المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع الثالث ما يتوقف عليه من حيث بقاء الحكم [أو](1)رفعه، وهو"النسخ "وأحكامه - الفوائد السنية في شرح الألفية - جـ ٤

[شمس الدين البرماوي]

الفصل: ‌النوع الثالث ما يتوقف عليه من حيث بقاء الحكم [أو](1)رفعه، وهو"النسخ "وأحكامه

‌النوع الثالث ما يتوقف عليه مِن حيث بقاء الحُكم [أو]

(1)

رَفْعه، وهو"النَّسْخ "وأحكامه

تقدَّم أنَّ الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة مُتوقِّف على مَعرفة ثلاثة أشياء: طريق ثبوتها في نفسها من حيث نقلها، وثبوت معرفة لغة العرب وأقسامها، ومعرفة أحكام المهم من أقسام اللغة.

وقد فرغنا مِن الأولَين، فالثالث ما يتوقف مِن حيث بقاء الحكم أو ارتفاعه، وهو بيان النَّسخ وأحكامه.

فأما بيان حقيقة النسخ فقد أشرت إليه بقولي:

ص:

720 -

"النَّسْخُ": رَفْعُ الْحُكْمِ حَيْثُ شُرِعَا

أَيِ: التَّعَلُّقُ الَّذِي قَدْ وُضِعَا

721 -

بِمَا مِنَ الْخِطَابِ جَا في الشِّرْعَةِ

فَهْوَ بَيَانٌ لِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ

722 -

لَا الرَّفْعُ لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّهْ

وَلَا سُقُوطُ الْعُضْوِ بِالْكُلمهْ

723 -

فَحُكْمُ ذَيْنِ ثَابِتٌ بِالْعَقْل

وَالنَّسْخُ وَاقِعٌ صَحِيحُ النَّقْلِ

الشَّرح:

"النَّسخ" في اللغة يُطْلَق على:

(1)

في (ص): و.

ص: 1779

- الإزالة، كـ "نسخت الشمس الظل"، أي: أزالته.

- وعلى النَّقل مع عدم بقاء الأول، كالمناسخات في المواريث. ومنه قول بعض المبتدعة بالتناسخ فى الأرواح، يزعمون أنَّ الأرواح تنتقل مِن هيكل إلى هيكل.

- وعلى النقل مع بقاء الأول، فيكون المراد مماثلته، كنَسخ الكتاب، ومنه قوله تعالى:{إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29].

فقيل: مشترك بَيْن الإزالة والنَّقل. وعليه القاضي والغزالي.

وقيل: حقيقة في الأول فقط. وهو قول الأكثرين كما قاله الهندي، وهو المختار.

وقيل عكسه، وعليه القفال الشاشي.

وقيل: للقدر المشترك بينهما وهو الرفع، فيكون متواطئًا. وبه قال ابن المنير في "شرح البرهان"، ولكن لا يتأتى ذلك في نحو نسخ الكتاب؛ إذْ لا رفع فيه.

ثم قيل: الخُلْفُ لفظي.

وقيل: معنوي، تظهر فائدته في جواز النَّسخ بلا بدل.

وفيه نظر؛ لأن المدار على الحقائق العُرفية، لا اللغوية.

وأيضًا فهو يُبْنَى على أنَّ الاصطلاحي نُقل من اللغوية كما نُقِلَت "الصلاة" إلى الشرعية. وإليه ذهب بعض المتكلمين، لكن الأظهر أنه كنقل "الدابة"، فنُقل من الأَعم إلى أخص.

وأما "النَّسخ" في الاصطلاح فقد اختُلِفَ في أنه "رفع" أو "بيان".

فمَن قال: رَفْع، قال في تعريفه: رَفْع حُكم شرعي بخطاب شرعي.

ومَن قال بيان، قال: هو بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ.

ولَمَّا كان الأَرجح الأول (وبه قال أكثر المحققين من الأصوليين، كالصيرفي والشيخ أبي إسحاق والقاضي والغزالي، وبه قال الآمدي وابن الحاجب والأبياري)، جريتُ عليه في

ص: 1780

النَّظم، وأشرتُ إلى جواب شُبهة مقابِلهِ.

ومعناه: أنه لولا مجيء النَّسخ لَتقِي ذلك الحكم.

وذهب الأستاذ وإمام الحرمين وأكثر الفقهاء إلى أنه بيان، ومعناه أنَّ الناسخ بَيَّن أنَّ الأول انتهى التكليف به. وأنكروا كونه رَفْعًا؛ بناءً على أنَّ الحكم راجع إلى كلام الله تعالى وهو قديم، والقديم لا يرتفع.

لكن جوابه أنَّ المرفوع هو تَعلُّق الحكم، والتعلق حادث كما سبق بيانه أول الكتاب.

فقد اتفق القولان على أنَّ الحكم الأول انعدم تَعلُّقه، لا ذاته، وعلى أنَّ الخطاب الثاني هو الذي حقق زوال الأول.

وإنما اختلفا في أنَّ الرافع هو الثاني، حتى لو لم يجئ، لَتقي الأول؟ أو يقال: إنَّ الأول له غاية لا نَعلمها، فلمَّا جاء الدليل، بيَن انتهاءها، حتى لو لم يجئ، كان الحكم للأول وإنْ لم نعلمه؟

لكن قد سبق أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فرجع القول الثاني للأول؛ فلذلك أشرتُ بقولى:(فَهْوَ بَيَان لِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ) إلى رجوعه إليه.

وينحل الفرق بينهما إلى أنه زال به، أو زال عنده، لا بِه. ولكن لما لم يُعلم الزوال إلا به، استوى القولان.

ونظير هذا الخلافِ الخلافُ عند المتكلمين في أنَّ زوال الأعراض بالذات أو بالضد. فإنَّ مَن قال ببقائها، لمحال: إنما ينعدم الضد المتقدِّم بطريان الطارئ، ولولاه لَتقي. ومَن لم يَقُل ببقائها، قال: إنه ينعدم بنفسه، ويحدث الضد الطارئ، وليس له تأثير في إعدام الضد الأول.

ونظيره في الفقهيات الزائل العائد كالذي لم يَزُل، أو كالذي لم يَعُد.

فالذي يقول بالأول: يجعل العَوْد بيانًا لاستمرار حُكم الأول.

ص: 1781

والقائل بالثاني يقول: ارتفع الحكم الأول بالزوال، فلا يرجع حُكمه بالعَود.

وقد ظهر بهذا التقرير أنَّ النزاع ليس لفظيًّا مِن كل وجه، بل معنوي، لكن يعود القولان إلى مقصد واحد بالاعتبار الذي سبق.

ومما يشبه ذلك تعبيرهم في الحدث بِـ "نواقض الوضوء"، و"انتقض الوضوء" كما هو رأي ابن القاص، وعبر به صاحب "التنبيه" وجمعٌ وإنْ فرَّ منه الأكثرون؛ لعدم الرفع فيه. لكن الأول أيضًا صحيح؛ لِمَا سبق.

ونحوه: الفسخ للعقود هل هو مِن حين الفسخ؟ أو مِن الأصل؟

فمَن قال: مِن حينه، جعله كالنسخ هنا؛ لأنَّ المراد انتهاء المدة، لا الرفع من الأصل؛ لأن الواقع لا يرتفع. فمَن أفسد هذه العبارة بهذه الشبهة، يُجاب بذلك.

إذا عَرفْتَ ذلك، رجعنا إلى شرح التعريف.

فقولنا: (رَفْع): جنس. وقولنا: (حُكم شرعي) خرج به المباح بحكم الأصل عند القائل به؛ فإنَّ ذلك بحكم عقلي، لا شرعي. فإذا خرج فَرْد مِن تلك الأفراد، فلا يُسمى نَسخًا.

ولهذا اعتُرِضَ على مالك في قوله: (إنَّ الكلام كان مباحًا في الصلاة في ابتداء الإسلام على الإطلاق، ثُمَّ نُسخ فيما لا يتعلق بمصلحة الصلاة بالإجماع، وبقي ما سواه على أصل الإباحة) بأنَّ هذا ليس بِنَسخ؛ لأن إباحة الكلام إنما كانت على الأصل، لا بخطاب شرعي.

وقولنا: (بخطاب شرعي) خرج به ما زال الحكم فيه بأمر عقلي كالموت والجنون والنوم والغفلة ونحو ذلك.

وزاد ابن الحاجب: "متأخِّر"؛ ليخرج ما لو قال: (صلِّ عند كل زوال إلى آخِر الشهر)، و [نحوه]

(1)

المخصصات المتصلة كلها؛ فإنها إخراج بدليل شرعي لكن مقارِن، لا متأخِّر.

(1)

كذا في (ص، س)، لكن في (ق): نحوه من.

ص: 1782

وإنما لم أذكر في التعريف هذا القيد؛ لأنَّ الرفع يستدعي ثبوت حُكم، والحُكم لم يثبت بأول الكلام؛ إذِ الكلام بآخِره، فكيف يرفع؟ وأيضا فيُستغنَى عن قيد "التأخر" بقولنا:(بخطاب شرعي)، فإنه إذا لم يتأخر، فكيف يكون رافعًا؟

وأيضا فالمخصِّصات [المتصلة]

(1)

متأخِّرة لفظًا، فلا يُخرجها قوله:(متأخر). ولهذا أَبْدَل بعضهم "متأخر" بـ "مُتراخٍ"؛ لتخرج المخصِّصات المتصلة.

والكل لا يُحتاج إليه؛ لِمَا قررناه.

ومما يَخرُج بقولنا: (بخطاب شرعي) مَنْ سقطت رِجْلاه، فإنه لا يقال فيه: إنه رفع بدليل شرعي، بل بالعقل. وما وقع للإمام الرازي في "المحصول" مِن جَعْل ذلك نَسخًا فضعيف.

وهذا كله معنى قولي: (لَا الرَّفْعُ لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّهْ) إلى آخره.

فإن قيل: النسخ قد يقع بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُقال فيه:"خطاب"، فكان الصواب التعبير بِ "دليل شرعي" كما عبَّر به ابن الحاجب، أو بِ "طريق شرعي" كما عبر به البيضاوي؛ ليدخل فيه الفعل. فقد جعل الأئمة منه نَسخ الوضوء مما مست النار بأكل الشاة ولم يتوضأ صلى الله عليه وسلم.

قيل: الفعل ونحوه هو مِن خطاب الشارع؛ لأنَّ المراد به كل ما وَرَدَ مِن الشرح دليلاً على حُكم فإنه يُسمى "خطابًا"؛ لأن الخطاب قديم وهو كلام الله تعالى، واللفظ والفعل دالَّان عليه.

أو يقال: إنَّ الفعل حيث قلنا: (ناسخ) فإنما المراد أنه دالّ على ناسخ، لا أن الفعل نفسه ناسخ؛ لأن للفعل أزمنة متعاقبة فلو كان هو الناسخ، لَمَا تَحقَّق نَسخ إلا بعد انقضائه، فكان

(1)

في (ص، ق): المنفصلة.

ص: 1783

قبل انقضائه واقعًا على خِلاف الحكم الثابت، وهو مُحَال. كذا قاله السبكي.

وفيه نظر؛ لإطلاق العلماء أنَّ الفعل ناسخ ومخصِّص، ولا يقال: تضمن ناسخًا ومخصِّصًا.

وأما ما تعلق به مِن كون الفعل له أوقات متعاقبة فمُسلَّم، ولكن نحن نقول بابتداء الفعل وَقَعَ النَّسخ، ولكن لم يُعْلم حتى انقضى الفعل، فلا يتضمن سَبْق شيء آخَر على الفعل.

وإنما احتجنا لمثل ذلك في قولنا: (الإجماع على خلاف نَص يتضمن ناسخًا)؛ لأن النسخ لا يكون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا أجمعوا، عَلِمْنَا أنَّ ثَمَّ ناسخًا كان قبل وفاته.

وأما إذا أجمعت الأُمَّة على قولين وقُلنا: (إنَّ الحكم في العامِّي أنْ يأخذ بما شاء من القولين) ثم إذا مات أحد الفريقين أو رجعوا للفريق الآخَر وقُلنا: (صار إجماعًا)، فقد تَغيَّر الحكم الذي ثبت بعد وفاته بحكم ثبت بَعْده، فليس مِن قبيل النسخ، بل كان الحكم خفيًّا ثم ظهر بالإجماع، والتخيير إنما كان لخفائه وللانحصار فيهما.

فإنْ قلتَ: سيأتي مِن أقسام النَّسخ أنه يُنسخ اللفظ ويبقى الحكم وليس فيه رَفْع حُكم، بل رَفْع لفظ.

قلتُ: تَضمن رَفْع أحكام كثيرة، كالتعبد بتلاوته، وإجراء حُكم القرآن عليه في منع الجُنب ونحوه مِن قراءته ومَس المُحْدِث إياه وحَمْله، وإبطال التلفُّظ به الصلاة، وغير ذلك.

وقد حكى ابن الحاجب وغيره تعريفات أخرى للأئمة زيَّفوها، فلا حاجة للتطويل بها. بل وتزييفها يُعْرَف مِن تَأمُّل التعريف الصحيح وما وَقَعَت به المخالفة، فالاشتغال بأهم مِن ذلك أَوْلى.

فإنْ قيل: التخصيص منه ما هو نَسخ (كالواقع بعد زمان الفعل) وغَيْر نسخ (وهو

ص: 1784

بخلافه كما سبق) فمِن أين يدخل النَّسخ في تعريفه ويخرج غير النَّسخ مِن تعريفه؟

قلتُ: ما كان قبل وقت الفعل لم يتقرر فيه حُكم حتى يرتفع، وما كان بعده فقد تَقرر الحكم، فبالتخصيص ارتفع، وهذا ظاهر.

تنبيهات

الأول: قال الشافعي في "الأم": النَّاسخ مِن القرآن: الأمر يُنزله الله بَعد الأمر بخلافه، كما حُوِّلَت القبلة.

وقال في "الرسالة": (وهكذا كل ما نسخ الله تعالى وفي نَسْخه تَرْك فَرضِه، فكان حقًّا في وقته، وتَرْكه حق إذا نسخه، فيكون مَن أدرك فرَضَه [قطعنا]

(1)

باتِّباع الفرض الناسخ له)

(2)

.

وأورد أمورًا ودقائق فيه لم يُسبَق بمثلها.

قال ابن الصلاح في "علوم الحديث": (روينا عن الزهري رضي الله عنه أنه قال: أَعْيَا الفقهاء وأَعْجزهم أنْ يعرفوا ناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن مَنسوخه، وكان للشافعي فيه يَدٌ طُولى وسابقة أُولَى. قال أحمد: ما عَلِمْنا المجمَل مِن المفسَّر ولا ناسخ الحديث مِن مَنسوخِه حتى جالسنا الشافعي)

(3)

.

ثم قال (وفيمن عاناه من أهل الحديث مَن أَدْخل فيه ماليس منه؛ لخفاء معنى النَّسخ

(1)

في (ش): قطعيا. وفي سائر النُّسخ: قطعنا. وعبارة الشافعي في "الرسالة، ص 122": (فيكون مَن أدرك فرضَه مُطِيعًا به وبتركه، ومَن لم يُدْرِك فرضَه مُطِيعًا باتِّباع الفرْضِ الناسِخ له).

(2)

الرسالة (ص 122).

(3)

مقدمة ابن الصلاح (ص 276).

ص: 1785

وشرطه. وهو عبارة عن رَفْع الشَّارع حُكْمًا مِنه مُتقدِّمًا بحكم منه متأخر).

قال: (وهذا حَدٌّ وقع لنا سالِمٌ مِن اعتراضات وَردَت على غيره)

(1)

. انتهى

الثاني: جَمَعَ كثير مِن العلماء ناسخ القرآن ومنسوخه، منهم قتادة بن دعامة السدوسي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو داود السجستاني، وأبو جعفر النحاس، وهبة الله بن سلامة الضرير، وابن العربي، وابن الجوزي، وابن الأنباري، ومكي وغيرهم.

لكن يتسامحون كثيرًا في التخصيص للعمومات فيسمونها "نَسخًا"، وكذا فيمن صَنَّف في ناسخ الحديث ومَنسوخه.

والنَّسخ إنما يكون للكل أو للبعض بِشرط دخول وقت الفعل كما بيناه، فينبغي لمن يتتبعه أن يتأمل ذلك وَيرُدَّ كلَّ شيءٍ إلى قاعدته.

ومن أطريف،

(2)

ما حُكي في كتاب هبة الله أنه قال في قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)} [الإنسان: 8]: إنَّ {وَأَسِيرًا} مَنسوخ؛ لأنَّ أسرى المشركين خارجة مِن ذلك. فلما سمعته ابنته يقرأ ذلك قالت له: أخطأتَ يا أَبتِ. فقال: ولمَ؛ قالت: أجمع المسلمون على أنَّ الأسير يُطْعَم ولا يُقتل جوعًا.

الثالث: قال العلماء: لا يجوز لأحد أنْ يُفسِّر كتاب الله تعالى حتى يعرف الناسخ والمنسوخ.

وروى أبو جعفر النحاس بسنده إلى عِلي رضي الله عنه أنه مَرَّ برَجُل يَقُصُّ، فقال: أَعرفتَ الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: هَلَكتَ وأَهلَكت

(3)

.

(1)

مقدمة ابن الصلاح (ص 276).

(2)

في (ش، ت، س): ظريف.

(3)

الناسخ والمنسوخ (ص 49).

ص: 1786

وعن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]: هي مَعرِفة القرآن ناسخه ومَنسوخه، ومحُكَمه ومُتشابهه، ومُقدمه ومؤخره، وحرامه وحلاله، وأمثاله

(1)

.

وقولي: (وَالنَّسْخُ وَاقِعٌ صَحِيحُ النَّقْلِ) هو شروع في ما يتعلق بالنسخ بعد معرفة حقيقته. فمن ذلك أنَّ النَّسخ هل يجوز؟ أوْ لا؟ وهل وقع؟ أو لا؟

فأمَّا الجواز فالمخالِف فيه اليهود -غير العيسوية- وبعض غلاة الرافضة، ونقله الشيخ أبو إسحاق وسليم والإمام الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني مِن المعتزلة، إلا أنه صرَّح بأنَّ المنع إنما هو في القرآن خاصةً، لا على الإطلاق.

ونقل الآمدي وابن الحاجب عن أبي مُسلِم أنه يخالف في الوقوع، لا في الجواز.

ومنهم مَن قال: إنه جائز عقلًا. حكاه أبو زيد عن بعض المسلمين ممن لا يُعتد بخلافه.

ثم المانع مِن جوازه منهم مَن قال: لأنه يستلزم البداء، وهو محُال. وإنْ جَوَّزه الرافضة.

ومنهم مَن سّمَاه "تخصيصًا".

وقيل غير ذلك، والكل باطل، فالصواب جوازه عقلًا وشرعًا.

وأما الوقوع فواقع لا محالة، وَيلزم مِن ذلك الجواز؛ فلذلك اقتصرتُ في النَّظم على مسألة الوقوع.

وقولي: (صَحِيحُ النَّقلِ) أي: كونه واقعًا صحيح النقل ما بين تَواتُر وآحاد كما سيأتي تفصيله في الباب.

(1)

الناسخ والمنسوخ (ص 50).

ص: 1787

نعم للنسخ شروط منها:

كَوْن المنسوخ حُكما شرعيًّا لا عقليًّا، وأنْ [يكون منفصلًا]

(1)

متأخرًا عن المنسوخ، وأن يكون النسخ بخطاب شرعي، وأن لا يكون المنسوخ مُقيَّدًا بوقت ينتهي بانتهائه. وقد علمت هذه الشروط من تعريفه، وسبق شرحها.

ومنها: أن يكون النَّاسخ أقوى مِن المنسوخ أو مِثله، لا أَضْعَف منه.

قال إلْكِيَا: والعقلُ يقضي بهذا، ودَلَّ عليه الإجماع.

ومنها: أنْ يكون المنسوخ مما يجوز أنْ يكون مشروعًا وأنْ لا يكون، فلا يدخل النَّسخ أصل التوحيد بحال؛ لأنَّ الله تعالى بأسمائه وصفاته لم يَزَل ولا يزال، ومنها ما عُلِمَ بالدليل أنه مُتَأَبد، كشريعة نبينا محمد

(2)

صلى الله عليه وسلم.

ومنها: أن لا يكون مما هو على صِفة واحدة لا يتغير، كمعرفة الله تعالى مما يجب له ويستحيل عليه ويجوز له؛ ولهذا يمتنع نَسخ الأخبار كما سيأتي؛ إذ لا يُتصور وقوعها على خِلاف ما وقعت عليه.

أما المعلَّق بلفظ "أبدًا" ونحوه فسيأتي بيانه.

ومنها: أن يكون بَيْن الناسخ والمنسوخ تَعارض.

وقد يقال: لا يحتاج لهذا الشرط، لأن هذا مِن ضرورة تَصوُّر النَّسخ؛ لأنه إذا أمكن

(1)

كذا في جميع النُّسخ، وعبارة الزركشي في (البحر المحيط، 3/ 157): (أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُنْفَصِلًا عَن الْمَنْسُوخِ، مُتَأَخِّرًا عَنْهُ).

(2)

عبارة الزركشي في (البحر المحيط، 3/ 158): (فَلَا يَدْخُلُ النَّسْخُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ بِحَالٍ، لِأَنَّ الله تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَكَذَا مَا عُلِمَ بِالنَّصِّ أنَّهُ يَتأبَّدُ وَلَا يَتَأَقَّتُ فَلَا يَدْخُلُهُ نَسْخ، كَشَرِيعَتِنَا هذه).

ص: 1788

الجمع، فلا تَعارض؛ فلا نَسخ. فلهذا لا يقال: نُسِخ صوم عاشوراء برمضان، ولا كل صدقة بالزكاة. غايته أنه وافق نَسخ وجوب صوم عاشوراء (على تقدير صحة ذلك) فَرض رمضان، ووافق رَفعُ فَرْضٍ غير الزكاة فرضَ الزكاة، فالنسخ واقع عند ذلك، لا بِه، ولذلك فائدة تظهر فيما بَعْد في بعض المسائل.

تنبيه:

كان شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص البلقيني يَعيبُ على الأصوليين ذكر خلاف اليهود في النَّسخ ويقول: الكلام في أصول الفقه فيما هو مُقرَّر في الإسلام وفي اختلاف الفِرق الإسلامية، أما خلاف الكفار فإنما يناسب ذِكره في كُتب أصول الدين.

وأما أبو مُسلِم فهو محمد بن بَحر الأصفهاني. قال ابن السمعاني: (وهو رجل معروف بالعلم وإنْ كان قد انتسب إلى المعتزلة، ويُعد منهم، وله كتاب كبير في التفسير، وله كتب كثيرة، فلا أدري كيف وقع هذا الخلاف منه؟ ! ). انتهى

قال السبكي: (وقد وقفتُ على تفسيره، وليس هو الجاحظ كما تَوهمه بعضهم).

