الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ص 1]
الباب الثاني
(1)
في الوقوع
المسألة الأولى: في وقوع الطلاق البدعي
الجمهور على وقوعه
(2)
.
احتج الجمهور من القرآن بقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} الآية، وقوله:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} الآية، وقوله:{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ} الآية، وقوله:{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} ، وقوله:{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} الآية، وقوله:{إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ} الآية.
قالوا: والطلاق في هذه الآيات عامٌّ يتناول الطلاق المأذون فيه وغيره؛ لأن الطلاق كلمة معروفة المعنى في اللغة، لم يخصها الشارع بالطلاق المأذون فيه.
واحتجوا بقوله تعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} إلى قوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} فأفهم أن من لم يتق الله لم يجعل له مخرجًا، أي: بل يضيق عليه، والتضييق هو أن يعتد عليه بطلاقه.
(1)
قبله: "بسم الله الرحمن الرحيم". وهذا الباب أربع صفحات بدون ترقيم في الأصل، ورقمناه ترقيمًا جديدًا من واحد.
(2)
بعدها بياض في الأصل بقدر خمسة أسطر.
ومن السنة بحديث الصحيحين
(1)
وغيرهما ــ بل هو متواترٌ ــ أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فأخبر عمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال له:"مره فليراجعها" الحديث.
قالوا: والمراجعة إنما تكون بعد طلاق واقع.
قالوا: وقد أخرج ابن وهب في مسنده
(2)
عن ابن أبي ذئب، أن نافعًا أخبره: أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال:"مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر"، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"وهي واحدة".
قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يحدث عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك.
وأخرجه الدارقطني
(3)
من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعًا عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "هي واحدة". (فتح الباري ج 9/ص 282 - 283)
(4)
.
وفي صحيح البخاري
(5)
عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: "حُسِبَتْ علي بتطليقة".
(1)
البخاري (5251) ومسلم (1471).
(2)
انظر "فتح الباري"(9/ 353).
(3)
"سننه"(4/ 9).
(4)
"فتح الباري"(9/ 353).
(5)
رقم (5253).
قال المانعون: أما عموم الآيات فيخصه قوله تعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ، فدل اتفاقًا على أن المأذون فيه هو الطلاق للعدة، فما وقع من صورة طلاق وليس للعدة فهو غير مأذون فيه اتفاقًا.
والأصل في النكاح أنه عقد لازمٌ يحب الله بقاءه، ولا يرضى قطعه، وقد مر دليل ذلك، وفي بعض الشرائع المتقدمة لا يمكن قطعه البتة، وإنما رخص الله تعالى لهذه الأمة في قطعه لشدة الحاجة إليه، فالطلاق رخصة، فإذا أوقعه الرجل كما أذن الله له وقع، وإذا أوقعه كما نهاه الله تعالى لم يقع.
[ص 2] واحتج الجمهور من السنة بحديث ابن عمر المشهور بل المتواتر، ولهم فيه حجج:
الأولى: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم "فليراجعها"، والمراجعة حقيقة شرعية في ردّ الزوج لو أوقع عليها طلاقًا رجعيًا إلى عصمة نكاحه في العدة.
الثانية: قوله: "ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يمسَّ"، ولو كانت طلقته التي طلَّقها في الحيض لاغيةً لما منعه من تطليقها في الطهر الذي يليها.
الثالثة: ما في الصحيحين
(1)
عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: "حُسِبَتْ علي بتطليقة". قال في الفتح
(2)
: "وقد أخرجه أبو نعيم من طريق
(1)
البخاري (5253). وأخرجه مسلم (1471/ 11، 12) من طريق أنس بن سيرين بنحوه.
(2)
(9/ 352).
عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه مثل ما أخرجه البخاري مختصرًا وزاد ــ يعني حين طلَّق امرأته ــ: فسأل عمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك". (فتح الباري).
وقال بعد ذلك
(1)
: "النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حُسِبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعيدًا جدًّا مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك. وكيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئًا برأيه وهو ينقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تغيَّظ من صنيعه؟ كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة؟ ".
ثم ذكر الحجة الرابعة: فقال
(2)
: "وقد أخرج ابن وهب في مسنده عن ابن أبي ذئب أن نافعًا أخبره أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال: "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر"، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وهي واحدة".
قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يحدث عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك.
