الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمَحيصُ: يكون مصدراً ويكون مكاناً. ويقال: جاض بالضاد المعجمة وجَيْضاً، بها وبالجيم.
قوله تعالى: {وَعْدَ الحق} : يجوز أن يكونَ من إضافةِ الموصوفِ لصفتِه، أي: الوعد الحق، وأن يرادَ بالحق صفةُ الباري تعالى، أي: وَعَدَكم الله وَعْدَه، وأن يراد بالحقِّ البعثُ والجزاءُ على الإِجمال، فتكونَ إضافةً صريحةً.
قوله: {إِلَاّ أَن دَعَوْتُكُمْ} فيه وجهان، أظهرُهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ لأنَّ دعاءَه ليس من جنسِ السلطانِ وهو الحُجَّةُ البيِّنَةُ. والثاني: أنه متصلٌ، لأنَّ القدرةَ على حَمْلِ الإنسانِ على الشرِّ تارةً تكون بالقَهْرِ، وتارةً تكون بقوة الداعية في قلبه، وذلك بالوسوسة إليه فهو نوعٌ من التسلُّطِ.
وقُرِئَ «فلا يَلُوْموني» بالياء من تحتُ على الالتفاتِ، كقولِه:{حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم} [يونس:
22]
.
قوله: {بِمُصْرِخِيَّ} العامَّةُ على فتحِ الياءِ؛ لأنَّ الياءَ المدغمَ فيها تُفْتَحُ أبداً لا سيما وقبلها كسرٌ ثانٍ. وقرأ حمزةُ بكسرِها، وهي لغةُ بني يَرْبوع. وقد اضطربت أقوالُ الناس في هذه القراءةِ اضطراباً شديداً: فمِنْ مُجْتَرِئٍ
عليها مُلَحِّنٍ لقارئها، ومِنْ مُجَوِّزٍ لها من غير ِ ضعفٍ، ومِنْ مجوِّزٍ لها بضعفٍ.
قال حسين الجعفي: «سألتُ أبا عمروٍ عن كسرِ الياءِ فأجازه» . وهذه الحكايةُ تُحكى عنه بطرقٍ كثيرة، منها ما تقدَّم، ومنها:«سألت أبا عمروٍ وقلت: إن أصحابَ النحوِ يُلْحِّنُوننا فيها فقال: هي جائزة أيضاً، إنما أراد تحريك الياء، فلستَ تبالي إذا حَرَّكْتَها إلى أسفلَ أم إلى فوقُ» . وعنه: مَنْ شاء فتحَ، ومَنْ شاء كسر، ومنها أنه قال: إنها بالخفضِ حسنةٌ. وعنه قال: قَدِم علينا أبو عمرو بن العلاء فسألتُه عن القرآن فوجدْتُه به عالماً، فسألتُه عن شيء [مِنْ] قراءة الأعمش واستشعرتُه {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} بالجرِّ فقال: هي جائزةٌ، فلما أجازها وقرأ بها الأعمشُ أَخَذْتُ بها.
وقد أنكر أبو حاتم على أبي عمروٍ تحسينَه لهذه القراءةِ، ولا التفاتَ إليه لأنه عَلَمٌ من اعلامِ القرآن واللغةِ والنحوِ، واطَّلع على ما لم يطَّلع عليه [مَنْ فوقَ السجستاني] :
287 -
7- وابنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ
…
لم يستطعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القناعيسِ
ثم ذكر العلماءُ في ذلك توجيهات: منها أنَّ الكسرَ على أصلِ التقاءِ الساكنين، وذلك أنَّ/ ياءَ الإِعرابِ ساكنةٌ، وياءَ المتكلمِ أصلُها السكونُ، فلمَّا التقيا كُسِرَتْ لالتقاء الساكنين. الثاني: أنها تُشْبِهُ هاءَ الضميرِ في أنَّ كلاًّ منهما ضميرٌ على حرف واحد، وهاءُ الضميرِ تُوْصَلُ بواوٍ إذا كانت مضمومةً، وبياءٍ إذا كانت مكسورة، وتُكْسَرُ بعد الكسرةِ والياءِ الساكنة، فَتُكْسَرُ كما تُكْسَرُ الهاءُ في «عليْهِ» ، وبنو يربوعٍ يَصِلونها بياءٍ، كما يَصِل ابن كثير نحو: «
عليهي» بياء، فحمزةُ كسرَ هذه الياءَ من غير صلةٍ، إذ أصلُه يقتضي عدَمها. وزعم قطرب أيضاً أنها لغةُ بني يربوع، قال: يزيدون على ياء الإِضافة ياءً، وأنشد:
287 -
8- ماضٍ إذا ما هَمَّ بالمُضِيِّ
…
قال لها: هل لكِ ياتا فِيَّ
أنشده الفراء وقال: «فإنْ يَكُ ذلك صحيحاً فهو ممَّا يلتقي من الساكنين» . وقال أبو عليّ: «قال الفراء في كتاب» التصريف «له: زعم القاسم بن معن أنه صوابٌ، وكان ثقةً بصيراً» .
ومِمَّن طعن عليها أبو إسحاقَ قال: «هذه القراءةُ عند جميعِ النحويين رديئةٌ مَرْذُوْلَةٌ ولا وجهَ لها إلا وجهٌ ضعيفٌ» . وقال أبو جعفر: «صار هذا إدغاماً، ولا يجوز أن يُحْمل كتابُ اللهِ تعالى على الشذوذ» . وقال الزمخشري: «هي ضعيفةٌ، واستشهدوا لها ببيتٍ مجهول:
287 -
9- قال لها: هل لكِ ياتا فِيَّ
…
قالت له: ما أنت بالمَرْضِيِّ
وكأنه قدَّر ياء الإِضافة ساكنةً، وقبلها ياءٌ ساكنة، فحرَّكها بالكسر
لِما عليه أصلُ التقاءِ الساكنين، ولكنه غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ ياءَ الإِضافةِ لا تكونُ إلا مفتوحةً حيث قَبْلها ألفٌ نحو:» عصايَ «فما بالُها وقبلَها ياءٌ؟ فإن قلتَ: جَرَتِ الياءُ الأولى مَجْرى الحرفِ الصحيح لأجل الإِدغامِ فكأنها ياءٌ وقعَتْ [ساكنةً» بعد حرفٍ صحيحٍ ساكنٍ فَحُرِّكَتْ بالكسرِ على الأصل. قلت: هذا قياسٌ حسنٌ، ولكن الاستعمالَ المستفيضَ الذي هو بمنزلةِ الخبرِ المتواترِ تتضاءلُ إليه القياساتُ «.
قال الشيخ:» أمَّا قولُه «واستشهدوا لها ببيتٍ مجهولٍ، فقد ذكر غيرُهُ أنه للأغلبِ العجليّ، وهي لغةٌ باقيةٌ في أفواهِ كثيرٍ من الناس إلى اليوم يقولون:» ما فِيَّ أفعلُ «بكسر الياء» . قلت: الذي ذكر صاحبَ هذا الرجزِ هو الشيخُ أبو شامةَ، قال: «ورأيتُه أنا في أول ديوانِه، وأولُ هذا الرجز:
288 -
0- أقبل في ثَوْبٍ مَعافِرِيِّ
…
عند اختلاط الليلِ والعَشيِّ
ثم قال الشيخ:» وأمَّا التوجيهُ الذي ذكره فهو توجيه الفراء نقله عنه الزجَّاج. وأمَّا قولُه في غضونِ كلامِه «حيث قبلها ألفٌ» فلا أعلم «حيث» تضاف إلى الجملةِ المصدرةِ بالظرف نحو: «قعد زيد حيث أمام عمروٍ بكر» فيحتاج هذا التركيب إلى سماعٍ «قلت: إطلاقُ النحاةِ قولَهم: إنها
تضافُ إلى الجملِ كافٍ في هذا، ولا يُحتاج [إلى] تَتَبُّع كلِّ فردٍ فردٍ، مع إطلاقِهم القوانينَ الكلية.
ثم قال: وأمَّا قولُه» ياء الإِضافةِ إلا آخره «قد رُوي سكونُ الياءِ بعد الألف، وقد قرأ بذلك القراءُ نحو» محياْيْ «. قلت: مجيءُ السكون في هذه الياءِ لا يُفيده ههنا، وإنما كان يفيده لو جاء بها مكسورةً بعد الألف فإنه مَحَلُّ البحثِ. وأنشد النحاة بين الذبياني بالكسرِ والفتحِ، وهو قوله:
288 -
1- عليَّ لِعمروٍ نِعْمةٌ بعد نعمةٍ
…
لوالدِه ليسَتْ بذاتِ عَقارِبِ
وقال الفراء في كتاب» المعاني «له:» وقد خَفَضَ الياء مِنْ «بمُصْرِخِيِّ» الأعمشُ ويحيى بنُ وثاب جميعاً، حدَّثني بذلك القاسمُ بن مَعْن عن الأعمش، ولعلها مِنْ وَهْم القرَّاء، فإنه قَلَّ مَنْ سَلِمَ منهم مِنَ الوَهْمِ، ولعله ظنَّ أن الباءَ في «بمُضْرِخِيَّ» خافضةٌ للفظِ كلِّه، والياءُ للمتكلم خارجةٌ من ذلك «.
قال: «ومما نرى أنهم وَهِمُوا فيه قوله: {نُوَلِّهْ مَا تولى وَنُصْلِهْ جَهَنَّمَ} بالجزم في الهاء» . ثم ذكر غيرَ ذلك.
قال الأخفش: «ما سَمِعْتُ بهذا مِنْ أحد من العرب ولا من أحدٍ من النحويين» . قال النحاس: «فصار هذا إجماعاً» .
قلت: ولا إجماعَ. فقد تقدَّم ما حكاه الناسُ من أنها لغةٌ ثانيةٌ لبعضِ العربِ. وقد انتدب لنُصرةِ هذه القراءة أبو عليٍّ الفارسيّ، قال في «حُجَّته» . «وجهُ ذلك أن الياءَ ليسَتْ تخلُو مِنْ أَنْ تكونَ في موضعِ نصبٍ أو جرّ، فالياءُ في النصبِ والجرِّ كالهاء فيهما، وكالكاف في» أكرمتُك «و» هذا لك «، فكما أنَّ الهاءَ قد لحقَتْها الزيادةُ في هذا: لهُوْ، وضَرَبَهُوْ، / ولحقَ الكاف أيضاً الزيادةُ في قولِ مَنْ قال» أَعْطَيْتُكاه «و» أَعْطَيْتُكِيْه «فيما حكاه سيبويه، وهما أختا الياء، ولحقت التاءَ الزيادةُ في قول الشاعر:
288 -
2- رَمَيْتِيْهِ فَأَصْمَيْتِ
…
وما أَخْطَأْتِ [في] الرَّمْيَهْ
كذلك ألحقوا الياءَ الزيادةَ مِن المدِّ فقالوا:» فِيَّ «، ثم حُذِفَتْ الياءُ الزائدةُ على الياءِ كما حُذِفَتِ الزيادةُ مِن الهاء في قولِ مَنْ قال:
288 -
3-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
. . . . . . . . . . . . . لَهْ أَرِقانِ
وزعم أبو الحسنِ أنها لغةٌ» .
