المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ولكن لَمَّا كانَتْ في ضمن الجملةِ نَسَبَ ذلكَ إلى الجملة. - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون - جـ ٣

[السمين الحلبي]

الفصل: ولكن لَمَّا كانَتْ في ضمن الجملةِ نَسَبَ ذلكَ إلى الجملة.

ولكن لَمَّا كانَتْ في ضمن الجملةِ نَسَبَ ذلكَ إلى الجملة. وقوله {هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ} : تحتملُ هذه الجملةُ أن تكونَ مستأنفةً سيقت لمجرد الإِخبار بذلك، وأن تكونَ في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً لإِنَّ.

ص: 25

قوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ} : يجوزُ أن تكونَ «آيات» رفعاً بالابتداء والجارُّ خبرُه. وفي الجملةِ على هذا وجهان، أحدهما: أنها مستأنفةٌ. والثاني: أنها في محلِّ نصب على الحال من «الكتاب» أي: هو الذي أنزل الكتاب في هذه الحال أي: منقسماً إلى مُحْكَم ومتشابه، ويجوز أن يكونَ «منه» هو الحالَ وحدَه، و «آياتٌ» رفع به على الفاعلية.

و {هُنَّ أُمُّ الكتاب} يجوز أن تكونَ الجملةُ صفةً للنكرة قبلها، ويجوز أن تكونَ مستأنفةً، وأخْبر بلفظ الواحد وهو «أمُّ» عن جمع، وهو «هُنَّ» : إمَّا لأن المراد كلُّ واحدةٍ منه أمُّ، وإمَّا لأنْ المجموعَ بمنزلةِ آيةٍ واحدة كقوله:{وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50]، وإما لأنه مفردٌ واقعٌ موقعَ الجمعِ كقوله:{وعلى سَمْعِهِمْ} [البقرة:‌

‌ 7]

و:

1163 -

كُلوا في بعضِ بطنِكُمُ تَعِفُّوا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[وقوله] :

1164 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وأمَّا جِلْدُها فَصَلِيب

[وقال الأخفشْ: «وَحَّد» أمَّ الكتاب «بالحكاية على تقديرِ الجواب

ص: 25

كأنه قيل: ما أمُّ الكتاب؟» ] فقال: هُنَّ أمُّ الكتاب، كما يقال: مَنْ نظير زيد؟ فيقول قوم: «نحنُ نظيرُه» كأنهم حَكَوا ذلك اللفظَ، وهذا على قولهم:«دعني من تمرتان» أي: «مِمَّا يقال له تمرتان» . قال ابن الأنباري: «وهذا بعيدٌ من الصواب في الآية، لأن الإِضمارَ لم يَقُمْ عليه دليلٌ، ولم تَدْعُ إليه حاجةٌ» وقيل: لأنه بمعنى أصلِ الكتابِ والأصلُ يُوَحَّدُ.

قوله: «وأُخَرُ» نسقٌ على «آيات» ، و «متشابهاتٌ» نعتُ لأُخَر، وفي الحقيقة «أُخَرُ» نعتٌ لمحذوف تقديره: وآياتٌ أُخَرٌ متشابهاتٌ. قال أبو البقاء: «فإنْ قيل: واحدةُ» متشابهات «متشابهة، وواحدة» أُخَر «أُخْرى، والواحدةُ هنا لا يَصِحُّ أن توصف بهذا الواحد فلا يُقال، أخرى متشابهة إلا أن يكونَ بعضُ الواحدةُ يُشبْه بعضاً، وليس المعنى على ذلك/ وإنما المعنى أنَّ كل آيةٍ تشبه آيةً أخرى، فكيف صَحَّ وصفُ هذا الجمعِ بهذا الجمعِ، ولم يَصِحَّ وصفُ مفردهِ بمفرده؟ قيل: التشابهُ لا يكون إلا بين اثنينِ فصاعداً، فإذا اجتمعت الأشياءُ المشابهةُ كان كل واحدٍ منها مشابهاً للآخر، فلمَّا لم يَصِحَّ التشابُه إلا في حالةِ الاجتماع وَصَفَ الجمعَ بالجمع لأنَّ كلَّ واحدٍ منها يشابه باقيها، فأمَّا الواحدُ فلا يَصِحُّ فيه هذا المعنى، ونظيرُه قوله:{فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ} [القصص: 15] فثنَّى الضميرَ وإن كان الواحدُ لا يَقْتَتِلُ. قلت: يعني أنه ليس من شرطِ صحةِ الوصفِ في التثنية أو الجمعِ صحةُ انبساطِ مفرداتِ الأوصاف على مفرداتِ الموصوفاتِ، وإنْ كان الأصلُ ذلك، كما أنه لا يُشْتَرط في إسناد الفعلِ إلى المثنَّى والمجموعِ صحةُ إسنادِه لى كلِّ واحدٍ على حِدَتِه.

وقريب من ذلك قوله: {حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش} [الزمر: 75] قيل: ليس لحافِّين مفردٌ

ص: 26

لأنه لو قيل: «حافّ» لم يَصِحَّ، إذ لا يتحقق الحُفوفُ في واحد فقط، وإنما يتحقق بجمعِ يُحيطون بذلك الشيء المحفوفِ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في موضعِهِ.

قوله: {زَيْغٌ} يجوز أن يكون مرفوعاً بالفاعلية لأنَّ الجارَّ قبله صلةٌ لموصول ويجوز أن يكونَ مبتدأ وخبُره الجارُّ قبله.

والزَّيْغُ: قيل: المَيْلُ، وقال بعضُهم: هو أخصُّ مِنْ مُطْلق الميل، فإنَّ الزيغَ لا يُقال إلَاّ لِما كان من حقٍ إلى باطل. قال الراغب:«الزَّيْغُ: الميلُ على الاستقامةِ إلى أحدِ الجانبين، وزاغَ وزالَ ومالَ تتقارب، لكن» زاغ «لا يُقال إلا فيما كان عن حق إلى باطل» انتهى. يقال: زاغَ يزيغُ زَيْغاً وزيغوغَةً وزَيَغاناً وزُيوغاً. قال الفراء: «والعربُ تقول في عامةِ ذواتِ الياء مِمَّا يشبه زِغْتُ مثل: سِرْتُ وصِرْتُ وطِرْتُ: سَيْرورةً وصَيْرورةً وطَيْرورةً، وحِدْتُ حَيْدودة، ومِلْتُ مَيْلولة، لا أُحصي ذلك كثرةً، فأما ذوات الواو مثل: قُلت ورضِيت فإنهم لم يقولوا ذلك إلا في أربعة ألفاظ: الكَيْنونة والدَّيْمومة من دام، والهَيْعُوعة من الهُواع، والسَّيدودة من سُدْت» . ثم ذكر كلاماً كثيراً غيرَ متعلقٍ بما نحن فيه، وقد تقدَّم الكلامُ على هذا المصدر، وما ذكر الناس فيه، وأنه قد سُمِع فيه الأصل وهو «كَيَّنونة» في قول الشاعر:

1165 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حَتَّى يعودَ البحرُ كَيَّنونَهْ

قوله: {مَا تَشَابَهَ} مفعولُ الاتباع، وهي موصولةٌ أو موصوفة، ولا تكون مصدريةً لعَوْدِ الضمير مِنْ «تَشَابَه» عليها إلَاّ على رأي ضعيفٍ. و «منه» حالٌ من فاعل «تشابه» أي: تشابه حالَ كونِه بعضَه.

ص: 27

قوله: «ابتغاءَ» منصوبٌ على المفعولِ له أي: لأجلِ الابتغاء، وهو مصدرٌ مضافٌ لمفعوله. والتأويلُ: مصدرُ أَوَّل يُؤَوِّل. وفي اشتقاقِه قولان أحدهما: أنه من آل يَؤُول أَوْلاً ومَآلاً. أي: عادَ ورجَع، و «آلُ الرجل» من هذا عند بعضِهم، لأنهم يَرْجِعون إليه في مُهِمَّاتهم، ويقولون: أَوَّلْتُ الشيءَ فآلَ، أي: صَرَفْتُه لوجهٍ لائقٍ به فانصرفَ، قال الشاعر:

1166 -

أُؤَوِّلُ الحكمَ على وجهه

ليس قضائي بالهَوى الجائر

وقال بعضُهم: أَوَّلْتُ الشيءَ فتأوَّل، فجعل مطاوِعَه تَفَعَّل، وعلى الأول مطاوعه فَعَل، وأنشد للأعشى:

1167 -

على أنها كانَتْ تَأَوُّلُ حُبِّها

تَأَوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقَابَ فَأَصْحَبَا

يعني أنَّ حبَّها كان صغيراً قليلاً فآل إلى العِظَم، كما يَؤُول السَّقْبُ إلى الكِبَر. ثم قد يُطْلق على العاقبةِ والمَرَدِّ، لأنَّ الأمرَ يَصِير إليهما.

والثاني: أنه مشتقٌ من: الإِيالة وهي السياسة. تقول العرب: «قد إلْنا وإيل علينا» أي: سُسْنا وساسَنا غيرُنا، وكأنَّ المؤوِّلَ للكلامِ سائِسُه والقادرُ عليه وواضعُه موضعَه، نُقل ذلك عن النضر بن شميل. وفَرَّق النَاس بين التأويل والتفسير في الاصطلاح: بأن التفسيرَ مقتصَرٌ به على ما لا يُعْلم إلا بالتوقيف كأسباب النزول ومدلولاتِ الألفاظ، وليس للرأي فيه مَدْخَلٌ، والتأويل يجوز لمَنْ حَصَلَتْ عنده صفاتُ أهلِ العلم وأدواتٌ يَقْدِرُ أن يتكلَّم بها إذا رَجَع بها إلى أصولٍ وقواعدَ.

ص: 28

وقوله: {والراسخون} يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أنه مبتدأ والوقفُ على الجلالة المعظمة، وعلى هذا فالجملةُ من قوله:«يقولون» خبرُ المبتدأ. والثاني: أنهم منسوقونٌ على الجلالةِ المعظمةِ، فيكونون داخلين في علم التأويل. وعلى هذا فيجوز في الجملةِ القولية وجهان، أحدُهما: أنها حالٌ أي: يعلمون تأويلَه حالَ كوِنهم قائلين ذلك، والثاني: أن تكون خبرَ مبتدأٍ مضمرٍ أي: هم يقولون.

والرُّسوخ: الثُبوتُ والاستقرار ثبوتاً متمكِّناً فهو أخصُّ من مطلقِ الثبات قال الشاعر:

1168 -

لقد رَسَخَتْ في القلبِ مني مودَّةٌ

لِلَيْلَى أَبَتْ آياتُها أَنْ تُغَيَّرا

و {آمَنَّا بِهِ} في محلِّ نصب بالقول، و «كل» مبتدأٌ، أي كله أو كلٌّ منه، والجارُّ بعده خبرهُ، والجملةُ نصبٌ بالقول أيضاً.

ص: 29

قوله تعالى: {لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} : العامَّةُ على ضَمِّ حرفِ المضارعة من: أزاغ يُزيغ. و «قلوبَنا» مفعول به. وقرأ أبو بكر وابن فايد والجراح «لا تَزِغ قلوبُنا» بفتح التاء ورفع «قلوبنا» ، وقرأه بعضهم كذلك إلا أنه بالياء من تحت، وعلى القراءتين فالقلوب فاعلٌ بالفعل المنهيِّ عنه،

ص: 29

والتذكير والتأنيث باعتبار تأنيثِ الجمعِ وتذكيرِه، والنهيُ في اللفظ للقلوب، وفي المعنى دعاءٌ لله تعالى، أي: لا تُزِغْ قلوبَنا فَتَزيغَ، فهو من باب «لا أُرَيَنَّك هَهنا» وقولِ النابغة:

1169 -

لا أَعْرِفَنْ رَبْرَباً حُوراً مَدامِعُها

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قوله: {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} «بعد» منصوبٌ ب «لا تُزِغْ» و «إذ» هنا خَرَجَتْ عن الظرفيةِ للإِضافةِ إليها، وقد تقدَّم أنَّ تصرُّفَها قليلَ، وإذا خرجت عن الظرفية فلا يتغَّيرُ حكمُها من لزومِ إضافتها إلى الجملة بعدها كما لم يتغير غيرُها من الظروف في هذا الحكمِ، ألا ترى إلى قوله:{هذا يَوْمُ يَنفَعُ} [المائدة: 119] و {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ} [الانفطار: 19] في قراءة من رفع «يوم» في الموضعين، وقول الآخر:

1170 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . على حينِ الكرامُ قليلُ

[وقوله] :

ص: 30

1171 -

على حينِ مَنْ تَلْبَثْ عليه ذَنُوبُه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[وقوله] :

1172 -

على حينِ عاتَبْتُ المشيبَ على الصِّبا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[وقوله] :

1173 -

ألا ليت أيامَ الصفاءِ جديدُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

كيف خرجَتْ هذه الظروفُ من النَّصبِ إلى الرفعِ والجرِّ والنصبِ ب «ليت» ومع ذلك هي مضافةٌ للجملِ التي بعدها.

قوله: {وَهَبْ} الهِبَةُ: العَطِيَّةُ، حُذِفَتْ فاؤها لِما تقدَّم في «عِدة» ونحوِها، كان حقُّ عينِ المضارع فيها كسرَ العين منه، إلا أنَّ ذلك مَنَعه كونُ العينِ حرفَ حلق، فالكسرةُ مقدرةٌ. فلذلك اعتُبِرت تلك الكسرةُ المقدرة، فحُذِفَت لها الواو، وهذا نحو: يَضَع ويَسَع لكونِ اللامِ حرفَ حلق. ويكون «هَبْ» فعلَ أمرِ بمعنى ظُنَّ، فيتعدَّى لمفعولين كقوله:

1174 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وإلَاّ فَهَبْنِي أمرَأً هالِكاً

ص: 31

وحينئذ لا تتصرَّفُ. ويقال أيضاً: «وَهَبَني اللهُ فداكَ» أي: جَعَلَني، ولا تتصرَّفُ أيضاً عن الماضي بهذا المعهنى.

قوله: {مِن لَدُنْكَ} متعلق ب «هَبْ» ، ولَدُنْ: ظرف وهي لأولِ غايةِ زمانٍ أو مكان أو غيرهما من الذوات نحو: مِنْ لَدُن زيد، فليست مرادفةً ل «عند» بل قد تكون بمعناها، وبعضُهم يقيِّدها بظرف المكان، وتُضاف لصريح الزمان، قال:

1175 -

تَنْتَهِضُ الرِّعْدة في ظُهَيْري

من لَدُنِ الظُّهْرِ إلى العُصَيْرِ

ولا تُقْطَعُ عن الإِضافةَ بحالٍ، وأكثرُ ما تضافُ إلى المفرداتِ، وقد تُضَافُ إلى «أن» وصلتها لأنهما بتأويلِ مفردٍ قال:

1176 -

وُلِيْتَ فلم تَقْطَعْ لدُنْ أَنْ وَليْتَنَا

قرابةَ ذي قُرْبى ولا حَقَّ مُسْلِمِ

أي: لدنْ ولايتك إيانا، وقد تُضَاف إلى الجملةِ الاسمية كقوله:

1177 -

تَذَكَّرُ نُعْماه لَدُنْ أنتَ يافعٌ

إلى أنتَ ذو فَوْدَيْنِ أبيضَ كالنسرِ

وقد تُضاف للفعلية كقوله:

1178 -

لَزِمْنا لَدُنْ سالَمْتُمونا وفاقَكم

فلايكُ منكمْ للخِلافِ جُنوحُ

وقال آخر:

1179 -

صريعُ غوانٍ رَاقَهُنَّ ورُقْنَه

لدُنْ شَبَّ حتى شابَ سودَ الذوائبِ

ص: 32

وفيها لغتان: الإِعراب وهي لغةُ قيس. وبها قرأ أبو بكر عن عاصم: «مِنْ لَدُنهِ» بجر النون، وقوله:

1180 -

من لَدْنِ الظهرِ إلى العُصَيْرِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ولا تخلوا مِنْ «مِنْ» غالبا، قاله ابن جني. ومِنْ غير الغالب ما تقدَّم من قوله «لَدُنْ أَنت يافع» «لَدُنْ سالمتمونا» . وإنْ وقع بعدها لفظُ «غدوة» خاصةً جاز نصبُها ورفعُها، فالنصبُ على خبرِ كان أو التمييزِ، والرفعُ على إضمار «كان» التامةِ، ولولا هذا التقديرُ لَزم إفرادِ «لَدُنْ» عن الإِضافة، وقد تقدَّم أنه لا يجوزُ، فَمِنْ نَصْبِ «غدوة» قولُه:

1181 -

وما زال مُهْرِي مَزْجَرَ الكلبِ منهم

لَدُنْ غدوةً حتى دَنَتْ لغروبِ

واللغةُ المشهورةُ بناؤُها، وسببُه شَبَهُها بالحَرْف في لزومِ استعمالٍ واحد، وامتناعَ الإِخبار بها بخلافِ عند ولدى، فإنهما لا يَلْزَمان استعمالاً واحداً، إذ يكونان فَضْلةً وعُمْدةً وغايةً وغيرَ غاية بخلاف «لَدُن» . وقال بعضهم:«عِلَّةُ بنائِها كونُها دالةً على الملاصَقَةِ صفةً ومختصةً بها بخلافِ» عند «فإنها لا تدلُّ على الملاصقةِ، فصارَ فيها مَعنًى لا يَدُلُّ عليه الظرفُ، بل هو من قبيلِ ما يَدُلُّ عليه الحرفُ، فكأنها مُضَمَّنةٌ معنى حرفٍ، كانَ مِنْ حقِّه أن يُوضَعَ لذلك فَلم يُوْضَعْ، كما قالوا في اسم الإِشارة.

واللغتان المذكورتان من الإِعراب والبناء مختصتان ب» لدن «المفتوحةِ اللامِ المضمومةِ الدالِ، الواقعِ آخرَها نونٌ، وأمَّا بقيةُ لغاتها على ما سنذكره

ص: 33

فإنها مبنيةٌ عند جميع العرب. وفيها عشرُ لغات: الأولى وهي المشهورة، ولدَن ولدِن بفتح الدال وكسرِها، ولَدْن ولُدْن بفتح اللام، وضمها مع سكونِ الدال وكسر النون، ولُدْنَ بالضم والسكون وفتح النون، ولَدْ ولُدْ بفتح اللام وضمها مع سكون الدال، ولَدُ بفتح اللام وضم الدال ولَتْ بإبدال الدالِ تاء ساكنة، ومتى أُضيفت المحذوفةُ النونِ إلى ضميرٍ وَجَبَ رَدُّ النونِ.

قوله: {أَنْتَ الوهاب} يُحْتمل أن تكونَ مبتدأً وأَنْ تكونَ ضميرَ الفصلِ وأن تكون تأكيداً لاسمِ» إنَّ «.

ص: 34

قوله تعالى: {جَامِعُ الناس} : قرأ أبو حاتم: «جامعٌ الناسَ» بالتنوينِ والنصبِ.

