف تشاء
ما حال قط كريم
…
ولا ثناه التواء
فأنجز الوعد مهما
…
وعدت فهو الزكاء
وقال:
ليس الغنى عن كثرة الغرض
…
إن الغنى في النفس إن ترض
رأس الغنى ترك المطامع عن
…
زهد بلا ميل ولا غرض
فازهد تعش أغنى البرية في
…
عز بلا هم ولا مضض وقال:
زمن الفضائل قد مضى لسبيله
…
ولوى بطيب العيش وشك رحيله
ركدت رياح الجد بعد هبوبها
…
وعلا فريق الهزل بعد خموله
هيهات ما زمن الكرام وما هم
…
ذهبوا وجد الدهر في تحويله وقال:
مروءة المرء ثوبه
…
والعري في الناس عيبه
بثوبه المرء يعلو
…
قدراً ويحفظ قربه
من لم يصن ثوبه لم
…
يصن وإن لاح شيبه وقال:
لا تصخ ما بقيت حياً لقول
…
ليس يجني عليك إلا المضره
واطرح ما أتاك منه وجنب
…
من يرى بالفضول واتق ضره وقال:
ثقيل تراه النفس في العين كالقذى
…
وكالجبل الراسي على الصدر والقلب
تثير غموم المرء رؤية وجهه
…
وتشكو جفاه الأرض شكوى ذوي الكرب وقال:
أما ترى الأشجار مصفرة
…
أوراقها كالشمس عند المغيب
ما هي إلا صفرة آذنت
…
بأنها ترحل عما قريب وقال:
كل ما تحب وتشتهي
…
ودع الطبيب وما يرى
حفظ الغذاء مشقة
…
ليست ترد مقدرا
كم عد من متحفظ
…
كم صح ممن قصرا
كل التحفظ زائد
…
لا بد مما قدرا وقال:
من كان يأكل ما اشتهى
…
ويرى مخالفة الطبيب
سيرى مضرة ما أتى
…
بطراً ويندم عن قريب
إن التحفظ في الأمو
…
ر لشيمة الفطن اللبيب
من لم يكن متحفظاً
…
يخطي ويبعد أن يصيب وقال:
وللحمام حاءات إذا ما
…
ظفرت بها عثرت على النعيم
فحناء وحكاك مجيد
…
وقل حجر يمر على الأديم
وحوض مفعم ماء لذيذاً
…
وحجام على النهج القويم
وللحلق الحديدة حين تنمى
…
وأطيبها حديث أخ كريم وقال في الغزل، وهي آخر كتابه المذكور:
الله أكبر جلت فتنة البشر
…
بنور غرتك المغني عن البصر
شمس تطلع في أفق الجمال لها
…
نور تألق في داج من الشعر
ووردة الخد في أبراد سوسنها
…
شقائق زانها التغليف بالدرر
ومسكة الخال فوق الخد شاهدة
…
بأن إبداعها إحكام مقتدر وهذه نبذة من كتابه " أنداء الديم في المواعظ والوصايا والحكم " وكل ما فيه كالذي قبله من نظمه رحمه الله تعالى، فمن ذلك قوله رحمه الله:
العلم نور وهدى
…
فكن بجد طالبه
واحرص عليه واعتمد
…
فيه الأمور الواجبه
من لازم العلم علا
…
على الأنام قاطبه وقال:
خالف النفس عند قصد هواها
…
تبق ما عشت سالماً من أذاها
فاتباع الهوى هوان ولكن
…
هان للنفس وكي تنال مناها وقال:
من يخالف في شيء الناس يرجع
…
هدفاً للسهام من كل راشق
كن مع الناس كيف كانوا، ووافق
…
إن من لا يوافق الناس مائق وقال:
أرح النفس تنتفع بحياتك
…
واغنم العيش قبل يوم وفاتك
واطرح عيب من سواك، وسالم
…
جملة الناس يغفلوا عن أذاتك
واعتبر بالذين بادوا، وبادر
…
ما يدانيك من سبيل نجاتك وقال:
سالم الناس ما استطعت، وجامل
…
من يعاديك إن أردت السلامه
وتنزه عن القبيح وجنب
…
من يرى بالفضول واحذر كلامه
وقال:
صديقي أنت ما أبقى بخير
…
وموتي وغير محتاج إليكا
فإن أحتج إليك فأنت مني
…
بريء لا صداقة لي عليكا وقال:
من أنت عنه غني
…
كن فيه مثل اعتقاده
فإن يكن منه ود
…
فجازه بوداده