قال: (وأنا أقول: الإنصاف أنَّ الخلاف بين أبي مُسلِم والجماعة لفظي، وذلك أن أبا مُسلِم يجعل ما كان مُغَيًّا في عِلم الله تعالى كما هو مُغَيًّا باللفظ، وسمَّى الجميع "تخصيصًا"، ولا فرق عنده بَيْن أن يقول:{أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] وأن يقول: "صوموا" مُطْلَقًا

(1)

وعِلمه محيط بأنه سينزل: "لا تصوموا وقت الليل". والجماعة يجعلون الأول تخصيصًّا والثاني نَسخا. ولو أنكر أبو مسلم النسخ، لَزِمَه إنكار شريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإنما يقول: كانت شريعة السابقين مُغيَّاة إلى مبعثه صلى الله عليه وسلم. وبهذا يتضح لك الخلاف الذي حكاه بعضهم في أنَّ هذه الشريعة مخصِّصة للشراع السابقة؟ أو ناسخة؟ فهي منتهية إلى مبعث

(1)

يعني: الأمر بالصوم غير مقَيَّد بوقت.

ص: 1789

نبيِّنا قطعًا، وما تَجدد في شرعنا موافقًا لبعض شرائعهم فليس لكونها باقية، بل كل مشروع مفتتح التشريع)

(1)

.

ثم قال: (إنَّ ما ادَّعاه ابن الحاجب مِن الإجماع على أن شريعتنا ناسخة فصحيح، ولا ينافيه حكاية بعضهم الخلاف في كونه تخصيصًا أو نسخًا؛ لِما قررناه، فالخلاف لفظي).

ثم قال: (وسيكون لنا عودة إلى ذِكر ذلك عند المسألة)

(2)

.

أي: مسألة شرع مَن قبلنا هل هو شرع لنا؟ والله أعلم.

ص:

724 -

وَلَوْ يَكُونُ ذَاكَ قَبْلَ الْفِعْلِ

في قِصَّةِ الذَّبِيحِ هَذَا مَجْلِي

الشَّرح:

أي: لا يُشترط في النَّسخ أنْ يَرِد الناسخ بَعْد فِعل المنسوخ، بل يجوز أن يَرِد قبل فِعله. أي: قبل التمكن منه؛ فلذلك لم نعُد هذا مِن شروط النسخ.

كما لو قال: (حجُّوا هذه السَّنة)، ثم يقول قَبْلَه

(3)

: (لا تحجُّوا).

وخالف في ذلك الصيرفي والمعتزلة وأكثر الحنفية كما حكاه ابن السمعاني، ونقله غيره عن أكثر الحنابلة أيضًا، فمنعوا ذلك. ولكن الجمهور على الجواز. وقال القاضي في "التقريب": إنه قول جميع أهل الحق.

(1)

رفع الحاجب (4/ 47).

(2)

رفع الحاجب (4/ 48).

(3)

يعني: قبل أن يحجوا.

ص: 1790

دليله أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام أمره الله عز وجل بذَبْح ولده، ثم نسخ ذلك عنه قبل الفعل.

أما كَوْنه أمره بالذَّبح فدليله قوله: {يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102] جوابًا لقوله: {يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102]، ولقوله تعالى:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} [الصافات: 106]، وذلك الذَّبح؛ لأنَّ مقدماته لا توصَف بمثل ذلك، ولقوله:{وَفَدَيْنَاهُ} ، فلو لم يكن أُمِر بذبحه، لَمَا احتاج للفداء.

وأما كَوْنه نَسخ فإنه لو لم يُنسخ لَوُجِد الذبح؛ لضرورة الامتثال، لكنه لم يذبح؛ فدلَّ على النسخ، وشاهِدُه:{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} .

وهذا كله جَلي؛ فلذلك قلتُ في النَّظم: (في قِصَّةِ الذَّبِيحِ هَذَا مَجلي).

وللخصوم أجوبة وشُبَه ليس للتطويل بها فائدة غير تحقيق الدليل، ولَسنا بصدد الأدلة.

[نعم]

(1)

، وقع اضطراب في التعبير عن المسألة، فعبَّر ابن الحاجب بِ "النَّسْخ قبل وقت الفعل"

(2)

.

قيل: وهي قاصرة عن الغرض وإنْ كانت عبارة الأكثرين، وإنَّ الأحسن في التعبير أن يقال:"نَسْخ الشيء قبل مُضِي مقدار ما يَسَعُه مِن وقته"؛ ليدخل فيه ما إذا حضر وقت العمل ولكن لم يمضِ مقدار ما يسعه، فإنَّ هذه الصورة في محل النزاع أيضًا.

وقد يجاب بأنَّ المراد بما قبل الوقت: ما قبل خروجه، لا قبل دخول وقته فقط. وحينئذٍ فيشمل الأمرين، ويكون هذا مواففا للتعبير بِ "النسخ قَبْل التمكن مِن الفعل". فيكون المراد بالوقت: ما يمكن فيه الفعل حِسًّا وشرعًا، لا الوقت المقدَّر حتى تكون المسألة خاصة

(1)

كذا في (ص، ق)، لكن في (س): ثم.

(2)

مختصر المنتهى مع شرح الأصفهاني (2/ 512).

ص: 1791

بالمؤقَّت فقط.

وعبَّر البيضاوي بقوله: (يجوز نسخ الوجوب قبل العمل)

(1)

. فوافقته في النَّظم إلا في ذِكر الوجوب، فإنه لا فرق بين الواجب وغيره في ذلك.

وقد تُعُقِّب عليه بأمور تَرِد على كل مَن وافقه، وهو أنه:

- يشمل ما قبل دخول وقت العمل وما بعده قبل مُضِي زمن يَسَعُه، وفي معناه إذا لم يكن له وقت ولكن أُمر به على الفور ثم نُسخ قبل التمكن. وإجراء الخلاف في هذه الثلاثة واضح.

- ويشمل ما بعد خروج الوقت، وليس ذلك من محل الخلاف سواء كان مأمورًا [فيه]

(2)

بالقضاء أو قُلنا: الأمر به يتضمن الأمر بالقضاء. بل جزم ابن الحاجب بأنه لا يجوز، واقتضى كلامه الاتفاق عليه.

- ويشمل ما [قبل]

(3)

خروج الوقت وبَعد التمكُّن مِن فعله، وليس ذلك من محل النزاع؛ فقد حكى الآمدي فيه الاتفاق، وكذا الإمام في "البرهان" وابن برهان في "الوجيز".

ولكن الجواب عن ذلك كله بأنَّ كُلَّ نسخٍ لا بُدَّ أن يكون قَبْل الفعل

(4)

، فَعُلم أنَّ المراد

(1)

منهاج الوصول (ص 186) بتحقيقي.

(2)

كذا في (ص، ق)، لكن في (س): به.

(3)

في (ت)؛ بعد.

(4)

قال الإمام الزركشي في (البحر المحيط، 3/ 169): (قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاق وَالْخَفَّافُ فِي "الخصَالِ": كُلُّ نَسْخٍ فَإِنَّما يَكُونُ قَبْلَ الْفِعْلِ، لِأَنَّ مَا مَضى يَسْتَحِيلُ لحوقُ النسخِ لَهُ، لِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِن الزَّمَانِ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ أَبْطَلَ النسخَ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَلهذَا قَالَ إمَامُ الحرَمَيْنِ: تَرْجَمَةُ الْمَسْأَلةِ بِ "النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ" مخُتلَّةٌ. يَعْنِي لِأَنَّهَا تُفْهِمُ صِحَّةَ النَّسْخِ بَعْدَ الْفِعْلِ، هُوَ=

ص: 1792

بقولنا: (قَبْل الفعل): قَبْل التمكن منه وإنْ لم يفعل. فخرج ما بعد الفعل وما قبله بعد التمكن، فرجعت العبارة إلى ما قَبْل التمكُّن مِن الفعل. والله أعلم.

ص:

725 -

وَذَاكَ لِلْقُرْآنِ كلِّهِ امْتَنَع

وَالْبَعْضُ فِيهِ جَائِز كيْفَ وَقَعْ

726 -

تِلَاوَة أَوْ حُكْما اوْ مَا جُمِعَا

"الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ" في الزِّنَا مَعَا

727 -

فَحُكْمُهَا بَاقٍ، وَلَفْظٌ رُفِعَا

وَفي تَصَدُّقٍ لِنَجْوَى مُنِعَا

728 -

حُكْمٌ، وَلَفْظُهُ مِنَ الْبَاقِي، وَفي

عَشْرٍ مِنَ الرَّضْعَاتِ تَحْرِيم نُفِي

الشَّرح:

الذي يَرِد عليه النسخ إما كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو غير ذلك، فبدأت بالأول.

فنسخ جميع القرآن ممتنعٌ، بالإجماع كما قاله الإمام الرازي وغيره؛ لأنه معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المستمرة على التأبيد {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت: 42]. ففي بعض التفاسير: إنه لا يأتي ما يُبْطِله. وفي بعضها غير ذلك. ولا يمتنع تعميم النفي في كل ما قيل كما في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: 9].

وأما نَسخ بعضه فجائز، خِلافًا لأبي مسلم الأصبهاني كما نقله الإمام عنه.

وقولي: (كَيْفَ وَقَعْ) إلى آخِره -إشارة إلى تقسيم كيفية وقوع النسخ في بعضه، فقسمته إلى ثلاثة أقسام:

= غيرُ صَحِيحِ، وَلَا نَسْخَ أربدًا إلَّا قَبْلَ الْفِعْلِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَهُ رَفْعٌ أوْ بَيَان؛ إذْ لَا يَنْعَطِفُ النَّسْخُ عَلَى سَابِقِ).

ص: 1793

- ما نُسخ تلاوته، وحُكمه باقٍ.

- وما نُسخ حُكمه فقط، وتلاوتُه باقية.

- وما جُمع فيه نسخُ التلاوة والحكم.

وذكرت لكل واحد مثالًا على الترتيب.

فالأول: وهو ما نُسخت تلاوته دُون حُكمه:

مثاله: ما رواه الشافعي عن سعيد بن المسيب، عن عمر قال:(إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أو يقول قائل: لا نجد حَدَّين في كتاب الله تعالى، فلقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لَأثْبتُّها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة"، فإنَّا قد قرأناها)

(1)

. وفي "الصحيحين"

(2)

نحوه.

وقد تابع عمر جمعٌ من الصحابة على ذلك، [كأبي ذر]

(3)

فيما رواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه. وفي رواية أحمد وابن حبان أنها كانت في سورة الأحزاب

(4)

.

وروى زيد بن ثابت في "معجم الطبراني الكبير" -وأبي فيما رواه ابن حبان- قال:

(1)

مسند الإمام الشافعي (ص 163، رقم: 792)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: 16697). قال الألباني في (السلسلة الصحيحة: 2913): (هذا إسناد صحيح -على الخلاف المعروف في سماع سعيد من عمر).

(2)

صحيح البخاري (رقم: 6441)، صحيح مسلم (رقم: 1691).

(3)

كذا في (ص، ق، س، ت، ش)، والصواب كما في كتُب الحديث: أبُي.

(4)

مسند أحمد (21245)، صحيح ابن حبان (4428). قال الألباني: صحيح. (التعليقات الحسان: 4411).

ص: 1794

(كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، فكان فيها: الشيخ والشيخة)

(1)

إلى آخِره، والعجماءُ -فيما رواه الطبراني- قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة"

(2)

.

والمراد بالشيخ والشيخة: المحصنان، حدهما الرجم بالإجماع. فالحكم باقٍ واللفظ مرتفع؛ لرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزًا واليهوديين وغيرهم.

والثاني: ما نُسخ حُكمه وبقي لفظه:

وذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12]. ففي "الترمذي" عن علي أنها لَمَّا نزلت قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ترى دينارًا؟ " قال: لا يطيقونه. قال: "نصف دينار؟ " قال: لا يطيقونه. قال: "ما ترى؟ " قال: شعيرة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك لزهيد"

(3)

.

قال علي: ([فَبِي]

(4)

خفَّف الله عن هذه الأُمة بترك الصدقة، فنزلت: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ

(1)

صحيح ابن حبان (4428)، ولم أجده من رواية زيد بن ثابت رضي الله عنه. قال الألباني: صحيح. (التعليقات الحسان: 4411).

(2)

المعجم الكبير (24/ 350، رقم: 867)، سنن النسائي الكبرى (رقم: 7146) وغيرهما. قال الألباني في (السلسلة الصحيحة: 2913): (رجاله ثقات رجال الشيخين غير مروان بن عثمان. . غمزه النسائي، وقال أبو حاتم: ضعيف. .، جزم الحافظ في "التقريب" بأنه ضعيف. وقال في "الإصابة": متروك).

(3)

سنن الترمذي (رقم: 3300)، سنن النسائي الكبرى (رقم: 8537) وغيرهما. قال الألباني: ضعيف الاسناد. (ضعيف الترمذي: 3300).

(4)

في جميع النسخ: حتى.

ص: 1795

تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}). ثم قال

(1)

: حسن. قال: ومعنى قوله: "شعيرة" أي: وزن شعيرة مِن ذهب.

وأخرجه أيضًا البزار في "مسنده" وقال: الا نعلم روى هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عِلي)

(2)

.

قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن مجاهد، قال: قال عِلي: "ما عمل بها أحد غيري حتى نُسخت". وأحسبه قال: "وما كانت إلا ساعة من نهار"

(3)

.

لكن رُد ما قاله البزار بما في "معجم الطبراني" بسنده

(4)

إلى سعد، قال:"نزلت فِيّ ثلاث آيات من كتاب الله تعالى: تحريم الخمر في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ} [المائدة: 90] الآية، {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: 8] الآية، و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ} الآية". قال: "فقدمت شعيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: إنك لزهيد. فنزلت الآية الأخرى: {أَأَشْفَقْتُمْ} "

(5)

.

ويمثل لهذا القسم أيضًا بالاعتداد في الوفاة بالحول، وهو قوله تعالى:{مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} [البقرة: 240] نُسخ بقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]. وإنما لم أُمثل بهذا المثال وإنْ كان عليه جمهور المفسرين وهو مثال أكثر الأصوليين ونقله البخاري عن ابن عباس؛ لأن مِن العلماء مَن ذهب إلى أنها غير منسوخة، ففي

(1)

يعني: الترمذي.

(2)

مسند البزار (2/ 258، رقم: 668). قال الألباني: ضعيف الإسناد. (ضعيف الترمذي: 3300).

(3)

تفسير عبد الرزاق الصنعاني (3/ 293)، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، تحقيق: د. محمود عبده.

(4)

كذا في (ت)، وفي (س): بسنده. وفي سائر النسخ: بسند.

(5)

المعجم الكبير (1/ 147، رقم: 321).

ص: 1796

"صحيح البخاري" بسنده عن مجاهد أنه قال: (إنها غير منسوخة)

(1)

. وعليه أيضًا أبو مسلم الأصبهاني، وقد سبق أنه يمنع النَّسخ مُطلقًا، أو يمنعه في القرآن وهو المحرَّر في النقل عنه، وقال هنا: إنَّ وَضْع الحمل قد يكون عند تمام حول، فلم يرتفع إلا ما إذَا كان غَيْر الحول، ورفع البعض تخصيص، لا نَسخ.

ورُد: بأن العدة إنما هي وضع الحمل، لا بالمدة. وإنْ صادف موافقة، فخصوص السَّنة فيه لَغْو لا عِبرة به.

وهذا وإن كان جوابًا صحيحًا لكن أبو مسلم ومجاهد لم يمنعا النَّسخ لِمَا ذُكِر حتى يجاب عنه به.

فأما مجاهد فإنه قال: إنِ اختارت السكنى، اعتدت بحول كما في إحدى الآيتين، وإنْ لم تختر، فبأربعة أشهر وعشر كما في الآية الأخرى.

فلا تَعارُض؛ فلا نَسخ.

وأما أبو مُسلم: فإنَّ عدة الحول عنده لمن أوصى زوجها لها بنفقة حول وسكناه، فإنْ خرجت قَبْله وخالفت وصية زوجها بعد المدة التي ضربها الله تعالى لها وهي أربعة أشهر وعشر، كان لها أن تتزوج؛ لأنَّ الجاهلية كانوا يوجبون الحول؛ لأنَّ الزوج كان يوصي

(1)

صحيح البخاري (رقم: 4257) قال: (عَنْ مُجَاهِد: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ العِدَّةُ تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِب، فَأنزَلَ الله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، قَالَ: جَعَلَ الله لها تمامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً، إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّيهَا، وإنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، وَهْوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}، فَالعِدةُ كمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا).

ص: 1797

لزوجته بالنفقة والسكنى حولًا كاملًا، فبيَّن الله تعالى أن العمل بهذه المدة لأجل الوصية غير لازمة؛ لأن الوصية بذلك لا تلزم، فلا نسخ.

وهذه الطريقة هي التي اختارها الإمام الرازي في تفسيره أيضًا، وقال:(إنها في غاية الصحة).

وذهب الشيخ تقي الدين السبكي إلى أنها غير منسوخة بطريقة رابعة، وهي أنَّ الله تعالى أنزل في المتوفَّى عنها زوجها آيتين: آية العدة بالأشهر، وآية الوصية. ومعناهما أنه جعل للأزواج وصية منه بِسكنى حَول كامل بعد وفاة زوجها، سواء أوصى الزوج بذلك أو لم يُوص.

قال

(1)

: (وهذا هو ظاهر الآية، فلا يخرج عنه بغير دليل)

(2)

.

فإنْ قيل: فما ذكرته مِن التمثيل بآية النجوى قد اعترضه أبو مسلم بأن ذلك كان بسبب التمييز بين المنافق وغيره؛ لأنَّ المؤمن يمتثل والمنافق يخالف. فلما تميزَا، زال بزوال وقته، ومثل ذلك لا يكون نسخًا.

وجوابهم عنه بأنه "زال الحكم كيف كان" ضعيف جدًّا؛ لأنَّ الزوال بزوال الوقت ليس نسخًا قطعًا كما سبق.

بل الجواب أن الواحدي حكى الإجماع على أن هذه الآية منسوخة.

وقول أبي مسلم: (إن ذلك كان للتمييز) ممنوع؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان عالمًا بالمنافقين وسمَّاهم لحذيفة صاحب سِره. وإنْ أريدَ التمييز للصحابة، فيبعُد أن يتميز الفريقَان في ساعة واحدة.

(1)

القائل هو السبكي.

(2)

الإبهاج (2/ 231).

ص: 1798

وقد أُجِيبَ عنه بأجوبة أخرى مُعْتَرَضة، وفي هذا كفاية؛ خشية التطويل.

وكذلك اعترض أبو مسلم بغير ذلك، وأُجيب عنه بما ليس هذا محل بسطه.

وأما الثالث: وهو ما نُسخ لفظُه وحُكمه:

فمثاله حديث عائشة رضي الله عنها فيما رواه مسلم: "كان مما أُنزل عشر رضعات معلومات، فنُسخن بخَمس معلومات"

(1)

. فلم يبق لهذا اللفظ حُكم القرآن، لا في استدلال ولا في غيره؛ فلذلك كان أصح الوجهين جواز مَس المحدِث ما نُسخ لفظُه، أَعَم مِن أنْ يُنسخ حُكمه أو لا.

قال أصحابنا: ولذلك تبطل الصلاة بِذكره فيها.

نعم، حكى الرافعي أول "باب حد الزنا" عن ابن كج أنه حكى وجهًا أنه لو قرأ قارئ آية الرجم في الصلاة، لم تفسد.

أما المنسوخ حُكمه دُون لفظه فله حُكم القرآن بإجماع المسلمين، ويستدل به فيما لم يُنسخ مِن الأحكام.

وإلى المثال المذكور للقسم الثالث أشرتُ بقولي: (وَفي عَشْر مِنَ الرَّضْعَاتِ تَحْرِيمٌ نُفِي بِالْخَمْسِ)، وهي اللفظة المبدوء بها أول البيت الذي بعده كما سنذكره.

(1)

صحيح مسلم (رقم: 1452).

ص: 1799

تنبيهات

الأول: هذه الأقسام فيها خِلاف سوى ما سبق عن أبي مُسلِم الأصبهاني من منع النسخ بشيء في القرآن بالكُلية.

فمنع بعض الأصوليين نسخ الحكم دون التلاوة، قال: لأن القصد من التلاوة حُكمها، فإذا انتفى الحكم فلا فائدة في بقائها.

حكاه جماعة من الحنفية والحنابلة، وهو قادح في دعوى بعضهم الإجماع على الجواز.

ومنع بعضهم نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، وبه جَزَم شمس الأئمة السرخسي.

ومنع بعضهم القسمين معًا، قال: لأن أحدهما فيه بقاء الدليل بلا مدلول، والآخَر بقاء المدلول بلا دليل.

والصحيح الجواز؛ لأنهما شيئان متغايران، فيجوز رفع أحدهما وإبقاء الآخر.

الثاني: قسم أبو إسحاق المروزي والماوردي وابن السمعاني وغيرهم النَّسخ في القرآن ستة أقسام:

أحدها: ما نُسخ حُكمه وبقي رَسْمُه، وحُكم الناسخ ورسمه باقيان، كنسخ آية الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث، ونسخ عدة الوفاة حولًا بأربعة أشهر وعشر.

ثانيها: ما نُسخ حكمه ورَسْمه، وهُما في الناسخ ثابتان، كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، وصيام عاشوراء برمضان على رأْيٍ. وقيل: إنما كان استقبال بيت المقدس بالسُّنَّة، فنسخ بالقرآن.

ثالثها: ما نُسخ حكمه وبقي رسمه، ورُفع رسمُ الناسخ وبقي حكمه، كقوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} [النساء: 15] الآية بِـ "الشيخ والشيخة" إلى آخِره.

ص: 1800

فإنْ قيل: رجم المحصن إنما أُخِذ من حديث عبادة بن الصامت في "مسلم" مرفوعًا: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم"

(1)

.

قيل: النسخ بـ "والشيخ والشيخة"، والحديث مُقَرِّر أنه لم يُنسخ.

وضُعِّف بأنَّ التأسيس أرجح مِن التأكيد، وبأن الحديث إنما ورد مبيِّنًا للسبيل في:{أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15]، فهو إما مستقل أو مُبيِّن للسبيل، لا متعلق بآية الرجم.

رابعها: ما نُسخ حكمه ورسمه وبقي حكم الناسخ لا رسمه: كحديث عائشة في العَشر رضعات، فإن الخَمْس حُكمها باقٍ دُون لفظها.

