الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فتح الودود في مسألة النزول للسجود
- محمد لملوم عبد الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد اطلعت على ما كتبه أخي في الله الشيخ: محمد لملوم عبد الكريم
وألفيته ـ ولله الحمد ـ نافعا في بابه فالله أسأل أن يوفقه لمواصلة طلب العلم والدعوة إلى الله
هذا، وأما عن موضوع ما كتبه أخي، فهو شيء من صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ألا وهي كيفية الهوي إلى السجود، هذا، والأحاديث التي وردت في هذا الباب سواء بتقديم اليدين أو الركبتين كلها ـ على ما علمت واطلعت ـ ضعيفة ولا تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما عن الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم فقد صح عن عمر رضي الله عنه النزول بالركبتين، وعليه الجمهور وإليه أميل، وعلى كل فالمسألة من المسائل التي يسع المسلمين فيها الخلاف.
فجزى الله أخي خيرا على ما قدم، وأسال الله أن يزيده توفيقا وسداد
وصل اللهم على سيدنا محمد وسلم
والحمد لله رب العالمين
كتبه
أبو عبد الله مصطفى بن العدوي
19 ربيع الأول 1428هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد
وعلى اله وصحبه وسلم
أما بعد:
فهذا بحث في مسألة من مسائل الخلاف السائغ بين علماء المسلمين، ألا وهي مسألة النزول إلى السجود وأيهما يقدم المصلي اليدين أم الرجلين؟!
وقد قسمت هذا البحث إلى فصول:
الأول: ماهية المسألة وأقول العلماء فيها وأصحاب كل قول.
الثاني: الأدلة التي استدل بها كل فريق من العلماء.
الثالث: القول الراجح مع الرد على أدلة المخالفين، والجمع بين الأدلة المتعارضة.
وأسأل الله أن يرزقنا فيه الإخلاص والقبول إنه ولي ذلك والقادر عليه
تمهيد
أولا:
قبل أن نشرع في هذا البحث يجب أن نعلم أن هذه المسألة من مسائل خلاف (التضاد السائغ) التي يسوغ أن يكون فيها قول آخر، ولا يؤدي إلى النزاع والخصومة، وهذا هو مراد الشافعي رحمه الله حين قال:((قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يتحمل الصواب)) .
وهذا الخلاف يكون مبناه على أدلة صحيحة لكن حدث الخلاف بين سلفنا
رحمهم الله في هذه الأدلة.
ومثل هذا الخلاف لا يشنع فيه على المخالف فضلا على أن يترتب عليه ولاء وبراء، وإنما قلت ذلك لما رأيت بعض إخواني من طلاب العلم يوالون ويعادون في مسائل لا تدخل في مثل هذا الباب مثل:((دخول الحائض المسجد)) ، و ((وضع اليدين عند القيام من الركوع)) ....إلخ.
من مسائل اختلف السلف فيها من قبلنا وساغهم هذا الخلاف، وما رأيناهم يوجهون السباب والشتائم بسبب مثل هذه المسائل.
إنما كانوا ينكرون ويوالون ويعادون في مسائل ((خلاف التضاد غير السائغ)) ، وغالبا تكون في العقيدة ومع أهل البدع والأهواء.
خلاصة ذلك: أن أهل العلم قسموا الخلاف إلى قسمين:
- خلاف تنوع.
- خلاف تضاد.
فالأول
خلاف التنوع: أن كل إمام مع دليله ولا تعارض بين الأقوال ويمكن العمل بها جميعا كتنوع الوارد في أدعية الاستفتاح وغيره.
الثاني
خلاف التضاد وينقسم إلي قسمين:
- تضاد سائغ.
- تضاد غير سائغ.
(1)
: تضاد سائغ:
أن كلا القولين ضد الآخر لكن بدليل (مثل هذه المسألة) ، وكل إمام اجتهد في الدليل وقد يكون الدليل واحد واختلف في فهمه مثلما اختلف الصحابة فى صلاة العصر في بنى قريظة.
قال سعيد بن سليمان: قلما سمعت مالكا يفتي بشيء إلا تلا هذه الآية
: ((إن نظن ألا ظنا وما نحن بمستيقنين)) [الجاثية:32] ويدخل.
(2)
: تضاد غير سائغ:
هو أن يكون كلا القولين ضد الآخر، لكن أحدهما ليس معه دليل، أو خالف الدليل البين بغير دليل اوخالف أجماع المسلمين.
وهذا اختصار مني ومن أراد الازدياد فليراجع كتب ((فقه الخلاف))
ثانياً:
هذه المسألة يذكرها العلماء في فصل ((مستحبات الصلاة)) فهي من سنن الصلاة فلا تبطل الصلاة بفعل أي من الاثنين حتى وإن كان يعتقد أن خلافه هو الصحيح، لأن مستحبات الصلاة يجوز للعبد أن يتركها متعمدا بعكس الأركان والواجبات،
قال الشافعي رحمه الله:
((وأن وضع وجهه قبل يديه أو يديه قبل ركبتيه كرهت ذلك، ولا إعادة عليه ولا سجود سهو عليه)) (1) .
لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما سئل عن هذه المسألة: ((أما الصلاة بكليها فجائزة باتفاق العلماء، إن شاء المصلي أن يضع ركبتيه قبل يديه، وإن شاء وضع يديه ثم ركبتيه وصلاته صحيحة في الحالتين باتفاق العلماء، ولكن تنازعوا في الأفضل)) (2) .اهـ
الفصل الأول
في أقوال العلماء في المسألة
مع ذكر ما استدل به كل فريق
1) القول الأول: تقديم الركبتين.
2) القول الثاني: تقديم اليدين.
3) القول الثالث: التخيير.
القول الأول:
الذين قالوا: إن السنة هي تقديم الركبتين عند النزول
إلى السجود أو نقل عنهم ما يدل على ذلك
- من الصحابة:
نقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.... أنه كان يقدم الركبتين قيل اليدين.... وسيأتي تخريجه. واسناده صحيح
- من التابعين:
ـ محمد بن سيرين.
قال ابن أبي شيبة: ((حدثنا وكيع، عن مهدي بن ميمون قال: رأيت ابن سيرين يضع ركبتيه قبل يديه)) (3) .