وإن يكن منه بعد
…
فخله لبعاده وقال:
عليك بنفسك لا تشتغل
…
بشيء سواها وخل الفضول
تعش رائح القلب في غبطة
…
فلا من يضر ولا من يقول وقال:
اترك الفكر في الأمور ودعها
…
فكما قدرت تكون الأمور
كل فكر وكل رأي وحزم
…
غير مجد إذا جرى المقدور وقال:
هون عليك خطوب الدهر إن لها
…
نهاية والتناهي عنده الفرج
واصبر فإن لحسن الصبر عاقبة
…
بصبحها ظلمة المكروب تنبلج وقال:
احذر البخل إنه شر خلق
…
يتحلى به وشر طريقه
من يجد غير مسرف فهو في النا
…
س موقى تثني عليه الخليقه
وقال:
الذل في طلب الإفادة عزة
…
فاحرص على نيل الإفادة ترشد
إن التعزز في الذي تحتاجه
…
كبر، وكبر المرء أقبح مقصد وقال:
دع من عرفت ولا تشدد عليه يداً
…
وداره وتحفظ منه ما بقيا
أما ترى البلد الذي نشأت به
…
محقراً كلما أصبحت معتليا
وغيره من بلاد الله قاطبة
…
يعليك، لا سيما إن كنت متقيا وقال:
ينبغي للذي تحلى بعقل
…
أن يرى كالبازي مدة عمره
بين أيدي الملوك أو في فلاة
…
خيفة من شرور أبناء دهره وقال:
العزل يضحك ذله
…
من تيه سلطان الولايه
فإذا وليت فسر على
…
نهج الدماثة والرعايه
واقصد مداراة الورى
…
واحذر كيود ذوي السعايه وقال:
لا تقبل الحكم على بلدة
…
نشأت فيها، إنه يحقد
رياسة المرء على الأهل وال
…
جيران والخلان لا تحمد وقال:
هي الدنيا إذا فكرت فيها
…
رأيت نعيمها سماً نقيعا
فلا تحفل بها واحذر أذاها
…
فإن لسمها قتلاً ذريعا
ولا تأسف على ما فات منها
…
وبادر في حياتك أن تطيعا وقال:
كن وحيداً ما عشت تحيا بخير
…
سالماً من شرور كل البريه
إن من لا يخالط الناس يبقى
…
دهره لا تعروه منهم أذيه وقال:
لا تبح ما حييت يوماً بسر
…
لصديق ولا لغير صديق
إن سراً يجاوز الصدر فاش
…
يدريه العدا ومن في الطريق وقال:
لا تصاحب ما عشت إلا الكبارا
…
تنم ذكراً وتعتلي مقدارا
إن من ماشى في طريق حقيراً
…
يكتسي منه مهنة واحتقارا
فتحفظ من أن تؤاخي دنياً
…
فهو يعديك ذلة وصغارا وقال:
محدثات الأمور أردى الشرور
…
فتحفظ من محدثات الأمور
إنما المحدثات غي فدعها
…
واجتهد أن ترى مع الجمهور
كل من يتبع الحوادث يشقى
…
ويرى نفسه بغير نظير وقال:
من تفضلت عليه
…
أنت لا شك أميره
ومن احتجت إليه
…
أنت بالرغم أسيره
ومن استغنيت عنه
…
أنت في الدنيا نظيره
وقال:
لم يبق من يطمع في وده
…
كلا ولا من ترتضى صحبته
الناس أشباه ذئاب فهل
…
يعلم ذئب حسنت عشرته
من يبتغي اليوم صديقاً كما
…
يرضى فقد زلت به بغيته وقال:
فاعل الخير موقى كل ما
…
يتقي من ضر أو من فتنة
ليس يخشى فاعل الخير أذى
…
إن فعل الخير أوقى جنة وقال:
تحفظ من صديقك في أمور
…
فربتما يضر بك الصديق
من اعتمد الصديق ولم يبال
…
يصبه الضر وهو به خليق وقال:
لا تركنن لمخلوق وكن أبداً
…
ممن توكل في الدنيا على الله
ولا تمل لسواه ما حييت فمن
…
يرجو سوى الله هاو حبله واهي وقال:
طلب الغاية اتباع غوايه
…
فاعتمد في الأمور ترك النهايه
من يكن راضياً بما يتسنى
…
عاش عيش الملوك دون أذايه وقال:
لا تعتمد أبداً على مخلوق أن
…
تبغ النجاح (1) وتقصد الرشدا
(1) ق: النجاة.