وأما قول عائشة: "فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهُن فيما يتلى من القرآن"

(2)

فَمُؤَوَّل كما قال ابن السمعاني بأن مرادها: يُتلى حُكمه، أو أنَّ مَن لَمْ يَبْلُغه نَسخ تلاوته يتلوه وهو معذور. وإنما أُوِّل بذلك؛ لإجماع الصحابة على تركها مِن المصحف حين جمعوا القرآن، وأجمع عليه المسلمون بَعدهم.

خامسها: ما نُسخ رسمه وبقي حكمه ولكن لا يُعلم ناسخه.

ففي "الصحيحين" من حديث أنس أنه كان في القرآن: "لو أن لابن آدم واديًا من ذهب، لابتغى أن يكون له ثانٍ، ولا يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب"

(3)

.

ورواه أحمد، وقال:(كان هذا قرآنا، فنُسخ خطه).

(1)

سبق تخريجه.

(2)

صحيح مسلم (1452).

(3)

صحيح البخاري (رقم: 6075)، صحيح مسلم (رقم: 1048).

ص: 1801

قال ابن عبد البر في "التمهيد": (قيل: إنه من سورة "ص")

(1)

.

نعم، في رواية:"لا ندري أشيء نزل؛ أو شيء كان يقوله؟ "

(2)

.

ويمثل أيضًا بما في "البخاري" في الجهاد في "باب العون بالمدد" في حديث السبعين الذين قتلهم رعل وذكوان وعصية ومكث صلى الله عليه وسلم يقنت يدعو عليهم شهرًا، عن أنس أنهم قرءوا فيهم قرآنا:"ألا بَلِّغوا عنا قومنا بأنَّا قد لقينا ربنا، فَرَضِي عنَّا وأرضانا" ثم رُفع بعد ذلك

(3)

.

وبالجملة: فمثل هذا كثير، ولهذا قيل في سورة الأعراف: إنها كانت نحو البقرة. وكذا سورة الأحزاب كما سبق قريبًا.

نعم، مَثل بعضهم بذلك ما نُسخ لفظه وبقي حُكمه.

سادسها: ناسخ صار منسوخًا وليس بينهما لفظ متلو، كالإرث بالحلف والنصرة نُسخ بالتوارث بالإسلام والهجرة، ثم نُسخ التوارث بذلك. ذكره الماوردي.

قال ابن السمعاني: (وهذا يدخل في النسخ مِن وَجْه).

قال: (وعندي أن القسمين الأخيرين في إدخالهما في النسخ تَكلُّف)

(4)

.

الثالث:

تمثيل ما نُسخ تلاوته وبقي حُكمه بِ "الشيخ والشيخة إذا زنيا" استُشكل مِن حيث يَلزم

(1)

التمهيد (4/ 274).

(2)

مسند أحمد (رقم: 12250، 12826).

(3)

صحيح البخاري (رقم: 2899).

(4)

قواطع الأدلة (1/ 428).

ص: 1802

مِن ذلك أن يثبت قرآن بالآحاد وأنَّ ذلك القرآن نُسخ حتى لو أنكره شخص كَفَر، ومَن أنكر مِثل هذا لا يَكفر. وإذا لم يثبت قرآنيته لم يثبت نَسْخ قرآن. بل ويجري هذا الاعتراض في مثال ما نُسخ حُكمه وبقي تلاوته ونَسخهما معًا؛ وذلك لأنَّ نَسخ المتواتر بالآحاد لا يجوز كلما سيآتي.

وأجاب الهندي عن أصل السؤال بأنَّ التواتر إنما هو شرط في القرآن المثبَت بين الدفتين، أما المنسوخ فلا. سَلَّمْنَا، لكن الشيء قد يثبت ضِمنًا بما لا يَثبت به أصله، كالنسب بشهادة القوابل على الولادة، وقبول الواحد في أن أحد المتواترين بعد الآخر، ونحو ذلك.

قلت: وجواب آخَر، وهو أنَّ الصدر الأول يجوز أنْ يقع فيه التواتر ثم ينقطع فيصير آحادًا. فما رُوي لنا بالآحاد إنما هو حكاية عن ما كان موجودًا بشروطه. فتأَمَّله.

الرابع:

وقع إشكال في قول عمر رضي الله عنه: "لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها"، فإنه إنْ كان جائز الكتابة كما هو ظاهر اللفظ، فهو قرآن متلو، ولكن لو كان مَتلُوًّا لوجب على عمر المبادرة لكتابتها؛ لأنَّ مَقال الناس لا يَصلح مانعًا مِن فِعل الواجب.

قال السبكي: (ولعلَّ الله أن يُيَسِّر علينا حَل هذا الإشكال، فإنَّ عمر رضي الله عنه إنما نطق بالصواب، ولكنَّا نتهم فَهْمَنا)

(1)

.

قلت: يمكن تأويله بأنَّ مراده: "لَكتبتُها مُنبِّها على أنها نُسخت تلاوتها"، لِيَكون في كتابتها في محلها أمنٌ مِن نسيانها بالكُلية، لكن قد يكتب مِن غير تنبيه فيقول الناس: زاد عمر، فتركت كتابتها بالكُلية، وذلك مِن دَفْع أَعظم المفسدتين بأخفهما. والله أعلم.

(1)

الإبهاج (2/ 242).

ص: 1803

ص:

729 -

بِالْخَمْسِ، وَالْقُرْآنُ إمَّا يُنْسَخُ

بِمِثْلِهِ، أَوْ سُنّةٌ تُنْتَسَخ

730 -

بِمِثْلِهَا، اوْ هُوَ بِهَا، أَوْ عَكْسُهُ

فَقَسْمُهُ لِتِسْعَةٍ نُحِسُّهُ

731 -

يُمْنَعُ مِنْهَا خَبَرُ الْآحَادِ

يَنْسَخُ ذَا تَوَاتُرِ الْإسْنَادِ

732 -

فَاثْنَانِ يَخْرُجَانِ، ثُمَّ أَرْبَعَه

لِفَقْدِهَا تَوَاترا مُمْتَنِعَهْ

733 -

يَبْقَى [ثَلَاثَةٌ]

(1)

كَنَسْخِ الْأَشْهُرِ

[لَدَى]

(2)

الْوَفَاةِ الْحَوْلَ فِيمَا قَدْ دُرِي

734 -

وَ"كُنْتُ عَنْ زِيَارةِ الْقُبُورِ

نَهَيْتكُمْ، زُورُوا" رَجَا التَّذْكير

735 -

وَالْمَنع لِلصَّائِمِ مِنْ مُبَاشَرَه

لَيْلًا بِسُنَّةٍ بِآيٍ ظَاهِرَهْ

الشَّرح:

لفظة: "بِالْخَمْسِ" متعلقة بالذي قبلها مِن المثال، وسبق شرحه، وما بعد ذلك هو تقسيم للناسخ والمنسوخ في الكتاب والسُّنَّة متواترة كانت أو آحادًا بما يمكن الانقسام إليه عقلًا وبيان الواقع مِن الأقسام وما لم يقع أو امتنع وقوعه.

فيقال: المنسوخ إما قرآن أو سُنَّة متواترة أو سُنَّة آحاد، والناسخ ثلاثة أقسام كذلك، فينتهي -بضرب ثلاثة في ثلاثة- إلى تسعة.

وهو معنى قولي: (وَالْقُرْآنُ إمَّا يُنْسَخُ بِمِثْلِهِ)، فهذا قِسم.

وقولي: (أَوْ سُنَّةٌ تُنْتَسَخُ بِمِثْلِهَا) تحته أربعة أقسام؛ لأن المنسوخ إما متواترة أو آحاد،

(1)

كذا في (ص، ق، ش، ن). لكن في (ض، ت، س): تلاوة.

(2)

كذا في (ض، س، ن 5). لكن في (ص، ق): كذي. وفي (ت، ش، ن 1، ن 2، ن 4): لذي.

ص: 1804

والناسخ إما متواتر أو آحاد. فهذه الأربعة مع الأول خمسة.

وقولي: (أوْ هُوَ بِهَا) الضمير المذكر للقرآن، والمؤنث للسُنَّة، تحته قِسمان: قرآن بِسُنة متواترة، وقرآن بسنة آحاد.

وقولي: (أَوْ عَكْسُهُ) أي: يكون الناسخ قرآنا والمنسوخُ إما سُنَّة متواترة أو آحاد. فهذه أربعة مع تلك الخمسة تصير تسعة ظاهرة محسوسة، وهو معنى قولي:(فَقَسْمُهُ) بفتح القاف وضم الميم والهاء، وهي ضمير النَّسخ الذي هو مورد التقسيم.

والضمير في (تُحِسّهُ) عائد للقسم.

وقولي: (يُمْنَعُ مِنْهَا) إلى آخِره -أي: يمتنع مِن هذه الأقسام التسعة نسخ المتواتر بالآحاد؛ لضعفه كما سنذكره، فيخرج اثنان: نَسخ القرآن بالسّنَّة الآحاد ونَسخ السّنَّة المتواترة بالسّنَّة الآحاد، ثم يخرج من الباقي بعد هذين الاثنين أربعة، وهي: نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة، وعكسه، ونسخ السُّنَّة المتواترة بمثلها، ونَسخ الآحاد بالسّنَّة المتواترة.

وإنما خرجت هذه الأربعة لِمَا سبق في الكلام في الإسناد أنَّ السُّنَّة لا يتحقق فيها متواتر لفظي في هذه الأزمان، بل كلها آحاد، إما في أولها وإما في آخِرها وإما مِن أول أسانيدها إلى الآخِر، وأنَّ ما ذكره كثير مِن أحاديث متواترة بَيَنَّا خِلاف ما ادَّعاه.

نعم، في الزمن القريب مِن النبي صلى الله عليه وسلم كان التواتر موجودًا في كثير، ولكن صار بعد ذلك آحادًا، وإنما نتكلم بحسب ما صار الآن.

وكذلك لا كلام في المتواتر معنًى، وحينئذ فبقي -بعد إسقاطه ستة من التسعة- ثلاثةُ أقسام: نَسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السّنَّة الآحاد بالسُّنَّة الآحاد، ونسخ السّنَّة الآحاد بالقرآن. وذكرت في النَّظم أمثلة الثلاثة.

فأما نسخ القرآن بالقرآن فكنَسخ الاعتداد بالحول في الوفاة بأربعة أشهر وعشر كما

ص: 1805

سبق ذكره، وهو معنى قولي:(فِيمَا قَدْ دُرِي). أي: [ما]

(1)

عُلم. وكذلك ما سبق من [الأقسام، أي: ]

(2)

نسخ التلاوة دُون الحكم، ونسخهما.

أما نسخ السُّنَّة الآحاد بمثلها فكما في "صحيح مسلم" عن بُريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها"

(3)

. ورواه الترمذي بزيادة: "فإنها تذكركم الآخرة"

(4)

.

وقال: حسن صحيح.

وإلى هذه الزيادة أشرتُ بقولي: (رَجَا التَّذْكِير)، ولكن قَصرتُ "رجا" للضرورة. فإن "الرجاء" ضد الخوف بالمد، و"الرجا" بمعنى الناحية مقصور كما أشار ابن دريد في "المقصور والممدود" لذلك بقوله:

كم من حقير في رجا

بئر لمنقطع الرجاء

ووَجْه الشاهد في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "كنت نهيتكم"، فصرَّح بأنَّ النهي كان مِن السُّنَّة. ويمثَّل بأمثلة كثيرة، كنسخ المتعة ونسخ الوضوء مما مسته النار، وغير ذلك.

ولابن الجوزي كتاب لطيف جمع فيه أحد وعشرين موضعًا، وتعقب في بعضها، وتعقب غيره كثيرًا منها. وفي ما أوردناه مِن المثال كفاية.

أما نسخ السُّنَّة بالآحاد بالقرآن فمثاله ما كان من تحريم مباشرة الصائم أهله ليلًا،

(1)

في (ت، س): قد.

(2)

كذا في (س، ض)، لكن في (ص، ق): الانقسام إلى.

(3)

صحيح مسلم (رقم: 977، 1977).

(4)

مسند أحمد (رقم: 1235)، سنن ابن ماجه (رقم: 1569). وفي: سنن الترمذي (رقم: 1554)، سنن النسائي (رقم: 4430) بلفظ: (فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ). قال الألباني: صحيح. (صحيح الترمذي: 1054).

ص: 1806

نُسخ بقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] وقوله تعالى {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} ، هذا على رأي الجمهور الذين جوَّزوا نَسخ السُّنَّة بالقرآن وأنه وقع، ومَثَّلوا وقوعه بهذا وبأنَّ التوجُّه إلى البيت المقدَّس كان بالسُّنَّة، فنُسخ بقوله تعالى:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]. وبأن عاشوراء كان واجبًا، فنُسخ بالقرآن وهو قوله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ} [البقرة: 185][الآية]

(1)

.

ولكن نُقل عن الشافعي قول بالمنع في ذلك، وأجاب مَن رجحه بأنَّ الشافعي لا ينكر الجواز العقلي كما يوهمه كلام ابن الحاجب حيث قال:(الجمهور على جواز نسخ السُّنَّة بالقرآن، وللشافعي قولان)

(2)

.

ثم قال: (لو امتنع إما لذاته) إلى آخِره.

وأما ما استندوا إليه في الوقوع من قصة المباشرة فقد يُمنع بما ذكره أبو عبيد في كتاب "الناسخ والمنسوخ"، وأنَّ الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام بعد أن ينام الإنسان كان محُرَّمًا، ثم شُكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل:{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187] الآية. وكذا ذكره النحاس، فلم يُصرِّحا ولا غيرهما بأنَّ تحريم ذلك كان بالسُّنَّة. أي: فيجوز أن يكون بقرآن نُسخ لفظه واستمر حُكمه حتى نُسخ بالقرآن الثابت لفظًا وحُكمًا.

قلتُ: إطلاقهما يقتضي أنَّ ذلك كان بسُنة وإلا لَذُكِر المنسوخ.

نعم، في "البخاري" مِن حديث البراء قال: "لَمَّا نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم. فأنزل الله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ

(1)

كذا في (ق، ص)، لكن في (ض، س، ش، ت مع هامشها): (نعم، سبق رد ذلك فيه وفي الآية).

(2)

مختصر المنتهى مع شرح الأصفهاني (2/ 537).

ص: 1807

تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} الآية"

(1)

. فهو أوضح في أنَّ ذلك لم يكن بقرآن؛ فهو بالسُّنَّة.

وكذا يُمنع في قصة استقبال بيت المقدس، فإنَّ الحازمي حكى قولين للعلماء في أنَّ التوجه للقدس هل كان بالقرآن؟ أو السنَة؟ بل القول بأنه كان بالقرآن هو ظاهر كلام الشافعي، وعليه يدل قوله تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} [البقرة: 143] الآية. فإن الضمير في {جَعَلْنَا} لله تعالى، فالظاهر أنَّ الجعل كان بالقرآن.

لكن فيه نظر؛ فإنَّ ما في السُّنَّة هو مِن جَعْل الله تعالى وحُكمه.

وكذا يمنع في صوم عاشوراء أنه كان واجبًا ثم نُسخ، فإن ذلك إنما هو قول الحنفية، وحكاه عبد الرزاق في "مصنفه" عن علي وأبي موسى.

وأما أصحابنا فقالوا: لم يكن فرضًا قط. وقد بيَّن ذلك البيهقي في "الخلافيات" وأبو إسحاق الشيرازي في "النكت" وغيرهما من علمائنا.

تنبيهات

الأول: قد بينا أن ستة من الأقسام التسعة مخرَجة إما لضعف الناسخ وقوة المنسوخ، وإما لعدم وجود التواتر. فمِن ذلك نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة.

قال ابن الحاجب: إن الجمهور على جوازه، ومنعه الشافعي.

ومقتضاه أنَّ تواتُر السُّنَّة موجود ولكن الشافعي يمنع جواز نسخ القرآن بالمتواتر.

فأما كونه موجودًا فلا؛ لِمَا أسلفناه. وأما منع الشافعي له لو وُجد فنصُّه في "الرسالة": (لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه، كما كان المبتدِئ بفرضه فهو المزيل المثبِت لِمَا شاء منه جل

(1)

صحيح البخاري (رقم: 4238).

ص: 1808

ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه)

(1)

. انتهى

فظاهره نفي الوقوع فقط.

نعم، قال بنفي الجواز العقلي الحارث المحاسبي وعبد الله بن سعيد والقلانسي، وهُم مِن كبار أهل السُّنَّة. ويروَى أيضًا عن أحمد.

وقيل: الماح منه الشرح، لا العقل. وهو قول الشيخ أبي حامد الأسفراييني.

وقيل ة الممتنع الوقوع فقط. وهو ما فهمناه عن نَص الشافعي كما سبق.

وأما ما سبق مِن نسخ السُّنَّة بالقرآن وأنَّ ابن الحاجب حكى عن الشافعي فيه قولين في الجواز وأنه ليس بجيد، كما أنه حكى عنه الجزم في نسخ القرآن بالسُّنَّة بأنه لا يجوز -فلا بُدَّ من تحرير قول الشافعي في المسألتين، وذلك من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن من أصحابنا مَن [وافقه]

(2)

ابن الحاجب في حكاية قولين عن الشافعي في مسألةٍ والجزم في أخرى، كالقاضي أبي الطيب في "شرح الكفاية" مُصرِّحًا بلفظ الجواز، وكذا قال إمام الحرمين:(قطع الشافعي جوابه بأن الكتاب لا يُنسخ بالسُّنَّة، وتَردَّد قوله في نسخ السُّنَّة بالكتاب)

(3)

. انتهى

ومنهم مَن حكى عنه القولين في كل من المسألتين.

نعم، حكى الرافعي في "باب الفدية" في نسخ السُّنَّة بالقرآن وجهين أو قولين على التردد، قال: ويُنسب المنع إلى أكثر الأصحاب.

(1)

الرسالة (ص 107).

(2)

في (ت): وافق.

(3)

البرهان (2/ 851).

ص: 1809

ثانيها: قد بيَّنا أنَّ الشافعي لا يتكلم في الجواز العقلي أصلًا؛ لأن القول بمنع ذلك عقلًا إنْ كان المراد به أنه يَلزم مِن فرضه وقوع مُحَال فواضح البطلان وإنْ حكاه القاضي في "التقريب" قولًا لبعضهم. أو أنَّ العقل يقضي بأنه مُحَال فهو مدْرَك اعتزالي. والشافعي بريء مِن المقالتين، وهو أَجَلّ مِن أنْ يقول بشيء منهما.

وقد صرح الشيخ أبو إسحاق بأن الشافعي إنما يمنعه سمعًا، وعليه يُحمَل ما سبق عن شيخه القاضي أبي الطيب مِن إطلاق الجواز مِن غير تعيين عقل أو سمع، لأنَّ تلميذه أوضَحَ بذلك مُراد شيخه.

وأما قول ابن السمعاني: (إنَّ الشافعي نَصَّ في عامة كُتبه أن القرآن لا يُنسخ بالسُّنَّة، واختُلف في أن ذلك بالعقل أو بالشرع، والظاهر مِن مذهبه أنهما جميعًا)

(1)

. فمراده بالعقل: القياس. فإنَّ الفقهاء كثيرًا ما يريدون به ذلك كما سبق بيانه في مسألة التحسين والتقبيح العقليين.

قيل: والمراد بالمنع سمعًا دَفْع توهُّم بعض الأغبياء أنَّ الله تعالى لم يَرْضَ بما سَنَّه نبيه صلى الله عليه وسلم.

وما أسمج هذا! فإنَّ الكل مِن عند الله، والنبي لا ينطق عن الهوى، إنْ هو إلا وَحْي يوحى.

وثالثها: أنَّ الذي ينبغي حمل منعِ الشافعي شيئًا من ذلك على عدم الوقوع كما ينقل عن ابن سُريج -إمام أصحابنا- القول به، لا على عدم الجواز لا عقلًا ولا سمعًا.

قال القاضي تاج الدين السبكي: (لم أجد -مع تنقيبي عن ذلك- في نصوصه تصريحًا بمنع جوازه)

(2)

.

(1)

قواطع الأدلة (1/ 450).

(2)

رفع الحاجب (4/ 96).

ص: 1810

أو يُحمَل على ما سأذكره في النَّظم عنه من أنه لا ينسخ القرآن قرآنا إلا ومعه سُنَّة، ولا السُّنَّة سُنّة إلا ومعها قرآن. وسأذكر نصوصه في ذلك.

وإلى هذا أشرتُ بتعقيبي [ذلك]

(1)

للأحوال الثلاثة مع ذِكر أمثلتها.

وقد اتضح بحمد الله تعالى ما أشكل مِن نسبة هذا القول للشافعي حتى أن إلْكِيَا نقل أن عبد الجبار كان ينصر مذهب الشافعي في الأصول، فلمَّا وصل إلى هذا المكان قال: هذا الرجل كبير ولكن الحقّ أكبر منه.

وفَهم بعض الأئمة مُراد الشافعي حق الفَهم، وأفردوا ذلك بالتصنيف، كالإمام أبي الطيب بن أبي سهل الصعلوكي، وكان إمام زمانه باتفاق، وكذا الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني وأبو منصور البغدادي.

الثاني قال في "جمع الجوامع": (إنه يجوز نَسخ القرآن بالسُّنَّة، وقيل: يمتنع بالآحاد. والحقُّ: لم يقع إلا بالمتواترة)

(2)

.

ومُراده: الجواز على تقدير أنْ: لو وُجِد متواتر، فيُنْسَخ به، وكذا بالآحاد، لكن لم يقع.

بل نقل جماعة الاتفاق على الجواز، لكن الخلاف موجود، حكاه القاضي أبو بكر وغيره، واختاروا الجواز، وجعلوا القول بالمنع ساقطًا وإنْ عزاه بعضهم للأكثر، وأنهم فرقوا بينه وبين التخصيص بأنه رفع، والتخصيص بيانٌ وجمعٌ بين الدليلين.

نعم، الأكثر على عدم الوقوع، خلافا لجمْعٍ مِن الظاهرية.

وفصل القاضي والغزالي بين زمانه صلى الله عليه وسلم فيجوز، وبَعْده لا يجوز. بل نقل القاضي الإجماع

(1)

كذا في (ص، ق)، لكن في (س، ض): بذلك.

(2)

جمع الجوامع (2/ 112) مع حاشية العطار.

ص: 1811

على المنع فيما بَعده.

وأما قصة أهل قُباء في تَحوُّلهم بإخبار واحد فقيل: لأنَّ ذلك جائز في العقل وفي صدر الإسلام، ثم قام الإجماع بعد ذلك على المنع.

كذا أجاب أبو الحسين في "المعتمد". ونقل عن الجبائي أن ذلك كان لأنه صلى الله عليه وسلم كان أخبرهم بنسخ القِبلة وأنه ينفذ إليهم مَن يخبر بنسخها، فلمَّا رأوه، علموا صِدقَه مما سبق، فلم يقع نسخ إلا بخبر معلوم.