وأخرجه الدارقطني
(3)
من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعًا عن نافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "هي واحدة".
(1)
"فتح الباري"(9/ 353).
(2)
المصدر نفسه (9/ 353).
(3)
في سننه (4/ 9).
وعند الدارقطني
(1)
في رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر في القصة فقال عمر: يا رسول الله! أفتُحتسب بتلك التطليقة؟ قال: "نعم". ورجاله إلى شعبة ثقات. (فتح الباري ج 9/ص 283).
وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي: نا ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر: أنه طلَّق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك له، فجعلها واحدة. (سنن البيهقي ج 7/ص 326).
جواب المانعين:
قالوا: أما احتجاجكم بقوله: "فليراجعها" "فهو غير ناهض؛ لأن الرجعة المقيدة ببعد الطلاق عرفٌ
(2)
شرعيٌ متأخر، إذ هي لغةً أعم من ذلك" (سبل السلام 2/ 96)
(3)
.
أقول: في هذا الجواب نظر، فقد جاء ذكر مراجعة الرجل زوجته في أحاديث أخر، كما في حديث:"راجعْ حفصةَ فإنَّها صوَّامة قوَّامة"
(4)
، وحديث:"راجِعْ أمَّ ركانة"
(5)
، وكثر في كلام الصحابة جدًّا، فيظهر من هذا
(1)
المصدر نفسه (4/ 5، 6).
(2)
في الأصل: "عرفي".
(3)
"سبل السلام"(3/ 171) طبعة دار الفكر.
(4)
قاله جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم، كما في "الاستيعاب"(4/ 1810). وأخرجه ابن سعد في "الطبقات"(8/ 84) والحارث بن أبي أسامة كما في "المطالب العالية"(4154) عن قيس بن زيد، وقيس مختلف في صحبته. انظر "فتح الباري"(9/ 286).
(5)
أخرجه أبو داود (2196) عن ابن عباس.
أن العرف جرى بذلك في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذا قيل:"راجع فلان امرأته" ظهر من ذلك أنه طلَّقها، فأقلُّ ما فيه أنه حقيقة عرفية ثابتة في عهده صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قيل: إذا سلم هذا، فإنما أطلقها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن الذي وقع صورة طلاق.
قلت: إنما فزع عمر وابنه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليبين لهم، وهذا مخالف للبيان.
فإن قيل: قد بيَّن بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" فنبَّه بذلك على أن ما وقع من ابن عمر كان على خلاف ما أمر الله، وهذا يُشعِر بعدم وقوعه، على ما تقدم في الجواب عما احتج به الجمهور من القرآن.
قلت: ليس هذا بالبين.
قالوا: وأما الحجة الثانية فلا يتعين ما قلتم لاحتمال أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره بالإمساك في ذلك الطهر معاملةً له بنقيض قصده من الاستعجال، وإظهارًا لبطلان تلك الطلقة، ولهذا ــ والله أعلم ــ أمره بأن يمس في ذلك الطهر، ولو أذن له بالطلاق فيه فطلق لحصل مقصوده من الاستعجال، ولم يظهر أثر بطلان تلك الطلقة التي طلَّق في الحيض.
[ص 3] وأما الحجة الثالثة: فلم يتبين لنا متى حُسِبَتْ عليه، فقد ثبت في "صحيح مسلم"
(1)
عنه: "ثم طلَّقتُها لطهرها".
(1)
رقم (1471/ 11).
فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيَّن له حين أمره بالمراجعة أن تلك الطلقة محسوبة عليه.
ويحتمل أن يكون فِهمَه من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "فليراجعها" على ما ذكرتم في الحجتين الأولَيين.
ويحتمل أن يكون بعد أن طلَّقها لطهرها أراد أن يراجعها، فبين له النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذٍ.
ويحتمل أن يكون تركها حتى انقضت عدتها، [و] أراد أن يتزوجها فسأل، فحُسِبَتْ عليه.
وفي هذا الأخير يحتمل أن يكون في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون الظاهر أنه هو الذي حسبها، ويحتمل أن يكون بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا فيكون الظاهر أن غيره هو الذي حسبها.
وليس هذا كقول الصحابي: "أُمِرنا بكذا"، فإن الظاهر في الأمر أنه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأما حساب الطلقة فيكون من القاضي والمفتي.
