المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

خلل فيه ولا تفاوت حتى يجيء قوله: «فقدره تقديراً» مفيداً - اللباب في علوم الكتاب - جـ ١٤

[ابن عادل]

الفصل: خلل فيه ولا تفاوت حتى يجيء قوله: «فقدره تقديراً» مفيداً

خلل فيه ولا تفاوت حتى يجيء قوله: «فقدره تقديراً» مفيداً إذ لو حملنا {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} على معناه الأصلي من التقدير لصار الكلام: وقدر كل شيء فقدره.

فصل

قوله: {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} يدل على أنه تعالى خلق الأعمال من وجهين:

الأول: أن قوله: «كل شيء» يتناول جميع الأشياء، ومن جملتها أفعال العباد.

والثاني: أنه تعالى نفى الشريك، فكأن قائلاً قال: ههنا أقوام معترفون بنفي الشريك والأنداد ومع ذلك يقولون بخلق أفعال أنفسهم، فذكر الله تعالى هذه الآية رداً عليهم. قال القاضي: الآية تدل عليه لوجوه:

أحدها: أنه تعالى صرح بكون العبد خالقاً فقال: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير} [المائدة: 110]، وقال:{فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14] وتمدح بأنه قدره تقديراً، ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره. فظاهر الآية لا يدل إلا على التقدير، لأن الخلق عبارة عن التقدير، فلا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير وهو الأجسام لا الأعراض. والجواب: أن قوله: «إِذْ تَخْلُقُ» ، وقوله:«أَحْسَنُ الخَالِقِينَ» معارض بقوله: {الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] وبقوله: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله} [فاطر:‌

‌ 3]

وقولهم: لا يجوز التمدح بخلق الفساد، فالجواب: لم لا يجوز أن يتمدح به من حيث نفاذ القدرة.

قوله

تعالى

: {واتخذوا

} يجوز أن يعود الضمير على الكفار الذين تضمنهم لفظ العالمين، وأن يعود على من ادَّعى لله شريكاً وولداً، لدلالة قوله:{وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ} [الفرقان: 2] وأن يعود على المنذرين، لدلالة «نذيراً» عليهم.

ص: 475

قوله: «لا يَخْلُقُونَ» صفة ل «آلهة» ، وغلب العقلاء على غيرهم؛ لأن الكفار كانوا يعبدون العقلاء كعزير والمسيح والملائكة وغيرهم كالكواكب والأصنام. ومعنى «لا يخلقون» لا يقدرون على التقدير، والخلق يوصف به العباد قال زهير:

3860 -

ولأنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْت وبع

ضُ القَوم يخلُق ثم لا يَفْرِي

ويقال: خلقت الأديم: أي: قدرته، وهذا إذا أريد بالخلق التقدير، فإن أريد به الإيجاد فلا يوصف به غير الباري - تعالى - وقد تقدم.

وقيل: بمعنى يختلقون كقوله: «وتَخْلُقُون إفْكاً» .

فصل

لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو أردفه بتزييف مذهب عبدة الأوثان من وجوه: منها: أنها ليست خالقة للأشياء، والإله يجب أن يكون قادراً على الخلق والإيجاد ومنها: أنها مخلوقة، والمخلوق محتاج، والإله يجب أن يكون غنياً. ومنها: أنها لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً، ومن كان كذلك لا يملك موتاً ولا حياةً ولا نُشُوراً. أي: لا يقدر على الإحياء والإماتة لا في زمن التكليف، ولا في زمن المجازاة، ومن كان كذلك كيف يسمى إلهاً، وكيف يستحق العبادة؟ .

فصل

احتج أهل السنة بقوله: «ولا يَخْلُقُونَ شَيْئاً» على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأنه عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يَخْلُق شيئاً، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، فلو كان العبد خالقاً لكان معبوداً إلهاً. وأجاب الكعبي بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على الله تعالى، (وقال بعض أصحابنا في الخلق: إنه الإحداث لا بعلاج وفكر وتعب ولا يكون ذلك إلا لله تعالى.

ثم قال: قد قال الله تعالى) : {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ} [الأعراف: 195] في وصف الأصنام، أفيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن يعبد. فإذا قالوا: لا. قيل: فكذلك ما ذكرتم، وقد قال الله تعالى:{فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14] هذا كله كلام الكعبي.