من يرج غير الله يحرم رشده
…
ويذل وهو مخيب قصدا وقال:
سفر المرء قطعة من عذابه
…
فيه تخليق جسمه وثيابه
إنما العيش للفتى بين أهل
…
هـ وخلانه وفي أحبابه
من يرده بخير الله يكفى (1)
…
كرب تجواله وذل اغترابه وقال:
سلم ولا تعترض يوماً على أحد
…
إن شئت تسلم من حقد وأضرار
من يعترض يعترض لا شك وهو حر
…
بذاك فالشر مقدار بمقدار وقال:
إن الصديق لعون
…
في كل ما تبتغيه
فلا تسئ لصديق
…
واحذر وقوعك فيه
فالمرء قيل كثير
…
بنفسه وأخيه وقال:
افعل الخير ما استطعت تنل ما
…
تبتغيه من الثناء الجميل
فاعل الخير آمن ليس يخشى
…
صرف دهر ولا حلول جليل وقال (2) :
بحق الحق حتماً دون شك
…
وإن كره المشكك والملد
(1) هذه رواية ص؛ وفي ق: يكفيه.
(2)
سقط البيتان من ق، لأنهما وردا ص:578.
صريح الحق قد يخفى، ولكن
…
بعيد خفائه لا شك يبدو وقال:
إن شئت عزاً دائماً
…
فاسلك سبيل من اقتنع
إن القناعة عزة
…
والذل عاقبة الطمع
المرء إن قنع اعتلى
…
قدراً وإن طمع اتضع وقال:
استعن في الأمور بالكتمان
…
وتحفظ من شر كل لسان
كل ما لا يدرى من أمرك فضل
…
ليس فيه شيء من الخسران وقال:
من مال عنك بشبر
…
مل أنت عنه بميل
فالله يغنيك عنه
…
فمنه كل جميل
فليس في الود خير
…
مع ترك حسن القبول وقال:
لا تقطعن صديقاً
…
وإن يضق بك صدرا
واحرص عليه وزده
…
إن يجف براً وشكرا
فإن قطع صديق
…
لا شك يعقب ضرا وقال:
خل التأنق في اللباس وسر على
…
نهج الأفاضل في اختصار الملبس
إن التأنق في اللباس يكثر ال
…
حساد والأعداء للمتلبس
فالبس كمثل الناس لا تخرج عن ال
…
معتاد في شيء فتخطي أو تسي
وقال:
لا تحقرن عدواً
…
ولو يكون كذره
واحذره ما اسطعت واجهد
…
أن لا تحرك شره
إن البعوضة تؤذي ال
…
ملوك فوق الأسره وقال:
ما أهنأ الإنسان في عيشه
…
ما بين أهليه وفي منزله
الذل في الغربة يا كربها
…
وكرب من قوض عن معقله
وفي اقتلوا أو اخرجوا شاهد
…
ساوى خروج المرء مع مقتله وقال:
المال يستر عيب النرء فاقتنه
…
واحفظه تبق موقى مدة الزمن
من ضيع المال أبدى عيبه وجنى
…
تمهينه أبداً من كل ممتهن وقال:
سريرة المرء تبديها شمائله
…
حتى يرى الناس ما يخفيه إعلانا
فاجعل سريرتك التقوى ترى أملاً
…
في كل ما أنت تبغيه وبرهانا وقال:
ما تمت الدنيا لشخص ولا
…
أمل ذا فيها سوى من فتن
عادتها الفتك بمن رامها
…
وكل من أعرض عنها أمن
فلا تغرنك بلذاتها
…
فإن من غر بها قد غبن وقال:
لا يكن عندك الخديم نديماً
…
إن قدر الخديم دون النديم
من ينادم خديمه يتأذى
…
ويصير الخديم غير خديم
إنما يصلح الخديم ابتعاد
…
واشتغال بشأنه المعلوم وقال:
تثبت في الأمور ولا تبادر
…
لشيء دون ما نظر وفكر
قبيح أن تبادر ثم تخطي
…
وترجع للتثبت دون عذر وقال:
كن في زمانك كيف يرضى أهله
…
لاتعد طورهم ولا تتبدل