وأما نسخ القرآن بالمتواتر فهو وإنْ طَوَّلوا به وبأدلته لكن لَمَّا [بَيَّنْتُ]

(1)

أنه لم يوجد، لم أَحْتَج إلى ذِكر ما أطالوا به فيه.

الثالث:

سيأتي -بَعد ذِكر نصوص الشافعي في أن القرآن لا ينسخه إلا قرآن والسُّنَّة لا ينسخها إلا سُنة-[نَصّ للشافعي]

(2)

يقتضي أن ثبوت نَسخ السُّنَّة يتوقف على مجيء سُنَّة تدل على النسخ، ويأتي بيانه.

قولي: (وَالْمَنع لِلصَّائِمِ) البيت -"الباء" في (بِسُنَّةٍ) متعلقة بالمنع، أي: إنَّ منع المباشرة ليلًا كان بالسُّنَّة كما سبق شرحه. و"الباء" في قولي: (بِآيٍ) متعلق بِ "نَسخ" مُقَدَّر دَلَّ عليه ما سبق في قولي: (كَنَسْخِ الْأَشْهُرِ) أي: نَسخه بآيٍ ظاهرة في القرآن، وهو جمع "آية". والله أعلم.

(1)

كذا في (ص، ق)، لكن في (س): ثبت.

(2)

كذا في (ت، س)، لكن في سائر النسخ: فنص الشافعي.

ص: 1812

ص:

736 -

وَالشَّافِعِيُّ قَالَ: لَيْسَ يَقَعُ

نَسْخ لِقُرْآنٍ بِهَا يَرْتَفِعُ

737 -

إلَّا وَذِي السُّنَّة مَعْ قُرْآنِ

وَنَسْخُهَا بِهِ مَعَ اقْتِرَانِ

738 -

بِسُنَّةٍ؛ حَتَّى يَكُونَا جِنْسَا

ذَاكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ قَدْ أُحِسَّا

الشَّرح:

هو إشارة إلى ما ذكرته [من]

(1)

أن الشافعي حيث نُقل عنه المنع في نَسخ القرآن بالسُّنَّة أو السُّنَّة بالقرآن فإنما يُحمل على عدم الوقوع أو الوقوع لكن على هذا الوجه، فإنَّ به يصح النفي.

وعبارة نَص الشافعي في ذلك في "الرسالة" غير ما سبق مِن نَصه: قال الشافعي: (وهكذا سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنسخها إلا سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أَحدث الله لرسوله في أمر سنَّ فيه غير ما سنَّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لَسنَّ فيما أَحدث الله إليه؛ حتى يبين للناس أنَّ له سُنة ناسخة للتي قبلها ما يخالفها)

(2)

. انتهى

[فكأن]

(3)

مَن نقل عن الشافعي أن السُّنَّة لا تُنسخ بالكتاب أخذه مِن صَدْر هذا النص، ولكن الظاهر أنه إنما أراد عدم وقوعه، ويدل عليه قوله:(ولو أحدث الله) إلى آخِره، فإنه صريح في ذلك.

ثم قال الشافعي بعد ذلك ما نَصه: (فإنْ قلتَ: هل تُنسخ السُّنَّة بالقرآن؛ قيل له: لو

(1)

كذا في (ص، ق)، لكن في (س): و.

(2)

الرسالة (ص 108).

(3)

كذا في (ص)، لكن في (س، ق): وكان.

ص: 1813

نُسخت السُّنَّة بالقرآن، كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه سُنة تُبين أنَّ سُنته الأُولى منسوخة بِسُنته الأخيرة؛ حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء يُنسخ بمثله)

(1)

.

انتهى أي: فإذا نُسخ الشئ بمثله، لم يكن للغبي أن يقول: كيف يتخالف الكتاب والسُّنَّة؛ ! وكذا ما ذكره بعد ذلك حيث قال بعد أن تكلم على صلاة ذات الرقاع ما نَصه:

(وفي هذا دلالة على ما وصفتُ قبلُ في هذا الكتاب مِن أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سَن سُنة فأَحدث الله تعالى في تلك السُّنَّة نَسخًا أو تخريجًا إلى سعة فيها، سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُنة تقوم الحجة على الناس بها؛ حتى يكونوا إنما صاروا من سُنة إلى سُنته التي بعدها)

(2)

. انتهى

فيحصل لنا مِن ذلك أن نَسخ السُّنَّة ونَسخ الكتاب لا يقع إلا على هذا الوجه، وأنه ليس ممتنع الجواز عقلًا قطعًا ولا سمعًا كما نقلناه عن الأئمة مِن حكاية ذلك. فكل مِن الكتاب والسُّنَّة من عند الله، فإذا نُسخ أحدهما، فالاستقراء دل أنهما لا بُدَّ أن يجتمعا؛ لتقوم الحجة على الناس بهما؛ و [لأنه]

(3)

يكون انتقال من سُنة إلى سُنة.

وفيه فائدتان:

إحداهما: التنويه بقَدره صلى الله عليه وسلم وإظهار عظمته، وهي في نَسخ القرآن بالسُّنَّة أظهر منها في عكسه؛ لأن إنزال القرآن موافقًا للسُّنة الناسخة فيه مِن التعظيم ما لا يخفَى.

وثانيهما: انتقال الناس من سُنة إلى سُنة، وهي في نَسخ السُّنَّه بالقرآن أظهر منها في عكسه؛ لأنَّ مَن سنَّ سُنة حسنة فلهُ أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة، والنبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب السنن الحسنة، فله مِن الأجر ما لا يتناهى.

(1)

الرسالة (ص 110).

(2)

الرسالة (ص 183).

(3)

كذا في (ص، ق)، لكن في (س): ولأن.

ص: 1814

وكلما نَسخت سُنةٌ سُنةً فقدْ سَن سُنة حسنة وإنْ كان معها قرآن، وكل هذه الأمور تعليل للواقع، وسنده الاستقراء.

وهو معنى قولي: (حَتَّى يَكُونَا جِنْسَا ذَاكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ قَدْ أُحِسَّا). أي: عُلم بطريق الحس، وهو سماع الوارد بأسانيده الصحيحة.

تنبيه:

قيل: كلام الشافعي في "الرسالة" قَبْل بعض ما نقلناه مِن نصوصه يقتضي أن السُّنَّة لا يَثبت نسخها إلا بسُنة، ولا ينعقد الإجماع على أنها منسوخة إلا مع ظهور الناسخ.

حيث قال الشافعي: (أيحتمل أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم سُنة مأثورة وقد نُسخت ولا يؤثَر له السُّنَّة التي نَسختها؟ فلا يحتمل هذا، وكيف يحتمل أن يؤثَر ما وُضِع فَرْضُه ويُترك ما لَزِمَ فرضه. فلو جاز هذا، خرجت عامة السنن مِن أيدي الناس بأنْ يقولوا: لعلها منسوخة. وليس يُنسخ فرضٌ أبدًا إلا أُثبِتَ مكانه.

فإنْ قيل: فهل تنسخ السُّنَّة بالقرآن؟ قيل: لو نُسخت السُّنَّة بالقرآن)

(1)

إلى آخِر النص كما ذكرناه آنفا.

وهذه غير المسألة السابقة، فإنَّ المراد هنا أن الاستقراء يدل على أنه ما مِن سُنة نُسخت بسُنة إلا وقد عُلم ما نسخها مِن السنن ولو كان الإجماع منعقدا على أنها نسخت. والله أعلم.

(1)

الرسالة (ص 109).

ص: 1815

ص:

739 -

وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ لِلْإجْمَاعِ

وَلَا بِهِ يُنْسَخُ، بَلْ [نُرَاعِي]

(1)

740 -

أَنَّ مُخَالِفًا لِنَصٍّ وَرَدَا

تَضَمَّنَ النَّاسخَ فِيمَا أُورِدَا

الشرح:

لما انتهى الكلام في النسخ لقرآن أو لسُنة أو بهما، شرعتُ في نسخ الإجماع أو كونه ناسخًا.

فأما نسخ الإجماع فواضح المنع؛ لأن الإجماع لا يكون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق ذِكره في بابه، والنسخ إنما يكون بإعلام النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا وقع الإجماع بعد وفاته، فلا يمكن أن يأتي بعده ناسخ.

وأما النسخ لشيء مما سبق مِن كتاب أو سُنة بالإجماع فتقع صورة، لكن في الحقيقة حيث وُجِد إجماع على خِلاف نَص فيكون قد تَضمَّن ناسخًا، لا أنه هو الناسخ. وعليه ينزل كلام الشافعي الذي حكاه البيهقي في "المدخل" أن النسخ كما يثبت بالخبر يثبت بالإجماع.

أما ما ذكرناه في مستند المسألة الأُولى فهو ما قاله ابن الصباغ وسليم وابن السمعاني وأبو الحسين في "المعتمد" والإمام الرازي وأتباعه؛ بِناءً على ما سبق من أن الإجماع لا ينعقد في زمانه؛ لأنَّ قولهم بدونه لاغٍ، ومع قوله لا يُحتاج إليهم، والحجة إنما هي قوله.

وأما الإجماع إذا انعقد بَعده:

- فلا يمكن نسخُه بالكتاب والسُّنَّة؛ لعدمهما بعد وفاته.

(1)

في (ش، ن 1، ن 3، ن 4، ن 5): تراعي.

ص: 1816

- ولا بإجماع آخَر؛ لأن الثاني إنْ كان لا عن دليل فخطأ، أو عن دليل ولكن غفل عنه الإجماع الأول فيلزم أنْ يكون خطأ، والإجماع لا يكون خطأ.

- ولا بالقياس؛ لأنَّ شرطه أنْ لا يكون مخالفًا للإجماع.

وأما ما [بُحث]

(1)

مِن إمكان الإجماع في حياته مِن حيث إنَّ الاجتهاد في حياته جائز على الأصح فظاهر الفساد؛ لأن المجتهد يجتهد فيما جاء به من الكتاب والسُّنَّة، وبإذنه بقوله لمعاذ:"اجتهد رأيك"

(2)

.

وأما الإجماع فاتفاق العلماء، وهو أَعْلَم العلماء، فكيف ينعقد بدونه؛ بل هو العالِم في الحقيقة، وغَيْرُه تبع له.

وأما ما ذكرناه في الثانية فلأنَّ الإجماع معصوم مِن مخالفة دليل شرعي لا مُعارِض له ولا مُزيل عن دلالته؛ فَتَعَيَّن إذا وجدناه خالف شيئًا أنَّ ذلك إما غير صحيح إنْ أمكن ذلك، أو أنه مُؤَوَّل، أو نُسخ بناسخ؛ لأنَّ إجماعهم حقٌّ.

فالإجماع دليل على النسخ، لا رافع للحكم كما قرره الصيرفي والأستاذ أبو منصور وابن

(1)

كذا في (ص، ق)، لكن في سائر النسخ: يجب.

(2)

تاريخ دمشق (58/ 409)، ط: دار الفكر - 1415 هـ. وفي إسناده محمد بن سعيد المصلوب، قال الحافظ ابن حجر في (التقريب، ص 480): (محمد بن سعيد بن حسان. . كذبوه).

وكذلك في تاريخ دمشق (58/ 411)، وفي إسناده سليمان الشاذكوني والهيثم بن عبد الغفار، قال الإمام الذهبي في (ميزان الاعتدال، 3/ 291): (الشاذكوني. . كذبه ابن معين. . وقال أبو حاتم: متروك الحديث).

وأما الهيثم بن عبد الغفار فمتهم بالكذب. (ميزان الاعتدال، 7/ 110). وانظر كلام الألباني على الإسنادين في (السلسلة الضعيفة: 881).

ص: 1817

السمعاني والقاضي أبو يعلى من الحنابلة وغيرهم.

ولهذا كان حديث الغسل مِن غسل الميت والوضوء مِن مَسِّه لَمَّا انعقد الإجماع على خِلافِه حُكِمَ بأنه تَضمَّن ناسخًا. قاله ابن السمعاني، ومراده: على تقدير صحة الحديث.

وأما قول ابن حزم: (جوَّز بعض أصحابنا أنْ يَرِد حديث صحيح والإجماع على خِلافِه، فيدل على أنه منسوخ، وهو عندنا خطأ فاحش؛ لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: 9]، فمثل ذلك لا يقع؛ لأن كلام الرسول محفوظ)

(1)

. انتهى

فجوابه ما قررناه؛ لأنَّ ذلك لا ينافي كونه محفوظًا؛ لِتَطَرُّق العارِض الأقوى، فَيُؤَوَّل أو يُنسَخ بمتأخِّر بشروطه.

وكذلك قول إلْكِيَا بتصوُّر نسخ الإجماع بأنَّ الأوَّلين إذا اختلفوا على قولين ثم وقع الإجماع على أحدهما، فقدِ ارتفع الإجماع على الأخذ بكل من القولين، وأن الاختلاف جائز بالإجماع على الأخذ بما أجمعوا عليه، لا بغيره.

يجاب عنه بأنهم إنما سوَّغوا الأخذ بكل مِن القولين بشرط أنْ لا يوجد ما يمنع الاجتهاد. وإذا انعقد الإجماع، فقد وُجِد ما يمنع الاجتهاد.

وكذا قرره ابن برهان، فقال في "الأوسط": وأما إجماع الطبقة الثانية على أحد القولين فليس بنسخ؛ لأن القول المهجور بَطُل في نفسه.

والحاصل: أن في كُلٍّ مِن المسألتين قولين، أصحهما المنع.

فإنْ قيل: ما ذكرتم مِن سند المنع يجري مِثله في النصوص، فإنَّ النص الأول شَرْط العمل به أنْ لا يأتي ما ينسخه. فإذا جاء النسخ، فترك العمل بالأول إنما هو لفقد شرطه، وما

(1)

الإحكام لابن حزم (2/ 201).

ص: 1818

فُقِد لِفَقد شَرْطه لا يكون نسخًا.

قيل: النص الأول معمول به إلى أنْ يأتي الناسخ، لا أنه [بشرط]

(1)

فَقْد الناسخ. بخلاف الاجتهاد، فإنَّ ذلك شرط فيه. والله أعلم.

ص:

741 -

وَالنَّسْخُ بِالْقِيَاسِ لَا [يُحَادِي]

(2)

غَيْرًا، وَجَوِّزْ نَسْخَهُ في الْبَادِي

742 -

في زَمَنِ النَّبِيِّ مُطْلَقًا، وَذَا

إنْ نَاسِخٌ لَهُ قِيَاسٌ نَبَذَا

743 -

فَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ أَجْلَى

وَالنَّسْخُ لِلْأَصْلِ [فَرَفْعٌ]

(3)

أَصْلَا

الشرح:

لما فرغت من النسخ المتعلق بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، شرعتُ في المتعلق بالقياس، وفيه مسألتان: النسخ به، والنسخ له.

فأما النسخ به: فلا يكون لنص ولا إجماع، بل لقياس مثله. وهو معنى قولي:(لا يُحَادِي غَيْرًا). أي: لا [تُحَاد]

(4)

بالقياس غير القياس مِن نَص أو إجماع.

هذا ارجح المذاهب وقول الجمهور، كالصيرفي وإلْكِيَا وابن الصباغ وسليم الرازي وأبي

(1)

في (ت، س): يشترط.

(2)

كذا في (ش، ت، ن 3، ن 4). ومعناه: يُبْعِدُ وَيُنَحِّي، أَيْ: النسخ بالقياس لا يُبْعِد ولا يُنَحِّي غَيْرَ القياس.

(3)

كذا في (ص، ق، ن 2). وفي سائر النُّسَخ: (ارتفاع). لكن المؤلف في شرحه أَعَاد ذِكْر البيت -في جميع النُّسَخ- بلفظ: فَرَفع. والوزن صحيح مع اللفظين.

(4)

كذا في (س)، لكن في (ش، ت): يحاد.

ص: 1819

منصور البغدادي وابن السمعاني، ونقله أبو إسحاق المروزي عن نص الشافعي، وهو الموافق لما سبق مِن اشتراط اتحاد نوع الناسخ والنسوخ، وحُكي عن ابن سُريج، وقال القاضي حسين في "باب القضاء" مِن "تعليقته": إنه الصحيح في المذهب.

واختاره القاضي أبو بكر، ونقله عن الفقهاء والأصوليين، قال: لأن القياس يُستعمل مع عدم النص؛ فلا ينسخ النص، ولأنه دليل محتمل، والنسخ إنما يكون بغير محتمل. وأيضًا فشرط صحة القياس أنْ لا يخالف الأصول، فإنْ خالف، فسد.

قال: بل ولا ينسخ قياسًا آخَر؛ لأن التعارض إنْ كان بين أَصْلَي القياسين فهو نسخ نَص بنص، وإنْ كان بين العِلتين فهو من باب المعارضة في الأصل والفرع، لا من باب القياس.

والمذهب الثاني: الجواز مطلقًا حتى يُنسخ به القرآن والسُّنَّة المتواترة كما في التخصيص. ولكن الفرق ظاهر؛ لأنَّ التخصيصَ بيانٌ والنسخَ رفعٌ.

وجرى صاحب "جمع الجوامع" على هذا القول الضعيف، واستُشكل عليه بأنه قد قال في "باب القياس": إن شرط العلة المستنبطة أنْ لا تُعارَض بمعارِض.

فأجاب بِـ: إني أطلقتُ القياس، فيُحمل على ما عِلته منصوصة. وبتقدير التسليم فالمعارِض للعلة إذا وُجِد، لا يكون القياس معتبَرًا، والكلام إنما هو في قياس صحيح.

وفيما قاله نظر؛ لأن النص الذي يُدَّعَى نسخُه بالقياس لا يزال معارِضًا لِعِلته، فأين موضع القياس الصحيح الناسخ لنص؟ والحقُّ أَحَق أنْ يُتبع.

الثالث: أن القياس يُنسخ به الآحاد فقط، لا المتواتر.

وهو فاسد أيضًا، لأن المعارِض المانع مِن القياس لا فرق فيه بين المتواتر والآحاد.

الرابع: يُنسخ بالجلي، لا بالخفي. حكاه الأستاذ أبو منصور عن الأنماطي، وحاكاه صاحب "المصادر" عن ابن سُريج، وكذا حكاه الباجي عنه، لكن قال: إنه راجع إلى القول

ص: 1820

بالمنع مطلقًا؛ لأنَّ الجِلي عنده مِن باب الفحوى، وهو جارٍ مَجْرَى النص، فليس نسخًا بقياس.

الخامس: حكاه أبو الحسين بن القطان وغيره عن الأنماطي: أنَّ القياس المستخرَج مِن القرآن يُنسخ به القرآن، والمستخرَج مِن السُّنَّة تُنسخ به السُّنَّة.

السادس: إنْ كانت عِلته منصوصة جاز النسخ به وإلا فلا.

قال الباجي: إنَّ هذا هو الحق.

الساب: قاله الآمدي: إنْ كانت منصوصة جاز، وإلا فإنْ كان القياس قطعيًّا كقياس الأَمَة على العبد في السراية، فهو مقدَّم لكن لا مِن باب النسخ، أو ظنيًّا بأنْ كانت عِلته مستنبطة فلا. وسبقه إلى هذا التفصيل صاحب "المصادر".

الثامن: قاله الهندي: إنْ كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، جاز على الأصح، بل هو محل الخلاف، وإنْ كان بعده صلى الله عليه وسلم يجوز قطعًا.

وأما نَسخ القياس نفسه فَعَلَى وجهين: نسخ القياس مِن حيث هو، ونسخ الأصل المقيس عليه.

فالأول جائز عند الجمهور في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لا فيما بعده. فيُنسخ إما بنص أو بقياس آخَر، لا بإجماع؛ لعدم انعقاده في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. خلافًا لما وقع للإمام في "المحصول" من كون القياس في حياته يُنسخ بالإجماع، قال: بِأنْ تختلف الأُمة على قولين قياسًا، ثم يجمعوا على أحد القولين، فيكون إجماعهم على أحد القولين رافعًا لحكم القياس الذي اقتضاه القول الآخَر.

والعجب أنه قد صرح قبل ذلك بأن الإجماع لا ينعقد في زمنه صلى الله عليه وسلم!

وإنما قُيِّد نَسخُه بنص أو قياس بزمنه صلى الله عليه وسلم لأنه زمن مجيء الوحي، وهو طريق النسخ.

ص: 1821

فأما بَعده فلا يُتصور نَسخُه؛ لأنه:

- إما أن يُنسخ بنص مُحْدَث بَعده، وهو مستحيل.

- أو بنص كان موجودًا مِن قبل لكن المجتهد القائس كان غافلًا عنه ثم ظفر به، فذاك باطل أيضًا؛ لأنه قد تَبيَّن فساد القياس مِن أصله؛ فلا نَسْخ.

- وإما أنْ يُنسخ بالإجماع، وهو باطل؛ لِمَا ذكرنا.

ومثَّلوا ذلك بأنْ يقول الشارع: (حرمتُ المفاضلة في البُر؛ لأنه مطعوم). فقد نَص على الحكم وعِلته. فإذا قال بعد ذلك: (بِيعوا الأرز بالأرز متفاضلًا)، كان نَسخًا لذلك القياس بهذا النص.

وأما نَسخه بالقياس فبِأن يأتي بعد القياس الأول نَصٌّ بجواز بيع الذرة بالذرة متفاضلًا، فيقاس عليه الأرز بالأرز متفاضلًا. فهذا القياس ناسخٌ لذلك القياس.

نعم، شرط الإمام الرازي وغيره في القياس الناسخ أنْ يكون أجلَى من القياس المنسوخ، أي: أرجح في الإلحاق منه وأظهر.

ويعرف قوة أحد القياسين بما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في باب التراجيح في ترجيح الأقيسة؛ لأنه إذا كان أخفَى فلا يرفع الأَجْلَى، أو متساويين، كان ترجيحًا من غير مُرجِّح.

وقصر جمعٌ -كالبيضاوي- جواز نَسخ القياس على نَسخِه بالقياس الأَجْلَى حتى لا يجوز نَسخُه بنص ولا بإجماع.

فأما الثاني فمُسَلَّم، وأما الأول فممنوع؛ لِمَا سبق. ولم يُقيده بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بُدَّ مِن تقييده؛ لَما سبق أيضًا.

وقال الإمام الرازي: (إنه يجوز بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في المعنى، وإنْ كان ذلك لا يُسمَّى

ص: 1822

"نسخًا" في اللفظ)

(1)

.

وقد ضُعِّف ما قاله كما ضُعِّف ما سبق نقله عنه في مسألة النسخ بالقياس. على أن أبا الحسين في "المعتمد" سبقه إلى ذلك كله.

ووراء هذا مذاهب أخرى:

منها ما قاله عبد الجبار وغيره: إنه لا يجوز نسخ القياس أصلًا؛ لأنه مستنبَط مِن أصل، فما دام حُكم الأصل باقيًا فحُكم الفرع يجب بقاؤه.