ـ إبراهيم النخعي:
قال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) : ((قال: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن مغيرة قال: سألت إبراهيم النخعي عن الرجل يبدأ بيديه قبل ركبتيه إذا سجد
…
قال أو يضع ذلك إلا أحمق أو مجنون)) (4) .انتهى
ـ مذهب أهل الكوفة نقله الدارمي عن ابن مسعود:
قيل لعبد الله.....: ((قال: كله طيب وأهل الكوفة يختارون الأول)) (5) .
(1) الأم (1/113) .
(2)
مجموع الفتاوى (22/449) .
(3)
(2709) .
(4)
شرح معاني الآثار (1/256) .
(5)
الدارمي (1/1321) .
ونقل أيضا عن مسلم بن يسار والثوري كما ذكره الحازمي، وهو مذهب الجمهور من أصحاب المذاهب وبه قال الأحناف والشافعية والحنابلة في أظهر الروايتين.
قال ابن حزم
وخالفهم في ذلك آخرون ورأوا وضع الركبتين قبل اليدين أولى منهم عمر بن الخطاب والنخعي ومسلم بن يسار وسفيان بن سعيد والشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأهل الكوفة وفي (المصنف) زاد أبا قلابة ومحمد بن سيرين وقال أبو إسحاق كان أصحاب عبد الله أذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم وحكاه البيهقي أيضا عن ابن مسعود وحكاه القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء وحكاه ابن بطال عن ابن وهب قال وهي رواية ابن شعبان عن مالك انتهى
قال ابن المنذر
وبهذا قال أكثر العلماء، وحكاه أيضا القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والنخعي، ومسلم بن يشار، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، قال: وبه أقول.
ـ مذهب الحنفية:
قال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) : ((فهذا هو النظر وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد ـ رحمهم الله تعالى ـ)) (1) .
ـ مذهب الشافعية:
قال النووي:
1.
في الروضة: ((وأما أكمل السجود فالسنة أن يكون أول ما يقع على الأرض ركبتيه ثم يديه، ثم أنفه وجبهته)) .
2.
في المجموع:
مذهبنا أنه يستحب أن يقدم في السجود الركبتين ثم اليدين ثم الجبهة والأنف.
ـ مذهب الحنابلة:
قال ابن قدامة في ((المغني)) :
مسألة: قال: ((ويكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه، ثم جبهته وأنفه)) .
هذا المستحب في مشهور المذهب)) .
قال المرداوي في ((الإنصاف)) :
((فيضع ركبتيه، ثم يديه)) ، هذا المذهب، وعليه الأصحاب، وهو المشهور عن أحمد)) .
وهو قول ابن الجوزي ((التحقيق)) (1/388) ..... وأيضا هو قول ابن القيم وهو من أبرز من تكلم في هذه المسألة؛ لذلك سنذكر جانبا من بحثه بإذن الله.
(1) شرح معاني الآثار (1/256) .
وهو اختيار كثير من علمائنا المعاصرين كأغلب أهل الحجاز..... أمثال: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عليهم ـ، وشيخنا أبو عبد الله مصطفى بن العدوي ـ حفظه الله ـ.
- أدلة هذا الفريق:
استدل الذين قالوا بسنية تقديم الركبتين على اليدين عند الهوي إلى السجود بأحاديث مرفوعة وموقوفات، وهناك بعض الآثار الأخرى في المسألة لم يذكروها لضعفها الظاهر
وايضا استدلوا بأدلة ن النظر سيأتي ذكروها ان شاء الله
لذلك عند الكلام عن هذا المذهب سيكون الكلام على أربع نقاط رئيسية:
1) الأدلة التي احتجوا بها المرفوع منها والموقوف.
2) الأدلة التي في هذا الباب، ولم يحتجوا بها لضعفها الظاهر.
3) كلام ابن القيم في زاد المعاد ومناقشته.
4) أدلة أخرى من النظر.
أولا: الأدلة التي احتج بها هذا الفريق:
- حديث وائل ابن حجر رضي الله عنه قال: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)) .
- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وفيه: ((فسبقت ركبتاه يديه
…
)) الحديث.
- حديث سعد وهو الحديث الذي استدل به الذين قالوا بالنسخ كما فعل ابن خزيمة، وهذا ليس قولا آخر في المسألة لأن منتهاه إلى هذا القول وهو من ضمن حجج هذا الفريق لذلك سنذكره تبعا لهذا المذهب، وفيه:((كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمر بالركبتين قبل اليدين)) .
- أثر عمر رضي الله عنه أنه كان يبدأ بركبتيه قبل يديه، وهناك أيضا عن ابن مسعود.
ثانيا: الأدلة التي لم يحتجوا بها لضعفها الظاهر:
- حديث أبي هريرة، وفيه:((فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل)) .
- حديث أبي بن كعب: ((كان يخر على ركبتيه ولا يتكي)) .
ثالثا: كلام ابن القيم في ((زاد المعاد)) :
نذكرها تلخيصا بإذن الله ((من رسالة شيخنا الحويني ـ حفظه الله ـ)) باختصار
قال ابن القيم رحمه الله:
1) حديث وائل بن حجر رضي الله عنه أثبت من حديث أبي هريرة كما قال ذلك الخطابي، وقد قال فيه الترمذي:((حسن غريب)) ، وقال في حديث أبي هريرة ((غريب)) ، ولم يذكر فيه حسنا.
2) حديث أبي هريرة لعل متنه انقلب على بعض الرواة ولعل صوابه: ((وليضع ركبتيه قبل يديه)) ، فإن أوله خالف آخره، وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبي شيبة من حديث أبي هريرة بلفظ:((بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك الفحل)) .
3) إن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث سعد بن أبي وقاص الذي رواه ابن خزيمة في صحيحه قال: ((كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بوضع الركبتين....)) الحديث.
4) حديث أبي هريرة مضطرب المتن فيه: ((وليضع يديه قبل ركبتيه)) ، وفي رواية العكس وفي رواية:((وليضع يديه على ركبتيه)) .
5) أن لحديث وائل بن حجر شواهد، أما حديث أبي هريرة فليس له شاهد.
6) أن ركبة البعير ليست في يده وإن أطلقوا على التين في اليدين اسم الركبة فإنما هو على سبيل التغليب، وأن القول بأن ركبة البعير في يده لا يعرفه أهل اللغة.
هذا اختصار لما ذكر ابن القيم ولخصه شيخنا الحويني ـ حفظه الله.