ص: 476

والجواب: قوله: لا نطلق اسم الخالق على العبد. قلنا: بل يجب ذلك، لأن الخلق في اللغة هو التقدير، والتقدير يرجع إلى الظن والحسبان، فوجب أن يكون اسم الخالق حقيقة في العبد مجازاً في الله، فكيف يمكنهم منع إطلاق لفظ الخالق على العبد؟ . وأما قوله تعالى:{أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ} [الأعراف: 195] فالعيب إنما وقع عليهم، فلا جرم أن من تحقق العجز في حقه من بعض الوجوه لم يحسن عبادته. وأما قوله:{فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14] فتقدم الكلام عليه. واعلم أن في استدلال أهل السنة بالآية نظر، لاحتمال أن الغيب إنما حصل بمجموع الأمرين، وهو كونهم ليسوا بخالقين، وكونهم مخلوقون، والعبد وإن كان خالقاً إلا أنه مخلوق، فلا يلزم أن يكون العبد إلهاً معبوداً.

فصل

دلَّت الآية على البعث، لأنه تعالى ذكر النشور، ومعناه: أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال الثواب إلى المطيعين، والعقاب إلى العصاة، فمن لا يكون كذلك يجب أن لا يصلح للإلهية.

ص: 477

قوله تعالى: {وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلَاّ إِفْكٌ افتراه} الآية. لما تكلم أولاً في التوحيد وثانياً في الرد على عبدة الأوثان، تكلم ههنا في مسألة النبوة، وحكى شبه الكفار في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم َ -. فالشبهة الأولى: قوله: {وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلَاّ إِفْكٌ افتراه وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} .

ص: 477

قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث هو الذي قال هذا القول {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} يعني: عامر مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار غلام عامر بن الحضرمي، وجبير مولى عامر، هؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرؤون التوراة، فلما أسلموا، وكان النبي يتعهدهم، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال. وقال الحسن: عبيد بن الحصر الحبشيّ الكاهر. وقيل: جبر ويسار وعداء عبيد كانوا بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن محمداً يأخذ منهم.

قوله: «افتراه» الهاء تعود على «إفك» وقال أبو البقاء: الهاء تعود على «عبده» في أول السورة. قال شهاب الدين: ولا أظنه إلا غلطاً وكأنه أراد أن يقول الضمير المرفوع في «افتراه» فغلط.

قوله «ظلماً» فيه أوجه:

أحدها: أنه مفعول به، لأن جاء يتعدى بنفسه (وكذلك أتى) .

والثاني: أنه على إسقاط الخافض، أي: جاءوا بظلم. قاله الزجاج.

الثالث: أنه في موضع الحال، فيجيء فيه ما في قولك: جاء زيد عدلاً.

قال الزمخشري: {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً} أي: أتوا ظلماً وكذباً كقوله: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} [مريم: 89] فانتصب بوقوع المجيء. أما كونه «ظلماً»

ص: 478

فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وذلك هو الظلم. وأما كونه «زوراً» فلأنهم كذبوا، قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول.

الشبهة الثانية: قوله تعالى: {وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين. اكتتبها} الآية. يجوز في «اكْتَتَبَهَا» ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يكون حالاً من «أساطير» ، والعامل فيها معنى التنبيه أو الإشارة المقدرة، فإن «أَسَاطِير» خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذه أساطير الأولين مكتتبة.

الثاني: أن يكون في موضع خبر ثان ل «هذه» .

الثالث: أن يكون «أساطير» مبتدأ و «اكْتَتَبَها» خبره. و «اكْتَتَبَها» الافتعال هنا يجوز أن يكون بمعنى: أمر بكتابتها كافتصد واحتجم إذا أمر بذلك ويجوز أن يكون بمعنى كتبها، وهو من جملة افترائهم عليه، لأنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ويكون كقولهم:(استكبه واصطبه، أي: سكبه وصبه) ، والافتعال مشعر بالتكليف. ويجوز أن يكون من كتب بمعنى جمع من الكتب، وهو الجمع لا من الكتابة بالقلم.

وقرأ طلحة «اكتُتِبهَا» مبنياً للمفعول.