ويرجح هذا الأخير أن أكثر الروايات عن ابن عمر تدل أن حساب تلك الطلقة عليه كان باجتهادٍ ممن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ففي رواية
(1)
قال ابن عمر: "فراجعتها وحسبت لها التطليقة".
وفي رواية أنس بن سيرين
(2)
أنه قال لابن عمر: قلتُ فاعتددتَ بتلك
(1)
مسلم (1471/ 4).
(2)
المصدر نفسه (1471/ 11).
التطليقة التي طلقتَ وهي حائض؟ قال: "مالي لا أعتدُّ بها؟ وإن كنتُ عجزتُ واستحمقتُ".
وفي رواية يونس بن جبير
(1)
نحوه.
وفي رواية عبيد الله
(2)
عن نافع عن ابن عمر، قال عبيد الله: قلت لنافع: ما صَنَعتْ التطليقةُ؟ قال: "واحدة اعتدَّ بها".
وفي رواية الزهري
(3)
عن سالم عن عبد الله بن عمر: "وكان عبد الله ابن عمر طلَّقها تطليقةً واحدة فحُسِبَتْ من طلاقها".
هذا، وقد كان القول بعدم الوقوع مشهورًا حينئذٍ على ما قال في "الفتح" وعبارته
(4)
: "قوله: "باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق" كذا بتَّ الحكمَ بالمسألة، وفيها خلاف قديم عن طاوس وعن خِلاس بن عمرو وغيرهما، ومن ثمَّ نشأ سؤال من سأل ابن عمر عن ذلك". (فتح الباري ج 9/ص 281).
فعدم تنصيص ابن عمر ثم ابنه سالم ومولاه نافع بنص صريح مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حسب تلك الطلقة مع تكرار السؤال واشتهار الخلاف= ظاهرٌ في أنه لم يكن عند ابن عمر نص صريحٌ، وسيأتي ما يؤكد هذا.
(1)
المصدر نفسه (1471/ 9).
(2)
المصدر نفسه (1471/ 2).
(3)
المصدر نفسه (1471/ 4).
(4)
"فتح الباري"(9/ 351).
وأما الحجة الرابعة؛ فصنيع الدارقطني في "سننه"
(1)
يدل أنه يرى أن ذكر الواحدة في حديث ابن أبي ذئب إنما أصله أن ابن عمر طلَّق واحدة، أي: لم يطلق ثلاثًا، فإنه ساق من طريق أبي الزبير قال: سألت ابن عمر عن رجل طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فقال: أتعرف ابن عمر؟ قال: قلت: نعم، قال: طلقت امرأتي ثلاثًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي حائض فردها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السنة". ثم قال
(2)
: "هؤلاء كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلَّق امرأته واحدة في الحيض".
ثم ساق
(3)
رواية عبيد الله عن نافع عن عبد الله: "أنه طلَّق امرأته وهي حائض تطليقة".
ثم قال
(4)
: "وكذلك قال صالح بن كيسان وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أمية وليث بن سعد وابن أبي ذئب وابن جريج وجابر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: "أنه طلَّق امرأته تطليقة واحدة"، وكذلك قال الزهري عن سالم عن أبيه، ويونس بن جبير والشعبي والحسن".
[ص 4] ثم ساق الأحاديث مستدلًّا على ذلك
(5)
، فذكر رواية عبيد الله
(1)
(4/ 7).
(2)
المصدر نفسه (4/ 7).
(3)
المصدر نفسه (4/ 7).
(4)
المصدر نفسه (4/ 7).
(5)
المصدر نفسه (4/ 7 وما بعدها).
عن نافع، ثم رواية يونس بن جبير عن ابن عمر، ثم رواية إسماعيل بن أمية عن نافع، ثم رواية صالح عن نافع، وفي طريق منها:"نا نافع أن ابن عمر إنما طلَّق امرأته تلك واحدة"
(1)
.
وعقبه من طريق يزيد بن هارون أنا محمد بن إسحاق وابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر أنه طلَّق امرأته في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي حائض، فذكر عمر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ذكر نحوه. وقال ابن أبي ذئب في حديثه: هي واحدة، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"
(2)
.
ثم ذكر رواية موسى بن عقبة عن نافع، ثم رواية جابر عن نافع
(3)
.
فيظهر مما ذكرناه أن الذي فهم الدارقطني من ذكر الواحدة في رواية ابن أبي ذئب: أن المقصود منها أن ابن عمر إنما طلَّق واحدة لا ثلاثًا، وهذا هو الموافق لرواية الجماعة عن نافع.