رابعاً: هناك بعض الأدلة استدلوا بها من النظر:
- أن هذه الصفة هي الأخشع والأقرب إلى الخشوع والطمأنينة.
- أن هذه الصفة هي الأرفق بالمصلين.
- أن ركبة البعير في اليدين، وسنذكر الكلام عنها في مواضعها بإذن الله تعالى.
أصحاب القول الثاني
الذين قالوا أن السنة هي تقديم اليدين عند النزول
إلى السجود أو نقل عنهم ما يدل على ذلك
- مذهب الأوزاعي:
رواه الحازمي عنه كما نقل صاحب ((تحفة الأحوذي)) (1) :
((قال الاوزعي رحمه الله: أدركنا الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم)) .
- مذهب المالكية:
قال في مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل: ((وتقديم يديه في سجوده)) (ش) هكذا قال ابن الحاجب ونصه: وتقديم يديه قبل ركبتيه أحسن.
(1) تحفة الأحوذي (2/118) .
قال الحافظ ابن حجر (1) : ((قال مالك: هذه الصفة أحسن في خشوع الصلاة)) .
وهو رواية عن أحمد رحمه الله.
قال المرداوي: ((فيضع ركبتيه، ثم يديه)) هذا المذهب، وعليه الأصحاب، وهو المشهور عن أحمد، وعنه يضع يديه ثم ركبتيه.
- مذهب ابن حزم (2) :
وفرض على كل مصل أن يضع إذا سجد يديه على الأرض قبل ركبتيه ولابد.
- قال الشوكاني (3) :
((وذهبت العترة والأوزاعي، ومالك، وابن حزم إلى استحباب وضع اليدين قبل الركبتين وهي رواية عن أحمد، وروى الحازمي عن الأوزاعي أنه قال:أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم، قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث)) .
وهو ظاهر صنيع البخاري، حيث إنه جعل الترجمة محتملة ثم ذكر فعل ابن عمر، وهذا يدل على اختياره لهذا القول، وهذه فأئدة نفيسة في تراجم البخاري ذكرها الحافظ ابن حجر عن البخاري أذكرها للفائدة....قال الحافظ (4) :((على أنه لم يصرح بشيء إلا أن اختياره يؤخذ من الآثار التي يوردها في الترجمة)) .
وهذا مثل ما في هذه الترجمة ولا أجزم بذلك لكن تماشيا مع هذه الفائدة.
وقال الحافظ عن إيراد حديث ابن عمر (5) في مسألة النزول الى السجود: ((والذي يظهر أن أثر ابن عمر من جملة الترجمة، فهو مترجم به لا مترجم له، والترجمة قد تكون مفسرة لمجمل الحديث)) .
هذا صريح أن البخاري يقدم النزول على اليدين، والله أعلم.
وممن اختاره من علمائنا المعاصرين: الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله، وشيخنا الحويني ـ حفظه الله..... وغيرهم.
أدلة القائلين بتقديم اليدين:
(1) الفتح (2/291) .
(2)
المحلى (1304) .
(3)
نيل الأوطار (2/281) .
(4)
الفتح (1/577) .
(5)
أي إيراد البخاري له في الترجمة وفيه أنه كان يبدأ بيديه قبل ركبتيه، وسيأتي تخريجه إن شاء الله.
- حديث أبي هريرة مرفوعا: ((فلا يبرك كما يبرك البعير ولكن يضع يديه قبل ركبتيه)) وفي لفظ: ((يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)) .
- حديث ابن عمر: ((أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه وكان يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك)) .
- عن أبي هريرة موقوفا: ((لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير الشارد)) .
- عن ابن عمر موقوفا: ((أنه كان يقدم اليدين في النزول)) .
واستدلوا بأدلة أخرى:
- أن البروك في اللغة على الركبتين.
- أنه هو الأخشع في الصلاة كما قال مالك.
- أنه هو الأرفق بالمصلي.
وسيأتي التفصيل بأذن الله.
القول الثالث
التخيير بين الاثنين
نقل الدارمي: عن ابن مسعود أنه سئل عن ذلك فقال: ((كله طيب وأهل الكوفة يختارون الأول)) (1) .
قول قتادة: قال ابن أبي شيبة: (2)
((حدثنا معتمر، عن معمر، قال: سئل قتادة عن الرجل إذا انصب من الركوع يبدأ بيديه؟ فقال: يضع أهون ذلك عليه)) .
- روايه عن مالك رحمه الله: مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل: قال ابن الحاجب ونصه: ((وتقديم يديه قبل ركبتيه أحسن، وروى ابن عبد الحكم عن مالك التخيير)) .انتهى
وقد اختار هذا القول بعض من علمائنا المعاصرين لكنهم أضافوا اليه ضابط الطمأنينة فيكون حاصل هذا القول: انه يجوز للمصلي ان يقدم ركبتيه او يديه بشرط حصول الطمأنينة.
- أدلة هذا الفريق:
1) أن الآثار التي فيها ذكر اليدين أو الرجلين غير ثابتة.
2) أن الذي ثبت هو النهي عن البروك كالبعير الشارد.
3) تنوع المنقول عن الصحابة في ذلك.
وسيأتي تفصيل ذلك كله في موضعه بإذن الله.
أخيرا: هناك المذهب القائل بأن تقديم اليدين منسوخ لحديث سعد، وهذا ما اختاره وصححه ابن خزيمة، والخطابي، وهذا المذهب سنذكره عند ذكر المذهب الأول لأنه انتهى إلى قولهم واستدلوا بحديث سعد الذي تقدم ذكره.
الفصل الثاني
(1) ولم أجد له إسنادا.
(2)
المصنف (2710) .
مناقشة أدلة كل فريق وما احتج به
النظر في أدلة القول الأول:
1) حديث وائل بن حجر رضي الله عنه، وقد جاء على وجوه:
الأول: ما أخرجه أبو داود (838) ، والترمذي (268) ، والنسائي (1089) ، وفي الكبرى (676) ، وابن خزيمة (626) ، وابن حبان (1912) ، والدارمي (1320) ، والحاكم (822) ، والدارقطني (1/344) ، والطبراني (22/39) ، والبيهقي (2460) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/254) ، ومعجم المحدثين (1/218) ، وابن الجوزي في التحقيق (1/388)
والحازمي في الاعتبار (1/160) .