فإذا ترى الحمقى تحامق معهم
…
وإذا ترى العقلاء فلتتعقل
من لم يكن أبداً كأهل زمانه
…
يشقى، ولا يحظى بنيل مؤمل وقال:
الفاضل اليوم غريب بلا
…
عون على شيء من الحق
إن غاب لم يحضر وإن قال لم
…
يسمع يؤبه بما يلقي
ما أضيع الفاضل يا ويحه
…
كأنه ليس من الخلق وقال وهو آخر أنداء الديم:
العز عاقبة التقى
…
والذل عاقبة الرياسه
فإذا اتقيت علوت في
…
أهل المجادة والنفاسه
وإذا رأست نزلت في
…
طرق التخلق والسياسه
فلتختر التقوى ولا
…
ترأس فتخطيك الكياسه وكان تاريخ فراغه من كتاب أنداء الديم نصف شعبان عام واحد وثلاثين وسبعمائة.
ولنذكر يعض أناشيده التي كان ينشدها أهل مجلسه ببلد قصبة المرية أعادها
الله تعالى، فمما أنشده رحمه الله تعالى لأبي العباس أحمد بن العريف صاحب " محاسن المجالس " (1) :
من لم يشاور عالماً بأصوله
…
فيقينه في المشكلات ظنون
من أنكر الأشياء دون تيقن
…
وتثبت فمعاند مفتون
الكل تذكار لمن هو عالم
…
وصوابها بمحالها معجون
والفكر غواص عليها مخرج
…
والحق فيها لؤلؤ مكنون وأنشد رحمه الله تعالى من وجادة:
أعوذ بالله من أناس
…
تشيخوا قبل أن يشيخوا
احدودبوا وانحنوا رياء
…
فاحذرهم إنهم فخوخ وأنشد لنفسه رحمه الله تعالى:
أقلل العشرة تغبط
…
إن من أكثر ينحط
وعليك الصدق واحذر
…
أن ترى في القول تشتط
والزم الصمت إذا ما
…
خفت أن تلحى فتغلط
فعلى الفاضل يلفى
…
كل مفضول مسلط وأنشد لنفسه أيضاً:
جنة العالم لا أد
…
ري إذا ما احتاج حنه
فإذا ما ترك الجن
…
ة بانت فيه جنه
فالزم الجنة تسلم
…
إنما الجنة جنه وأنشد للحلاج رحمه الله تعالى (2) :
(1) لم ترد في محاسن المجالس (ط. باريس 1933) .
(2)
ديوان الحلاج: 62.
يا بدر يا شمس يا نهار
…
أنت لنا جنة ونار
تجنب الإثم فيك إثم
…
وخشية العار فيك عار
يخلع فيك العذار قوم
…
فكيف من لا له عذار وأنشد مما ينسب للحلاج أيضاً:
سقمي في الحب عافيتي
…
ووجودي في الهوى عدمي
وعذاب ترتضون به
…
في فمي أحلى من النعم
ما لضر في محبتكم
…
عندنا والله من ألم وأنشد لسيدي أبي العباس ابن العريف في محاسن المجالس وهي أحسن ما قيل في طول الليل (1) :
لست أدري أطال ليلي أم لا
…
كيف يدري بذاك من يتقلى
لو تفرغت لاستطالة ليلي
…
ولرعي النجوم كنت مخلا
إن العاشقين عن قصر اللي
…
ل وعن طوله من الفكر شغلا وأنشد رحمه الله تعالى مما أنشده بعض الوعاظ الغرباء:
عانقت لام صدغها صاد لثمي
…
فأرتها المرآة في الخد لصا
فاسترابت لما رأت ثم قالت
…
أكتاباً أرى ولم أر شخصا
قلت بالكشط ينمحي، قالت اكشط
…
بالثنايا وتابع الكشط مصا
ثم لما ذهبت أكشط قالت
…
كان لصاً فصار والله فصا
قلت إن الفصوص تطبع باللث
…
م على خد كل من كان رخصا وأنشد لابن خفاجة:
(1) انظر محاسن المجالس: 89 وليست الأبيات لابن العريف.