ومنها ما صار إليه كثير من الحنابلة كأبي الخطاب وغيره: الفرق بين ما عِلته منصوصة فهو كالنص يَنسخ كما يُنسخ به، بخلاف المستنبَطة، فإنه متى وُجِدَ نَصٌّ بخلافها، تَبيَّن فساد القياس. واختاره الآمدي.

قال الهندي: (وينبغي أن يكون موضع الخلاف في أنه هل يمكن نسخه بدون نسخ أصله؟ أوْ لا؟ )

(2)

.

أما نَسخه مع نَسخ أصله أو نسخ الأصل ففيه الخلاف الآتي.

ولابن الحاجب تفصيل في المسألتين، فقال:(والمختار أنَّ القياس المظنون لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا).

قال: (أما الأول فلأنَّ ما قبله إنْ كان قطعيًّا، لم يُنسخ بالمظنون، وإنْ كان ظنيًّا، تَبيَّن زوال شرط العمل به وهو رجحانه؛ لأنه ثبت مُقيَّدًا).

أي: مشروطًا بأنْ لا يترجح عليه غيره.

(1)

المحصول (3/ 359).

(2)

نهاية الوصول (6/ 2374).

ص: 1823

قال: (وأما الثاني فلأنَّ ما بعده -قطعيًّا كان أو ظنيًّا- تَبيَّن زوال شرط العمل به. وأما القياس المقطوع فيُنسخ بالمقطوع في حياته صلى الله عليه وسلم، وأما بَعده فيتبين أنه كان منسوخًا)

(1)

.

أي: ولا سبيل إلى إنشاء النسخ؛ لِمَا سبق تقريره.

وقولي: (إنْ نَاسِخٌ لَهُ قِيَاسٌ نبَذَا) أي: إنْ كان الناسخ له قياس آخَر نبذ ذلك القياس الأول. أي: طرحه وألغَى حُكمه.

وقولي: (وَالنَّسْخُ لِلْأَصْلِ فَرَفْعٌ أَصْلَا) إشارة إلى أن النسخ إذا ورد على الأصل المقيس عليه، ارتفع القياس معه بالتبعية. والمخالِف فيه الحنفية، جوَّزوا صوم رمضان بِنِيَّة من النهار بالقياس على ما كان في صوم يوم عاشوراء من الاكتفاء بِنِية من النهار حين كان واجبًا على معتقدهم ذلك مع زوال فرضيته بالنَّسخ، وأبقوا الفرع على حاله.

لكن ليس هذا نَسخًا للقياس، بل رفع لنص، فلا يكون إلا بنص؛ لأن النص لا يُنسخ بقياس كما سبق.

وما أحسن تعبير ابن الحاجب عن هذه المسألة بقوله: (المختار أنَّ نَسخ حُكم أصل القياس لا يبقى معه حُكم الفرع)

(2)

.

فعبَّر بقوله: الا يبقى) ولم يُعبِّر بالنسخ كما وقع في كلام بعضهم تسمية ذلك "نسخًا"، وليس بجيد؛ لأن الحكم إذا زال بزوال عِلته، لا يقال: إنه منسوخ.

وعبارة إمام الحرمين في ذلك: إنه يتداعى ذلك إلى ارتفاع القياس المستنبَط منه.

وهذا معنى قول ابن الحاجب: (لا يبقى).

(1)

مختصر المنتهى مع شرحه (2/ 553).

(2)

مختصر المنتهى مع شرحه (2/ 558).

ص: 1824

وفصل إلْكِيَا في هذه المسألة بين أن يُنسخ الأصل بلا بَدَل فلا يبقى الفرع، أو بِبَدَل فيبقى. وهو غريب، والله أعلم.

ص:

744 -

وَالنَّسْخُ لِلْفَحْوَى بِدُونِ الْأَصْلِ

وَعَكْسَهُ جَوِّزْ كَمَا لِلْكُلِّ

745 -

نَعَمْ، إذَا أُطْلِقَ نَسْخُ وَاحِد

يَتْبَعُهُ وَإنْ يَكُنْ بِزَائِد

الشرح:

قد سبق في باب المفهوم أنَّ مفهوم الموافقة -وهو ما يكون المسكوت فيه موافقًا للمذكور في حُكمه- إن كان بالأَولى، يسمَّى "فحوى الخطاب"، وسبق في طريق دلالته أربعة مذاهب:

أحدها: بطريق المفهوم، وهو المراد هنا في نَسخه والنسخ به، لا [على]

(1)

أنه بالقياس؛ لأن ذلك داخل في قاعدة النسخ للقياس وبه، وقد سبق. ولا على أن دلالته مجَازية بقرينة، ولا على أنه نقل اللفظ لها عُرْفًا.

إذا عُلم ذلك، فالنسخ إما أن يتوجه على الفحوى أو على أصله، وكل منهما إما مع التعرض لبقاء الآخَر أو مع عدم التعرض لذلك، وإما أن يُنسخا معًا.

فهذه خمس مسائل.

وإما أن يكون النسخ بالفحوى.

فالخمسة مذكورة في هذين البيتين، والسادسة تأتي فيما بعد.

(1)

كذا في (ص، ق)، لكن في (س): على قول.

ص: 1825

الأُولى: أن يَرِد النسخ على الفحوى مع التعرض لبقاء الأصل، كما لو قال:(رفعتُ تحريم كل إيذاء غير التأفيف)، فيجوز ذلك على الأصح عند أكثر المتكلمين، والمنع منقول عن أكثر الفقهاء. قيل: ولعل مأخذه أن دلالته لفظية أو قياسية.

الثانية: أن يَرِد النسخ على الأصل مع إبقاء الفحوى، نحو:(رفعتُ عنك تحريم التأفيف دون بقية أنواع الإيذاء). فهو جائز أيضًا؛ لأنه لا يَلزم من إباحةِ الخفيف إباحةُ الشديد.

وقيل: يمتنع؛ لأن الفرع يتبع الأصل. فإذا رفع الأصل، فكيف يبقى الفرع؟ !

ويجتمع في المسألتين ثلاثة أقوال، ثالثها التفصيل.

الثا لثة: نسخهما معا، كَـ:(رفعتُ تحريم التأفيف وكل إيذاء). وجوازه واضح.

وأما الرابعة والخامسة: وهُما نسخ الفحوى مِن غير تَعرُض لبقاء الأصل أو رفعه، وعكسه، فهُما اللتان تَعرَّض لهما ابن الحاجب والبيضاوي.

فقال ابن الحاجب: (يجوز نسخ أصل الفحوى دُونه -أي دُون نسخ الفحوى- وامتناع نسخ الفحوى دُون أصله)

(1)

.

قال: (ومنهم مِن جوَّزهما، ومنهم مَن منعهما).

وإنما حملنا كلامه على الإطلاق في الأمرين؛ لأنه قال في الاستدلال:

(لنا: أن جواز التأفيف بعد تحريمه لا يستلزم جواز الضرب). أي: فجاز ثبوته دونه.

: (وبقاء تحريمه -أيْ تحريم التأفيف- يستلزم تحريم الضرب)

(2)

.

فاستدلاله با لاستلزام وعدمه يدل على تصويره المسألة بما ذكرناه.

(1)

مختصر المنتهى مع شرحه (2/ 558).

(2)

هذا تتمة كلام ابن الحاجب.

ص: 1826

ومنهم مَن حمل كلامه على المسألتين الأُولتين، وكأنه رأي أن الاستلزام في كلامه إنما أراد به أن ما يستلزم يمتنع التصريح بخلافه، وما لا يستلزم لا يمتنع التصريح بخلافه. ولكنه بعيد.

وأما البيضاوي فعبَّر في المسألة با لاستلزام، فهو صريح فيما ذكرناه، فقال:(نسخُ الأصل يستلزم نسخَ الفحوى، وبالعكس؛ لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم)

(1)

. انتهى

إلا أنه لم يستدل إلا لإحدى المسألتين دُون الأخرى، وهي أنَّ نَسخ الأصل يَلزم منه رفع الفحوى. لكن دليلها أن الفحوى تابعٌ والأصلَ متبوعٌ، فإذا رُفِع المتبوع، ارتفع التابع.

وهذا الذي رجحه فيهما هو المختار عند الأكثر؛ ولذلك قال في "جمع الجوامع": (والأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم الآخَر)

(2)

.

وفي الحقيقة المسألتان مُفرَّعتان على الجواز في المسألتين الأولتين، لأنَّا إذا قلنا بالجواز عند التقييد ببقاء الآخَر، فعند الإطلاق يُعمل بالاستلزام؛ لعدم ما يقتضي خِلافه.

على أن الإمام الرازي قد جزم بأنَّ نَسخَ الأصل يستلزم، وأما استلزام نسخ الفحوى نَسخ الأصل فنقله عن اختيار أبي الحسين، وسكت عليه.

فيحتمل أنه موافقه؛ ولهذا جرى عليه البيضاوي. ويحتمل أنه ذكره على وجه التضعيف له؛ فيكون من القائلين بالتفصيل.

وأما الآمدي فقال: (المختار أن تحريم الضرب في محل السكوت، إنْ جعلناه مِن باب القياس فنسخ الأصل يوجب نسخ الفرع؛ لاستحالة بقاء الفرع بدون الأصل. وإنْ جعلناه بدلالة اللفظ فلا شك أنَّ إحدى الدلالتين باللفظ والأخرى بالفحوى، وهُما مختلفان، فلا

(1)

منهاج الوصول (ص 188) بتحقيقي.

(2)

جمع الجوامع مع حاشية العطار (2/ 116).

ص: 1827

يَلزم مِن رفعِ إحدى الدلالتين المختلفتين رفعُ الأخرى).

فيكون قولًا بعدم الاستلزام في المحلَّين.

ثم قال: (فإنْ قيل: الفحوى تابع، فكيف يبقى مع ارتفاع المتبوع؟ قيل: التبعية إنما هي في الدلالة، لا في الحكم، والنسخ إنما هو وارد على الحكم، فقد يرتفع الحكم والدلالة باقية)

(1)

.

وقولي: (وَإنْ يَكُنْ بِزَائِدِ) أي ولو كان زائدًا على اللفظ في الظاهر؛ لأنه إنما يتبع بطريق اللزوم، لا [بطريق]

(2)

اللفظ. والله أعلم.

ص:

746 -

وَالنَّسْخُ بِالْفَحْوَى، وَفي الْمُخَالَفَهْ

لَا يُنْسَخُ الْأَصْلُ الَّذِي قَدْ خَالَفَهْ

747 -

[بِدُونِهِ]

(3)

، وَذَا امْنَعِ النَّسْخَ بِهِ

وَخَبرٌ يُنْسَخُ؛ لِلتَّنَبُّه

الشرح:

قولي: (وَالنَّسْخُ بِالْفَحْوَى) بالنصب عطفًا على مفعول "جوز" في البيتين قبله. أي: وجوز أيضًا أن يكون الفحوى ناسخة لغيرها.

وهي المسألة السادسة مما أشرتُ إليه فيما يتعلق بالفحوى.

ولم يذكرها ابن الحاجب، وقد ذكرها البيضاوي وغيره، بل ادَّعى الإمام والآمدي فيها

(1)

الإحكام للآمدي (3/ 180).

(2)

كذا في (ص، ق)، لكن في سائر النسخ: بصريح.

(3)

كذا في (ص، ق، ش، ن)، وهو الصواب الموافق لِـ "النبذة الزكية". لكن في (ض، س، ت): فدونه.

ص: 1828

الاتفاق على الجواز، لكن انتُقد بوجود الخلاف، حكاه الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" بناءً عَلى أن الفحوى قياس، والقياس لا يكون ناسخًا. وحكاه ابن السمعاني عن الشافعي؛ لأنه يقول بأن الفحوى قياس، والقياس لا يَنسخ النص.

قلت: فإنْ كانت حكايته الاتفاق بناءً على أنه ليس مِن باب القياس، فلا انتقاد عليهما بالمنع تفريعًا على أنه قياس.

وقد نَصَّ القاضي في "مختصر التقريب" على المنع أيضًا كما هو مختار الشيخ أبي إسحاق.

وقولي: (وَفي الْمُخَالَفَهْ) إلى آخِره -إشارة إلى أن مفهوم المخالفة هل يُنسخ أو يُنسخ به؟

أما نسخه فيجوز نسخ حُكم المسكوت الذي هو مخالف للمذكور مع نسخ الأصل ودُونه. ذكره القاضي عبد الوهاب وغيره؛ فقد قالت الصحابة رضي الله عنهم: إنَّ قوله صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء"

(1)

منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل"

(2)

مع أن الأصل باقٍ، وهو وجوب الغسل بالإنزال.

وأما نَسخ الأصل بدون مفهومه الذي هو نحالِف له حُكمًا، فذكر الصفي الهندي فيه احتمالين.

قال: (وأظهرهما أنه لا يجوز؛ لأنه إنما يدل على ضد الحكم باعتبار ذلك القيد المذكور، فإذا بَطُل تأثير ذلك القيد، بَطُل ما يُبْنَى عليه. وعلى هذا فنسخ الأصل نسخٌ للمفهوم

(1)

صحيح مسلم (رقم: 343).

(2)

مسند أحمد (26067)، سنن ابن ماجه (رقم: 608)، صحيح ابن حبان (1183)، وغيرها. قال الألباني: صحيح. (التعليقات الحسان: 1179).

ص: 1829

منه)

(1)

.

والمعنى أنه يرتفع الحكم الشرعي الذي حُكم به على المسكوت بضد حُكم المذكور.

وقولي: (وَذَا امْنَعِ النَّسْخَ بِهِ) إشارة إلى أن مفهوم المخالفة لا يُنسخ به شيء.

قال ابن السمعاني: لأنَّ النص دائمًا أقوى منه، فكيف يَنسخ الأضعفُ الأقوى؟ ! قلتُ: وقد يُضَعَّف بأنَ المنسوخ به قد يكون مساويًا أو دُونه، كأنْ يكون مفهوم مخالفة أو نحو ذلك. والله أعلم.

وقولي: (وَخَبرٌ يُنْسَخُ؛ لِلتَّنَبُّهِ) تمامه قولي بعده:

ص:

748 -

لَكِنْ بِإخْبَارٍ بِضِدِّ الْحُكْمِ

لَا الْحُكْم نَفْسه، فَجُدْ بِالْفَهْمِ

749 -

إلَّا إذَا أُرِيدَ لِلْإنْشَاءِ

فَإنَّهُ مَعْهُ عَلَى [اسْتِوَاءِ]

(2)

الشرح:

والمراد بذلك أنه لَمَّا انقضَى بيان نَسخ الإنشاء، ذُكِر نسخ الخبر، وذلك يُفْرَض على وجوه:

أحدها: أن يُنسخ التكليف بالإخبار بالخبر. وهو جائز بلا خلاف؛ لأنه من قبيل نسخ الإنشاء. وسواء في هذا أن يكون المخْبَر عنه مما يتغير أو لا.

الثاني: أن يراد مع نَسخه التكليف بالإخبار بضد الأول وهو مما يتغير، كنسخ الإخبار

(1)

نهاية الوصول (6/ 2383).

(2)

في (ض، ت، س): السواء.

ص: 1830

بقيام زَيْد بالإخبار بأنه لم يَقُم. فلا خلاف أيضًا في جوازه؛ لأنه قد يكون قائمًا في وقت أو حالٍ غير قائم في غيره.

وفي معنى هذين الأمرين نسخ التعبد بتلاوة شيء أو الأمر بتلاوة ضده.

الثالث: أن يكون كالذي قبله، إلا أن المخبَر به مما لا يتغير، كالإخبار بكون السماء فوق الأرض يُنسخ بالإخبار بأن السماء تحت الأرض. وذلك جائز.

وخالف المعتزلة فيه -كما قال الآمدي- محتجين بأن أحدهما كذب والتكليف به قبيح؛ فلا يجوز عقلًا. وهو بناء على قاعدتهم الباطلة في التحسين والتقبيح العقليين.

فإنْ قيل: الكذب نقصٌ، وقُبحه بالعقل باتفاق، فلِمَ لا يمتنع ذلك؟

فالجواب: أنَّ القُبح فيه بالنسبة لفاعله، لا باعتبار التكليف به، بل إذا كُلف به، صار جائزًا، فلا يكون قبيحًا؛ إذْ لا حُسن ولا قُبح إلا بالشرع، لاسيما إذا تعلق به غرض شرعي، فإنه مِن حيث ذلك يكون حسنًا.

وشاهد ذلك مِن الفقه ما لو قال مُتغلِّب لضعيف: (اختلِق كذبة وإلا ضربت عنقك).

بل والظاهر أن المعتزلة لا يخالفون في مِثل ذلك وإنْ قالوا بالحسن والقبح العقليين، ويُقَيدون القبح بما لم يتعلق به غرض. ولو أكُره على كلمة كفر لا يأثم بقولها؛ لقوله تعالى:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106]، ولو طالبه ظالم بالوديعة جاز أن يكذب بالإنكار والإخفاء ما أَمكنه، بل يجب عليه ذلك بلا خلاف ولكن يُكَفر عن يمينه على الأظهر؛ لأنه كاذب والكفارة منوطة بالكذب. وكذا مَن التجأ إليه مظلوم، فخبأه في داره. إلى غير ذلك من الفروع.

وهذه الصوَر كلها داخلة في قولي: (لَكِنْ بإخْبَارٍ بِضِدِّ الْحُكْمِ) سوى الصورة الأُولى، فإنها تُفهم مِن باب أَوْلى.

ص: 1831

الرابع: نسخ نفس الحكم المخبَر به، وهو المعروف في الأصول بِـ "نَسْخ الأَخبار" بالفتح.

فإنْ كان ذلك الحكم مما لا يتغير، فلا يجوز فيه النسخ بالإجماع كما حكاه أبو إسحاق المروزي وابن برهان، وذلك: كصفات الباري سبحانه وتعالى وأخبار الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) وأخبار الأُمم السالفة والأخبار عن الساعة وأماراتها ونحو ذلك.

وإنْ كان مما يتغير كإيمان زيد وكُفره، فلا يجوز أيضًا على الأصح، سواء كان الخبر ماضيًا أو مستقبلًا أو حالًا، وسواء أكان وعدًا أو وعيدًا. وإلى هذا ذهب الصيرفي وأبو إسحاق المروزي والقاضي أبو بكر والجبائي وابنه أبو هاشم وابن السمعاني وابن الحاجب. وقال الأصفهاني: إنه الحقُّ.

ومقابل الأصح: الجواز مطلقًا. وإليه ذهب أبو عبد الله وأبو الحسين البصريان، وعبد الجبار والإمام الرازي. ونَسَبه ابن برهان للمعظم.

والتفصيل بين الخبر عن الماضي فيمتنع؛ لأنه يكون تكذيبًا، دُون المستقبل؛ لجريانه مجرى الأمر والنهي، فيجوز أن يُرْفَع. وبه قال سليم الرازي، وسبقه إليه ابن القطان، وجرى عليه البيضاوي.

وهذا التفصيل مبني على أن الكذب لا يكون في المستقبل، بل في الماضي. وهو قول مشهور، بل هو المفهوم عن الشافعي رضي الله عنه؛ فلذلك قال: لا يجب الوفاء بالوعد. وضعّف احتجاج قائل الوجوب (بأنه كذب، وهو حرام) بأنَّ الوعد إنشاء، لا خبر، فَخُلْفه خُلْف وَعْد، لا كذب؛ ولذلك جاء في صفة المنافق:"إذا حَدَّث كذب، وإذا وَعد أَخْلف"

(1)

، فَغَايَر بينهما، ويسمي الثاني "إخلافًا"، لا "كذبًا".

(1)

صحيح البخاري (رقم: 33)، صحيح مسلم (رقم: 59).

ص: 1832

وكذا قال الزجاجي في كتاب "الأذكار" بأن الإخبار بضد الصدق إذا كان مستقبلًا، يُقال فيه: أخلف، ولا يقال: كذب.

لكن قد يشكل هذا بأنه إذا لم يقبل الكذب فكيف يكون خبرًا؟

والحقُّ أن الخبر عن المستقبل يقبل التصديق والتكذيب. فإنْ تَعلق بالمستقبل ولم يقبل ذلك كالوعد، كان إنشاءً، وليس مما نحن فيه.

وحينئذٍ فيقال: الوعيد نَسْخه جائز؛ لأنه لا يفضي إلى كذب ولا يُعَد خُلْفًا، بل عفوًا وكرمًا.

وأما الوعد فهو وإنْ كان مِثله في أن نسخه لا يفضي إلى كذب، لكن لا يقع الخلف فيه، بخلاف الوعيد؛ لأنَّ الخلف في الإنعام نقص قادح في كرم الكريم، فكيف بأكرم الأكرمين؛ فالخلف فيه محال على الله تعالى من هذه الحيثية.

قال الخطابي: النسخ يجري فيما أخبر الله تعالى أنه يفعله؛ لأنه يجوز تعليقه على شرط، بخلاف إخباره عما لا يفعله؛ إذ لا يجوز دخول الشرط فيه.

قال: وعلى هذا تأول ابن عمر النسخ في قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284]، فإنه نسخها بعد ذلك برفع حديث النفس، وجرى ذلك مجرَى العفو والتخفيف عن عبادِه، وهو كرم وفضل، وليس بخلف.

قال الأصمعي: (سمعتُ أعرابيًّا يقول: سبحان مَن إذا وعد وفا، وإذا تَوعَّد عفا).

وفي نَسخ الخبر قول رابع بالتفصيل بين أن يكون الخبر الأول معلقًا بشرط أو استثناء فيجوز نسخه، وإلا فلا. قاله ابن بقلة في كتاب "البرهان"، قال: كما وَعَدَ قوم يونس بالعذاب إنْ لم يتوبوا، فلمَّا تابوا كشف عنهم.

وقول خامس اختاره الآمدي: يجوز مطلقًا إذا كان مما يتكرر والخبر عام، فيتبين بالناسخ

ص: 1833

إخراج ما لم يتناوله اللفظ.

تنبيهان

الأول: محل الخلاف في غير الخبر عن الحكم، نحو:(هذا الفعل جائز) أو: (حرام)، فهذا يجوز نسخه بلا خلاف؛ لأنه في الحقيقة إنشاء.

ونحوه الخبر بمعنى الأمر والنهي، نحو:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} [البقرة: 228]، {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: 233]. فنسخ ذلك جائز عند الأكثر؛ لأنه إنشاء.

ونقل الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" والقاضي عبد الوهاب وابن السمعاني فيه خلافًا عن الدَّقاق. ولا وجه له إلا أن يقال: لكونه على صورة الخبر.

الثاني: بنى القاضي في "التقريب" الخلاف في المسألة على الخلاف في أن النَّسخ رفع أو بيان.

فإن قلنا: رفع، امتنع، للزوم الكذب في الأول أو في الثاني، وهو محال.