و {لِيَوْمٍ} اللامُ للعلة أي: لجزاءِ يوم، وقيل: هي بمعنى في، ولم يُذْكَرْ المجموعُ لأجلهِ. و {لَاّ رَيْبَ} صفةٌ ليوم، فالضميرُ في «فيه» عائدٌ عليه. وأبعد مَنْ جَعَلَه عائداً على الجمعِ المدلولِ عليه بجامعٍ، أو على الجزاءِ المدلولِ عليه بالمعنى أو على العَرْض.

قوله: {إِنَّ الله لَا يُخْلِفُ الميعاد} يجوزُ أن يكونَ من تمامِ حكاية قولِ الراسخين فيكونَ التفاتاً من خطابهِم للباري تعالى بغير الخطاب إلى الإِتيانِ بالاسمِ الظاهرِ دلالةً على تَعْظِيمه، ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً من كلام اللهِ فلا التفاتَ حينئذٍ، والميعادُ: مصدرٌ، وياؤُه عن واو لانكسار ما قبلَها كميِقات.

ص: 34

قوله تعالى: {لَن تُغْنِيَ} : العامَّةُ على «تُغْني» بالتاء من

ص: 34

فوق مراعاةً لتأنيث الجمع. وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن بالياء مِنْ تحتِ بالتذكيرِ على الأصل، وسَكَّن الحسن ياء «تُغْني» استثقالاً للحركةِ على حرفِ العلة. وذهاباً به مذهبَ الألف، وبعضُهم يَخُصُّ هذا بالضرورةِ.

قوله: {مِّنَ الله} في «من» هذه أربعة أوجه: أحدها: أنها لابتداءِ الغاية مجازاً أي: مِنْ عذاب الله وجزائه. الثاني: أنها بمعنى عند، قال أبو عبيدة: هي بمعنى عند كقوله: {أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 4] أي: عندَ جوع وعند خوف، وهذا ضعيفٌ عند/ النحويين.

الثالث: أنها بمعنى بدل. قال الزمخشري: «قوله» من الله مثلُ قوله: {إَنَّ الظن لَا يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً} [يونس: 36]، والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة الله أو من طاعته شيئاً أي: بدلَ رحمتِه وطاعته وبدلَ الحق، ومنه «ولا يَنْفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» أي: لا ينفعَهُ جَدُّه وحَظُّه من الدنيا بدلك، أي: بدلَ طاعتِك وما عندَك، وفي معناه قولُه تعالى:{وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى} [سبأ: 37] ، وهذا الذي ذَكَره من كونِها بمعنى «بدل» جمهورُ النحاة يَأْباه، فإنَّ عامَّة ما أورده مجيزُ ذلك بتأولُه الجمهور، فمنه قولُه:

ص: 35

1182 -

جاريةٌ لم تأْكِلِ المُرَقَّقا

ولم تَذُقْ من البقولِ الفُسْتقا

وقول الآخر:

1183 -

أخذوا المَخَاضَ من الفصيلِ غُلُبَّةً

ظُلْماً ويُكتبُ للأميرِ أَفِيلا

وقال تعالى: {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَائِكَةً} [الزخرف: 60]{أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة} [التوبة: 38] .

الرابع: أنها تبعيضيةٌ، ألَاّ أنَّ هذا الوجهَ لَمَّا أجازه الشيخ جعله مبنياً على إعرابِ «شيئاً» مفعولاً به، بمعنى: لا يَدْفع ولا يمنع. قالَ: فعلى هذا يجوزُ أن تكونَ «مِنْ» في موضع الحال من شيئاً، لأنه لو تأخَّر لكان في موضع النعتِ له، فلمَّا تقدَّم انتصب على الحال، وتكن «مِنْ» إذ ذاك للتعبيض. وهذا ينبغي ألَاّ يجوزَ البتة، لأنَّ «مِنْ» التبعيضيَّةَ تُؤوَّلُ بلفظ «بعض» مضافةً لِما جَرَّته مِنْ، ألا ترى أنك إذا قلت:«رأيت رجلاً من بني تميم» معناه بعضَ بني تميم، و «أخذت من الدارهم» : بعضَ الدراهم، وهنا لا يُتَصَوَّرُ ذلك أصلاً، وإنما يَصِحُّ جَعْلُه صفةً لشيئاً إذا جعلنا «مِنْ» لابتداء الغايةى كقولك:«عندي درهم من زيد» أي: كائن أو مستقر من زيد، ويمتنع فيها التبعيضُ، والحالُ كالصفةِ في المعنى، فامتنعَ أن تكونَ «مِنْ» للتعبيض مع جَعْلِه «من الله» حالاً من «شيئاً» ، والشيخُ تَبعَ في ذلك أبا البقاء، إلَاّ أنَّ أبا البقاء حين قال ذلك

ص: 36

قَدَّرَ مضافاً صَحَّ به قَولُه، والتقدير: شيئاً من عذاب الله، فكان ينبغي أن يَتْبَعَه [في هذا الوجه مُصَرِّحاً بما يَدْفَعُ] هذا الردَّ الذي ذكرتُه.

و «شيئاً» : إمَّا منصوبٌ على المفعولِ به، وقد تقدَّم تأويله، وإمَّا على المصدرية أي: شيئاً من الإِغناء. قوله: {وأولئك هُمْ وَقُودُ} هذه الجملةُ تحتمل وجهين، أحدُهما: أن تكونَ مستأنفةً. والثاني: أن تكونَ منسوقةً على خبر إنَّ، و «هم» يحتملُ الابتداءَ والفصلَ. وقرأ العامة:«وَقود» بفتح الواو، والحسن بضمِّها، وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة، وأنَّ المصدريةَ مُحْتَمَلةٌ في المفتوحِ الواوِ أيضاً، وحيث كان مصدراً فلا بد من تأويلِه فلا حاجةً إلى إعادتِه هنا.

ص: 37

قوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} : في هذه الكافِ وجهان، أحدُهما: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ مضمرٍ تقديرُه: دَأْبُهم في ذلك كدأبِ آلِ فرعون، وبه بدأ الزمخشري وابن عطية.

والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ وفي الناصب لها تسعةُ أقوال: أحدها: أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والعاملُ فيه «كفروا» تقديره:«إنَّ الذين كفروا كفراً كدأبِ آل فرعون» ، أي: كعادَتِهم في الكفر، وهو رأيُ الفراء. وهذا القولُ مردودٌ بأنه قد أَخْبَرَ عن الموصول قبل تمام صلتِه، فَلَزِمَ الفصلَ بين أبعاضِ الصلةِ بالأجنبي، وهو لا يجوزُ. والثاني: أنه منصوبٌ بكفروا، لكنْ مقدَّراً لدلالةِ

ص: 37

هذا الملفوظِ به عليه. الثالث: أن الناصبَ مقدرٌ مدلولٌ عليه بقوله: «لَنْ تُغني» أي بَطَلَ انتفاعُهم بالأموال والأولادِ كعادةِ آل فرعون، في ذلك. الرابع: أنه منصوبٌ بلفظ «وقود» أي: تُوقد النارُ بهم كما توقد بآل فرعون، كما تقول:«إنك لتظلم الناس كدأبِ أبيك» تريد: كظلمِ أبيك، قاله الزمخشري. وفيه نظرٌ لأن الوَقودَ على القراءةِ المشهورةِ الأظهرُ فيه أنه اسمٌ لما يُوْقَدُ به، وإذا كان اسماً فلا عملَ له. فإنْ قيل: إنه مصدرٌ أو على قراءةِ الحسن صَحَّ. الخامس: أنه منصوبٌ بنفس «لن تُغْني» أي: لن تُغْنِي عنهم مثلَ ما لم تَغْنِ عن أولئك، ذَكَره الزمخشري، وضَعَّفه الشيخ بلزوم الفصلِ بين العامل ومعمولِه بالجملةِ التي هي قوله:{وأولئك هُمْ وَقُودُ النار} ، قال:«على أيّ التقديرين اللذين قَدَّرْناهما فيها من أن تكونَ معطوفةً على خبر» إنَّ «أو على الجملةِ المؤكَّدةِ بإنَّ. قال:» فإنْ جَعَلْتهَا اعتراضيةً وهو بعيدٌ جاز ما قاله الزمخشري السادس: أن يكونَ العاملُ فيها فعلاً مقدراً مدلولاً عليه بلفظِ الوقودِ تقديرُه: يُوقد بهم كعادةِ آل فِرعون، ويكون التشبيهُ في نفسِ الاحتراق، قاله ابن عطية. السابع: أَنَّ العاملَ «يُعَذَّبون» كعادة آل فرعون، يَدُلُّ عليه سياقُ اكلام. الثامن: أنه منصوبٌ ب: «كَذَّبوا بآياتنا» ، والضميرُ في «كَذَّبوا» على هذا لكفار مكة وغيرِهم من معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كَذَّبوا تكذيباً كعادةِ آل فِرعون في ذلك التكذيبِ. التاسع: أنَّ العاملَ فيه قوله {فَأَخَذَهُمُ الله} أي: فأخذهم الله أَخْذاً كأخذِه آلَ فرعون، وهذا مردودٌ، فإنَّ ما بعد الفاءِ العاطفةِ لا يَعْمل فيها قبلها، لا يجوزُ: «قُمْتُ زيداً

ص: 38

فضربْتُ» وأما «زيداً فاضربْ» فقد تقدَّم الكلامُ عليه في البقرة. وقد حكى بعض النحويين عن الكوفيين أنهم يُجيزون تقديمَ المعمولِ على حرف العطف فعلى هذا يجوز هذا القول.

وفي كلام الزمخشري سهوٌ فإنه قال: «ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ مَحَلُّ الكاف ب» لن تُغْني «أو» بخالدون «أي: لن تُغْنيَ عنهم مثلَ ما لم تُغْنِ عن أولئك، أو هم فيها خالدون كما يَخْلُدون» ، وليس في لفظ الآية الكريمة «خالدون» إنما نظْمُ القرآن:{وأولئك هُمْ وَقُودُ النار} ويَبْعُدُ أَنْ يُقال أراد «خالدون» مقدَّراً يَدُلُّ عليه سياقُ الكلام.

قوله: {والذين مِن قَبْلِهِمْ} يجوزُ أن يكونَ مجروراً نَسَقَاً على آل فرعون وأن يكونَ مرفوعاً على الابتداء، والخبرُ قولُه بعدَ ذلك:{كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله} وهذان الاحتمالان جائزان مطلقاً. وخَصَّ أبو البقاء جوازَ الرفعِ بكونِ الكافِ في محلِّ الرفعِ فقال: «فعلى هذا أي على كونِها مرفوعةَ المحلِّ خبراً لمبتدأٍ مضمرٍ يجوزُ في {والذين مِن قَبْلِهِمْ} وجهان أحدُهما: هو جرُّ بالعطفِ/ أيضاً، و» كَذَّبوا «في موضعِ الحالِ، و» قد «معه مضمرةٌ، ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً لا موضعَ له، ذُكِر لشَرْحِ حالِهم، والوجهُ الآخرُ أن يكونَ الكلامُ تَمَّ على فرعون و» الذين مِنْ قبلِهم مبتدأُ، وكَذَبوا خبرُه «.

والدَّأْبُ: العادَةُ، يقال: دَأَبَ يَدْأَبُ أي: واظبَ ولازَم، ومنه:» دَأَبا «أي: مداومةً. وقال امرؤ القيس:

ص: 39

1184 -

كدَأْبِك من أمِّ الحُوَيْرث قبلها

وجارتِها أمِّ الرَّبابِ بمَأْسَلِ

ويقال: دَأَبَ يدأَبُ دؤُوبا، قال زهير:

1185 -

لأرتَحِلَنْ بالفجر ثم لأدْأَبَنْ

إلى الليلِ إلَاّ أن يُعَرِّجَني طِفْلُ

وقال الواحدي: الدأَبُ: الإِجهاد والتعبُ، يقال: سار فلان يومه كلَّه يدأَبُ فيه فهو دائِبٌ، أي: أُجْهِدَ في سيره، هذا أصلُه في اللغة، ثم يصير الدأبُ عبارةً عن الحالِ والشأن والعادةِ، لاشتمالِ العمل والجُهْدِ على هذا كله، ولذا قال الزمخشري قال:» [الدأب] : مصدرُ دَأَب في العملِ إذا كَدَحَ فيه، فَوُضِعَ مََوْضِعَ ما عليه الإِنسان من شأنِه وحاله «ويقال: دَأْب ودَأَب، بسكون الهمزة وفتحها، وهما لغتان في المصدر كالضَّأْن والضَّأَن، والمَعْز والمَعَز. وقرأ حفص» سَبْعَ سنينَ دَأَبا «، بالفتح، قال الفراء:» والعربُ تُثَقِّل ما كان ثانيه من حروفِ الحلق كالنَّعْل والنَّعَل والنَّهْر والنهَر والشَّأْم والشَّأَم «وأنشد:

1186 -

قد سار شرقيُّهم حتى أَتوا سَبَأً

وانساح غربيُّهم حتى هوى الشَّأَما

قوله: {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} قد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكونَ خبراً عن» الذين «إنْ قيل: إنه مبتدأٌ، وإنْ لم يكن مبتدأ فقد تقدَّم أيضاً أنه يكون بياناً للدأب وتفسيراً له كأنه قيل: ما فَعَلوا وما فُعِل بهم؟ فقيل: كَذَّبوا بآياتنا، فهو جوابُ سؤالٍ مقدر، وأن يكونَ حالاً. وفي قوله» بآياتنا «التفاتٌ؛ لأنَّ قبله» من الله «وهو اسمٌ ظاهر. والباءُ في» بذنوبهم «يجوز أن تكونَ للسببيةِ أي: أَخَذَهم بسبب ما اجترموا، وأن تكونَ للحال أي: أخذهم ملتبسين بالذنوبِ غيرَ تائبين منها.

ص: 40

[والذَّنْبُ في الأصل: التِلْوُ والتابعُ، وسُمِّيَتِ الجريمة ذنباً] لأنها يتلو أي يتبع عقابُها فاعلَها؛ والذَّنُوب: الدَّلْو لأنها تتلو الحبلَ في الجَذْب، وأصلُ ذلك من ذَنَبِ الحيوان لأنه يَذْنُبُه أي يَتْلو يقال: ذَنَبه يَذْنُبُه ذَنْباً أي: تَبِعه.

قوله: {شَدِيدُ العقاب} كقوله: {سَرِيعُ الحساب} [البقرة: 202] أي: شديدٌ عقابهُ، وقد تقدَّم تحقيقه. وقد اشتملت هذه الآيات من أولِ السورةِ إلى ههنا أنواعاً من علمِ المعاني والبيان والبديع لا تَخْفى على متأمِّلها.

ص: 41

قوله تعالى: {سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ} قرأ الأخَوان هذين الفعلين بالغَيْبة، والباقون بالخطاب، والغيبة والخطاب في مثل هذا التركيب واضحانِ كقولِك:«قل لزيد: قم» على الحكاية، وقل لزيد: يقوم، وقد تقدم نحوٌ من هذا في قولِه:{لَا تَعْبُدُونَ إِلَاّ الله} [البقرة: 83] . وقال الشيخ في قراءةِ الغَيْبة: «الظاهرُ أنَّ الضميرَ للذين كفروا، وتكونُ الجملةُ إذ ذاك ليست محكيةً بقل، بل محكيةٌ بقول آخر، التقديرُ: قُلْ لهم قَوْلي سَيُغْلَبُون وإخباري أنه ستقعُ عليهم الغَلَبَةُ، كما قال: {قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] فبالتاءِ أخبرهم بمعنى ما أُخْبر به من أنهم سَيُغْلبون، وبالياء أخبرهم باللفظ الذي أُخبر به أنهم سَيُغْلبون» .

وهذا الذي قاله سبقَه إليه الزمخشري فأخَذَه منه، ولكنَّ عبارةَ

ص: 41

أبي القاسم أوضحُ فَلْنوردها، قال رحمه الله:«فإنْ قلت: أيُّ فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت: معنى القراءة بالتاء أي من فوق الأمرُ بأَنْ يُخْبرهم بما سَيَجْري عليهم من الغَلَبة والحَشْر إلى جهنم، فهو إخبار بمعنى سَتُغْلبون وتُحْشَرون فهو كائن من نفسِ المتوعَّدِ به، وهو الذي يدل عليه اللفظُ، ومعنى القراءةِ بالياء الأمرُ بأَنْ يحكي لهم ما أَخْبره به من وعيدِهم بلفظه كأنَّه قال: أدِّ إليهم هذا القولَ الذي هو قَوْلي لك سَيُغْلبون ويُحْشَرُون» .

وجَوَّز الفراء وثعلب أن يكونَ الضميرُ في «سَيُغْلبون ويُحْشرون» لكفار قريش، ويرادُ بالذين كفروا اليهودُ، والمعنى: قُلْ لليهود: «سَتُغْلَبُ قريش» ، هذا إنما يتجه على قراءة الغيبة فقط. قال مكي:«ويُقَوِّي القراءة بالياء أي: من تحت إجماعُهم على الياء في قوله: {قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ} ، قال:» والتاء يعني من فوق أحَبُّ إليَّ لإِجماع الحرميين وعاصم وغيرهم على ذلك «قلت: ومثلُ إجماعهم على قوله: {قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ} إجماعُهم على قولِه: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ} [النور: 30]{قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ} [الجاثية: 14] .

وقال الفراء:» مَنْ قرأ بالتاء جَعَل اليهود والمشركين داخلين في الخطاب، ثم يجوزُ في هذا المعنى الياءُ والتاءُ، كما تقول في الكلام:«قل لعبد الله: إنه قائم وإنك قائم» ، وفي حرفِ عبد الله: {قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن

ص: 42

يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} ، ومَنْ قرأ بالياء فإنه ذهب إلى مخاطبةِ اليهود، وأنَّ الغلبةَ تقع على المشركين، كأنه قيل: قل يا محمد لليهود سَيُغْلَبُ المشركون ويُحْشرون، فليس يجوزُ في هذا المعنى إلا الياءُ لأنَّ المشركين غَيْبٌ.

قوله: {وَبِئْسَ المهاد} المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي: بئس المهاد جهنمُ. والحذفُ للمخصوصِ يدلُّ على صحةِ مذهبِ سيبويه من أنه مبتدأٌ والجملةُ قبلَه خبرُه، ولو كان كما قالَ غيرُه مبتدأً محذوفَ الخبرِ أو بالعكسِ لما حُذِف/ ثانياً للإِجحافِ بحَذْفِ سائِر الجملة.