جميعا من طرق عن شريك بن عبد الله النخعي، عن عاصم، عن أبيه، عن وائل رضي الله عنه قال:((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه)) .
قال الترمذي: حسن غريب لا نعرف أحدا رواه مثل هذا عن شريك.
قال البغوي: ((حديث حسن)) .
قال الدارقطني: ((تفرد به يزيد، عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما ينفرد به)) .
قال البيهقي: ((إسناده ضعيف)) ، وقال أيضا:((يعد من أفراد شريك القاضي وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلا)) .
وقال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (2/69،68) : ((حديث غريب)) .
وضعفه أيضا الشيخ الألباني رحمه الله وبحثه في السلسلة الضعيفة (929) ، وضعفه الشيخ أبو إسحاق ـ حفظه الله ـ كما في بحثه الذي سنذكر بعضه بإذن الله.
وإذا نظرت إلى كلام العلماء في هذا الحديث تجده محصورا في أمرين:
الأول: هو تفرد شريك النخعي.
الثاني: المخالفة.
فالعلة الأولى في هذا الحديث هي التفرد:
وأهل التحقيق لا يعلون الحديث بالتفرد مطلقا، وإنما إذا جاء لمثل هذا التفرد قرائن تدل على أن هذا التفرد غير محتمل فهنا يعلون بالتفرد غير المحتمل، ويجعلون ذلك علة فيه ((وهذه المسألة سنفصل فيها في حديث أبي هريرة بإذن الله)) ، ويعبرون عن ذلك بعبارات تدل على أنهم لا يقبلون مثل هذا التفرد، كما قال الدارقطني رحمه الله:((ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك وشريك ليس بالقوي فيما ينفرد به)) .
فهذا النص صريح في أن مثل شريك لا يتحمل مثل هذا التفرد فيقدح في صحة الحديث، ويشير إليه كلام البيهقي ((هذا الحديث يعد في إفراد شريك القاضي)) ، فمثل شريك لا يحتمل تفرده بحديث فما بالك لو أن شريكا خولف في رواية هذا الحديث.
وهذه العلة الثانية التي أعل بها العلماء:
ألا وهي أنه جاءت رواية عن عاصم بن كليب مخالفة لما رواه شريك.
وهذه هي الطريقة الثانية لحديث وائل.... من طريق عاصم بن كليب عن عبد الله مرسلا دون ذكر وائل بن حجر.
وهذه الطريق أخرجها:
أبو داود (839) ، والبيهقي (2462) ، والطحاوي شرح معاني الآثار (1/254) ، من طريق شقيق عن عاصم، وأخرجها الطحاوي شرح معاني الآثار (1/254) من طريق سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، وعبد الله مرسلا.
ولكن قال الطحاوي أن ابن أبي داود أخطا في ذكر سفيان والصواب أنه شقيق وهو لا يعرف، وهذه الرواية هي التي صوبها بعض العلماء ورجحوها عن الرواية المتصلة.
قال الحازمي (1) : ((رواية من أرسل أصح)) .
قلت: لكن لا وجه لترجيح الإرسال على المتصل لسببين:
1) أن شقيق هذا مجهول فلا فضل له عن شريك، فلا ترجح روايته على رواية شريك، ولم يذكر العلماء لشقيق غير هذه الرواية.
2)
ان ذكر سفيان الثوري عن عاصم بن كليب خطأ من بعض الرواه كما ذكر ذلك الطحاوي فيكون الذي خالف شريك هو شقيق وهو مجهول كما ذكرنا.
(1) الاعتبار (ص 161) .
3) أن الإرسال تعل به الرواية المتصلة إن كان المرسل اضبط واتقن او اكثر عددا، وهذا لم يحدث في هذه الرواية.
لذا لم يذكر الائمة في اعلالهم للرواية هذه العلة فالدارقطني رحمه الله ذكر التفرد دون المخالفة فتنبه لذلك
وقال البيهقي: ((قال عفان هذا الحديث غريب)) .
فتبقى علة الحديث هي تفرد شريك النخعي وهي كافية بأن تذهب بهذا الحديث؛ لأن شريك فيه ضعف وله مناكير، وله أحاديث أخطأ فيها وكثر منه الخطأ كما ذكر ذلك العلماء في ترجمته.
ولم يتابعه أحد من تلاميذ عاصم على هذا الحديث، فمثله رحمه الله لا يتحمل مثل هذا التفرد.
أما الطريق الثالثة:
فهي من طريق محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، وهذه أخرجها
أبو داود (838) ، والبيهقي (2461) ، وهذا إسناد منقطع، لأن عبد الجبار لم يسمع من أبيه.
قال عباس الدوري عن يحيى بن معين ثبت ولم يسمع من أبيه شيئا (1) .
لذلك قال النووي (2) : ((حديث ضعيف لأن عبد الجبار بن وائل اتفق الحفاظ على أنه لم يسمع من أبيه شيئا، ولم يدركه)) .
وهنا مبحث هام جدا:
ألا وهو لقائل أن يقول: حديث وائل المتصل مختلف فيه، والمرسل لا يعله وهذه طريق منقطعة؛ ألا يقوى الحديث بمجموع هذه الطرق؟!
أقول وبالله التوفيق:
إن الحديث حتى يقوى له شرط هو أن يكون إسناده محتمل سواء في التصحيح
أو التضعيف فهذا هو الإسناد الذي يقوى بغيره، وهذا لا يتوفر هنا لأن الإسناد فيه شريك غير محتمل للتقوية؛ لأن إعلال العلماء بالتفرد دليل على نكارة الإسناد.
(1) تهذيب الكمال (16/393) .
(2)
المجموع (3/446) .
وإذا كان الإسناد منكرا فكما قال الإمام أحمد: ((المنكر أبدا منكر)) ، أي لا يقوى ولا يتقوى.... ومما يؤيد نكارة الإسناد أنه جاء من طريق أخرى مخالفة له وهي الرواية المرسلة وأيضا طريق عبد الجبار فهذه الأسانيد تزيد إسناد شريك نكارة ولا تقويه وتدل على أن شريكا قد أخطأ في إسناد هذا الحديث. وكتاب الشيخ طارق بن عوض الله في هذا الباب (الارشادات في التقوية بالشواهد والمتابعات) ذكر فيه هذا المبحث
خلاصة البحث:
أن حديث وائل بن حجر ضعيف لتفرد شريك بن عبد الله به، وهذا التفرد لا يقبله العلماء لأسباب:
أولأ: أن شريكا تكلم فيه بعض العلماء ووثقه بعض العلماء؛ لذلك قال الحافظ في ترجمته: ((صدوق يخطيء)) ، مثل هذا الراوي لا يقبل العلماء تفرد مطلقا حتى يتبين لهم أن هذه الرواية ليست من أخطائه خصوصا ممن وصفه العلماء بأنه كثير الخطأ مثل شريك.