قلت: مرادُ أبي عليٍّ بالتنظير بالبيت في قولِه: «لَهْ أَرِقان» حَذْفُ الصلةِ، واتفق أن في البيت أيضاً حَذْفَ الحركةِ، ولو مَثَّل بنحو «عليهِ» و «فيهِ» لكن أولى.
ثم قال الفارسيُّ: «كما حُذِفَتْ الزيادةُ من الكاف فقيل: أعطيتكَهُ وأَعْطَيْتُكِهِ، كذلك حُذِفت الياءُ اللاحقةُ للياء كما حُذِفَتْ من أُخْتَيْها، وأُقِرَّتْ الكسرةُ التي كانت تلي الياء المحذوفةَ فبقيت الياءُ على ما كانت عليه من الكسرِ» . قال: «فإذا كانت الكسرةُ في الياء على هذه اللغةِ - وإن كان غيرُها أَفْشى منها، وعَضَدَه مِن القياسِ ما ذكرناه لم يَجُزْ لقائلٍ أن يقول: إن القراءةَ بذلك لحنٌ لاستقامةِ ذلك في السماعِ والقياسِ، وما كان كذلك لا يكون لحناً» .
قلت: وهذا التوجيهُ هو توضيحٌ للتوجيه الثاني الذي قدَّمْتُ ذِكْرَه. وأما التوجيهُ الأولُ فأوضحه الفراءُ أيضاً، قال الزجاج:«أجاز الفراء على وجهٍ ضعيفٍ الكسرَ لأنَّ أصلَ التقاءِ الساكنين الكسرُ» .
قال الفراء: «ألا ترى أنهم يقولون: مُذُ اليومِ، ومُذِ اليوم، والرفعُ في الذال هو الوجهُ، لأنه أصلُ حركةِ» منذ «، والخفضُ جائزٌ، فكذلك الياءُ من» مُصْرِخيَّ «خُفِضَتْ ولها أصلٌ في النصب» .
قلت: تشبيهُ الفراءِ المسألةَ ب «مذ اليوم» فيه نظر؛ لأنَّ الحرفَ الأولَ صحيحٌ، ولم يتوالَ قبله كَسْرٌ بخلافِ ما نحن فيه، وهذا هو الذي عناه الزمخشريُّ بقوله فيما قدَّمْتُه عنه:«فكأنها وقعَتْ بعد حرفٍ صحيح» .
وقد اضطرب النقلُ عن الفراء في هذه المسألةِ كما رأيْتَ «مِنْ نَقْلِ بعضِهم عنه التخطئةَ مرةً، والتصويبَ أخرى، ولعل الأمرَ كذلك، فإنَّ العلماءَ يُسأَلُونَ فيُجيبون بما يَحْضُرهم حالَ السؤالِ وهي محتلفةٌ.
التوجيهُ الثالث: أنَّ الكسرَ للإِتباع لِما بعدها، وهو كسرُ الهمزِ من» إنِّي «كقراءةِ» الحمدِ لله «، وقولهم» بِعِير وشِعِير وشِهيد، بكسر أوائِلها إتباعاً لما بعدها، وهو ضعيفٌ جداً.
التوجيه الرابع: أنَّ المسوِّغ لهذا الكسرِ في الياء وإن كان مستثقلاً أنَّها لَمَّا أُدْغِمَتْ فيها التي قبلها قَوِيَتْ بالإِدغام، فأشبهتِ الحروفَ الصِّحاحَ فاحتملتِ الكسرَ؛ لأنه إنما يُسْتَثْقَلُ فيها إذا خَفَّتْ وانكسر ما قبلها، ألا ترى أن حركاتِ الإِعرابِ تجري على المشدِّدِ وما ذاك إلَاّ لإِلحاقِه بالحروفِ الصِّحاح.
والمُصْرِخُ: المُغِيْث يُقال: اسْتَصْرَخْتُه فَأَصْرَخَني، أي: أعانني، وكأنَّ همزتَه للسَّلْب، أي: أزال صُراخي. والصَّارخ هو المستغيثُ. قال الشاعر:
288 -
4- ولا تَجْزَعوا إني لكمْ غيرُ مُصْرِخٍ
…
وليس لكم عندي غَناءٌ ولا نَصْرُ
ويُقال: صَرَخَ يَصْرُخُ صَرْخاً وصُراخاً وصَرْخَة. قال:
288 -
5-
كنَّا إذا ما أتانا صارخٌ فَزِعٌ
…
كان الصُّراخُ له قَرْعَ الظَّنابيبِ
يريد: كان بدل الإِصراخ، فحذف المضافَ، أقام مصدرَ الثلاثي مُقام مصدرِ الرباعي نحو:{والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17] .
والصَّريْخُ: القومُ المُسْتَصْرِخُونَ قال:
288 -
6- قومٌ إذا سَمِعُوا الصَّريخَ رأيتَهُمْ
…
ما بين مُلْجِمِ مُهْرِهِ أو سافِِعِ
والصَّريخُ أيضاً: المُغِيثون فهو من الأضداد، وهو محتملٌ أَنْ يكون وَصْفاً على فَعِيْل كالخَليط، وأن يكونَ مصدراً في الأصل. وقال:{فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} [يس: 43] فهذا يُحتمل أن يكونَ مصدراً، وأن يكونَ فعيلاً بمعنى المُفْعِل، أي: فلا مُصْرِخَ لهم، أي: ناصر، وتَصَرَّخ: تكلَّف الصُّراخ.
قوله: {بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ} يجوزُ في «ما» وجهان: أحدُهما: أَنْ تكونَ بمعنى الذي. ثم في المراد بهذا الموصولِ وجهان، أحدُهما: أنه الأصنامُ، تقديرُه: بالصنمِ الذي أطعتموني كما أَطَعْتُمُوه، كذا قال أبو البقاء، والعائدُ محذوفٌ، فقدَّره أبو البقاء: بما أشركتموني به، ثم حُذِفَ، يعني بعد حذف الجارِّ ووصولِ/ الفعلِ إليه، ولا حاجةَ إلى تقديرِه مجروراً بالباء؛ لأنَّ هذا الفعلَ متعدٍّ لواحدٍ نحو: شَرَكْتُ زيداً، فلمَّا دَخَلَتْ همزةُ النقل أَكْسَبته ثانياً هو العائد، تقول: أَشْرَكْتُ زيداً عمراً، جعلتُه شريكاً له.
الثاني: أنه الباري
تعالى، أي: بما أشركتموني، أي: بالله تعالى، والكلامُ في العائدِ كما تقدَّم، إلا أنَّ فيه إيقاعَ «ما» على مَنْ يَعْلَمُ، والمشهورُ فيها أنها لغير العاقل.
قال الزمخشريُّ: «ونحو:» ما «هذه» ما «في قولهم» سبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ «، ومعنى إشراكهم الشيطانَ بالله تعالى طاعتُهم له فيما كان يُزَيِّنُه لهم مِنْ عبادةِ الأوثانِ» . قال الشيخ: «ومن مَنَع ذلك جَعَل» سبحان «عَلَماً للتسبيح كما جعل» بَرَّة «عَلَماً للمَبَرَّة، و» ما «مصدرية ظرفية» ، أي: فيكون على حذفِ مضافٍ، أي: سبحانَ صاحبِ تسخيرِكنَّ؛ لأنَّ التسبيحَ لا يليقُ إلَاّ بالله.
الثاني من الوجهين الأولين: أنها مصدريةٌ، أي: بإشراككم إياي.
قوله: {مِن قَبْلُ} متعلِّقٌ ب «كَفَرْتُ» على القولِ الأول، أي: كفرتُ مِنْ قبلُ، حين أَبَيْتُ السجودَ لآدمَ بالذي أشركتمونيه وهو اللهُ تعالى، وب «أشركْتُ» على الثاني، أي: كفرتُ اليومَ بإشراكِكم إيَّاي مِنْ قبلِ هذا اليوم، أي في الدنيا، كقوله:{وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} [فاطر: 14] هذا قولُ الزمخشريِّ. وأمَّا أبو البقاء فإنه جَوَّز تعلُّقَه بكفرْتُ وبأشركتموني، من غير ترتيبِ على كون «ما» مصدريةً أو موصولية فقال:«ومِنْ قبلُ: متعلِّقٌ بأشركتموني، أي: كفرْتُ الآن أَشْرَكتموني مِنْ قبل. وقيل: وهي متعلِّقةٌ ب» كفرتُ «أي: كَفَرْتُ مِنْ قبلِ إشراكِكم فلا أنفعُكم شيئاً» .
وقرأ أبو عمروٍ وبإثباتِ الياء في «أشركتموني» وصْلاً وحَذْفِها وقفاً، وحَذَفها الباقون وصلاً ووقفاً.
وهنا تمَّ كلامُ الشيطان. وقوله: {إِنَّ الظالمين} مِنْ كلامِ الله تعالى، ويجوز أن يكونَ مِنْ كلامِ الشيطان. و «عذاب» يجوز رَفْعُه بالجارِّ قبلَه على أنه الخبر، وعلى الابتداءِ وخبرُه الجارُّ.
قوله تعالى: {وَأُدْخِلَ} قرأ العامَّةُ «أُدْخِلَ» ماضياً مبنياً للمفعولِ، والفاعلُ اللهُ أو الملائكة. والحسن وعمرو بن عبيد «وأُدْخِلُ» مضارعاً مسنداً للمتكلم وهو الله تعالى، فمحَلُّ الموصولِ على الأول رفعٌ، وعلى الثانية نصبٌ.
قوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} في « [قراءةِ] العامَّةِ يتعلق بأُدْخِلَ، أي: أُدْخِلوا بأمرهِ وتيسيرِه. ويجوز تعلُّقه بمحذوف على أنه حالٌ، أي: ملتبسين بأمرِ ربهم، وجوَّز أبو البقاء أن يكون من تمام» خالدين «يعني أنه متعلِّقٌ به، وليس بممتنعٍ. وأمَّا على قراءة الشيخين فقال الزمخشري:» فيم تتعلَّق في القراءة الأخرى، وقولُك «وأُدْخِلُ أنا بإذنِ ربِّهم» كلامٌ غير مُلتئمٍ؟ قلت: الوجهُ في هذه القراءة أَنْ يتعلق بما بعده، أي: تحيتُهم فيها سلامٌ بإذن ربهم «. ورَدَّ عليه الشيخ هذا بأنه لا يتقدَّم معمولُ المصدر عليه.