ص: 43

قوله تعالى: {قَدْ كَانَ} : جوابُ قسمٍ محذوفٍ، و «آيةٌ» اسمُ كان، ولم يؤنِّث الفعلَ لأنَّ تأنيثَ الآيةِ مجازيٌّ، ولأنها بمعنى الدليل والبرهان، ولوجودِ الفصلِ ب «لكم» ، فإنَّ الفصلَ مُسَوِّغٌ لذلك مع كونِ التأنيث حقيقاً كقوله:

1187 -

إنَّ امرَأً غَرَّه منكنَّ واحدةٌ

بَعْدي وبعدكِ في الدنيا لمغرورُ

وفي خبر «كان» وجهان أحدُهما: أنه «لكم» و «في فئتين» في محل رفع نعتاً لآية. والثاني: أنه «في فئتين» . وفي «لكم» حينئذ وجهان، أحدهما: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «آية» لأنه في الأصل صفةٌ لآية، فلما قُدِّم نُصِب حالاً. والثاني: أنه متعلِّقٌ بكان، ذكره أبو البقاء، وهذا عند مَنْ يرى أنها تعملُ في الظرف وحرف الجر، ولكنْ في جَعْلِ «في فئتين» الخبرَ إشكالٌ، وهو أن حكمَ اسمِ «كان» حُكْمُ المبتدأِ فلا يجوزُ أن يكونَ اسماً لها

ص: 43

إلَاّ ما جاز الابتداءُ به، وهنا لو جُعِلَتْ «آية» مبتدأً وما بعدها خبراً لم يَجُزْ، إذ لا مسوِّغَ للابتداء بهذه النكرة، بخلاف ما إذا جَعلْتَ «لكم» الخبرَ فإنه جائزٌ لوجودِ المسوِّغِ وهو تقدُّمُ الخبرِ حرفَ جر.

قوله: {التقتا} في محلِّ جرٍ صفةً لفئتين أي: فئتين ملتقيتين.

قوله: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ} العامة على رفع «فئة» وفيها أوجهٌ، أحدها: أن يرتفعَ على البدلِ من فاعل «التقتا» ، وعلى هذا فلا بدَّ من ضمير محذوفٍ يعودُ على «فئتين» المتقدمتين في الذكر، ليسوغَ الوصفُ بالجملة، إذ لو لم يُقَدَّرْ ذلك لما صَحَّ، لخلوِّ الجملةِ الوصفيةِ من ضميرٍ، والتقديرُ: في فئتين التقَتْ فئةٌ منهما وفئةٌ أخرى كافرة. والثاني: أن يرتفعَ علىخبر ابتداءٍ مضمرٍ تقديرُه: إحداهما فئةٌ تقاتِلُ، فقطع الكلامَ عن أولِه، واستأنفه. ومثلُه ما أنشده الفراء على ذلك:

1188 -

إذا مِتُّ كان الناسُ صِنْفَيْنِ شامتٌ

وآخرُ مُثْنٍ بالذي كنتُ أصنعُ

أي: أحدُهما شامتٌ وآخرٌ مُثْنٍ، أي: وصنفٌ آخرُ مُثْنٍ، ومثلُه في القطع أيضاً قولُ الآخر:

1189 -

حتى إذا ما استقلَّ النجمُ في غَلَسٍ

وغُودر البقلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصودُ

أي: بعضُه مَلْوِيٌّ وبعضُه مَحْصود. وقال أبو البقاء: «فإنْ قلت: فإذا قَدَّرْتَ في الأولى» إحداهما «مبتدأً كان القياسُ أن يكون والأخرى، أي: والفئةُ الأخرى

ص: 44

كافرةٌ. قيل: لَمَّا عُلِم أنَّ التفريقَ هنا لنفس الشيءِ المقدَّمِ ذكرُه كان التعريفُ والتنكير واحداً. قلت: ومثلُ الآية الكريمة في هذا السؤال وجوابه البيتُ المتقدم:» شامتٌ وآخرُ مُثْنٍ «فجاء به نكرةً دون» أل «.

الثالث: أن يرتفعَ على الابتداءِ وخبرُه مضمرٌ تقديرُه: منهما فئة تقاتل، وكذا في البيت اي: منهم شامتٌ ومنهم مُثْنٍ، ومثلُه قولُ النابغة:

1190 -

تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها

لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ

رمادٌ ككحل العينِ لأْياً أُبينُه

ونُؤْيٌ كجِذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خاشع

تقديره: منهنَّ أي: ومن الآيات رمادٌ، ومنهن نؤيٌ، ويَحْتَمل البيتُ أن يكونَ كما تقدم من تقديره مبتدأً، و «رمادٌ» خبرُه كما تقدَّم في نظيره.

وقرأ الحسن ومجاهد وحميد: «فئةٍ تقاتل» بالجر على البدل من «فئتين» ، ويسمى هذا البدلُ بدلاً تفصيلاً كقولِ كثِّير عزة:

1191 -

وكنتُ كذي رجلين رجلٍ صحيحةٍ

ورجلٍ رَمَى فيها الزمانُ فَشَلَّتِ

وهو بدلُ بعضٍ من كل، وإذا كان كذلك فلا بُدَّ من ضميرٍ يعودُ على المبدل منه تقديره: فئةٍ منهما.

وقرأ ابن السَّمَيْفَع وابن أبي عَبْلة «فئةً» نصباً. وفيه أربعة أوجه، أحدها: النصبُ بإضمارِ أعني. والثاني: النصبُ على المدح. وتحريرُ هذا القول أن يُقال على المدح في الأول، وعلى الذم في الثاني، وكأنه قيل: أَمْدَحُ

ص: 45

فئةً تقاتل في سبيل الله، وأذمُّ أخرى كافرةً. الثالث: أن ينتصبَ على الاختصاص جَوَّزه الزمخشري. قال الشيخ: «وليس بجيد؛ لأنَّ المنصوبَ [على الاختصاص] لا يكونُ نكرةً ولا مبهماً» قلت: لا يعني الزمخشري الاختصاصَ المبوَّبَ له في النحو نحو «نحن معاشرَ الأنبياء لا نُوْرَثُ» إنما عنى النصبَ بإضمارِ فعلٍ لائقٍ، وأهلُ البيانِ يُسَمُّون هذا النحو اختصاصاً. الرابعُ: أن تنتصِبَ «فئةً» على الحالِ من فاعل «التقتا» كأنه قيل: التقتا مؤمنةً وكافرةً، فعلى هذا يكون «فئةً» و «أخرى» توطئةً للحال، لأن المقصود ذِكْرُ وصفها، وهذا كقولهم: جاءني زيدٌ رجلاً صالحاً، ومثلُه في باب الإِخبار:{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [الأعراف: 81] ونحوُه.

قوله: {وأخرى كَافِرَةٌ} «أُخْرى» : صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ تقديره: «وفئةٌ أخرى كافرةٌ» . وقُرِئَتْ «كافرة» بالرفعِ والجَرِّ على حَسَبِ القراءتين المذكورتين في «فئة تقاتل» ، وهذه منسوقَةٌ عليها، وكان من حق/ من قرأ «فِئَةً تقاتل» نصباً أن يقرأ:«وأخرى كافرةً» نصباً عطفاً على الأولى، ولكني لم أحفظ فيها ذلك. وفي عبارة الزمخشري ما يُوْهم القراءةَ به فإنه قال:«وقُرىء فئة تقاتل وأخرى كافرة بالجرِّ على البدلِ من فئتين، وبالنصبِ على الاختصاص أو الحال» ، فظاهرُ قولِه:«وبالنصب» [أي: في جميعِ ما تقدم وهو: فئة تقاتل وأخرى كافرة] . وقد تقدَّم سؤال أبي البقاء وهو: لم يَقُلْ «والأخرى»

ص: 46

بالتعريفِ، أعني حالَ رفعِ «فئةُ تقاتل» على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ تقديرُه:«إحداهما» ، والجوابُ عنه.

والعامَّةُ على «تقاتل» بالتأنيثِ لإِسنادِ الفعلِ إلى ضميرِ المؤنث، ومتى أُسْنِدَ إلى ضميرِ المؤنث وَجَبَ تأنيثُه، سواءً كان التأنيثُ حقيقةً ِأم مجازاً نحو:«الشمس طَلَعَت» هذا جمهورُ الناسِ عليه، وخالَفَ ابن كيسان فأجاز:«الشمس طَلَع» مستشهداً بقوله الشاعر:

1192 -

فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها

ولا أرضَ أبقلَ إبقالَها

فقال: «أبقل» وهو مسندٌ لضميرِ الأرض ولم يَقُلْ: أبقلَتْ، وغيرُه يَخُصُّهُ بالضرورةِ. وقال هو: «لا ضرورةَ إذ كان يمكنُ أن يَنْقُلَ حركةَ الهمزةِ على تاءِ التأنيثِ الساكنة فيقول: ولا أرضَ أبقلتِ بْقالَها. وقد ردُّوا عليه بأن الضرورةَ ليس معناها ذلك، ولئن سَلَّمنا ذلك فلا نُسَلِّم أن هذا الشاعرَ كان من لغتِه النقلُ، لأنَّ النقلَ ليس لغةً لكلِّ العرب.

وقرأ مجاهد ومقاتل:» يقاتل «بالياء من تحت، وهي مُخَرَّجةٌ على مذهب ابن كيسان ومقويةٌ له. قالوا: والذي حَسَّن ذلك كونُ» فئة «في معنى القومِ والناس؛ فلذلك عاد الضميرُ عليها مذكَّراً.

قوله: {يَرَوْنَهُمْ} قرأ نافع وحده من السبعةِ ويعقوب وسهل:» تَرَوْنهم «بالخطابِ، والباقون من السعبة بالغَيْبة. فأمَّا قراءةُ نافع ففيها ثمانية أوجه،

ص: 47

أحدُها: أن الضميرَ في» لكم «والمرفوعَ في» تَرَوْنهم «للمؤمنين، والضميرَ المنصوب في» تَرَوْنهم «والمجرورَ في» مِثْلَيْهم «للكافرين. والمعنى: قد كان لكم أيها المؤمنون آيةٌ في فئتين بأَنْ رأيتم الكفارَ مثلي أنفسهم في العدد وهو أبلغُ في القدرةِ حيث رأى المؤمنون الكافرين مثلي عددِ الكافرين، ومع ذلك انتصروا عليهم وغَلَبوهم وأَوْقَعوا بهم الأفاعيلَ. ونحُوه: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله} [البقرة: 249] واستبَعَدَ بعضُهم هذا التأويلَ لقوله تعالى في الأنفالِ: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} [الآية: 44] ، فالقصةُ واحدةٌ، وهناك تَدُلُّ الآية على أن الله تعالى قَلَّل المشركين في أعين المؤمنين لئلا يَجْبُنوا عنه، وعلى هذا التأويلِ المذكور هنا يكون قد كَثَّرهم في أعينهم. ويمكنُ أن يُجابَ عنه باختلافِ حالَيْنِ، وذلك أنه في وقتٍ أراهم إيَّاهم مثلي عددهم ليمتحنهم ويبتليهم، ثم قَلَّلهم في أعينهم ليقدُموا عليهم، فالإِتيانُ باعتبارين ومثلُه: {فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ} [الرحمن: 39] مع: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] ، {وَلَا يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً} [النساء: 42] مع: {هذا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ} [المرسلات: 35] . وقال الفراء:» المرادُ بالتقليل التهوينُ كقولِك: «رأيتُ كثيرَهم قليلاً» لهوانِهِم عندكَ، وليس من تقليلِ العدد في شيء «.

الثاني: أن يكونَ الخطاب في» تَرَوْنهم «للمؤمنين أيضاً، والضميرُ المنصوبُ في» ترونهم «للكافرين أيضاً، والضميرُ المجرورِ في» مِثْلَيْهم «

ص: 48

للمؤمنين، والمعنى: تَرَوْن أيها المؤمنون الكافرين مثلي عددِ أنفسكم، وهذا تقليلٌ للكافرين عند المؤمنين في رأيِ العين، وذلك أنَّ الكفارَ كانوا ألفاً ونَيِّفاً والمسلمونُ على الثلث منهم، فأراهم إياهم مِثْلَيْهم، على ما قَرَّر عليهم من مقاومةِ الواحدِ للاثنين في قوله تعالى:{فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ}

[الأنفال: 66] بعد ما كُلِّفوا أن يقاومَ واحدٌ العشرةَ في قوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} [الأنفال: 65] . قال الزمخشري: «وقراءةُ نافع لا تساعد عليه» عين على هذا التأويلِ المذكور، ولم يُبَيِّنْ وجه عدمِ المساعدةِ، وكأنَّ الوجَه في ذلك والله أعلم أنه كان ينبغي أن يكونَ التركيب:«تَرَوْنهم مثليكم» بالخطاب في «مثليكم» لا بالغَيْبة. وقال أبو عبد الله الفاسي بعد ما ذكرته عن الزمخشري: «قلت: بل يساعِدُ عليه إن كان الخطابُ في الآية للمسلمين، وقد قيل ذلك» انتهى، فلم يأتِ أبو عبد الله بجوابٍ، إذ الإِشكالُ باقٍ.

وقد أجابَ بعضُهم عن ذلك بجوابين، أحدُهما: أنه من باب الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة وأن حقَّ الكلام: «مِثْلَيْكم» بالخطاب، إلا أنه التفتَ إلى الغَيْبة، ونظَّره بقوله تعالى:{حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم} [يونس: 22] . والثاني: أن الضميرَ في «مِثْلَيْهم» وإن كان المرادُ به المؤمنين إلا أنه عادَ على قوله: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله} ، والفئةُ المقاتِلة هي عبارةٌ عن المؤمنين المخاطبينَ، والمعنى: تَرَوْن أيها المؤمنون الفئةَ الكافرة مِثْلَيْ الفئةِ المقاتلةِ في سبيل الله، فكأنه قيل: تَرَوْنَهم أيَها المؤمنون مِثْلَيْكُم. وهوَ جوابٌ حسنٌ ومعنى واضحٌ.

ص: 49

الثالث: أن يكونَ الخطاب في «لكم» وفي «تَرَوْنَهم» للكفار، وهم قريش، والضميرُ المنصوبُ والمجرور للمؤمنين، أي: قد كان لكم أيها المشركون/ آيةٌ حيث تَرَوْن المؤمنين مِثْلَي أنفسِهم في العدَدِ، فيكون قد كَثَّرهم في أعينِ الكفار ليجبنُوا عنهم، فيعودُ السؤالُ المذكور بين هذه الآية وآية الأنفال، وهي قوله تعالى:{وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ} [الأنفال: 44] ، فكيف يقال هنا إنه كَثَّرهم فيعودُ الجواب بما تقدَّم من اختلافِ حالتين، وهو أنه قَلَّلهم أولاً ليجترىءَ عليهم الكفارُ، فلمَّا التقى الجمعان كَثَّرهم في أعيِنِهم ليحصُل لهم الخَورُ والفَشَلُ.

الرابع: كالثالث، إلَاّ أنَّ الضميرَ في «مِثْلَيْهم» يعودُ على المشركين فيعودُ ذلك السؤال، وهو أنه كان ينبغي أن يُقال «مِثْليكم» ليتطابق الكلامُ فيعودَ الجوابان وهما: إمَّا الالتفاتُ من الخطاب إلى الغَيْبة، وإمَّا عودُه على لفظِ الفئة الكافرة، لأنها عبارةٌ عن المشركين، كما كان ذلك الضميرُ عبارةً عن الفئةِ المقاتلَةِ، ويكونُ التقديرُ: تَرَوْنَ أيها المشركون المؤمنين مِثْلَيْ فئتِكم الكافرة، وعلى هذا فيكونون قد رَأَوا المؤمنين مِثْلَي أنفسِ المشركين ألفين ونيفاً، وهذا مَدَدٌ من الله تعالى، حيث أرى الكفارَ المؤمنينَ مِثْلَي عددِ المشركين حتى فَشِلوا وجَبُنوا، فَطَمِعَ المسلمون فيهم فانتصروا عليهم، ويؤيِّده:{والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} فالإراءة هنا بمنزلة المَدَدِ بالملائكةِ في النصرةِ بكليهما، ويعودُ السؤالُ حينئذٍ بطريق الأَوْلى: وهو كيف كثَّرهم إلى هذه الغايةِ مع قولِهِ في الأنفال: {وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ} ؟ ويعود الجواب.

الخامس: أنَّ الخطابَ في «لكم» و «تَرَوْنهم» لليهود، والضميران المنصوبُ والمجرورُ على هذا عائدان على المسلمين على معنى: تَرَوْنَهم لو رأيتموهم مِثْلَيْهم، وفي هذا التقدير تكلُّفٌ لا حاجةً إليه، وكأن هذا القائلَ

ص: 50

اختار أن يكونَ الخطابُ في الآية المنقضية وهي قولُه: {قَدْ كَانَ لَكُمْ} لليهود، فَجَعَلهُ في «تَرَوْنَهم» لهم أيضاً، ولكنَّ الخروجَ من خطاب اليهود إلى خطاب قوم آخرين أَوْلى من هذا التقدير المتكلَّفِ، لأنَّ اليهود لم يكونوا حاضري الوقعةِ حتى يُخاطَبوا برؤيتِهم لهم كذلكَ. ويجوز على هذا القولِ أن يكونَ الضميرانِ المنصوبُ والمجرورُ عائِدَيْنِ على الكفار، أي: إنهم كَثَّر في أعينِهم الكفارَ حتى صاروا مِثْلي عددِ الكفارِ، ومع ذلك غلبَهم المؤمنون وانتصروا عليهم، فهو أَبْلَغُ في القدرةِ. ويجوزُ أنْ يعودَ المنصوبُ على المسلمين والمجرورُ على المشركين، أي: تَرَوْنَ أيها اليهودُ المسلمينَ مِثْلَي عددِ المشركين مهابةً لهم وتهويلاً لأمرِ المؤمنين، كما كان ذلك في حق المشركين فيما تقدَّم من الأقوال. ويجوز أن يعودَ المنصوبُ على المشركين والمجرورُ على المسلمين، والمعنى: تَرَوْنَ أيها اليهودُ لو رأيتم المشركينَ مِثْلَي عددِ المسلمين، وذلك أنهم قُلِّلُوا في أعينهم ليحصُل لهم الفزعُ والغَمُّ؛ لأنه كان يَغُمُّهُم قلةُ الكفارِ ويعجبُهم كثرتُهُم ونصرتُهم على المسلمين حسداً وَبَغْياً فهذه ثلاثة أوجهٍ مترتبةٌ على الوجه الخامسِ، فتصيرُ ثمانية أوجهٍ في قراءة نافع.

وأمَّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أنها كقراءةِ الخطاب، فكلُّ ما قيل في المراد به الخطابُ هناك قيل به هنا، ولكنه جاء على بابِ الالتفاتِ أي: التفاتٌ من خطاب إلى غيبة. الثاني: أن الخطاب في «لكم» للمؤمنين، والضميرُ المرفوعُ في «يَرَوْنَهم» للكفار، والمنصوبُ والمجرورُ للمسلمين، والمعنى: يَرَى المشركون المؤمنين مِثْلَي عدد المؤمنين ستمئة ونيفاً وعشرين، أراهم الله مع قِلَّتهم إياهم ضِعْفَيْهم ليَهَابُوهم ويَجْبُنوا عنهم. الثالث: أنَّ الخطاب في «لكم» للمؤمنين أيضاً، والمرفوعُ في «يَرَوْنَهم» للكفار، والمنصوبُ للمسلمين والمجرورُ للمشركين، أي: يرى المشركونَ المؤمنين مِثْلَي عددِ المشركين، أراهم الله المؤمنينَ أضعافَهم لِما تَقدَّم في الوجه قبله.