ثانيا: أن عاصم بن كليب تلاميذه من الأئمة في علم الحديث وفي روايته فأين هؤلاء من هذا الحديث، أين سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، أين شعبة بن الحجاج، وهم من تلاميذ عاصم بن كليب وغيرهم الكثير، وهذه من القرائن التي تدل على خطأ الراوي أن ينفرد عن شيخ له تلاميذ من المشاهير ولا يروي أحد منهم الرواية عن هذا الشيخ.
(وسنذكر تأصيل هذه القاعدة عند الكلام على حديث أبي هريرة بإذن الله تعالى) .
ثالثا: مجيء روايات مخالفة لهذه الرواية مثل رواية شقيق المرسلة ورواية محمد بن جحادة المنقطعة.
رابعا: أن العلماء تكلموا خصوصا فيما انفرد به شريك وقالوا أنه لا يقبل وليس بالقوي
فيما انفرد به.
خامسا: أن عاصم كوفي بل من مشاهير علماء الكوفة، وشريك مدني ويحتمل أن يسمع الكوفي من المدني لا خلاف في ذلك، لكن أن ينفرد مدني عن كوفي مشهور فأين تلاميذه في الكوفة من هذا الحديث، وكما ذكرنا هم أئمة في هذا الشأن.
فهذه قرائن تدل على أن مثل هذا التفرد لا يقبل لذلك أعله العلماء بهذا، والله تعالى أعلم.
2) حديث أنس رضي الله عنه وفيه: ((فسبقت ركبتاه يديه)) .
أخرجه الدارقطني (1/345) ، والحاكم (822) ،والضياء في المختارة (6/294) ،
والبيهقي (2464) ، ابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (1/388) ،
من حديث العلاء بن إسماعيل، عن حفص بن غياث، عن الأحول، عن أنس.
قال الحاكم: ((لا أعرف له علة)) .
قال ابن عبد الهادي: ((ليس كما قال العلاء بن إسماعيل غير معروف)) .
قلت: فهذا إسناد ضعيف لتفرد العلاء وهو غير معروف أي مجهول كما ذكر ذلك
ابن القيم رحمه الله.
قال أبو حاتم (1) في العلل: ((هذا حديث منكر)) .
قال الضياء في المختارة: ((إسناده ضعيف)) ، وقال: تفرد به العلاء بن إسماعيل)) .
قال البيهقي: ((تفرد به العلاء بن إسماعيل وهو مجهول)) .
قال الدارقطني: ((تفرد به العلاء بن إسماعيل عن حفص بهذا الإسناد)) .اهـ
فالإسناد ضعيف لتفرد العلاء ليس هذا فقط، بل إن العلاء خولف في هذا الحديث.
قال الحافظ في اللسان (4/182) : ((خالفه عمر بن حفص بن غياث وهو من أثبت الناس في أبيه فرواه عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم بن علقمة وغيره عن عمر موقوفا عليه، وهذا هو المحفوظ والله أعلم. انتهى
فالحديث ضعيف لأن العلاء مجهول لا يقبل العلماء تفرده فمن باب أولى وهو قد خولف، والله أعلم.
3) حديث سعد: ((كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين)) .
أخرجه ابن خزيمة (628) ، من طريق سلمة بن كهيل، عن مصعب بن سعد، عن سعد، واستدل به ابن خزيمة والخطابي على النسخ.
قال ابن حجر (2/291) : ((هذا لو صح لكان قاطعا للنزاع، لكنه من أفرد إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه وهما ضعيفان)) .
قال الحازمي: ((في إسناده مقال، ولو كان محفوظا لدل على النسخ غير أن المحفوظ عن مصعب، عن أبيه حديث نسخ التطبيق)) .
قال البيهقي: ((المشهور عن مصعب عن أبيه حديث نسخ التطبيق)) .
قال النووي: ((ولا حجة فيه لأنه ضعيف)) .
(1) العلل (539) .
قال ابن القيم في حاشيته (3/52) : ((لو كان محفوظا لدل على النسخ غير أن المحفوظ عن مصعب، عن أبيه حديث نسخ التطبيق)) .
قلت: فهذا الإسناد ضعيف لأمرين:
الأول: لضعف إسماعيل بن يحيى بن سلمة وابنه إبراهيم، فالأول قال عنه الحافظ في التقريب متروك والثاني ضعيف.
الثاني: أن هذا الإسناد غير محفوظ لهذا المتن وهو إسناد لحديث التطبيق في الركوع.
أثر عمر رضي الله عنه
وجاء على وجوه:
1) رواه وكيع، وسفيان الثوري، ومعمر بن راشد جميعهم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر. أخرجه ابن أبي شيبة (2703) ، وعبد الرزاق (2955) .
2) رواه أبو معاوية محمد بن خازم الضرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أصحاب ابن مسعود، قالوا:((حفظنا من عمر)) (1) .
3) رواه حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود عن عمر (2) .
4) رواه يعلى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أصحاب ابن مسعود علقمة والأسود حفظنا عن عمر (3) .
وهذا أثر صحيح وثابت، وإن كان رواية الذين رواه مرسلا بين إبراهيم وعمر أثبت وهم أحفظ وأمتن؛ إلا أن إبراهيم كما ذكر في ترجمته كان كثير الإرسال كما فعل في الرواية الأولى، إلا أنه بين الواسطة في الروايات الأخرى، وهم أصحاب ابن مسعود، وكما في رواية أبو معاوية الضرير وهو ممن لازموا الأعمش، وهو من اثبت الرواه عنه وقد جاء التصريح بأسمائهم في رواية حفص بن غياث ويعلى فأصبح الإسناد متصلا ولا تعارض هنا بين المرسل والمتصل لأننا عرفنا الواسطة بين إبراهيم وعمر رضي الله عنه بذلك السند، والله تعالى أعلم.