قال الزمخشري: والمعنى: اكتتبها له كاتب، لأنه كان أمياً لا يكتب بيده، ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير، فصار اكتُتِبها إياه كاتب، كقوله:{واختار موسى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] ، ثم بنى الفعل للضمير الذي هُوَ إيَّاه فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان منصوباً بارزاً، وبقي ضمير الأساطير على حاله، فصار «اكتُتِبَها» كما ترى. قال أبو حيان: ولا يصح ذلك على مذهب جمهور البصريين، لأن «اكتَتَبها» له

ص: 479

كاتب، وصل الفعل فيه المفعولين: أحدهما: مسرح، وهو ضمير الأساطير والآخر مقيّد، وهو ضميره عليه السلام ثم اتسع في الفعل، فحذف حرف الجر، فصار «اكْتَتَبَها إياه كاتبٌ» ، فإذا بني هذا للمفعول إنما ينوب عن الفاعل المفعول المسرح لفظاً وتقديراً، لا المسرح لفظاً المقيد تقديراً، فعلى هذا كان يكون التركيب (اكتَتَبه) لا (اكتَتَبها) ، وعلى هذا الذي قلناه جاء السماع، قال الفرزدق:

3861 -

ومنَّا الَّذِي اختير الرجال سماحةً

وجوداً إذا هبَّ الرياحُ الزّعازعُ

ولو جاء على ما قدره الزمخشري لجاء التركيب: ومنَّا الذي اختيره الرجال. لأن (اختير) تعدى إلى الرجال بإسقاط حرف الجر؛ إذ تقديره: اختير من الرجال. وهو اعتراض حسن بالنسبة إلى مذهب الجمهور، ولكن الزمخشري قد لا يلتزمه، ويوافق الأخفش والكوفيين، وإذا كان الأخفش وهم يتركون المسرح لفظاً وتقديراً، ويقيمون المجرور بالحرف مع وجوده، فهذا أولى.

والظاهر أن الجملة من قوله {اكتتبها فهي تملى} من تتمة قول الكفار.

وعن الحسن أنها من كلام الباري تعالى، وكان حق الكلام على هذا أن يقرأ «أَكْتَتَبَها» بهمزة مقطوعة مفتوحة للاستفهام كقوله:{أفترى عَلَى الله كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8] . ويمكن أن يعتذر عنه أنه حذف الهمزة للعلم بها كقوله تعالى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} [الشعراء: 22] . وقول الآخر:

ص: 480

3862 -

أفْرَحُ أَنْ أُرزأَ الكرام وأن

أُورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبلَا

يريد: أو تلك، أو أأفرح، فحذف لدلالة الحال، وحقه أن يقف على «الأولين» قال الزمخشري: كيف قيل: {اكتَتَبها فهي تملى عليه} وإنما يقال: أمليت عليه فهو يكتبها. قلت فيه وجهان:

أحدهما: اراد اكتِتَابها وطلبه، فهي تملى عليه، أو كتبت له، وهو أمر فهي تملى عليه، أي: تلقى عليه من كتاب يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.

وقرأ عيسى وطلحة «تُتْلَى» بتاءين من [فوق من التلاوة. و «بُكْرَةً وأَصِيلاً» ظرفا زمان للإملاء، والياء في «تُمْلَى» بدل من] اللام، كقوله:«فَلْيُمْلِلِ» وقد تقدم.

فصل

المعنى: أن هذا القرآن ليس من الله، إنما هو مما سطره الأولون كأحاديث رستم واسفنديار، جمع أسطار وأسطورة كأحدوثة استنسخها محمد من أهل الكتاب {فَهِيَ تملى عَلَيْهِ} أي: تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها «بُكْرَةً وأَصِيلاً» غدوة وعشيًّا.

قوله: {قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر} الآية. وهذا جواب عن شبههم، وذلك أنه عليه السلام تحداهم بالمعارضة وأظهر عجزهم عنها، ولو كان عليه السلام أتى بالقرآن من عند نفسه، أو استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضاً أن يستعينوا بأحد، فيأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي الله وكلامه، فلهذا قال:«قُلْ أَنْزَلَهُ» يعني: القرآن {الذي يَعْلَمُ السر} أي: الغيب {فِي السماوات والأرض} ؛ لأن القادر على تركيب ألفاظ القرآن لا بد وأن يكون عالماً بكل المعلومات ظاهرها وخفيها، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله

ص: 481

لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً} [النساء: 82] ثم قال: {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} ، فذكر الغفور في هذا الموضع لوجهين:

أحدهما: قال أبو مسلم: إنه لما أنزله لأجل الإنذار وجب أن يكون غفوراً رحيماً، غير مستعجل بالعقوبة.