وأغر كاد لطافة وطلاقة
…
ينساب ماء بيننا مسكوبا
قد قام في سطر الندامى فاستوى
…
فحسبته ألفاً به مكتوبا
وأكب يشربها وتشرب ذهنه
…
فرأيت منه شارباً مشروبا
مشمولة بينا ترى في كفه
…
ماء ترى في خده ألهوبا وأنشد لابن عبد ربه صاحب العقد مما نسبه له الفتح في " مطمح الأنفس ومسرح التأنس "(1) :
يا لؤلؤاً يسبي العقول أنيقا
…
ورشاً بتقطيع القلوب رفيقا
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله
…
دراً يعود من الحياء عقيقا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه
…
ألفيت وجهك في سناه عريقا
يا من تقطع خصره من رقة
…
ما بال قلبك لا يكون رقيقا وأنشد لابن عبد ربه أيضاً:
ودعتني بزفرة واعتناق
…
ثم قالت: متى يكون التلاقي
وتصدت فأشرق الصبح منها
…
بين تلك الجيوب والأطواق
يا سقيم الجفون من غير سقم
…
بين عينيك مصرع العشاق
إن يوم الفراق أفظع يوم
…
ليتني مت قبل يوم الفراق وأنشد له أيضاً:
هيج البين دواعي سقمي
…
وكسا جسمي ثوب الألم
أيها البين أقلني مرة
…
فإذا عدت فقد حل دمي
يا خلي الذرع نم في غبطة
…
إن من فارقته لم ينم
ولقد هاج لقلبي سقماً
…
حب من لو شاء داوى سقمي
(1) أكثر هذه القطع أورده المقري في الأجزاء السابقة، انظر 3:564.
وأنشد للمصحفي (1) :
صفراء تطرق في الزجاج، فإن سرت
…
في الجسم دبت مثل صل لادغ
عبث الزمان بجسمها فتسترت
…
عن عينه برداء نور سابغ
خفيت على شرابها فكأنما
…
يجدون رياً في إناء فارغ وأنشد لابن شهيد (2) :
هب من رقدته منكسراً
…
مسبل للكم مرخ للردا
يمسح النعسة عن عيني رشاً
…
صائد في كل يوم أسدا
شربت أعطافه خمر الصبا
…
وسقاه الحسن حتى عربدا
رشأ بل غادة ممكورة
…
عممت صبحاً بليل أسودا
أححت (3) من عضتي في نهدها
…
ثم عضت حر وجهي (4) عمدا
فأنا المجروح من عضتها
…
لا شفاني الله منها أبدا وأنشد لصفوان بن إدريس:
حمى الهوى قلبه وأوقد
…
فهو على أن يموت أو قد
وقال عنه العذول سال
…
قلده الله ما تقلد
وباللوى شادن عليه
…
جيد غزال ولحظ فرقد
علله ريقه بخمر
…
حتى انتشى طرفه فعربد
لا تعجبوا لانهزام طرفي
…
فجيش أجفانه مؤيد
أنا له كالذي تمنى
…
عبد، نعم، عبده وأزيد
إن بسملت عينه لقتلي
…
صلى فؤادي على محمد
(1) انظر ج 1: 594، 604.
(2)
انظر ج 3: 358، 443.
(3)
في ق ص: أحجمت؛ وآثرنا رواية الذخيرة، وقد صوبناه في موضعه من قبل.
(4)
ق ص: خدي.