وأما رواية البيهقي من طريق الطيالسي فهي لعمر الله ظاهرة فيما ذهبتم إليه، ولم نجد هذا الحديث في مسند الطيالسي، والطيالسي إمام حافظ ولكنه كثير الخطأ
(4)
.
قال أبو مسعود: "يخطئ"، وأقره أحمد على هذا القول.
(1)
المصدر نفسه (4/ 9).
(2)
المصدر نفسه (4/ 9).
(3)
المصدر نفسه (4/ 10).
(4)
انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب"(4/ 183 ــ 185). وفيه أقوال النقاد المذكورة.
وقال ابن عدي: "يخطئ في أحاديث منها، يرفع أحاديث يوقفها غيره، ويوصل أحاديث يرسلها غيره، وإنما أتي ذلك من حفظه".
وقال ابن سعد: "ربما غلط".
وقال أبو حاتم: "كان كثير الخطأ".
أقول: ومن قارن الأحاديث التي في مسنده بنظائرها مما يرويه غيره، وجد اختلافًا كثيرًا في المتون، وكأنه كان يروي بالمعنى، فاختصر حديث ابن أبي ذئب، وبنى على ما فهمه فقال:"فجعلها واحدة". والله أعلم.
نعم، قال
(1)
بعد ذلك: "نا أبو بكر نا عياش بن محمد نا أبو عاصم عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "هي واحدة".
كذا وقع في النسخة "عياش"، وأحسبه "عباس" وهو الدوري، فإن كان هو فكلهم ثقات، ولكن ابن جريج مشهور بالتدليس، ومع هذا فقد أعرض الدارقطني عن ظاهر هذه الرواية وألحقها برواية الجماعة عن نافع ــ كما تقدم ــ أي أن ذكر الواحدة في الحديث إنما هو في أن ابن عمر طلَّق واحدة.
وأما حديث الدارقطني من طريق شعبة عن أنس بن سيرين الذي قال الحافظ
(2)
: "ورجاله إلى شعبة ثقات"، فقال الدارقطني
(3)
: "نا عثمان بن أحمد الدقاق نا عبد الملك بن محمد أبو قلابة نا بشر بن عمر نا شعبة" فذكره.
(1)
أي الدارقطني في "سننه"(4/ 10).
(2)
في "الفتح"(9/ 353).
(3)
في "السنن"(4/ 5).
فأما الدقاق، ويقال له: السماك وابن السماك، فثقة، وغمزه الذهبي في الميزان
(1)
بما لا يجرحه.
وأما أبو قلابة فثقة، ولكن قال الدارقطني نفسه
(2)
: صدوق كثير الخطأ في الأسانيد والمتون، كان يحدث من حفظه، فكثرت الأوهام في روايته.
وقال الحاكم عن الدارقطني: لا يحتج بما ينفرد به، بلغني عن شيخنا أبي القاسم ابن بنت منيع أنه قال: عندي عن أبي قلابة عشرة أجزاء، ما منها حديث مسلَّم إما في الإسناد، وإما في المتن، كان يحدث من حفظه فكثرت الأوهام فيه".
وقال ابن خزيمة: حدثنا أبو قلابة القاضي أبو بكر
(3)
بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد.
أقول: والدقاق بغدادي، وكانت وفاة أبي قلابة سنة (276)، ووفاة الدقاق سنة (344)، أي بعد وفاة أبي قلابة بثمانٍ وستين سنة، فيظهر من هذا أنه إنما سمع من أبي قلابة بأخرة.
ثم رأيت السخاوي في "فتح المغيث"
(4)
قد صرح بذلك، فقال عند قول العراقي في فصل معرفة من اختلط من الثقات:"وكالرقاشي أبي قلابة": "وممن سمع منه أخيرًا ببغداد: أبو عمرو عثمان بن أحمد السماك، وأبو بكر
(1)
(3/ 31).
(2)
كما في "تهذيب التهذيب"(6/ 420). وفيه بقية الأقوال المذكورة هنا.
(3)
كذا في "التهذيب" بزيادة "أبو بكر"، ولا وجود لها في "تاريخ بغداد"(10/ 426).
(4)
(4/ 378) طبعة الهند.
محمد بن عبد الله الشافعي، وغيرهما، فعلى قول ابن خزيمة سماعهم منه بعد الاختلاط" (فتح المغيث ص 489).