الثاني: أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العقاب صبًّا، ولكن صرف عنهم كونه غفوراً رحيماً، يمهل ولا يعاجل.

الشبهة الثالثة: قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام} . الآية. «ما» استفهامية مبتدأة، والجار بعدها خبر، و «يأكل» جملة حالية، وبها تتم فائدة الإخبار، كقوله:{فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49] وقد تقدم في النساء أن لام الجر كتبت مفصولة من مجرورها، وهو خارج عن قياس الخط. والعامل في الحال الاستقرار العامل في الجر، أو نفس الجر ذكره أبو البقاء.

قوله: «فَيَكُونَ» . العامة على نصبه، وفيه وجهان:

أحدهما: نصبه على جواب التحضيض.

والثاني: قال أبو البقاء: «فَيَكُونَ» منصوب على جواب الاستفهام. وفيه نظر، لأن ما بعد الفاء لا يترتب على هذا الاستفهام، وشرط النصب أن ينعقد منهما شرط وجزاء. وقرئ «فَيَكُونُ» بالرفع وهو معطوف على «أُنْزِلَ» ، وجاز عطفه على الماضي؛ لأن المراد بالماضي المستقبل إذ التقدير: لولا ينزل.

قوله: «أَوْ يُلقَى

أَوْ تَكُون» معطوفان على «أنزل» لما تقدم من كونه بمعنى

ص: 482

ينزل، ولا يجوز أن يُعطفا على «فَيَكُون» المنصوب في الجواب؛ لأنهما مندرجان في التحضيض في حكم الواقع بعد «لولا» ، وليس المعنى على أنهما جواب للتحضيض، فَيُعْطَفا على جوابه. وقرأ الأعمش وقتادة {أَوْ يَكُونُ لَهُ} بالياء من تحت؛ لأن تأنيث الجنة مجازي.

قوله: «يَأْكُلُ مِنْهَا» الجملة في موضع الرفع صفة ل «جَنّة» . وقرأ الأخوان «نَأْكُلُ» بنون الجمع، والباقون بالياء من تحت أي: الرسول.

قوله: «وَقَالَ الظَّالِمُون» وضع الظاهر موضع المضمر؛ إذ الأصل «وَقَالُوا» .

قال الزمخشري: وأراد بالظالمين إياهم بأعيانهم.

قال أبو حيان: وقوله ليس تركيباً سائغاً بل التركيب العربي أن يقول أرادهم بأعيانهم.

فصل

وهذه الشبهة التي ذكروها في نهاية الرذالة، فقالوا:{مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق} يلتمس المعاش كما نلتمس فمن أين له الفضل علينا؟ وكيف يمتاز عنّا بالنبوة، وهو مثلنا في هذه الأمور.

وقالوا: {لولاا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ} هلاّ أنزل إليه ملك {فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} يصدقه ويشهد له، ويرد على من خالفه. {أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ} من السماء، فينفعه ولا يحتاج إلى تردد لطلب المعاش، وكانوا يقولون له: لستَ أنتَ بملك، لأنك تأكل والملك لا يأكل، ولست بملك؛ لأن الملك لا يتسوق، وأنت تتسوق وتتبذل. وما قالوه فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدمياً، ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ذلك صفة له. وقالوا:{أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} ، والمعنى: إن لم يكن له كنز فلا أقلّ أن يكون كواحد من الدهاقين، فيكون له بستان يأكل منه {وَقَالَ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} مخدوعاً، وقيل: مصروفاً عن الحق. وتقدمت هذه القصة في آخرِ بني إسرائيل. ثم أجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: {انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال}

ص: 483

يعني الأشباه فضلوا عن الحق {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} إلى الهدى ومخرجاً عن الضلالة.

وبيان وجه الجواب كأنه تعالى قال: انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها: لأجل أنهم لما ضلوا وأرادوا القدح في نبوَّتِك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلاً البتّة، إذ الطعن عليه إنما يكون بما يقدح في المعجزات التي ادعاها لا بهذا الجنس من القول.

ص: 484

قوله تعالى: {تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذلك} الآية وهذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة، أي: تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ الذي قالوا، وأفضل من الكنز والبستان الذي ذكروا، أي: أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه، ولكنه تعالى يعطي عباده بحسب المصالح، أو على وفق المشيئة، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله.

