المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌خاتمة في الأدلة المختلف فيها - الفوائد السنية في شرح الألفية - جـ ٥

[شمس الدين البرماوي]

الفصل: ‌خاتمة في الأدلة المختلف فيها

‌خاتمة في الأدلة المختلَف فيها

891 -

مِنْ ذَاكَ: "الِاسْتِقْرَاءُ" في الْمَرْضِيِّ

تَتَبُّعُ الْكُلِّيْ مِنَ [الْجُزْئِيِّ]

(1)

892 -

لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ لِذَاكَ الْكُلِّي

فَمَا يُرَى مُسْتَوْعِبًا لِلْكُلِّ

893 -

لَا صُورَةِ النِّزَاعِ، ذُو [تَمَامِ]

(2)

وَذَا يُفِيدُ الْقَطْعَ في الْأَحْكَامِ

894 -

وَمَا بِهِ تَتبُّعٌ لِلْأَكثَرِ

فَنَاقِصٌ يُفِيدُ ظَنَّ الْمُكْثِرِ

895 -

وَرُبَّمَا سُمِّيَ في الْمُغَلَّبِ

إلْحَاقَ فَرْدٍ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَب

الشرح:

لما انتهى الكلام في الأدلة المتفق عليها وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، [تشوقت]

(3)

النفوس إلى بيان ما وراء المتفق عليه، وهو "الأدلة المختلف فيها"، فجعلت ذلك خاتمة للكلام في أدلة الفقه.

فمن ذلك: "الاستقراء"، وهو: تَتَبُّع أمر [كُلى]

(4)

من جزئيات؛ ليثبت الحكم لذلك الكُلي.

وهو نوعان: استقراء تام، واستقراء ناقص.

فأما "التام" فهو إثبات حُكم في جزئي؛ لثبوته في الكُلي. نحو: "كل جسم متحيز"، فإنَّا

(1)

في (ق، ن 1، ن 2): جزئي. ويصح الوزن بضبط الشطر الثاني هكذا: تَتَبُّعُ الْكُلِّيِّ مِنْ جُزئِيِّ.

(2)

في (ت، س، ن 2): اتمام.

(3)

في (ت، ض): تشوفت.

(4)

في (ق): كل واحد.

ص: 2082

استقرأنا جميع جزئيات الجسم فوجدناها منحصرة في الجماد والنبات والحيوان، وكُل مِن ذلك متحيز.

فقد أفاد هذا الاستقراء الحكم يقينًا في كُلِّي وهو الجسم الذي هو مشترك بين الجزئيات. فكل جزئي من ذلك الكلي يُحكم عليه بما حُكم به على الكُلي إلا صورة النزاع؛ فيُستَدل بذلك على صورة النزاع، وهو مفيد للقطع، فإنه القياس المنطقي المفيد للقطع عند الأكثرين.

قال الهندي: وهو حُجة بلا خلاف.

وأما "الاستقراء الناقص": فهو الذي تُتُبِّع فيه أكثر الجزئيات؛ [لإثبات]

(1)

الحكم للكُلي المشترك بين جميع الجزئيات بشرط أنْ لا تتبين العلة المؤثرة في الحكم.

ويسمى هذا عند الفقهاء بِـ "إلحاق الفرد بالَأعَم الأَغْلَب"، ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات، فكلما كان الاستقراء في أكثر، كان أقوى ظنًّا.

وقد اختُلف في هذا النوع، فاختار صاحب "الحاصل" والبيضاوي والهندي أنه حجة لكنه يفيد الظن، لا القطع؛ لاحتمال أن يكون ذلك الجزئي مخالفًا لباقي الجزئيات المستَقْرَأة.

وقال الإمام الرازي: الأظهر أنه لا يفيد الظن إلا بدليل منفصل، ثم بتقدير الحصول يَكون حُجة.

وبهذا يُعلم أنَّ الخلاف الواقع: في أنه يفيد الظن أوْ لا؟ [أن]

(2)

الظن المستفاد منه هل يكون حجة؟

(1)

في (ق): فيثبت.

(2)

كذا في جميع النُّسخ، ولعلها:(لا أنَّ). وعبارة الزركشي في (البحر المحيط، 4/ 321): (وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ الخلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي أنَّهُ هَلْ يُفِيدُ الظَّنَّ؟ أَمْ لَا؟ لَا فِي أَنَّ الظَّنَّ المُسْتَفَادَ مِنْهُ هَلْ يَكُونُ حُجَّةً؟ أَمْ لَا؟ ).

ص: 2083

نعم، لقائل أن يقول: الدليل المنفصل لا يُصَيِّر ما لا يفيد الظن مفيدًا للظن.

فإنْ أراد بالدليل المنفصل ما يعضد الاستقراء فالمفيد حينئذٍ مجموع الاستقراء والدليل المنفصل، لا الاستقراء بالدليل المنفصل، وإنْ أراد بالدليل المنفصل ما يدل على أنه مفيد للظن أو أنه حُجه فسنذكره مِن بَعد ذِكر المثال.

وقد مثَّله البيضاوي وغيره بقولنا: الوتر يُصَلَّى على الراحلة؛ لأنَّا استقرأنا الواجبات - القضاء والأداء من الظهر والعصر وغيرهما - فلم نَرَ شيئًا منها يُؤدَّى على الراحلة.

والدليل على أنه يفيد الظن أنَّا إذا وجدنا صُوَرًا كثيرةً داخلةً تحت نوع واحد واشتركت في حُكم ولم نر شيئًا مما نعلم أنه منها خرج عن ذلك الحكم، أفادتنا هذه الكثرة قَطْعًا ظَنَّ الحكم بعدم الأداء على الراحلة في مثالنا هذا من صفات ذلك النوع وهو الصلاة الواجبة.

ومنهم مَن استدل عليه بأن القياس التمثيلي حُجة عند القائلين بالقياس من الحكم الشرعي، وهو أَقَل مَرتبة مِن الاستقراء؛ لأنه "حُكم على جزئي؛ لِثبوته في جزئي آخَر"، والاستقراء "حُكم على كُلي؛ لِثبوته في أكثر الجزئيات"؛ فيكون أَوْلى من القياس التمثيلي.

ولكن هذا مدخول؛ لأنه يُشترط في إلحاق الجزئي بالجزئي الآخَر أن يكون بالجامع الذي هو عِلة الحكم، وليس الأمر كذلك في الاستقراء، بل هو حُكم على الكل بمجرد ثبوته في أكثر جزئياته. ولا يمتنع عقلًا أن يكون بعض الأنواع مخالِفًا للنوع الآخَر في الحكم وإنْ انْدَرَجَا تحت جنس واحد.

وإذا كان مفيدًا للظن، كان العمل به لازِمًا، وربما استُدل على ذلك بما رُوي من قوله صلى الله عليه وسلم:"نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر"

(1)

كما استدل به البيضاوي. لكنه حديث لا

(1)

جاء في البدر المنير (9/ 590): (هذا الحديث غريب، لا أعلم مَن خرجه من أصحاب الكتب المعتمدة ولا غيرها، وسُئل عنه حافظ زماننا جمال الدين المزي، فقال: لا أعرفه).=

ص: 2084

يُعرف، قال السبكي:(سألت عنه شيخنا الحافظ الذهبي فلم يَعْرفه)

(1)

.

قلت: وكذا قال الحافظ المزي وغيره: إنه لا أصل له.

لكن قال شيخنا بدر الدين الزركشي أنَّ شيخه الحافظ علاء الدين مغلطاي أفاده أنَّ الحافظ أبا طاهر إسماعيل بن علي بن إبراهيم بن أبي القاسم الجَنزوِي رواه في كتابه "إدارة الحكام" في قصة الكندي والحضرمي اللذين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأصل حديثهما في "الصحيحين"، فقال المقضِي

(2)

عليه: قضيتَ عَلَيَّ والحقُّ لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أقضي بالظاهر، والله يتولى السرائر".

وله شواهد، منها حديث قوله صلى الله عليه وسلم في المتلاعنين:"لولا الأيمان لكان لي ولها شأن"

(3)

. وهو في "الصحيح"

(4)

.

[و]

(5)

حديث أُم سلمة في "البخاري": "إنما أنا بَشر، وإنه يأتيني الخصم، فلَعَلَّ بعضكم أَبْلَغ مِن بعض، فأحسب أنه أَصْدَق؛ فأقضِي له بذلك. فمَن قضيتُ له بحق مُسْلم فإنما هي

=وقال الإمام الشوكاني في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، ص 200): (حديث: "نحن نحكم بالظاهر" يحتج به أهل الأصول، ولا أصل له).

(1)

الإبهاج في شرح المنهاج (2/ 182).

(2)

قصة الحضرمي والكندي: صحيح مسلم (رقم: 139).

(3)

مسند أحمد (2131)، سنن أبي داود (2256)، وغيرهما. قال الألباني: ضعيف. (ضعيف أبي داود: 2256).

(4)

صحيح البخاري (رقم: 4470) بلفظ: (لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن).

(5)

كذا في (ق) وهو الصواب، لكن في سائر النسخ: من.

ص: 2085

قطعة مِن النار، فليأخذها أو فليتركها"

(1)

.

وحديث أبي سعيد في الصحيحين في الذُّهَيْبَة التي بعث بها عَلِي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها بين أربعة نفر، وفيه:"إني لم أؤمر أنْ أُنقِّب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم"

(2)

. وقول عمر فيما رواه البخاري: "إنَّ الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا"

(3)

.

وغير ذلك، وهو كثير، مما يدل على أن العمل بالظن واجب.

تنبيه: ينشأ مما قررناه في "الاستقراء" أن القياسات المنطقية تدور على ذلك، فإنَّا إذا قُلنا:(العالم متغير، وكُل متغير حادث)، فكَوْن العالم متغيرًا إنما عُلم بالاستقراء التام؛ فلذلك أفاد القطع واليقين.

وإذا قُلنا: (الوضوء وسيلة للعبادة، وكُل ما هو وسيلة للعبادة عبادة)، إنما أثبتنا المقدمة الثانية بالاستقراء، وهو ظني؛ لأنه من أكثر الجزئيات.

وربما يندرج فيه أيضًا ما ذكره ابن الحاجب وغيره في الاستدلال من "قياس التلازم"، وهو تَلازُم بين "ثبوتين" أو "نفيين" أو "ثبوت ونفي" أو "نفي وثبوت"، كما نقول في المسلِم يجد الميتة:(إنْ كان مضطرًا أكل، إنْ لم يكن مضطرًا لم يأكل، إنْ كان مضطرًا لم يَحْرُم، إنْ لم يكن مضطرًا حرم).

ثم المتلازمان إنْ كانا طَرْدَا وعَكْسًا كالجسم والتأليف، يجري فيهما الأولان وهو التلازم بين ثبوتين وبين نفيين طردًا وعكسًا، بمعنى أنَّ وجود كل منهما يَستلزم وجود الآخَر، ونَفْيَه يستلزم نَفْي الآخَر، فكُل ما كان جسمًا كان مؤلَّفًا، وكُل ما كان مؤلَّفًا كان جسمًا، وكُل ما لم

(1)

صحيح البخاري (رقم: 6762)، صحيح مسلم (1713).

(2)

صحيح البخاري (رقم: 4094)، صحيح مسلم (رقم: 1064).

(3)

صحيح البخاري (رقم: 2498).

ص: 2086

يكن مؤلفًا لم يكن جسمًا، وكُل ما لم يكن جسمًا لم يكن مؤلفًا.

وإنْ كانا متلازمين طردًا فقط كالجسم والحدوث، جرى فيهما الأول طَرْدًا، ويجري فيهما التَّلازُم السلبي عَكْسًا.

والمتنافيان فيهما التفصيل، فلا نُطَوِّل بذلك؛ إذِ المراد التنبيه على رجوع غالبها للاستقراء إما التام أو الناقص بحسب المحالّ، والله أعلم.

ص:

896 -

وَمنْهُ "الِاسْتِصْحَابُ" في أَصْلِ الْعَدَمْ

[كَعَدَمِ]

(1)

التَّخْصِيصِ في اللَّفْظِ الْأَعَمْ

897 -

وَعَدَمِ الرَّفْعِ لِنَصٍّ قُرِّرَا

حَتَّى يُرَى الَّذِي لَهُ قَدْ غَيَّرَا

898 -

وَرُبَّمَا يَكُونُ مَقْلُوبًا، كَمَا

مِنْ ثَابِتٍ يَثْبُتُ مَا تَقَدَّمَا

899 -

لِكَوْنِ الَاصْلِ ألهُ مَا غُيِّرَا

فَرَاجِعٌ لِمُسْتَقِيمٍ قُرِّرَا

الشرح:

أي: ومن المختلف في كونه دليلاً مُغايِرًا للأصول الأربعة: "الاستصحاب"، فذهب أصحابنا قاطبة إلى الاحتجاج به.

والمعنى: إذا كان حُكْمٌ موجودًا وهو محتمل أنْ يتغير، فالأصل بقاؤه وَنَفْي ما يُغَيِّرُه. وذلك كاستصحاب مُقْتَضَى العموم أو النَّص إلى أنْ يَرِد المخصِّص أو الناسخ.

وهو معنى قولي: (حَتَّى يُرَى الَّذِي لَهُ قَدْ غَيَّرَا). أي: غَيَّر العام بتخصيصه أو المنصوص بنَسخه.

(1)

كذا في (ن 1، ن 2، ن 5)، وهو الموافق لِـ "النبذة الزكية" ولِشرح المؤلف. وفي سائر النُّسَخ: لعدم.

ص: 2087

ومِن ذلك أيضًا استصحاب العَدَم الأصلي، وهو الذي عُرِف بالعقل انتفاؤه وأنَّ العَدَم الأصلي باقٍ على حالِه، كَـ: الأصل عدم وجوب صلاة سادسة وصوم شهر غَيْر رمضان. فلَمَّا لَمْ يَرِد السمع بذلك، حَكَم العقل بانتفائه؛ لِعَدَم المثبِت له.

وأصحابنا مُطبقون على حُجية الاستصحاب في ذلك وإنْ وقع الخلاف فيه عند غيرنا كما سنذكره، لكن قد يطرق ذلك خلاف عندنا مما ذكره أصحابنا في الأفعال قبل ورود الشرع في فائدة الخلاف فيه أنَّ مَن حرم شيئًا أو أباحه فسُئل عن حُجته فقال:(طلبتُ دليلاً في الشرع فلم أَجَد فبقيتُ على حُكم العقل مِن تحريم أو إباحة)، هل يصح ذلك؟ أَمْ لا؟ ثم هل يلزم خصمه المحاجة بهذا القول؟ أَمْ لا؟

ومن أنواع "الاستصحاب" أيضًا استصحاب حُكم دَلَّ الشرع على ثبوته ودوامه؛ لوجود سببه، كالملك عند حصول السبب، وشغْل الذمة عن [فرض]

(1)

أو إتلاف. فهذا وإنْ لم يكن حُكمًا أصليًّا فهو حُكم دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعًا. ولولا أن الشرع دلَّ على دوامه إلى أنْ يوجد السبب المُزِيل أو المُبرئ لَمَا زال استصحابه.

ونُقل عن بعض المتكلمين نَفْي حُجية الاستصحاب مِن حيث هو.

وعزاه الإمام أيضًا للحنفية، لكن الموجود في كتبهم قول ثالث في المسألة، وهو أنه حُجة في الدفع، لا في الرفع، أي: في "بقاء ما كان على ما كان" يَكون حُجة، وأما في رفع بإثبات شيء رافع لشيء يستدام حُكم ذلك الرافع فلا. وهذا كالمفقود، لا يورث؛ لبقاء ما كان على ما كان وهو حياته، ولا يرث؛ لأنه ليس مالكًا لمال مورثه حتى يستصحب ملكه.

قيل: وهذا القول حسن، ينبغي أن يكون عندنا تخريج مثله مما لو بلغ مصلحًا لماله صالحًا في دِينه فإنه يرتفع الحجر عنه. فلو طرأ بعد أنْ كان رشيدًا تبذير، حُجر عليه، أو فسق

(1)

كذا في (ص، ض، ش)، لكن في (ت، س): قرض.

ص: 2088

فلا حجر به؛ لأنَّ الحجر كان ثابتًا، والأصل بقاؤه حتى يصلح دِينه وماله.

وأما في الرشيد فقد ثبت الإطلاق، والأصل بقاؤه حتى يرتفع، فبتضييع المال يرتفع؛ لأنه مقصود الحجر، بخلاف الفسق؛ فإنه لا يتعلق بالمال.

ونحوه: إذا ظهر لبنت تسع سنين لبن فارتضع منها صغير، حرم، ولا يحكم ببلوغها.

قالوا: لأنَّ احتمال البلوغ قائم، والرضاع كالنَّسب، يكفي فيه الاحتمال.

والمذهب وجوب فطرة العبد الغائب المنقطع الخبر، ولا يجوز إعتاقه عن الكفارة.

تنبيهات

الأول: قولي: (في أَصْلِ الْعَدَمْ) شامل للنفي الشرعي والعقلي.

فالشرعي كقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دُون خمسة أوسق صدقة"

(1)

.

والعقلي: كما سبق في نَفْي وجوب صلاة سادسة وشهر غير رمضان.

وشامل أيضَّاَ الحكم المتكرر بتكرر سببه، فإنَّ الدليل لَمَّا قام على كَوْن تلك أسبابًا لتلك الأحكام، وجب استصحابها ما لم يمنع منه مانع.

ويخرج عن هذا استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف، وهو أنْ يحصل الإجماع على حُكم في حال فيتغير تلك الحال ويقع الخلاف، فلا يُسْتَصحَب حال الإجماع في محل الخلاف.

كقول الشافعية في الخارج مِن غَيْر السبيلين: الإجماع على أنه قَبْله متطهِّر، والأصل البقاء حتى يَثبت [تَعارُض]

(2)

، والأصل عَدَمه. هذا قول أكثر أصحابنا، منهم الغزالي،

(1)

سبق تخريجه.

(2)

كذا في (ت، س)، لكن في (ض، ص، ش): بعارض.

ص: 2089

خلافًا لما نقله عنه ابن الحاجب.

وذهب الأقَلُّون - منهم المزني وأبو ثور والصيرفي وابن سريج وابن خيران - إلى أنه حُجة، وهو مذهب داود، واختاره ابن الحاجب تبعًا للآمدي.

قال أصحابنا: والقول به في موضع الخلاف يؤدي إلى التكافؤ؛ لأنه ما مِن أحد يستصحب حال الإجماع في موضع الخلاف إلا ولخصْمِه أنْ يستصحب حالة الإجماع في مقابِلِه.

مثاله: لو قال في مسألة التيمم: (إذا رأى الماء في أثناء صلاته، لا تبطل؛ لأنَّا أجمعنا على صحة صلاته؛ فلا يبطل الإجماع إلا بدليل). فيقول الآخَر: (أجمعنا على اشتغال ذمته بفرض الصلاة؛ ولا يسقط إلا بدليل).

ووَجْه خروج المسألة مِن قولي: (في أَصْلِ الْعَدَمْ) أن الحالة التي كان المُجْمَع عليه متصفًا بها وقت الإجماع ليست موجودة، فلم يستمر أصل العدم، بل حدث ما أَوْجَب المخالفة.

الثاني:

إطلاق الاحتجاج بالاستصحاب شامل لِمَا عارضه ظاهر أو لا، وهو أصح قَوْلَي الشافعي فيما تَعارَض فيه الأصل والظاهر، كطين الشوارع وثياب مدمني الخمر وأواني الكفار المتدينين بالنجاسة وثياب القصابين وأفواه الصبيان وغير ذلك.

والقول الثاني: يُقدم الظاهر. لكن قال ابن عبد السلام في "القواعد": (إنَّ مدْرَك الخلاف ليس مِن حيث الاستصحاب، بل لمرجِّح مِن خارج ينضم إلى ذلك).

ثُم: الأصح الأخذ بالأصل دائمًا. وقيل: غالبًا.