وقد عَلَّقه غيرُ الزمخشري بأُدْخِلُ، ولا تنافٌرَ في ذلك؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يعلم أن المتكلم - في قوله: وأُدْخِلُ أنا - هو الربُّ تعالى. وأحسنُ من هذين أن تتعلَّقَ في هذه القراءة بمحذوفٍ على أنه حالٌ كما تقدَّم تقريرُه. و» تحيتُهم «مصدرٌ مضاف لمفعولِه، أي: يُحَيِّيهم الله أو الملائكة. ويجوز أَنْ يكونَ مضافاً لفاعله، أي: يُحَيِّي بعضُهم بعضاً. ويعضد الأولَ: {وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم} [الرعد: 23] . و» فيها «متعلقٌ به.
قوله تعالى: {ضَرَبَ الله مَثَلاً كَلِمَةً} : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّ «ضَرَبَ» متعديةٌ لواحدٍ، بمعنى: اعتمد مثلاً، ووضَعَه، و «كلمةً» على هذا منصوبةٌ بمضمرٍ، أي: جعل كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبة، وهو تفسيرٌ لقولِه {ضَرَبَ الله مَثَلاً} كقولك:«شرَّفَ الأميرُ زيداً ساه حُلَّة، وحمله على فرس» ، وبه بدأ الزمخشري. قال الشيخ:«وفيه تكلُّفُ إضمار لا ضرورةَ تدعو إليه» . قلت: بل معناه إليه فيُضطرُّ إلى تقديرِهِ محافظةً على لَمْح هذا المعنى الخاصِّ.
الثاني: أنَّ «ضَرَب» متعديةٌ لاثنين لأنها بمعنى «صَيَّر» ، لكنْ مع لفظ «المَثَل» خاصة، وقد تقدَّم تقريرُ هذا أولَ هذا الموضوعِ، فتكون «كلمةً» مفعولاً أولَ، و «مَثَلاً» هو الثاني، فيما تقدَّم.
الثالث: أنه متعدٍّ لواحدٍ وهو «مَثَلاً» و «كلمةً» بدلٌ منه، و «كشجرةٍ» خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هي كشجرةٍ طيبةٍ، وعلى الوجهين قبله تكون «كشجرةٍ» نعتاً ل «كلمة» .
وقُرِئ «كلمةٌ» بالرفع، وفيها وجهان. أحدهما: أنها خبرُ مبتدأ مضمر، أي: هو، أي: المَثَلُ كلمةٌ طيبةٌ، «كشجرةٍ» على هذا نعتاً لكلمة. والثاني: أنها مرفوعةٌ بالابتداء، و «كشجرةٍ» خبرُه.
وقرأ أنس بن مالك «ثابتٍ أصلُها» . قال الزمخشري: «فإن قلت: أيُّ فرقٍ بين القراءتين؟ قلت: قراءةُ الجماعةِ أقوى معنىً؛ لأنَّ قراءةَ أنسٍ أُجْرِيَتِ الصفةُ على» الشجرة «/ وإذا قلت:» مررتُ برجلٍ أبوه قائمٌ «فهو أقوى مِنْ» برجل قائمٍ أبوه «لأنَّ المُخْبَرَ عنه إنما هو الأبُ لا رجل» .
والجملةُ مِنْ قولِه «أصلُها ثابتٌ» في محلِّ جرّ نعتاً لشجرة.
{تؤتي أُكُلَهَا} : ويجوز فيهما أَنْ تكونا مستأنفتين. وجوَّز أبو البقاء في «تُؤْتي» أن تكونَ حالاً من معنى الجملة التي قبلها، أي: ترتفع مُؤْتِيَةً. وتقدَّم الخلاف في «أُكُلَها» بالنسبة إلى القرَّاء.
وقُرِئ «ومَثَلَ» بنصب «مثلَ» عطفاً على «مثلَ» الأول، «واجْتُثَّتْ» صفةٌ لشجرة. ومعنى «اجْتُثَّتْ» : بَلَغَتْ جُثَّتَها، أي: شخصَها، والجُثَّةُ: شَخْصُ الإِنسانِ قاعداً ونائماً يقال: اجْتَثَثْتُ الشيءَ، أي: اقتَلَعْتُ، فهو افتِعال من لفظ الجُثَّة، وجَثَثْتُ الشيءَ: قَلَعْتُهُ. قال لقيط
الإِيادي:
288 -
7- هو الجَلاءُ الذي يَجْتَثُّ أصلَكُمُ
…
فَمَنْ رَأَى مثلَ ذا يوماً ومَنْ سَمِعا
وقال الراغب: «جُثَّة الشيءِ شَخْصُه الناتِئُ، والمَجَثَّةُ: ما يُجَثُّ به، والجَثِيْثَة: لِما يأتي جُثَّته بعد طَحْنه، والجَثْجاث نَبْتٌ» .
و «مِنْ قَرار» يجوز أن يكونَ فاعلاً بالجارِّ قبلَه لاعتمادِه على النفي، وأن يكونَ مبتدأً. والجملةُ المنفيَّةُ: إمَّا نعتٌ لشجرة وإما حالٌ مِنْ ضميرِ «اجْتُثَّتْ» .
قوله تعالى: {بالقول} : فيه وجهان، أحدُهما: تعلُّقُه ب «يُثَبَّتُ» . والثاني «أنه متعلقٌ ب» آمنوا «.
قوله:» في الحياةِ «متعلِّقٌ ب» يُثَبَّتُ «، ويجوز أن يتعلَّقَ بالثابِتِ.
قوله تعالى: {بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً} فيه أوجهٌ:
أحدُها: أنَّ الأصلَ بَدَّلوا شكرَ نعمةِ [الله] كفراً، كقوله:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82][أي] : شُكر رزقكم، وَجَبَ عليهم الشكرُ فوضَعُوا موضعَه الكفرَ.
الثاني: أنهم بدَّلوا نفسَ النعمةِ كفراً، على أنهم لمَّا كَفَروها سُلِبوها، فبَقُوا مَسْلوبِي النعمةِ موصوفين بالكفر حاصلاً لهم. قالهما الزمخشري. قلت: وعلى هذا فلا يُحتاج إلى حَذْفِ مضاف على هذا، وقد تقدَّم أن «بَدَّلَ» يتعدَّى لاثنين، أَوَّلُهما من غير حرف، والثاني بالباء، وأن المجرورَ هو المتروكُ، والمنصوبَ هو الحاصلُ، ويجوز حَذْفُ الحرفِ، فيكونُ المجرورُ بالباءِ هنا هو «نعمة» لأنها المتروكةُ. وإذا عَرَفْتَ هذا عَرَفْتَ أنَّ قولَ الحوفيِّ وأبي البقاء أنَّ «كفراً» هو المفعولُ الثاني ليس بجيدٍ؛ لأنه هو الذي يَصِل إليه الفعل بنفسِه لا بحرف الجر، وما كان كذا فهو المفعولُ الأول.
قوله تعالى: {جَهَنَّمَ} : فيه ثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أنه بدلٌ من «دارَ» . الثاني: أنه عطفُ بيانٍ لها. وعلى هذين الوجهين فالإِحلالُ يقع في الآخرة. الثالث: أَنْ يَنْتَصِبَ على الاشتغال بفعلٍ مقدَّر، وعلى هذا فالإِحلالُ يقع في الدنيا، لأنَّ قولَه {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} واقعٌ في الآخرة.
ويؤيِّد هذا التأويلَ قراءةُ ابن أبي عبلة «جهنمُ» بالرفع، على أنها مبتدأٌ، والجملةُ بعدها الخبرُ. وتحتمل قراءةُ ابن أبي عبلة وجهاً أخرَ: وهو أن يرتفعَ على خبرِ ابتداءٍ مضمر، و «يَصْلَوْنها» حالٌ: إمَّا مِنْ «قومَهم» ، وإمَّا مِنْ «دارَ» ، وإمَّا مِنْ «جهنمَ» . وهذا التوجيهُ أَوْلى من حيث إنه لم يتقدَّمْ ما يرجِّح النصبَ، ولا ما يَجْعلُه مساوياً، والقرَّاءُ الجماهيرُ على النصبِ، فلم يكونوا ليتركُوا الأفصحَ، إلَاّ لأن المسألة لَيستْ من الاشتغالِ في شيءٍ. وهذا الذي ذكرتُه أيضاً مُرَجِّح لنصبهِ على البدليَّة أو البيانِ على انتصابِه على الاشتغال.
والبَوارُ: الهَلاكُ، قال الشاعر:
288 -
8- فلم أرَ مثلَهُم أبطالَ حربٍ
…
غداةَ الرَّوْعِ إذ خِيْفَ البوارُ
وأصلُه من الكَسادِ، كما قيل: كَسَد حتى فَسَد، ولَمَّا كان الكسادُ يؤدي إلى الفسادِ والهلاكِ أُطْلِقَ عليه البَوار. ويقال: بار يَبُورُ بَواراً وبُوراً، ورجل حائرٌ بائرٌ، وقوله تعالى:{وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} [الفتح: 12] يحتمل أن يكونَ مصدراً وُصِفَ به الجمعُ، وأن يكونَ جمع بائر في المعنى. ومِنْ وقوعِ «بُور» على الواحد قوله:
288 -
9- يا رسولَ المَليكِ إنَّ لساني
…
راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذ أنا بُوْرُ
أي: هالِكٌ.
قوله تعالى: {لِّيُضِلُّواْ} : قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا: {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيَضِلُّواْ} بفتح الياء، والباقون بضمِّها، مِنْ «أَضَلَّه» . واللامُ هي لامُ الجرِّ مضمرةً «أنْ» بعدها، وهي لامُ العاقبةِ لمَّا كان مآلُهم إلى كذلك. ويجوز أن تكونَ للتعليل. وقيل: هي مع فتحِ الياءِ للعاقبةِ فقط، ومع ضمِّها محتملةٌ للوجهين، كأنَّ هذا القائلَ تَوَهَّم أنهم لم يجعلوا الأندادَ لضلالِهم، وليس كما زَعَم؛ لأنَّ منهم مَنْ كفر عناداً، واتخذ الآلهةَ ليضلَّ بنفسِه.