قال ابن عباس: {خَيْراً مِّن ذلك} أي: مما عيَّروك بفقد الجنة الواحدة، وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة. وقال في رواية عكرمة:{خَيْراً مِّن ذلك} أي: من المشي في الأسواق وابتغاء المعاش.

وقوله: «إِنْ شَاءَ» معناه: أنه تعالى قادرٌ على ذلك لا أنه شاكٌّ، لأن الشك لا يجوز على الله تعالى. وقيل:«إِنْ» ههنا بمعنى (قَدْ)، أي: قد جعلنا لك في الآخرة جنات ومساكن، وإنما أدخل (إن) تنبيهاً للعبادة على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته، وأنه معلق على محض مشيئته، وليس لأحد من العباد حق على الله لا في الدنيا ولا في الآخرة.

قوله: «جَنَّاتٍ» . يجوز أن يكون بدلاً من «خَيْراً» وأن يكون عطف بيان لذلك الخير عند من يجوزه في النكرات، وأن يكون منصوباً بإضمار أعني. و {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} صفة.

قوله: «وَيَجْعَل لَكَ» قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر برفع «يَجْعَلُ» ، والباقون

ص: 484

بإدغام لام «يَجْعَل» في لام «لك» وأما الرفع ففيه وجهان:

أحدهما: أنه مستأنف.

والثاني: أنه معطوف على جواب الشرط. قال الزمخشري: لأن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جوابه الجزم والرفع، كقوله:

3863 -

وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَةٍ

يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ

قال الزمخشري: وليس هذا مذهب سيبويه بل مذهبه أن الجواب محذوف، وأن هذا المضارع مَنْوِيٌّ به التقديم، ومذهب المبرد والكوفيين أنه جواب على حذف الفاء، ومذهب آخرين أنه جواب لا على حذفها بل لما كان الشرط ماضياً ضعف تأثير (إن) فارتفع. فالزمخشري بنى قوله على هذين المذهبين. ثم قال أبو حيان: وهذا التركيب جائز فصيح، وزعم بعض أصحابنا أنه لا يجيء إلا في ضرورة. وأما القراءة الثانية فتحتمل وجهين:

ص: 485

أحدهما: أن سكون اللام للجزم عطفاً على محل (جعل) ؛ لأنه جواب الشرط.

والثاني: أنه مرفوع، وإنما سكن لأجل الإدغام. قاله الزمخشري وغيره. وفيه نظر من حيث إن من جملة من قرأ بذلك وهو نافع والأخوان وحفص ليس من أصولهم الإدغام حتى يدعى لهم في هذا المكان. نعم أبو عمرو أصله الإدغام وهو يقر هنا بسكون اللام فيحتمل ذلك على قراءته، وهذا من محاسن علم النحو والقراءات معاً وقال الواحدي: وبين القراءتين فرق في المعنى، فمن جزم فالمعنى: إن شاء يجعل لك قصوراً في الدنيا، ولا يحسن الوقف على «الأَنْهَارُ» ومن رفع حسن الوقف (على «الأَنْهَار» ) واستأنف {وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} في الآخرة.

وقرأ ابن سليمان وطلحة بن سليمان «وَيَجْعَلَ» بالنصب، وذلك بإضمار أن على جواب الشرط، واستضعفها ابن جنيّ، ومثل هذه القراءة قوله:

3864 -

فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ

رَبيعُ النَّاسِ والبَلَدُ الحَرَامُ

وَنَأْخُذ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ

أَجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ

بالتثليث في (نأخذ) .

فصل

القصور جماعة القصر، وهو المسكن الرفيع. قال المفسرون: القصور هي البيوت

ص: 486

المشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصراً. ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر فيكون مسكناً ومنتزهاً، ويجوز أن يكون القصور مجموعة والجنات مجموعة.

وقال مجاهد: «إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ جَنَّاتٍ» في الآخرة وقصوراً في الدنيا.