ص: 51

الرابع: أن يعودَ الضميرُ المرفوع في «يَرَونهم» على الفئةِ الكافرة؛ لأنها جَمْعٌ في المعنى، والضميرُ المنصوب والمجرورُ على ما تقدم من احتمالِ عودِهما على الكافرينَ أو المسلمين أو أحدِهما لأحدِهم.

والذي تَقَوَّى في هذه الآيةِ من جميعِ ما قَدَّمْتُهُ من حيِث المعنى أَنْ يكونَ مَدارُ الآيةِ على تقليلِ المسلمينَ وتكثيرِ الكافرين، لأنَّ مقصودَ الآية ومساقَها الدلالةُ على قُدْرَةِ الله الباهرةِ وتأييدِهِ بالنصر لعبادِه المؤمنين مع قلةِ عددِهم وخذلانِ الكافرين مع كثرةِ عددِهم، وتحزُّبهم، ليُعْلَمَ أنَّ النصرَ كلَّه من عند الله، وليس سببُه كثرتَكم وقلةَ عدوكم، بل سببُه ما فعلَه تبارك وتعالى من إلقاءِ الرعبِ في قلوبِ أعدائِكم، ويؤيِّده قولُه بعد ذلك/:{والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} وقال في موضع آخر:

{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} [التوبة: 25] . قال الشيخ أبو شامة بعد ذِكْره هذا المعنى وَجَعَلَهُ قوياً: «فالهاءُ في تَرَوْنَهم للكفارِ سواءً قُرىء بالغَيْبَةِ أم بالخطاب والهاءُ في» مثليهم «للمسلمين. فإنْ قلت: إن كان المرادُ هذا فهلا قيل: يَرَونْهَم ثلاثةَ أمثالهم. فكان أبلغَ في الآية، وهي نصرُ القليلِ على هذا الكثيرِ، والعُدَّةُ كانت كذلك أو أكثرَ. قلت: أخبرَ عن الواقعِ، وكان آيةً أخرى مضمومةً إلى آية البصرِ، وهي تقليلُ الكفارِ في أعينِ المسلمين وقُلِّلُوا إلى حدٍّ وُعِدَ المسلمونَ النصرَ عليهم فيه، وهو أن الواحدَ من المسلمين يَغْلِبُ الاثنين، فلم تكن حاجةٌ إلى التقليلِ بأكثرَ من هذا، وفيه فائدةٌ: وقوعُ ما ضَمِنَ لهم من النصر فيه» انتهى. قلت: وإلى هذا المعنى ذهب الفراء، أعني أنهم يَرَوْنَهم ثلاثةَ أمثالهم، فإنه قال:«مِثْليهم: ثلاثةَ أمثالهم، كقول القائل:» عندي ألف وأنا محتاجٌ إلى

ص: 52

مثليها «وغَلَّطه أبو إسحاق في هذا، وقال:» مثلُ الشيء ما ساواه، ومِثْلاه ما ساواه مرتين «. قال ابن كيسان:» الذي أَوْقَع الفراء في ذلك أن الكفار كانوا يومَ بدر ثلاثةَ أمثالِهم، فتوهَّمَ أنه لا يجوزُ أن يَرَوْهم إلا على عُدَّتهم، والمعنى ليس عليه، وإنما أراهم الله على غيرِ عُدَّتهم لجهتين، إحداهما: أنه رأى الصلاحَ في ذلك؛ لأن المؤمين [تُقَوَّى قلوبُهم بذلك، والأخرى] أنه آيةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم.

والجملةُ على قراءةِ نافع تَحْتَمِلُ أن تكونَ مستأنفةً لا محلَّ لها من الإِعراب، ويُحتُمل أن يكونَ لها محلٌّ، وفيه حينئذٍ وجهان، أحدُهما: النصبُ على الحال من «كم» في «لكم» أي: قد كان لكم حالَ كونِكم تَرَوْنهم. والثاني: الجرُّ نعتاً لفئتين، لأنَّ فيها ضميراً يَرْجِع عليهما، قاله أبو البقاء.

وأمَّا على قراءةِ الغَيْبةِ فتحتملُ الاستئنافُ، وتحتملُ الرفعَ صفةً لإِحدى الفئتين، وتحتمل الجرَّ صفةً لفئتين أيضاً، على أَنْ تكونَ الواوُ في «يَرَوْنَهم» تَرْجِعُ إلى اليهود، لأنَّ في الجملة ضميراً يعودُ على الفئتين.

وقرأ ابن عباس وطلحة «تُرَوْنَهم» مبنياً للمفعول على الخطاب. والسلمي كذلك، إلا أنه بالغيبة. وهما واضحتان مما تقدَّم تقريره، والفاعل المحذوفُ هو الله تعالى.

وللناسِ في الرؤية هنا رأيان، أحدُهما: أنها البصرية، ويؤيد ذلك تأكيدُهُ بالمصدرِ الذي هو نصٌّ في ذلك. فهو مصدرٌ مؤكِّدٌ. قال

ص: 53

الزمخشري: «رؤيةٌ ظاهرةٌ مكشوفةٌ لا لَبْس فيها» وعلى هذا فتتعدَّى لواحد، و «مثلَيْهم» نصبٌ على الحال. والثاني: أنها من رؤيةِ القلب، فعلى هذا يكون «مِثْليهم» مفعولاً ثانياً.

وقد رَدَّ أبو البقاء هذا فقال: «ولا يجوز أَنْ تكونَ الرؤيةُ من رؤيةِ القلب على كلِّ الأقوال لوجهين، أحدُهما: قولُه» رَأْيَ العين «، والثاني: أن رؤيَةَ القلب عِلْم، ومُحالٌ أن يُعْلَمَ الشيءُ شيئين» .

وقد أُجيب عن الوجه الأول بأنَّ انتصابَه انتصابُ المصدر التشبيهي أي: رأياً مثلَ رأي العين، أي: يُشْبِهُ رأيَ العين، فليس إياه على التحقيقِ. وعن الثاني بأنَّ الرؤيةَ هنا يُرادُ بها الاعتقادُ، فلا يَلْزَمُ المُحالُ المذكور، قال:«وإذا كانوا قد أَطْلقوا العلمَ في اللغةِ على الاعتقادِ دونَ اليقينِ فلأَنْ يُطْلقوا عليه الرأيَ أَوْلَى» .

ومن إطلاقِ العلمِ على الاعتقادِ قولُه تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] ؛ إذ لا سبيلَ إلى العلمِ اليقيني في ذلك، إذ لا يَعْلَمُهُ كذلك إلا اللهُ تعالى، فالمعنى: فإنْ اعتقدتموهن، والاعتقادُ قد يكونُ صحيحاً، وقد يكون فاسداً، ويَدُلُّ على هذا التأويلِ قراءةُ مَنْ قرأ:«تُرَوْنَهم» أو «يُرَوْنَهم» بالتاء أو الياء مبنياً للمفعول؛ لأنَّ قولَهم «أُرِيَ كذا» بضمِّ الهمزة يكون فيما عند المتكلمُ فيه شكٌّ وتخمينٌ لا يقينٌ وعلم، ولمَّا كان اعتقادُ التضعيف في جمع الكفار أو في جمع المؤمين تخميناً وظناً لا يقيناً دَخَلَ الكلَام ضربٌ من الشك، وأيضاً كما يستحيل حَمْلُ الرؤيةِ هنا على العلِْمِ يستحيل أيضاً حَمْلُها على رؤيةِ البصر بعينِ ما ذَكَرْتُم من المُحالِ، وذلك كما أنه لا يقع

ص: 54

العلمُ غيرَ مطابقٍ للمعلوم كذلك لا يَقَعُ النظرُ البصريُّ غيرَ مطابقٍ لذلك الشيءِ المُبْصَرِ المنظورِ إليه، فكان المرادُ التخمينَ والظَّنَّ لا اليقينَ والعلمَ. كذا قيل، وفيه نظرٌ لأنا لا نُسَلِّم أنَّ البصر لا يخالِفُ المُبْصَرَ، لجوازِ أَنْ يَحْصُلَ خَلَلٌ فيه وسوءٌ في النظرِ فيتخيلُ الباصرُ الشيءَ شيئين فأكثرَ وبالعكس.

وفي انتصابِ «رأيَ العين» ثلاثةُ أوجهٍ تقدَّم منها اثنان: النصبُ على المصدر التوكيدي أو النصبُ على المصدر التشبيهي كما عَرَفْتَ تحقيقَه. والثالث: أنه منصوبٌ على ظرفِ المكان، قال الواحدي:«كما تقول:» تَرَوْنَهُم أمامَكم «ومثلُه:» هو مني مَزْجَرَ الكلب ومناطَ العَيُّوق «، وهذا إخراجٌ للفظ عن موضوعِهِ مع عدمِ المساعدِ معنًى وصناعةً.

و» رأى «مشتركٌ بين» رأى «بمعنى أَبْصَرَ، ومصدرُهُ الرَّأْي والرؤيةُ، وبمعنى اعتقد وله الرأي، وبمعنى الحُلْم وله الرؤيا كالدنيا، فوقع الفرقُ بالمصدر، فالرؤيةُ للبصرِ خاصة، والرؤيا للحُلْم فقط، والرأيُ مشترك بين البصريةِ والاعتقاديةِ يقال: هذا رأيُ فلان أي: اعتقادُهُ، قال:

1193 -

رَأَى الناسَ إلا مَنْ رَأَى مثلَ رأيِهِ

خوارجَ تَرَّاكِين قَصْدَ المَخَارِجِ

قلت: وهذه الآية قد أكثرَ الناسُ فيها القولَ فتتبَّعْته وقَرَنْتُ كُلَّ شيء بما يُلَائِمُهُ.

قوله: {مَن يَشَآءُ} مفعولُ» يشاء «محذوفٌ أي: مَنْ يشاء تأييدَهُ، والباء/ سببية، أي: بسببِ تأييدِه وهو تفعيلٌ من الأََيْدِ وهو القوة.

وقرأه ورش «يُوَيِّدُ» بإبدالِ الهمزةِ واواً محضة وهو تسهيلٌ قياسي قال

ص: 55

أبو البقاء وغيره «ولا يجوز أن تُجْعَلَ بينَ بينَ لقربِها من الألف، والألفُ لا يكون ما قبلَها إلا مفتوحاً، ولذلك لم تُجْعَلِ الهمزةُ المبدوءُ بها بينَ بينَ لا ستحالةِ الابتداءِ بالألِفِ» . قلت: مذهبُ سيبويه وغيره في الهمزةِ المفتوحةِ بعد كسرةٍ قَلْبُها ياءً محضةً وبعد الضمةُ قلبُها واواً محضةً للعلة المذكورة، وهي قُرْبُ الهمزةِ التي بينَ بينَ من الألِفِ، والألفُ لا تكونُ ضمةً ولا كسرةً.

و {لأُوْلِي الأبصار} صفةً ل «عبرةً» أي: عبرةً كائنةً لأولي الأبصار. والعِبْرة: فِعْلة من العُبور كالرِّكبة والجِلْسة، والعُبور: التجاوزُ، ومنه: عَبَرْتُ النهر، والمَعْبَرُ: السفينة لأنَّ بها يُعْبَرُ إلى الجانبِ الآخر، وعَبْرَة العين: دمْعُها لأنها تجاوِزُهَا، وعَبَّر بالعِبْرة عن الاتِّعاظ والاستيقاظ لأن المُتَّعِظَّ يَعْبُر من الجهلِ إلى العلمِ ومن الهلاكِ إلى النجاة. والاعتبارُ افتعالٌ منه، والعبارة: الكلامُ الموصِلُ إلى الغرضِ لأنَ فيه مجاوزةً، وعَبَرْت الرؤيا وعَبَّرتها مخففاً ومثقلاً، لأنك نَقَلْتَ ما عندكَ من تأويلِها إلى رائيها.

ص: 56

قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} : العامةُ على بنائِهِ للمفعول، والفاعلُ المحذوفُ هو اللهُ تعالى؛ لِمَا رَكَّب في طباع البشر من حُبِّ هذه الأشياء، وقيل: هو الشيطانُ، عن الحسن:«مَنْ زَيَّنَها؟ إنما زيَّنها الشيطان لأنه لا أحدَ أبغضُ لها مِنْ خالقها» .

وقرأ مجاهد: «زَيَّن» مبنياً للفاعل، «حُبَّ» مفعول به نصاً، والفاعلُ: إمَّا ضمير الله تعالى لتقدُّم ذكرِهِ الشريفِ في قوله تعالى: {والله يُؤَيِّدُ

ص: 56

بِنَصْرِهِ} [آل عمران: 13] ، وإمَّا ضميرُ الشيطان، أُضْمِرَ وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، لأنه أصلُ ذلك، فَذِكْرُ هذه الأشياءِ مؤذنٌ بِذِكْرِهِ. وأضافَ المصدرَ لمفعولِهِ في «حُبّ الشهوات» .

والشَّهوات: جمعُ «شَهْوة» بسكون العين، فَحُرِّكَت في الجمع، ولا يجوزُ التسكينُ إلا في ضرورةٍ كقولهِ:

1194 -

وَحُمِّلْتُ زَفْرَاتِ الضحى فَأَطَقْتُها

ومالي بزَفْرَات العَشِيِّ يَدَانِ

بتسكين الفاء. والشهوةُ: مصدرٌ يُراد به اسمُ المفعولِ أي: المُشْتَهَيَات فهو من باب: رجلٌ عَدْلٍ، حيث جُعِلَتْ نفسَ المصدر مبالغةً، والشهوة: مَيْلُ النفس، ويُجْمَعُ على «شَهَوات» ، كالآية الكريمة، وعلى «شُهَى» كغُرَف، قالت امرأة من بني نَضْر بن معاوية:

1195 -

فلولا الشُّهَى واللهِ كنتُ جديرةً

بأَنْ أتركَ اللَّذاتِ في كلِّ مَشْهَدِ

وقال النحويون: لا تُجْمَعُ فَعْله المعتلة اللامِ يَعْنُون بفتحِ الفاء وسكون العين [على فًُعَل] إلا ثلاثةَ ألفاظ: كَوَّة وكُوَى فيمن فَتَحَ كاف «كَوَّة» وقَرْيَة وقُرَى ونَزْوَة ونُزَى، واستدرك الشيخ عليهم هذه اللفظة أيضاً فيَكُنَّ أربعة وأنشد البيت. وقال الراغب: «وقد يُسَمَّى المُشْتَهَى شهوةً، وقد

ص: 57

يُقال للقوةِ التي بها تَشْتَهي الشيءَ شهوةً، وقولُه تعالى:{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات} يحتمل الشهوتين.

قوله: {مِنَ النساء} في محلِّ نصبٍ على الحال من» الشهوات «والتقدير: حالَ كونِ الشهواتِ من كذا وكذا فهي مفسرةٌ لها في المعنى، ويجوز أَنْ تكونَ» مِنْ «لبيان الجنس، ويَدُلُّ عليه قولُ الزمخشري:» ثم يُفَسِّره بهذه الأجناس «.

قوله: {والقناطير} جمع قِنْطار. وفي نونِهِ قولان أحدُهما: وهو قولُ جماعة أنها أصليةُ، وأنَّ وزنَها فِعْلال كحِمْلَاق وقِرْطاس. والثاني أنها زائدةٌ ووزنه فِنعال كقِنْعَاس وهو الجَمَل الشديد، قيل: واشتقاقه من: قَطَرَ يَقْطُر إذا سال، لأنَّ الذهب والفضةُ يُشَبَّهان بالماء في سرعة الانقلابِ وكثرةِ التقلبِ. وقال الزجاج:» هو مأخوذٌ من قَنْطَرْتُ الشيءَ إذا عَقَدْتَه وأَحْكمته، ومنه: القَنْطَرَةُ لإِحكامِ عَقْدِها «.

قوله: {مِنَ الذهب} كقولِهِ:» مِنْ النساء «وقد تقدَّم. والذهب مؤنَّثٌ، ولذلك يُصَغَّر على» ذُهَيْبة «، ويُجمع على ذَهاب وذُهوب. وقيل:» الذهب «جمعٌ في المعنى ل» ذَهَبة «، واشتقاقُه من الذَّهاب. الفضة يُجْمع على فِضَض.

واشتقاقُها من انفضَّ الشيء إذا تفرَّق، ويقال:«رجل ذَهِب» بكسر الهاء، أي: رأى مَعْدِن الذهب فَدُهِش.

قوله: {والخيل} عطفٌ على «النساء» قال أبو البقاء: «لا على الذهب والفضة لأنها لا تُسَمَّى قنطاراً» ، وتَوَهُّمُ مثلِ ذلك بعيدٌ جداً فلا حاجةً إلى التنبيهِ عليه.

ص: 58

والخيلُ فيه قولان، أحدُهما أنه جمعٌ ولا واحدَ له من لفظه بل مفردُهُ «فرس» فهو نظيرُ: قوم ورهط ونساء. والثاني: أنَّ واحدَه «خايل» فهو نظير راكب ورَكْب، وتاجِر وتَجْر، وطائِر وطَيْر، وفي هذا خلافٌ بين سيبويه والأخفش، فسيبويهِ يَجْعَلُهُ اسمَ جمعٍ، والأخفشُ يَجْعَلُهُ جمعَ تكسير. وفي اشتقاقِها وجهان، أحدُهُما: من الاختيال وهو العُجْبُ، سُمِّيت بذلك لاختيالِها في مِشْيتها وطولِ أذْنابِها. قال امرؤء القيس:

1196 -

لها ذَنَبٌ مثلُ ذَيْلِ العرو

سِ تَسُدَّ به فرجَها مِنْ دُبُرْ

والثاني: من التخيُّل، قيل: لأنَّها تتخيَّلَ في صورة مَنْ هو أعظمُ منها. وقيل: / أصلُ الاختيالِ من التخيُّل، وهو التشبُّه بالشيء؛ لأنَّ المختالَ يتخيَّل في صورة مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ كِبْراً، والأخيلُ: الشِّقْراقُ لأنه يَتَغَيَّر لونُهُ بحسَبِ [المَقام] مرةً أحمرَ، ومرة أخضَرَ، ومرة أصفرَ، وعليه قولُهُ:

1197 -

كأبي براقِشَ كلَّ لَوْ

نٍ لونُهُ يَتَخَيَّلُ

وجَوَّز بعضُهم أَنْ يكون مخففاً من «خَيِّل» بتشديد الياء نحو: «مَيْت» في مَيِّت، و «هَيْن» في هَيِّن. وفيه نظرٌ لأنَّ كل ما سُمِع فيه التخفيف سُمِع [التثقيلُ، وهذا لم يُسْمع إلا مخففاً، وقد تقدَّم نظير] هذا البحثِ في لفظ «الغَيْب» .