قوله: {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار} «إلى النارِ» خبرُ «إنَّ» . و «المصير» مصدرٌ ل صار التامة، أي: فإنَّ مرجعَكم كائن إلى النار. وأجاز الحوفيُّ أَنْ يتعلقَ «إلى النار» ب «مصيرَكم» . وقد ردَّ هذا بعضُهم بأنه لو جعلناه مصدراً صار بمعنى انتقل، و «إلى النار» متعلقٌ به، بقيَتْ «إنَّ» بلا خبر، لا يقال: خبرُها حينئذ محذوفٌ؛ لأنَّ حَذْفَه في مثل هذا يَقِلُّ، وإنما يكثرُ حَذْفُه إذا كان الاسمُ نكرةً: والخبرُ ظرفاً أو جارَّاً كقوله:
289 -
0- إنَّ مَحَلاًّ وإنْ مُرْتَحَلا
…
وإنَّ في السَّفْرِ ما مَضَى مَهَلا
قوله تعالى: {قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ} فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّ «يُقيموا» مجزومٌ بلامِ أمرٍ محذوفةٍ تقديرُه: ليقيموا، فحُذِفَتْ وبقي عملُها، كما يُحْذَفُ الجارُّ ويبقى عملُه، كقولِه:
289 -
1- محمدُ تَفْدِ نفسَك كلُ نفسٍ
…
إذا ما خِفْتَ مِنْ شيءٍ تَبالا
يريد: لِتَفْدِ. أنشده سيبويه، إلا أنَّه خَصَّه بالشعر. قال الزمخشري:«ويجوزُ أن يكونَ» يُقيموا «و» يُنْفِقوا «بمعنى: لِيُقيموا ولِيُنْفقوا، ويكون هذا هو المَقُولَ. قالوا: وإنما جاز حَذْفُ اللامِ لأنَّ الأمرَ الذي هو» قُلْ «عِوَضٌ منها، ولو قيل: يقيموا الصلاة ويُنفقوا ابتداءً بحذف اللام لم يَجُزْ» . قلت: وإلى قريبٍ من هذا نحا ابن مالك فإنه جَعَلَ حَذْفَ
هذه اللامِ على أضربٍ: قليلٍ وكثيرٍ ومتوسطٍ. فالكثيرُ: أن يكونَ قبلَه قولٌ بصيغة الأمر كالآيةِ الكريمةِ، والقليلُ: أن لا يتقدَّمَ قولٌ كقوله: «محمدُ تَفْدِ» البيت، والمتوسط: أن يتقدَّمَ بغيرِ صيغةِ الأمرِ كقوله:
289 -
2- قُلْتُ لبَوَّابٍ لديهِ دارُها
…
تِيْذَنْ فإني حَمْؤُها وجارُها
الثاني: أنَّ «يُقيموا» مجزوم على جوابِ «قُلْ» ، وإليه نحا الأخفش والمبرد. وقد رَدَّ الناسُ عليهما هذا بأنه لا يلزمُ مِنْ قوله لهم: أقيموا «أَنْ يَفْعلوا، وكم مَنْ تخلَّف عن هذا الأمر. وقد أجيب عن هذا: بأنَّ المرادَ بالعباد المؤمنون، ولذلك أضافهم إليه تشريفاً، والمؤمنون متى أَمَرَهم امْتَثَلُوا.
الثالث: أنه مجزومٌ على جوابِ المقولِ المحذوفِ تقديره: قل لعبادي: أقيموا وأَنْفِقُوا، يُقيموا وينفقوا. قال أبو البقاء: وعزاه للمبرد-» كذا ذكره جماعة ولم يتعرَّضوا لإِفسادِه. وهو فاسد لوجهين، أحدُهما: أنَّ جوابَ الشرطِ يُخالِفُ الشرطَ: إمَّا في الفعلِ أو في الفاعل أو فيهما، فأمَّا إذا كان مثلَه في الفعلِ والفاعلِ فهو خطأٌ كقولِك: قم تقمْ، والتقديرُ على ما ذُكِرَ في هذا الوجه: إنْ يُقيموا يُقيموا. والوجه الثاني: أنَّ الأمرَ المقدَّرَ للمواجهة، و «يُقيموا» على لفظ الغَيْبَةِ وهو خطأٌ، إذا كان الفاعل
واحداً «. قلت: أمَّا الإِفسادُ الأولُ فقريبٌ، وأمَّا الثاني فليس بشيء؛ لأنه يجوز أن يقول: قل لعبدي أَطِعْني يُطِعْك، وإن كان للغَيْبة بعد المواجهة باعتبارِ حكايةِ الحال.
الرابع: أنَّ التقديرَ: إن تَقُلْ لهم: أقيموا، يُقيموا، وهذا مَرْوِيٌّ عن سيبويه فيما حكاه ابن عطية. قلت: وهذا هو القولُ الثاني.
الخامس: قال ابن عطية:» ويحتمل أن يكونَ «يُقيموا» جوابَ الأمرِ الذي يعطينا معناه قولُه «قُلْ» ؛ وذلك أن تجعلَ قولَه «قُلْ» في هذه الآيةِ بمعن بَلّغْ وأَدِّ الشريعةَ يُقيموا «.
السادس: قال الفراء:» الأمرُ معه شرطٌ مقدَّرٌ تقول: «أَطِعِ اللهَ يُدْخِلْكَ الجنَّةَ» .
والفرقُ بين هذا وبين ما قبله: أنَّ ما قبله ضُمِّن فيه الأمرُ نفسُه معنى الشرط، وفي هذا قُدر فعلُ الشرطِ بعد فعلِ الأمرِ مِنْ غيرِ تضمينٍ.
السابع: قال الفارسيُّ: «إنَّه مضارعٌ صُرِف عن الأمرِ إلى الخبرِ ومعناه: أقيموا» . وهذا مردودٌ؛ لأنه كان ينبغي أن يُثْبِتَ نونَه الدالَّةَ على إعرابه. وأُجيبَ عن هذا بأنه بُني لوقوعِه موقعَ المبني، كما بُني المنادى في نحو:«يا زيدُ» لوقوعِه موقعَ الضمير، ولو قيل بأنه حُذِفَتْ نونُه تخفيفاً على
حَدِّ حَذْفها في قولِه: «لا تَدْخُلوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا» .
وفي معمول «قُلْ» ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: الأمرُ المقدَّرُ، أي: قُلْ لهم: أقيموا، يُقيموا، الثاني: أنه نفسُ «يُقيموا» على ما قاله ابنُ عطية الثالث: أنَّه الجملةُ من قولِه {الله الذي خَلَقَ} إلى آخره، قاله ابن عطية. وفيه تفكيكٌ للنَّظْم، وجَعْلُ الجملةِ «يُقيموا الصلاة» إلى آخره مُفلتاً ممَّا قبلَه وبعدَه، أو يكونُ جواباً فَصَل بين القولِ ومعمولِه، لكنه لا يترتَّبُ على قولِ ذلك إقامةُ الصلاةِ والإِنفاقُ، إلا بتأويلٍ بعيدٍ جداً.
قوله: «سِرَّاً وعلانِيَةً» في نصبِهِما ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُهما: أنهما حالان ممَّا تقدَّم، وفيهما ثلاثةُ التأويلاتِ في «زيد عَدْل» ، أي: ذوي سر وعلانية أو مُسِرِّين ومُعْلِنين، أو جُعِلوا نفسَ السِّرِّ والعَلانية مبالغةً. الثاني: أنهما منصوبان على الظرف، أي: وَقْتَيْ سِرٍّ وعلانية. الثالث: أنهما/ منصوبان على المصدرِ، أي إنفاق سرّ وإنفاق علانية.
قوله: «مِنْ قبل» متعلِّقٌ ب «يُقيموا» و «يُنْفِقوا» ، أي: يفعلون ذلك قبل هذا اليوم.
وقد تقدَّم خلاف القراء في {لَاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} . والخِلال: المُخالَّة وهي المصاحبةُ. يقال: خالَلْتُه خِلالاً ومُخَالَّةً. قال طرفة:
289 -
3- كلُّ خليلٍ كنتُ خالَلْتُه
…
لا تَرَكَ اللهُ له واضِحَهْ
وقال امرؤ القيس:
289 -
4- صَرَفْتُ الهَوَى عنهنَّ مِنْ خشيةِ الرَّدى
…
ولستُ بمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ
وقال الأخفش: «خِلال جمعاً لخُلَّة، نحو: بُرْمَة وبِرام» .
قوله تعالى: {مِنَ السمآء} يجوز أن يتعلَّق بأًنْزَل، و «مِنْ» لابتداءِ الغاية، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ «ما» لأنه صفةٌ، في الأصل، وكذلك «مِن الثمرات» في الوجهين.
وجَوَّز الزمخشريُّ وابنُ عطيةَ أن تكونَ «مِنْ» لبيان الجنسِ، أي: رِزْقاً هو الثمرات. ويُرَدُّ عليهما: بأنَّ التي للبيان إنما تجيء بعد المبهم. وقد يُجاب عنهما: بأنهما أرادا ذلك من حيث المعنى لا الإِعراب. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك في البقرة.
و «بأَمْرِهِ» يجوز ان يكونَ متعلِّقاً ب «تَجْرِي» ، أي: بسببِه، أو بمحذوفٍ على أنها للحالِ، أي: ملتبسةً به.
قوله تعالى: و {دَآئِبَينَ} : حالٌ مِنَ الشمسِ والقمرِ، وتقدَّم اشتقاقُ الدَّأْبِ.
قوله تعالى: {مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} : العامَّةُ على إضافةِ «كُلّ» إلى «ما» وفي «مِنْ» قولان، أحدُهما: أنها زائدةٌ في المفعولِ الثاني، أي: كُلِّ ما سألمتموه، وهذا إنما يتأتَّى على قولِ الأخفش. والثاني: أن تكونَ تبعيضيَّةً، أي: آتاكم بعضَ جميعِ ما سالتموه نظراً لكم ولمصالحكم، وعلى هذا فالمفعولُ محذوفٌ، تقديرُه، وآتاكم شيئاً مِنْ كُلِّ ما سألتموه، وهو رأيُ سيبويه.
و «ما» يجوز فيها أن تكونَ موصولةً اسمية أو حرفية أو نكرةً موصوفةً، والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعولِ، أي: مَسْؤولكم. فإن كانت مصدريَّةً فالضميرُ في «سَأَلْتموه» عائدٌ على الله تعالى، وإن كانتْ موصولةً أو موصوفةً كان عائداً عليها، ولا يجوزُ أن يكون عائداً على اللهِ تعالى، وعائدُ الموصولِ أو الموصوفِ محذوفٌ؛ لأنه: إمَّا أن يُقَدَّر متصلاً: سألتموهوه أو منفصلاً: سألتموه إياه، وكلاهما لا يجوز فيه الحَذْفُ لِما قدَّمْتُ لك أولَ البقرةِ في قوله {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} .
وقرأ ابنُ عباس ومحمد بن علي وجعفر بن محمد والحسن والضحّاك وعمرو بن فائد وقتادة وسلام ويعقوب ونافع في روايةٍ، {مِّن كُلِّ} منونةً. وفي «ما» على هذه القراءة وجهان، أحدُهما: أنها نافية، وبه بدأ الزمخشري فقال: «وما سأَلْتُموه نفيٌ، ومحلُّه النصبُ على الحال، أي:
آتاكم من جميعِ ذلك غيرَ سائِلية» . قلت: ويكون المفعولُ الثاني هو الجارِّ مِنْ قوله «مِنْ كُلٍ» ، كقوله:{وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] .
