الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبدا، بل المراد أنه شاهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم: أي لشهوده بعض مشاهدهم التي تكون عند الأصنام.
وقال غيره: والمراد بالمشاهد التي شهدها: أي التي كان يشهدها مشاهد الحلف ونحوها كالضيافات الآتي بيانها لا مشاهدة استلام الأصنام، فإنه يرده ما تقدم عن أم أيمن انتهى: أي من قولها إن بوانة كان صنما لقريش تعظمه وتعتكف عليه يوما إلى الليل في كل سنة إلى آخره: أي ويرده أيضا ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم لبحيرا لما حلفه باللات والعزى: لا تسألني بهما؟ فإني والله ما أبغضت شيئا قط بغضهما، لأن مثل اللات والعزى غيرهما من الأصنام في ذلك، وما سيأتي من قوله صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله تعالى عنها:«والله ما أبغضت بغض هذه الأصنام شيئا قط» وما جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لما نشأت بغضت إليّ الأوثان، وبغض إليّ الشعر» والله سبحانه وتعالى أعلم.
باب: رعيته صلى الله عليه وسلم الغنم
قال: رعيته بكسر الراء، المراد الهيئة انتهى.
أقول: المبين في هذا الباب إنما هو فعله صلى الله عليه وسلم الذي هو رعيه للغنم، لا بيان هيئة رعيه للغنم، فرعيته بفتح الراء لا بكسرها، والله أعلم.
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، قال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط» أي وهي أجزاء من الدراهم والدنانير يشترى بها الحوائج الحقيرة. قال سويد بن سعيد: بعني كل شاة بقيراط، وقيل القراريط موضع بمكة.
فقد قال إبراهيم الحربي: قراريط موضع، ولم يرد بذلك القراريط من الفضة أي والذهب، قال: وأيد هذا الثاني بأن العرب لم تكن تعرف القراريط التي هي قطع الذهب والفضة بدليل أنه جاء في الصحيح «ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط» ولأنه جاء في بعض الروايات «لأهلي» ولا يرعى لأهله بأجرة: أي كما قضت بذلك العادة. وأيضا جاء في بعض الروايات بدل بالقراريط «بأجياد» فدل ذلك على أن القراريط اسم محل، عبر عنه تارة بالقراريط وتارة بأجياد.
وردّ بأن أهل مكة لا يعرفون بها محلا يقال له القراريط، وحينئذ يكون أراد بأهله أهل مكة لا أقاربه التي تقضي العادة بأنه لا يرعى لهم بالأجرة، والإضافة تأتي لأدنى ملابسة، ويدل لذلك ما جاء في رواية البخاري «كنت أرعاها» أي الغنم «على قراريط لأهل مكة» وذكره البخاري كذلك في باب الإجارة، وذلك يبعد أن المراد بالقراريط المحل، وجعل على بمعنى الباء.
ويردّ القول بأن العرب لم تكن تعرف القراريط التي هي قطع الدراهم والدنانير: أي ويمنع دلالة قوله صلى الله عليه وسلم «ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط» على ذلك لجواز أن يكون المراد يذكر فيها القيراط كثيرا لكثرة التعامل به فيها، أو أن المراد بالقيراط ما يذكر في المساحة.
وجمع الحافظ ابن حجر بأنه رعى لأهله أي أقاربه بغير أجرة، ولغيرهم بأجرة، والمراد بقوله «أهلي» أهل مكة: أي الشامل لأقاربه ولغيرهم. قال: فيتجه الخبران ويكون في أحد الحديثين بين الأجرة أي التي هي القراريط، وفي الآخر بين المكان:
أي الذي هو أجياد، فلا تنافي في ذلك، هذا كلامه ملخصا. وعبارته تقتضي وقوع الأمرين منه صلى الله عليه وسلم، وهو مما يتوقف على النقل في ذلك.
قال ابن الجوزي: كان موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم رعاة غنم. وهذا يرد قول بعضهم لم يرد ابن إسحق برعايته صلى الله عليه وسلم الغنم إلا رعايته لها في بني سعد مع أخيه من الرضاع: أي وقد يتوقف في كون قول ابن الجوزي هذا بمجرده يردّ قول هذا البعض، نعم يرده ما تقدم وما يأتي. وفي الهدى أنه صلى الله عليه وسلم آجر نفسه قبل النبوة في رعية الغنم.
ومن حكمة الله عز وجل في ذلك أن الرجل إذا استرعى الغنم التي هي أضعف البهائم سكن قلبه الرأفة واللطف تعطفا، فإذا انتقل من ذلك إلى رعاية الخلق كان قد هذب أولا من الحدة الطبيعية والظلم الغريزي، فيكون في أعدل الأحوال. ووقع الافتخار بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم: أي عند النبي صلى الله عليه وسلم، فاستطال أصحاب الإبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم وبعثت أنا وأنا راعي غنم أهلي بأجياد» أي وهو موضع بأسفل مكة من شعابها، ويقال له جياد بغير همزة، ولعل المراد بقوله:«راعي غنم» أي وكذا قوله: «وأنا راعي غنم» أي وقد رعى الغنم، وقد رعيت الغنم، إذ الأخذ بظاهر الحالية بعيد، ولتنظر حكمة الاقتصار على من ذكر من الأنبياء مع قوله السابق:«ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم» وما يأتي من قوله «وما من نبي إلا وقد رعاها» وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الغنم بركة والإبل عز لأهلها» وقال في الغنم «سمنها معاشنا، وصوفها رياشنا، ودفؤها كساؤنا» وفي رواية «سمنها معاش، وصوفها رياش» أي وفي الحديث «الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم» ولعل هذا لا ينافي ما جاء في الأمثال قالوا: أحمق. وفي لفظ: أجهل من راعي ضأن لما بين، لأن الضأن تنفر من كل شيء فيحتاج راعيها إلى جمعها: أي وذلك سبب لحمقه فليتأمل. وفي رواية «الفخر والخيلاء» وفي لفظ «والرياء في أهل الخيل والوبر» قال: وفيما تقدم في الباب قبل هذا من أمر السمر دليل على ذلك: أي على رعايته للغنم أيضا، وما رواه