وإن قلنا: بيان، فلا تمتنع إبانة أن ذلك "الحكم الذي في الخبر" في بعض الأزمنة دُون بعض. والله أعلم.

ص:

750 -

كَذَا مُقَيَّدٌ بِلَفْظِ "أَبَدَا"

وَنَحْوِهَا، كَـ "مُسْتَمِرًّا" قُيِّدَا

751 -

يَجُوزُ، وَالنَّسْخُ بِغَيْرِ بَدَلِ

وَالشَّافِعِيْ نَفَى الْوُقُوعَ في الْجَلِيْ

الشرح:

اشتمل ذلك على مسألتين:

ص: 1834

إحداهما: إذا قُيِّد حُكم بلفظ التأبيد، مثل:(صوموا يوم عاشوراء أبدًا)، فيجوز بعد ذلك نَسخه عند الجمهور، خلافا لبعض المتكلمين. وبه قال من الحنفية أبو بكر الجصاص وأبو منصور الماتريدي وأبو زيد الدبوسي والبزدويان الأخوان، قالوا: لمناقضة الأَبَدية؛ فيؤدي ذلك إلى البداء.

وجوابه: أن ذلك إنما تُقصد به المبالغة، لا الدوام. كما تقول:(لازم غريمك أبدًا). وإنما تريد: لازِمه إلى وقت القضاء. فيكون المراد هنا: لا تخل به إلى أن ينقضي وقته بالنَّسخ.

قالوا: إذا كان الحكم -لو أُطْلِق الخطاب

(1)

- مستمرًّا إلى النسخ، فما الفائدة في التقييد بالتأبيد؟

قلنا: فائدته التنصيص والتأكيد، وأيضًا فلفظ "الأبد" إنما مدلوله الزمان المتطاول.

وقولي: (وَنَحْوِهَا) أي: مثل: (افْعَل ذلك دائمًا) أو: (مستمرًّا) أو شبه ذلك مما يدل على الاستمرار؛ لأن غايته أن يكون نَصًّا في الفعل في وقت ويُنسخ قبله، فيكون مثل:(صوموا غدًا) ثم يُنسخ ذلك قبل مجيء الغد.

وإلى ذلك أشرتُ بقولي: ("مُسْتَمِرًّا" قُيِّدَا). أي: كلفظ "مستمرًّا" إذا قيد به، فـ "قُيِّدَا" جملة نُعِتَ بها النكرة وهي "مُسْتَمِرًّا".

وقولي: "يَجُوزُ" هو خبر المبتدأ الذي هو "مقيد"، أي: يجوز نسخه؛ لأنَّه المحدث عنه.

وأطلقتُ ذلك ولم أقيده بالإنشاء؛ لأنَّ الخبر لا يدخله النسخ كما سبق.

نعم، الخبر عن الحكم سبق أنه كالإنشاء في جواز النسخ به، فهل يجوز نسخ ما قُيِّد منه بالتأبيد؟ أو يمتنع؟

(1)

يعني: ليس مُقَيَّدًا بالتأبيد.

ص: 1835

الظاهر الجواز؛ لأنه في الحقيقة بمنزلة: افعل كذا أبدًا.

ووقع في "ابن الحاجب" عبارة تحتمل المنع في ذلك وتحتمل أن يُراد بها غيره.

فقال: (الجمهور: جواز نسخ مثل: "صوموا أبدًا"، بخلاف: "الصوم مستمر أبدًا")

(1)

.

ففهم بعض شُراحه أنه يفرق بين الأمر الصريح وبين الخبر المتضمن للأمر، وأنه جائز في الأول دون الثاني. ولكن لم يصرح الآمدي ولا غيره بذلك، إلا أن الآمدي سأل في المحل أسئلة، منها:(أن المتكلِّم إذا أخبر بلفظ التأبيد، لم يَجُز نسخه، فكذلك غير الخبر)

(2)

.

ثم أجاب عنه بأنه قد يُمنع ذلك في الخبر أيضًا. أي فيقال: بل هو جائز في الخبر أيضًا.

فأراد ابن الحاجب بذلك دفع توهُّم موافقته للآمدي. لكن الآمدي بناه على اختيار النسخ في الخبر، وابن الحاجب لا يرى ذلك. كذا شرحه الأصفهاني وغيره.

وفيه نظر من وجهين:

أحدهما: يُبْعِده زيادة "مستمرًّا" في المسألة الثانية.

والثاني: أن الخبر عنده لا يُنسخ، سواء قيد بالتأبيد أو لا.

ويحتمل أن ابن الحاجب إنما أراد التفصيل في التقييد بالتأبيد بين أن يكون في فِعل المكلف كَـ "صوموا أبدًا" فيجوز النسخ فيه، وبين أن يكون قيدًا في الإيجاب وبيانًا لمدة بقائه واستمراره نحو:"الصوم واجب مستمر أبدًا" فيمتنع.

وهو ما شرحه به القاضي عضد الدين، ووافقه على اختياره السبكي؛ ولهذا زاد لفظ "الاستمرار" في الثانية، فإنه قرينة تقييد الخطاب به.

(1)

مختصر المنتهى مع شرحه (2/ 518).

(2)

الإحكام للآمدي (3/ 148).

ص: 1836

وبالجملة: فالخبر إذا كان بمعنى الإنشاء، جاز أن ينسخ كما سبق، فمسألتَا ابن الحاجب مستويتان.

المسألة الثانية في النَّظم:

أن النسخ جائز للحكم وإن لم يؤت بحكم آخر بدلًا عنه. وإذا قلنا: يجوز، فلم يقع إلا ببدل.

فهُما بحثان: الأول في الجواز، والثاني في الوقوع.

فأما أنه يجوز بلا بدل فهو قول الجماهير، وخالف فيه قوم من أهل الظاهر، ونقله القاضي في "مختصر التقريب" عن المعتزلة.

دليل الجمهور: أنَّ المصلحة قد تكون فيما نُسخ ثم تصير المصلحة في عدمه. هذا عند مَن يعتبر المصالح، وأما مَن لا يعتبرها فلا إشكال فيه.

وأيضًا: فقد وقع، فإنَّ وجوب تقديم الصدقة بين يَدَي مناجاته صلى الله عليه وسلم نُسِخَ بلا بدل.

وأما مَن ادَّعَى أنَّ نَسْخه بالزكاة فرُدَّ عليه من وجهين:

أحدهما: أنه تعالى قال: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [المجادلة: 13] الآية، فلمَّا ضُم إلى الزكاة الصلاة والطاعة، عُلِم عدم كون شيء منهما بدلًا عن المنسوخ؛ لأنَّ الصلاة والطاعة مأمور بهما مِن قبل.

ثانيهما: أن ذلك يحتاج لمعرفة التاريخ، وإنما المراد في الآية أن ذلك إذا نُسخ فليكن اعتمادكم على ذروة الأمر وسنامه المأمور به دائما، وهو طاعة الله تعالى والصلاة.

ومما نُسخ بلا بدل أيضًا: الإمساك عن الطعام بعد الفطر في الليل الذي كان واجبًا في أول الإسلام.

ونحوه: نسخ ادِّخار لحوم الأضاحي.

ص: 1837

وبالجملة: فالله تعالى يفعل ما يشاء.

قال القاضي: كما يجوز أنَّ الله تعالى يرفع التكاليف كلها يجوز أن يرفع بعضها بلا بدل مِن باب أَوْلي.

وأما تَعلُّق الخصم بقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] الآية فالمراد: لا ينسخ لفظ إلا ويُؤتَي بلفظ خير منه، لا في نَسخ الأحكام. ولو سُلِّم أن الآية باقية علي عمومها فقد يكون النسخ بلا بدل خيرًا؛ لمصلحة يعلمها الله تعالى، فالآية شاملة له.

وأيضًا: فالذي في الآية نَفْي إيقاع ذلك، فمِن أين نفي الجواز؟

وأما بحث الوقوع المشار إليه في النَّظم بالنقل عن الشافعي (رحمه الله تعالى) أنه نفاه فليس المراد أن الشافعي نفي أن لا يُنسخ حكم إلا ويثبت حُكم آخر متجدد، بل علي معني آخَر نذكره بعد حكاية النص.

وذلك أنَّ الشافعي (رحمه الله تعالى) قال في "الرسالة" في ابتداء الناسخ والمنسوخ: (وليس يُنسخ فرضٌ أبدًا إلا أُثبت مكانه فرضٌ، كما نُسخت قِبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة)

(1)

. انتهى

قال الصيرفي في شرحه: (إن مراده أن يُنقل مِن حظر إلي إباحة أو مِن إباحة إلي حظر أو تخيير علي حسب أحوال الفروض).

قال: (كنسخ المناجاة، فإنه تعالى لَمَّا فرض تقديم الصدقة، أزال ذلك بِرَدِّهم إلي ما كانوا عليه. فإنْ شاءوا تَقرَّبوا إلى الله تعالى بالصدقة، وإنْ شاءوا ناجوه من غير صدقة).

قال: (فهذا معنى قول الشافعي: فرض مكان فرض. فَتَفَهَّمه). انتهى

(1)

الرسالة (ص 109).

ص: 1838

فظهر أن مراد الشافعي بالبدل أَعَم مِن حُكم آخر ضد المنسوخ، كالقبلة أو الرد لِما كانوا عليه قبل شَرْع المنسوخ، كالمناجاة. فالمدار على ثبوت حُكم شرعي في المنسوخ في الجملة حتى لا يتركوا هملًا بلا حُكم في ذلك المنسوخ بالكُلية؛ إذْ ما في الشريعة منسوخ إلا وقد انتقل عنه إلى أمر آخَر ولو أنه إلى ما كان عليه قبل ذلك، فلم يغادر الرب سبحانه وتعالى عباده هملًا.

فالصور أربع:

[إحداها]

(1)

: الجواز. ولا يخالف فيه إلا بعض المعتزلة والظاهرية.

والثانية: الوقوع بلا بدل أصلًا، ويصير ذلك بلا حُكم أصلًا، بل يبقي كالأفعال قبل ورود الشرع. وهذا -مع جوازه- لم يَقُل به أحد، ولا حُفِظ فيه شيء في الشرع يكون مِثالًا له.

والثالثة: وقوعه ببدل، إما بإحداث أمر (كالكعبة) أو بإباحة ما كان واجبًا (كالمناجاة)، وهو الذي أراده الشافعي بقوله السابق، فلا يُفهم مما أراد من البدل إلا ذلك، وهو قضية كلام القاضي أبي بكر أيضًا، وهو الحقُّ كما قررناه.

والرابعة: وقوعه ببدل متجدد أصل -كالكعبة بعد بيت المقدس- يكون شرطًا لا بُد منه، وهي مسألة الوقوع التي يقع فيها الخلاف.

والجمهور علي عدم اشتراط مثل ذلك، وليس ذلك محل كلام الشافعي.

وممن أشار إلي ما قررناه إمام الحرمين في "التلخيص مختصر التقريب"، والله أعلم.

(1)

كذا في (س)، لكن في (ص، ق): أحدها.

ص: 1839

ص:

752 -

وَمَا بِهِ فَقَدْ يَكُونُ أَثْقَلَا

كَرَمَضَانَ بَعْدَ عَاشُورَا انْقُلَا

753 -

وَالنَّسْخُ بِا لْأَخَفِّ كَالْمُصَابَرَهْ

[لِعَشْرَةٍ]

(1)

بِالضِّعْفِ فِيمَنْ صَابَرَهْ

الشرح:

إذا تَقرر أنَّ النَّسخ جائز وواقع ببدل وبغير بدل، فإذا كان ببدل، فالبدل إما مساوٍ أو أخف أو أثقل. والأولان جائزان باتفاق.

مثال المساوي: نسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة. وإنما لم أتعرض له لوضوحه.

ومثال الأخف: وجوب مصابرة العشرين من المسلمين مائتين من الكفار، والمائة ألفًا، كما في الآية تضمنت مصابرة كل طائفةٍ من المسلمين عشرة أمثالهم نُسخ بقوله تعالي:{وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} [الأنفال: 66] فأوجب مصابرة الضعف، وهو أخف من الأول.

ومثله: نَسخ العدة بالحول في الوفاة بالعدة بأربعة أشهر وعشر.

وأما النسخ بالأثقل فهو محل الخلاف، فقال بعض أهل الظاهر بمنعه.

قال ابن برهان في "الوجيز": ونقل ناقلون ذلك عن الشافعي، وليس -أيْ هذا النقل- بصحيح عنه.

ثم منهم مَن أجاز ذلك عقلًا ومنع منه شرعًا، وهو رأي أبي بكر بن داود الظاهري، ومنهم مَن منعه عقلًا، ومنهم مَن قال: يجوز ولكن لم يقع.

(1)

في (ت): كعشرة. وفي سائر النُّسخ: لعشرة.

ص: 1840

دليل القول الصحيح -أنه جائزٌ واقعٌ- أنَّ الكَف عن الكفار كان واجبًا بقوله تعالي: {وَدَعْ أَذَاهُمْ} [الأحزاب: 48]، فنُسخ بإيجاب القتال وهو أثقل، أي: أكثر مشقة.

وكذا نسخ وجوب صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان، وهو أثقل. ولكن هذا علي طريقة مَن قال: كان عاشوراء واجبًا، فنُسخ برمضان. وهو قول أبي حنيفة وظاهر كلام أحمد، وعليه جريتُ في التمثيل في النَّظم تبعًا لتمثيل كثير من الأصوليين. لكني لوحتُ بقولي:(انْقُلَا) إلي الأمر بنقل هذا عن مَن قاله ومَثِّل به ولكن لا تعتقده. هذا مرادي: بـ "انْقُلَا".

وقصرتُ "عَاشُورَا"؛ للضرورة.

والذي قاله الشافعي: إنه لم يكن واجبًا، إنما كان متأكد الاستحباب فقط. وبه قال كثير مِن الحنابلة وغيرهم. ولَمَّا فُرض رمضان لم يَصِر تأكُّده بَعد ذلك كما كان قَبله.

نعم، وافق بعض أصحاب الشافعي أبا حنيفة في ذلك؛ تمسُّكًا بظواهر أحاديث وردت لا تقاوم صريح الأحاديث الصحيحة، كحديث معاوية في "الصحيحين" أنه حج، فقال علي المنبر يوم عاشوراء:"يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم: هذا يوم عاشوراء، لم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم. فمَن أَحَب منكم أن يصوم، فَلْيَصُم، ومَن أَحَب أنْ يفطر فليفطر"

(1)

.

وفي "مسلم" عن عائشة رضي الله عنه: "إنَّ يوم عاشوراء كان يُصام في الجاهلية، فلمَّا كان الإسلام مَن شاء صامه ومَن شاء تركه"

(2)

. وغير ذلك وليس هذا محل بسطه. والله أعلم.

(1)

صحيح البخاري (1899)، صحيح مسلم (رقم: 1129).

(2)

صحيح مسلم (رقم: 1125).

ص: 1841

ص:

745 -

وَلِلْوُجُوبِ وَحْدَهُ يَرْتَفِعُ

وَبَعْدَهُ الْجَوَازُ يَبْقَي الْمَرْجِعُ

الشرح:

أي: إذا نُسخ الوجوب وحده، فهل يرتفع معه الجواز؟ أو يبقي؟

فيه مذهبان:

أحدهما: وهو ما جرى عليه الإمام الرازي وأتباعه: أنَّ الجواز بعد نَسخ الوجوب باقٍ؛ لأنَّ الصورة أنه رفع الوجوب وحده بأنْ يقول الشارع: نسختُ الوجوب أو حُرْمَة الترك، أو: رفعتُ ذلك. والوجوب كان مُركبًا مِن جزأين: أحدهما هذا، والثاني جواز الفعل. فإذا رفع أحدهما، يبقي الآخَر. بخلاف ما لو نُسخ الوجوب بالتحريم، أو قال: رفعتُ ما دل عليه الأمر السابق مِن جواز الفعل ومنع الترك. فهذا يرتفع الجواز فيه قطعًا ويثبت التحريم. وهذا ما ذهب إليه الإمام الرازي وأتباعه، ورجَّحه المتأخرون.

ومقابلُه المذهب الثاني: نقلوه عن الغزالي: أنَّ الجواز لا يبقي، بل يرجع الأمر إلي ما كان قبل الوجوب مِن البراءة الأصلية أو الإباحة أو التحريم، وكأنَّ الوجوب بَعد نَسْخه لم يكن.

قال شيخنا الزركشي في "شرح جمع الجوامع": (إن هذا هو الذي وجدته في كلام أكثر أصحابنا الأقدمين)

(1)

. وعاب علي ابن السبكي قوله في "شرح المنهاج": (إن الأول قول الأكثرين)؛ لأنه إنما هو قول الإمام وأتباعه.

قلتُ: لكنه يقوي بما سنذكره من قاعدة "إذا بطل الخصوص، يبقي العموم" القائل بها جماهير أصحابنا في كتب الفروع.

(1)

تشنيف المسامع (1/ 243).

ص: 1842

نعم، المراد بِـ "الجواز" فيه أقوال:

أحدها: أنه رفع الحرج عن الفعل، لا الإباحة التي هي رفع الحرج عن الفعل وعن الترك معًا؛ لأن هذه ليست هي جنس الوجوب، إنما جنسه الجواز بمعني: رفع الحرج عن الفعل.

الثاني: أن المراد بالجواز: التخيير بين الأمرين. وهذا ما صرح به الغزالي، وهو ظاهر كلام الإمام وأتباعه؛ لأنه بهذا المعني وإنْ لم يكن جنسًا للواجب لكن يخلف عند النسخ قَيْدَ "المنع مِن الترك" -الذي هو فصل الإيجاب- فصلُ "رفع الحرج عن الترك"

(1)

، فيكون الجنس الذي هو قَدْر مشترك بين الإيجاب والإباحة.

ولو سلمنا أنه لا بُدَّ له مِن فصل يتَقَوَّم به ولا يتقوم بنفسه كما يقوله ابن سينا متقوِّمًا بأحد الأمرين فلم يتقوم جنس بدون فصل.

وعلي مثل ذلك قول بعضهم:

[أيا]

(2)

من حياتي جنس فَصْل وصاله

ومن عيشتي ملزوم لازم قُربه

[أَيُوجَدُ]

(3)

مَلْزُومٌ ولا لازِم له

[مُحَالٌ]،

(4)

وجِنْسٌ لَمْ يَقُمْ فَصْلُه به

لكن قد خالف الإمامُ وأتباعُه ابنَ سينا في أنَّ فصل الجنس ليس عِلة لوجود [حصته]

(5)

من الأصل، وإنما هما معلولان لِعلة واحدة وهو حصول الماهية المركَّبة منهما.

(1)

يعني: فصلُ "رفع الحرج عن الترك" يخلف قَيْدَ "المنع مِن الترك" الذي هو فصل الإيجاب.

(2)

في (ش): أنا.

(3)

في (ش): أيؤخذ.

(4)

كذا في (ص، ق). لكن في سائر النسخ: بحالٍ.

(5)

كذا في (ص، ش)، لكن في (س، ت): جنسه. وفي (ق): حصة.

ص: 1843

وتقرير ذلك مشهور في الكتب الحكمية.

الثالث: أن الباقي بعد نسخ الوجوب الجوازُ المشترك بين الإباحة والندب، فيبقي الفعل إما مباحًا أو مندوبًا؛ لأنَّ الماهية الحاصلة بعد النسخ مركَّبة مِن قيدين:

أحدهما: زوال الحرج عن الفعل، وهو مستفاد من الأمر.

والثاني: زوال الحرج عن الترك، وهو مستفاد من الناسخ.

وهذه الماهية صادقة على المندوب والمباح؛ فلا يتعيَّن أحدهما بخصوصه.

الرابع: أن الباقي هو الجواز ومُطْلَق الطلب اللذان قد استُفِيدَا أولًا من الأمر الذي هو الإيجاب؛ لأنَّ المرتفع إنما هو التَّحَتُّم بالطلب، فبزوال التحتم يبقي أصل الطلب، وذلك هو الندب، فيبقي الفعل بعده مندوبًا.

وهذا القول حكاه في "جمع الجوامع". واستشكل بقول ابن القشيري في تقرير الدليل علي أنَّ الجواز لا يبقي بعد نسخ الوجوب: (إنه لو جاز أن يقال: يبقي الجواز، لساغ أن يقال: يبقي الندب. لاسيما والاقتضاء الكائن في الندب كائن في الوجوب. والمحكي قصر الخلاف على الجواز). انتهى

ونحوه قول الغزالي: (إن هذا بمنزلة قول القائل: كل واجب فهو مندوب وزيادة. فإذا نُسخ الوجوب، يبقى الندب. ولا قائل به)

(1)

. انتهى

فاقتضى كلامهما أن كونه يبقي الندب لم يَقُل به أحد وإنْ كان الرد على القائلين ببقاء الجواز بذلك ليس بجيد؛ لأنهم لم يُعَيِّنوا الجواز مجردًا، بل أرادوا به الأعم، لكن هذا إنما يمشي على القول الثالث في تفسير الجواز. أما على الأولين فيتوجه الرد به. نعم، الندب علي

(1)

المستصفي (ص 95).

ص: 1844

ما قررناه لا يَبْعُد القول به.

وأما قول شيخنا الزركشي في شرحه: (إن الظاهر أن صاحب "جمع الجوامع" أخذه مِن "المسودة الأصولية" لمجد الدين ابن تيمية؛ فإنه قال: إذا صُرِف الأمر عن الوجوب، جاز أن يحتج به على الندب والإباحة. وبه قال بعض الشافعية وبعض الحنفية)

(1)

. انتهى

فليس صريحًا في تَعيُّن الندب؛ لجواز أن يُراد الأَعَم منهما كما سبق تقريره في القول الثالث.

تنبيهات

الأول: ذهبت طائفة إلي أن الخلاف لفظي، منهم ابن التلمساني والهندي؛ لأنَّا إنْ فسَّرنا الجواز بنفي الحرج فلا شك في أنه جنس للواجب، وإذا رُفِع الوجوب وحده فلا يلزم ارتفاعه. وإنْ فسرناه بالإباحة أو الأعم أو بالندب فخاصَّتها تُنافي خاصة الوجوب. فليس شيء منهما جنسًا للوجوب. فإذا رُفع الوجوب، لا توجد إلا بدليل يخصها؛ فلا نزاع؛ لأنَّ الأقوال لم تتوارد علي محل واحد.

قلتُ: الذي [يُصَيِّر]

(2)

الحال إلى ما كان قبل الإيجاب مِن إباحة أو تحريم أو كراهة غيرُ الذي يأخذ مِن حدوث الإيجاب بعد ذلك أن تبقي إباحة شرعية أو ندب كما قررناه حتي يستدل علي أنه مباح أو مندوب بذلك الأمر الذي نسخت خاصة التحتُّم منه وبقية ما تضمنه باقية؛ فلا يكون الخلاف لفظيًّا، بل معنويًّا؛ لأنه إذا كان قبل مجيء أمر الإيجاب حرامًا وأُعيد الحال إلى ذلك، كان حرامًا. ومَن يقول بنفي الجواز، يقول: لا يكون حرامًا.