والثاني: أنها موصولةٌ بمعنى الذي، هي المفعول الثاني لآتاكم. وهذا التخريجُ الثاني أَوْلَى، لأنَّ في الأول منافاةً في الظاهر لقراءةِ العامَّة. قال الشيخ:«ولما أحسَّ الزمخشريُّ بظهورِ التنافي بين هذه القراءةِ وبين تلك قال:» ويجوز أن تكونَ «ما» موصولةً على: وآتاكم مِنْ كُلِّ ذلك ما احتجتم إليه، ولم تصلُحْ أحوالُكُم ولا معائِشُكم إلا به، فكأنكم طلبتموه أو سألتموه بلسانِ الحال، فتأوَّل «سَأَلْتموه» بمعنى ما احتجتم إليه «.
قول:» نعمةَ «في معنى المُنْعِمِ به، وخُتِمَتْ هذه ب {إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ} ، ونظيرتُها في النحل ب {إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18] ، لأنَّ في هذه تقدَّمَ قولُه {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً} [إبراهيم: 28] ، وبعده {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} [إبراهيم: 30] ، فجاء قولُه {إِنَّ الإنسان} شاهداً بقُبْحِ مَنْ فَعَلَ ذلك، فناسَبَ خَتْمَها بذلك، والتي في النحل ذكر فيها عدةَ تفصيلاتٍ وبالَغَ فيها، وذكر قولَه {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَاّ يَخْلُقُ} [النحل: 17] ، أي: مَنْ أوجَدَ هذه النِّعَمَ السابقَ ذكرُها كَمَنْ لم يَقْدِرْ منها على شيءٍ، فَذَكَرَ أيضاً أنَّ مِنْ جملة تَفَضُّلاتِه اتصافَه بهاتين الصفتين.
قوله تعالى: {هذا البلد آمِناً} : مفعولا الجَعْلِ التصييري، وقد تقدَّم تحريرُه في البقرة. قال الزممخشري:«فإن قلت: أيُّ فَرْقٍ بين قولِه {اجعل هذا بَلَداً آمِناً} [البقرة: 126] وبين قولِه {هذا البلد آمِناً} ؟ قلت: قد سأل في الأول أن يجعلَه مِنْ جملة البلادِ التي يأْمَنُ أهلُها ولا يخافون، وفي الثاني أن يُخْرجَه مِنْ صفةٍ كان عليها من الخوفِ إلى ضِدِّها من الأمنِ، كأنه قال: هو بلدٌ مَخُوفٌ فاجْعَلْه آمِناً» .
قوله: {واجنبني} يُقال: جَنَبَه شرَّاً، / وأَجْنَبَه إياه، ثلاثياً، ورباعياً، وهي لغةُ نجدٍ، وجَنِّبه إياه مشدداً، وهي لغةُ الحجازِ، وهو المَنْعُ، وأصلُه مِنَ الجانب. وقال الراغب:«وقولُه تعالى: {واجنبني وَبَنِيَّ} مِنْ جَنَبْتُه عن كذا، أي: أَبْعَدْتُه منه. وقيل: مِنْ جَنَبْتُ الفَرَسَ كأنما أن يقودَه عن جانبِ الشِّرْك بألطافٍ منه وأسبابٍ خفيَّةٍ» .
و {أَن نَّعْبُدَ} على حَذْفِ الحرف، أي: عن أن. وقرأ الجحدريُّ وعيسى الثقفي «وأَجْنِبْني» بقطعِ الهمزة مِنْ أَجْنَبَ.
والضميرُ في «إنَّهُنَّ» و «أَضْلَلْنَ» عائدٌ على الأصنامِ لأنها جمعُ تكسيرٍ غيرُ عاقلٍ. وقوله «مني» ، أي: من أشياعي.
قوله: {وَمَنْ عَصَانِي} شرطٌ، ومحلُّ «مَنْ» الرفعُ بالابتداءِ، والجوابُ {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والعائدُ محذوفٌ، اي: له.
قوله تعالى: {مِن ذُرِّيَّتِي} : يجوزُ أَنْ يكون المفعولُ محذوفاً، وهذا الجارُّ صفتُه، أي: أسكنْتُ ذريةً مِنْ ذريتي. ويجوز أن تكونَ «مِنْ» مزيدةً عند الأخفش.
قوله: «بوادٍ» ، أي: في وادٍ، نحو: هو بمكة.
قوله: {عِندَ بَيْتِكَ} يجوز أن يكونَ صفةً ل «وادٍ» . وقال أبو البقاء: «ويجوز أن يكونَ بدلاً منه» ، يعني أنه يكونُ بدلَ بعضٍ مِنْ كُلّ، لأنَّ الواديَ أعمُّ مِنْ حضرةِ البيت. وفيه نظرٌ، من حيث إنَّ «عند» لا تتصرَّف.
قوله: «ليُقِيموا» يجوز أَنْ تكونَ هذه اللامُ لامَ أمرٍ، وأن تكونَ لامَ علَّة. وفي متعلقها حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أنها متعلقةٌ بأَسْكنْتُ وهو ظاهرٌ، ويكون النداءُ معترضاً. الثاني: أنها متعلقةٌ باجْنُبْني، أي: اجْنُبْهم الأصْنامَ ليُقِيموا، وفيه بُعْدٌ.
قوله: {أَفْئِدَةً مِّنَ الناس} العامَّةُ على «أفْئِدة» جمع «فُؤاد» كغُراب وأَغْربة. وقرأ هشام عن ابن عامر بياءٍ بعد الهمزة، فقيل: إشباع، كقوله:
289 -
5-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
يُحِبَّك عَظْمٌ في الترابِ تَرِيْبُ
أي: تَرِب، وكقوله:
289 -
6- أعوذُ باللهِ مِنَ العَقْرابِ
…
الشائلاتِ عُقدَ الأَذْنابِ
وقد طعن جماعةٌ على هذه القراءةِ وقالوا: الإِشباعُ من ضرائرِ الشعر فكيف يُجْعَلُ في أفصحِ كلامٍ؟ وزعم بعضُهم أنَّ هشاماً إنَّما قرأ بتسهيلِ الهمزةِ بين بين، فظنَّها الراوي زيادةَ ياءٍ بعد الهمزة، قال:«كما تُوُهِّم عن أبي عمروٍ واختلاسُه في» بارئكم «و» يَأْمُركم «أنه سَكَّن» . وهذا ليس بشيءٍ فإنَّ الرواةَ أجلُّ من هذا.
وقرأ زيدٌ بن عليّ «إفادة» بزنةِ «رِفادة» ، وفيها وجهان، أحدهما: أن يكونَ مصدراً لأِفاد كأَقام إقامةً، أي: ذوي إفادةٍ، وهم الناسُ الذين يُنْتَفَعُ بهم. والثاني: أن يكون أصلُها «وِفادة» فأُبْدِلَتِ الواوُ همزةً نحو: إشاح وإعاء.
وقرأت أمُّ الهيثم «أَفْوِدَة» بواوٍ مكسورة، وفيها وجهان، أحدُهما: أن يكونَ جمع «فُوَاد» المُسَهًّل: وذلك أنَّ الهمزةَ المفتوحةَ المضمومَ ما قبلها يَطَّرِد قَلْبُها واواً نحو: جُوَن، ففُعِل في «فُؤاد» المفرد ذلك، فأُقِرَّت في الجمع على حالها. والثاني: قال صاحب «اللوامح» : «هي جمعُ وَفْد» . قلت: فكان ينبغي أن يكونَ اللفظ «أَوْفِدة» بتقديم الواو، إلا أن يُقال: إنه
جَمَعَ «وَفْداً» على «أَوْفِدَة» ثم قلَبه فوزنه أَعْفِلَة، كقولهم: آرام في أرْآم وبابِه، إلا أنه يَقِلُّ جمعُ فَعْل على أفْعِلة نحو: نَجْد وأَنْجدة، وَوَهْي وأَوْهِيَة. وأمُّ الهيثمِ امرأةٌ نُقِلَ عنها شيءٌ من اللغة.
وقُرِىء «آفِدَة» بزِنَةِ ضارِبة، وهي تحتمل وجهين، أحدُهما: أن تكونَ مقلوبةً مِنْ أَفئدة بتقديم الهمزة على الفاء فَقُلِبَتْ الهمزةُ ألفاً، فوزنها أَعْفِلة كآرام في أرْآم.
والثاني: أنها اسمُ فاعلٍ مِنْ أَفِد يَأْفَدُ، أي: قَرُب ودَنا، والمعنى: جماعة آفِدَة، أو جماعات آفِدة.
وقُرِئ «آفِدَة» بالقَصْرِ، وفيها وجهان أيضاً، أحدُهما: أن يكونَ اسمَ فاعلٍ على فَعِل كفَرِحَ فهو فَرِح. [والثاني] : أن تكونَ محففةً من «أَفْئِدة» . بنَقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى الساكن قبلها، وحَذْفِ الهمزةِ.
و «من الناس» في «مِنْ» وجهان، أحدُهما: أنها لابتداءِ الغاية. قال الزمخشريُّ: «ويجوز أن تكونَ» مِنْ «لابتداءِ الغايةِ كقولك:» القلبُ مني سقيم «تريد: قلبي، كأنه قيل: أفئدةَ ناسٍ، وإنما نَكَّرْتَ المضافَ في هذا التمثيلِ لتنكيرِ» أَفْئدة «لأنها في الآية نكرةٌ، ليتناولَ بعضَ الأفئدةِ» . قال الشيخ: «ولا يَظْهر كونُها للغايةِ؛ لأنه ليس لنا فِعْلٌ يُبتدأ فيه بغايةٍ ينتهي إليها، إذ/ لا يَصِحُّ جَعْلُ ابتداءِ الأفئدة من الناس» .
والثاني: أنها للتبعيضِ، وفي التفسير: لو لم يقل «من الناس» لحجَّ الناسُ كلُّهم.
قوله: «تَهْوي» هذا هو المفعولُ الثاني للجَعْل. والعامَّة «تَهْوِي» بكسرِ العين بمعنى: تُسْرِعُ وتَطيرُ شوقاً إليهم. قال:
289 -
7- وإذا رَمَيْتَ به الفِجاجَ رَأَيْتَه
…
يَهْوي مخارمَها هُوِيَّ الأجْدَلِ
وأصلُه أنْ يتعدَّى باللام، كقوله:
289 -
8- حتى إذا ما هَوَتْ كفُّ الغلامِ لها
…
طارَتْ وفي كَفِّه مِنْ ريشِها بِتَكُ
وإنَّما عُدِّي ب «إلى» لأنه ضُمِّنَ معنى «تميل» ، كقوله:
289 -
9- تَهْوي إلى مكَّةَ تَبْغي الهدى
…
ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كأَنْجاسِها
وقرأ أميرُ المؤمنين علي وزيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر ابن محمد ومجاهد بفتح الواو، وفيه قولان، أحدُهما: أنَّ «إلى» زائدةٌ، أي: تهواهم. والثاني: أنه ضُمِّنَ معنى تَنْزِعُ وتميل، ومصدرُ الأول على «هُوِيّ» ، كقوله:
290 -
0-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
يَهْوي مخارِمَها هُوِيَّ الأجْدَل
والثاني على «هَوَى» . وقال أبو البقاء: «معناهما متقاربان إلَاّ أَنَّ هَوَى - يعني بفتح الواو- متعدٍّ بنفسه، وإنما عُدِّيَ بإلى حَمْلاً على تميل» .