وأنشد لأبي علي إدريس بن اليماني:
علقته شادناً صغيراً
…
وكنت لا أعشق الصغارا
يسفر عن مستنير وجه
…
صير جنح الدجى نهارا
لم أر من قبل ذاك ماء
…
أضرم فيه الحياء نارا وأنشد للرمادي، أو لابن برد القرطبي (1) :
لما بدا في لازور
…
دي الحرير وقد بهر
كبرت من فرط الجما
…
ل وقلت: ما هذا بشر
فأجابني: لا تنكروا
…
ثوب السماء على القمر وأنشده من وجادة:
يا ذا الذي عذب محبوبه
…
أنخت عيس العز مغنى الهوان
لم ينبت الشعر على خده
…
بل دب في أصداغه عقربان
رفقاً على نفسك لا تفنها
…
فجوهر الأنفس در يصان وأنشد من حديقة ابن يربوع:
غزا القلوب غزال
…
حجت إليه العيون
خطت بخديه نون
…
وآخر الحسن نون وأنشد من وجادة:
أودع فؤادي حرفاً أو دع
…
ذاتك تؤذى، أنت في أضلعي
وارم سهام اللحظ أو كفها
…
أنت بما ترمي مصاب معي
موقعها قلبي، وأنت الذي
…
مسكنه في ذلك الموضع
(1) انظر ما تقدم ج 3 ص: 546.
وأنشد من حديقة ابن يربوع:
يخط الشوق شخصك في ضميري
…
على بعد التزاور خط زور
وتدنيك الأماني من فؤادي
…
دنو البرق من لمح البصير
فلا تذهب فإنك نور عيني
…
إذا ما غبت لم تطرف بنور وأنشد للوزير المصحفي:
لعينيك في قلبي على عيون
…
وبين ضلوعي للشجون فنون
لئن كنت صباً مخلقاً في يد الهوى
…
فحبك غض في الفؤاد مصون
نصيبي من الدنيا هواك، وإنه
…
عذابي، ولكني عليه ضنين وأنشد لصالح بن شريف:
أيها العاذل بالله اتئد
…
لك قلب في ضلوعي أو كبد
هي أجفاني فذرها تنهمي
…
هي أحشائي فدعها تتقد
لا تظن الحب شيئاً هيناً
…
ليس في الحب قياس يطرد
أنت خلو وأنا صب شج
…
فإذا حدثت عني قل وزد
فاترك اليوم ملامي إنه
…
يترك الشيء إذا ما لم يفد
أنا أسلو عن حبيبي ساعة
…
يا عذولي، قل هو الله أحد وأنشد له أيضاً:
وافى وقد زانه جمال
…
فيه لعشاقه اعتذار
ثلاثة ما لها شبيه:
…
الوجه والخد والعذار
فمن رآه رأى رياضاً
…
الورد والآس والبهار وأنشد من " حديقة " ابن يربوع:
عليك بإكرام وبر لستة
…
من الناس واحذر شرهم وتوقه
طبيب وحجام وشيخ وشاعر
…
وصاحب ديوان ومن يتفقه وأنشد لبعض الصوفية:
ما ترى عند أحمق
…
في أمور توسطا
بل تراه في أمره
…
مفرطاً أو مفرطا وأنشد لبعض الأدباء (1) :
الصبر أولى بوقار الفتى
…
من قلق يهتك ستر الوقار
من لازم الصبر على حالة
…
كان على أيامه بالخيار ولنقتصر من ترجمة ابن ليون على هذا القدر، فقد حصلت الإطالة، بل ونكتفي من مشايخ لسان الدين بمن ذكرنا، ولنورد ما في الإحاطة في ترجمة مشيخته وإن تكرر مع ما تقدم، ونصه:
[ثبت عام بشيوخ لسان الدين]
المشيخة (2) - قرأت كتاب الله عز وجل على المكتب نسيج وحده في تحمل المنزل حق حمله تقوى وصلاحاً وخصوصية وإتقاناً ونغمة وعناية وحفظاً وتبحراً في هذا الفن واطلاعاً لغرائبه، واستيعاباً لسقطات الأعلام الاستاذ الصالح أبي عبد الله ابن عبد الولي العواد تكتيباً ثم حفظاً ثم تجويداً إلى مقرءات أبي عمرو رحمة الله عليهما، ثم نقلني إلى أستاذ الجماعة ومطية الفنون، ومفيد الطلبة الشيخ الخطيب
(1) هما لغانم المالقي، انظر 3: 398، 4:28.
(2)
الإحاطة، الورقة:403.