(1)

تشنيف المسامع (1/ 242).

(2)

في (ش، ث، س، ض): يعيد.

ص: 1845

الثاني: إذا كان أمر الإيجاب متضمنًا لشيئين: أَعَم وأَخَص، فإذا رُفع الأخص وبقي الأعم، كيف يكون نسخًا ولم يُرفع الكل وإنما خصصه؟

وجوابه: أن رفع أحد الجزأين مِن المركَّب لا يكون تخصيصًا، إنما التخصيص إخراج جزئي مِن كُلي.

فإنْ قيل: فلمَ لا يكون ذلك قرينة مُبيِّنة أن المراد بذلك الأمر هو الإباحة أو الندب، كما لو وردت صيغة "افعل" واقترن بها ما يدل على أنه لا حرج في تركه، فإنَّا نحملها على الندب أو الإباحة، ولو كان ناسخًا لما جاز اقترانه به؛ لأنَّ مِن شرط الناسخ التراخي؟

قلتُ: قد تُفرض المسألة في أنَّ الرافع للوجوب إنما جاء متراخيًا بعد ثبوته وتَقرُّره؛ فيكون نسخًا قطعًا.

نعم، إنْ كان الغزالي لا يُسمي ما رفع أحد الجزأين نَسخًا فيرجع النزاع لفظيًّا في تسميته نسخًا أوْ لا.

الثالث: اختلاف الأصوليين في هذه المسألة يناظره اختلاف الفقهاء في أنه إذا بطل الخصوص، هل يبقي العموم؟ وفيه فروع كثيرة:

منها: مَن صلَّي الظهر قبل الزوال ظانًّا للزوال، لا تنعقد صلاته ظهرًا. وفي انعقادها نفلًا هذا الخلاف، والأرجح: نعم.

ومنها: أحال المشتري البائع بالثمن على رجُل ثم وجد بالمبيع عَيبًا، فَرَدَّه، بَطُلت الحوالة على الأصح. وهل للمحتال قبضه للمالك بعموم الإذن الذي تضمنته الحوالة؟ فيه الخلاف.

ومنها: عَجل الزكاة بلفظ: هذه زكاتي المعجلة فقط، فهل له الرجوع إذا عرض مانع؟

ص: 1846

أصح الوجهين: نعم، والثاني: يقع نفلًا. و [قربها]

(1)

الإمام مِن الخلاف في مسألة الصلاة قبل الزوال.

ومنها: أنَّ الوكالة لا تُعَلَّق، فلو عُلِّقَت فتصرَّف الوكيل بعد حصول الشرط، فأصح الوجهين: الصحة؛ لعموم الإذن. خلافًا لقول الشيخ أبي محمد.

ومنها: قالت لِولِيِّها: وكلتك بتزويجي. قال الرافعي: (فالذين لقيناهم من الأئمة لا يَعتدُّون به إذنًا، لأنَّ توكيل المرأة في النكاح باطل. لكن الفرع غير مسطور، ويجوز أن يُعتد به إذنًا؛ لِمَا ذكرناه في الوكالة)

(2)

.

ومنها: قال الماوردي: (إذا فسدت الشركة، بَطُل أصل الإذن في التصرف). انتهى

وينبغي أن يتخرج على الخلاف في الوكالة.

ومنها: باع بلفظ السَّلم، ليس بسلم قطعًا. وفي انعقاده بيعًا قولان، أظهرهما: لا. وبنوا الخلاف على أن العِبرة بِصِيَغ العقود؟ أَم بمعانيها؟ ويتجه بناؤه علي ما سبق.

ومنها: شَرَطَا الخيار لثالثٍ وأبطلناه. هل يبقي الخيار لهما لكونهما شرطاه وقد بَطُل الخصوص فيبقي العموم؟ يتجه تخريجه علي القاعدة.

ومنها: أحال بالدراهم على الدنانير أو بالعكس، لم يصح.

فهل تكون حوالة علي مَن لا دَيْن عليه؟ وهل يعمل بأصل الحوالة عملًا بهذه القاعدة ويتخرج على الخلاف في الحوالة على مَن لا دَين عليه؟ يتجه ذلك.

والله أعلم.

(1)

في (ت، س، ض): قربهما.

(2)

العزيز شرح الوجيز (7/ 541 - 542).

ص: 1847

ص:

755 -

وَلَيْسَ مِنْ نَسْخٍ زِيَادَةٌ عَلَى

نَصٍّ، كَذَا جُزْءٌ وَشَرْط أُكْمِلَا

الشرح:

تضمن هذا البيت مِن مباحث النسخ ثلاث مسائل فيما إذا زِيد شيء علي ما تَقرر بنص الشارع.

وذلك أنه إما زيادة عبادة مستقلة وإما غير مستقلة.

وغير المستقل: إما زيادة جزء مِن أجزاء الماهية داخلًا فيها، وإما في شروطها الخارجة عنها.

فالأول: إذا زِيدت عبادة مستقلة:

وهو ضربان:

أحدهما: أن يكون مِن غير جنس المزيد عليه، كزيادة وجوب الزكاة علي وجوب الصلاة، وزيادة وجوب الصوم على ذلك، وزيادة وجوب الحج علي ذلك.

فهذا جائز وواقع، وليس نسخًا كما سبق باتفاق؛ فإنَّ أول ما فُرض الشهادتان، ثم الصلاة في ليلة الإسراء، ثم الزكاة في السنة الثانية والصوم ثم الحج. ومَن استقرأ الشريعة، وجدها كلها كذا: شيئًا فشيئًا.

ثانيهما: أن يكون مِن جنس ما سبق، كزيادة صلاة على الصلوات الخمس.

فالجمهور علي أنه ليس بنسخ. وقال بعض أهل العراق: يكون نسخًا. وقد نقل ذلك ابن الحاجب ولم يعقبه بِرد ولا إنكار، بل قال: (العبادات المستقلة ليست نسخًا. وعن

ص: 1848

بعضهم: صلاة سادسة نسخ)

(1)

. ثم انتقل إلى ذِكر مسألة زيادة جزء أو شرط.

وأما البيضاوي فأشار إلي حُجتهم بقوله: (قيل: تغير الوسط. قُلنا: وكذا زيادة العبادة)

(2)

.

فبيَّن أن سبب قولهم: (إنه نسخ) كونه يُغير الوسط. وكذا نقل غيره.

لكن المدَّعَي عام، وهو مطلق زيادة من الجنس، سواء في الصلاة أو غيرها مما له وسط وما لا وسط له. والدليل خاص، وهو زيادة صلاة سادسة علي خمس حتي أنَّ الوسط يتغير بذلك.

فإنْ كان محل خلافهم في الأَعم، فدليلهم هذا ساقط؛ لأنَّ كون الشيء له وسط أو آخِر ويتغير ذلك بالزيادة فهو ليس بشرعي؛ لأنَّ الوسط والآخِر أمر اعتباري عقلي لا يَرِد النسخ عليه.

وإنْ كان محل خلافهم هذه الصورة الخاصة، فلا ينبغي تعبيرهم بمطلق الزيادة واعتلالهم بتغير الوسط -تَغَيُّر كونه متوسطًا بين متساويين- فهذا أمر حقيقي عقلي، لا شرعي حتي تكون إزالته نسخًا.

وأيضًا: فلا يختص بصلاة سادسة، بل يجري في كل مزيد.

وإنْ أرادوا أن الوسطي مأمور بالمحافظة عليها فبزوالها يزول ذلك: فإنْ كان المسمي بِـ "الوُسطَي" صلاة مُعيَّنة مِن عَصْر أو غيرها وأنَّ ذلك [كالعَلَم]

(3)

عليها، فالأمر بالمحافظة عليها باقٍ ولو زِيدَ على الخَمس أو نقص منها.

(1)

مختصر المنتهي مع شرحه (2/ 562).

(2)

منهاج الوصول (ص 188) بتحقيقي.

(3)

كذا في (ص، ق)، لكن في (س): علم.

ص: 1849

وإنْ كان "الوُسطَى" المأمور بالمحافظة عليها مرادًا بها المتوسطة كيف كانت، فالذي يظهر حينئذٍ أنَّ الأمر يختلف بما يُزاد.

فإنْ زِيدَ واحدة، فهي ترفع الوسط بالكُلية، ويتجه ما ذكروه، لأنَّ الوسط حينئذٍ وإنْ كان أمرًا حقيقيًّا إلا أن الشرع وَرَدَ عليه وقَرره؛ فتكون الزيادة نسخًا للأمر الشرعي.

وإنْ زيد ثنتان أو نحو ذلك مما لا يرفع الوسط، فلا نَسخ، ويكون الأمر بالمحافظة علي تلك الصلاة لذاتها، وكونها وسطًا إنما هو أمر اتفاقي. وإنْ كان الأمر بالمحافظة عليها إنما هو مِن حيث كونها وسطًا؛ [لِسِرٍّ شرعي]

(1)

فهو لم يَزُل بالزيادة.

الثاني والثالث: إذا زِيد في الماهية الشرعية جزء أو شرط، فلا يكون ذلك أيضًا نسخًا على المرجَّح. وبه قال الشافعية والحنابلة وجماعة مِن المعتزلة كالجبائي وأبي هاشم. وهو معنى قولي:(كَذَا جُزْءٌ وَشَرْطٌ أُكْمِلَا).

فمثال زيادة الجزء: زيادة ركعة، وزيادة التغريب على الجَلد، أو جَلد آخَر علي العدد المقَرَّر.

مثال زيادة الشرط: زيادة وصف الإيمان في إعتاق رقبة بالإطلاق.

ووراء هذا المذهب مذاهب أخرى:

أحدها: أنه يكون نسخًا مطلقًا. وبه قالت الحنفية، واختاره بعض أصحابنا وادَّعي أنه مذهب الشافعي، قال: لأنَّ قوله صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء"

(2)

نُسخ بقوله: "إذا التقي الختانان"

(3)

؛ لأنَّ الموجِب كان هو خروج المني فقط، فزِيد عليه التقاء الختانين.

(1)

في (س، ت): ليس بشرعي. وفي (ض): ليس شرعي.

(2)

سبق تخريجه.

(3)

سبق تخريجه.

ص: 1850

قال ابن السمعاني: (وهذا غلط؛ لأنَّ "الماء مِن الماء" إنما دل على نفي غيره من حيث دليل الخطاب، فهو نَسخ للمفهوم، لا للنص مِن حيث الزيادة)

(1)

.

وليس هذا رأي مَن قوله التفصيل بين ما نفاه المفهوم وما لم ينفه؛ لأنَّ ذاك يجعل ما نفاه المفهوم نَسخًا للنص.

ثانيها: إنْ كانت الزيادة قد أفادت خلاف ما استُفيد مِن مفهوم المخالفة، كانت نسخًا، كإيجاب الزكاة في معلوفة الغنم، فإنه يفيد خلاف مفهوم "في السائمة زكاة"، وإلا فلا.

ثالثها وبه قال عبد الجبار: إنْ غيرت الزيادة المزيد عليه تغييرًا شرعيًّا بحيث صار المزيد عليه لو فُعل بعد الزيادة كما كان يُفعل قَبْلها كان وجودُه كعدمه ووجب استئنافه كزيادة ركعة علي ركعتي الفجر، كان ذلك نسخًا. أو كان قد خيّر بين فِعلين فزِيد فِعل ثالث، فإنه يكون نسخًا، وإلا فلا، كزيادة التغريب علي الجلد، وزيادة عشرين جلدة على حد القاذف، وزيادة شرط منفصل في شرائط الصلاة كاشتراط الوضوء. كذا نقله الآمدي عنه خلافًا لِمَا في "مختصر ابن الحاجب" في نقله.

رابعها وبه قال الغزالي: إنْ كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال كزيادة ركعتين، فنسخ، وإلا فلا، كزيادة عشرين جلدة.

خامسها: وبه قال الكرخي وأبو عبد الله البصري: إنْ كانت الزيادة مغيِّرة لحكم المزيد عليه في المستقبل كزيادة التغريب وزيادة عشرين جلدة علي القاذف مثلًا، كان نسخًا، وإلا فلا.

وسواء كانت الزيادة لا تنفك عن المزيد عليه كما لو أَوجب علينا ستر الفخذ فإنه يجب ستر بعض الركبة؛ لأنه مقدمة الواجب، أو كانت الزيادة عند تَعذُّر المزيد عليه، كإيجاب

(1)

قواطع الأدلة (1/ 448).

ص: 1851

قطع رِجل السارق بعد قطع يده.

سادسها: وبه قال القاضي في "مختصر التقريب": إنْ تضمنت الزيادة رفعًا فهي نسخ، وإلا فلا. وذكر في "التقريب" نحوه.

وحذا حذوه أبو الحسين البصري، فقال في "المعتمد" ما حاصله: إنْ كان الزائد رافعًا لحكم شرعي، كان نسخًا، سواء أُثبت بالمنطوق أَم بالمفهوم، بخلاف ما إذا كان ثابتًا بدليل عقلي، كالبراءة الأصلية.

واستحسنه الإمام الرازي، واختاره الآمدي وابن الحاجب، وهو قضية اختيار إمام الحرمين أيضًا.

وحاصله: أنَّ المُزال إنْ كان حُكمًا شرعيًّا، كان نسخًا، وإلا فلا.

قيل: ولا حاصل لذلك؛ للاتفاق علي أنَّ رفعَ الحكم الشرعي نسخٌ ورفْعَ غيره ليس بنسخ. فينحل ذلك إلى أن الزيادة إن كانت نسخًا فهي نسخ وإلا فلا.

وإنما محل النزاع أن ذلك هو رفع حتى يكون نسخًا؟ أو لا؟

وأيضا: فقولهم: إن الزيادة هل هي نسخ؟ إنما معناه: هل هي نسخ للمزيد عليه؟ أم لا؟ والمزيد عليه حكم شرعي، فهل الزيادة رافعة له فيكون منسوخًا؟ أو لا؟

هذا حرف المسألة، ولكن توسعوا في ذكر ما إذا رفعت المزيد عليه وما إذا رفعت غيره؛ فلذلك يقولون في رفع التغريب: إنه رفع لتحريمه شرعًا. والمراد: إنما هو نَسخ للمزيد عليه. بل منع أن تحريمه بالشرع، وإنما هو بالبراءة الأصلية، وإزالتها لا يكون نسخًا.

وفيه أبحاث طويلة لا نُطوِّل بها.

ص: 1852

تنبيهات

الأول: مما يتخرج على هذه القاعدة أنه تعالى لما قال: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] الآية ثم جاء بخبر الواحد أنه صلى الله عليه وسلم: "قضي بالشاهد واليمين"

(1)

، فهل ذلك نَسخ حتي يمتنع؛ لأن القرآن لا يُنسخ بالآحاد؟ أو لا فيعمل به؟

ذهب الشافعي والجمهور إلى الثاني، والحنفية إلي الأول، قالوا: لأنَّ الأمر كان دائرًا بين شهادة رجُلين أو رجُل وامرأتين، فزِيد عليه الشاهد واليمين.

وفيه ضعف من جهة أخرى وهي عدم توارُد الآية والحديث على محل واحد، إذ الآية في الأمر باستشهاد شهيدين، فإنْ لم يكونا رجُلين فرجُل وامرأتان. والحديث في الحكم بشاهد ويمين، والاستشهاد غيْر الحكم. كذا قرره ابن الحاجب وهو حسن، ويزداد حُسنًا بأن الأمر بالاستشهاد أمر إرشاد، فالله تعالي أرشد إلي الأكمل، وأما الشاهد واليمين فدُون ذلك؛ فاختلف المحل.

الثاني: مِن صُوَر المسألة: ما لو زِيد في الوضوء -مَثلًا- غسل عضو آخَر، فإنه ليس بنسخ، خلافًا لمن قال: نسخ مِن حيث إن الطهارة كانت قبل هذه الزيادة مجُزئة ثم صارت غير مجزئة إلا بها، فقد ارتفع إجزاؤها، وهو حُكم شرعي؛ فيكون نسخًا عند المخالف.

وجوابه: أنَّ معني الإجزاء: امتثال الأمر، ولم يرتفع؛ لتوقف الارتفاع علي أمر آخَر، وانتفاء [المتوقف]

(2)

عليه إنما كان بالبراءة الأصلية، وليس رفعها نسخًا.

(1)

سبق تخريجه.

(2)

كذا في (ص، ق)، لكن في (س): التوقف.

ص: 1853

الثالث: توصلت الحنفية بادِّعاء أن الزيادة على المنصوص نسخ لمسائل لا تُحصيَ: كرد أحاديث وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، وأحاديث الشاهد واليمين، واشتراط الإيمان في الرقبة، والنية في الوضوء، وغير ذلك.

ولكن خالفوا أصولهم في ذلك في اشتراطهم في ذوي القربي الحاجة، وهو زيادة علي القرآن ومخالفة للمعنى المقصود [فيهم]

(1)

، وفي أن القهقهة تنقض الوضوء، مستندين لأخبار ضعيفة، وهي زيادة علي نواقض الوضوء المنصوصة في القرآن.

وأعجب من ذلك ادِّعاء بعضهم أنَّ أحاديث القهقهة مشهورة، فكانت كالمتواترة، وأحاديث الفاتحة مع شهرتها وصحتها لا يجعلونها مشهورة. وأمثال ذلك، وهو كثير.

ولذلك قال الأستاذ أبو منصور البغدادي: (مَن زاد الخلوة علي الآيتين الواردتين في الطلاق قبل المسيس في إيجاب العدة وتكميل المهر بخبر عمر رضي الله عنه مع مخالفة غيره له وامتنع عن الزيادة على النص بخبر صحيح، كان حاكمًا في دين الله تعالى برأيه).

ونقض عليهم الأستاذ أبو منصور في زيادة التغريب بأن ذلك إنْ كان نسخًا، لزمكم أن يكون إدخال نبيذ التمر بين الماء والتراب نسخًا لآيتَي الوضوء والتيمم، فهو مساوٍ لزيادة التغريب وأنظاره مما تقدم.

فإنْ قالوا: إنه داخل في عموم الماء؛ لحديث: "تمرة طيبة وماء طهور"

(2)

.

قيل لهم: فيكون رافعًا لإطلاق {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]؛ ضرورة أنه لا يجوز التوضؤ به عند وجود غيره من المياه، وتقييدُ مدلول النص المطلق نسخٌ للنص عندهم.

(1)

كذا في (ص، ق، ش). لكن في (ت، س): فهمه.

(2)

سنن أبي داود (رقم: 84)، سنن ابن ماجه (رقم: 384) وغيرهما. قال الألباني: ضعيف. (ضعيف أبي داود: 84).

ص: 1854

الرابع: نقص جزء من العبادة أو شرط من شروطها نسخٌ لذلك فقط، لا لأصل تلك العبادة كما نقله ابن السمعاني عن جمهور أصحاب الشافعي.

وقيل: نسخٌ لها.

وقال عبد الجبار: نسخٌ إنْ كان جزءًا، لا إنْ كان شرطًا. ووافقه الغزالي في الجزء وتردَّد في الشرط، وجعل الهندي الخلاف في الشرط المتصل كاستقبال القبلة في الصلاة، لا المنفصل كالطهارة. قال:(فإيراد الإمام وغيره يُشعر بأنه لا خلاف فيه، وكلام غيره يقتضي إثبات الخلاف في الكل)

(1)

. انتهى

وبالأول صرح صاحب "المسودة"، فقال:(إن الخلاف في المتصل كالتوجُّه، أما المنفصل -كالوضوء- فليس نسخًا إجماعًا)

(2)

.

وصرح ابن السمعاني بأنه في جانب الشرط ليس نسخًا، وأما في الجزء كإسقاط ركوع قال:(فينبغي أن يكون على ما ذكرناه فيما إذا زِيدت ركعة علي ركعتين)

(3)

.

وكأنه يشير إلى مجيء قول عبد الجبار بالتفصيل بين أن يغير الأصل أوْ لا.

واعلم أن صاحب "جمع الجوامع" لم يتعرض لمسألة النقص وإن كانت في "ابن الحاجب"، بل ذكر الزيادة على النص أنها ليست بنسخ، خلافًا للحنفية. ثم قال:(ومثَارُه هل رَفَعَتْ؟ وإلي المأخذ عَوْدُ الأقوال المفصِّلة والفروع المُبَيَّنة)

(4)

.

ثم قال عقبه: (وكذا الخلاف في جزء العبادة أو شرطها).

(1)

قواطع الأدلة (1/ 449).

(2)

المسودة (ص 192).

(3)

قواطع الأدلة (1/ 449).

(4)

جمع الجوامع (2/ 125) مع حاشية العطار.

ص: 1855

ووقع في شرحه لشيخنا الزركشي أنه شرح هذا الأخير بمسألة نقص جزء العبادة أو شرطها. وهي ليست في الكتاب، وأهمل لشرح زيادة جزء أو شرط مع أنها المذكورة في الكتاب. فلعل ذلك سقط في نُسخ الشرح أو سبق وهمه إلي أن مسألة النقص هي مسألة "جمع الجوامع".

الخامس:

إذا نقصت العبادة ما لا يتوقف صحتها عليه كسُنة مِن سننها كالوقوف عن يمين الإمام وكستر الرأس كما مثَّل بهما الغزالي، فلا يكون ذلك نسخًا للعبادة باتفاق وإنْ أَوهم كلام الغزالي جريان خلاف فيه، لكن أَوَّله بعضهم.

نعم، للخلاف وجه، فإنَّ العبادة مركَّبة من الفروض والسنن؛ ولهذا يقال: فروضها كذا، وسُننها كذا. وإذا كانت السنن أجزاء منها بهذا الاعتبار، فلا يبعد أن يجري فيها خلاف نقص الركن ويكون داخلًا في قولهم: زيادة جزء، أو: نقص جزء.

اول دس: تغيير الصفة بضدها هل يكون نسخًا للصفة فقط؟ أو للأصل؟ كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة. نقل عن الخصم في مسألة الزيادة أن ذلك نسخ للأصل وأن تلك الصلاة نُسخت، وهذه صلاة غيرها ابتُدِئَ فرضها.

السابع: مما ينبغي أن يُختم به هذا الفصل مسألة تَعرَّض لها ابن الحاجب في "المختصر" وصاحب "جمع الجوامع" وهي أنه هل يجوز نَسخ جميع التكاليف باعتبار أن كل حُكم شرعي فهو قابل للنسخ. أو لا؟ وأن المختار الجواز، خلافًا للغزالي، وأنه يجوز نَسخ المعرفة، خلافًا للمعتزلة حيث قالوا: مِن الذي لا يَقبل النسخ ما كان بذاته أو للازم ذاته حَسنًا أو قبيحًا لا يختلف باختلاف الأزمان، كحُسْن معرفة الباري تعالى وشُكر المنعِم والعدل وقُبح الكفر والظلم والكذب الضار.