ص: 59

وقال الراغب: «الخَيْلُ في الأصلِ للأفراسِ والفُرْسَان جميعاً، قال تعالى: {وَمِن رِّبَاطِ الخيل} [الأنفال: 60] ، ويُستَعْمَل في كل واحدٍ منهما منفرداً، نحو ما رُوي:» يا خَيلَ اللهِ اركبي «فهذا للفُرْسان، وقوله عليه السلام:» عَفَوْتُ لكم عن صَدَقَة الخيل «يعني الأفراس وفيه نظرٌ؛ لأنَّ أهلَ اللغةِ نَصُّوا على أنَّ قوله عليه السلام:» يا خيل الله اركبي «: إمَّا مجازُ إضمار، وإمّا مجازُ علاقةٍ، ولو كان للفُرْسان بطريقِ الحقيقةِ لَمَا ساغَ قولُهم ذلك.

قوله: {المسومة} أصل التسويم: التعليمُ، ومعنى مُسَوَّمة: مُعْلَمَة إمَّا بالكَيّ وإمَّا بالبُلْقِ كما جاءَ ذلك في التفسير. وقيل: بل هو من سَوَّم ماشِيَته أي: رعَاهَا، فمعنى مُسَوَّمة أي: مَرْعِيَّة، يقال:» أَسَمْتُ ماشيتي فسامَتْ «، قال تعالى: {فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] ، وسَوَّمْتها فاستامت، فيكونُ الفعل عُدِّي تارةً بالهمزة وتارةً بالتضعيف. وقيل: بل هو من السيمِياء وهي الحُسْن، فمعنى مُسَوَّمة أي: ذاتُ حسن، قاله عكرمة واختاره النحاس، قال:» لأنه من الوسم «. وقد رَدَّ عليه بعضُهم باختلافِ المادتين. قد أجابَ بعضُهم عنه بأنَّه من بابِ المقلوبِ فيصحُّ ما قاله. وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في قوله

{يَسُومُونَكُمْ} [البقرة: 49] وقوله تعالى: {بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273] .

ص: 60

قوله: {والأنعام} هي جمع نَعَم، والنَّعَمُ مختصةٌ بثلاثة أنواع: الإِبلِ والبقرِ والغنمِ وقال الهروي: النَّعَمُ تذكَّر وتؤنَّث، وإذا جُمع انطلق على الإِبل والبقر والغنم «. وظاهرُ هذا أنه قبلَ جمعِه على» أنعام «لا يُطْلق على الثلاثةِ الأنواع، بل يختصُّ بواحدٍ منها، وهذا الظاهر الذي أَشَرْتُ إليه قد صَرَّح به الفراء فقال:» النَّعَمُ الإِبلُ فقط، وهو مذكَّرٌ ولا يؤنَّثُ تقول:«هذا نَعَمٌ وارد، وهو جمعٌ لا واحدَ له من لفظه» وقال ابن قتيبة: «الأنعام: الإِبلُ والبقر والغنم، واحده نَعَم، وهو جمعٌ لا واحدَ له من لفظِه، سُمِّيت بذلك لنعومة مَشْيِها ولِينها» ، وعلى الجملة فالاشتقاق في أسماءِ الأجناس قليلٌ جداً.

قوله: {والحرث} قد تقدَّم تفسيرُه، وهو هنا مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول به، فلذلك وُحِّد ولم يُجْمَع كما جُمِعَت أخواتُه. ويجوزُ إدغام الثاءِ في الذال وإن كان بعضُ الناسِ ضَعَّفَه بأنه يَلْزَمُ الجمعُ بين ساكنين والأولُ ليسَ حرفَ لين، قال:«بخلاف» يَلْهَثُ ذلك «حيث أُدْغِم الثاءُ في الذالِ لانتفاءِ التقاءِ الساكنين، إذ الهاءُ قبلَ الثاءِ متحركةٌ» .

وقد تَضَمَّنَتْ هذه الآية الكريمةُ أنواعاً من الفصاحةِ والبلاغةِ فمنها: الإِتيانُ بها مُجْمَلَةً، ومنها: جَعْلُه لها نفس الشهوات مبالغةً في التنفير عنها، ومنها: البَدَاءَةُ بالأهمِّ فالأهمِّ، فَقَدَّم أولاً النساءَ لأنهن أكثرُ امتزاجاً ومخالطةً بالإِنسانِ، وهُنَّ حبائِلُ الشيطان، قال عليه السلام:«ما تَرَكْتُ بعدي فتنةً أَضَرَّ على الرجالِ مِنَ النساءِ» «ما رأيتُ مِنْ ناقصاتِ عقلِ ودينٍ أَسْلَبَ لِلُبِّ الرجلِ منكُنَّ» ويُرْوى: «الحازمِ منكن» . وقيل: «فيهن فتنتان، وفي البنين

ص: 61

فتنةٌ واحدةٌ؛ وذلك أنهنَّ يَقْطَعْنَ الأرحامَ والصلات بين الأهلِ غالباً وهُنَّ سببٌ في جمع المال من حلالٍ وحرام غالباً، والأولاد يُجْمَع لأجلِهم المالُ، فلذلك ثَنَّى بالبنين، وفي الحديث:» الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ «، ولأنهم فروع منهن وثمرات نشأن عنهن، وفي كلامهم:» المرءُ مفتونٌ بولدِه «. وقُدِّمَتْ على الأموال لأنها أحبُّ إلى المرءِ مِنْ ماله، وأمَّا تقديمُ المالِ على الولد في بعضِ المواضع فإنما ذلك في سياقِ امتنانٍ وإنعامٍ أو نصرةٍ ومعاونة وغلبة، لأنَّ الرجال تُستمال بالأموال، ثم أتى بذكرِ تمام اللذة وهو المركوبُ البهيُّ من بينِ سائر الحيوانات، ثم أتى بِذِكْر ما يَحْصُل به جَمالٌ حين تُريحون وحين تَسْرحون، كما تشهد به الآية الأخرى، ثم ذَكَرَ ما به قِوامُهم وحياةُ بنيهم وهو الزروع والثمار، ويشمل الفواكهَ أيضاً، ومنها: الإِتيانُ بفلظٍ يُشْعر بشدة حب هذه الأشياء حيث قال:» زُيِّن «، والزينةُ محبوبةٌ في الطباع.

ومنها: بناءُ الفعلِ للمفعول؛ لأنَّ الغرضَ الإِعلامُ بحصول ذلك. ومنها: إضافةُ الحُبِّ للشهوات، والشهواتُ هي الميلُ والنزوع إلى الشيء.

ومنها التجنيس: «القناطير المقنطرةِ» . ومنها: الجمعُ بين ما يشبه المطابقة في قوله: «والذهب والفضة» لأنهما صارا متقابلين في غالِب العُرف. ومنها: وصفُ القناطيرِ بالمقنطرة الدالةِ على تكثيرها مع كثرتها في ذاتها. ومنها: ذِكْرُ هذا الجنس بمادة الخيل لِما في/ اللفظ من الدلالة على تحسينه، ولم يقل: الأفراس، وكذا قوله:«والأنعام» ولم يَقُل الإبل والبقر والغنم، ولأنه أَخْضَرُ.

ص: 62

قوله: {ذلك مَتَاعُ} الإشارةُ ب «ذلك» للمذكور المتقدِّم، فلذلك وَحَّد اسمَ الإِشارة، والمشارُ إليه متعددٌ كقولِه تعالى:{عَوَانٌ بَيْنَ ذلك} [البقرة: 68] ، وقد تقدَّم شيئان.

قوله: {المآب} هو مَفْعَل من: آب يؤوب أي رَجَع، والأصل: مَأْوَب فَنُقِلت حركةُ الواو إلى الهمزة الساكنة قبلها، فَقُلِبت الواوُ ألفاً، وهو هنا اسمُ مصدرٍ أي: حَسَنُ الرجوعِ، وقد يقع اسم مكان أو زمان، تقول: آبَ يَؤُوب أَوْباً وإياباً ومآباً، فالأْوْب والإِياب مصدران والمآبُ اسمٌ لهما.

ص: 63

قوله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ} : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيقِ الأولى وتسهيل الثانية بينَ بينَ، على ما عُرِفَ من قواعدهم في أول البقرة، والباقون بالتخفيف فيهما. ومَدَّ بين هاتين الهمزتين بلا خلاف قالون عن نافع، وأبو عمرو وهشام عن بان عامر بخلاف عنهما، والباقون بغير مد، وهم على أصولِهم من تحقيقٍ وتسهيل، وورش على أصلِه من نَقْلِ حركة الهمزة إلى لام «قل» .

واعلم أنه لا بُدَّ مِنْ ذِكْر اختلاف القراء في هذه اللفظةِ وشِبْهها وتحريرِ مذاهبهم فإنه موضعٌ عَسِرُ الضبط فأقول بعونِ الله تعالى: الواردُ من ذلك القرآن الكريم ثلاثةُ مواضعَ: أعني همزتين أولاهما مفتوحةٌ والثانيةُ مضمومة من كلمةٍ واحدة، الأولُ هذا الموضعُ، والثاني في ص:{أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا} [ص: 8]، الثالث في القمر:{أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ} [القمر: 25] . والقُرَّاء فيها على خمسِ مراتبَ، إحداها: مرتبة قالون، وهي تسهيلُ الثانيةِ بينَ بينَ، وإدخالُ ألفٍ بين الهمزتين بلا خلافٍ كذا رواه عن نافع. الثانية: مرتبة ورش وابن كثير، وهي

ص: 63

تسهيلُ الثانية أيضاً بينَ بينَ من غيرِ إدخال ألف بين الهمزتين بلا خلافٍ كذا روى ورش عن نافع. الثالثة: مرتبة الكوفيين وابن ذكوان عن ابن عامر وهي تحقيق الثانية من غيرِ إدخال ألف بلا خلاف، كذا روى ابن ذكوان عن ابن عامر. الرابعة: مرتبةُ هشام، وهي أنه رُوي عن ثلاثة أوجه: الأولُ التحقيقُ وعدمُ إدخالِ ألف بين الهمزتين في ثلاث السور. الوجه الثاني: التحقيقُ وإدخال ألف بينهما في ثلاث السور. والوجه الثالث: التفرقةُ بين السور الثلاث، وهو أنه يُحَقِّق ويَقْصُر في هذه السورة، ويُسَهِّل ويَمُدُّ في السورتين الأُخْرَيَين. الخامسة: مرتبة أبي عمرو وهي تسهيل الثانية مع إدخالِ الألف وعدمه. واجتزأْتُ عن تعليل التخفيف والمد والقصر واعزاً كلَّ واحد منها إلى لغةِ مَنْ تكلم به بما قدمته في أول البقرة، ولله الحمد.

ونقل أبو البقاء أنه قُرىء: «أَوُنَبِّئكم» بواو خالصة بعد الهمزة لانضمامها، وليس ذلك بالوجهِ. وفي قوله «أؤنبئكم» التفاتٌ من الغَيْبَةِ في قوله:«للناس» إلى الخطاب تشريفاً لهم.

قوله: {بِخَيْرٍ} متعلقٌ بالفعل، وهذا الفعلُ لَمَّا لم يُضَمَّنْ معنى «أَعْلم» تعدَّى لاثنين، الأولُ تعدَّى إليه بنفسه وإلى الثاني بالحرف، ولو ضُمِّن معناها لتعدَّى إلى ثلاثة.

و {مِّن ذلكم} متعلِّقٌ بخير؛ لأنه على بابِه من كونِه أَفْعَلَ تفضيلٍ، والإِشارةُ بذلكم إلى ما تقدَّم من ذكرِ الشهوات، وتقدَّم تسويغُ الإِشارة بالمفرد إلى الجمع. ولا يجوزُ أن تكونَ «خير» ليست للتفضيل، ويكونُ المرادُ به خيراً من الخيور، وتكون «مِنْ» صفةً لقولِه:«خير» . قال أبو البقاء: «مِنْ» في

ص: 64

موضِع نصبٍ بخير تقديرُه: بما يَفْضُل ذلك، ولا يجوز أَنْ تكونَ صفةً لخير؛ لأن ذلك يوجبُ أن تكونَ الجنةُ وما فيها مِمَّا رَغِبوا فيه بعضاً لِما زهدوا فيه من الأموال ونحوها «وتابعه على ذلك الشيخ» .

قوله: {لِلَّذِينَ اتقوا} [يجوز فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنه متعلق بخير، ويكونُ الكلامُ قد تَمَّ هنا] ويرتفعُ «جنات» على خبر مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: هو جنات، أي: ذلك الذي هوخيرٌ مِمَّا تقدم جناتٌ، والجملةُ بيانٌ وتفسيرٌ للخيريَّة، ومثلُه:{قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذلكم} ثم قال: {النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ} [الحج: 73]، ويؤيد ذلك قراءة «جنات» بكسر التاء على أنها بدل من «بخير» فهي بيانٌ للخير. والثاني: أن الجارَّ خبرٌ مقدم، و «جنات» مبتدأٌ مؤخرٌ، أو يكونُ «جناتٌ» فاعلاً بالجار قبله، وإنْ لم يعتمد عند مَنْ يرى ذلك. وعلى هذين التقديرين فالكلامُ تَمَّ عند قولِه:«من ذلكم» ، ثم ابتدأ بهذه الجملة وهي أيضاً مبيِّنةٌ ومفسرةٌ للخيرية.

وأمَّا الوجهان الآخران فذكرهما مكي مع جر «جنات» ، يعني أنه لم يُجِز الوجهين، إلا إذا جَرَرْتَ «جنات» بدلاً مِنْ «بخير» . الوجه الأول: أنه متعلقٌ بأؤنبئكم. الوجه الثاني: أنه صفةٌ لخير. ولا بُدَّ من إيرادِ نصه فإنَّ فيه إشكالاً.

قال رحمه الله: بعد أن ذَكَرَ أنَّ «للذين» خبرٌ مقدم و «جناتٌ» مبتدأ «ويجوزُ الخفضُ في» جنات «على البدلِ من» بخير «على أن تَجْعَلَ اللام في» للذين «متعلقةً بأؤنبئكم، أو تجعلَها صفةً لخير، ولو جَعَلْتَ اللامَ متعلقةً

ص: 65

بمحذوفٍ قامَتْ مقامَه لم يَجُزْ خَفْضُ» جنات «؛ لأن حروفَ الجرِّ والظروفَ إذا تعلَّقت بمحذوفٍ، وقامَتْ مقامَه صار فيها ضميرٌ مقدرٌ مرفوعٌ، واحتاجت إلى ابتداءٍ يعودُ إليه ذلك الضميرُ كقولك:» لزيدٍ مالٌ، وفي الدار رجلٌ وخلفَك عمروٌ «فلا بُدَّ من رفع» جنات «إذا تعلَّقت اللامُ بمحذوف، ولو تعلَّقت بمحذوف على أَنْ لا ضميرَ فيها لرفَعْتَ» جنات «بفعلِها، وهو مذهبُ الأخفشِ في رفعهِ ما بعدَ الظروفِ وحروفِ الخفض بالاستقرار، وإنما يَحْسُن ذلك عند حُذّاق النحويين إذا كانت الظروفُ أو حروفُ الخفضِ صفةً لما قبلها، فحينئذٍ يتمكَّن ويَحْسُن رَفْعُ الاسمِ بالاستقرار، وقد شرحنا لك وبَيَّنَّاه في أمثلة، وكذلك إذا كانت أحوالاً [مِمّا قبلها] » . انتهى فقد جَوَّز تعلُّق هذه اللام بأونبئكم أو بمحذوف على أنها صفةٌ لخير بشرط أن تُجَرَّ «جنات» ، على البدلِ من «بخير» ، وظاهرُه أنه لا يجوزُ ذلك مع رفعِ «جنات» وعَلَّل ذلك بأنَّ حروفَ الجر تُعَلَّقُ بمحذوفٍ وتُحَمَّلُ الضميرَ، فوجَب أن يؤتى له بمبتدأ وهو «جنات» ، وهذا الذي قاله من هذه الحيثية لا يلزَمُ، إذ لقائلٍ أن يقولَ: أُجُوِّزُ تعليقَ اللام بما ذكرْتُ من الوجهين مع رفع «جنات» على أنَّها خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، لا على الابتداءِ حتى يلزَم ما ذكرْتُ.

ولكنْ الوجهانِ ضعيفان من جهةٍ أخرى: وهو أنَّ المعنى ليس واضحاً على ما ذكر، مع أنَّ جَعْلَه أنَّ اللامَ صفةٌ لخير أقوى مِنْ جَعْلها متعلقةً بأؤنبئكم إذ لا معنى له. وقوله:«في الظروف وحروفِ الجر أنها عند الحُذَّاق إنما ترفع الفاعل إذا كانت صفاتٍ» وقوله: «وكذلك إذ كُنَّ أحوالاً» فيه قصورٌ؛ لأنَّ هذا الحكمَ مستقرٌ لها في مواضعَ، منها الموضعان اللذان ذكرهما. ثالثهما: أن يقَعا صلةً. رابعها: أن يقعا خبراً لمبتدأ. خامسها: أن يعتمدا على نفي. سادسها: أن يعتمدا على استفهامٍ، وقد تقدَّم تحريرُ هذا، وإنَّما أَعدْتُه لبُعْدِ عَهْدِهِ.

قوله: {عِندَ رَبِّهِمْ} فيه أربعةُ أوجه، أحدُها: أنه في محل نصبٍ على

ص: 66

الحال من «جنات» لأنه في الأصل صفةٌ لها، فلمَّا قُدِّم نُصِبَ حالاً. الثاني: أنه متعلِّقٌ بما تَعَلَّق به «للذين» من الاستقرار إذا جعلناه خبراً أو رافعاً لجنات بالفاعلية، أمَّا إذا علَّقْتَه ب «خيرٍ» أو ب «أؤنبئكم» فلا، لعدمِ تضمُّنه الاستقرارَ. الثالث: أن يكونَ معمولاً لتجري، وهذا لا يساعِدُ عليه المعنى. الرابع: أنه متعلِّق بخير، كما تعلَّق به «للذين» على قولٍ تقدَّم. ويَضْعُفُ أن يكونَ الكلامُ قد تَمَّ عند قولِه «للذين اتقوا» ثم يُبْتدأ بقوله:{عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ} على الابتداء والخبرِ، وتكون الجملة مبينةً ومفسرةً للخيرية كما تقدَّم في غيرها.

وقرأ يعقوب «جنات» بكسر التاء، وفيها ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها بدلٌ من لفظ «خير» فتكونُ مجرورةً، وهي بيانٌ له كما تقدم. والثاني أنها بدلٌ من محل «بخير» ومحلُّه النصب، وهو في المعنى كالأول/. الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار أعني، وهو نظيرُ الوجهِ الصائرِ إلى رفعه على خبر ابتداءٍ مضمرٍ.

قوله: {تَجْرِي} صفةٌ لجنات، فهو في محلِّ رفعٍ أو نصب أو جر على حَسَب القراءتين والتخاريج فيهما. و {مِن تَحْتِهَا} متعلِّقٌ بتجري، وجَوَّز فيه أبو البقاء أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الأنهار قال:«أي: تَجْرِي الأنهارُ كائنةً تحتها» ، وهذا يُشْبِهُ تهيئة العاملِ للعمل في شيء وقَطْعَه عنه.