والأول هو ما أَطلق الرافعي ترجيحه في "باب الاجتهاد" في الأواني، قال: (لأنَّ الأصل

ص: 2090

أَصْدَق وأَضْبَط مِن الغالب الذي يختلف باختلاف الأزمان والأحوال، والنقل يعضده؛ فقد حمل النبي صلى الله عليه وسلم أُمامة في الصلاة وكانت بحيث لا تحترز عن النجاسة)

(1)

. انتهى

وبالجملة فالتحقيق في مسألة تَعارُض الأصل والظاهر الأخذ بأقوى الظنين:

فيترجح الأصل:

- جَزْمًا إنْ عارضه احتمال مُجَرَّد، كاحتمال الحدث لمن تَيَقَّن الطهر بمجرد مضِي الزمان.

- وعلى الأصح إنِ استند الاحتمال إلى سبب ضعيف عام، كثياب مُدمني الخمر وطين الشوراع.

ويترجح الظاهر جزمًا إنِ استند إلى سبب منصوب شرعًا، كالشهادة، فإنها تُعارض كَوْن الأصل براءة الذمة.

أما إذا كان السبب قويًّا خاصًّا كحيوان يبول في ماء كثير ثم يوجد متغيرًا والحال أنه رأي ظبية تبول فيه وكان بعيدًا عن الماء فلمَّا انتهى إليه وَجَده متغيرًا وشكَّ أنه تَغير بالبول أو بِغَيره، فإن الشافعي نَصَّ على أنه نجس، وتابعه الأصحاب؛ إعمالًا للسبب الظاهر.

ومثله لو جرح صيدًا وغاب عنه فوجده ميتًا، حَلَّ أكله على المشهور.

وكذا لو جرح رجُلاً ومات، فإنه يضمنه وإنْ جاز أنْ يموت بسببٍ آخَر سواه؛ لأنه قد وُجِد سبب يمكن الإحالة عليه. لكن يشْكل على ذلك ما لو جرح المحرم صيدًا فغاب ثم وجده ميتًا ولم يَدْرِ أماتَ بجراحته؟ أم بحادث؟ فهل يَلزمه جزاء كامل؟ أَم أرش الجرح فقط؟

(1)

العزيز شرح الوجيز (1/ 75).

ص: 2091

قولان، أظهرهما في "زوائد الروضة" الثاني، ونَصَّ عليه الشافعي في "الأُم".

نعم، هذا على ما في شرح القفال على "التلخيص" وهو التفصيل بين أن يكون رأَى الماء قَبْل بول الظبية عن قُرب غَيْر متغيِّر، فإنْ لم يعهده أصلًا أو طال عَهْده به فهو طاهر؛ عملًا بالأصل.

وذكر الجرجاني - المعروف بالختن

(1)

- مثله في "شرح التلخيص"، وقال: لأنَّ إحالته على السبب الظاهر قد ضعف بطول الزمان.

الثالث:

لا يُطالَب النافي للشيء بدليل إذا دَلَّ على ذلك النفي أمرٌ ضروري. أمَّا إذا لم يكن ضروريًا فالأكثر على أنه يُطالَب بدليل مطلقًا.

وقيل: لا مطلقًا. ويعزى للظاهرية. لكن في "إحكام" ابن حزم أنه يجب عليه الدليل؛ لقوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [البقرة: 111]، {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169].

وثالثها: يجب في العقليات دُون الشرعيات.

واستشكل الهندي جريان الأقوال على الإطلاق.

وقولي: (وَرُبَّمَا يَكُونُ مَقْلُوبًا) إلى آخِره - أي: ما سبق هو في الاستصحاب المستقيم، وقد يكون الاستصحاب مقلوبًا، وهو انعطاف ما هو في الحال إلى ما قَبْله؛ لِكَون الأصل

(1)

قال الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء، 16/ 563): (شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الإِسْتِرَابَاذِيُّ ثُمَّ الجرجَانِيُّ الشَّافِعِىُّ، المَعْرُوفُ بِالختنِ، كَانَ ختنَ الإِمَامِ أَبِيَ بَكْرٍ الإِسمَاعِيليِّ، مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشرَةَ وَثَلَاثِ مائَةٍ، كَانَ رَأْسًا فِي المَذْهَبِ، صَاحِبَ وَجهٍ).

ص: 2092

عدم مخالفة السابق لِمَا هو في الحال.

فالاستصحاب المستقيم: ثبوت أمر في الثاني؛ لثبوته في الأول.

والمقلوب هو: ثبوته في الأول؛ لثبوته في الثاني.

مثاله: لو قيل: هذا الكيل هل هو الذي كان يُكال به على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو لا؟

فيقال: نعم؛ إذِ الأصل موافقة الماضي للحال.

قال الشيخ تقي الدين السبكي: (لم يَقُل الأصحاب به إلا في مسألة واحدة، فيمن اشترى شيئًا فباعه أو وهبه لآخَر ثم قامت البيِّنة لغيرهما بالملك، فنزع مِن المشتري الثاني أو المتهب، كان للمشتري الأول أنْ يرجع بما أعطى من الثمن على بائعه؛ عملًا باستصحاب الملك الذي ثبت الآن لِمَا قَبْل ذلك؛ فإن البيِّنة لا توجد الملك، ولكن تظهره، فيجب أن يكون الملك سابقًا على إقامتها، ويقدر له لحظة لطيفة. ومن المحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعي، ولكنهم استصحبوا مقلوبًا وهو عدم الانتقال منه)

(1)

.

واعتُرض على الشيخ بأنهم قالوا به في صوَر كثيرة غير هذه، منها: لو قذفه فزنَا المقذوف، سقط الحد عن القاذف.

وقولي: (فَرَاجعٌ لِمُسْتَقِيمٍ) إشارة إلى أنَّ المقلوب يَعُود في المعنى للمستقيم؛ لأنَّ الاستصحاب المقلوب يقال فيه: لو لم يكن الحكم الثابت الآن ثابتًا مِن قَبْل لكان غير ثابت؛ إذ لا واسطة. وإنْ كان غير ثابت، قضي بالاستصحاب بأنه الآن غير ثابت، لكنه ثابت؛ فدَلَّ أنه كان ثابتًا أيضًا.

وحاصله أن الأصل أنه لم يتغير مِن حالِه مِن قَبْل إلى حالِه الآن، فهو مِن قَبْل كما هو

(1)

الإبهاج (3/ 170).

ص: 2093

الآن. والله أعلم.

ص:

900 -

وَمنْهُ "الِاسْتِحْسَانُ" عِنْدَ قَائِلِهْ

أَبِي حَنِيفَةَ، انْمِ

(1)

مِنْ دَلَائِلِهْ

901 -

هُوَ دَلِيلٌ مَا بِنَفْسِ الْمُجْتَهِدْ

تَعْبيرُهُ يَقْصُرُ عَنْهُ إنْ وُجِدْ

902 -

وَفي عِبَارةِ الْإمَامِ الشَّافِعِيْ

تَلَفَّظٌ بِهِ بِمَعْنًى شَائِعِ

الشرح:

أي: ومنه "الاستحسان"، وهو استفعال مِن الحسْن، بمعنى: اعتقاد الشيء حسنًا. ومعناه في الاصطلاح عند القائلين به - وهُم أبو حنيفة وأصحابه - ما سنذكره، ويعدونه من الدلائل.

وذلك معنى قولي: (انْمِ مِنْ دَلَائِلِهْ) أي: انْقل ذلك عنه.

وقد نقله ابن الحاجب عن الحنابلة أيضًا، قال:(وأنكره غيرهم حتى قال الشافعي: "مَنِ اسْتَحْسَن فَقَدْ شَرَّع").

وهو بتشديد الراء أي: نَصب شرعًا على خِلاف ما أمر الله به ورسوله؛ لأنه - كما سيأتي - يؤول إلى قول الشيء بلا دليل.

ويؤيد نقلَه عن الحنابلة ما ذكر أبو الخطاب أن أحمد قال: إن أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئًا خلاف القياس، قالوا:"نستحسن هذا وندع القياس". فيدعون ما يزعمون أنه الحقُّ بالاستحسان، وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه.

(1)

يعني: انقل ذلك عنه.

ص: 2094

قال أبو الخطاب: وعندي أنه أنكر عليهم الاستحسان مِن غير دليل، فلو كان عن دليل، لم ينكره؛ لأنه حقٌ، وهو معنى قوله:"أنا أذهب إلى كل حديث" إلى آخِره. أي: أَترك القياس بالخبر، وهو الاستحسان بالدليل.

وكان ينبغي لابن الحاجب نقله أيضًا عن المالكية، فقد قال القاضي عبد الوهاب أنَّ كتب أصحابهم مملوءة مِن ذِكره وإنْ لم يكن منصوصًا عن مالك. وممن نَصَّ على القول به ابن القاسم وأشهب وغيرهما.

وقد اختُلف في تفسير "الاستحسان" الذي في جَعْله من الأدلة الخلاف.

فالأشهر فيه ما اقتصرتُ عليه في النَّظم، وهو أنه: عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد تَقْصر عنه عبارته، فلا يَقْدِر أنْ يفوه به.

وَرَدَّه ابن الحاجب بأنه إنْ لم يتحقق كَوْنه دليلًا فمردود اتفاقًا، وإنْ تحقق فمعتبَر اتفاقًا.

قيل: وفيما قاله نظر؛ لأنه قد يقال على الشق الأول: لا معنى لكونه لم يتحقق؛ لأنَّ الفرض أنه عندهم دليل. وعلى الشق الثاني: لا نُسَلِّم أنَّ ما لا يمكن التعبير عنه مِن [الأدلة]

(1)

يُعْمَل به.

وأما البيضاوي فَرَدَّه بأنه لا بُدَّ مِن ظهوره؛ ليتميز صحيحه عن فاسده؛ فإنَّ ما ينقدح في نفس المجتهد قد يكون وَهْمًا لا عِبرة به.

قيل: وفيه أيضًا نظر؛ لأنَّ هذا إنما يقدح فيما يكون في المناظرة، وأما بالنسبة إلى عمل المجتهد به فإنه انقدح عنده أنه دليل؛ فعمل به وأفتى به وإنْ لم يَقْدر على التعبير عنه، فينبغي أنْ يقال في الرد: إنَّ المنقدح في نفس المجتهد إنما يمتاز عن غيره من الأدلة؛ لكونه لا يمكن التعبير عنه، ولكن ذلك لا يقد في كونه دليلًا، فيكون التمسك به وفاقًا، فأين الاستحسان

(1)

كذا في (ق، ش)، لكن في سائر النسخ: الاول.

ص: 2095

المختلَف فيه؟ !

وقيل في تفسير "الاستحسان" أيضًا وهو عبارة الكرخي من الحنفية: إنه قَطْع المسألة عن نظائرها. أي: إنَّ المجتهد يَعْدل عن الحكم في مسألة بما حَكَم به في نظائرها إلى الحكم بخلافه؛ [لِوَجْه]

(1)

أقوى مِن الأول يقتضي العدول عنه.

وذلك كتخصيص أبي حنيفة قول القائل: (مالي صدقة) بالمال الزكوي؛ لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]، فإن الدليل الدال على وجوب الوفاء بالنذر يقتضي وجوب التصدق بجميع أمواله؛ عملًا بعموم لفظ الناذر. لكن الدليل الخاص اقتضَى العدول عن هذا الحكم بالنسبة إلى غير الزكوي، وهو:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} . والجامع قرينة إضافة الصدقة إلى المال في الصورتين.

ورُدَّ ذلك بأنه يَلزم أنَّ كلَّ تخصيصٍ استحسان، وهو وفاق، فأين محل الخلاف؟ !

وقال أبو الحسين: "الاستحسان": تَرْك وَجْه مِن وجوه الاجتهاد غَيْر شامل شمول الألفاظ؛ لِوَجْه أَقْوى منه وهو في حُكم الطارئ على الأول.

واحترز بقوله: (غير شامل شمول الألفاظ) عن التخصيص، فإنَّ الوجه الأول فيه شامل شمول الألفاظ. وبقوله:(وهو في حكم الطارئ على الأول) عن تَرْك أَضْعَف القياسين للأقوى، فإنَّ أقوى القياسين ليس في حُكم الطارئ على الأضعف. [فإنْ]

(2)

فُرِض أنه طارئ [فذلك]

(3)

"الاستحسان".

مثال ذلك: العنب ثبت تحريم بيعه بالزبيب، سواء كان على رأس الشجر أوْ لا؛ قياسًا

(1)

كذا في (س)، لكن في سائر النسخ: إلى وجه.

(2)

كذا في (ق)، لكن في (س، ص): فإنه.

(3)

كذا في (ق)، لكن في سائر النسخ: بذلك.

ص: 2096

على الرطب. ثم إنِّ الشارع أَرْخَص في جواز بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر، فَقِسْنَا عليه العنب وتركنا القياس الأول؛ لكون الثاني أقوى. فلمَّا اجتمع في الثاني القوة والطريان، كان استحسانًا.

ولكن هذا التفسير يقتضي أن يكون العدول عن حُكم القياس إلى النص الطارئ عليه "استحسانًا"، وليس كذلك عند القائلين به.

وأيضًا فيرجع هذا التفسير إلى تخصيص العلة، وهو ما سبق أنه "النقض"، وليس ذلك مما ينفرد به الحنفية كما سبق بيانه في "باب القياس"، بل يقال: إنَّ حاصل ذلك - كما قاله الآمدي - "الرجوع عن حُكم دليل؛ لطريان دليل آخَر أقوى منه". وهو أَعَم مِن تخصيص العِلَّة.

وقول رابع: أنه العدول عن حُكم الدليل إلى العادة؛ لمصلحة الناس، كدخول الحمام مِن غير تقدير الماء وشُرب الماء من السقاء.

ورُدَّ بأن العادة إنْ ثبت جريانها بذلك في زمنه عليه السلام فهو ثابت بالسُّنة، أو في زمانهم مِن غير إنكار فهو إجماع، وإلا فهو مردود.

وقد اختلف أصحابنا في قرض الخبز على وجهين:

أحدهما: الجواز، وبه قال صاحب "الشامل" و"التتمة" والمستظهري؛ لإجماع أهل الأعصار على فِعله.

الثاني: وهو الأصح عند صاحب "التهذيب": المنع. وما ذُكِر من الإجماع فليس هو إجماع أهل الحل والعقد، بل إجماع العامَّة، ولا اعتبار بهم.

وفيما لو دفع ثوبًا إلى قصَّار ليقصره أو خياط ليخيطه أو جلس بين يدي حلاق ليحلق رأسه، والأصح المنصوص: لا أجرة مطلقًا.

ص: 2097

وقيل: تجب أجرة المثل؛ للعادة. وقيل غير ذلك.

فمَن اعتبر المسائل، وَجَد أنَّ ما أجمعوا عليه فَلَهُ مَأْخَذ، وما اختلفوا فيه فاختلافهم في مأخذه.

وقيل في تفسيره أيضًا غير ذلك، وقد ظهر أنه لا يتحقق "استحسان" مختلف فيه.

فإنْ تحقق استحسان مختلَف فيه فمَن قال به فَقَدْ شَرَّع كما قاله الشافعي فيما سبق نقله عنه.

ويقال للقائلين به: إنْ عنيتم ما يستحسنه المجتهد بِعَقْله مِن غير دليل (كما حكاه بشر المريسي والشافعي عن أبي حنيفة وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: إنه الصحيح في النقل عنه) فأمر عظيم وقول في الشريعة بمجرد التشهي، وتفويض الأحكام إلى عقول ذوي الآراء، وقد قال تعالى:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]. ولكن أصحابه ينكرون هذا التفسير عنه.

وإنْ عنيتم جواز لفظ "الاستحسان" فقط فلا إنكار في ذلك؛ فإن الله تعالى يقول: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18]، وفي الحديث:"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن"

(1)

. فالكتاب والسُّنة مشحونان بنحو ذلك، لكنكم لا تقصدون هذا المعنى، فليس لكم أن تحتجوا بمثله على "الاستحسان" بالمعنى الذي تريدونه مما سبق. على أنَّ هذا الحديث رواه أحمد والدارمي عن ابن مسعود موقوفًا عليه، ومَن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخطأ، ورفعه من حديث أَنَس إسناده ساقط لا يُحتج به. وعلى تقدير صحته فالمراد

(1)

هو من قول ابن مسعود رضي الله عنه في: مسند الإمام أحمد بن حنبل (رقم: 3600)، المستدرك على الصحيحين (رقم: 4465)، وغيرهما. قال الحافظ ابن حجر في (الدراية في تخريج أحاديث الهداية، 2/ 187): (لم أَجِدهُ مَرْفُوعًا، وَأخرجه أَحْمد مَوْقُوفًا عَلَى ابْن مَسْعُود بِإسْنَاد حسن).

ص: 2098

به إجماع الأُمة ورأيهم حُسْنه بالدليل الذي قام لهم.

وقولي: (وَفي عِبَارَةِ الْإمَامِ الشَّافِعِيْ) إلى آخِره - إشارة إلى أن لفظ "الاستحسان" وقع في كلام الشافعي كثيرًا غَيْر مراد به المعنى الذي سبق، بل أصل معناه الشائع في اللغة المأخوذ مِن لفظ "الحسن". فمِن ذلك قول الشافعي رضي الله عنه:"مراسيل ابن المسيب عندنا حسنة". وقال: "أَسْتَحْسِن في المتعة أن تكون ثلاثين درهمًا"، و:"أَسْتَحْسِن أنْ تثبت الشفعة للشفيع إلى ثلاثة أيام"، و:"أستحسن أن يترك للمكاتب شيء مِن نجوم الكتابة"، و:"حسن أن يضع إصبعيه في صماخي أُذنيه إذا أذَّن".

وقال الغزالي: استحسَن الشافعي التحليف على المصحف.

وقال الرافعي في التغليظ على المعطل في اللعان: (أستحسن أن يحلف ويقال: قل بالله الذي خلقك ورزقك)

(1)

.

وقال القاضي الروياني فيما إذا امتنع المدِّعي من اليمين [المردودة]

(2)

وقال: "أمهلوني؛ لأسأل الفقهاء": اسْتَحْسَن قضاة بلدنا إمهاله يومًا.

وقال أبو الفرج السرخسي في تقدير نفقة الخادم على الزوج المتوسط: استحسن الأصحاب أن يكون عليه مُد وسدس بتفاوت المراتب في حق الخادمة.

فإنَّ الموسر عليه لها مُد وثلث، والمعسر مُد، فليتوسط في المتوسط كما تفاوتت المراتب في حق المخدومة.

وقال الأصحاب: ليس لِوَلي المجنونة والصبية المراهقة إذا آلَى عنها الزوج وضربت المدة وانقضت أنْ يطالبه بالفيئة؛ لأنَّ ذلك لا يدخل في الولاية، وحسن أن يقول الحاكم للزوج

(1)

العزيز شرح الوجيز (9/ 403).

(2)

في (ق): المردوة عليه.

ص: 2099

على سبيل النصيحة: اتق الله، فِئْ [إليها]

(1)

أو طَلِّقها.

فإنْ قيل: فقد قال الشافعي وأصحابه بصريح "الاستحسان" في مواضع، فقال الشافعي في السارق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى: القياس أنْ تقطع يمناه، والاستحسان أنْ لا تقطع.

وقال الأودني في اختلاف الأصحاب في مسألة الجارية المغنية تساوي ألفًا وبالغناء ألفين: كل هذا استحسان، والقياس الصحة.

فنقل الأودني عن الأصحاب وغيره ذلك.

قيل: أما الشافعي فإنه إنما قضى على مَن يحتج بالاستحسان بأنْ لا تقطع، فهو إلزام لقائله، لا قول به. وقول الأودني:(كل هذا استحسان) فإنه ردٌّ على مَن قال بخلاف الصحة في الحقيقة؛ ولذلك كان هو الأصح في المذهب.

وقال الإمام: (إنه القياس السديد)

(2)

.

والأودني يقول: "إن الذي يقولونه استحسان؛ فَيُرَد"، وهُم قد يقولون: لَمْ نَقُلْه بالاستحسان كما فهمه الأودني عنا.