5) أثر ابن مسعود: أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (1/256) : من طريق الحجاج بن أرطاة قال إبراهيم النخعي: حفظنا عن ابن مسعود....وهذا ضعيف لا صحة فيه لوجهين:
(1) شرح معاني الآثار (1/256) .
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (2704) .
(3)
أخرجه عبد الرزاق () .
الأول:أن الأثر ضعيف فيه الحجاج بن أرطاة ضعيف، وهو مدلس ولم يصرح بالحديث، وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود، لذلك ضعفه الحويني ـ حفظه الله ـ في رسالته.
الثاني: أن ابن مسعود كما ذكر وأخرجه الدارمي كان يرى التخيير لما سئل عن ذلك فقال: ((كله طيب)) (1/1320) .
وهناك أحاديث أخرى في هذا الباب لكن لم يتكلم العلماء عنها لضعفها، ووهائها الظاهر منها:
1) حديث أبي هريرة: ((فليبدأ بركبته قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل)) (1) .
وهو ظاهر الوهاء؛ لأنه من رواية عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد عن جده، وعبد الله هذا ضعفه العلماء بل واتهمه بعض أهل العلم بالكذب؛ لذلك قال ابن حجر:((متروك)) ، وقال الذهبي:((واه)) .
2) حديث أبي بن كعب: ((كان يخر على ركبتيه ولا يتكئ)) (2) .
من طريق معاذ بن محمد بن معاذ بن أبي بن كعب، عن أبيه، عن جده، عن أبي بن كعب.
قال ابن المديني: ((لا نعرف محمد بن معاذ هذا، ولا أباه، ولا جده في الرواية، وهذا إسناد مجهول)) .
ثالثا: بحث ابن القيم رحمه الله في كتاب ((زاد المعاد)) :
فلن أتعدى فيه ما ذكره شيخنا الحويني (3) ـ حفظه الله ـ، وفيما قاله ورد به كفاية في توضيح المراد بإذن الله ولكن باختصار وأنقله هنا للفائدة:
حديث وائل بن حجر تقدم الكلام عليه وبينا أنه ضعيف، وحديث أبي هريرة لعل متنه أنقلب.
قال الحويني ـ حفظه الله ـ: ((قلت: أصاب شيخ الإسلام أجرا واحدا، فما قاله أقرب إلى الرجم بالغيب منه إلى التحقيق العلمي، وقد رده الشيخ / ملا علي القارئ في مرقاة المفاتيح (1/552)، فقال:
((وقول ابن القيم فيه نظر إذ لو فتح هذا الباب لم يبق اعتماد على رواية راوى مع كونها صحيحة)) ، وصدق يرحمه الله فلو فتح الباب لرد الناس كثيرا من السنن دونما دليل بحجة أن راويه أخطأ فيه ولعله كذا.
(1) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (1/254) .
(2)
أخرجه ابن حبان (5673) .
(3)
نهي الصحبة عن النزول على الركبة.
أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث سعد، وقد تقدم الكلام على حديث سعد هذا.... وركبة البعير ليست في يده
قلت ـ الحويني ـ: فيه نظر، وركبة البعير في يده ونص أهل اللغة معنى ذلك وإن أنكر شيخ الإسلام، ثم ذكر كلام ابن منظور والأزهري وغيرهما في إثبات أن ركبة البعير في اللغة في يده، وسيأتي مناقشة ذلك.
- المذهب القائل بالنسخ:
وهذا هو مذهب ابن خزيمة، والخطابي وذكره ابن القيم في ضمن بحثه، واستدلوا بحديث سعد بن أبي وقاص، والحديث ضعيف فلا يحتج به في ذلك.
-.
خلاصة القول في المذهب الأول: أنه لم يصح فيه إلا الموقوف على عمر رضي الله عنه وسيأتي توجيه العلماء له في فصل الترجيح بإذن الله تعالى.
- المذهب الثاني والكلام على أدلته:
هذا المذهب الذي تبناه كثير من أهل الحديث وقدموا فيه أدلة اليدين على الركبتين، وأقوى دليل عندهم هو حديث أبي هريرة.
1) : جاء من طريق محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه، وجاء عن محمد من طريقين:
الأولى: الدراوردي عنه بلفظ: ((فلا يبرك كما يبرك البعير، ولكن يضع يديه قبل ركبتيه)) . وفي بعضها: ((الجمل)) .
أخرجه أحمد (2/381) ، وأبو داود (840) ، والنسائي في المجتبى (1091) ، والكبرى (678) ، والدارمي (1321) ، الدارقطني (1/344) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/254) ، فوائد تمام (720) ، البيهقي (2465) ، ابن حزم في المحلى (4/128) ، التحقيق (1/390) .
الثانية: من طريق عبد الله بن نافع عنه.
أخرجه أبو داود (841) ، والنسائي (1090) ، والترمذي (269) ، والبيهقي (2468) .
بلفظ: ((يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)) .
قال في المرقاة: ((قال ابن حجر: سنده جيد)) .
وقال ابن حجر في البلوغ: ((وهو أقوى من حديث وائل بن حجر، فإن له شاهد من حديث ابن عمر صححه ابن خزيمة)) .
قال ابن سيد الناس
:
((أحاديث وضع اليدين قبل الركبتين أرجح وينبغي أن يكون حديث أبي هريرة داخلا في الحسن على رسم الترمذي لسلامة راويه من الجرح)) .
وممن أعل هذا الحديث
الإمام البخاري (1)، قال:
((محمد لا يتابع عليه ولا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا)) .
ولنا هنا وقفة ألا وهي أن بعض العلماء رد هذا الإعلال بأمور خارجة عن قواعد اهل هذا الفن مثل ما فعله
ابن التركماني ((الجوهر النقي)) .
قال: قول البخاري لا يتابع على حديثه ليس بصريح في الجرح فلا تعارض لتوثيق النسائي (اى لمحمد بن الحسن) ،
وكذلك المباركفوري ((التحفة)) .
قال أما قول البخاري فليس بمضر فإنه ثقة ولحديثه شاهد من حديث ابن عمر وصححه ابن خزيمة.
قلت:
وأقوالهم لا تجري على قواعد أئمة الحديث أئمة هذا الشأن الذين قالوا أن قول إمام من أئمة الحديث: ((فلان لا يتابع على هذا الحديث)) ، إعلال له بالتفرد بغض النظر هل المتفرد ثقة أو غير ثقة كما بينا عند الكلام على حديث وائل بن حجر.