قوله: {خَالِدِينَ} حالٌ مقدَّرة، وصاحبُها الضميرُ المستكِنُّ في «للذين» والعاملُ فيها حينئذٍ الاستقرارُ المقدَّرُ. وقال أبو البقاء:«إنْ شِئْتَ من الهاء في» تحتها «. وهذا الذي ذكره إنما يتمشَّى على مذهبِ الكوفيين، وذلك أنَّ

ص: 67

جَعْلَها حالاً من» ها «في» تحتها «يؤدِّي إلى جريان الصفةِ على غيرَ مَنْ هي له في المعنى، لأن الخلودَ من أوصافِ الداخلين في الجنةِ لا مِنْ أوصافِ الجنة، ولذلك جَمَعَ هذه الحال جَمْعَ العقلاء، فكان ينبغي أن يُؤتى بضميرٍ مرفوعٍ بارز، هو الذي كان مستتراً في الصفةِ، نحو:» زيدٌ هندٌ ضاربها هو «، والكوفيون يقولون: إنْ أُمِنَ اللَّبْس كهذا لم يجب بروزُ الضميرِ، وإلَاّ يجبْ، والبصريون لا يُفَرِّقون، وتقدَّم البحثُ في ذلك.

قوله: {وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ} مَنْ رفع «جنات» كما هو المشهورُ كان عَطْفُ «أزواج» و «رضوان» سهلاً. ومَنْ كسر التاء فيجب حينئذٍ على قراءته أن يكونَ مرفوعاً على أنه مبتدأٌ خبرُه مضمرٌ، تقديرُه: ولهم أزواجٌ ولهم رضوان، وتقدَّمَ الكلامُ على {أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} في [البقرة: 25] .

وفي «رضوان» لغتان: ضَمُّ الراءِ وهي لغةُ تميم، والكسرُ وهي لغةُ الحجاز، وبها قَرَأ العامة إلا أبا بكر عن عاصم فإنه قرأ بلغة تميم في جميع القرآن، إلا في الثانية مِنْ سورة المائدة، وهي:{مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ} [الآية: 16] فبعضُهم نَقَل عنه الجزَم بكسرها، وبعضُهم نقل عنه الخلافَ فيها خاصة.

وهل هما بمعنًى واحدٍ أو بينهما فرقٌ؟ قولان، أحدهما: أنهما مصدران بمعنى واحدٍ لرَضي يَرْضَى. والثاني: أنَّ المكسور اسم ومنه: رِضْوان خازنُ الجنة صلى الله على نبينا وعلى أنبيائه وملائكته، والمضمومُ هو المصدر. و «مِن الله» صفةٌ لرضوان.

ص: 68

قوله تعالى: {الذين يَقُولُونَ} : يَحْتَمِلُ مَحَلُّه الرفعَ والنصبَ والجَّر، فالرفعُ من وجهين، أحدُهما: أنه مبتدأ محذوفٌ الخبرِ، تقديرُه: الذين يقولون كذا مستجابٌ لهم، أو لهم ذلك الخيرُ المذكورُ. والثاني: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، كأنه قيل: مَنْ هم هؤلاء المتقون؟ فقيل: الذينَ يقولون كَيْتَ وكيتَ.

والنصبُ من وجهٍ واحد، وهو النصبُ بإضمار أَعْني أو أمدحُ، وهو نظيرُ الرفعِ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ، ويُسَمَّيان الرفعَ على القطعِ والنصبَ على القطعِ. والجَرُّ مِنْ وجهين، أحدهما: النعتُ والثاني البدلُ، ثم لك في جَعْلِه نعتاً أو بدلاً وجهان، أحدُهُما: جَعْلُه نعتاً للذين اتقوا أو بدلاً منه. والثاني: جَعْلُه نعتاً للعباد أو بدلاً منهم. واستضعف أبو البقاء جَعْلَه نعتاً للعباد. قال: «لأنَّ فيه تخصيصاً لعلمِ الله تعالى، وهو جائزٌ على ضَعْفِهِ، ويكون الوجهُ فيه إعلامَهم بأنه عالمٌ بمقدار مشقتهم في العبادة فهو يُجازِيهم عليها كما قال:{والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} [النساء: 25] .

والجملةُ من قوله:» واللهُ بصيرٌ «يجوز أن تكونَ معترضةً لا محلَّ لها إذا جَعَلْتَ {الذين يَقُولُونَ} تابعاً للذين اتقوا نعتاً أو بدلاً، وإنْ جَعَلْتَه مرفوعاً أو منصوباً فلا.

ص: 69

قوله تعالى: {الصابرين} : إنْ قَدَّرْتَ «الذين يقولون» منصوبَ المحل أو مجرورَه على ما تقدَّم كان «الصابرين» نعتاً له على كلا التقديرين، فيجوزُ أن يكونَ في محلِّ نصب وأن يكون في محل جر، وإنْ قَدَّرْته مرفوع المحل تعيَّن نصب «الصابرين» بإضمار أعني.

ص: 69

والأسْحار جمع «سَحَر» بفتح العين وسكونها. واختلف أهل اللغة في السَّحَر: أيُّ وقتٍ هو؟ فقال جماعةٌ منهم الزجاج: «إنه الوقت قبل طلوع الفجر» ، ومنه «تَسَحَّر» أي أكل في ذلك الوقت، وأسْحَرَ إذا سار فيه، قال زهير:

1198 -

بَكَرْنَ بُكوراً واسْتَحَرْنَ بسُحْرَةٍ

فهنَّ ووادي الرَّسِّ كاليدِ للفَم

قال الراغب: «السَّحَرُ: اختلاطُ ظلامِ آخر الليل بضياءِ النهار، وجُعِل اسماً لذلك الوقت، ويقال:» لَقيته بأعلى سَحَرَيْن «، والمُسْحِرُ: الخارجُ سَحَراً، والسَّحورُ: اسمُ للطعامِ المأكولِ سَحَراً، والتسَحُّرُ أكْلُه» . والمُسْتَحِرُ: الطائر الصَّيَّاحُ في السَّحَر، قال:

1199 -

يُعَلُّ به بَرْدُ أنيابِها

إذا غَرَّدَ الطائرُ المُسْتَحِرْ

وقال بعضُهم: «أَسْحَرَ الطَائر أي: صاحَ وتحرَّك في صياحه» وأنشد البيت. وهذا وإنْ كان مطلقاً، وإنما يريد ما ذكرْتُه بالصِّياح في السحر، ويقال: أَسْحَر الرجل: أي دخل في وقتِ السَّحَر كأَظْهَرَ/ أي: دخل في وقت الظُّهر، قال:

1200 -

وأَدْلَجَ مِنْ طِيْبَةٍ مسرعاً

فجاءَ إلينا وقد أَسْحَرَا

ومثلُه: «اسْتَحَرَ» أيضاً. وقال بعضُهم: «السَّحَرُ من ثلث الليل الأخير

ص: 70

إلى طلوع الفجر» وقال بعضهم أيضاً: «السَّحَرُ عند العرب من آخر الليل، ثمَ يَسْتمر حكمُه إلى الإِسفار، كلُّه يقال له: سَحَر» . قيل: وسُمِّي السَّحَرُ سَحَراً لخفائِه، ومنه قيل: للسِّحْر: سِحْرِ لِلُطْفِه وخَفَائه.

والسَّحْر بسكون الحاء مُنْتهى قَصَبةِ الرئة، ومنه قولُ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:«ماتَ بين سَحْري ونَحْري» سُمِّي بذلك لخفائِه، و «سَحَر» فيه كلام كثير، بالنسبةِ إلى الصرف وعدمه، والتصرفِ وعدمهِ، والإِعرابِ وعدمِه، يأتي تفصيلُها إن شاء الله تعالى عند ذِكْرِهِ إذ هو الأليقُ به.

وقوله: {والصادقين} وما عُطِف عليه. إن قيل: كيف دَخَلَتِ الواوُ على هذه الصفاتِ وكلُّها لقبيلٍ واحد؟ ففيه جوابان، أحدُهما أنَّ الصفاتِ إذا تكرَّرت جازَ أن يُعْطَفَ بعضُها على بعضٍ بالواوِ، وإنُ كانَ الموصوفُ بها واحداً، ودخولُ الواوِ في مثل هذا تفخيمٌ، لأنه يُؤْذِنُ بأن كلَّ صفةٍ مستقلةٌ بالمدحِ. والجوابُ الثاني: أن هذه الصفاتِ متفرقةٌ فيهم، فبعضُهم صابرٌ، وبعضُهم صادِقٌ، فالموصوفُ بها متعدِّدٌ، هذا كلامُ أبي البقاء.

وقال الزمخشري: «الواوُ المتوسطةُ بين الصفاتِ للدلالةِ على كمالهم في كلِّ واحدة منها» . قال الشيخ: «ولا نعلمُ العطفَ في الصفة بالواو يَدُّلُّ على الكمالِ» قلت: قد عَلِمَه علماءُ البيان، وقد تقدَّم لك تحقيقُ هذه المسألةِ في أوائلِ سورة البقرة، وما أنشدْتُه على ذلك من لسانِ العرب. والباء في «بالأسحارِ» بمعنى في.

ص: 71

قوله تعالى: {شَهِدَ الله} : العامةُ على «شَهِدَ» فعلاً ماضياً مبنياً للفاعلِ، والجلالةُ الكريمةُ رفعٌ بهِ. وقرأ أبو الشعثاء:«شُهِدَ» مبيناً للمفعول، والجلالةُ المعظمةُ قائمةٌ مقامَ الفاعلِ، وعلى هذه القراءةِ، فيكونُ {أَنَّهُ لَا إله إِلَاّ هُوَ} في محلِّ رفع بدلاً من اسمِ اللهِ تعالى بدلَ اشتمالٍ، تقديرهُ: شَهِدَ وحدانيةَ اللهِ وألوهيتَه، ولمَّا كان المعنى على هذه القراءةِ كذا أَشْكَل عَطْفُ {والملائكة وَأُوْلُواْ العلم} على الجلالةِ الكريمة، فَخُرِّج ذلك على عَدَمِ العطف، بل: إمَّا على الابتداءِ والخبرُ محذوفٌ لدلالةِ الكلامِ عليه تقديرُه: والملائكةُ وأولو العلمِ يَشهدون بذلك، يَدُلُّ عليه قولُه تعالى:{شَهِدَ الله} ، وإمَّا على الفاعليةِ بإضمارِ محذوفٍ، تقديرُه: وشَهِدَ الملائكةُ وأولو العلم بذلك، وهو قريبٌ من قولهِ تعالى:{يُسَبَّح لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ} [النور: 36] في قراءةِ مَنْ بناه للمفعول، وقوله:

1201 -

لِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

في أحد الوجهين.

وقرأ أبو المهلب عمُّ محارب بن دثار: «شهداءَ الله» جمعاً على فُعَلاء

ص: 72

كظُرَفاء منصوباً، ورُوي عنه وعن أبي نُهَيْك كذلك، إلا أنه مرفوع، وفي كِلتا القراءتين مضافٌ للجلالة. فأمَّا النصبُ فعلى الحال، وصاحبُها هو الضميرُ المستتر في «المستغفرين» قاله ابن جني، وتَبِعَه غيرُه كالزمخشري وأبي البقاء. وأمَّا الرفعُ فعلى إضمارِ مبتدأ، أي: هم شهداءُ الله. و «شهداء» يَحْتمل أن يكونَ جمع شاهر كشاعِر وشُعَراء، وأَنْ يكونَ جمعَ شهيد كظريف وظُرَفاء.

وقرأ أبو المهلب أيضاً في رواية: «شُهُداً اللهَ» بضم الشين والهاء والتنوين ونصبِ الجلالةِ المعظمةِ، وهو منصوبٌ على الحالِ، جمع شهيد نحو: نَذِير ونُذُر، واسمُ اللهِ منصوبٌ على التعظيم أي: يَشْهدون اللهَ أي: وحدانيتَه.

ورَوى النقاش أنه قُرىء كذلك، إلا أنه قال:«برفعِ الدال ونصبها» والإِضافةُ للجلالةِ المعظمة. فالنصبُ والرفعُ على ما تقدَّم في «شهداء» ، وأما الإِضافةُ فتحتملُ أنْ تكونَ محضةً، بمعنى أنك عَرَّفْتهم بإضافتِهم إليه من غير تَعَرُّضٍ لحدوثِ فِعْلٍ، كقولك: عباد الله، وأَنْ تكونَ مِنْ نصبٍ كالقراءةِ قبلَها فتكونَ غيرَ محضةٍ. وقد نقل الزمخشري أنه قُرىء:«شُهَداء لله» جَمْعاً على فُعَلاء وزيادةِ لامِ جر داخلةً على اسمِ اللهِ، وفي الهمزةِ الرفعُ والنصبُ وخَرَّجهما على ما تقدَّم من الحالِ والخبر.

ص: 73

وعلى هذه القراءاتِ كلِّها ففي رفعِ «الملائكة» وما بعدَها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها الابتداءُ/ والخبرُ محذوفٌ. والثاني: أنه فاعلٌ بفعلٍ مقدرٍ وقد تَقدَّم تحريرُها. الثالث ذَكَره الزمخشري: وهو النسقُ على الضمير المستكنِّ في «شهداء الله» قال: «وجاز ذلك لوقوعِ الفاصلِ بينهما» .

قوله: «أنه» العامَّةُ على فتحِ الهمزةِ، وإنما فُتِحَتْ لأنها على حَذْفِ حرفِ، الجر، أي: شَهِدَ الله بأنه لا إله إلا هو، فَلَّما حُذِفَ الحرفُ جازَ أن يكونَ محلُّها نصباً وأن يكونَ محلُّها جَرَّاً كما تقدَّم تقديره.

وقرأ ابن عباس: «إنه» بكسرِ الهمزةِ، وفيها تخريجان، أحدُهما: إجراءُ «شَهِدَ» مُجْرى القولِ لأنه بمعناه، وكذَا وقَعَ في التفسير: شَهِد الله أي: قال الله، ويؤيِّده ما نَقَله المؤرِّج أن «شَهِد» بمعنى «قال» لغةُ قيس بن عيلان. والثاني: أنها جملةُ اعتراضٍ بين العامل وهو شهد وبين معمولهِ وهو قولُه {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} ، وجازَ ذلك لِما في هذه الجملةِ من التأكيدِ وتقويةِ المعنى، وهذا إنما يتجه على قراءةِ فَتْحِ «أَنَّ» من «أنَّ الدينَ» ، وأمَّا على قراءةِ الكسرِ فلا يجوزُ، فيتعيَّنُ الوجهُ الأولُ.

والضميرُ في «أنه» يَحْتمل العَوْدَ على الباري لتقدُّمِ ذكرهِ، ويَحْتمل أن يكونَ ضميرَ الأمر، ويؤيِّدُ ذلك قراءةُ عبد الله:{شَهِدَ الله أَنْ لا إلهَ إلا هو} فأَنْ مخففةٌ في هذه القراءةِ، والمخففةُ لا تعملُ إلَاّ في ضميرِ الشأنِ ويُحْذَفُ حينئذٍ، ولا تَعْمَلُ في غيرِه إلا ضرورةً.

ص: 74

وأَدْغم أبو عمرو بخلافٍ عنه واو «هو» في واوِ النسق بعدها وقد تقدَّم تحقيقُ هذه المسألةِ في البقرة عند قوله: {هُوَ والذين آمَنُواْ مَعَهُ} [الآية: 249] .

قوله: {قَآئِمَاً بالقسط} في نصبِه أربعةُ أوجه أحدُها: أنه منصوبٌ على الحالِ، واختلف القائلُ بذلك: فبعضُهم جَعَلَه حالاً من اسمِ الله، فالعاملُ فيها «شَهِدَ» . قال الزمخشري:«وانتصابهُ على أنَه حالٌ مؤكِّدةٌ منه كقوله تعالى: {وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً} . قال الشيخ:» وليس من بابِ الحالِ المؤكدةِ لأنه ليس من باب: {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} [مريم: 15] ولا من باب «أنا عبدُ الله شجاعاً» فليس «قائماً بالقسط» بمعنى شَهِد، وليس مؤكداً لمضمونِ الجملةِ السابقةِ في نحو: أنا عبدُ الله شجاعاً وهو زيدٌ شجاعاً، لكنْ في هذا التخريجَ قَلَقٌ في التركيبِ، إذ يصير كقولك:«أَكلَ زيدٌ طعاماً وعائشةُ وفاطمةُ جائعاً» فَيَفْصِل بين المعطوفِ عليه والمعطوفِ بالمفعول، وبين الحالِ وذي الحال بالمفعولِ والمعطوفِ، لكنْ بمشيئةِ كونِها كلِّها معمولةً لعاملٍ واحدٍ «. انتهى.

قلت: مؤاخَذَتُهُ له في قولِهِ:» مؤكدةُ «غيرُ ظاهرٍ، وذلك أنَّ الحالَ على قسمين: إمَّا مؤكدةٌ وإمَّا مُبَيِّنة، وهي الأصلُ، فالمُبَيِّنَةُ لا جائزٌ أن تكونَ ههنا، لأنَّ المبيِّنة تكونُ متنقلةً، والانتقالُ هنا مُحالٌ، إذ عَدْلُ اللهِ تعالى لا يتغيَّرُ، فإنْ قيل لنا قسمٌ ثالثٌ، وهي الحالُ اللازمةُ فكانَ للزمخشري مندوحةٌ عن قوله» مؤكدة «ألى قوله» لازمةٌ «فالجوابُ أنَّ كلَّ مؤكدةٍ لازمةٌ وكلَّ لازمةٍ مؤكدةٌ

ص: 75

فلا فرقَ بين العبارتين، وإنْ كان الشيخُ زَعَم أنَّ إصلاحَ العبارةِ يَحْصُل بقولِه:» لازمة «، ويَدُلُّ على ما ذكرتْهُ من ملازَمَةٍِ التأكيدِ للحالِ اللازمةِ وبالعكس الاستقراءُ.

وقولُه: «ليس معنى قائماً بالقسط معنى شهد» ممنوعٌ بل معنى «شَهِد» مع متعلَّقهِ وهو أنه لا إله إلا هو مساوٍ لقولِه «قائماً بالقسط» لانَّ التوحيدَ ملازمٌ للعدلِ.

ثم قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: لِمَ جاز إفرادهُ بنصبِ الحالِ دون المعطوفَيْنِ عليه، ولو قلت:» جاءني زيدٌ وعمرو راكباً «لم يَجُزْ؟ قلت: إنما جازَ هذا لعدمِ الإِلباسِ كما جاز في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: 72] إن انتصب» نافلةً «حالاً عن» يعقوب «ولو قُلْتَ:» جاءني زيدٌ وهند راكباً «جاز لتميُّزِه بالذُّكورة.