وحديث شعبة عن أنس بن سيرين في الصحيحين
(1)
وغيرهما من طرق كثيرة، والذي فيه أن أنس بن سيرين هو الذي سأل ابن عمر فأجابه، فوهم أبو قلابة على بشر عن شعبة في قوله: إن السائل هو عمر سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الله أعلم.
وقد ذكر الدارقطني
(2)
حديثًا آخر يشبه هذا قال: "نا عثمان بن أحمد الدقاق نا الحسن بن سلام نا محمد بن سابق نا شيبان عن فراس عن الشعبي قال: طلَّق ابن عمر امرأته وهي حائض، فانطلق عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فأمره أن يراجعها، ثم يستقبل الطلاق في عدتها، وتحتسب بهذه التطليقة التي طلَّق أول مرة".
وأخرجه البيهقي
(3)
من طريق ابن أبي خيثمة قال: "ثنا محمد بن سابق أبو جعفر إملاءً من كتابه" فذكره. (سنن البيهقي ج 7/ص 326).
أقول: ابن سابق وشيبان وفراس كلهم من رجال الصحيحين، لكن في مقدمة "فتح الباري"
(4)
في ترجمة ابن سابق: "وثقه العجلي، وقواه أحمد بن حنبل، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة، وليس ممن يوصف بالضبط، وقال
(1)
البخاري (5252) ومسلم (1471/ 12).
(2)
(4/ 11).
(3)
(7/ 326).
(4)
(ص 439).
النسائي: لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف.
قلت: ليس له في البخاري إلا حديث واحد
…
وقد تابعه عليه عنده عبيد الله بن موسى".
وفي شيبان وفراس كلام يسير غير قادح، إلا أن الحديث مرسل، فإن الشعبي تابعي لم يدرك القصة.
وهذا يشبه ما رواه عطاء عن ابن الحنفية
(1)
: أن عمارًا مرَّ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم .. إلخ. وقد حكم عليه يعقوب بن شيبة بالإرسال.
ونحوه ما رواه عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق
(2)
: أن طلقًا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد قال البيهقي
(3)
: منقطع لأن قيسًا لم يشهد سؤال طلَّق.
وهكذا قول ضمرة عن عبيد الله بن عبد الله
(4)
: أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي. وقد نص ابن خزيمة على انقطاعه.
ولهذا قال الإمام أحمد: إن "عن عروة أن عائشة" قالت: يا رسول الله، و"عن عروة عن عائشة" ليسا سواء. (انظر فتح المغيث ص 68 - 69)
(5)
.
(1)
أخرجه النسائي (3/ 6).
(2)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 135) و"المعرفة"(1/ 411).
(3)
"معرفة السنن والآثار"(1/ 411).
(4)
أخرجه البيهقي في "الكبرى"(3/ 294).
(5)
"فتح المغيث"(1/ 196 ــ 198) طبعة الهند.
له الحمد
(1)
:
هذه القضية قد عُرِضتْ علي قبل مدة، وأجبت بما ظهر لي، وذكرت [قول] أصحابنا الشافعية: أن الزوجين إذا ادّعيا بعد الطلاق الثلاث أن النكاح الأول كان بشهادة فسَّاق، وغرضهما أن يثبت بطلانه في مذهب الشافعي، لكي يعقدا عقدًا جديدًا بدون تحليل، لم يسمع القاضي الشافعي دعواهما، ولم يقبل منهما بينة. ولم يظهر لي بعدُ ما يخالفه، وأرى أن التسهيل من هذا الوجه مخالفٌ لمقاصد الشريعة، ومفتاح فساد لتخريب حدودها، فإن كان الزوجان يريدان الترخص، فأقرب الطرق وأشبهها بالحق: تقليد من يقول من أهل العلم: إن الطلقات التي لم تتخللها رجعة إنما تحسب طلقة واحدة.
القاضي أبو القاسم الداودي:
إن الوداد لدى أناسٍ خدعة
…
كوميضِ برقٍ في جَهامِ غَمامِ
فهو المقال الفرد عند القوم كالـ
…
إيمانِ عند محمدِ بن كِرَام
(الإعجاز والإيجاز ص 266).
(1)
كذا في آخر الكتاب في صفحة مستقلة، وألحقناه بالكتاب لأنه في موضوعه.