وبالجملة فوقوع هذا اللفظ ليس بمستنكَر، إنما المستنكر إطلاقه بالمعنى الذي قصدوه. والله أعلم.

(1)

في (س، ت): لها.

(2)

نهاية المطلب (13/ 203).

ص: 2100

ص:

903 -

وَ"شَرْعُ مَنْ مَضَى وَلَمْ يُقَرَّرِ

في شَرْعِنَا لَيْسَ بِذِي تَقَرُّرِ

الشرح:

مِن الأدلة المختلف فيها أنَّ ما ثبت في شرع مَن مَضَى من الأنبياء السابقين على بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هل يكون شرعًا لنا حتى يُستدل به في أحكام شرعنا إذا لم نجد دليلًا يُقَرره ولا وَرَدَ ما يَنْسخه؟ أو ليس بشرعٍ لنا حتى يأتي في شرعنا ما يقرر ذلك الحكم؟ قولان.

وأصل الخلاف ما قال إمام الحرمين: إنه يجري مجرى التواريخ أنَّ نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم هل كان متعبدًا بشرع مَن قَبْله مِن الأنبياء قبل النبوة؟ وهل كان متعبدًا بذلك بعد النبوة؟

فأما الأُولى:

فالمختار فيها عند ابن الحاجب والبيضاوي: نعم.

قال ابن الحاجب: للأحاديث المتظافرة: "كان يخلو بغار حراء"، "كان يصلي"، "كان يطوف".

قيل: لا يحفظ مِن ذلك إلا حديث أنه "كان يتحنث بغار حراء"

(1)

. رواه البخاري.

ثم اختُلف في تعيينه:

فقيل: بشرع آدم. وقيل: نوح. وقيل: إبراهيم. وقيل: موسى. وقيل: عيسى.

وقيل: ما ثبت أنه شرع، من غير تخصيص.

ومقابِله ما نقله القاضي أبو بكر عن جمهور المتكلمين أنه لم يكن متعبدًا بشرع أحد

(1)

صحيح البخاري (رقم: 3)، صحيح مسلم (165).

ص: 2101

أصلًا.

ثم قيل: إنه ممتنع عقلًا؛ لِمَا فيه من التنفير عنه.

وقيل: شرعًا. وعزاه القاضي عياض لحذاق أهل السنة؛ إذ لو كان كذلك لَنُقِل ولتداولته الألسنة.

وثالث المذاهب: الوقف. وهو قول إمام الحرمين والغزالي والآمدي وابن الأنباري، وهو المختار.

واعتمد القاضي أبو بكر في امتناع ذلك على أنه لو كان على مِلَّة، لاقتضى العُرف ذِكره لها لَمَّا بُعِث، ولتحدَّثوا بذلك في زمانه وفيما بَعده.

لكن عارض ذلك إمام الحرمين بأنه لو لم يكن على دِين أصلًا، لَنُقِل؛ فإنَّ ذلك أبدع وأَبْعَد عن المعتاد مما ذكره القاضي. فقد تَعارَض الأمران.

قال ابن الأنباري: وفيه نظر، فليس انصراف النفوس عن نَقْل كَوْنه ليس على دِين كانصرافها عن نَقْل دِينه الذي كان عليه.

ثم قال إمام الحرمين: (الوجه أن يقال: انخرقت العادة للرسول صلى الله عليه وسلم في أمور، منها انصراف همم الناس عن أمر دِينه والبحث عنه)

(1)

.

وأما الثانية:

فإنْ قُلنا في الأُولى بالمنع فالمنع هنا أَوْلى. وإنْ قُلنا بالجواز فاختلفوا:

فقال ابن الحاجب: (إن المختار أنه بعد المبعث متعبَّد بما لم يُنسخ)

(2)

.

(1)

البرهان في أصول الفقه (1/ 335).

(2)

مختصر المنتهى مع شرح الأصفهاني (3/ 267).

ص: 2102

أي: مِن شرع مَن قَبْله بإيحاء الله تعالى له بذلك، على معنى أنه موافِق، لا متابع.

قال إمام الحرمين: (وللشافعي مَيْل إلى هذا وبَنَى عليه أصلاً مِن أصوله في "كتاب الأطعمة"، وتابعه معظم أصحابه)

(1)

.

والأصل الذي في الأطعمة: إذا وجدنا حيوانًا لا يمكن معرفة حِلِّه بشيء مِن مَآخِذ شريعتنا وثبت تحريمه في شرع مَن قَبْلنا، فأظهر القولين أنه يُستصحب تحريمه.

وهو قضية كلام عامة الأصحاب.

ومقابلُه: ما قاله الأكثرون: إنه لم يكن متعبدًا بعد النبوة بشرع غيره أصلًا.

فَعَلَى هذا يكون الراجح في مسألة أنَّ "شَرْع مَن قَبْلنا هل هو شَرْع لنا؟ " المنع إلا أنْ يُقَرَّر في شرعنا، وعليه جريتُ في النَّظم بقولي:(لَيْسَ بِذِي تَقَرُّرِ) في شرعنا، وهذه اللفظة هي المذكورة في البيت الذي بعده.

ثم افترق القائلون بالمنع:

فقالت المعتزلة: ذلك مستحيل عقلاً.

وقال غيرهم: شرعًا. وهو اختيار القاضي والإمام الرازي والآمدي.

تنبيهات

الأول: استند القائلون بأنه كان متعبدًا بعد البعثة بشرع مَن قبله بظواهر، نحو قوله تعالى:{أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [النحل: 123]، وقوله تعالى:{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وغير ذلك مما يَكرر مثله كثيرًا.

(1)

البرهان في أصول الفقه (1/ 331).

ص: 2103

وجوابه أن المراد: في العقائد التي لا خلاف بين الأنبياء فيها، ولكن سمى الموافقة "اتِّباعًا".

واستدلوا أيضًا بنحو قوله في حديث الربيع بنت النضر لما كسرت ثنية غيرها فقال صلى الله عليه وسلم: "كتاب الله القصاص"

(1)

. إشارة إلى قوله تعالى: {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة: 45] في آية: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} [المائدة: 45] أي: على بني إسرائيل {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] الآية.

وجوابه أن المراد بِـ "كتاب الله": حُكم الله، فيكون تقريرًا. أو أنَّ المُقَرِّر:{فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، ونحو ذلك.

واستدلوا أيضًا بحديث رَجْم اليهوديين والأمر بإحضار التوراة، فلو لم يكن شرعًا له لَمَا طلب.

وجوابه: أنه إنما أراد إقامة الحجة عليهم في إنكارهم أنَّ ذلك في التوراة وافتضاحهم بالكذب، لا أنه عَمل به.

واستدلوا أيضًا بحديث: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليُصَلها إذا ذكرها"

(2)

وتلا: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] وهو لموسى، وسياقه يدل على الاستدلال به. والحديث في "الصحيحين"، ورواه مسلم أيضًا بلفظ:"فليُصلها إذا ذكرها"

(3)

. فإن الله تعالى يقول: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} .

(1)

صحيح البخاري (رقم: 2556).

(2)

سبق تخريجه.

(3)

صحيح مسلم (رقم: 680)، بلفظ:(مَن نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إذا ذَكَرَهَا).

ص: 2104

وجوابه إما أنَّ المراد: لتذكرني فيها، أو نحو ذلك. وذِكر الآية للتنبيه على أنَّ هذا الحكم لا يختلف في شرعه وشرع موسى عليهما الصلاة والسلام.

واستُدل للمنع بأنه لم يذكر في حديث معاذ الذي فيه تصويبه، والإجماع على أن شريعته ناسخة لغيرها من الشرائع، وغير ذلك من الأدلة. ولذلك محل يُذكر فيه لسنا بصدده في هذا الكتاب. والله تعالى أعلم.

ص:

904 -

شَرْعًا لنَا، وَ"مَذْهَبُ الصَّحَابِيْ"

لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى أَصْحَابِ

905 -

تَصَرُّفٍ بِالِاجْتِهَادِ مُطْلَقَا

وَالشَّافِعِيْ وَإنْ يَكُنْ قَدْ وَافَقَا

906 -

مَذْهَبَ زيدٍ في فَرَائِضَ [يُرَى]

(1)

وَقَالَ: قَدْ قَبِلْتُ عَنْهُ الْأَكْثَرَ

907 -

لَيْسَ لِكَوْيهِ دَلِيلاً وَجَدَا

وَلَا لِكَوْنِهِ لِزَيْدٍ قَلَّدَا

908 -

بَلْ لِتَوَافُقٍ في الِاجْتِهَادِ

أَوْ [لِحَدِيثٍ]

(2)

صَحَّ بِالْإسْنَادِ

909 -

"أَفْرَضُكُمْ زيدٌ"؛ فَكَانَ حُجَّهْ

لِلشَّرْعِ لَا لِكَوْنِهِ الْمَحَجَّهْ

الشرح:

من الختلف فيه من الأدلة: "مذهب الصحابي"، أي: العالِم؛ لأنَّ العامِّي لا قول له. فتقييد بعض الحنابلة إياه بذلك للإيضاح؛ إذ لا حاجة إليه.

والنظر في قول الصحابي في أمرين:

(1)

في (س، ت): ترى.

(2)

كذا في (ق، ش، ن)، ويوافق لفظ "النبذة". لكن في (ص، ض، ت، س): نحو نص.

ص: 2105

في كونه حُجة شرعية أو لا.

وفي أنه هل يجب تقليده في قوله؟ أو لا؟

فالأول: إنْ كان على صحابي آخَر فليس بحجة بالاتفاق كما حكاه ابن الحاجب وغيره.

ولكن فيه نظر؛ فقد قال إمام الحرمين - بعد تقرير أنه إنما يكون حجة على قول مَن يراه إذا لم تختلف الصحابة ولكن نُقِل عن واحد منهم ولم يَظهر خِلافُه - إنَّ الشافعي قال في موضع: إذا [اختلف]

(1)

الصحابة، فالتمسك بقول الخلفاء أَوْلى.

قال: (فهذا كالدليل على أنه لا يسقط الاحتجاج بأقوال الصحابة مِن أَجْل الاختلاف). انتهى.

وفي "المحصول" في مسألة الاجماع السكوتي ما يُشْعِر بالخلاف في كونه حُجة على صحابي آخَر.

وفي "اللمع" للشيخ أبي إسحاق: (إنَّ الصحابة إذا اختلفوا على قولين، ينبني على القولين في أنه حجة؟ أم لا؟

فإنْ قُلنا: ليس بحجة، لم يكن قول بعضهم حُجة على بعض، ولم يَجُز تقليد واحد منهما، بل يُرْجَع إلى الدليل.

وإنْ قُلنا: إنه حُجة، فهما دليلان تَعارضَا، يرجح أحدهما على الآخَر بكثرة العدد مِن أحد الجانبين أو يكون فيه إمام)

(2)

. انتهى

وإنْ كان على غيْر الصحابي مِن المجتهدين من التابعين وغيرهم ففيه مذاهب:

(1)

كذا في (ص، ق)، لكن في (س، ت): اختلفت.

(2)

اللمع في أصول الفقه (ص 95).

ص: 2106

أحدها: وهو الراجح وقول الشافعي في الجديد وأحمد في إحدى الروايتين وإليه ذهب الأشاعرة والمعتزلة والكرخي من الحنفية: أنه ليس بحجة مطلقًا. واختاره الإمام الرازي وأتباعه والآمدي وابن الحاجب وغيرهما.

ولذلك أطلقتُ في النَّظم أنه ليس بحجة على مجتهد، أي: لا على صحابي ولا على غيره. وأما على غيْر مجتهد فذلك إنما هو مِن قبيل التقليد، وسيأتي بيانه.

الثاني: أنه ليس بحجة إلا أن يكون في أمر تَعبُّدي لا مجال للقياس فيه.

وادَّعَى الشيخ تقي الدين السبكي والشيخ صلاح الدين العلائي أن الشافعي يقول بذلك في الجديد؛ لأنه قال في كتاب "اختلاف الحديث": إنه رُوي عن علي رضي الله عنه أنه صلَّى في زلزلة ست ركعات، كل ركعة بست سجدات.

ثم قال: (إنْ ثبت ذلك عن علي، قُلتُ به).

لأنه لا مجال للقياس فيه؛ فالظاهر أنه فَعَله توقيفًا.

وذكر الغزالي في "المستصفى" أن ذلك من تفاريع القديم مع نَقْله إياه عن "اختلاف الحديث".

وانتُقِد عليه بأنَّ كتاب "اختلاف الحديث" من كُتب الشافعي الجديدة بمصر، رواه عنه الربيع بن سليمان.

قلتُ: رد بعض العصريين ذلك بأن الظاهر أن العلائي والسبكي ومَن تبعهما إنما اعتمدوا في هذا نَقْل الغزالي ذلك في "المستصفى"، وقد استوعبتُ عِدة نُسخ من كتاب "اختلاف الحديث" فلم أَجِد فيه ذلك.

نعم، في كتاب "اختلاف عِلي وابن مسعود" في "الصلاة في الزلزلة": قال الشافعي: (عباد، عن عاصم الأحول، عن قزعة، عن علي رضي الله عنه أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع

ص: 2107

سجدات، خمس ركعات وسجدتين في ركعة، وركعة وسجدتين في ركعة. ولسنا نقول بهذا، لا نُصلي في شيء من الآيات إلا في كسوف الشمس والقمر، ولو ثبت هذا الحديث عندنا عن علي لَقُلنا به. وهُم يثبتونه ولا يأخذون به، يقولون: يصلَّى ركعتين في الزلزلة، في كل ركعة ركعة)

(1)

.

ثم ذكر عدة أحاديث عن علي مختلفة في ذلك. انتهى

ثم على تقدير صحته [عن الشافعي في "اختلاف الحديث"]

(2)

فقال السبكي: إن ذلك إذا كان مذكورًا في القديم والجديد فالظاهر أنه حُجة قديمًا وجديدًا؛ لأنه يفيد ظنًا لا مُعارِض له.

قال شيخنا بدر الدين الزركشي: (هذا الذي قاله السبكي وتبعه ولده فيه يدل على أنهما لا نَقْل عندهما صريحًا فيه، ولكن قد جزم به ابن الصباغ في "كتاب الأيمان" من كتابه "الكامل" بالكاف، والإمام في "المحصول" في "باب الأخبار")

(3)

. انتهى

قلت: وبالجملة [فهذا]

(4)

ينبغي أنْ يخرج عن مسألة قول الصحابي؛ لأنه يصير بذلك في حكم المرفوع. وقد سبق أن الصحابي إذا قال ما لا يمكن أن يقوله عن اجتهاد بل عن توقيف أنه يكون مرفوعًا كما صرح به علماء الحديث والأصول كما بيَّناه في الكلام في الرواية؛ فلذلك لم أُقيِّد في النَّظم المسألة بذلك، فاعْلَمه.

(1)

الأم (7/ 168).

(2)

من (ق، ش).

(3)

تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع (2/ 155).

(4)

كذا في (ق، ش)، لكن في سائر النسخ: فهل.

ص: 2108

المذهب الثالث: أنه حجة مطلقًا تُقَدَّم على القياس؛ لحديث: "أصحابي كالنجوم"

(1)

. ولكن قد سبق بيان ضعفه والجواب عنه بتقدير الصحة في باب الإجماع.

وهو قول مالك وأكثر الحنفية، وهو المنقول عن القديم للشافعي.

لكن للشافعي في الجديد أقوال أخرى، منها ما يوافق ذلك.

فقال في "الرسالة": (إن الصحابة إذا تفرقوا، نصير إلى ما وافق الكتاب أو الإجماع أو كان أصح في القياس. وإذا قال الواحد منهم القول ولا يُحفظ عن غيره موافقة ولا مخالفة، صرنا إلى اتِّباع قول أحدهم إذا لم نجد كتابًا ولا سُنةً ولا إجماعًا ولا شيئًا نحكم له بحكمه)

(2)

.

وقال في اختلافه مع مالك مِن جملة "الأم": (ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعُذر على مَن سمعهما مقطوع إلا باتِّباعهما. فإذا لم يكن ذلك، صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو واحدهم، وكان قول الأئمة أبي بكر أو عُمر أو عثمان أحب إلينا إذا صرنا إلى التقليد، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أَقْرَب الاختلاف مِن الكتاب والسنة، فنتبع القول الذي معه الدلالة؛ لأنَّ قول الإمام مشهور بأنه يلزم الناس، ومَن لَزِمَ قولُه الناس كان أظهر ممن يُفتي الرجل أو النفر)

(3)

إلى آخِره.

وغير ذلك من نصوص صريحة في أن قول الصحابي عنده حجة مقدمة على القياس على وَفْق ما قاله في القديم.

(1)

رواه ابن عبد البر في (جامع بيان العلم، 2/ 78)، وابن بطة في (الإبانة الكبرى، 2/ 564)، وقال الشيخ الألباني في (سلسلة الأحاديث الضعيفة، رقم: 58): (موضوع).

(2)

الرسالة (ص 596 - 598).

(3)

الأم (7/ 265).

ص: 2109

ونَصه في القديم لَّمَا ذكر الصحابة رضي الله عنه قال: (وهُم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم أو استنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأَوْلى بنا مِن آرائنا عندنا لأنفسنا).

إلى أن قال: (إنِ اجتمعوا، أخذنا باجتماعهم. وإنْ قال [واحدهم إنْ]

(1)

لم يخالفه غيره، أخذنا بقوله. فإنِ اختلفوا، أخذنا بقول بعضهم، ولم نخرج عن أقاويلهم).

وله في نَص آخَر: (إنِ اختلفوا، نظرنا إلى الأكثر، فإنْ تكافئوا، نظرنا إلى أحسن أقاويلهم مخرجًا عندنا)

(2)

. انتهى

ويتفرع على هذا القول: إذا اختلف صحابيان، كانا كدليلين تَعارَضَا، فيرجح أحدهما بدليل كما أشار إليه الشافعي فيما نقلناه من النصوص.

فخرج مِن ذلك قول رابع: إنه حجة إذا لم يخالفه غيره من الصحابة، وإلا فيؤخَذ بِقَول الأكثر أو غير ذلك مما سبق.

والمذهب الخامس: إنه حجة لكن دُون القياس. أي: حتى يُقَدَّم القياس عليه عند التعارض.

وعلى هذا فهل يخصَّص العموم به؟ وجهان حكاهما الرافعي في الأقضية بلا ترجيح. أما الجواز فلأنه حجة شرعية، وأما المنع فلأنه محجوج بالعموم، فقد كان الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم.

السادس: إنِ انتشر ولم يخالَف فهو حجة. ونقله الأصوليون عن القديم أيضًا، وكلام ابن الصباغ يُشْعِر بأنه في الجديد أيضًا؛ فإنه قال في "العدة": إنما احتج الشافعي بقول عثمان

(1)

كذا في (ص، س)، لكن في (ق): واحد و.

(2)

انظر: المدخل إلى السنن الكبرى (ص 110 - 111).

ص: 2110

في الجديد في مسألة البراءة من العيوب لأنَّ مذهبه أنه إذا انتشر ولم يظهر له مخالِف، كان حجة.

لكن إذا انتشر ولم يخالَف، دخل في قبيل الإجماع السكوتي، وقد سبق الخلاف فيه في "كتاب الإجماع"، فالحجية فيه، لا في مجرد قول الصحابي؛ ولهذا لو كان في غير عصر الصحابة، كان كذلك.

ولهذا وَهَّموا صاحب "الحاصل" والبيضاوي في حكايته في هذه المسألة، وإنما حكاه الإمام في المسألة الآتية، وهي أنه هل يجوز لمجتهدٍ غيره أنْ يُقَلده؟ [أو]

(1)

لا؟

السابع: إنْ خالف القياس، كان حجة، وإلا فلا. قال ابن برهان في "الوجيز": هذا هو الحق البين، وإنَّ نصوص الشافعي تدل له.

الثامن: حجة إنِ انضم إليه قياس التقريب. حكاه الماوردي قولًا للشافعي، فقال: إن قياس التقريب إذا اعتضد بقول الصحابي، كان أَوْلى مِن قياس التحقيق.