وقرأ مسلمة بن عبد الله: «تُهْوَى» بضم التاء وفتح الواو مبنياً للمفعول مِنْ «أهوى» المنقول مِنْ «هَوِيَ» اللازمِ، أي: يُسْرَع بها إلى إليهم.
قوله تعالى: {عَلَى الكبر} : فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ «على» على بابها من الاستعلاءِ المجازيِّ. والثاني: أنها بمعنى مع كقوله:
290 -
1- إنِّي على ما تَرَيْنَ من كِبَري
…
أعلمُ مِنْ تُؤْكَلُ الكَتِفَ
قاله الزمخشري. ومحلُّ هذا الجارِّ النصبُ على الحالِ من الباء في «هَبْ لي» .
قوله: {لَسَمِيعُ الدعآء} فيه أوجه، أحدُها: أن يكون فعيل مثالَ مبالغةٍ مضافاً إلى مفعولِه، وإضافتُه مِنْ نصبٍ، وهذا دليلٌ لسيبويه على أن فَعِيلاً يعملُ عملَ اسمِ الفاعل، وإن كان قد خالف جمهور البصريين والكوفيين.
الثاني: انَّ الإِضافةَ ليسَتْ مِنْ نصبٍ، وإنما هو كقولك:«هذا ضاربُ زيدٍ أمس» . الثالث: أنَّ سميعاً مضافٌ لمرفوعه ويُجْعَلُ دعاءُ الله سميعاً على المجاز، والمراد سماع الله، قاله الزمخشري.
قال الشيخ: «وهو بعيدٌ لاستلزامِهِ أن يكونَ من الصفة المشبهة والصفةُ متعديةُ، وهذا إنما يتأتَّى على قولِ الفارسيِّ فإنه يُجيز أن تكونَ الصفةُ المشبهة من الفعلِ المتعدِّي بشرطِ أَمْنِ اللَّبْس نحو:» زيد ظالمُ العبيد «إذا عُلِم أن له عبيداً ظالمين، وأمَّا هنا فالَّبْسُ حاصلٌ؛ إذ الظاهرُ أنه من إضافةِ المثالِ للمفعولِ لا للفاعل» .
قلت: واللَّبْسُ أيضاً هنا مُنْتَفٍ لأن المعنى على الإِسناد المجازي كما تقرَّر فانتفى اللَّبْسُ.
قوله تعالى: {وَمِن ذُرِّيَتِي} : عطفٌ على المفعولِ الأول ل «اجعلني» ، أي: واجعل بعضَ ذرِّيَّتي مقيمَ الصلاة. وهذا الجارُّ في الحقيقة صفةٌ لذلك المحذوفِ، أي: وبعضاً من ذريتي.
قوله: {وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ} قرأ أو عمروٍ وحمزةُ وورشٌ بإثبات الياء وصلاً وحَذْفِها وقفاً، والبزيُّ بإثباتها في الحالين، والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً، وقد روي بعضُهم إثباتَها وقفاً أيضاً.
قوله تعالى: {وَلِوَالِدَيَّ} : العامَّةُ على «والِدَيَّ» بألفٍ
بعد الواو وتشديدِ الياء، وابن جبير كذلك، إلا أنه سَكَّن الياءَ أراد والده وحدّه كقولِه {واغفر لأبي} [الشعراء: 86] .
وقرأ الحسين بن علي ومحمد وزيد ابنا علي بن الحسين وابن يعمر «ولولدي» دون ألف، تثنية وَلَد، ويعني بهما إسماعيل وإسحاق، وأنكرها الجحدريُّ بأنَّ في مصحف أُبَيّ «ولأبويَّ» فهي مفسِّرةٌ لقراءةِ العامَّة.
ورُوي عن ابنِ يعمر أنَّه قرأ «ولِوُلْدي» بضمِّ الواو وسكونِ الياء، وفيها تأويلان، أحدُهما: أنه جمع «وَلَد» كأُسْد في «أَسَد» ، وأنْ يكونَ لغةً في الوَلَد كالحُزْن والحَزَن، والعَدَم والعُدْم، والبُخْل والبَخَل، وعليه قول الشاعر:
290 -
2- فليتَ زياداً كان في بَطْنِ أمِّه
…
وليت زياداً كان وُلْدَ حمارِ
وقد قُرِئَ بذلك في مريم والزخرف ونوح في السبعة، كما سيأتي إن شاء اللهُ تعالى. و «يومَ» نصبٌ ب «اغفر» .
قوله تعالى: {لِيَوْمٍ} : أي: لأَجْلِ يومٍ، فاللامُ للعلَّة وقيل: بمعنى إلى، أي: للغاية. وقرأ العامَّة «يُؤَخِّرُهم» بالياء لتقدُّم اسمِ الله
الكريم. وقرأ الحسن والسلميُّ والأعرج وخلائق - وتُروى عن أبي عمرو - «نَؤَخِّرُهم» بنون العظمة. و «تَشْخَصُ» صفةٌ ل «يوم» ومعنى شُخُوصِ البصر حِدّةُ النظرِ وعَدَمُ استقرارِه في مكانِه، ويقال: شَخَص سَهْمُهُ وبَصَرُه وأشخصَهما صاحبُهما، وشَخَصَ بصرُه: لم يَطْرِفْ جَفْنُه، ويقال: شَخَص/ مِنْ بلدِه، أي: بَعُدَ، والشَّخْص: سوادُ الإِنسانِ المَرْئِيِّ من بعيد.
قوله تعالى: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} : حالان من المضافِ المحذوفِ؛ إذ التقديرُ: أصحاب الأبصار، إذ يُقال: شَخَصَ زيدٌ بصرَه، أو تكون الأبصارُ دلَّتْ على أربابِها فجاءت الحالُ مِن المدلولِ عليه، قالهما أبو البقاء. وقيل:«مُهْطِعين» منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، اي: يُبْصِرُهم مُهْطِعين. ويجوز في «مُقْنِعي» أن يكونَ حالاً من الضمير في «مُهْطِعين» فتكون حالاً متداخلةً. وإضافة «مُقْنعي» غيرُ حقيقيةٍ فلذلك وَقَعَتْ حالاً.
والإِهطاع: قيل: الإِسراعُ في المشي قال:
290 -
3- إذا دعانا فأَهْطَعْنا لدَعْوَته
…
داعٍ سميعٌ فَلَفُّونا وساقُوْنا
وقال:
290 -
4- وبمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأن عِنَانَه
…
في [رأس] جَذْعٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال أبو عبيدة: «قد يكون الإِسراعَ وإدامةَ النظر» . وقال الراغب: «هَطَع الرجلُ ببصره إذا صَوَّبه، وبعيرٌ مُهْطِعٌ إذا صَوَّب عُنُقَه» . وقال الأخفش: «هو الإِقبالُ على الإِصغاء» وأنشد:
290 -
5- بِدِجْلَةَ دارُهُمْ ولقد أراهُمْ
…
بِدِجْلِةَ مُهْطِعِيْن إلى السَّماعِ
والمعنى: مُقْبِلِيْن برؤوسهم إلى سَماع الدَّاعي. وقالَ ثعلب: «أَهْطِع الرجلُ إذا نظر بِذُلٍّ وخُشُوعِ، لا يُقْلِعُ ببصره» ، وهذا موافِقٌ لقول أبي عبيدٍ فقد سُمِعَ فيه: أَهْطَعَ وهَطَعَ رباعياً وثلاثياً.
والإِقناع: رَفْعُ الرأسِ وإدامةُ النظر من غيرِ التفاتٍ إل غيرِه، قاله القتبيُّ وابنُ عرفة، ومنه قولُه يَصِفُ إبلاً ترعى أعالي الشجر فترفع رؤوسها:
290 -
6- يُباكِرْن العِضَاهَ بمُقْنَعاتٍ
…
نواجِذُهُنَّ كالِحَدأ الوَقيع
ويقال: أَقْنَعَ رأسَه، أي: طَأْطَأها ونَكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعَةُ: الاجتِزاءُ باليسير، ومعنى قَنِع بكذا: ارتفع رأسُه عن السؤال، وفَمٌ مُقَنَّع: مَعْطُوفُ الأسنان داخله ورجلٌ مُقَنَّعٌ بالتشديد. ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعةً وقَنَعاً إذا رَضِيَ، وقَنَعَ قُنُوعاً إذا سَأَل، فوقع الفرقُ بالمصدر.
وقال الراغب: «قال بعضُهم:» أصلُ هذه الكلمةِ مِن القِناع، وهو ما يُغَطَّي الرأسَ، والقانِعُ مَنْ [لا] يُلحُّ في السؤال فَيَرْضَى بما يأتيه كقوله:
290 -
7-
لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْني
…
مَفاقِرَه أعفُّ مِنَ القُنُوعِ
ورجل مَقْنَعٌ يُقْنِعُ به. قال:
290 -
8-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
شُهودِيْ على لَيْلَى عُدُولٌ مَقانِعُ
والرُّؤوس: جمع رَأْس وهو مؤنثٌ، ويُجْمَع في القلة على أَرْؤُس، وفي الكثرةِ على رُؤوس، والأَرْأَسُ: العظيم الرأسِ، ويُعَبَّر بها عن الرجل العظيم كالوجهِ، والرئيس مشتق مِنْ ذلك، ورِئاسُ السيفِ مَقْبَضُهُ، وشاةٌ رَأْساء اسْوَدَّت رأسُها.
قوله: {لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ} في محلِّ نصب على الحال أيضاً من الضمير في «مُقْنِعِي» . ويجوز أن يكونَ بدلاً من «مُقْنِعي» كذا قال أبو البقاء، يعني أنه يَحُلُّ مَحَلَّه. ويجوز أن يكونَ استئنافاً.
والطَّرْفُ في الأصل مصدرٌ، وأُطْلِقَ على الفاعلِ لقولِهم:«ما فيهم عَيْنٌ تَطْرِفُ» ، [ولعلَّه] هنا العينُ. قال:
290 -
9- وأَغُضُّ طَرْفي ما بَدَتْ لي جارَتي
…
حتى يُواري جارَتي مَأْواها
والطَّرْفُ: الجَفْنُ أيضاً، يقال: ما طَبَّق طَرْفَه - أي: جَفْنَه - على الآخر، والطَّرْفُ أيضاً تحريكُ الجَفْن.
