المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الرسائل عن فتح القدس: - الرسائل الحربية في عصر الدولة الأيوبية - جـ ٥٨

[محمد نغش]

الفصل: ‌الرسائل عن فتح القدس:

1 سورة النمل آية 40.

ص: 179

‌الرسائل عن فتح القدس:

صدرت الرسائل عن فتح القدس ، سواء قبل الفتح أو بعده، إذ أن المعركة التي خاضها المسلمون لفتح القدس ، والتي تعرف بموقعة حطين المشهورة ، تعد الموقعة الفاصلة ، التي انتصر فيها السلطان صلاح الدين على الصليبيين.

وقد أرسل السلطان صلاح الدين إلى بعض إخوانه ، وهو يجمع الجموع ، ويحشد الحشود في سنة 582 هـ = 1187 م ، استعداد لهذه الموقعة ، جاء فيها:" كتبت هذه المكاتبة من جسر الخشب ظاهر دمشق ، وقد زود السلطان أعز الله أنصاره للغزاة إلى بلاد الكفر ، في عسكر فيه عساكر ، وفي جمع البادي فيه كأنه حاضر ، وفي حشد يتجاوز أن يحمله الناظر ، إلى أن يحمله الخاطر ، وقد نهضت به همة لا يرجى غير الله لانهاضها ، وحجبت به عزمة الله المسؤول في حسم عوارض اعتراضها ، وباع الله نفسا يستمتع أهل افسلم بصفتها ، ويذهب الله الشرك بهيبتها "1.

هذه الرسالة لم تصلنا كاملة ، وهذه القطعة التي بين أيدينا جاء في نهايتها دعاء للقاضي الفاضل بأن تكون موقعة القدس الفاصلة في المعارك الدائرة بين المسلمين والصليبيين ، وأن يستريح النفوس بهذا النصر.

ويرسل السلطان صلاح الدين في سنة 583 هـ = 1188 م رسالى إلى الخليفة العباسي الناصر لدين الله يبشره بهذا الانتصار الرائع.

وهذه الرسالة تعد أهم الرسائل الديوانية في عصر الدولة الأيوبية ، لأنها تحمل البشرى إلى الخليفة العباسي بفتح القدس ، الذي كان لفتحه رنة فرح في العالم الإسلامي كله.

ولفتت هذه الرسالة نظر الباحثين في العصر الحديث ، فاستشهدوا بها في كتاباتهم عن العصر الأيوبي ، وعن أساليب الكتابة فيه ، فمنهم الدكتور شوقي ضيف الذي يصف هذه

1 أبو شامة: الروضتين جـ 2 ص 75.

ص: 179

الرسالة بأنها أروع أثر أدبي عنى القاضي الفاضل به وبتدبيجه 1. ومنهم الدكتور عبد اللطيف حمزة الذي تناول موضوع الرسالة بالتفصيل وركز تحليله بأنها تشتمل على وصف الحرب وآلاته وخاصة المنجنيقات ، ثم ما ترتب عن هذه الموقعة من آثار ، كما أنه اهتم بإظهار الصور البلاغية فيها 2، وكذلك ركز الأستاذ أنيس المقدسي على شرح أسلوب القاضي الفاضل من الناحية البلاغية3.

يصف القاضي الفاضل العدو في هذه الرسالة بأنه في خوف وفزع ، وسلاحه أصبح بلا جدوى ، سيفه كالعصا ، وصرعت عدده وكان الأكثر عددا وحصى ، وكلت حملاته ، وعثرت قدمه ، والقاضي الفاضل يشخص ضعف أسلحته ، فالسيف قد نام جفنه ، والرماح جدعت أنوفها ، فتطهرت الأرض المقدسة من رجسهم ، وأصبحت بيوت المشركين متهدمة ، وأصبحت نيوبهم متكسرة ، وقد أجمعت جيوشهم على تسليم البلاد ، وأذعنوا لكل ما طمع المسلمون فيه من شروط ، فلم تنجهم سيوفهم ، ولا وسعتهم دورهم وأفنيتهم ، وضربت عليهم الذلة والمسكنة.

ويصف لقاء صلاح الدين الأعداء ونصر الله له ، فقد أمكنه من تقتيلهم وأسر بعضهم ، والاستيلاء على أسلحتهم ، ففي هذه المعركة أصابت سيوف المسلمين التفلق ، والرماح تكسرت ، وانطلقت السهام من أقواسها لتنهش فرسان المشركين وشجعانهم.

وأسر ملكهم ومعه صليب الصلبوت ، الذي كانوا يقاتلون تحته أصلب قتال وأصدقه ، ويرونه ميثاقا يبنون عليه أشد عقد وأوثقه. وكذلك أسر المسلمون ساداتهم ، ولم يفلت منهم إلا القومص بحيلته ومكره ، ولكن أدركته المنية بعد أيام من هربه.

ثم يلي هذا اللقاء الذي انكسرت فيه شوكة الأعداء ، أن تسقط البلاد في يد السلطان صلاح الدين بلدا بلدا ، ويرتفع الراية العباسية خفاقة عالية ، وتبدل المذابح منائر والكنائس مساجد.

ويبقى القدس وقد اجتمع منهم وبعيد ، وظنوا أنها من الله مانعتهم ، وأن كنيستها إلى الله شافعتهم.

1 الفن ومذاهبه في النشر العربي ص 371.

2 الأدب المصري ص 181 ، 185.

3 تطور الأساليب النثرية ص 293 ، 294.

ص: 180

وبالرغم من استماتة الأعداء في القتال وتكاثرهم ، واتخاذهم الأسوار المنيعة والأبرجة المنيفة ، والودية العميقة ، والأماكن الوعرة الحصينة ، فقد نفذ السلطان برجاله إليهم ، وأحاط بهم ، فأخذوا يراسلونه بقصد مراوضته حتى تصلهم النجدة ، ولكنه كشف حيلتهم ، وأنزل الهزيمة الساحقة بهم ، إذ أخذت المنجنيقات تضرب في جوانب السور ، كما انطلقت سهامها تتخلل شرفاته كما يتخلل السواك ثنايا الفم ، وكان المنجنيق في أثناء ذلك كله يعلو في السماء حينا ، وينخفض إلى الأرض حينا كأنه النسر ، واستطاع المنجنيق كذلك أن يشق فتحات الأبراج التي تتخلل السوار جميعها من الناس ، كما خلا ميدان القتال نفسه من الجند ، أما النقابون فقد استطاعوا أن يكشفوا النقاب عن هذه الحرب الزبون ، يدكوا هذه الحصون حنى عادت سيرتها الأولى من الطوب والحجارة ، ثم عاد المنجنيق إلى تلك الصخور التي أمامه بمعوله طحنا ، وما زال يضربها ضربا حتى لم يعد لها أثر.

وسمعت الصخرة الشريف لتلك الصخور أنينها واستغاثتها وحنينها ، فرقت لها ، وعجبت لخرابها ، وعاد النقابون ففتحوا أبوابا أخرى في السور أيأست العدو من النجاة ، وصاح الكاتب عندها: واحسرتاه 1.

1 الدكتور عبد اللطيف حمزة _ الأدب المصري ص 184 ، 185.

ص: 181