قلت: فيه نظر؛ لأنَّ هذا في قياسين يطلب الترجيح فيهما، فيقال: يُقَدَّم قياس التقريب بانضمام قول الصحابي، لا أنَّ قول الصحابي وَحْده حينئذٍ هو الحجة، بل المجموع مُقدَّم على ما عارض مِن قياس آخَر.

التاسع: حُجة إذا انضم إليه قياس مطلقًا. حكاه العلائي عن إشارة الشافعي في "الرسالة" الجديدة إليه.

قلت: وفيه النظر السابق في الذي قبله.

ونحوه ما حكاه ابن الصباغ عن بعض الأصحاب أن القياس الضعيف إذا اعتضد

(1)

في (ق): أم.

ص: 2111

بقول الصحابي كان أَوْلَى من القياس القوي.

فإنْ جعلنا القياس الضعيف أَعَم مِن قياس التقريب وغيره، كان قولًا آخَر مغايرًا لِمَا سبق.

العاشر: قول الصحابي حُجة إذا كان مِن قول أبي بكر وعمر فقط.

الحادي عشر: إذا كان مِن قول الخلفاء الأربعة. لكن هذا يحتمل عند القائل به أن يكون مِن قبيل الإجماع كما سبق في محله.

الثاني عشر: قول الخلفاء الأربعة إلا عليًّا. وقد أُخذ هذا من قول الشافعي في "الرسالة" القديمة: (إنَّ الصحابة إذا اختلفوا وفي أحد الطرفين أبو بكر أو عمر أو عثمان، رجح)

(1)

.

ولم يذكر عليًّا.

وقد حكى القفال في أول "شرح التلخيص" فيه لأصحابنا ثلاثة أَوْجُه: أنه إنما ترك عليًّا اختصارًا؛ لأنَّ حُكمه حُكمهم، أو اكتفاء بذكر الأكثر. واختاره ابن القاص، فقال: إن الشافعي قاله في الثلاثة نصًّا، وقلتُه في عِلي تخريجًا.

ثانيها: أنه إنما لم يذكره لأنَّ الشافعي كان بعض المتعصبين عليه يرميه بالتشيع؛ فنفى الريبة عن نفسه بإسقاطه.

وثالثها: وصححه القفال وجمعٌ: أنه أسقطه؛ لأنه ليس في قوله مِن القوة ما في قولهم، لكن لا لِنَقْص في قوته الاجتهادية - معاذ الله - بل لأنَّ الصحابة كانوا في زمن الخلفاء الثلاثة كثيرين، فكانوا يستشيرونهم، كما فعل أبو بكر في مسألة الجدة، وعمر في الطاعون، وغير ذلك؛ فكان قول كل منهم كقول أكثر الصحابة. ولَمَّا آلَ الأمر إلى عِلي، خرج إلى

(1)

المدخل إلى السنن الكبرى (ص 110).

ص: 2112

الكوفة ومات خَلْقٌ من الصحابة؛ فلم يكن قوله كقولهم؛ لهذا المعنى، لا لنقصان فيه كرم الله وجهه ورضي عنه.

الثاني عشر: إنْ كان الصحابي مَيّزَه النبي صلى الله عليه وسلم بالنَّص كزَيْد في الفرائض وعِلي في القضاء ونحو ذلك، فقوله حجة.

الثالث عشر: أنه غير حجة، ولكن يَصلح للترجيح.

الرابع عشر: لا يَصلح للترجيح إلا أنْ يكون أحد الأربعة.

الخامس عشر: إنْ ميزه النَّص فيرجح به. وستأتي هذه الأقوال في "كتاب التراجيح".

وأما الثاني:

وهو أنه هل يُقَلَّد فيما قاله باجتهاده؟ وهو تفريع على أنَّ قوله ليس بحجة، فحينئذٍ هل يجوز لمجتهدٍ تقليده سواء صحابي آخَر أو غيره؟

سيأتي في "باب الاجتهاد" أن المجتهد لا يجوز له أن يقلد مجتهدًا، لكن في خصوص الصحابي ثلاثة أقوال للشافعي، ثالثها عن القديم: إنِ انتشر، جاز تقليده وإلا فلا.

وقد سبق أنَّ هذا محل هذا القول، لا مسألة كَوْنه حُجة أوْ لا.

على أن الحافظ صلاح الدين العلائي لَمَّا نقل أن الغزالي في "المستصفى" أَفْرَد هذه المسألة عن تلك وقال: (إنَّ قول الشافعي اختلف فيها، فقال في القديم: يجوز تقليده وإنْ لم ينتشر. ورجع في الجديد إلى أنه لا يقلِّد العالِمُ صحابيًّا. نقله المزني، وهو الصحيح المختار)

(1)

.

وقال المزني في "أدب القضاء": (إنه يشاور، ولا يشاور إذا نزلت به المشكلة إلا أمينًا

(1)

المستصفى (1/ 170).

ص: 2113

عالمًا بالكتاب والسنة والآثار وأقاويل الناس ولسان العرب). ثم قال بعد ذلك: (فأما أنْ يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بَعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)

(1)

. انتهى

قال: (فأطلق اسم "التقليد" على الرجوع إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حُجة قطعًا، وكذلك قوله في تقليد الصحابي لاسيما مع ما تكرر من قوله في غير موضع من النهي عن التقليد والمنع منه)

(2)

. انتهى

أما تقليد العوام لواحد من الصحابة ففيه خلاف حكاه إمام الحرمين، وقال:(إن المحققين على الامتناع)

(3)

.

وليس هذا لأنهم دُون المجتهدين غير الصحابة، فَهُم أَجَلّ قَدْرًا، بل لأنَّ مذاهبهم لا يُوثَق بها، فإنها لم تثبت حق الثبوت كما ثبتت مذاهب الأئمة الذين لهم أتْباع.

وبهذا جزم ابن الصلاح في كتاب "الفتيا"، وزاد أنه لا يُقَلَّد التابعون أيضًا ولا غيرهم ممن لم يُدَوَّن مذهبهم، وإنَّ التقليد يتعيَّن للأئمة الأربعة دُون غيرهم؛ لأنَّ مذاهبهم قد انتشرت وانبسطت حتى ظهر منها تقييد مطلقها وتخصيص عامِّها. وأما غيرهم فنُقلت عنه الفتاوى مجردة، فَلَعَلَّ لها مكملًا أو مقيدًا أو مخصصًا لو انبسط كلام قائله، لَظَهر خلاف ما يبدو منه، بخلاف هؤلاء الأربعة، فامتناع التقليد إذَن لِتَعَذُّر نَقْل حقيقة مذاهبهم.

وذهب غيرهم إلى أنهم يقلَّدون؛ لأنهم قد نالوا رُتبة الاجتهاد، وهُم بالصحبة يزدادون رفعة.

قال بعض المتأخرين: هذا هو الصحيح، لكن الشرط أن يتحقق ثبوت مذهب مَن يُراد

(1)

مختصر المزني (ص 393)، طبعة: دار الكتب العلمية.

(2)

هذا كلام العلائي في كتابه "إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، ص 44".

(3)

البرهان (2/ 744).

ص: 2114

تقليده، بل لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة؛ إذْ مَن يقول:(يقلَّدون) يقول: (إذا تحقق ثبوت مذهبه)، ومَن يمنع فذلك عند عدم تَحقُّقه.

نعم، في "أوسط" ابن برهان ما يحقق الاختلاف مِن وَجْه آخَر، فإنه بنى تقليد الصحابة على جواز الانتقال في المذاهب، فمَن منعه، منع تقليدهم، لأنَّ فتاويهم لا يقْدر على استحضارها في كل واقعة.

وما قاله حسن.

وقولي: (وَالشَّافِعِيْ وَإنْ يَكُنْ قَدْ وَافَقَا) إلى آخِره - جواب عن سؤال مقدَّر، وهو أنه قد تَقرر أنَّ مذهب الشافعي الجديد أو الأرجح مِن أقواله في الجديد أن قول الصحابي غير حُجة وأنه لا يجوز للمجتهد أنْ يقلد المجتهد منهم، فكيف ذكر الشافعي في مواضع ما يخالف الأمرين؟

فمِن ذلك اتِّباعه لزيد بن ثابت رضي الله عنه في الفرائض عند اختلاف الصحابة رضي الله عنه، حتى أنه يتردد إذا ترددت الرواية عن زيد، وقال:(قُلْتُه؛ تقليدًا لزيد، وعنه قَبلْنا أكثر الفرائض).

وجواب ذلك أن أصحابه اختلفوا في قوله هذا، فمنهم مَن قال: إنه أراد أنه وافق اجتهادُه اجتهادَه، فليس اتِّباعه في ذلك لكون قوله حجة ولا أنه قلَّده؛ لأنَّ مِن مذهبه امتناع الأمرين؛ ولهذا قال المزني في أول "مختصره": (مع [إعلامِه]

(1)

نَهْي الشافعي عن تقليده وتقليد غيره؛ لينظر فيه لِدِينه، ويحتاط لنفسه)

(2)

.

فمعنى قوله: (قبلنا أكثر الفرائض) أي: التي لا نَص فيه ولا إجماع، موافَقةً له في الاجتهاد؛ لأنَّ المجتهد ينظر في أقوال غيره من المجتهدين وفي حججهم، ثم يَقْبَل منها ما

(1)

كذا في (ص، ش)، لكن في (ق، س، ت، ض): اعلامية.

(2)

مختصر المزني (ص 7)، ط: دار الكتب العلمية.

ص: 2115

يؤديه إليه اجتهاده، لا تقليدًا لذلك المجتهد، بل نظرًا في حُجته كما [نظر هو]

(1)

، فهو مِن قبيل التوافق في الاجتهاد.

وهذا الجواب يجري فيما سيأتي أيضًا مما يُوهم التقليد كما ستعرفه.

ومنهم مَن قال: إنه تفريع على قول له آخَر أنَّ قول زَيْد في الفرائض حُجة، لا لكونه قول صحابي، بل لحديث:"أفرضكم زيد"

(2)

. وقد رواه الحاكم من رواية ابن عمر وأنس بلفظ: "أَفْرَض أُمتي زيد بن ثابت"

(3)

. وقال في حديث أنس: صحيح على شرط الشيخين.

وكذلك رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أنس بلفظ: "أَعْلم أُمتي بالفرائض زيد بن ثابت"

(4)

. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وإنْ كان ابن حزم ادَّعى أنه لا يصح، وغوَّش كثيرًا.

فإذا كان الحديث صحيحًا فيكون الأخذ بقول زيد إنما هو للحديث، لا لكونه قول زيد. وهو معنى قولي:(فكَانَ حُجَّهْ لِلشَّرْعِ لَا لِكَوْنِهِ الْمَحَجَّهْ). أي: لا لكون قول زيد هو موضع الحجة في ذاته.

(1)

كذا في (ق)، لكن في (س): يظهر.

(2)

سنن الترمذي (رقم: 3790)، سنن ابن ماجه (رقم: 154)، صحيح ابن حبان (7131) وغيرها، بلفظ:(وأَفرضهم زيد بن ثابت). قال الألباني: صحيح. (صحيح الترمذي: 3790).

(3)

المستدرك على الصحيحين (رقم: 7962) بلفظ: (أَفْرَض أُمَّتِي زَيْدُ بْنُ ثَابِت). قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص الحبير، ): (وَقَدْ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ، وَسَمَاعُ أَبِي قلَابَةَ مِنْ أَنسٍ صَحِيحٌ إلَّا أنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ هَذَا. وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى أَبِي قِلَابَةَ فِي "الْعِلَلِ").

(4)

مسند الإمام أحمد بن حنبل (رقم: 12927) بلفظ: (وأَعلمها بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بن ثَابِتٍ).

وفي سنن ابن ماجه (155) بلفظ: (وأَعْلمهم بالفرائض). قال الألباني: صحيح. (صحيح ابن ماجه: 126).

ص: 2116

ومنهم مَن قال: إنه قاله تفريعًا على القول بأن مذهب الصحابي حجة، ولكن الأرجح مقابِله كما دل عليه غير ذلك مِن نصوصه.

ومنهم مَن قال: إنه إنما قال ذلك لأنه ترجح عنده مذهب زيد من وجهين: الحديث السابق، وما قاله القفال: إنه ما تكلم أحد مِن الصحابة في الفرائض إلا وقد وُجِد له قولٌ في بعض المسائل مَهْجُور باتفاق إلا زيدًا ليس في أقواله أبدًا قول هجره الناس. وذلك من مقتضيات الترجيح، كالعمومين إذا وردَا وقد خُصَّ أحدُهما بالاتفاق دُون الثاني، فإنَّ الثاني يكون أَوْلى.

قال الرافعي: (وقد يُعترَض بأنَّ للكلام مجالًا في أنَّ الوجهين هل يوجِبان ترجيحًا؟ وبتقدير التسليم فالأخذ بما رجح عنده إنْ لم يكن بناءً على الدليل في كل مسألة، لَمْ يَخْرج عن كونه تقليدًا، كالمقلِّد يأخذ بِقَول مَن رجح عنده مِن المجتهدين. وإنْ كان بناءً على الدليل فهو اجتهاد وافَق اجتهادًا، فلا معنى للقول بأنه اختار مذهب زيد.

ويجاب عنه بأن الشافعي لم يُخْلِ مسألة عن احتجاج واستشهاد، ولكنه استأنس بما رجح عنده مِن مذهب زيد، وربما ترك به القياس الجلي وعضد الخفي، كقول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يُعْرَف له مخالِف. فباعتبار الاستئناس قِيل: إنه أخذ بمذهب زيد. وباعتبار الاحتجاج قيل: إنه لَمْ يقلِّد)

(1)

.

نعم، مال ابن الرفعة إلى أن الشافعي قلَّد زيدًا.

قال الشيخ تقي الدين السبكي: (وليس بجيد؛ لأنَّ المراتب ثلاث:

تقليد كتقليد العامي المجتهد، ولا يُظَن بالشافعي ذلك.

وموافقة اجتهاده، فَقَوي اجتهاده بما وَرَدَ في زيد الذي قد وافقه، وذلك هو ما يُظَن

(1)

العزيز شرح الوجيز (6/ 444).

ص: 2117

بالشافعي.

وأنْ يقصر الدليل في بعض المسائل بحيث لو انفرد لم ينهض، فيعضده قول زيد؛ فينهض؛ لِمَا عَلِمَه مِن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لزيد، فهذا قد يسمى تقليدًا، إذْ قد يُسمى الأخذ بقول الصحابي إذا عضده دليلٌ خفي "تقليدًا" كما قال الشافعي في البراءة من العيوب: قُلتُه تقليدًا لعثمان. ففي مذهب زيد أَوْلى؛ لِمَا وَرَدَ من الثناء عليه)

(1)

.

على أنَّ قوله في عثمان ذلك إنما هو لكونه انتشر ولم ينكره أحد؛ فيرجع للإجماع السكوتي. والله تعالى أعلم.

ص:

915 -

وَهَكَذَا "الْإلْهَامُ": أَيْ إيقَاعُ

شَيءٍ بِقَلْبٍ مَا لَهُ انْدِفَاعُ

911 -

لَهُ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ، وَالله

يَخُصُّ مَنْ شَاءَ بِهِ أَعْطَاهُ

912 -

وَلَيْسَ مَا يَحْصُلُ مِن ذَا الْمُلْهَمِ

بِحُجَّةٍ عَلَى الَّذِي لَمْ يُلْهَمِ

الشرح:

أي: ومن الأدلة المختلَف فيها: "الإلهام"، وهو لُغةً: ما يلقى في الروع. كما يقال: ألهمه الله الصبر، ونحو ذلك. وأما المراد هنا فما سنذكره ولم يذكره أحد من أصحابنا في الأصول إلا ابن السمعاني في "القواطع" نقلًا عن أبي زيد الدبوسي، فإنه ذكره عقب ذِكره إبطال التقليد. وكأنَ الحنفية لَما توسعوا في "الاستحسان" وسبق عن بعضهم تفسيره بِـ "دليل ينقدح في نفس المجتهد تَقْصر عنه عبارتُه" وهذا قريب من معنى "الإلهام"؛ فاستطردوا في

(1)

رفع الحاجب (4/ 512).

ص: 2118

ذكره؛ ولهذا قال أبو زيد: (الإلهام ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به مِن غير استدلال بآية ولا نَظَر في حُجة).

أما التعريف المذكور في النَّظم فهو ما ذكره ابن السبكي في "جمع الجوامع"، وهو أوضح في المعنى، فقال:("الإلهام" إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر).

و"إيقاع شيء في القلب" جنس يشمل الإلهام وغيره.

و"يثلج له الصدر" أي: ينشرح ويطمئن، فَصْل يُخرج ما عداه.

و"يثلج " بالثاء المثلثة والجيم واللام مضمومة مضارع "ثلج" بالفتح، أو مفتوحة مضارع "ثلج" بالكسر. على ما نقله أبو عمرو.

والأول أشهر، وهو معنى قولي:(لَهُ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ).

نعم، تَعرَّض بعض أصحابنا في الفقه لذلك، فذكره الماوردي والروياني في كتاب "أدب القضاء"، لكن عبارة الماوردي:(أبطل قوم وجوب النظر، وعوَّلوا على الإلهام).

وأما الروياني فنقل الاحتجاج به عن بعض السلف.

قيل: ولا يُعْرف ذلك في كلام السلف.

قال أبو زيد: (الذي عليه جمهور العلماء أنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب ما أُبيح عمله بغير عِلم. وقال بعض الجبرية: إنه حجة، بمنزلة الوحي المسموع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. واحتج بقوله تعالى:{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8] أي: عرَّفها بالإيقاع في القلب. وبقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام: 125] الآية، وشَرْح الصدر بنور العِلم، وضيقه بِظُلْمة الجهل. وقوله تعالى:{فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، أخبر بأنهم خُلقوا على الدِّين الحنيفي بلا صنيع منهم. وقال تعالى:{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68]، أي: ألهمها؛

ص: 2119

فالآدمي أَوْلى. {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7] أي: ألهمناها.

وقال عليه السلام: "كل مولود يولد على الفطرة"

(1)

. وقال: "اتقوا فراسة المؤمن"

(2)

. والفراسة شيء يقع في القلب بلا نظر في حجة. وقال عليه السلام لوابصة وقد سأله عن البر والإثم: "ضع يدك على صدرك، فما حاك في قلبك فَدَعْه وإنْ أفتاك الناس وأفتوك"

(3)

، وقال:"كان في الأمم محدثون، فإنْ يَكُن في هذه الأُمة منهم أَحَد فهو عُمَر"

(4)

.

(1)

صحيح البخاري (رقم: 1319)، وفي صحيح مسلم (رقم: 2568) بلفظ: (ما من مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ على الْفِطْرَةِ).

(2)

سنن الترمذي (رقم: 3127)، المعجم الكبير للطبراني (7497)، وغيرهما. قال الألباني: ضعيف. (ضعيف الترمذي: 3127).

(3)

لم أجده بهذا اللفظ، لكن نحوه في: مسند الإمام أحمد بن حنبل (رقم: 18035)، مسند أبي يعلى (1586)، وغيرهما، ولفظ أحمد:(يا وابصة، استفت قلبك واستفت نفسك - ثلاث مرات، البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتَردد في الصدر وإنْ أفتاك الناس وأفتوك).

ومداره على الزبير أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله. ويظهر لي -الآن- ثلاث عِلَل:

الأُولى. قال الإمام الدولابي (224 - 310 هـ) في (الكنى والأسماء، 2/ 871): (أبو عبد السلام الزبير .. ضعيف).

الثانية: قال الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب، ص 118): (أيوب بن عبد الله بن مكرز .. مستور).

الثالثة: جاء في إسناد الإمام أحمد: (الزبير أبو عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز ولم يسمعه منه، قال: حدثني جلساؤه

).

قلتُ: فالعلة الثالثة جهالة الواسطة بينهما.

(4)

صحيح البخاري (3282)، صحيح مسلم (2398).