المتفنن أبي الحسن علي القيجاطي فقرأت عليه القرآن والعربية، وهو أول من انتفعت به، وقرأت على الخطيب الحسيب الصدر أبي القاسم ابن جزي رحمه الله تعالى، ولازمت قراءة العربية والفقه والتفسير، والمعتمد عليه العربية، على الشيخ الأستاذ الخطيب أبي عبد الله ابن الفخار البيري الإمام المجمع على إمامته في فن العربية المفتوح عليه من الله فيها حفظاً واطلاعاً ونقلاً وتوجيهاً بما لا مطمع فيه لسواه، وقرأت على قاضي الجماعة الصدر المتفنن أبي عبد الله ابن بكر رحمه الله، وتأدبت بالشيخ (1) الرئيس صاحب القلم الأعلى الصالح الفاضل أبي الحسن ابن الجياب، ورويت عن الكثير ممن جمعهم الزمان بهذا القطر من أهل الرواية، كالمحدث أبي عبد الله ابن جابر، وأخيه أبي جعفر، والقاضي الشهير (2) الشيخ بقية السلف شيخنا أبي البركات ابن الحاج، والشيخ المحدث الصالح أبي محمد ابن سلمون، وأخيه القاضي أبي القاسم ابن سلمون، وأبي عمرو ابن الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير، وله رواية عالية، والأستاذ اللغوي أبي عبد الله ابن بيبش، والمحدث الكاتب أبي الحسن التلمساني المسن، والحاج أبي القاسم ابن المهني المالقي (3) ، والعدل أبي محمد السعدي (4) ، يحمل عن الإمام ابن دقيق العيد، والقائد الكاتب ابن ذي الوزارتين أبي بكر ابن الحكيم والقاضي المحدث الأديب جملة الظرف أبي بكر ابن شبرين، والشيخ أبي عبد الله ابن عبد الملك، والخطيب أبي جعفر الطنجالي، والقاضي أبي بكر ابن منظور، والراوية أبي عبد الله ابن حزب الله، كلهم من مالقة، والقاضي أبي عبد الله المقري التلمساني، والشريف أبي علي حسن بن يوسف، والخطيب الرئيس أبي عبد الله ابن مرزوق، كلهم من تلمسان، والمحدث الفاضل الحسيب أبي العباس ابن يربوع والرئيس أبي محمد الحضرمي
(1) ق: على الشيخ.
(2)
ق: الشهيد.
(3)
الإحاطة: والشيخ الحاج أبي القاسم ابن البناني.
(4)
الإحاطة: والعدل أبي محمد ابن النقري؛ ص: التبعدي، وغير واضحة في ق.
السبتيين، والشيخ المقرئ أبي محمد ابن أيوب المالقي آخر الرواة عن ابن أبي الأحوص، وأبي عثمان ابن ليون من أهل المرية، والقاضي أبي الحجاج المنتشافري من أهل رندة، وطائفة كبيرة (1) من المعاصرين تحملاً وتدبجاً ومن أهل العدوة الغربية والمشرق وإفريقية الكثير بالإجازة، وأخذت الطب والتعاليم والمنطق.
وصناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا ابن هذيل، ولازمته، هذا على سبيل الإلماع، ولو تفرغت لذكر أفذاذهم (2) لخرج هذا التأليف (3) عما وضع له، انتهى كلامه في " الإحاطة ".
وقد ذكرت في هذا الباب زيادة في بعض التراجم على ما في الإحاطة على ما اقتضاه الحال، إذ ذلك لا يخلو من فائدة زائدة، وحكمة بالخير عائدة.
ولو لم يكن في هذا الكتاب غير هذا الباب لكان كافياً، لاشتماله على تصوف وحكم وكرامات وآداب ووصايا وإنشادات وغيرها، مما يغني عن خبره العيان، ويشتاق إلى الوقوف عليه ذوو الملكة في البيان، ولو لم يشتمل إلا على المدائح النبوية التي فيه لتمت محاسنه، والله سبحانه وتعالى ينفع به، بجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وتابعيه وحزبه.
انتهى المجلد الخامس
(1) ق: كثيرة.
(2)
الإحاطة: لذكرهم.
(3)
الإحاطة: التقييد.