روي أنه عليه السلام قال: «عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكة ذَهَباً، فقلتُ: لا يَا رَبِّ، وَلكِنْ أَشْبَعُ يَوْماً وأَجُوعُ يَوْماً - أَوْ قال ثَلاثاً، أَوْ نَحْوَ هَذَا - فإِذا جعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَدَعَوْتُكَ، وإذا شَبِعْت حَمِدْتُك وشَكَرْتُكَ» وروت عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ -: «لو شئتُ لسارت معي جبالُ الذهب جاءني ملكٌ فقال: إنَّ ربك يقرأ عليك السلام ويقول إِنْ شِئْتَ كنت نبياً عبداً، وإن شئْتَ نبياً مَلكاً، فنظرت إلى جبريل عليه السلام فأشار إليَّ أَنْ ضَعْ نَفْسَكَ، فقلت: نبياً عبداً قالت: وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم َ - بعد ذلك لا يأكل متكئاً، ويقول: آكل كما يَأْكُلُ العبدُ وأجلس كما يجلس العبد وعن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - جالس وجبريل عليه السلام معه فقال جبريل:» هذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ استأْذَنَ رَبَّهُ فِي زِيَارَتك «فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاءَ المَلَكُ وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - وقال:» إِنَّ اللَّهَ يُخيركَ أَنْ يُعْطِيكَ مفاتيحَ كلِّ شيءٍ لَمْ يُعْطَ أحد قبلك ولا يعطيه أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما أداك شيئاً «فقال عليه السلام: بل يجمعهما لي جميعاً في الآخرة» فنزل {تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ} الآية. قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة} أي: بالقيامة، فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً فلا يتكلفون النظر والفكر ولهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل. {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً} . قال أبو مسلم:«أَعْتَدْنَا» أي: جعلناها عتيداً ومعدة لهم، والسعير: النار الشديدة الاستعار، وعن الحسن: أنه اسم جهنم.

فصل

احتج أهل السنة على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] وعلى أن النار التي هي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية.

ص: 487

قال الجبائي: يحتمل في قوله: «وَاَعْتَدْنَا» أن المراد منه نار الدنيا، وبها نعذب الكفار والفساق في قبورهم، ويحتمل نار الآخرة، ويكون المعنى:«وأَعْتَدْنَا» أي: سنعدّها، كقوله تعالى:{ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار} [الأعراف: 44] . وهذا جواب ساقط، لأن المراد من السعير إما نار الدنيا، أو نار الآخرة، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم في الدنيا بنار الدنيا، والثاني - أيضاً - باطل؛ لأنه لم يقل أحد من الأمة إنه تعالى يعذب الكفرة في الآخرة بنيران الدنيا. فثبت أن المراد نار الآخرة وأنها معدة.

وأما حمل الآية على أن الله تعالى سيجعلها معدة فترك للظاهر من غير دليل. قوله: «إِذَا رَأَتْهُمْ» هذه الجملة الشرطية في موضع نصب صفة ل «سَعِيراً» ، لأنه مؤنث بمعنى النار.

قوله: {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} فإن قيل: التَّغَيُّظُ لا يُسمع. فالجواب من ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه على حذف مضاف، أي: صوت تغيظها.

والثاني: أنه على حذف تقديره: سمعوا ورأوا تغيظاً وزفيراً، فيرجع كل واحد إلى ما يليق به، أي: رأوا تغيظاً وسمعوا زفيراً.

والثالث: أن يضمن «سَمِعُوا» معنى يشمل الشيئين، أي: أدركوا لها تغيظاً وزفيراً.

وهذان الوجهان الأخيران منقولان من قوله:

3865 -

وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى

مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحَا

ومن قوله:

3866 -

عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً بَارداً

أي: ومعتقلاً رمحاً، وسقيتها ماء، أو يُضَمَّن (مُتَقَلِّداً) معنى متسلحاً،

ص: 488

و (علفتها) معنى أطعمتها تبناً وماءً بارداً.

فصل

معنى {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} . قال الكلبي والسديّ من مسيرة عام. وقيل: من مسيرة مائة سنة. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - أنه قال: «مَنْ كَذَب علَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأ بَيْنَ عَيْنَي جهنمَ مَقْعَدا» قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم ألم تسمع قول الله عز وجل {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} «.

وقيل: إذا رأتهم زبانيتها. قال الجبائي: إن الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلين بتعذيب أهل النار، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار، فهو كقوله» وَاسْأَلِ القَرْيَةَ «وأراد أهلها.

قوله: {وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً} .» مَكَاناً «منصوب على الظرف، و» منها «في محل نصب على الحال من» مكاناً «. لأنه في الأصل صفة له. و» مُقَرَّنينَ «حال من مفعول» أُلْقُوا «، و» ثُبُوراً «مفعول به، فيقولون: واثبوراه، ويجوز أن يكون مصدراً من معنى» دعوا «، وقيل: منصوب بفعل من لفظه مقدر تقديره ثبرنا ثبوراً.