ص: 2120

وعن أبي بكر: "أُلْقِي في روعي أن ذا بطن بنت خارجة جارية"

(1)

. والإلقاء هو الإلهام).

وأطال في ذلك، قال: (فثبت أنَّ الإلهام حقٌّ، وأنه وحي باطن، إلا أنَّ العبد إذا عصى ربه وعمل بهواه، حُرِم هذه الكرامة، واستولى عليه وحي الشيطان.

وأما حُجة أهل السنة والجماعة في منع حجيته فقوله تعالى: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [البقرة: 111]، فألزمهم الكذب بعجزهم عن إظهار الحجة، وأنَّ الحجة الباطنة لا أثَر لها.

وكذا: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117] فإنه صريح أن شهادة قلوبهم لا تنهض حُجة، وأن الحجة هي ما يمكن إظهاره من الدلائل الشرعية كما قال تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53]

(2)

.

أي: لا يُعمل إلا بالدليل الظاهر.

قال تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]، وقال تعالى:{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ} [الغاشية: 17]، {أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27]، إلى غير ذلك من الأمر بالاستدلال، ولم يأمر بالرجوع إلى القلب.

وفي السُّنة قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "بم تحكم؟ "

(3)

الحديث، لم يذكر له إلهام القلب.

(1)

مصنف عبد الرزاق (16507) بنحوه، سنن البيهقي الكبرى (رقم: 11728). قال الحافظ ابن الملقن في (البدر المنير، 7/ 143): (هذا الأثر صحيح).

(2)

تقويم الأدلة (ص 393 - 394).

(3)

سنن أبي داود (رقم: 3592) بلفظ: (كَيْفَ تَقْضِي؟ )، سنن الترمذي (رقم: 1327). قال الألباني: =

ص: 2121

قال علماؤنا: ونقول لأهل الإلهام: ما قولكم في "الإلهام"؟ أهو حُجة عند موافقة الشرع؟ أو مطلقًا؟ فإنْ عَمَّموا حتى في مخالِف الشرع فقد خرقوا قواعد الإسلام، وإنْ خَصَّصوا بما يوافق الشرع فذلك متوقَف على النظر في دلائل الشرع.

ثم الإلهام قد يكون من الله عز وجل وقد يكون من الشيطان وقد يكون مِن النفس، ولا حَقّ منها إلا ما كان مِن الله، فكيف يكون حُجة على الإطلاق؟ !

وأما الجواب عن حججهم فالمراد بإلهامها فجورها وتقواها: تعريفها طُرق العلم والحجج، وكذا كل ما ذكروه في الإنسان، فهذا هو المراد به.

وأما الفطرة فهي أنَّ الآدمي يُخلق وعليه أمانة الله التي قَبِلها اَدم عليه السلام، فيكون على فطرة الدِّين.

وأما الوحي للنحل ونحو ذلك فذلك تسخير لها وخَلْق لِمَا تفعل ونحو ذلك.

وأما الفراسة فليست مما نحن فيه؛ لأنَّ المراد أنها قد تصيب؛ لكونها مِن الله، لا أنها دائمًا كذلك، فقد تكون من الشيطان أو من النفس).

قال: (ونقول في التمييز بين الحق والباطل: إنَّ كل ما استقام على شرع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن في الكتاب والسُّنة ما يرده فهو مقبول، وما لا فمردود، ويكون من تسويلات النفس، على أنَّا لا ننكر ورود نور من الله تعالى كرامة للعبد وزيادة نظر له، وأما أنه يرجع إلى قلبه في جميع الأمور فَقَوْل لا نَعْرفه)

(1)

. انتهى

= ضعيف. (ضعيف أبي داود: 3592).

(1)

هذا كلام ابن السمعاني في كتابه (قواطع الأدلة في أصول الفقه، 2/ 352) بعد أنْ نقل كلام القاضي أبي زيد.

ص: 2122

قال ابن السبكي في "شرح المختصر": (ومع كوننا لا ننكره فَلَسْنَا نزعم أنه حُجة شرعية، وإنما هو نور في القلب يخص الله به من يشاء من عباده، فإذا وافق الشرع، كان الحجة ذلك الشرع، لا ما قام في الذهن. ونقول: رُب صالح عالِم مطعمه حلال ومشربه حلال وملبسه حلال -يختصه الله بأنْ يلهمه الصواب، ولا يَحِل له في ظاهر الشرع الاحتجاج بذلك؛ لأنه ليس بمعصوم؛ فلا ثقة له بخواطره)

(1)

.

قولي: (وَلَيْسَ مَا يَحْصُلُ مِن ذَا الْمُلْهَمِ) البيت إشارة إلى ما قاله الإمام شهاب الدين السهروردي في بعض "أماليه": إن الإلهام علوم تحدث في النفوس المطمئنة الزكية.

قال: وفي الحديث: "إن من أُمتي محدثين ومكلمين، وإن عمر منهم"، وقال تعالى:{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8]، فأخبر أن النفوس ملهمة، والنفس الملهمة علومًا لدنيَّة هي التي تَبدلت صفتها واطمأنت بعد أن كانت أمَّارة.

ثم نبه على أمر حسن يرتفع به الخلاف، فقال: وهذا النوع لا يتعلق به المصالح العامة من عالم الملك والشهادة، بل تختص فائدته بصاحبه دُون غيره؛ إذ لم يكن له ثمرة السراية إلى الغير على طريق العموم وإنْ كانت له فائدة تتعلق بالأغيار على وجه خاص.

قال: وإنما لم يكن له ثمرة السراية إلى الغير على طريق العموم لكون محله النفس وقربها من الأرض والعالم السفلي، بخلاف المرتبة الأُولى وهي الوحي الذي قام به الملَك [المُلَقَّى]

(2)

؛ لأنَّ محله المجانس للروح [الروحاني]

(3)

العلوي.

(1)

رفع الحاجب (4/ 591).

(2)

أو: المُلْقِي.

(3)

كذا في (ق)، لكن في (ش): الهيجاني. وفي (ص، س، ت، ض): الريحاني.

ص: 2123

تنبيهات

الأول: رد الماوردي على مَن يقول بأنَّ الإلهام حُجة، فقال:(نقول له: لِمَ قلت ذلك؟ فإنِ استدل بغير الإلهام مِن الأدلة فَقَدْ ناقض، وإنِ استدل بالإلهام فَقَدِ استدل على الشيء بنفسه)

(1)

.

وحذف الروياني هذا الدليل. وبعْم ما فعل، لأنَّ القائل بالإلهام لا يمنع الاحتجاج بغيره مِن الأدلة، والقائل به إنما يقول ذلك، لا أنه يحصُر الدليل في الإلهام، فلا يقال له: ناقضت.

الثاني: منهم مَن حمل قول الاحتجاج بالإلهام على أنَّ فيه تقوية لِمَا يَكون حُجة شرعية، لا أنه دليل مستقل كما يقال: الإجماع دليل، القياس دليل، إلى غير ذلك.

وقد أفاد الماوردي والروياني أن مَن يقول: (إنَّ الإجماع يكون بغير سند) أنه اعتمد على التوقيف المجرد.

الثالث: قد تَقدم أن النور المقذوف في القلب لا مانع منه، فكيف يناسب هذا ما قاله القوم: إنَّ الكرامة لا يظهرها صاحبها باختيار. وما ذكرتم فيه أنه يقصد إظهارها؟

وجوابه أن هذا قول لبعض الأئمة، وقد قال إمام الحرمين في "الشامل": إنه غير مَرْضِي عند المحصلين. بل قد يُظهرها اختيارًا، إما لبشارة أو نذارة أو تربية، فربما قصد الشيخ أنْ يُظهِر لمريده كرامة، تربيةً له، ليزيده فيه اعتقادًا يَحْمِله على الانقياد له، بِشَرْط أن لا يقارِن ذلك مُشَوِّش مِن رؤية النفْس أو نحو ذلك كما أشار إليه الشافعي رضي الله عنه بقوله: أود أنْ يشيع

(1)

الحاوي الكبير (16/ 54).

ص: 2124

هذا العِلم في الناس ولا يُنْسَب إلَيَّ منه شيء.

الرابع: يَقْرُب مِن الإلهام مَن رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بشيء أو ينهاه عن شيء، ومَن رآه فقد رآه حقًّا.

قال أصحابنا: لا يجوز اعتماده؛ لعدم ضبط الرائي؛ فإنَّ النائم لا ضبط له، وغاية الرائي أنه راوٍ. كذا جزم به القاضي حسين في "فتاويه" في الصوم، وقال: لو قال لنا قائل: "رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقال لي: غدًا من رمضان"، قُلنا له: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليقظة: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"

(1)

.

وكذا جزم جهذا الحكم الرافعي في "كتاب النكاح" وغَيْرُ واحد، وعللوه بما ذكرناه.

وفيه نظر؛ فإنَّ الصبي إذا تحمَّل وأدَّى بَعْد البلوغ ما ضَبَطَه، قُبِل وعُمِل بقوله.

وغاية هذا النائم أنه قد لا يضبطه، فإذا ضبط وحَقَّق هذا، فلِمَ لا يُعمل به والكلام فيما ليس فيه مخالفة لِمَا وَرَد عنه في اليقظة ولا موافَقة؟ فإنَّ الموافِق لا يُحتاج إليه، والمخالِف مطرح بما في اليقظة كما أشار إليه القاضي الحسين فيما سبق.

وعَلله الشيخ تقي الدين السبكي بأنَّ الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ مَن رآه في النوم فقد رآه حقًّا، ولم يخبر بأنه يقول له أو يُكلمه.

قال: والنائم ليس على يقين مِن كلامه؛ فمِن هنا كان غير حُجة.

قال في "شرح المنهاج" في "باب الوصية": فنقول للنائم: الذي جاءت به الشريعة تصديقك في أنك رأيت، لا في أنك سمعت. فإنْ قال: لا أَمْتَرِي في سماع نفسي. قُلنا له: حُكم الله لا يُتَلَقَّى إلا مِن لفظٍ أو مِن استنباط، ولَسْتَ في شيء منهما، ولَسْنَا على قَطْع بأنَّ

(1)

سبق تخريجه.

ص: 2125

سماعك [تلقي]

(1)

للخطاب مِن تلك الصورة الظاهرة التي لا يتمثل الشيطان بها. فإنْ [جاءك القَطْع]

(2)

بسماعه منها لا مِن غيرها، لم نجد إلى ذلك سبيلًا غير أَمْر أَوْقَعَه الله في قلبه، وليس ذلك إلا لبعض الآحاد، ثم ليس هذا الشرع الظاهر الذي أَلْزَم الله عباده به قاطبة.

وفي كتاب "الجدل" للأستاذ أبي إسحاق أن بعض أصحابنا ذهب إلى العمل بمقتضى الرؤيا. قال: ولا بأس عندي بالذهاب إلى ذلك ما لم يخالِف شرعًا ظاهرًا.

قال الشيخ تقي الدين السبكي: يحسُن العمل بذلك، ولكن لا سبيل إلى الإيجاب؛ لاحتياج ذلك إلى دليل ظاهر يدل عليه، وليس فيما ذكر ما يدل عليه.

فائدة في أدلة مختلَف فيها لم نذكرها في النَّظم هنا: لِمَا سنذكره:

منها: الأخذ بأقل ما قيل، وقد سبق ذِكره في "كتاب الإجماع".

ومنها: المصالح المرسلة، وقد سبق بيانه في "باب القياس".

ومنها أنَّ: الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم:

أما الأول: فلقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، فإنه دليل على الإذن لهم فيما اختصهم به بقوله:{لَكُمْ} .

وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]، فإن الاستفهام للإنكار؛ فيكون حلالًا. وقوله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4، 5] فإنه دليل الاختصاص بهم، والطيبات هي المباحات.

(1)

في (ق) كأنها: يكفي.

(2)

في (ق، ش): حاول القطع. وفي (س، ت): قال أقطع.

ص: 2126

وأما الثاني: فلقوله عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا إضرار في الإسلام"

(1)

. رواه ابن ماجه

(2)

من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت بدون قوله: "في الإسلام". وكذا رواه الحاكم من حديث أبي سعيد وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. ورواه بهذه الزيادة أبو داود في " المراسيل" من حديث واسمع بن حبان

(3)

، ووصله الطبراني في "الأوسط" من روايته عن جابر

(4)

. ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن ضار، أَضَر الله به، ومَن شاق، شق الله عليه"

(5)

.

ووَجْه الدلالة: عموم نَفْي، الضرر وهذا النفي ليس واردًا على الإمكان ولا على الوقوع قطعًا، بل على الجواز. فإذا انتفى الجواز، ثبت التحريم، وهو المدَّعَى.

وإنما لم أذكر ذلك مِن الأدلة المختلَف فيها في النَّظم؛ لأنه حُكم بعد ورود الشرع بدليل شرعي، لا أنه نفسه دليل، غايته أنه قاعدة كلية.

وسيأتي من قواعد الفقه أن "الضرر يُزال".

و"القاعدة" هي: الأمر الكُلي المنطبق على جزئيات، لا أنها دليل.

(1)

سبق تخريجه.

(2)

سنن ابن ماجه (رقم: 2341)، المستدرك على الصحيحين (رقم: 2345) بلفظ: "لا ضرر ولا ضرار". وصححه الألباني في (إرواء الغليل، رقم: 896).

(3)

المراسيل (ص 294، رقم: 407).

(4)

المعجم الأوسط (رقم: 5193). وفي إسناده محمد بن إسحاق، قال الشيخ الألباني في (إرواء الغليل: 896): (هو ثقة، ولكنه مدلس، وقد عنعنه).

(5)

مسند أحمد (15793)، سنن أبي داود (رقم: 3635)، سنن الترمذي (رقم: 1940)، سنن ابن ماجه (رقم: 2342)، وغيرهم. قال الألباني: حسن. (صحيح أبي داود: 3635).

ص: 2127

ومنها: "سد الذرائع": والقائل به المالكية.

و"الذرائع" بالمعجمة: الوسائل. والمراد: سَد باب الوسائل المؤدِّية إلى محذور في الشرع.

قال القرافي: (وليس كما يُظَن أنه خاص بالمالكية؛ فقد أجمعت الأُمة على أنَّ الذرائع على ثلاثة أقسام:

أحدها: معتبَر إجماعًا، كحفر الَابار في طُرق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، ويسَب الأصنام عند مَن يُعْلَم مِن حاله أنه يَسب الله تعالى حينئذٍ.

وثانيها: مُلغًى إجماعًا، كزراعة العنب، فإنه لا يُمْنَع خشية الخمر، والشركة في سُكنى الأدر خشية الزنَا.

وثالثها: مختلَف فيه، كبيوع الآجال، اعتبرنا نحن الذريعة فيها، وخالفنا غيرنا).

قال: فحاصل القضية أنَّا قُلنا بسد الذرائع أكثر مِن غيرنا، لا أنها خاصة بنا.

ثم قال: (واعْلَم أن الذريعة كما يجب سَدُّها يجب فتحها، ويُكره ويندب ويباح، فإنَّ "الذريعة" هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرَّم محرَّمة فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج. وموارد الأحكام على قسمين:"مقاصد"، وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. و"وسائل" وهي الطُّرق المفْضِيَة إليها، وحُكمها حُكم ما أَفْضَت إليه من تحريم أو تحليل، غَيْر أنها أَخْفَض رُتبة من المقاصد في حُكمها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة. ويُنبِّه على اعتبار الوسائل قوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120]، فأثابهم على الظمأ والنصب وإنْ لم يكونَا مِن فِعلهم؛ لأنهما حصلَا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدِّين وصون

ص: 2128

المسلمين)

(1)

. انتهى

قلت: فبان بذلك أن سد الذرائع راجع إلى قاعدة مقدِّمة الواجب، فَلْيُكْتَفَى بما سبق في "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" مفصلًا.

ومنها "دلالة الاقتران" غير حُجة، خلافًا لأبي يوسف والمزني، ترتب عليها الاستدلال على إيجاب الكتابة بقوله تعالى:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]؛ لاقترانه بإيجاب الإيتاء. ونقل ذلك [مجلي]

(2)

عن صاحب "التقريب" فيما إذا طلب العبد الكتابة.

ومَن لا يقول بدلالة الاقتران قال: لا تجب الكتابة. وهُم جادة الشافعية.

وقال إمام الحرمين: لم أَرَ على مذهب الشافعي مسألة أصعب من مسألة الإيتاء.

ومما يترتب على الخلاف أيضًا قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28]، مشهور المذهب أنه يجب الإطعام ولا يجب الأكل.

ومن ذلك حديث: "خَمْس مِن الفطرة"

(3)

. فإنَّ بعضها واجب.

ومنه أيضًا حديث: "حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء"

(4)

.

قال الشافعي: الماء مُتَعَين للإزالة. ولم يُبال باقترانه بما ليس بواجب وهو الحت والقرص. وقد سبقت المسألة في باب العموم، وذكرتُ أنَّ كثيرًا ما تذكر في باب الأدلة المختلَف فيها، وسبق فيها زيادة إيضاح، فليراجَع مِن ثَمَّ.

(1)

شرح تنقيح الفصول (ص 448 - 449).

(2)

في (ق): محكي.

(3)

صحيح البخاري (رقم: 5550)، صحيح مسلم (رقم: 257).

(4)

سبق تخريجه.

ص: 2129

ومنها: الاستدلال بالتلازم: وقد سبقت الإشارة إليه في مواضع.

وبالجملة فتترجم أنواع الأدلة المختلَف فيها بِـ "باب الاستدلال". وفيما ذكرناه من ذلك كفاية في هذا المختصر والله تعالى أعلم.

تذنيب:

913 -

قَدْ قُرِّرَتْ في فِقْهِنَا قَوَاعِدُ

وَفي أُصُولهِ لَهَا شَوَاهِدُ

914 -

مِنْهَا: "الْيَقِينُ الشَّكُّ لَا يَرْفَعُهُ"

وَذَا في الِاسْتِصْحَابِ مَا يَنْفَعُهُ

الشرح:

لما كان مما يشبه الأدلة - وليست بأدلة - القواعد التي قد ثبت مضمونها بالدليل وصارت يُقْضَى بها في جزيئاتها كأنها دليل على ذلك الجزئي، ناسَبَ أن يُذكر هنا شيء مِن مهمات قواعد مذهب الشافعي التي صارت مشهورة متسعة الفروع، ولكنها في الحقيقة راجعة إلى قواعد في أصول الفقه، وذكرتها وأشرتُ إلى ما يرجع كل منها إليه مِن قواعد أصول الفقه باختصار، وهذا معنى قولي:(وَفي أُصُولِهِ لَهَا شَوَاهِدُ).

وبالجملة فحق على مَن يروم أحكام عِلمٍ أن يضبط قواعده؛ لِيَرُد إليها منتشر فروعه وشوارده، ثم يؤكد بالاستكثار مِن حِفظ الفروع؛ ليرسخ في الذهن؛ فتثمر بفضلٍ غير مقطوع ولا ممنوع.

قال إمام الحرمين في كتاب "المدارك": (الوجه لكل مُتَصَدٍّ للإقلال بأعباء الشريعة أن يجعل الإحاطة بالأصول سوقه الآكد، و [ينص]

(1)

مسائل الفقه عليها [نَص]

(2)

مَن يحاول

(1)

كذا في (ق، ش)، لكن في (س): يفض. وفي (ت): بعض.

(2)

كذا في (ق، ش)، لكن في (س، ت): فضَّ.

ص: 2130

بإيرادها تهذيب الأصول، ولا ينزف حمام ذهنه في وضع الوقائع -مع العِلم بأنها لا تنحصر- مع الذهول عن الأصول). انتهى

واعلم أن قواعد فقه مذهبنا كثيرةٌ جدًّا، غَيْر أنَّ القاضي الحسين لَمَّا بَلَغه حكاية أبي طاهر الدباس -إمام الحنفية بما وراء النهر- حيث رد جميع مذهب أبي حنيفة رحمه الله إلى سبع عشرة قاعدة وأنه كان يضنّ بتعليمها، رد القاضي مذهب الشافعي رحمه الله إلى أربع قواعد:"اليقين لا يُزال بالشك"، و"الضرر يُزال"، و"المشقة تجلب التيسير"، و"العادة محكمة".