قال الشيخ:» وما ذَكَره مِنْ قوله: «جاءني زيدٌ وعمروٌ راكباً» أنه لا يجوزُ ليس كما ذَكَر، بل هذا جائزٌ لأنَّ الحالَ قَيْدٌ فيمن وَقَعَ منه أو به الفعلُ أو ما أشبهَ ذلك، وإذا كان قيداً فإنه يُحْمَل على أقرب مذكورٍ، ويكون «راكباً» حالاً مِمَّا يَليه، ولا فرقَ في ذلك بين الحالِ والصفِة، لو قلت:«جاءني زيدٌ وعمروٌ الطويلُ» كان «الطويلُ» صفةً لعمرو، ولا تقولُ: لا تجوزُ هذه المسألةُ لِلَّبْس، إذ لا لَبْسَ في هذا وهو جائزٌ، وكذلك الحالِ. وأمَّا قولُه:«إنَّ نافلةً» انتصَب حالاً عن يعقوب «فلا يتعيَّنُ أَنْ يكونَ حالاً عن يعقوب؛ إذ يُحتمل أَنْ يكونَ» نافلةً «مصدراً كالعاقبة والعافِية، ومعناه: زيادة، فيكونُ ذلك شاملاً/ لإِسحاق ويعقوب لأنهما زيدا لإِبراهيم بعد ابنه إسماعيل وغيره» قلت: مرادُ الزمخشري بمنع «جاءني زيد وعمرو راكبا» إذ أُريد أَنَّ الحالََ منهما معاً، أمَّا

ص: 76

إذا أريد أنها حالٌ من واحدٍ منهما فإنَّما تُجْعَلُ لِما تليه، لعودِ الضميرِ على أَقْربِ مذكور، وبعضُهم جَعَلَه حالاً من «هو» قال الزمخشري:«فإنْ قلت: قد جَعَلْتَه حالاً من فاعل» شَهِدَ «فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ ينتصِبَ حالاً عن» هو «في» لا إله إلا هو «؟ قلت: نَعَمْ لأنها حالٌ مؤكدةٌ، والحالُ المؤكدةُ لا تَسْتَدْعي أن يكونَ في الجملةِ التي هي زيادةٌ في فائدتِها عاملٌ فيها كقولك:» أنا عبدُ الله شجاعاً «. انتهى. يعني أنَّ الحالَ المؤكِّدَة لا يَكونُ العاملُ فيها النصبَ شيئاً من الجملةِ السابقةِ قبلَها، إنما ينتصبُ بعاملٍ مضمرٍ، فإنْ كان المتكلمُ مُخْبِراً عن نفسه نحو:» أنا عبدُ الله شجاعاً «قَدَّرْتَه: أُحقُّ شجاعاً، مبنياً للمفعول، وإنْ كان مُخْبِراً عن غيره قَدَّرْتَه مبنياً للفاعل نحو:» هذا عبدُ الله شجاعاً «أي: أَحُقُّه، هذا هو المذهبُ المشهورُ في نصبِ مثلِ هذه الحالِ.

وفي المسألةِ قولٌ ثانٍ لأبي إسحاق أنَّ العاملَ فيها هو خبرُ المبتدأ لِما ضُمِّنَ من معنى المشتقِ إذْ هو بمعنى المُسَمَّى. وقولٌ ثالثٌ: أنَّ العاملَ فيها المبتدأ لِما ضُمِّن مِنْ معنى التنبيه، وهي مسألةٌ طويلةٌ. وبعضُهم جَعَلَه حالاً من الجميع على اعتبارِ كلِّ واحدٍ واحدٍ قائماً بالقسط، وهذا مناقضٌ لِما قاله الزمخشري من أنَّ الحالَ مختصةٌ باللهِ تعالى دونَ ما عُطِف عليه. وهذا المذهبُ مردودٌ بأنه لو جازَ ذلك لجازَ «جاء القومُ راكباً» أي: كلُّ واحدٍ منهم راكباً، والعربُ لا تقولُ ذلك البتَة، فَفَسَدَ هذا، فهذه ثلاثةُ أوجهٍ في صاحبِ الحال.

الوجهُ الثاني من أوجهِ نصبِ «قائماً» نصبُه على النعتِ للمنفيِّ بلا، كأنه قيل: لا إلَه قائماً بالقسطِ إلا هو. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: هَلْي يجوزُ

ص: 77

أَنْ يكونَ صفةً للمنفي، كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسطِ إلا هو؟ قلت: لا يَبْعُدُ، فقد رَأَيْناهم يَتَّسِعون في الفصلِ بين الصفةِ والموصوفِ» ثم قال:«وهو أَوْجَهُ مِن انتصابهِ عن فاعلِ» شَهِد «، وكذلك انتصابُه على المَدْح» .

قال الشيخ: وكان الزمخشري قد مَثَّل في الفصلِ بين الصفةِ والموصوفِ بقولِه: «لا رجلَ إلا عبدُ الله شجاعاً قال:» وهذا الذي ذَكَره لا يجوزُ لأنه فَصَلَ بين الصفةِ والموصوفِ بأجنبي وهو المعطوفان اللذان هما «والملائكةُ وأولوا العلم» وليسا معمولَيْنِ لشيءٍ من جملةِ «لا إله إلا هو» بل هما معمولان لشَهِدَ، وهو نظيرُ:«عَرَفَ زيدٌ أنَّ هنداً خارجةٌ وعمروٌ وجعفرٌ التميمية» فَيُفْصَلُ بين «هند والتميمية» بأجنبي ليس داخلاً في حَيِّز ما عمل فيها، وذل الأجنبيُّ هو «وعمرو وجعفر» المرفوعان المعطوفان على «زيد» . وأمَّا المثالُ الذي مَثَّل به وهو «لا رجلَ إلا عبدُ الله شجاعاً» فليس نظيرَ تخريجِهِ في الآية، لأنَّ قولَك «إلا عبدُ الله» بدلُ على الموضعِ من «لا رجلَ» فهو تابعٌ على الموضعِ، فليس بأجنبي، على أَنَّ في جوازِ هذه التركيبِ نظراً، لأنه بدلٌ و «شجاعاً» وصفٌ، والقاعدةُ أنه إذا اجتمع البدلُ والوصفُ قُدِّم الوصفُ؛ وسَببُ ذلك أنه على نية تكرارِ العامل على الصحيح، فصار من جملة أخرى على هذا المذهب «.

الوجهُ الثالثُ: نصبُه على المدحِ. قال الزمخشري:» فإن قلت: أليس من حقِّ المنتصبِ على المدح أن يكونَ معرفةً، كقولك:«الحمدُ لله الحميدَ» «إنَّا معاشرَ الأنبياء لا نُورَث» .

ص: 78

[وقوله] :

1202 -

إنا بني نَهْشَلٍ لا نَدَّعي لأبٍ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قلت قد جاء نكرة كما جاء معرفة، وأنشد سيبويه ممَّا جاءَ منه نكرةً قول الهذلي:

1203 -

ويَأْوِي إلى نَسْوةٍ عُطَّّلٍ

وشُعْثَاً مَراضيعَ مثلَ السَّعالِي

انتهى.

قال الشيخ: «انتهى هذا السؤال وجوابُه، وفي ذلك تخليط، وذلك أنه لم يُفَرِّق بين المنصوب على المدح أو الذم أو الترحم، وبين المنصوبِ على الاختصاص، وجَعَل حكمَهما واحداً، وأوردَ مثالاً من المنصوب على المدح وهو:» الحمدُ لله الحميدَ «ومثالين من المنصوبِ على الاختصاص وهما:» إنا معاشر الأنبياء لا نورث «» إنا بني نهشل لا نَدَّعي لأب «. والذي ذَكَره النحويون أنَّ المنصوبَ على المدحِ أو الذم أو الترحم قد يكونُ معرفةً، وقبله معرفةٌ تَصْلُح أن يكونَ تابعاً لها وقد لا تَصْلَحُ، وقد يكونُ نكرةً كذلك، وقد يكونُ نكرة وقبلها معرفةٌ فلا يصلُحُ أن يكونَ نعتاً لها، نحو قول النابغة:

ص: 79

1204 -

أََقارعُ عَوْفٍ لا أُحاولُ غيرَها

وجوهَ قرودٍ تَبْتَغي مَنْ تجادِعُ

فنصب» وجوه قرود «على الذَّمِّ وقبْلَه معرفةٌ وهي» أقارع عوفٍ «، وأمَّا المنصوبُ على الاختصاص/ فنصُّوا على أنه لا يكون نكرةً ولا مُبْهماً، ولا يكونُ إلا معرفاً بالألف واللامِ أو بالإِضافةِ أو بالعلميةِ أو لفظِ» أي «، ولا يكونُ إلا بعد ضمير مختص به أو مشاركٍ فيه، وربما أتى بعد ضميرِ مخاطبٍ» . قلت: إنما أراد الزمخشري بالمنصوبِ على الاختصاصِ المنصوبَ على إضمارِ فعلٍ لائقٍ، سواءً كان من الاختصاصِ المبوَّبِ له في النحو أم لا، وهذا اصطلاحُ أهْلِ المعاني والبيان، وقد تقدَّم التنبيهُ على ذلك غيرَ مرة.

الوجه الرابع: نَصْبُه على القطع أي: إنه كان مِنْ حَقِّه أَنْ يَرْتفع نعتاً لله تعالى بعد تعريفِهِ بأل، والأصل: شَهِدَ اللهُ القائمُ بالقسط، فلما نُكِّر امتنع إتباعُهُ فَقُطِعَ إلى النصب. وهذا مذهبُ الكوفيين، ونَقَلَهُ بعضُهم عن الفراء وحدَه، ومنه عندَهم قولُ امرىء القيس:

1205 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وعالَيْن قِنْوَاناً من البُسْر أحمرا

الأصل: من البسر الأحمر، وقد تقدَّم ذلك محققاً. ويؤيد هذا الذاهبَ قراءةُ عبد الله «القائم بالقسط» برفع «القائم» تابعاً للجلالة. وخَرَّجه الزمخشري وغيرُهُ على أنه خبرُ مبتدأ محذوف تقديره: هو القائمُ، [أو بدلاً

ص: 80

من هو] «. قال الشيخ:» ولا يجوزُ ذلك لأنَّ فيه فصلاً بين البدلِ والمبدلِ منه بأجنبي، وهو المعطوفان، لأنهما معمولان لغيرِ العاملِ في المبدلِ منه، ولو كان العاملُ في المعطوفِ هو العاملَ في المبدلَ منه لم يَجْزُ ذلك أيضاً؛ لأنه إذا اجتمع العطفُ والبدلُ قُدِّم البدلُ على العطف، لو قلت:«جاء زيدٌ وعائشةُ أخوك» لم يَجُزْ، إنما الكلامُ جاء زيدٌ أخوكَ وعائشةُ «.

فتحصَّل في رفع» القائم «على هذه القراءةِ ثلاثةُ أوجه: النعتُ والبدلُ وخبرُ مبتدأٍ محذوفٍ. ونُقِلَ عن عبد الله أيضاً أنه قرأ:» قائمٌ بالقسط «بالتنكير، ورفعُه من وجهي البدل وخبر المبتدأ.

وقرأ أبو حنيفة: «قَيِّماً» بالنصبِ على ما تقدَّم. فهذه أربعةُ أوجه حَرَّرَتْها من كلام القوم.

والظاهر أن رفع «الملائكةُ» وما بعدَهُ عطفٌ على الجلالة المعظمة. وقال بعضُهم: «الكلامُ تَمَّ عند قولِهِ: {لَا إله إِلَاّ هُوَ} وارتفَعَ» الملائكة «بفعل مضمرٍ تقديرُهُ: وشَهِدَ الملائكة وأولو العلم بذلك» وكأنَّ هذا الذاهبَ يرى أنَّ شهادة اللهِ مغايرةٌ لشهادة الملائكة وأولي العلم، ولا يُجِيزُ إعمال المشترك في معنييه فاحتاجَ من أجلِ ذلك إلى إضمارِ فعلٍ يُوافِقُ هذا المنطوقَ لفظاً ويخالِفُهُ معنى، وهذا يَجِيءُ نظيرُهُ في قوله تعالى:{إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي} [الأحزاب: 56] . قال الزمخشري: «فإنْ قلت: هل دَخَلَ قيامُه بالقسط في حكمِ شهادةِ الله والملائكة وأولي العلم كما دَخَلَتْ الوحدانيةُ؟ قلت: نعم إذا جعلتَهُ

ص: 81

حالاً من» هو «أو نصباً على المدحِ منه، أو صفةً للمنفي، كأنه قيل: شَهِدَ الله والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط» .

قوله: {لَا إله إِلَاّ هُوَ} في هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها مكررةٌ للتوكيد. قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: لِمَ كَرَّر قولَه {لَا إله إِلَاّ هُوَ} ؟ قلت: ذَكَرَه أولاً للدلالةِ على اختصاصِهِ بالوحدانيةِ، وأنه لا إله إلا تلك الذاتُ المتميِّزَة، ثم ذَكَرَهُ ثانياً بعد ما قَرَن بإثباتِ الوحدانية إثبات العدل للدلالةِ على اختصاصِهِ بالأمرين، كأنه قال: لا إله إلا هو الموصوفُ بالصفتين، ولذلك قَرَنَ به قولَه: {العزيز الحكيم} لتضمُّنِها معنى الوحدانية والعدل» .

وقال بعضُهم: «ليس بتكريرٍ؛ لأنَّ الأولَ شهادةُ الله تعالى وحدَه، والثاني شهادة الملائكة وأولي العلم» ، وهذا كما تقدَّم عند مَنْ يرفع «الملائكة» بفعلٍ آخرَ مضمرٍ لِمَا ذكرتُهُ من أنه لا يرى إعمالَ المشترك، وأن الشهادتين متغايرتان، وهو مذهبٌ مرجوح. وقال الراغب:«إنما كرَّر لا إله إلا هو لأنَّ صفات التنزيهِ أشرفُ مِنْ صفاتِ التمجيد، لأنَّ أكثرَها مشاركٌ في ألفاظِها العبيدُ فيصِحُّ وَصْفُهم بها، ولذلك وَرَدَتْ ألفاظُ التنزيهِ في حَقِّه أكثرَ وأَبْلَغَ» .

قوله: {العزيز الحكيم} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه بدلٌ من «هو» . الثاني: أنه خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ. الثالث: أنه نعتٌ ل «هو» ، وهذا إنَّما يتمَشَّى على مذهبِ الكسائي، فإنه يرى وصفَ الضمير الغائب، ويتقدَّم نحو هذا في قوله:{لَاّ إله إِلَاّ هُوَ الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] .

ص: 82

قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله} : قرأ الكسائي بفتحِ الهمزةِ والباقون بكسرِها. فأمَّا قراءةُ الجماعَةِ فعلى الاستئنافِ، وهي مؤكدةٌ للجملة الأولى: قال الزمخشري: «فإنْ قلت: ما فائدةُ هذا التوكيدِ؟ قلتْ: فائدتُهُ أنَّ قولَه:» لا إله إلا هو «توحيدٌ، وقولَه:» قائماً بالقِسْطِ «تعديلٌ، فإذا أَردْفه قولَه: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} فقد آذن أن الإِسلام هو العدلُ والتوحيد، وهو الدينُ عند الله، وماعداه فليس في شيء من الدين عنده» .

وأمَّا قراءةُ الكسائي ففيها أوجهٌ، أحدُها: أنها بدلٌ من «أنه لا إله إلا هو» على قراءةِ الجمهور في «أنه لا إله إلا هو» وفيه وجهان، أحدهما: أنه من بدلِ الشيءِ من الشيء، وذلك أنَّ الدين الذي هو الإِسلام يتضمَّنُ العدْلَ والتوحيدَ وهو هو في المعنى. والثاني: أنه بدلُ اشتمالٍ لأنَّ الإِسلامَ يشتمِلُ على التوحيدِ والعَدْلِ.

الثاني من الأوجه السابقة أن يكونَ «أنَّ الدين» بدلاً من قوله «قائماً بالقسط» ثم لك اعتباران، أحدُهما: أَنْ تَجْعَله بدلاً من لفظِهِ فيكونُ محلُّ «أنَّ الدين» الجرَّ. والثاني: أن تجعلَه بدلاً مِنْ مَوْضِعِه فيكونُ محلُّها نصباً. وهذا الثاني لا حاجةَ إليه وإن كان أبو البقاء ذكره، وإنما صَحَّ البدلُ في المعنى؛ لأنَّ الدينَ الذي هو الإِسلامُ قِسْطٌ وعَدْلٌ، فيكونُ أيضاً من بدلِ الشيءِ من الشيء، وهما لعينٍ واحدةٍ/. ويجوزُ أَنْ يكونَ بدلَ اشتمال لأنَّ الدينَ مشتملٌ على القسطِ وهو العدلُ. وهذه التخاريجُ لأبي علي الفارسي، وتَبِعَهُ

ص: 83

الزمخشري في بَعْضِها. قال الشيخ: «وأبو علي معتزلي فلذلِكَ يشتمل كلامُه على لفظِ المعتزلةِ من العدلِ والتوحيد» قلت: ومَنْ يرغَبُ عن التوحيدِ والعدلِ من أهلِ السنةِ حتى يَخُصَّ به المعتزلَة؟ وإنما رأى في كلامِ الزمخشري هذه الألفاظَ كثيراً، وهو عنده معتزليٌّ، فَمَن تَكَلَّم بالتوحيدِ والعَدْلِ كان عندَه معتزلياً.

ثم قال: «وعلى البدل من» أنه «خَرَّجه هو وغيرُه، وليس بجيد لأنه يُؤَدِّي إلى تركيبٍ بعيدٍ أَنْ يأتيَ مثلُه في كلامِ العربِ وهو:» عَرَف زيدٌ أنه لا شجاعَ إلا هو وبنو دارم ملاقياً للحروب لا شجاع إلا هو البطل الحامي أنَّ الخَصْلَةَ الحميدةَ هي البسالةُ «وتقريبُ هذا المثال:» ضرب زيدٌ عائشةً والعُمَران حَنِقاً أختَك «فَحَنِقاً حالٌ من زيد، وأختَك بدلٌ من عائشةً، ففصل بين البدلِ والمبدلِ منه بالعطفِ، وهو لا يجوزُ، وبالحالِ لغيرِ المُبْدَلِ منه، وهو لا يجوزُ، لأنه فُصِلَ بأجنبي بين المُبْدَلِ منه والبدل» انتهى.

قوله: «عرف زيد» هو نظيرُ: «شهد الله» وقوله: «أنه لا شجاع إلا هو» نظير «أنه لا إله إلا هو» .

وقوله: «وبنو دارم» نظير قوله: «والملائكة» . وقوله: «ملاقياً للحروب» نظيرُ قوله: «قائما بالقسط، وقوله» لا شجاع إلا هو «نظير قوله:» لا إله إلا هو «فجاء به مكرراً كما في الآية، وقوله:» البطل الحامي «نظيرُ قولهِ:» العزيز الحكيم «وقوله» أن الخصلة الحميدة هي البسالة «نظيرُ قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} ولا يَظْهَرُ لي مَنْعُ ذلك ولا عَدَمُ صحةِ تركيبه حتى يقول» ليس بجيد «وبعيد أن يأتي عن العرب مثله» . وما ادَّعاه بقولِهِ في المثال الثاني أنَّ فيه الفصلَ بأجنبي فيه نظرٌ، إذ هذه الجملُ صارَتْ كلُّها كالجملة الواحدة لِمَا اشتملت عليه من تقويةِ كلماتٍ

ص: 84

بعضِها ببعضٍ، وأبو عليّ وأبو القاسم وغيرُهُما لم يكونوا في محلِّ مَنْ يَجْهَلُ صحةَ تركيبِ بعضِ الكلامِ وفسادِهِ.