قوله: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} يجوز أن يكونَ استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعاملُ فيه: إمَّا «يَرْتَدُّ» ، وإمَّا ما قبله من العوامل. وأفرد «هواء» وإن كان خبراً عن جمعٍ لأنه في معنى: فارغة متخرِّقة، ولو لم يقصِدْ ذلك لقال:«أَهْوِيَة» ليُطابِقَ الخبرُ مبتدأه.
والهواءُ: الخالي من الأجسام، ويُعَبَّر به عن الجبن، يقال: جَوْفُه هواءٌ، أي: فارغ، قال زهير:
291 -
0- كأن ارَّحْلَ منها فوق صَعْلٍ
…
من الظَّلْمَانِ جُؤْجُؤُه هَواءُ
وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
291 -
1-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
وأنت مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هواءُ
النَّخِب: الذي أَخَذْتَ نُخْبَته، أي: خِيارَه.
قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ} : مفعولٌ ثانٍ ل «أَنْذِرْ» ، أي: خَوِّفْهم عذابَ يومٍ، كذا قدَّره أبو البقاء، وفيه نظرٌ؛ إذ يَؤُول إلى قولِك: أَنْذِرْ عذابَ يومِ يأتيهم العذابُ، فلا حاجةَ إلى ذلك. ولا جائزٌ أن يكونَ ظرفاً
له، لأنَّ ذلك اليومَ لا إنذارَ فيه، سواءً قيل: إنه يومُ القيامةِ، أو يومٌ لهلاكهم، أو يومَ يلقاهم الملائكةُ. وقوله:«نُجِبْ» جوابُ الأمر.
قوله: {أَوَلَمْ تكونوا} قال الزمخشريُّ: «على إرادةِ القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بَطَراً وأَشَرَاً، وأَنْ يقولوه بلسان الحالِ حيث بَنَوْا شديداً وأمَّلوا بعيداً» .
و «مالكم» جوابُ القسمِ، وإنما جاء بلفظِ الخطابِ، لقوله:«أَقْسَمْتُمْ» ولو جاء بلفظِ المُقْسِمين لقيل: ما لنا. وقَدَّر الشيخ ذلك القولَ من قولِ الله تعالى أو الملائكةِ، أي: فيقال لهم: أو لم تكونوا. وهو عندي أظهرُ مِن الأول، أعني جَرَيانَ القولِ مِنْ غيرهم لا منهم.
قوله تعالى: {وَسَكَنتُمْ فِي مساكن} : أصلُ «سَكَن» التعدِّي ب «في» كما في هذه الآيةِ، وقد يتعدَّى بنفسه. قال الزمخشريُّ:«السُّكْنَى مِن السكونِ الذي هو اللُّبْث، وأصلُ تَعَدِّيه ب» في «كقولك: قَرَّ/ في الدارِ، وأقامَ فيها، وغَنِي فيها، ولكنه لمَّا نُقِل إلى سكونٍ خاص تصَرَّفَ فيه، فقيل:» سَكَنَ الدارَ «كما قيل: تبوَّأَها وأَوْطَنها، ويجوز ان يكونَ مِن السُّكون، اي: قَرُّوا فيها واطمأنُّوا» .
قوله: «وتَبَيَّنَ» فاعلُه مضمرٌ لدلالةِ الكلامِ عليه، [أي] : حالُهم وخبرُهم وهلاكُهم. و «كيف» نَصْبٌ بفَعَلْنا، وجملةُ الاستفهامِ ليست معمولةً ل «تَبَيَّن» ؛ لأنه من الأفعال التي لا تُعَلَّق، ولا جائزٌ أن يكونَ «كيف» فاعلاً،؛
لأنها: إمَّا شرطيةٌ أو استفهاميةٌ، وكلاهما لا يعمل فيه ما تقدَّمه، والفاعلُ لا يتقدَّم عندنا.
وقال بعض الكوفيين: «إنَّ جملةَ» كيف فَعَلْنا «هو الفاعلُ» ، وهم يُجيزون أن تكونَ الجملةُ فاعلاً، وقد تقدم هذا قريباً في قوله تعالى:{ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ} [يوسف: 35] .
والعامَّةُ على «تَبَيَّن» فعلاً ماضياً. وقرأ عمر لن الخطاب والسُّلَمي في روايةٍ عنه: «ونُبَيِّنَ» بضمِّ النونِ الأولى والثانية، مضارع «بَيَّن» ، وهو خبرُ مبتدأ مضمرٍ، والجملةُ حالٌ، أي: ونحنُ نبيِّن. وقرأ السُّلَميُّ - فيما نقل المهدويُّ - كذلك إلَاّ أنه سَكَّن النونَ للجزمِ نَسَقاً على «تكونوا» ، فيكونُ داخلاً في حيِّز التقدير.
قوله تعالى: {وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ} : يجوز أن يكونَ هذا المصدرُ مضافاً لفاله كالأولِ بمعنى: أنَّ مَكْرَهُمْ الذي مكروه جزاؤُه عند الله تعالى، أو للمفعولِ، بمعنى: أنَّ عند الله مَكْرَهم الذي يَمْكُرُهم به، أي: يُعَذِّبهم. قالهما الزمخشري. قال الشيخ: «وهذا لا يَصِحُّ إلا إنْ كان» مَكَرَ «يتعدَّى بنفسِه كما قال هو، إذ قدَّر: يمكرهم به، والمحفوظ أنَّ» مَكَر «لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسِه. قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ} [الأنفال: 30] ، وتقول: زيدٌ ممكورٌ به، ولا يُحْفظ» زيدٌ ممكورٌ «بسبب كذا» .
قوله «لِتَزُولَ» قرأ العامَّةُ بكسر اللام، والكسائيُّ بفتحِها فأمَّا القراءةُ الأولى ففيها ثلاثة أوجه، أحدُها: أنها نافيةٌ واللامُ لامُ الجحودِ؛ لأنها بعد كونٍ منفيّ، وفي «كان» حينئذٍ قولان، أحدُهما: أنها تامَّةٌ، والمعنى: تحقيرُ مَكْرِهم، أنه ما كان لتزولَ منه الشرائع التي كالجبالِ في ثبوتِها وقوتِها. ويؤيد كونَها نافيةً قراءةُ عبد الله:«وما كان مَكْرُهم» . القول الثاني: أنها ناقصةٌ، وفي خبرِها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين: هل هو محذوفٌ واللامُ متعلقةٌ به، وإليه ذهب البصريون، أو هذه اللام وما جَرَّتْه، كما هو مذهبُ الكوفيين، وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.
الوجه الثاني: أن تكونَ المخففةَ من الثقيلة. قال الزمخشري: «وإنْ عَظُمَ مكرُهم وتبالغَ في الشدَّةِ، فضرب زوالَ الجبالِ منه مثلاً لشدَّته، أي: وإنْ كان مَكْرُهم مُعَدَّاً لذلك» . وقال ابن عطية: «ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءةِ: تَعظيمَ مَكْرِهم، أي: وإن كان شديداً، إنما يفعل لتذهب به عظامُ الأمور» فمفهومُ هذين الكلامين أنها مخففةٌ لأنه إثباتٌ.
والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابُها محذوف، أي: وإنْ كان مكرُهم مُعَدَّاً لإِزالةِ أشباهِ الجبال الرواسي، وهي المعجزات والآيات، فالله مجازِيْهم بمكرٍ هو أعظمُ منه. وقد رُجَّح الوجهان الأخيران على الأول وهو أنها نافيةٌ؛ لأن فيه
معارضةً لقراءة الكسائي، وذلك أن قراءَته تُؤْذِنُ بالإِثباتِ، وقراءةَ غيره تُؤْذن بالنفي.
وقد أجاب بعضُهم عن ذلك بأنَّ الحالَ في قراءة الكسائي مُشارٌ بها إلى أمورٍ عظام غيرِ الإِسلامِ ومُعجزاتِه كمكرهم صلاحيةَ إزالتها، وفي قراءةِ الجماعةِ مُشارُ بها إلى ما جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الدين الحق، فلا تَعارُضَ، إذ لم يتواردا على معنى واحدٍ نفياً وإثباتاً.
وأمَّا قراءةُ الكسائي ففي «إنْ» وجهان: مذهبُ البصريين، أنها المخففةُ واللام فارقة، ومذهبُ الكوفيين: أنها نافيةٌ واللامُ بمعنى «إلا» ، وقد تقدَّم تحقيقُ المذهبين.
وقرأ عمرُ وعليٌّ وعبد الله وزيد بن علي وأبو سلمة وجماعة «وإن كاد مكرهم لَتزول» كقراءةِ الكسائي إلا أنهم جعلوا مكان نون «كان» دالاًّ فعلَ مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوالَ غيرُ واقعٍ.
وقُرِء «لَتَزُوْل» بفتح اللامين. وتخريجهما على إشكالها أنها جاءَتْ على لغةِ مَنْ يفتح لام «كي» .
قوله تعالى: {مُخْلِفَ وَعْدِهِ} : العامَّةُ على إضافة «مُخْلِف» إلى «وعدِه» وفيها وجهان، أظهرهما: أن «مُخْلف» يَتَعَدَّى لاثنين كفعلِه، فقدَّم المفعولَ الثاني، وأُضيف إليه اسمُ الفاعل تخفيفاً نحو: «هذا
كاسِيْ جُبَّةٍ زيداً» قال الفراء وقطرب: «لمَّا تعدَّى/ إليهما جميعاً لم يُبَالَ بالتقديمِ والتأخير» . وقال الزمخشري: «فإن قلت: هلا قيل: مُخْلِفَ رسلِه وعدَه، ولِمَ قَدَّم المفعولَ الثاني على الأول؟ قلت: قَدَّمَ الوعدَ ليُعْلِمَ أنه لا يُخْلِفُ الوعدَ ثم قال» رسله «ليُؤْذِنَ أنه إذا لم يُخْلِفْ وعدَه أحداً - وليس من شأنِه إخلافُ المواعيد - كيف يُخْلِفُه رُسلَهُ» .
وقال أبو البقاء: «هو قريب من قولهم:
291 -
2- يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدارِ
…
وأنشد بعضُهم نظيرَ الآيةِ الكريمة قولَ الشاعر:
291 -
3- ترى الثورَ فيها مُدخِلَ الظلِ رأسَهُ
…
وسائرُه بادٍ إلى الشمسِ أجمعُ
والحُسبان هنا: الأمر المنتفي، كقوله:
291 -
4- فلا تَحسَبَنْ أني أَضِلُّ مَنِيَّتي
…
فكلُّ امرِئٍ كأسَ الحِمام يذوقُ
الثاني: أنه متعدٍّ لواحدٍ، وهو» وعدِه «، وأمَّا» رُسُلَه «فمنصوبٌ بالمصدر، فإنه يَنْحَلُّ لحرفٍ مصدريٍّ وفعلٍ تقديرُه: مُخْلِفُ ما وعدَ رُسَلَه، ف» ما «مصدريةٌ لا بمعنى الذي.