قال إمام الحرمين: في كون هذه الأربع دعائم الفقه نَظَر؛ فإنَّ غالبه لا يَرْجع إليها إلا بوسائط وتَكَلُّف.

قال الحافظ العلائي: ورأيت فيما علقت بالقاهرة عن بعض الفضلاء أنه ضم إلى الأربع خامسة، وهي:" الأمور بمقاصدها"؛ لحديث: "إنما الأعمال [بالنيات]

(1)

"

(2)

، وقال: بُنِي الإسلام على خمس والفقه على خمس. وما قاله حسن؛ لأنَّ الشافعي قال: يدخل في هذا الحديث ثُلث العِلم.

نعم، ردها بعضهم إلى بعض الأربع كما سنذكره في محله.

وردَّ الإمام ابن عبد السلام الفقه كُله إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد، ولو ضايقه مضايق لقَال: وَرَدُّ الكل إلى اعتبار المصالح؛ فإنَّ دَرْء المفاسد مِن جُملتها.

ولكن كل هذا فيه تَعَسُّف أو إجمال شديد، والقواعد وإنْ زادت على المائتين لكن هذه الخمس متسعة جدًّا؛ فلذلك أحببنا أن نذكر شيئًا من بيانها.

(1)

كذا في (ق، ش)، لكن في (ت): بالنية. وفي غيرهم: كثير.

(2)

سبق تخريجه.

ص: 2131

الأُولى: "اليقين لا يُرْفَع بالشك":

[بل]

(1)

الأمر فيما تُيُقِّنَ باقٍ على حاله؛ لحديث عبد الله بن زيد المازني شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجُل يُخيل إليه أف يجد الشيء في الصلاة، قال:"لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا"

(2)

. أخرجاه، ولمسلم:"إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أَخَرَج منه شيء؟ أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا"

(3)

.

فمَن شك في امرأة هل تَزوجها؟ أم لا؟ لم يكن له وطئها؛ استصحابًا لحكم التحريم إلى أنْ يتحقق تَزَوُّجه بها اتفاقًا.

وكذا لو شك هل طَلَّق زوجته؟ أو لا؟ لا يقع عليه شيء، وله أنْ يطأ حتى يتحقق الطلاق؛ استصحابًا للنكاح.

ولا تختص هذه القاعدة بالفقه، بل الأصل في كل حادث عَدَمه حتى يتحقق، كما نقول: الأصل انتفاء الأحكام عن المكلَّفين حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك، والأصل في الألفاظ أنها للحقيقة، وفي الأوامر للوجوب، والنواهي للتحريم، والأصل بقاء العموم حتى يتحقق ورود المخصِّص، وبقاء حُكم النَّص حتى يَرِد الناسخ، وغير ذلك مما لا حصر له.

ولأجْل هذه القاعدة كان الاستصحاب حُجة، بل يكاد أنْ يكونَا مُتَّحِدَين؛ ولذلك قلتُ في النَّظم:(وَذَا في الِاسْتِصْحَابِ مَا يَنْفَعُهُ).

ومما يبنى عليه أيضًا أنَّ المانع لا يطالَب بدليل؛ لأنه مُستنِد للاستصحاب، كما أن المدعَى عليه في باب الدعوى لا يطالَب بحجة، بل القول في الإنكار قوله بيمينه كما قال صلى الله عليه وسلم: "البينة

(1)

كذا في (ت)، لكن في سائر النسخ: بل يبقى.

(2)

صحيح البخاري (رقم: 137)، صحيح مسلم (رقم: 361).

(3)

صحيح مسلم (رقم: 362).

ص: 2132

على المدَّعِي، واليمين على المدَّعَى عليه"

(1)

. وفي رواية: "على مَن أنْكَر"

(2)

.

تنبيهات

الأول: المراد هنا بِـ "الشك"[المعنى]

(3)

اللغوي فيه، وهو مطلق التردد، أَعَم مِن استواء الطرفين ومن رجحان أحدهما. وأما ما قاله الرافعي في يقين الحدث أنه يُرْفَع بِظَن الطهارة وتبعه عليه في "الحاوي الصغير" فوَهَّموه فيه؛ إذ لا فرق في ذا الباب بينهما، كما أن يقين الطهر لا يرتفع لا بِشَك ولا بِظن.

نعم، إذا كان منشأ الظن الغلبة كما في ثياب مدمني الخمر وأوانيهم وثياب القصابين والصبيان الذين لا يتوَقون النجاسة وطين الشوارع الذي لا يتيقن نجاسته ومقبرة شك في نبشها وأواني الكفار المتدينين بالنجاسة ونحو ذلك، ففيه قولان للشافعي، وأصحهما تقديم الأصل.

وُيعَبَّر عنهما بقولي: (تَعارُض الأصل والظاهر) ومرة بِـ "تَعارُض الأصل والغالب".

(1)

سنن الترمذي (رقم: 1341)، سنن الدارقطني (4/ 157، 4/ 218)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح الترمذي: 1341).

(2)

السنن الكبرى للبيهقي (20990). قال الألباني في (إرواء الغليل: 2641): (هذا إسناد صحيح).

وفي سنن الدارقطني (3/ 110 - 111، 4/ 218) والسنن الكبرى للبيهقي (16222) بلفظ: (البينة على مَن ادَّعَى واليمين على مَن أنكر إلا في القسامة). من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج. قال الألباني في (إرواء الغليل: 2641): (الزنجى .. ضعيف، وابن جريج مدلس وقد عنعنه، وبالجملة فهذه الطرق واهية).

(3)

كذا في (ت)، لكن في سائر النسخ: بالمعنى.

ص: 2133

والعبارتان بمعنى واحد، خلافًا لقول بعضهم: إنَّ الفرق بينهما أن الغالب ما يغلب على الظن مِن غير مشاهدة.

قال: وهذا يُقدَّم الأصل فيه، و"الظاهر": ما يحصل بمشاهدة، كبول الظبية في ماء فيوجد متغيرًا، أو إنزال المرأة الماء بعدما اغتسلت وقضت شهوتها، فيقدَّم الظاهر.

والراجح تسوية الظاهر والغالب؛ لأنَّ "الظاهر" هو ترجح وقوعه، فهو مُساوٍ للغالب.

نعم، قد يقطع بتقديم الغالب على الأصل، كاستعمال السرقين في الفخار.

قال الماوردي: فيحكم بنجاسته قطعًا. ومِثله الماء الهارب في الحمام؛ لاطراد العادة بالبول فيه.

ومما يُقطع فيه بتقديم الظاهر أيضًا تقديم مَن قامت البينة بملكه على مَن المدَّعى به في يده، فإنَّ الأصل عدم الملك، والظاهر مِن اليد الملك.

وقد يقطع بتقديم الأصل بأنْ تندر أسباب الظاهر، كمَن تيقن الطهارة وظن الحدث.

وقد يرجح تقديم الأصل، وقد يرجح تقديم الظاهر، ومحل بسط ذلك الفقه.

وإنما خُولِف الاستصحاب للأصل بقطع أو رجحان في ما خالف بمرجِّح مِن خارج، وكذلك القول فيما لو عُورِض أصل بأصل آخَر فرجح أحد الأصلين، فإنما يقع الترجيح بأمر خارجي، فهو وإن كان فيه قولان كما في تَعارُض الأصل والظاهر إلا أن أحدهما قد تَرجَّح مِن جهة أخرى.

قال صاحب "الذخائر" في "باب زكاة الفطر": وعلى المجتهد ترجيح أحدهما بوجه من وجوه النظر، فلا يُظن أنَّ تَقابُل الأصلين يمنع المجتهد من إخراج الحكم، إذ لو كان كذلك لَخَلَت الواقعة عن حُكم الله تعالى، وهو لا يجوز.

وقال الماوردي: إذا تَعارضَا، أخذ بالأحوط؛ ولهذا لو شك وهو في الجمعة هل خرج

ص: 2134

الوقت؟ أو لا؟ أتم الجمعة على الصحيح، فإنَّ الأصل بقاء الوقت. ولو شك قبل الشروع فيها في بقاء الوقت، لم يجمع؛ لأنَّ الأصل وجوب الظهر.

وقيل: يجوز؛ لأنَّ الأصل بقاء الوقت. وأمثلة هذا كثيرةٌ جدًّا.

الثاني:

قال إمام الحرمين في "البرهان" وفي باب "الشك في الطلاق" من "النهاية": (إنَّ ما اشتهر في قواعد الفقه أن "اليقين لا يُرفَع بالشك" فيه تَجَوُّز؛ إذِ اليقين لا يجتمع مع الشك، وإذا طرأ الشك فلا يقين. وإنْ أرادوا أنَّ اليقين السابق لا يُترك بالشك الطارئ فليس هذا على الإطلاق، بل إذا طرأ الشك لم يَخْلُ مِن ثلاثة أحوال)

(1)

إلى آخِر ما قال.

وجواب ما أشار إليه مِن الإشكال أن اليقين كان أولًا، والمستمر بعد ذلك استصحاب حُكمه وليس بيقين، فيجوز أنْ يتعارض مع تَردُّد في حصول طارئ يَرفع الحكم المستصحَب.

الثالث:

استثنى ابن القاص في "التلخيص" من قاعدة "إنَّ اليقين لا يُرفَع بالشك" إحدى عشرة مسألة، وَرَدَّ عليه القفال الكل، ولكن الأرجح مع ابن القاص في كثير:

أحدها: شك ماسح الخف هل انقضت مُدته؟ أو لا؟ فإنه يأخذ بالانقضاء وإنْ كان الأصل بقاؤها.

ثانيها: شك هل مسح في الحضر؟ أو في السفر؟ يأخذ بأنه مسح في الحضر.

وردَّه القفال بأنه لم يَزُل اليقين بالشك، بل لأنَّ الأصل غسل الرجلين، فلا يُعْدَل إلى

(1)

البرهان في أصول الفقه (2/ 737).

ص: 2135

المسح إلا بيقين.

والأرْجَح مع ابن القاص.

ثالثها: أحرم المسافر بِنِيَّة القصر خَلْف مَن لا يدري أهو مسافر؟ أو مقيم؟ لا يقصر.

ورُدَّ بأن ذلك إنما هو لأنَّ القصر رخصة ولم يتحقق شرطُه.

رابعها: بالَ حيوان في ماءٍ كثيرٍ ووُجِد متغيرًا، فإنه نجس على النَّص مع أنَّ الأصل عدم التغيُّر.

ورُدَّ بأن إحالة التغير على البول المتيقَّن أَوْلى مِن إحالته على طُول المكث، فإنه مظنون، فَقُدِّم الظاهر على الأصل.

خامسها: المتحيرة يَلزمها الغسل عند كل صلاة تشك في انقطاع الدم قبلها مع أنَّ الأصل عدم انقطاعه.

ورُدَّ بأن الأصل باقٍ في الذمة، فإذا شكت في الانقطاع، وجب الغسل.

والأرجح قول ابن القاص، وهو قريب من صورة الشك في الحدث، لكن الأمر بالاحتياط هناك اقتضَى ذلك.

سادسها: مَن شك في موضع النجاسة مِن الثوب، يغسله كله مع أنَّ الأصل -في غير ذلك الموضع مِن الثوب- الطهارة.

ورُدَّ بأنه ممنوع من الصلاة، ولا يتحقق الطهارة إلا بغسل الجميع.

سابعها وثامنها: شك مسافر أَوَصَل بَلَدَه؟ أم لا؟ أو: هل نوى الإقامة؟ أو لا؟ لم يترخص مع أن الأصل بقاء السفر وعدم وصوله.

ورُذَ بأن الأصل الإتمام، والقصر رخصة، فلا يعْدل إلى الرخصة إلا بيقين.

وحكى القفال في السابعة وجهًا بالجواز، ولم يذكره في الثامنة، وذكره الإمام نقلًا عن

ص: 2136

حكاية الشيخ أبي علي.

تاسعها: مَن به حدث دائم إذا توضأ ثم شك هل انقطع حدثه؟ أم لا؟ فصلى بطهارته، لم يصح مع أن الأصل الاستمرار.

ورُدَّ بأن طهارته ضرورة، فإذا شك في الانقطاع فقد شك في السبب المُجَوِّز؛ فيرجع إلى الأصل.

والأرجح مع ابن القاص.

عاشرها: المتيمم إذا تَوهَّم الماء، بَطُل تيممه مع أن الأصل عدمه وإنْ بَانَ أنْ لا ماء.

ورُدَّ بأن تَوهُّم الماء يوجِب الطلب، وذلك مُبْطل للتيمم.

والأرجح مع ابن القاص؛ فإنَّ مجرد الوهم قد [أعملناه]

(1)

في إبطال المتيقن وهو الطهارة، ونحن إذا [ننظر]

(2)

للأصل الموجود أسقطناه بالشك.

حادي عشرها: رمى صيدًا فجرحه ثم غاب فوجده ميتًا، وشَكَّ هل أصابه شيء آخَر مِن رمية؟ أو حجر؟ فإنه لا يحل، وكذا في إرسال الكلب.

ورُدَّ بأنَّ فيه قولين، فإنْ أَجَزْنَا أَكْله فلا استثناء، وإنْ منعناه فالأصل التحريم وقد شككنا في الحل.

وهذا ردٌّ جيدٌ، وقد رجح جَمعٌ الحل، وهو الأرجح دليلًا وإنْ صحح الجمهور التحريم.

واعْلَم أنَّ الإمام والغزالي ذكرَا عن صاحب "التلخيص" أربعًا: الأُولى والسابعة والثامنة، وأخرى غير الأحد عشر، وهي: لو شكوا في انقضاء وقت الجمعة، صلوا الظهر

(1)

في (ق): أعلمناه. وفي (ص): أعلمنا.

(2)

في (ت): لم ننظر.

ص: 2137

وإنْ كان الأصل بقاء الوقت. ولم يذكرها القفال؛ لأنها ليست في "التلخيص".

ويمكن ردها على [طريقةٍ]

(1)

؛ لأنَّ الأصل وجوب الأربع ركعات؛ فلا يعْدل عن الركعتين إلَّا بيقين.

هذا ما نقله شيخنا بدر الدين الزركشي عن شيخنا شيخ الإسلام أبي حفص البلقيني وأنَ النووي قال في "شرح المهذب": الظاهر قول ابن القاص في أكثر المسائل. وأنه ذكر ذلك في تسع مسائل، وسكت عن ثلاث، وهِي: مسألة الثوب المتنجس بعضه، ومسألة المصلِّي خلف مَن يشك في سفره، ومسألة الصيد.

وهو معذور في مسألة الثوب، ولو صح استثناؤها، لَزم استثناء مَن نَسى صلاة مِن خمس ونحوها. ولا نفرق بِـ "أنَّا تَحققنا اشتغال ذمته بصلاة؛ فلا طريق للبراءة إلا أنْ يأتي بالخمس، بخلاف الثوب، فإنَّ له مندوحة أنْ يُصَلي في غيره "؛ لأنَّ الكلام فيما إذا أراد الصلاة فيه.

وأما مسألة المسافر فهو معذور أيضًا؛ لأنه ليس معنا أصل مستصحب في هذه المسألة بخصوصها، وشرط القصر الجزم بنيته أو تعليقها مع عِلم سفر الإمام المبيح للقَصْر.

وأما مسألة الصيد فعُذْره فيها واضح مِن جهة أنَ المبيح لم يتحقق، فصار كمَن وجد ذبيحة لا يدري هل هي من ذبيحة المسلمين؟ أو المجوس؟ أو لا يدري هل هو من مُذَكى؟ أو من ميت؟ أو لا يدري هل هو لبن معز؟ أو أتان؟ أو لا يدري أهو سم قاتل؟ أو غيره؟

فإنَّ النووي جزم بتحريم ذلك كله. واستثنى النووي في "شرح المهذب" زيادة على ذلك: الشك في مسح الرأس بعد الوضوء، والشك في أركان الصلاة بعد السلام، فإنه غير مؤثِّر فيهما على الأصح.

(1)

أو: طريقِهِ.

ص: 2138

وفي الاستثناء نظر؛ لأنَّ العبادة مضت كاملة على غلبة ظن المكلَّف، فلا أثر لِمَا يحدث مِن الشك.

قال شيخنا شيخ الإسلام البلقيني: ووَجْه استثناء النووي هاتين أنَّ ابن القاص قال في أول كلامه: "مَن شك في فِعل شيء أو تركه فالأصل أنه لم يفعله". ثم استثنى الأحد عشر ولم يَستثنِ هاتين الصورتين.

نعم، يزاد على ما سبق مِن الصُّوَر:

المقبرة إذا شك في نبشها، لا تصح الصلاة فيها مع أنَّ الأصل عدم النبش.

والمرأة إذا جُومِعَت وقضت شهوتها واغتسلت ثم خرج منها مَني، تعيد الغسل مع أنَّ الأصل أنه لم يخالِط مَني الرجل شيء مِن مَنيِّها.

ولو رأى مَنيًّا في ثوبه أو فرشه الذي ينام فيه غيره ولم يذكر احتلامًا، لَزِمَه الغسل على الأصح مع أنَّ الأصل عدم الحدث.

وإذا نام غير مُمَكّن المقعدة، ينتقض وضوءه مع أنَّ الأصل عدم خروج الريح منه.

والهرة إذا تَنَجَّس فَمُها ثم غابت واحتمل طهر فَمِها ثم لاقى فَمُها ماءً قليلًا، لا ينجس مع أنَّ الأصل بقاء نجاسة فَمِها.

ولو وقعت نجاسة في ماء مشكوك في أنه قُلتان أو أقل، جَزَم جَمْعٌ بتنجسه.

نعم، رجَّح النووي أنه طهور؛ فلا استثناء.

ولو شك بعد فراغه مِن صوم يوم في الكفارة الواجب تتابعه هل نوى فيه؟ أم لا؟ لا يؤثِّر على الصحيح. نقله في "زوائد الروضة" عن الروياني مع أنَّ الأصل عدم النية، وقَضِيَّتُه طَرْد مِثله في الصلاة، لكن البغوي صرَّح بالتأثير فيها.

ولو اقتدى بإمام فَسلَّم مِن صلاته ثم شك هل كان نوى الاقتداء؟ أو لا؟ فلا شيء

ص: 2139

عليه، وصلاته صحيحة مع أنَّ الأصل عدم النية.

ومَن عليه فائتة فَشَكَّ في قضائها، لا يَلْزَمه قضاؤها كما قاله ابن عبد السلام في "مختصر النهاية" في "باب سجود السهو" مع أنَّ الأصل بقاؤها.

ومَن أكل مِن مال صديقه بغير إذنه وغلب على ظنه أنه لا يَكره ذلك، جاز مع أنَّ الأصل عدم رضاه.

والمفقود مُدة يغلب موته فيها، يُحْكَم بموته ويُقسم ميراثه مع أنَّ الأصل الحياة.

ولو قدَّ مَلْفُوفًا نِصفين، فمَن صحَّح أنَّ القول قول الولي، عمل بالشك وطرح الأصل وهو براءة الذمة، وهو مِن مشكلات الفقه.

والجرح الذي يحتمل الزهوق يُحال الحكم عليه مع أنَّ الأصل عدم تأثيره.

وحلف الوارث على دين مورثه بما يظن بخط مورثه أو نحوه.

والشك في عدد غسلات الوضوء عند الشيخ أبي محمد لئلا يرتكب الزائد. وخالفه الأكثر.

واقتصاص الوكيل في الغيبة مع احتمال العفو مع أنَّ الأصل بقاء الوكالة، لكن لخطره عُمِل بالشك على رأيٍ.

وغير ذلك من الفروع. والله أعلم.