وقرأ معاذ بن جبل «مُقَرَّنُونَ» بالواو، ووجهها أن تكون بدلاً من مفعول «أُلْقُوا» وقرأ عمرو بن محمد «ثَبُوراً» بفتح الثاء، والمصادر التي على (

ص: 489

فعول) بالفتح قليلة جداً، وينبغي أن يضم هذا إليها، وهي مذكورة في البقرة عند قوله {وَقُودُهَا الناس} [البقرة: 24] .

فصل

قال ابن عباس: يُضَيق جهنم عليهم كما يضيق الزج على الرمح، وهو منقول أيضاً عن ابن عمر. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم َ - عن ذلك فقال:«إِنَّهُمْ يُسْتَكْرَهُونَ في النار كما يُسْتَكْرَه الوتد في الحائط» .

قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب. قال الزمخشري: الكرب مع الضيق كما أن الفرج مع السعة، ولذلك وصف الجنة بأن عرضها السموات والأرض.

وقوله: «مُقَرَّنِينَ» (أي: مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: مقرنين) مع الشياطين في السلاسل، كل كافر مع شيطان، فعندما يشاهدون هذا العذاب دعوا بالويل والثبور.

قال ابن عباس: يقولون: ويلاً. وقال الضحاك: هلاكاً. فيقولون: واثبوراه فهذا حينك وزمانك، فيقال لهم:{لَاّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً وَاحِداً وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً} أي: هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة فادعوا أدعية كثيرة.

ص: 490

قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.

قوله

تعالى

: {أذلك

خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد} الآية. لما وصف العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة فقال: «أَذَلِكَ خَيْرٌ» .

فإن قيل: كيف يقال: العذاب خير أم جنة الخلد؟ وهل يجوز أن يقول العاقل: السكر أحلى أم الصبر؟ فالجواب: هذا يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ويقول له: أهذا خير أم ذلك؟

فصل

قال أبو مسلم: جنة الخلد: هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء كالشكر والشكور، قال تعالى:{لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُوراً} [الإنسان: 9] . فإن قيل: الجنة اسم لدار مخلدة، فأي فائدة في قوله:«جَنَّةُ الخُلْدِ» ؟ فالجواب: الإضافة قد تكون للتبيين، وقد تكون لبيان صفات الكمال، كقوله تعالى:«الخَالِقُ البَارِئ» وهذا من هذا الباب.

فصل

احتج المعتزلة بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من وجهين:

الأول: اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق، فأما الموعود بمحض التفضيل فلا يسمى جزاء.

والثاني: لو كان المراد بالجزاء ما صرتُم إليه بمجرد الوعد فلا يبقى بين قوله: «جَزَاءً» وبين قوله: «مَصِيراً» تفاوت، فيصير ذلك تكريراً من غير فائدة.

والجواب: أنه لا نزاع في كونه جزاء إنما النزاع في أن كونه جزاء ثبت بالوعد أو بالاستحقاق، وليس في الآية ما يدل على التعيين.

فإن قيل: إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيراً لكنها بعد ما صارت كذلك، فلم قال الله {كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيراً} ؟

فالجواب من وجهين:

ص: 491

الأول: أن ما وعده فهو في تحققه كأنه قد كان؛ ولأنه قد كان مكتوباً في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم الله بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم (ومصيراً) .

قوله: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} هو نظير قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تشتهي أَنفُسُكُمْ} [فصلت: 31]، {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس} [الزخرف: 71] . فإن قيل: أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لا بد وأن يريدوها، فإذا سألوها ربهم، فإن أعطاها لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة، وإن لم يعطها قدح ذلك في قوله {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} ، وأيضاً فالأب إذا كان ولده في دركات النيران وأشد العذاب فلو اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب، (فلا بد وأن يسأل ربه أن يخلصه منه) ، فإن فعل قدح ذلك في أن عذاب الكافر مخلد، وإن لم يفعل قدح ذلك في قوله:{وَلَكُمْ فِيهَا مَا تشتهي أَنفُسُكُمْ} [فصلت: 31]، وفي قوله:( {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ} ) .

والجواب أن الله تعالى يزيل هذا الخاطر عن قلوب أهل الجنة ويشتغلون بما هم فيه من اللذات عن الالتفات إلى حال غيرهم.