قال ابن رجب الحنبلي (2) :
((وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه إنه لا يتابع عليه)) ، ويجعلون ذلك علة.
أما قول ابن التركماني فليس بصواب؛ لأن كلام البخاري متعلق بإعلال الحديث لا بجرح الراوي. أما قول البخاري ولا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا..
قال الشيخ الألباني رحمه الله: ((فهذا شرط البخاري في اشتراط ثبوت السماع أما على قول مسلم في المسألة فلا وجه لإعلال الحديث بهذه العلة (3) ....،
قلت وهذه من مسائل الخلاف الطويل وليس هذا محل مناقشتها
والصواب أن البخاري أعل هذه الرواية بالتفرد لأسباب هي:
(1) التاريخ الكبير (148) .
(2)
شرح العلل (ص 264) .
(3)
وهذه المسألة في اشتراط البخاري السماع واللقاء من مسائل البحث فلا نطيل فيها.
أن محمد بن عبد الله تفرد بهذا الحديث عن أبي الزناد مع كثرة أصحاب أبي الزناد وهم من الأئمة المعروفين في هذا الشأن ((الإمام مالك ـ سفيان الثوري ـ سفيان بن عيينة........وغيرهم)) فأين هؤلاء التلاميذ من هذا الحديث كما بينا في حديث وائل بن حجر فلا حاجة للإعادة، ولكن العلماء يجعلون ذلك من القرائن وهو أن يروي غير المشهور عن الشيخ المشهور بكثرة تلامذته ما لم يرويه أحد من هؤلاء التلاميذ. لذلك صنف الائمة تصانيف وضعوا ابوابا في المكثرين عن المشهورين والمقلين عنهم فيستفاد منها عند المخالفة او التفرد
-أن هذا الإسناد عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة من أصح الأسانيد كما قال الإمام البخاري، ومع أنه لم يروه واحد من الأئمة المشهورين مع أن هذا مما يهتم به أمثال هؤلاء الأجلاء.
قال الليث بن سعد، عن عبد ربه بن سعد: ((رأيت أبا الزناد دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومعه من الأتباع مثل ما مع السلطان فمن سائل عن فريضة ومن سائل عن الحساب....، وكذلك أشار البيهقي إلى إعلال هذا الحديث حيث قال:
((والذي يعارضه ينفرد به محمد بن عبد الله بن الحسن، وعنه الدراوردي، وقد رواه عبد الله بن نافع مختصرا، وكذلك قول الترمذي: غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه)) . انتهى
وكذلك قول الدارقطني: ((تفرد به الدراوردي عن محمد بن عبد الله)) .
ورد على الدارقطني بأن الدراوردي توبع، ولعل الدارقطني رحمه الله يريد أن الدراوردي تفرد بهذا اللفظ، وهو التفصيل لأن مثله لا يغيب عليه مثل هذا الطريق.
لذلك قال المناوي في ((الفيض)) : ((وأعله البخاري والترمذي، والدارقطني بمحمد بن عبد الله بن الحسن وغيره)) .
وحتى على القول الذي اختاره شيخنا الحوينى حفظه الله بأن مثل محمد يقبل منه هذا التفرد إلا أن اللفظ الصريحة في تقديم اليدين لم يروها عن محمد إلا الدراوردي وهو متكلم في تفرده لذا قال الدارقطني: تفرد به الدراوردي عن محمد فمحل الشاهد معلول وبقي الكلام عن البروك. فلو سلمنا ان محمدا يقبل تفرده عن ابي الزناد فكما بينا ان الراويين لم يتفقا الا في جزء من الحديث ليس فيه محل الشاهد
ومحل الشاهد تفرد به الدراوردى وهذا لا يقبل اتفاقا. وعلى هذا ينزل كلام الدارقطني رحمه الله.
قلت وهناك أمر آخر
وهو أن الدراوردي دخل عليه حديث في حديث اخر
لان الدراوردي هو الذي روى كذلك حديث ابن عمر في النزول على اليدين الاتى ذكره فاتى بلفظ حديث ابن عمر على حديث ابي هريرة او فسر المجمل في حديث ابي هريرة بالمفسر في حديث ابن عمر وهذا كثيرا ما يحدث للراوي.... والله اعلم
- وحديث ابن عمر: ((كان إذا سجد بدأ بوضع يديه قبل ركبتيه، وكان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك)) ،
أخرجه ابن خزيمة (627) ، الدارقطني (1/344) ، والحاكم (821) ، والبيهقي (2470) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/254) ، من طريق الدراوردي عن عبيد الله العمري، عن نافع، عن عبد الله بن عمر.
قال الحاكم: ((صحيح على شرط مسلم)) .
وقال ابن خزيمة أنه منسوخ.
وقال البيهقي: ((ولا أراه إلا وهما)) ، والصواب عن ابن عمر قال:((إذا سجد أحدكم فليضع يديه فإذا رفع فليرفعهما فإن اليدين سجدان كما يسجد الوجه)) .
وقد أبعدوا جميعا رحمهم الله.
أما قول الحاكم أنه صحيح على شرط مسلم، فغير مسلم، فإن مسلما لم يخرج للدراوردي عن عبيد الله العمري شيئا؛ لأن رواية الدراوردي عن عبيد الله العمري منكرة كما قال النسائي رحمه الله، وذكر الإمام أحمد أنه قلب أحاديث عبد الله العمري فجعلها عبد الله
ثانيا: أن الدراوردي تفرد برواية هذا الحديث عن عبد الله وهذا التفرد لا يقبله العلماء؛ لأن الدراوردي في روايته عن العمري نكارة.
ثالثا: أن محرز بن سلمة الراوي عن الدراوردي عنه الحاكم لم يخرج له سوى ابن ماجة من أصحاب الكتب الستة، ولم يوثقه أحد من الأئمة وذكر فقط في كتاب الجرح والتعديل ولم يذكر فيه شيئاً.
أما قول ابن خزيمة: ((منسوخ)) فقد علمت أنه ضعيف فلا نحتاج لدعوى النسخ لحديث غير ثابت أصلا، وأما قول البيهقي أنه وهم وأن الثابت عن ابن عمر بلفظ آخرفهذا غير صحيح لانه حديث آخر يإسناد آخر.