ص: 2140

ص:

915 -

وَ"ضَرَرٌ يُزَالُ"، وَ"الْمَشَقَّهْ

تَجْلُبُ تَيْسِيرًا" يُرَاعِي حَقَّهْ

916 -

كِلَاهُمَا في كَوْنِ عِلَّةٍ [يُرَى]

(1)

لِلدَّفْعِ أَوْ لِلرَّفْعِ فِيمَا قُرِّرَا

الشرح:

القاعدة الثانية: "الضرر يُزال":

أي: يجب إزالة الضرر. ودليلها ما سبق من حديث: "لا ضرر ولا إضرار"

(2)

، وقد سبق قريبًا بيان مَن رواه، وذلك في أواخر الأدلة المختلَف فيها في أنَّ الأصل في المنافع الإباحة.

ونزيد هنا أنَّ أبا داود قال: إنَّ الفقه كله يدور على خمسة أحاديث: "الأعمال بالنيات"

(3)

، و"الحلال بَيِّن والحرام بيِّن"

(4)

، و"مَن أَحْدَث في دِيننا ما ليس منه فهو رَدٌّ"

(5)

، و"مِن حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"

(6)

، وحديث:"لا ضرر ولا إضرار"، ويروى:

(1)

كذا في (ص، ض، ت، ش، ن 5). لكن في (ن 1، ن 2، ن 3، ن 4): ترى.

(2)

سبق تخريجه.

(3)

سبق تخريجه.

(4)

صحيح البخاري (رقم: 52)، صحيح مسلم (رقم: 1599).

(5)

شرح السنة للبغوي (1/ 211). وهو في: صحيح البخاري (2550)، صحيح مسلم (رقم: 1718) بلفظ: (مَن أَحْدَث في أَمْرِنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ).

(6)

سنن الترمذي (رقم: 2317)، سنن ابن ماجه (رقم: 3976)، صحيح ابن حبان (رقم: 229)، وغيرها. فال الألباني: صحيح. (صحيح الترمذي: 2317).

ص: 2141

"ولا ضرار"

(1)

.

وعلى هذه فاختُلِف في وَجْه تَغايُر اللفظين، قيل: الضرر ما كان مِن فعل واحد، والضرار ما كان مِن فِعل اثنين كل منهما بالآخر وإنْ كان الثاني على وَجْه المجازاة كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تَخُن مَن خانك"

(2)

.

وقال بعضهم: يتضمن ذلك الندب إلى العفو والصفح عن المسيء.

وقيل: الضرر ما تضرر به صاحبك وتنتفع به أنت، والضرار تضره مِن غير أنْ تنتفع به.

وقيل: الضرر هو الاسم، والضرار هو المصدر، فيكون نهيًا عن الفعل الذي هو المصدر وعن إيصال الضرار -الذي هو الاسم- إليه.

وقيل غير ذلك.

وهذه القاعدة فيها من الفقه ما لا حصر له، ولعلها تتضمن شطره، فإن الأحكام إما لجلب المنافع أو لدفع المضار، فيدخل فيها دَفْع [الضروريات]

(3)

الخمس التي هي: حفظ الذَين والنفس والنَّسب والمال والعِرض كما سبق شرح ذلك في "باب القياس" في الكلام على "المناسِب"، وهي المرعيات في كل مِلة المشار إليها بقوله تعالى:{عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} [الممتحنة: 12] الآية.

فالشرك مضرة في الدِّين، فيُزال بقتال المشركين والمحاربين والمرتدين؛ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فلا يبقى إلا مُسْلم أو مسالم بهدنة أو جزية.

(1)

سبق تخريجه.

(2)

سنن أبي داود (رقم: 3535)، سنن الترمذي (رقم: 1264) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح الترمذي: 1264).

(3)

في (ق): الضرورات.

ص: 2142

ومن حِفظ الدِّين تقرير مباني الإسلام وأسراره المزيلة ضرر الغفلة والقسوة عن الشهوات الحسية والرعونات النفسية.

ومنه: إيجاب تبليغ الرواة ما يرونه مِن دلائل الدِّين كما قال صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فأداها كما سمعها، فَرُب حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه "

(1)

.

ومنه: إزالة ضرر الشُّبَه والشكوك بإقامة حجج الدِّين.

ومن ذلك تمهيد الطرائق الموصلة إلى رضا الله سبحانه وتعالى، والسلامة من الآفات القَلْبِية، وغير ذلك مما لا يخفَى.

وحِفظ الأموال بدفع المضرة بالسرقة بالقطع والعقوبات في خلاص الحقوق، والتغريم للمتلفات حِفظ للأموال. ومن ذلك الحجر على الصبي والمجنون والسفيه والمفلس والمريض فيما زاد على الثلث وحجر العبيد، وسائر أنواع الحجْر التي أُنهيت في الفقه إلى نحو خمسين نوعًا.

ودفع ضرر الأنساب بحد الزاني رجمًا وجَلدًا، وبالعِدد والاستبراء واللعان، وتحريم [خفي]

(2)

البهتان؛ ولذا يُدفع بالإقرار بالنسب وبدعواه.

وضرر النفس بالقصاص فيه وفي سائر ما دُون النفْس؛ لأنها قد تؤدي إلى تلف النفس، وكذا الضمان بالدِّية، ونحو ذلك.

ومضرة زوال العقل يُزال بتحريم المسكر والحد.

والصيال.

(1)

مسند أحمد (16784)، سنن ابن ماجه (231)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح ابن ماجه: 189).

(2)

كذا في (ص)، لكن في (ش): حفي. وفي (ق): حقي. وفي (س، ت): حق.

ص: 2143

وأما الخصومات في ذلك كله فيُزال بإقامة إمام مقسط يفصلها وحُكام وقضاة، فيعتمد الحق في الدعاوَى والبينات والإقرار.

قال بعضهم: فهذه القاعدة ترجع إلى تحصيل المقاصد وتقريرها بدفع المفاسد أو تحقيقها.

تنبيه:

مما يدخل في هذه القاعدة، قاعدة أن "الضرر لا يزال بالضرر"؛ لأنَّ فيها ارتكاب ضرر وإنْ زال ضرر آخَر، فلا تجب العمارة على الشريك (في الجديد)، وإذا وقع على جريحين وقد سبقت، وإذا وقع في نار ولم يمكنه الخلاص إلا بأنْ يرمي نفسه في ما يموت فيه، وقطع السلعة التي يخاف منها، ووجوب القصاص على المكره على القتل.

ولو باعه شيئًا وسلمه إلى المشتري فرهنه ثم أفلس فليس للبائع الرجوع في عَيْن ماله؛ لأنَّ في ذلك إضرارا بالمرتهن.

ولو اشترى أرضًا فغرس فيها أو بَنى ثم أفلس فليس للبائع الرجوع فيها، ويبقى البناء والغراس للمفلس في الأظهر؛ لأنه ينقص قيمتها ويضر بالمفلس والغرماء.

ولو كانت المرأة ضيقة المحل والزوج كبير الآلة لا يمكنه وطئها إلا بإفضائها، لم يُمَكَّن مِن الوطء.

نعم، إطلاق القاعدة ليس بجيد، قال الشيخ زين الدين ابن الكتناني: لا بُدَّ من النظر لأخفهما وأغلظهما. وشاهد ذلك مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية وشَرَط فيها أنَّ مَن جاء مِن أهل مكة مُسلمًا، رده إليهم، ومَن راح من المسلمين إليهم لا يردونه. فهذا وإنْ كان فيه إدخال ضَيْم على المسلمين وإعطاء الدنية في الدِّين؛ ولذلك استشكله عمر رضي الله عنه حتى يعرف جوابه، وهو احتمال أَخَف المفاسد، لِدَفْع أَشَدها.

ص: 2144

وحديث الأعرابي الذي بال في المسجد وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تُزْرِمُوه"

(1)

، فإنه لو أُزْعِج لانتشرت النجاسة؛ فتكثر المفسدة. وغير ذلك.

وفروعها كثير: ، منها:

أخذ الأب الصغير الذي في حضانة أمه إذا سافر مقيمًا في بلد مع الأمن.

ولو كان له على شخص دَيْن ومعه قَدْره فقط فإنه يؤخَذ منه وإنْ تَضَرَّر المديون.

ولو كان له عشر دار لا يصلح للسكني والباقي لِآخِر وطلب صاحب الأكثر القسمة، أُجِيبَ -في الأصح- وإنْ كان فيه ضرر شريكه.

ومن هذا أيضًا ثبوت الشفعة في الشقص، وتنفيذ تَصرُّف المشتري موقوفًا على إسقاط الشفعة.

ومن قاعدة "إزالة الضر" أيضًا: الضرورات تبيح المحظورات" بشرط عدم نقصانها عنها. ومن ثَمَّ جاز -بل وجب- أكل الميتة عند المخمصة، وكذلك إساغة اللقمة بالخمر، وأخذ مال الممتنع من أداء الدَّيْن بغير إذنه ولو بكسر بابه، وقتل المحرِم الصيد دَفْعًا إذا صال عليه، فإنه لا يضمن. وإذا عَمَّ الحرام قطرًا بحيث لا يوجد الحلال إلا نادرًا فإنه يستعمل ما يحتاج إليه، ولا يقتصر على الضروري.

قال إمام الحرمين: يقتصر على قَدْر الحاجة دُون أكل الطيبات ونحوه مما هو كالتتمات.

ولو عَمَّت البَلْوَى بذَرق الطيور وتَعذَّر الاحتراز منه، عُفِي عنه كطين الشوارع، وتصح الصلاة معه.

وفي "النكت في الخلاف" للشيخ أبي إسحاق: يُعْفَى عن ذرق الطيور في المساجد.

(1)

صحيح البخاري (رقم: 5679)، صحيح مسلم (رقم: 285). والمعني: لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ.

ص: 2145

وحكى عنه الرافعي في "الشرح الصغير" أنه يُعفى عن ذرق العصفور. فَقَيَّد بالعصفور وأَطْلَق في العفو؛ فشمل المساجد وغيرها.

ومِن ذلك أيضًا العفو عن أثر الاستنجاء وسلس البول وسائر ما يُعفَى عنه من النجاسات.

ولو وَلَّى الإمام غَيْرَ أَهْل، نفذ قضاؤه؛ للضرورة. وألحقه الغزالي وغيره بقاضي أهل البغي. ونازع فيه ابن الكتناني بأنَّ قاضي أهل البغي يُفصل فيه بين الأهل وغيره، قال: وليس هذا مما عَمَّت به البلوى حتى ينفذه، ألا ترى أن بيع المعاطاة قد غلب في هذا الزمان ولو رُفع إلى حاكم لم يَجُز له تصحيحه؟ لأنَّ ما خالف قواعد الشرع لا أثر فيه للضرورة.

القاعدة الثالثة: "المشقة تجلب التيسير":

ودليلها قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، إشارة إلى ما خفف عن هذه الأُمة مِن المشدد على غيرهم من الإصر ونحوه، وما لهم من تخفيفات أخرى؛ دَفْعًا للمشقة كما قال تعالى:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال: 66]، وكذا تخفيف الخمسين صلاة في الإسراء إلى خمس صلوات، وغير ذلك مما لا ينحصر.

وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185] الآية، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28]، وقال تعالى في صِفة نبينا صلى الله عليه وسلم:{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} [الأعراف: 157] الآية، وقال تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقال تعالى في دعائهم:{وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} [البقرة: 286] الآية، وغير ذلك.

وترجم البخاري "باب الدين يُسْر" وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ الدِّين إلى الله الحنيفية

ص: 2146

السَّمْحَة"

(1)

. فأشار بالسماحة إلى تيسير الأمر على المسامح.

والحديث الذي علَّقه هو ما استدل به القاضي الحسين للقاعدة، وقد رواه عبد بن حميد في مسنده- بإسناد حَسَن- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"قيل: يا رسول الله، أي الأديان أَحَب إلى الله عز وجل؟ قال: الحنيفية السمحة"

(2)

ورواه أحمد أيضًا.

قال الحافظ العلائي: وروي أيضًا مِن حديث جابر بلفظ: "بُعثتُ بالحنيفية السمحة"

(3)

، وفي سند كل منهما مقال.

قال: وأَجْوَد منهما ما رويناه في "فوائد أبي عمرو بن منده" بسند صحيح عن أُبي بن كعب: "أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ الدِّين عند الله الحنيفية السمحة، لا اليهودية، ولا النصرانية".

قال: (وهذا مما نُسخ لفظُه وبَقي معناه). انتهى

وفي "مستدرك الحاكم" عن أُبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليه: {لَمْ يَكُنِ} [البينة: 1][الببينة: 1]، وقرأ

(1)

صحيح البخاري (1/ 23).

(2)

مسند عبد بن حميد (ص 199، رقم: 569))، مسند أحمد (رقم: 2107)، الأدب المفرد (ص 108، رقم: 287)، المعجم الكبير للطبراني (11/ 227). قال الألباني: حسن لغيره. (صحيح الأدب المفرد، ص 122).

(3)

تاريخ بغداد (7/ 209). قال الألباني في (السلسلة الصحيحة: ): (أما حديثا جابر وحبيب بن أبي ثابت فهُما ضعيفان، وكنت خرجتهما وكشفت عن علتهما في "غاية المرام، رقم 8 ").

وهو من حديث أبي أمامة رضي الله عنه في: مسند أحمد (22345)، المعجم الكبير للطبراني (8/ 222) وغيرهما. وأورده الألباني في (السلسلة الصحيحة، برقم: 2924) حيث ضعَّف إسناده لكنه قَوَّاه بشواهده.

ص: 2147

فيها: "إن ذات الدين عند الله الحنيفية، لا اليهودية ولا النصرانية، ومن يعجل خيرًا فلن يُلْقَى"

(1)

. وقال: صحيح الإسناد.

وروى الحديث المعلق في "البخاري" ابن أبي شيبة أيضًا، ووصله البخاري في كتاب "الأدب الفرد". وذكر البخاري في الترجمة السابقة بسنده حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الدِّين يُسْر، ولن يُشاد الدِّين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا"

(2)

. الحديث، ورواه مسلم أيضًا.

و"يُشاد" -بضم أوله على البناء للمفعول- معناه: يغالب. فيكون "الدِّين" مرفوعًا نائب الفاعل.

قال صاحب "المطالع": إنه عند الأكثر.

وأما النووي فقال: إن الأكثر في ضبط بلادنا نَصب "الدين". أي: على إضمار الفاعل في "يُشاد"، للعِلم به.

هذا كله على رواية الجمهور، أما على رواية ابن السكن:"ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه " فـ "أحد" فاعل، و" الدين " مفعول.

ويدخل تحت هذه القاعدة أنواع في الفقه:

منها في العبادات: التيمم عند مشقة استعماله على حسب تفاصيله، والقعود في الصلاة عند مشقة القيام وفي النافلة مطلقًا. وقَصْر الصلاة في السفر والجمع بين الصلاتين، ونحو ذلك.

ومن ذلك رُخَص السفر، قال النووي إنها ثمانية، ثلاثة تختص بالطويل: قصر الصلاة،

(1)

المستدرك على الصحيحين (رقم: 3962)، لفظ الحاكم:(وَمَنْ يَعْمَلْ خَيْرًا فَلَنْ يُكْفَرَهُ).

(2)

صحيح البخاري (رقم: 39).

ص: 2148

والفطر في رمضان، ومسح الخف ثلاثة أيام. واثنان لا يختصان بالطويل: ترك الجمعة، وأكل الميتة عند الاضطرار. وثلاثة فيها خلاف: الجمع بين الصلاتين والأصح اختصاصه بالطويل، والتنفل على الدابة، وإسقاط الفرض في التيمم. والأصح فيهما عدم الاختصاص بالطويل.

نعم، عَدُّه أكل الميتة مِن رُخص السفر إنما هو بحسب الغالب، وإلا فقد يكون ذلك في الحَضر.

نعم، زاد ابن الوكيل رُخصة تاسعة صرح بها الغزالي، وهي: مَن له نسوة وأراد سفرًا فإنه يقرع بينهن، ويأخذ منهن مَن خرجت لها القرعة، ولا يَلْزَمه القضاء لضراتها إذا رجع.

وأصح الوجهين عند الغزالي أنَ ذلك يختص بالطويل، وقال الإمام: الوجه عندي القَطع به.

وأصحهما عند البغوي والمتولي والأكثرين: لا يختص.

وحكى جَمعٌ من العراقيين عن الشافعي أنه قال: إنه لا فرق في ذلك بين الطويل والقصير.

ومَن قال بالأول، أَوَّل النص بأنه أراد بِ "القصير" قَدْر مسافة القصر، وبِـ "الطويل" ما فوقها. وإليه ميل ابن الصباغ.

وسبق للرخص تقسيم آخَر باعتبار أنها إما واجبة أو مندوبة أو مباحة أو خلاف الأَوْلى.

ومن التخفيفات أيضًا أعذار الجمعة والجماعات، وتعجيل الزكوات، وتوسيع القضاء حيث فات المقضِي بِعُذْر.

والتخفيفات في العبادات لا تكاد تنحصر.

ومنها في المعاملات: ما أُبيح مِن العذر الممنوع، كبيع البيض في قشره والرمان والبطيخ

ص: 2149

وغير ذلك، وأنموذج المتماثل، والاكتفاء [بالتأبير]

(1)

وفي بدوّ الصلاح بالبعض، واشتراط الحمل، ومشروعية الخيار بالمجلس والشرط، ومشروعية الإجارة والمزارعة والمساقاة والقراض والحوالة والسلم، وغير ذلك. وتجويز الشركة والوكالة والعرية ونحو ذلك.

ومنها في المناكحات: عقد النكاح على مَن لم يرها، ومشروعية الطلاق والخلع وملك المال فيه، والرجعة في الرجعية في زمن العدة، والتخلص في الظهار والأيمان بالكفارة وغير ذلك، وتقرير أنكحة الكفار والتشطير.

ومنها في الجنايات: تخيير المستحق في وجوب القصاص بينه وبين العفو مجانًا وعلى الدِّية، وغير ذلك.

وأما في كتاب الأقضية: فإسقاط الإثم عند الخطأ، والاعتماد في العدالة على التزكية ونحو ذلك، وهو كثير.

ومن التخفيفات المطلقة: فروض الكفايات وسُننها، والعمل بالظنون؛ لِمَشقة الاطلاع على اليقين، إلى غير ذلك. وقبول الجزية، ونحو ذلك.

وقولي: (كِلَاهُمَا في كَوْنِ عِلَّةٍ يُرَى) إلى آخره -إشارة إلى أن هاتين القاعدتين ترجعان مِن قواعد أصول الفقه إلى ما سبق من أن الأحكام مُعلَّلة بدفع المفاسد والمضار الدينية والدنيوية، وأنَّ العلة في ذلك إما أن تكون دافعة للضرر والمشقة أو رافعة لذلك، وقد بسطناه في "باب القياس". والله أعلم.

(1)

في (ص، ش): بالتأثير.

ص: 2150

ص:

917 -

وَعَادَةٌ ذَاتُ رِضًى مُحَكَّمَهْ

مِنْ وَصْفٍ الْعُرْفُ اقْتَضَى وَأَحْكَمَهْ

الشرح:

القاعدة الرابعة: إنَّ "العَادَة مُعَكَّمَة":

أى: معمول بها شرعًا.

قال القاضي حسين: لحديث: "ما رآه المؤمنون حَسنًا فهو عند الله حَسَن"

(1)

.

قال الحافظ العلائي: لم أجده مرفوعًا في شيء من كتب الحديث أصلًا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث عنه وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قول ابن مسعود موقوفًا عليه.

ولكن للقاعدة أدلة أخرى، منها قوله تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199].

قال ابن السمعاني: (المراد به ما يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم)

(2)

.

وكذا قال ابن عطية: (إنَّ معناه كل ما عرفته النفوس مما لا تَرُده الشريعة)

(3)

.

(1)

مسند أبي داود الطيالسي (246)، مسند البزار (5/ 212، رقم: 1816)، المعجم الكبير للطبراني (9/ 112، رقم: 8583)، وغيرها، من قول ابن مسعود رضي الله عنه.