وقرأت جماعةٌ {مُخْلِفَ وَعْدَ رُسَلَهُ} بنصبِ» وعدَه «وجرِّ» رسلِه «فَصْلاً بالمفعولِ بين المتضايفين، وهي كقراءةِ ابن عامرٍ {قَتْلُ أَوْلَادَهمْ شُرَكَآئِهِمْ} قال الزمخشري جرأةً منه:» وهذه في الضَّعْفِ كمَنْ قرأ {قَتْلُ أَوْلَادَهمْ شُرَكَآئِهِمْ} .
قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ} : يجوز فيه عدةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ منصوباً ب «انتقام» ، أي: يقع انتقامُهُ في ذلك اليوم. الثاني: أن ينتصبَ ب «اذكْر» . الثالث: ان ينتصبَ بما يتلخَّص مِنْ معنى {عَزِيزٌ ذُو انتقام} . الرابع: أن يكونَ بدلاً من {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ} [إبراهيم: 44] . الخامس: أن ينتصبَ ب «مُخْلِف» . السادس: أن ينتصبَ ب «وَعْدِه» ، و «إنَّ» وما بعدها اعتراضٌ. ومنع أبو البقاء هذين الأخيرين، قال «لأنَّ ما قبل» إنَّ «لا يعمل فيما بعدها» . وهذا غيرُ مانعٍ لأنه كما تقدَّم اعتراضٌ فلا يُبالَى به فاصلاً.
وقوله: «والسماواتُ» تقديرُه: وتُبَدَّل السماواتُ غيرَ السماواتِ. وفي التبديلِ قولان: هل هو متعلِّقٌ بالذات أو بالصفة؟ وإلى الثاني مَيْلُ
ابنِ عباس، وأنشد:
291 -
5- فما الناسُ بالناسِ الذين عَهِدْتُهُمْ
…
ولا الدارُ التي كنتُ تَعْلَمُ
وقرئ «نُبَدِّل» بالنون، «الأرضَ» نصباً، و «السماواتِ» نَسَقٌ عليه.
قوله: «وبَرَزوا» فيه وجهان: أحدُهما أنها جملةٌ مستأنفةٌ، أي: ويَبْرُزُون، كذا قدَّره أبو البقاء، يعني أنه ماضٍ يُراد به الاستقبالُ، والأحسنُ أنه مِثْلُ {ونادى أَصْحَابُ النار} [الأعراف: 50] {ونادى أَصْحَابُ الجنة} [الأعراف: 44]{رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ} [الحجر: 2]{أتى أَمْرُ الله} [النحل: 1] لتحقُّقِ ذلك.
والثاني: أنها حالٌ من الأرض، و «قد» معها مُرادةٌ، قاله أبو البقاء، ويكون الضميرُ في «بَرَزوا» للخَلْق دَلَّ عليهم السياقُ، والرابطُ بين الحالِ وصاحِبِها الواوُ.
وقرأ زيدُ بنُ علي «وبُرِّزوا» بضم الباءِ وكسر الراء مشددةً على التكثير في الفعلِ ومفعوله.
قوله تعالى: {مُّقَرَّنِينَ} : يجوز أن يكونَ حالاً على أنها بَصَرية، وأن يكونَ مفعولاً ثانياً على أنها عِلْمية. و {فِي الأصفاد} متعلِّقٌ به. وقيل: بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ أو صفةٌ ل «مُقَرِّنين» . والمُقَرَّنُ: مَنْ جُمِعَ في القَرَن، وهو الحبلُ الذي يُرْبط به، قال:
291 -
6- وابنُ اللَّبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ
…
لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيٍسِ
وقال آخر:
291 -
7- والخيرُ والشرُّ مَلْزُوْزان في قَرَنْ
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي التفسير: أنَّ كلَّ كافرٍ يُقْرَنُ مع شيطانِه في سلسلة.
والأَصْفاد: جمعُ صَفَد وهوى الغِلُّ والقيد، يُقال: صَفَده يَصْفِدُه صَفْداً: قَيَّده، والاسمُ: الصَّفَد، وصَفَّده مشدداً للتكثير. قال:
298 -
1- فآبُوا بالنهَّائِبِ والسَّبايا
…
وأُبْنا بالمُلوكِ مُصفَّدينا
والصِّفاد مثلُ الصَّفَدِ، وأَصْفَده، أي: أعطاه، فَفَرَّقوا بين فَعَل وأَفْعل. وقيل: بل يُستعملان في القَيْد وفي العطاء.
قال النابغة:
291 -
9-. . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
فلم أُعَرِّض -أبيتَ اللَّعْنَ- بالصَّفَد
أي: بالإِعطاءِ، وسُمِّي العَطاءُ صَفَداً لأنه يُقَيِّدُ مَنْ يعطيه ومنه «أنا مَغْلولُ أياديك، وأَسِيْرُ نِعْمَتِك» .
قوله تعالى: {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} : مبتدأ وخبر في محلِّ نصبٍ على الحال: إمَّا من «المجرمين» ، وإمَّا من «مُقَرَّنين» ، وإمَّا مِنْ ضميره. ويجوز أن تكونَ مستانفةً، وهو الظاهر.
والسَّرابيلُ: الثياب. وسَرْبَلْتُه، أي: أَلْبَسْتَه السِّربال. قال:
292 -
0- أَوْدَى بنَعْلَيَّ وسِرْباليَهْ
…
ويُطلقُ على ما يُحَصَّنُ في الحَرْب، من الدِّرْع وشبهِه، قال تعالى:{وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} [النحل: 81] .
والقَطِران: ما يُسْتَخْرج مِنْ شجرٍ، فيُطبخ وتُطْلَى به الإِبلُ الجُرُبُ لِيَذْهَبَ جَرْبُها بِحِدَّته، وهو أفضلُ الأشياءِ للاشتعال به. وفيه لغاتٌ: قَطِران بفتح/ القاف وكسر الطاء، وهي قراءةُ العامَّة. وقَطْران بزنة سَكْران وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. وقال أبو النجم:
292 -
1- لَبَّسَه القَطْرانَ والمُسُوحَا
…
وقِطْران بكسر القافِ وسكونِ الطاء بزنة سِرْحان، ولم يُقْرأ بها فيما عَلِمْت.
وقرأ جماعةٌ كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وابن عباس وأبو هريرة والحسَن «بَقَطِرٍ» بفتح القافِ وكسرِ الطاءِ وتنوينِ الراء، «آنٍ» بوزن عانٍ، جعلوهما كلمتين والقَطِر: النحاس، والآني: اسمُ فاعل مِنْ أَنَى يَأْني، أي: تناهى في الحرارةِ كقوله: {وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن: 44] ، وعن عمرَ رضي الله عنه «ليس بالقَطْران، ولكنه النحاسُ الذي يَصير بلَوْنِه» .
وقرىء: «وتَغَشَّى» بتشديدِ الشينِ، أي: وتَتَغشَّى، فحذف إحدى التاءين.
وقُرِئ برفعِ «وجوهُهم» ونصبِ «النار» على سبيلِ المجاز، جَعَلَ ورودَ الوجوهِ النارَ غِشْياناً.
والجملةُ من قوله «وتَغْشى» قال أبو البقاء: «حالٌ أيضاً» ، يعني أنها معطوفةٌ على الحال، ولا يَعْني أنها حالٌ، والواوُ للحال؛ لأنه مضارعٌ مثبتٌ.
قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ} : في هذه الآيةِ وجهان. أولاهما: أن يتعلَّق ب «بَرَزُوا» ، وعلى هذا فقولُه «وَتَرَى» جملةٌ معترضةٌ بين المتعلِّق والمتعلِّق به. والثاني: أنها تتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: فَعَلْنا بالمجرمين
ذلك ليَجْزي كلَّ نفس؛ لأنه إذا عاقب المجرمَ أثاب الطائعَ.
وقوله تعالى: {هذا} إشارةٌ إلى ما تقدَّم مِن قوله: {فَلَا تَحْسَبَنَّ} [إبراهيم: 47] إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن نُزِّل مَنْزِلةَ الحاضر.
قوله: «وَلِيُنْذَروا» فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ، أي: وليُنْذِرُوا به أَنْزَلْنا عليك.
الثاني: أنه معطوفٌ على محذوفٍ، ذلك المحذوفُ متعلقٌ ب «بلاغ» ، تقديره: ليُنْصَحوا ولِيُنْذَروا. الثالث: أن الواوَ مزيدةٌ و «لِيُنْذَروا» متعلقٌ ب «بلاغ» ، وهو رأيُ الأخفش، نقله الماوردي. الرابع: أنه محمولٌ على المعنى، أي: ليُبَلَّغُوا ولِيُنْذَرُوا. الخامس: أن اللامَ لامُ الأمر. قال بعضُهم: وهو حسنٌ لولا قولُه «ولِيَذَّكَّر» فإنه منصوبٌ فقط. قلت: لا محذورَ في ذلك فإنَّ قولَه «ولِيَذَّكَّرَ» ليس معطوفاً على ما تقدَّمه، بل متعلِّقٌ بفعلٍ مقدر، أي: ولِيَذَّكَّر أَنْزَلْناه وأَوْحيناه. السادس: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ. التقدير: هذا بلاغٌ وهو ليذَّكَّر، قاله ابن عطية. السابع: أنه عطفُ مفردٍ على مفردٍ، أي: هذا بلاغٌ وإنذار، قاله المبرد، وهو تفسيرُ معنى لا إعرابٍ.
الثامن: أنه معطوفٌ على قوله {لِتُخْرِجَ الناس} [إبراهيم: 1] في أولِ السورة. وهذا
غريبٌ جداً. التاسع: قاله أبو البقاء: «المعنى: هذا بلاغٌ للناسِ وللإِنذار، فتعلَّق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جَعَلْتَ» الناس «صفةً، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ تقديره: ولِيُنْذَروا به أُنْزِل وتُلِي» . قلت: فيؤدي التقدير إلى أَنْ يَبْقى التركيبُ: هذا بلاغٌ للإِنذار، والإِنذارُ لا يتأتَّى فيه ذلك.
وقرأ العامَّة: «لِيُنْذَرُوا» مبنياً للمفعول، وقرأ مجاهد وحميد بن قيس:«ولِتُنْذِرُوا» بتاءٍ مضمومة وكسرِ الذال، كأنَّ البلاغَ للعموم والإِنذار للمخاطبين.
وقرأ يحيى بن عُمارة الذارع عن أبيه، وأحمد بن يزيد بن أسيد السلمي. «ولِيُنْذَرُوا» بفتح الياء والذال مِنْ نَذَر بالشيء، أي: عَلِم به فاستعدَّ له، قالوا: ولم يُعرف له مصدرٌ فهو كَعَسَى وغيرِها من الأفعالِ التي لا مصادرَ لها.