ثم قال الشيخ: «قال الزمخشري: وقُرئا مفتوحين على أنَّ الثاني بدلٌ من الأول كأنه قيل: شَهِدَ الله بأنَّ الدينَ عند الله الإِسلامُ، والبدلُ هو المبدلُ منه في المعنى، فكانَ بياناً صريحاً لأنَّ دينَ الإِسلام هو التوحيدُ والعدلُ» . قال: «فهذا نَقْلُ كلامِ أبي عليّ دونَ استيفاءٍ» .

الثالث من الأوجه: أَنْ يكونَ «أنَّ الدينَ» معطوفاً على «أنه لا إله إلا هو» ، حُذِفَ منه حرفُ العطفِ، قاله ابن جرير، وضَعَّفَهُ ابنُ عطيَّة، ولم يبيِّن وجهَ ضَعْفِهِ.

قال الشيخ: «وَجْهُ ضَعفِهِ أنه متنافِرُ التركيب مع إضمارِ حرفِ العطفِ، فَيُفْصَلُ بين المتعاطِفَيْنِ المرفوعَيْن بالمنصوبِ المفعولِ، وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوعِ وبجملتي الاعتراضِ، وصار في التركيبِ نظيرَ قولِك:» أكل زيدٌ خبزاً وعمروُ سمكاً «يعني فَفَصْلتَ بين» زيد «وبين» عمر «ب» خبزاً «، وفصلْتَ بين» خبزاً «وبين» سمكاً «بعمرٍو، إذ الأصلُ قبل الفصل:» أكل زيدٌ وعمر خبزاً وسمكاً «.

الرابعُ: أَنْ يكونَ معمولاً لقولِهِ:» شهِدَ الله «أي: شَهِدَ الله بأنَّ الدينَ، فلمَّا حُذِفَ الحرفُ جازَ أَنْ يَحْكُمَ على موضِعِه بالنصب أو بالجرِّ. فإنْ قلت: إنما يتجهُ هذا التخريجُ على قراءةِ ابن عباس، وهي كسرُ إنَّ الأولى، وتكون حينئذٍ الجملةُ اعتراضاً بين» شَهِدَ «وبين معمولِهِ كما قَدَّمْتُهُ، وأمَّا على قراءةِ

ص: 85

فَتْحِ» أنَّ «الأولى، وهي قراءةُ العامة فلا يَتَجِهُ ما ذكرْتُهُ من التخريج، لأن الأولى معمولةٌ له استَغْنَى بها. فالجوابُ: أنَّ ذلك متجهٌ أيضاً مع فتحِ الأولى وهو أَنْ تَجْعَلَ الأولى على حَذْفِ لامِ العلة، تقديرُهُ: شهد الله أنَّ الدين عندَ اللهِ الإِسلامُ لأنه لا إله إلا هو، وكان يَحِيك في نفسي هذا التخريجُ مدةً، ولم أَرَهم ذكروه حتى رأيتُ الواحديَّ ذَكَرَه، وقال:» وهذا معنى قول الفراء حيث يقولُ في الاحتجاجِ للكسائي: «إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ» أنه «على الشرطِ، وجَعَلْتَ الشهادةَ واقعةً على قولِهِ: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} وتكونُ» أنَّ «الأولى يصلُح فيه الخَفْضُ كقولِك:» شهد اللهُ لوحدانيتِهِ أنَّ الدينَ عن اللهِ الإسلامُ «.

وهو كلامٌ مُشْكِلٌ في نفسِهِ، ومعنى قولِهِ:«على الشرط» أي: العلة، سَمَّى العلةَ شرطاً لأنَّ المشروطَ متوقفٌ عليه كتوقُّفِ المعلولِ على علتِهِ، فهو علَّةٌ، إلا أنه خلافُ اصطلاحِ النحويين.

ثم اعترَضَ الواحديُّ على هذا التخريجِ بأنه لو كانَ كذلك لم يَحْسُنْ إعادةُ اسمِ الله ولكانَ التركيبُ {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} ، لان الاسمَ قد سَبَقَ فالوجهُ الكنايةُ، ثم أجاب بأنَّ العربَ ربما أعادت الاسمَ موضعَ الكناية وأنشد:

1206 -

لا أَرَى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ

نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنى والفقيرا

يعني أنه من بابِ إيقاعِ الظاهِرِ موقعَ المضمرِ، ويزيدُهُ هنا حُسْناً أنه في/ موضِعِ تعظيمٍ وتفخيمٍ.

الخامس: أَنْ تكونَ على حَذْفِ حرفِ الجر معمولةً لِلَفْظِ «الحكيم» كأنه

ص: 86

قيل: الحكيم بأن، أي: الحاكم بأن، فحكيم مثالُ مبالغةُ مُحَوَّلٌ من فاعِل، فهو كالعليم والخبير والبصير، أي: المبالِغُ في هذه الأوصاف، وإنما عَدَلَ عن لفظ «حاكم» إلى «حكيم» مع زيادةِ المبالغة لموافقةِ العزيز. ومعنى المبالغةِ تكرارُ حكمهِ بالنسبة إلى الشرائع أنَّ الدين عند الله هو الإِسلام، أو حَكَمَ في كلِّ شريعة بذلك. وهذا الوجهُ ذكره الشيخ وكأنه من تخريجه ثم قال: «فإن قلت: لِمَ حَمَلْتَ الحكيم على أنه مُحَوَّلٌ من فاعل إلى فعيل للمبالغة، وهلَاّ جَعَلْتَه فعيلاً بمعنى مُفْعِل، فيكون بمعنى مُحْكِم، كما قالوا: أليم بمعنى مُؤْلِم وسميع بمعنى مُسْمِع من قولِ الشاعر:

1207 -

أَمِنْ ريحانَةَ الداعي السميعُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فالجوابُ أَنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ فعيلاً بمعنى مُفْعِل، وقد يُؤَوَّل أليمِ وسميع علىغير مُفْعِل، ولئن سَلَّمْنَا ذلك فهو من النُّدورِ والشذوذ بحيث لا يَنْقَاسُ، بخلاف فَعيل مُحَوَّلٌ من فاعِل فإنه كثيرٌ جداً خارجٌ عن الحصرِ كعليم فإنَّ العربيَّ القُحَّ الباقي على سَجِيَّتِهِ لم يَفْهَمْ عن» حكيم «إلا أنه مُحَوَّلٌ من فاعل للمبالغةِ، ألا ترى أنه لَمَّا سَمِعَ قارئاً يقرأ:» والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيدَيهما جزاءً بما كَسَبَا نكالاً من الله والله غفور رحيم «أنكر أن تكونَ فاصلةُ هذا التركيبِ السابقِ:» والله غفور رحيم «فقيل له: التلاوةُ:» والله عزيز حكيم «، فقال: هكذا يكون: عَزَّ فحكم فقطع» فَفَهِمَ من حكيم أنه محولٌ للمبالغة السالفة من «حاكم» ، وفَهْمُ هذا العربي حجةٌ قاطعةٌ بما قلناه، وهذا تخريجٌ

ص: 87

سهل سائغُ جداً، يُزيل تلك التكلفاتِ والتركيباتِ العَقِدَةَ التي يُنَزَّه كتابُ الله عنها.

وأمَّا على قراءة ابنِ عباس فكذلك نقول، ولا نجعل «أنَّ الدين» معمولاً ل «شهد» كما زَعَمُوا وأن «إنه لا إله إلا هو» اعتراضٌ يعني بين الحال وصاحبها وبين «شهد» ومعمولِهِ، وسيأتي إيضاحُ ذلك بل نقولُ: معمولُ «شَهِدَ» هو «إنه» بالكسرِ على تخريجِ مَنْ خَرَّجَ أنَّ «شهد» لَمَّا كان بمعنى القولِ كُسِرَ ما بعدَه إجراءً له مُجْرَى القولِ، أو نقول «إنه» معموله وعُلِّقَتْ، ولم تَدْخُلِ اللامُ في الخبر لأنه منفيٌّ، بخلافِ أَنْ لو كان مثبتاً فإنك تقول:«شهدت إنَّ زيداً لمنطلقٌ» فَتُعَلَّقُ بإنَّ مع وجودِ اللام لأنه لو لم تكن اللامُ لفَتَحْتَ «أنَّ» فقلت: شهدت أنَّ زيداً منطلق، فَمَنْ قرأ بفتح «أنه» فإنه لم يَنْوِ التعليق، ومَنْ كَسَرَ فإنَّه نوى التعليقَ ولم تدْخُل اللامُ في الخبرِ لأنه منفيٌّ كما ذكرنا «انتهى.

وكان الشيخ لَمَّا ذَكَرَ الفصلَ والاعتراضَ بين كلماتِ هذه الآيةِ قال ما نصه:» وأما قراءةُ ابنِ عباس فَخُرِّجَ على {أنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} هو معمولُ شهد، ويكونُ في الكلامِ اعتراضان أحدُهما: بين المعطوفِ عليه والمعطوفِ، وهو «إنه لا إله إلا هو» ، والثاني: بين المعطوفِ والحالِ وبين المفعولِ لشَهِدَ وهو: «لا إله إلا هو العزيز الحكيم» وإذا

ص: 88

أعْرَبنا «العزيز الحكيم» خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ كان ذلك ثلاثةَ اعتراضات. فانظر إلى هذه التوجيهاتِ البعيدةِ التي لا يَقْدِرُ أحدٌ أن يأتيَ بنظيرِهِنَّ من كلامِ العرب، وإنما حَمَل على ذلك العجمةُ وعدمُ الإِمعانِ في تراكيب كلام العرب وحفظِ أشعارها، وكما أشرنا إليه في خطبة هذا الكتاب أنه لن يكفيَ النحوُ وحدَه في علم الفصيح من كلام العرب، بل لا بُدَّ من الاطلاع على كلامِ العرب والتطبُّع بطبَاعها والاستكثارِ من ذلك «.

قلت: ونسبتُه كلامَ أعلامِ الأمة إلى العُجْمَةِ وعَدَمِ معرفتِهِم بكلام العرب وحَمْلُهم كلامَ الله على ما لا يجوز، وأنَّ هذا الوجه الذي ذكره هو تخريجُ سهل واضح غير مقبولةٍ ولا مُسَلَّمةٍ، بل المتبادرُ إلى الذهن ما نقله الناس، وتلك الاعتراضاتُ بين أثناء كلماتِ الآية الكريمة موجودٌ نظيرُها في كلامِ العرب، وكيف يَجْهل الفارسي والزمخشري والفراء وأضرابُهم ذلك، وكيف يتبَجَّح باطِّلاعه على ما لم يَطَّلِعْ عليه مثلُ هؤلاء، وكيف يَظُّنُّ بالزمخشري أنه لا يعرِفُ مواقعَ النَّظْم وهو المُسَلَّمُ له في علم المعاني والبيان والبديع، ولا يشك أحد أنه لا بد لمَنْ يتعرَّض إلى علم التفسير أن يعرف جملةً صالحةً/ من هذه العلوم، وانظر إلى ما حكى صاحب» الكشاف «في خطبته عن الجاحظ وما ذَكَرَهُ في حقِّ الجاهل بهذه العلومِ، ولكن الشيخَ يُنْكِرُ ذلك ويَدَّعِي أنه لا يُحْتَاجُ إلى هذه العلومِ البتة، فَمِنْ ثَمَّ صدر ما ذكرته عنه.

قوله: {عِندَ الله} ظرفٌ، العاملُ فيه لفظ «الدين» لِمَاك تَضمَّنه من معنى الفعل. قال أبو البقاء:«ولا يكونُ حالاً، لأن» إنَّ «لا تعمل في الحال»

ص: 89

قلت: قد جَوَّزُوا في «ليت» وفي «كأنَّ» وفي «ها» أن تعملَ في الحالِ. قالوا: لِما تَضَمَّنَتْه هذه الأحرفُ من معنى التمني والتشبيه والتنبيه، فإنَّ للتأكيدِ فَلْتعمل في الحالِ أيضاً، فليسَتْ تتباعَدُ عن «ها» التي للتنبيه، بل هي أَوْلَى منها، وذلك أنها عاملةٌ و «ها» لَيْسَتْ بعاملةٍ فهي أقربُ لشِبْهِ الفعلِ من «ها» .

قوله: {بَغْياً} فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مفعولٌ من أجلِهِ، العامل فيه «اختلف» والاستثناءُ مفرغٌ. والتقدير: وما اختلفوا إلا للبغي لا لغيرِهِ. والثاني: أنه مصدرٌ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من «الذين» كأنه قيل: «ما اختلفوا إلَاّ في هذه الحالِ، وليس بقوي، والاستثناءُ مفرَّغٌ أيضاً. [الثالث: أنه منصوبٌ على المصدرِ والعامِلُ فيه مقدَّرٌ] كأنه لَمَّا قيل:» وما اختلف «دَلَّ على معنَى:» وما بَغَى «فهو مصدرٌ مؤكِّدٌ، وهذا قولُ الزجاج، والأولُ قولُ الأخفش، ورجَّحه أبو علي. ووقع بعد» إلا «مستثنيان وهما:» مِنْ بعدِ «و» بَغْياً «وقد تقدَّم تخريجُ ذلك وما ذَكَرَ الناسُ فيه.

قوله: {وَمَن يَكْفُرْ} » مَنْ «مبتدأٌ، وفي خبره الأقوالُ الثلاثةُ، أعني فعلَ الشرطِ وَحْدَهُ، أو الجوابَ وحدَه، أو كلاهما. وعلى القولِ بكونِهِ الجوابَ وحده لا بدَّ من ضمير مقدَّرٍ أي: سريعُ الحسابِ له، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك.

ص: 90

وفَتَح الياءَ مِنْ «وجهي» هنا وفي الأنعام نافع وابن عامر وحفص، وسَكَّنها الباقون.

قوله: {وَمَنِ اتبعن} في محلِّ «مَنْ» أوجهٌ، أحدُها: الرفعُ عطفاً على

ص: 90

التاءِ في «أَسْلَمْتُ» ، وجاز ذلك لوجودِ الفصلِ بالمفعولِ، قاله الزمخشري وبه بَدَأَ، وكذلك ابنُ عطية. قال الشيخُ:«ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ على ظاهِرِهِ؛ لأنه إذا عُطِفَ على الضميرِ في نحو:» أُكلتُ رغيفاً وزيدٌ «لَزِمَ مِنْ ذلك أَنْ يَكونا شريكَيْنِ في أكلِ الرغيف، وهنا لا يَسُوغُ [فيه] ذلك لأنَّ المعنى ليس على: أَسْلَمُوا هم وهو صلى الله عليه وسلم وجهَه الله، بل المعنى على أنَّه صلى الله عليه وسلم أَسْلَمَ وجهَهُ لله، وهم أَسْلموا وجوهَهم لله، فالذي يَقوَى في الإِعرابِ أنه معطوفٌ على الضمير محذوفٌ منه المفعولُ، لا مشارِكٌ في مفعولِ» أَسْلَمْتُ «والتقديرُ:» وَمَنِ اتَّبَعَنِي وجهَه أو أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ، لدلالةِ المعنى عليه، والتقديرُ: ومَنِ اتَّبعني كذلك أي: أَسْلَموا وجوهَهم لله، كما تقول:«قَضَى زيدٌ نَحْبَهُ وعَمروٌ» أي: وعمروٌ كذلك، أي: قَضَى نَحْبَه «.

قلت: إنَّما صَحَّ في نحوِ:» أكلتُ رغيفاً وزيدٌ «المشاركةُ لإِمكانِ ذلك، وأمَّا نحوُ الآيةِ الكريمةِ فلا يَتَوَهَّمُ أحدٌ فيه المشاركةَ.

الثاني: أنه مرفوعٌ بالابتداءِ والخبرُ محذوفٌ كما تقدَّم تقريرُهُ. الثالث: أنه منصوبٌ على المعيَّة، والواوُ بمعنى مع، أي: أَسْلَمْتُ وجهيَ لله مع مَنِ اتَّبعني، قاله الزمخشري أيضاً. قال الشيخُ:» ومِن الجهة التي امتَنَعَ عَطْفُ «ومَنْ» على الضمير إذا حَمَلَ الكلامَ على ظاهِرِهِ دونَ تأويلٍ يمتنعُ كونُ «

ص: 91

مَنْ» منصوباً على أنه مفعولٌ معه، لأنَّك إذا قلت:«أكلتُ رغيفاً وعمراً» أي: مع عمرٍو دَلَّ ذلك على أنه مشارِكٌ لك في أَكْلِ الرغيف، وقد أجاز الزمخشري هذا الوجه، وهو لا يجوزُ لِما ذكرنا على كلِّ حال؛ لأنه لا يجوزُ حَذْفُ المفعولِ مع كونِ الواوِ واوَ «مع» البتة «. قلت: فَهْمُ المعنى وعَدَمُ الإِلباسُ يُسَوِّغُ ما ذكرَهُ الزمخشري، وأيُّ مانِعٍ من أنَّ المعنى: فقل: أسلمتُ وجهيَ لله مصاحباً لِمَنْ أسلمَ وجهَهُ لله أيضاً، وهذا معنًى صحيح مع القولِ بالمعية.

الرابع: أنَّ محلَّ» مَنْ «الخفضُ نَسَقاً على اسمِ الله تبارك وتعالى، وهذا الإِعرابُ وإنْ كان ظاهرُهُ مُشْكلاً، فقد يُؤَوَّلَ على معنى: جَعَلْتُ مَقْصَدِي لله بالإِيمانِ به والطاعةِ له ولِمَنْ اتَّبعني بالحفظِ له، والتحفِّي بعلمه وبرأيه وبصحبته.

وقد أثبت الياءَ في» اتَّبعني «نافع وأبو عمرو وصلاً وَحَذفاها وقفاً، والباقون حَذَفُوها فيهما موافقةً للرسم، وحَسَّن ذلك أيضاً كونُها فاصلةً ورأسَ آية نحو:» أَكْرَمَن وأهانَن «وعليه قولُ الأعشى:

1208 -

وهل يَمْنَعُني ارتيادِي البلا

دَ مِنْ حَذَرِ الموتِ أَنْ يَأْتِيَنْ

وقال الأعشى أيضاً:

1209 -

ومِنْ شانِىءٍ كاسِفٍ وجُهه

إذا ما انْتَسَبْتُ له أَنْكَرَنْ

قال بعضُهم: «يكثُرَ حذفُ هذه الياءِ مع نونِ الوقاية خاصة، فإنْ لم تكن نونٌ فالكثيرُ إثباتها» .

ص: 92