وهو في: مسند أحمد (رقم: 3600)، المستدرك على الصحيحين (رقم: 4465) وغيرهما بلفظ: (المسلمون). قال الحافظ ابن حجر في (الدراية في تخريج أحاديث الهداية، 2/ 187): (لم أَجِدهُ مَرْفُوعًا، وَأخرجه أَحْمد مَوْقُوفًا عَلَى ابْن مَسْعُود بِإِسْنَاد حسن).

(2)

قواطع الأدلة في أصول الفقه (1/ 29).

(3)

المحرر الوجيز (2/ 491).

ص: 2151

وقال ابن ظفر في "الينبوع": العُرف ما عرفه العقلاء بأنه حسن وأَقَرَّهم الشارع عليه. وكُل ما تكرر من لفظ "المعروف" في القرآن نحو: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] فالمراد به ما يتعارفه الناس في مثل ذلك الأمر.

ومنها قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38]، فإنَّ هذا رد على مَن قال:{مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7]. فرد عليهم بأن هذه عادة الرسل المتقدمين قبله، وهذا [مقتضَى]

(1)

اعتبار العادة.

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور: 58] الآية، فأمر بالاستئذان في الأوقات التي جرت العادة فيها بالابتذال ووضع الثياب، فابْتُنِيَ الحكم الشرعي على ما كانوا يعتادونه.

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لهند امرأة أبي سفيان: "خُذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف"

(2)

، وقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش "تحيضي في عِلم الله ستًّا أو سبعًا كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن"

(3)

. رواه الترمذي وصححه، وكذا الحاكم في "المستدرك".

وكذلك حديث أم سلمة: أنَّ امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن

(1)

في (ق، ش): يقتضي.

(2)

صحيح البخاري (رقم: 5049)، بلفظ:(خُذِي ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ)، صحيح مسلم (رقم: 1714) بلفظ: (خُذِي من مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ ما يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ).

(3)

مصنف عبد الرزاق (1174)، سنن الترمذي (رقم: 128)، المستدرك على الصحيحين (رقم: 615)، وغيرها. قال الألباني: حسن. (صحيح الترمذي: 128).

ص: 2152

من الشهر قبل أن يصيبها ذلك، فلتترك الصلاة"

(1)

. الحديث لرواه أبو داود والنسائي، وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحهما".

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن عمل عملًا ليس عليه أَمْرنا فهو رَدٌّ"

(2)

. أخرجه مسلم بهذا اللفظ، فإنه دليل على اعتبار ما المسلمون عليه، إما من جهة الأمر الشرعي أو من جهة العادة المستقرة؛ لشمول قوله:"ليس عليه أمرنا" ذلك.

ومنها حديث: "المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة"

(3)

. رواه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح. وذلك أن أهل المدينة لما كانوا أهل نخيل وزرع اعتُبرت عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة أهل تجارة اعتُبرت عادتهم في الوزن.

والمراد: اعتبار ذلك فيما يتقدر شرعًا، كنُصُب الزكوات ومقدار الديات وزكاة الفطر والكفارات.

ومنها حديث حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء: "أنَّ ناقة للبراء دخلت حائطًا؛ فأفسدت فيه؛ فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل"

(4)

. رواه أبو داود، وصححه جماعة، وقال ابن عبد البر: وهو مشهور، حدَّث

(1)

سنن النسائي (رقم: 208، 355) وغيره. قال الألباني: صحيح. (صحيح النسائي: 208، 353).

وفي: مسند أحمد (26759)، سنن أبي داود (رقم: 274) بلفظ: (لِتَنْظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ التي كانت تَحِيضُهُنَّ

)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: 274).

(2)

صحيح مسلم (رقم: 1718).

(3)

سنن النسائي (رقم: 2520)، سنن أبي داود (رقم: 3340). قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: 3340).

(4)

سنن أبي داود (رقم: 3569). قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: 3569).

ص: 2153

به الأئمة الثقات. وهو أَدَل شيء على اعتبار العادة في الأحكام الشرعية؛ إذْ بَنَى النبي صلى الله عليه وسلم التضمين على ما جَرَتْ به عادتهم.

قيل: وينبني على هذه القاعدة التي تقررت بالدليل أنواع في الفقه:

من ذلك ما اعتمده الشافعي رضي الله عنه في أَقَل سن الحيض للمرأة، وكذا نحو معرفة الصغر والكبر في ضبة الذهب والفضة في الإناء، وتَغيُّر الماء بما يخالطه من طاهر يستغنى عنه في القليل منه الذي لا يضر والكثير الذي يضر، وكثافة الشعر وخفته في غسل الوجه في الوضوء، ونادر الأعذار الذي تُقْضَى فيه الصلاة بالتيمم وغالبه الذي لا يُقضَى فيه، وقُرب المنزل وبُعده في الخروج من المعتكف لقضاء الحاجة ونحوه، وطول السهو في [الفصل]

(1)

وقِصره، وكثرة الفعل والكلام في الصلاة وقِلَّته، ومشقة الاحتراز من النجاسة وسهولته، وقوة الخف وضعفه، وتكلب الجوارح، وما يُعد ساترًا وطيبًا للمحرم، وما يُعد فصلًا بين الإيجاب والقبول، و [ثمن]

(2)

المِثْل، وكفء النكاح، وقَدْر الثواب الذي يجب -على رأيٍ- في الهبة إذا قُلنا: يقتضي مطلقها الثواب إذا كانت من الأدنى للأعلى أو للمساوي، وحفظ الماشية والزرع، ومقادير الحيض والنفاس، وأكثر مُدة الحمل، وسن اليأس، ومهر المثل، وضابط كل فِعل رُتِّبَ عليه الحكم ولا ضابط له في الشرع ولا اللغة: كالإحياء، والحرز في السرقة، ومدة الإعراض عن المعدن والتحجير في الموات، والصيال، والإذْن في الضيافات، والتبسط في الغنيمة، والأكل من بيت الصديق، وما يُعد قبضًا وإيداعًا وإعطاءً وهديةً وغصبًا، والمعروف في المعاشرة، وانتفاع المستأجرين، والتصرف المشعر بالملك فيما في يده، والتجارة في القراض، والعمل في المساقاة، والصغار في الذمي، ونقض العهد، والموجب

(1)

في (ق): الصلاة.

(2)

كذا في (ق، ش)، لكن في سائر النسخ: مهر.

ص: 2154

لِلّوث.

ومن ذلك أيضًا الرجوع للعادة في تخصيص عين أو فعل أو مقدار يُحمل اللفظ عليه، كالألفاظ في الأيمان والأوقاف والوصايا والأقارير و [التعويضات]

(1)

وإطلاق الدينار والدرهم والصاع والوسق والقُلَّة والأوقية، وإطلاق النقود في الحمل على الغالب، وصحة المعاطاة بما يعُدُّه الناس بيعًا على رأي من يراه بيعًا، وهو كثير لا ينحصر.

وقولي: (ذَاتُ رِضًى) أي: تكون تلك العادة مرضية في الشرع ليس فيه ما ينافيها، بل في الشرع ما يدل على الرجوع إليها كما بيناه.

وقولي: (مِنْ وَصْفٍ الْعُرْفُ اقْتَضَى وَأَحْكَمَهْ) إشارة إلى مأخذها وموضعها من أصول الفقه، وذلك في قولهم: الوصف المعلَّل به قد يكون عُرْفِيًا، أي: من مقتضيات العُرْف.

وفي "باب التخصيص" سبق بيان تخصيص العموم بالعادة مبسوطًا. والله أعلم.

ص:

918 -

خَامِسَةٌ زِيدَتْ هِيَ: الْأُمُورُ

عَلَى مَقَاصِدَ لَهَا تَدُورُ

919 -

وَ [أَخْذُهَا]

(2)

قِيلَ: مِنَ التَّحْكِيمِ

لِعَادَةٍ؛ فَلَا تَزِدْ تَتْمِيمِي

الشرح:

القاعدة الخامسة:

وهي التي زِيدَت على الأربعة السابقة التي ذكرها القاضي حسين كما سبق نقل الحافظ

(1)

في (ق، ش): التفويضات.

(2)

كذا في (ص، ق، ن 1، ن 2، ن 3، ن 4). لكن في سائر النُّسَخ: واحدها.

ص: 2155

العلائي عن بعض الفضلاء زيادتها، وهي:"إدارة الأمور في الأحكام على قصدها".

ودليلها: حديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين وغيرهما: "الأعمال بالنيات"

(1)

، وربما أُخِذت من قوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، وقوله تعالى:{إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [الليل: 20].

ومن هذه المادة أحاديث "تبتغي بها وَجْه الله" وذلك في غير ما موضع.

ولهذا قالوا في حديث: "الأعمال بالنية"

(2)

الذي أجمعوا على صحته وتَلَقِّيه بالقبول: إنه من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.

قال أبو داود: (كتبتُ عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبتُ منها ما تضمنه هذا الكتاب -أيْ كتابه في "السنن"- وهو أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ويكفي الإنسان لِدِينه من ذلك أربعة: حديث: "الأعمال بالنية"، و"مِن حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، و"لا يكون المرء مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه"

(3)

، و"الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن")

(4)

. انتهى

وحديث النية أعظمها وأعمها، لأنَّ أفعال العقلاء إذا كانت معتبرة فإنما تكون عن قصد.

وأيضا: فذهب كثير من العلماء إلى أن أول الواجبات على المكلَّف القصد إلى النظر

(1)

سبق تخريجه.

(2)

سبق تخريجه.

(3)

صحيح البخاري (13)، صحيح مسلم (45)، ولفظ البخاري:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

(4)

طبقات الحنابلة (1/ 161).

ص: 2156

الموصل إلى معرفة الله تعالى، فالقصد سابق دائمًا. وقد قال الشافعي رحمه الله: إنه يدخل فيه سبعون بابًا من الفقه. أي: أنواعًا، أو مبالغةً باعتبار أنه داخل في أكثر الفقه.

وسواء في اعتبار القصد في الأفعال المسلم والكافر، إلا أن المسلم يختص بقصد التقرب إلى الله تعالى، فلا تصح هذه النية من الكافر، بخلاف نية الاستثناء والنية في الكنايات ونحو ذلك.

والكلام في الحديث مبسوط جدًّا، لكن ليس ذلك موضعه.

نعم، نشير إلى بعض شيء من ذلك:

فمنه أنهم اختلفوا في تقرير معناه:

فقيل: هو مِن دلالة المقتضَى، لا بُدَّ فيه من تقدير لصحة الكلام. وهؤلاء اختلفوا، فقيل: يُقدَّر "صحة الأعمال بالنيات" أو: "اعتبارها" أو نحو ذلك. وقيل: يُقدَّر "كمال الأعمال بالنيات".

وقال كثير من المحققين: ليس من دلالة المقتضَى، ولا حاجة إلى تقدير شيء أصلًا؛ لأنَّ الحقيقة الشرعية تنتفي بانتفاء ركنها أو شرطها، فإذا لم يكن العمل بنية فهو صورة عمل، لا عمل شرعي، فَصَحَّ النفي، فلا حاجة لتقدير.

وبالجملة فَمِمَّا تدخل فيه النية العبادات بأجمعها: الوضوء -[عندنا]

(1)

- والتيمم والغسل والصلاة فرضها ونفلها عَيْنها وكِفايتها. والزكاة والصيام والاعتكاف والحج والعمرة والأضحية والهدى والنذور والكفارات.

ومن ذلك أيضًا قصد السوم في الماشية، وقصد التجارة في ملك التاجر بالمعاوضات،

(1)

من (ق، ش).

ص: 2157

وقصد إصلاح الحلي الزكوي عند الانكسار، وغير ذلك مما لا ينحصر.

ويدخل أيضًا في الجهاد والعتق والتدبير والكتابة، بمعنى أن حصول الثواب في هذه الأربعة يتوقف على قصد التقرب إلى الله تعالى. وكذا قصد الحكم بين المتلاعنين والمتخاصمين، وإقامة الحدود على الجناة، وسائر ما يتعاطاه الحكام وأولياء الأمر.

وكذلك تَحمُّل الشهادات وأداؤها. بل يسري هذا إلى سائر المباحات إذا قصد بها التَّقَوِّي على العبادة أو التوصل إليها، كالأكل والنوم واكتساب المال وغير ذلك، وكذلك النكاح والوطء فيه وفي الأَمة إذا قصد به الإعفاف أو تحصيل الولد الصالح وتكثير الأُمَّة.

نعم، يخرج من الأعمال ما هو مُتوجِّه بذاته، كأعمال القلوب وكثير من الأذكار، كالأذان ونحوه. وكذلك التروك المجردة، كترك الزنا وشرب الخمر ونحو ذلك، فلا يحتاج في وجودها لِنِيَّة، بل يحتاج إلى النية لِتَرَتُّب الثواب عليها إذا قصد به وَجْه الله تعالى.

وقد اختُلف في النية إذا اعتُبرت لصحة الفعل: هل تكون من قبيل الشروط؟ أو الأركان؟ والخلاف فيه مبسوط في الفقه.

وأما القصود فتدخل في غير العبادات وما يحصل به عبادة؛ لتمييز المقصود من المحتملات، كالكنايات في العقود وفي الطلاق والعتاق، والإحياء للموات وتمليك اللقطات، وفيما يحتمل من الأيمان والإقرار، وغير ذلك مما لا ينحصر.

نعم، مما ينبغي ذكره من مهمات أحكامها مواضع:

أحدها: أن النية شرعت في فعل العبادة إما لتمييز العبادات عن العادات وما يلحق بها من تمييز جنس من العبادة عن جنس، وإما لتمييز رُتَب العبادات.

فالأول: كالوضوء والغسل يقع تبردًا أو تنظفًا أو على سبيل الاتفاق، ويقع تَعبُّدًا؛ فيحتاج إلى نية مُمَيِّزة. وإخراج المال إنفاقًا أو صدقةً أو هبةً أو نحو ذلك، ويكون زكاة؛ فلا

ص: 2158

بُدَّ من نية تميزها عن غيرها.

وترك المفطرات يكون لفقدها وللتداوي أو اتفاقًا، ويكون صومًا شرعيًّا؛ فلا بُدَّ من نية تميزه.

وزيارة البيت تكون بحج أو عمرة أو للتبرك أو يقع اتفاقًا؛ فيحتاج لنية تميز ذلك. ونحوه الطواف حول البيت والمكث بأرض عرفة ونحو ذلك. والجلوس في المسجد يكون اتفاقًا واستراحةً واعتكافًا، فيميز.

وأما تمييز الرتب -أيْ في النوع الواحد- فتمييز الفرض عن النفل ورتب الفرائض بالتعيين، والنوافل كذلك؛ لتفاوتها في الأحكام والثواب وموافقة موضوعها الشرعي.

نعم، ربما ينوي الشيء ويقع خِلافُه، كَنِية الفرضية في صلاة الصبي المكتوبة وكَنِية مَن يعيد الصلاة في جماعة الفرض، فإنَّ فَرْضه الأُولى، وكنية الجمعة قبل سلام الإمام مع أنها لا تقع إلا ظهرًا، وكترتيب الحج والعمرة فيما تقدم وهو فرض الإسلام ثم القضاء ثم النذر ثم التطوع أو عن استئجار له، فلا يقع إلا على هذا الترتيب وإنْ نوى غيره.

وربما وقع القصد مخُيَّرًا فيه، كقصد المؤدِّي مالًا لمن له عليه دَين أو لمن له عليه دَيْن برهن وبغيره، فيُعتبر قَصْد المؤدِّي، والقول فيما قصد قولُه.

الثاني: من شروط النية: الجزم بها في المنْوِي، وقد تصح مع التردد:

- إما اعتمادًا على أصلٍ، كَنية الحائض صوم الغد اعتمادًا على جريان عادتها بانقطاع حيضها قبل الفجر، وكَنِية الصوم في ليلة الرؤية في آخِر رمضان إنْ كان الغد من رمضان؛ لبقاء الأصل.

وكذا لو نوى مَن نذر أن يصوم يوم يَقدم زيد، فغلب على ظنه أنه يقدم في الغد بطريقٍ، فَنَوى ليلة ذلك اليوم، وقَدم كما ظن.

ص: 2159

- وإما أن ذلك مفتقر للضرورة، كمن نَسِيَ صلاة مَن خَمس ولم يَعرف عَيْنها، فيَلزمه أن يصلي الخمس وينوي في كل واحدة أنها فَرْضُه مع عدم تَحقُّق ذلك.

وكذا مَن اشتبه عليه ماء طهور بماء ورد، يتوضأ بكل منهما مع عدم جزمه بأن ما يأتي به وضوء شرعي بالطهور. والمصلِّي على موتى مسلمين مختلطين بكفار، إذا صلَّى على واحد واحد، ينوي الصلاة عليه بِقَيْد أن يكون مسلمًا. وكذا لو صلى خلف مسافر يشك في نية القصر، بل ويُغتفر تعليقُه بكونه إنْ قصر قصر، وإنْ أتم أتم. ومَن اشتبه عليه مذي ومَني وقُلنا: يخير -وهو ما رجحوه - فينوي الوضوء إنْ توضأ والغسل إنِ اغتسل وهو لا يتحقق أنه الواجب عليه.

وفي غير ذلك وهو كثير.

الثالث: كما تكون النية للتصحيح تكون للإفساد حيث نَوَى قَطْع ذلك المنْوِي بعد الشروع فيه، وذلك في الصلاة ونحوها [الإيمان]

(1)

يبطلان بنية الخروج والتردد في أن يخرج منه، أما الحج والعمرة فلا يبطلان بذلك قَطْعًا، وكذا الوضوء في أثنائه.

نعم، فيما بعد الفراغ منه وَجْه أنه يبطل بقصد إبطاله. وأما الاعتكاف والصوم فلا يبطلان بقصد الخروج منهما على الأصح في "الشرح" و"الروضة". لكن نَصَّ الشافعي في الصوم على الإبطال، وكذا نقله ابن كج في "التجريد" عن رواية الربيع، ورجحه جماعة من الأصحاب، منهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي.

وقولي: (وَ [أَخْذُهَا] قِيلَ: مِنَ التَّحْكِيمِ لِعَادَةٍ) إشارة إلى هذه القاعدة، قال بعضهم: إنها مأخوذة من قاعدة "تحكيم العادة" السابق ذِكرها. وجعلوا ذلك عُذر القاضي حسين في عدم ذِكرها.

(1)

في جميع النُّسخ: الايمان.

ص: 2160

قالوا: لأنَّ العادة حاكمة بأنَّ غير المنْوِي مِن غُسلٍ وصلاةٍ وكتابةٍ - مثلًا - لا يُسمى في العادة غسلًا ولا قربةً ولا عقدًا.

ولا يخفَى ما في ذلك من نظر؛ فلذلك عبرتُ بقولي: (قِيلَ)؛ إيماءً إلى عدم ارتضاء ذلك.

وقيل: مِن قاعدة "الضرر يزال"؛ لأنَّ مَن تَوَجَّه عليه شيء بدليلٍ إذا تركه أو فَعَله لا بقصد امتثال الأمر، حصل له الضرر بما ترتب عليه من الذم، فَيُزال بالنية.

ولا يخفَى ما في الآخر مِن النظر، بل لو أخذت من قاعدة "اليقين لا يُرفع بالشك" كان أَقرب؛ لأنَ الأصل عدم ذلك الشيء، فلا يصار إلى جَعْله مُعتبرًا إلا بواسطة ترجيح المتردد فيه بقصد أنْ يخالِف الأصل.

الرابع: قواعد فقهنا كثيرة تزيد على المائتين، لكن ليس شيء منها في العموم كهذه الخمس كما سبق، فلا ينبغي أن يذكر في أصول الفقه زيادة على ذلك؛ لأنَّ ذلك محله الفقه.

وهذا معنى قولي: (فَلَا تَزِدْ تَتْمِيمِي) أي: لا تَزِد على تتميمي قواعد القاضي الأربعة بهذه الخامسة، بل اقتصر على الخمس. والله أعلم.

ص: 2161

الباب الثالث

في

"تَعارُض الأدلة وحُكمه"

ص: 2162