قال العيني (1) : ((والحديث الذي علله فيه نظر، لأن كل منهما منفصل عن الآخر)) . انتهى
وهذا هو الأقرب من صنع العلماء أنه لم يعل أحد هذه الرواية بالرواية الأخرى، وعاملوا كلا منهما على حده.
- أثر أبي هريرة الموقوف:
بلفظ: ((لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير الشارد)) ،
أخرجه السرقسطي في غريب الحديث (538) بإسناد صحيح من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن أبي مرة، عن أبي هريرة موقوفا.
صححه الحويني ـ حفظه الله ـ في رسالته، والشيخ الألباني في ((صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم) . وإسناده صحيح بإذن الله، فصح عن أبي هريرة ذلك.
الخلاصة:
أن هذه الرواية غير ثابتة مرفوعة أو موقوفة من فعل ابن عمر؛ لأنه من غرائب ومناكير الدراوردي عن عبيد الله العمري.
- أثر موقوف على ابن عمر:
وقد ذكره شيخنا الحويني ـ حفظه الله ـ في فتاويه (1/114) وجعله شاهدا لحديث أبي هريرة.
(1) العمدة (6/78) .
وهذا الأثر أخرجه: ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (3799)، قال: حدثنا علي بن جعد، قال: أخبرني عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن أبي بكر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن جده ابن عمر:((أنه كان إذا توجه إلى القبلة يسوي الحصى برجله قبل أن يكبر، ثم يكبر بعد، فإذا أراد أن يسجد أخرج يده من الثوب، وأفض بهما إلى الأرض ثم يضع وجهه بينهما)) .
قال الشيخ ـ حفظه الله ـ: وإسناده صحيح ورواته ثقات عن أخرهم من رجال التهذيب.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات كما قال الشيخ ـ حفظه الله ـ؛ إلا أن فيه انقطاعا بين أبي بكر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وبين جد أبيه، وإنما قالوا جده كالعادة، وأنما هو جد أبيه، وليس لأبي بكر هذا رواية عن ابن عمر، وبين وفاتهما (75) عاما تقريبا.
ولم يذكر العلماء رواية لـ أبي بكر عن ابن عمر رضي الله عنه وإنما يروي عنه بواسطة، فهذا إسناد منقطع، والله تعالى أعلم..
- ومما استدل به الفريقان:
1) أن هذه الصفة هي الأليق بالخشوع في الصلاة والأدب، قال مالك نقلا عن الفتح (2/291) وهو من أصحاب القول الثاني: هذه الصفة أحسن في خشوع الصلاة)) .
وقال ابن الجوزي وهو من اصحاب القول الاول في ((التحقيق)) (1/390) : ((وما ذهبنا إليه أليق بالأدب والخشوع)) .
فكلا الفريقين اشترط أو استدل بالخشوع والأدب، وهذا عين ما اختاره أصحاب القول الثالث فلا تعارض، وكذلك استدل كلا الفريقين بأن أحاديثه التي احتج بها هي المشتهرة.
قال ابن الجوزي رحمه الله: ((والجواب أن أحاديثنا أشهر في كتب السنة وأثبت)) .
قال ابن عبد الهادي ((التنقيح)) (1/348) : ((وليس هذا الجواب يقاطع للخصم فإن أحاديثهم أيضا مشتهرة في كتب السنة كشهرة أحاديثكم)) .
ومما استدل به أيضا كلا الفريقين اللغة وزعم كل فريق أن اللغة تدل على ما ذهب إليه.
قال ابن القيم رحمه الله: ((وركبة البعير ليست في يده)) .
قال الشيخ الحويني ـ حفظه الله ـ: ((فيه نظر وركبته في يده ونص أهل اللغة على ذلك، وإن أنكر شيخ الإسلام)) .
- المذهب الثالث وأدلته:
استدل هذا الفريق بما يلي:
أولا: عدم ثبوت سنة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
لذلك قال النووي رحمه الله: ((لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الآخر من حيث السنة)) ، كما نقله ابن حجر في الفتح.
ثانيا: أثر أبي هريرة الموقوف.
((لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير الشارد)) . تقدم تخريجه.
وهذه استدلوا بها ((أي لفظ: الشارد)) أنه ليس كل البروك منهي عنه، إنما هو البروك كبروك البعير النافر، وهذا يكون سريعا يهبط فيه البعير فجاة سريعا، لذلك مع التخيير قالوا المراد الطمأنينة في النزول ويكون هذا من باب تقييد المطلق بالصفة كما هو مدون في كتب أصول الفقه فليس المنهي عنه في الاثر البروك فحسب بل المنهي عنه بروك معين وهو الذى يشبه بروك البعير الشارد.
ثالثا: الجمع بين فعل عمر وأثر أبي هريرة الموقوف
والمراد بكلمة البروك في اللغة العربية.
الفصل الثالث
الترجيح بين الأقوال
أن الأقرب والله أعلم:
أن الأمر في ذلك واسع لعدم ثبوت المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم فيبقى الأمر على إطلاقه حتى يأتى ما يقيده وإن كان مذهب الجمهور أصحاب القول الأول مقدم لوروده صحيحا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ممن أمرنا باتباع سنته كما فى حديث العرباض بن سارية الذي أخرجه أصحاب السنن قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ
وأما أثر أبي هريرة رضي الله عنه الموقوف فليست فيه دلالة صريحة على أن المنهي عنه هو البروك وإنما قيده بصفة والشرود، وأن كان العلماء قد اختلفوا في معنى البروك هل هو على الركبتين أو اليدين. ومن طريف المسألة ان مشايخنا من كلا الفريقين كان يستدل على البروك بفعل الأعراب أهل البادية ويقولون هم أعلم بذلك والأعراب اختلفوا أيضا فمنهم من يقول ركبة البعير فى يديه ومنهم من يقول العكس فلا حجة في ذلك وهل آخذ بكلام الأعراب وأترك فعل عمر رضى الله عنه الذي كان ملازما لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث ذى اليدين (وفي الصف أبو بكر وعمر)
فيكون ما صح عن أمير المؤمنين عمر مقدم وأن الأمر في ذلك واسع
والله تعالى أعلم.
- * * * * كتبه محمد بن لملوم بن عبد الكريم
- السويس نزيل منية سمنود المنصورة
- 0124109316