ص: 1856

ولكنه بناء علي أصلهم في الحسْن والقُبح العقليين، ونحن نمنع ذلك، ولا حُسن ولا قُبح إلا بالشرع؛ فلذلك جاز ذلك كله عندنا.

نعم، نَسخ المعرفة فيها ضرب مِن التكليف بالمحال، وهو جائز عندنا؛ لأنه إنما ثبت نسخها بمعرفة الناسخ لها وهو الله تعالى، وإذا عرفه فكيف ترتفع معرفته؟ ! فالتكليف به تكليف بما لا يطاق.

واتفقوا علي عدم الوقوع، وإنما الخلاف في الجواز العقلي. ولم أذكر هذه المسألة في النَّظم؛ لما فيها من خشونة العبارة وعدم جدواها في الفقه، وإنما ينبغي أن تُسطر في علم أصول الدين. والله أعلم.

خاتمة:

756 -

النَّسْخُ لَا يَثْبُتُ لِلْمُكَلَّفِ

قَبْلَ بُلُوغِ نَاسِخٍ لَهُ [وَفِيْ]

(1)

الشرح:

إذا لم يَعرف المكلَّف النسخ، فلا يَثبت في حقه؛ لأنَّ التكليف به قبل عِلمه مِن تكليف الغافل، وهو ممتنع كما سبق في موضعه.

ووضع هذه المسألة مقدمة للمترجَم عليه بِـ "خاتمة" أَنْسَب مِن ذِكرها قبل ذلك في أحكام النسخ؛ لأنَّ المترجم عليه بِـ "خاتمة" هو الطُّرُق التي يَعرف بها المكلَّفون ثبوت النسخ، ولَمَّا كان متعلقًا بجميع أنواع النسخ، جُعِل خاتمة له.

فأما هذه المسألة فالحكم قبل نزوله وقبل تبليغه للنبي صلى الله عليه وسلم لا يَثبت حُكمه، وتحته ثلاث صور:

(1)

جاء في (لسان العرب، 15/ 399): (الوَفيُّ: الوافِي).

ص: 1857

أنْ يُبلَّغ النبي صلى الله عليه وسلم في السماء قبل النزول للأرض، كفرض خمسين صلاة ليلة الإسراء، فلا يتعلق به حكم؛ ولذلك كان رَفْعه بخمس صلوات ليس بنسخ على ما هو الظاهر. ويحتمل أن يكون نسخًا؛ لكونه قد بُلِّغ بعض المكلَّفين به وهو سيد البشر، فإنه قد اعتقد وجوبه وعَلمه. وعليه يدل كلام السمعاني حيث قال:(إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علمه واعتقد وجوبه، فلم يقع النسخ له إلا بَعْد عِلمه واعتقاده)

(1)

. انتهى

فسمَّاه "نسخًا".

الثانية: أن يوحيه الله تعالى إلى جبريل ولم ينزل به إلى الأرض بَعْد.

الثالثة: أن يكون ذلك بعد النزول من السماء وقبل أن يُبلِّغه جبريل إلي النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذان لا يتعلق بهما حُكم اتفاقًا.

فأما إذا بلغه صلى الله عليه وسلم، فيثبت حُكمه في حقه وحق كل مَن بلَّغه النبي صلى الله عليه وسلم إياه بطريق من الطُّرق.

وأما مَن لم يبلغه فلا يتعلق به حُكمه على المشهور، لا بمعنى وجوب الامتثال ولا بمعني ثبوته في الذمة.

وقال بعضهم: يَثبت بالمعني الثاني كالنائم.

ولا يُعْرَف قائل بثبوته بالمعنى الأول.

وفي "التقريب" للقاضي أن الخلاف لفظي، وذكر في "مختصر التقريب" أن القائلين بثبوته يقولون: لو قُدِّر ممن لم يَبْلُغه الناسخ إقدامٌ على الحكم الأول، كان زللًا وخطأً، بَيْدَ أنه لا يؤاخَذ به، ويُعذَر؛ لجهله.

(1)

قواطع الأدلة (1/ 430).

ص: 1858

وممن جري علي هذا القول المشهور ابن الحاجب وغيره.

لكن عزاه ابن برهان في "الأوسط" للحنفية، وحكي الثبوت عن مذهبنا ونَصَره.

قيل: وهو الموجود لأصحابنا المتقدمين.

ففي "البحر" للروياني في "باب الوكالة": (إذا نسخ الله حُكمًا وعلم رسوله، هل يكون نسخًا في حق مَن لم يَعْلم مِن أُمته؟ فيه طريقان:

أحدهما: فيه الوجهان، كالوكالة.

والثاني: لا يكون نسخًا في حقهم قطعًا. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّ أمر الشريعة يتضمن تركه المعصية، ولا يجوز أن يكون عاصيًا مع جهله به)

(1)

.

وقد توقف في الترجيح ابن دقيق العيد حيث قال: (لا [أشك]

(2)

أنه لا يَثبت في حُكمه التأثيم. وهل يثبت في حُكمه القضاء [و]

(3)

هو مِن الأحكام الوضعية؟ فيه تردُّد؛ لأنه ممكن، بخلاف الأول؛ لأنه يَلزم منه تكليف ما لا يطاق). انتهى

واعلم أن إمام الحرمين قال في "مختصر التقريب": هذه المسألة قطعية.

وذهب بعضهم إلى إلحاقها بالمجتهدات حتى نقلوا فيها قولين من القولين في الوكيل إذا عُزل ولم يبلغه العزل. أي: والصحيح من القولين أنه ينعزل في الحال، وفي قول: لا، كالنسخ.

ومنهم مَن عكس، فخرج مسألة النسخ على قولَي الوكالة كما سبق نقله عن "مختصر

(1)

بحر المذهب (6/ 37).

(2)

كذا في (ص)، لكن في (ق، س): شك.

(3)

في (ص، ق، ض، ش): أو.

ص: 1859

التقريب"، وإليه أشار القاضي في "التقريب" أيضًا.

قال الرافعي: (ولا فرق بين النسخ وما نحن فيه؛ لأنَّ حكم النسخ إما إيجاب امتثال الأمر الثاني وإما إخراج الأول عن الاعتداد به، فالإيجاب لا يَثبت قبل العِلم؛ لاستحالة التكليف بغير المعلوم، وهذا النوع لا يثبت في الوكالة؛ لأنَّ أمر الموكل غير واجب الامتثال. والنوع الثاني ثابت هناك أيضًا قبل العِلم حتي يَلزمه القضاء، ولا تبرأ ذِمته بالأول)

(1)

.

قال الشيخ تقي الدين السبكي: (وما قاله الرافعي مِن لزوم القضاء في النسخ بعيد؛ لأنَّ أهل قباء أتاهم الخبر بنسخ القبلة وهُم في الصلاة، فاستداروا. ولو ثبت الحكم في حقهم قبل ذلك، لقضوا. وقد استشهد هو في باب استقبال القبلة [بقضية]

(2)

أهل قباء على أنه ينحرف في أثناء الصلاة إلى جهة الصواب إذا قُلنا: لا يجب القضاء. والذي قاله هناك هو ما عليه جمهور الأصوليين، بخلاف ما ذكره في باب الوكالة، فإنه لا يتأتي إلا على القول المرجوح أن الحكم يَثبت في حَقِّ مَن لم يَبْلُغه الخبر ولكنه لا يأثم؛ لأنه معذور.

فإنْ قيل: فما الفرق بينه وبين الوكيل حيث ينعزل على الصحيح وإنْ لم يَبْلُغه الخبر؟

قلتُ: الفرق -كما قاله الشيخ تقي الدين- أن الاعتداد بالعبادة حقٌّ لله تعالي، والله تعالى قد شرط العِلم في الأحكام؛ بدليل أنه لا يقع منه التكليف بالمستحيل، والعقود حقُّ الموكل، ولم يَشترط العلم.

فإنْ قيل: إنما اشترط الله تعالى العِلم في خطاب التكليف، لا الوضعي، والاعتداد بالعبادة مِن خطاب الوضع.

قلتُ: بل هو راجع للتكليف، وليس كالضمان المتعلق بالذمة.

(1)

العزيز شرح الوجيز (5/ 254).

(2)

في (س، ت): بقصة.

ص: 1860

واتفق الأصحاب -فيما لو وكله ببيع عبده أو إعتاقه فباعه الموكل أو أعتقه- أنه ينعزل ضمنًا. روي البيهقي في أَمةٍ أَمر مولاها رجُلًا ببيعها ثم بَدَا له فأعتقها وقد بِيعت الجارية وكان عِتقها قبل بيعها، فقضى عمر رضي الله عنه بعتقها ورَدِّ ثمنها وأخذ صداقها لما كان قد وطئها

(1)

. فهذا دليل على الانعزال الضمني، فيلحق به الصريح.

ومِن هذه المادة أيضًا: ما لو عُزل القاضي ولم يَعلم، ففيه الخلاف. ومنهم مَن جزم هنا بعدم الانعزال. وكذا لو مات مستنيبة ولم يَعلم وقُلنا: إنه ينعزل بموته، فيأتي فيه الخلاف أيضًا.

ومنها: ما لو أُعتقت الأَمة وهي في الصلاة ولم تَعلم ولم تكن ساترة ما يجب ستره علي الحرة، فقولان

(2)

.

ومنها: ما لو أَذِن لعبده في الحج ورجع قبل الوقوف، فقولان.

ومنها: ما لو أذن الراهن للمرتهن في البيع ورجع ولم يَعلم، ففي صحته قولان.

ومنها: ما لو أعاره للغراس والبناء ورجع ولم يَعلم فغرس أو بَنَي، فهل يكون محترمًا فيُخيَّر بين الخصال؟ أو يقلع مجانًا؟ وجهان.

ومنها: ما لو رجعت الواهبة نوبتها في هِبتها ولم يَعلم الزوج، فطريقان.

ومنها: ما لو أباحه ثمار بستانه ورجع ولم يَعلم، فالخلاف.

ومنها: ما لو قال: "مَن رَد عبدي الآبق فله كذا" ورجع ثم رده مَن لم يَعلم بالرجوع، ففي استحقاقه الجعْل وجهان.

(1)

سنن البيهقي الكبري (رقم: 11227).

(2)

إلى هنا ينتهي نقل التاج السبكي عن والده، وما بعده من كلام تاج الدين السبكي.

ص: 1861

ومنها: لو قتل مَن عَهدَهُ حربيًّا أو مرتدًّا فبَان أنه قد أَسلم ولم يَعلم، ففيه الخلاف)

(1)

.

تنبيه:

إذا قلنا بأن النسخ لا يثبت في حق مَن لم يَبْلُغه، فهو مخاطَب بالحكم الأول قطعًا إلي أنْ يَبلغه، لكن هل يتصف الثاني بكونه ناسخًا قبل البلوغ كما أنَّ الأمرَ أمرٌ للمعدوم على شرط الوجود؟ أو لا يتصف إلا بَعد أنْ يَبلغه؟ فيه خلاف للقائلين به.

قال القاضي في "مختصر التقريب": وهو راجع إلي اختلاف عبارة.

قال: وإنما الخلاف الحقيقي مع الآخَرين.

أي: القائلين بأن الحكم مرتفع عن مَن لم يَبلغه الناسخ، لكن سبق نقلًا عنه القول بأن الخلاف لفظي وأن الأرجح أنه معنوي. والله أعلم.

ص:

757 -

ويُعْرَفُ النَّاسِخُ بِالتَّأَخُّرِ

إمَّا بِإجْمَاع بَدَا مُقَرِّرِ

758 -

أَوْ قَوْلِ خَبْرِ الْخَلْقِ: "هَذَا نَاسِخُ"

أَوْ: "بَعْدَ ذَاكَ"، فَبِذَا التَّنَاسُخُ

759 -

وَنَحْوُهُ: "كُنْتُ نَهَيْتُ، فَافْعَلِ"

أَوْ [نَصِّهِ]

(2)

عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ

760 -

كَذَاكَ قَوْلُ الرَّاوِ: "هَذَا النَّاسِخُ"

أَوْ: "آخِر"، لَا قَوْلُهُ:"ذَا نَاسِخُ"

الشرح:

إذا تَقرر أن حُكم النسخ لا يتعلق بالمكلَّف حتى يَعرفه، فلا بُدَّ من بيان الطريق إلى معرفته، وذلك بأن يُعرف أنه متأخِّر عن دليل الحكم المُقَرَّر الذي هو ضده.

(1)

كل ما سبق من كلام السبكي في رفع الحاجب (4/ 114 - 116).

(2)

في (ق، ص): نصبه. ومعها ينكسر الوزن، ولا يصح.

ص: 1862

وهو من وجوه:

أحدها: أن يُعرف بالإجماع على أن هذا ناسخ لهذا، كالنسخ بوجوب الزكاة سائر الحقوق المالية. ذكره ابن السمعاني، ونحوه أيضًا ما ذكر الخطيب البغدادي:"أن زر بن حبيش قال لحذيفة: أي ساعة تسحرتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع"

(1)

. وأجمع المسلمون على أن طلوع الفجر يُحرِّم الطعام والشراب مع بيان ذلك من قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [البقرة: 187] الآية.

قال الأصحاب في مثل هذا: إن الإجماع مُبَيِّن للمتأخِّر وأنه ناسخ، لا أن الإجماع هو الناسخ.

الثاني: أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا ناسخ لذاك" أو: "هذا بعده" أو ما في معنى ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم:"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها"

(2)

.

الثالث: أن يَنُص الشارع على خِلاف ما كان مُقَرَّرًا بدليل بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين، فما تأخر يَكون ناسخًا للمتقدِّم، وهو كثير، وقد سبق في أمثلة النسخ طائفة منه.

الرابع: أن يقول الراوي: (هذا متأخر الورود على الأول). فيكون ناسخًا له، وذلك كقول جابر رضي الله عنه:"كان آخِر الأمْرَين مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم تَرْك الوضوء مما مست النار"

(3)

، وقول علي رضي الله عنه:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيام للجنازة، ثم قعد"

(4)

.

(1)

سنن النسائي (رقم: 2152)، سنن ابن ماجه (رقم: 1695) وغيرهما. قال الألباني: حسن الإسناد. (صحيح النسائي: 2151).

(2)

سبق تخريجه.

(3)

سبق تخريجه.

(4)

مسند أحمد (623)، صحيح ابن حبان (3056) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (التعليقات =

ص: 1863

وفي معنى ذلك لو قال الراوي: (هذا سابق على هذا)، أو:(هذه الآية نزلت قبل تلك) أو: (في سنة كذا والآخَر في سَنة كذا) لِسنة بعدها، وكذا في الأحاديث.

فإنْ قيل: قول الراوي هذا كيف يُنسخ به القرآن أو غيره من السُّنة المتواترة على تقدير وجودها مع أنه خبر آحاد والآحاد لا يُنسخ به المتواتر؟

قيل: هذا حكاية للنسخ، لا نسَخ، والحكاية بالآحاد يجب العمل بها كسائر أخبار الآحاد.

وأيضًا: فاستفادة النسخ مِن قوله إنما هو بطريق التضمن، والضمني يُغتفَر فيه ما لا يُغتفَر فيما إذا كان أصلًا كما في مسائل كثيرة أصولية وفقهية لا تنحصر، كثبوت الشفعة في الشجر تبعًا للعقار، و [عدم الفدية في الشعر والظفر]

(1)

في قطع عضو من المحرم عليه شعر أو ظفر، وثبوت النسب بشهادة أربع نسوة بالولادة تبعًا لثبوتها بهن، وغير ذلك.

وقولي: (فَبِذَا التّناسُخُ) أي: ظهر بهذه الصور التناسخ.

وقولي: (كَذَاكَ قَوْلُ الرَّاوِ) أصله: "الراوي" ولكن حذفتُ الياء منه؛ للضرورة. والله أعلم.

وقولي: (لَا قَوْلُهُ: "ذَا نَاسِخُ") تتمته قولي بعده:

ص:

761 -

وَلَا الَّذِي خَالَفَ مِنْ نَصَّيْنِ

أَصْلًا، وَلَا الَّذِي مِنَ ايَتَيْن

= الحسان: 3045).

(1)

في (س، ت، ض): عدم الفدية في الشعر والفدية.

ص: 1864

762 -

مُؤَخَّرٌ في مُصْحَفٍ، وَهَكَذَا

تَأَخُّرَ الْإسْلَامِ في الرَّاوِي انْبِذَا

الشرح:

وهو إشارة إلى مواضع ادُّعِي فيها أنها مِن طُرق معرفة الناسخ أو قد يُتخيل فيها ذلك، ولكن المعتمد أنها لا تدل على ذلك.

منها: قول الراوي: (هذا ناسخ) بتنكيره؛ لأنه قد يكون عن اجتهاد.

والفرق بينه وبين ما سبق من قوله: (هذا الناسخ) -بالألف واللام- أنَّ النسخ يكون معلومًا بأنْ يَثبت أن هذا الحكم [منسوخ]

(1)

ولا يُعْرَف الناسخ له. فإذا قال الراوي: (هذا الناسخ)، قُبِل، وَيثبُت بقوله أن هذا هو الناسخ، وفي الحقيقة إنما عُمِل بتعيينه الناسخ، لا في أصل النسخ.

بخلاف: (هذا ناسخ)، فإنه يُنشئ دَعْوَى نَسخ، وأنَّ هذا ناسخ لِمَا هو مُقَرَّر، وقد يكون ذلك باجتهاده، وليس اجتهاده حُجة على مجتهد آخر.

وفي المسألة قول: إنه يكون ناسخًا مطلقًا؛ لأنه لا يقوله إلا عن نَقْل غالبًا.

وقول ثالث عن الكرخي: إنه إنْ عَيَّنه بأنْ قال: (هذا نَسخ هذا)، لم يُرْجَع إليه فيه؛ لاحتمال أنْ يكون عن اجتهاد. وإنْ لم يُعيِّنه، بل قال:(هذا منسوخ)، قُبِل. حكاه أبو الحسين في "المعتمد" عنه.

قيل: بل ظاهر نَص الشافعي يوافقه وأنه يثبت بذلك النَّسخ. وذلك أن أصحابنا احتجوا بقول عائشة رضي الله عنها في الرضعات: "إنَّ العَشْر منها نُسِخْنَ بِخَمْس"

(2)

.

(1)

كذا في (س)، لكن في (ص، ق): المنسوخ.

(2)

سبق تخريجه.

ص: 1865

نعم، التفرقة بين "هذا ناسخ" و"هذا الناسخ" قَلَّ مَن ذكرها وإنْ كانت متجهة؛ لِمَا سبق تقريره في الفرق.

ونظيره مِن الفقه: لو عرف عموم الحريق وجهل هل احترقت الوديعة به؟ فإنه يُقبل قول المودع: (إنها احترقت) مِن غير يمين، بخلاف ما لو لم يعرف عمومه.

ونحوه: مَن قال: (طلقتُ زوجتي) وقال: (أردتُ طلقة سابقة، لا إنشاء طلقة) وعُرِف سَبْق طلاق له، فإنه يُقْبل، بخلاف ما إذا لم يَسبق طلاق.

ومنها: إذا وَردَ نَصان في حُكم متضادان ولم يمكن الجمع بينهما لكن أحد النَّصين موافِق للبراءة الأصلية والآخَر مخالف، وهو معنى قولي:(خَالَفَ مِنْ نَصَّيْنِ أَصْلًا)، فزعم بعضهم أن ذلك الذي خالف الأصل ولم يوافِق -ناسخٌ للذي وافق؛ لأنَّ المخالِف مستفاد مِن الشرع وهو المضاد للبراءة الأصلية؛ لأنَّ الانتقال من البراءة لاشتغال الذمة يقين، والعَوْد إلى الإباحة ثانيًا شك، فقُدِّم ذلك الذي لم يوافق الأصل.

قيل: لكن هذا بناءً على أن الأصل في الأشياء الإباحة.

قلتُ: وفيه نظر؛ فإنا ولو قلنا بأن الأصل التحريم وكان أحد النصين تحريمًا والآخر إباحة، صدق أن التحريم موافِق للأصل، إلا أنْ تُفْرَض المسألة في خصوص البراءة الأصلية ولا نجعل ذِكر ذلك مثالًا فقط، فيأتي ما ذكر.

ومما يماثل هذه المسألة من الفقه: ما لو تيقن الطهارة والحدث وشَكَّ في السابق منهما وقُلنا: يعمل بضد ما قبلهما إنْ كان حدثًا مطلقًا أو طهارة وهو ممن يعتاد التجديد، فإنَّ الانتقال للضد محقَّق، والعَوْد إلى مِثل السابق عليهما مشكوك.

ومنها: ثبوت إحدى الآيتين في المصحف قبل الأخرى، فلا تكون الأخيرة في الترتيب ناسخة للمقدَّمة؛ لأنَّ العِبرة إنما هو بالنزول، لا بالترتيب في الوضع؛ لأنَّ النزول بحسب

ص: 1866

الحكم، والترتيب للتلاوة.

ومنها: تَأخُّر إسلام راوي أحد الدليلين لا يدل على أن ما رواه ناسخٌ للآخَر؛ لجواز أن يكون تَحمله قبل الإِسلام.

وأما حديث جرير في "الصحيحين": "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بَالَ، ثم توضأ ومسح على خُفيه"

(1)

. قال إبراهيم النخعي: "كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة". فوجْه إعجابهم أن آية الوضوء في المائدة لا تكون ناسخة لحديثه؛ لِتأخُّر حديثه مع احتمال أنه تَحمل قبل إسلامه.

لكن يُبْعِده أن المخالِط للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يَعلم طهاراته وكيفيتها إنما يكون غالبًا مُسلمًا.

وفي "الحاوي" للماوردي أن رواية أبي داود عن عمرو بن [جرير]

(2)

البجلي أن جريرًا لما مسح على خُفيه قال: "ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح؟ ". قالوا: "إنما كان ذلك قبل نزول المائدة"، فقال:"ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة"

(3)

.

وهذا صريح في أنه لم يَر النبي صلى الله عليه وسلم يمسح إلا بعد إسلامه بعد نزول المائدة.

قولي: (وَلَا الَّذِي مِنَ ايَتَيْنِ) حذفتُ الهمزة من "آيتين"، للضرورة. وصدر صلة "الذي" محذوف، أي: ولا الذي هو مؤخَّر مِن آيتين. والله أعلم.

(1)

صحيح البخاري (رقم: 380)، صحيح مسلم (رقم: 272).

(2)

في (ص، ق): (جريج). ورواية أبي داود إنما هي عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، وكذلك في (الحاوي الكبير، 1/ 351).

(3)

سنن أبي داود (رقم: 154). قال الألباني: حسن. (صحيح أبي داود: 154).

ص: 1867