قوله: «خَالِدينَ» منصوب على الحال، إما من فاعل «يَشَاءونَ» وإما من فاعل «لَهُمْ» ، لوقوعه خبراً، والعائد على «ما» محذوف، أي: لهم فيها الذي يشاءونه حال كونهم خالدين.

قوله: {كَانَ على رَبِّكَ} في اسم «كَانَ» وجهان:

أحدهما: أنه ضمير «ما يشاءون» ذكره أبو البقاء.

والثاني: أن يعود على الوعد المفهوم من قوله «وُعِدَ المُتَّقُونَ» . و «مَسْؤولاً» على المجاز، يسأل هل وفى لك أم لا، أو يسأله من وعد به.

فصل

قوله: {كَانَ على رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} يدل على أن الجنة حصلت بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق كما تقدم. وقوله: «مَسْؤولاً» أي: مطلوباً، قيل: إن المتقين سألوا

ص: 492

ربهم في الدنيا فقالوا: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ} [آل عمران: 194] وقال محمد بن كعب القرظي: الملائكة سألوا ربهم للمؤمنين بقولهم: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ} [غافر: 8] .

وقيل: إن المكلفين سألوه بلسان الحال؛ لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعة الله كان ذلك قائماً مقام السؤال، قال المتنبي:

3867 -

وَفِي النَّفْسِ حَاجَاتٌ وَفِيكَ فَطَانَةٌ

سُكُوتِي كَلَامٌ عَنْدَهَا وَخِطَابُ

وقيل: «وَعْداً مَسؤولاً» أي: واجباً وإن لم يسأل. قاله الفراء وقيل: «مَسْؤولاً» أي: من حقه أن يكون مسؤولاً، لأنه حق واجب إما بحكم الاستحقاق على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة.

ص: 493

قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} الآية قرأ ابن عامر «نَحْشَرُهُمْ

فَنَقُولُ» بالنون فيهما، وابن كثير وحفص بالياء من تحت فيهما، والباقون بالنون في الأوّل وبالياء في الثاني. وهُنّ واضحات.

ص: 493

وقرأ الأعرج «نَحْشِرهُمْ» بكسر الشين في جميع القرآن.

قال ابن عطية: هي قليلة في الاستعمال قوية في القياس، لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعُل بضم العين. وقال أبو الفضل الرازي: وهو القياس في الأفعال الثلاثية المتعدية؛ لأن يفعل بضم العين قد يكون من اللازم الذي هو فَعُل بضمها في الماضي. قال أبو حيان: وليس كما ذكرا بل فعل المُتعدي الصحيح جميع حروفه إذا لم يكن للمبالغة، ولا حلقي عين ولا لام فإنه جاء على يفعِل ويفعُل كثيراً، فإن شُهِرَ أحد الاستعمالين اتُّبع وإلا فالخيار حتى إن بعض أصحابنا خيَّر فيهما سُمِعَا للكلمة أم لم يُسْمَعَا.

قال شهاب الدين: الذي خيَّر في ذلك ابن عصفور، فيجيز أن يقول: زيد يفعِل بكسر العين، ويَضْرِب بكسر الراء مع سماع الضم في الأول والكسر في الثاني وسبقه إلى ذلك ابن درستويه (إلا أن) النحاة على خلافه.

قوله: «وَمَا يَعْبُدُونَ» عطف على مفعول «يَحْشُرُهُمْ» ، ويضعف نصبه على المعية، وغلب غير العاقل عليه فأتي ب «ما» دون «من» .

ص: 494

فصل

ظاهر قوله: «وَمَا يَعْبُدُونَ» أنها الأصنام، لأن (ما) لما لا يعقل. وظاهر قوله:{فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ} أنه من عبد من الأحياء كالملائكة والمسيح وعزير وغيرهم؛ لأن الإضلال وجد بهم فلهذا اختلفوا.

فقال مجاهد: أراد الملائكة والجن والمسيح وعزير. وقال عكرمة والضحاك والكلبي: يعني الأصنام. فقيل لهم: كيف يخاطب الله تعالى الجماد فأجابوا بوجهين:

أحدهما: أنه تعالى يخلق الحياة فيها ويخاطبها.

والثاني: أن يكون ذلك بالكلام النفساني لا بالقول اللساني بل بلسان الحال كما ذكر بعضهم في تسبيح الموات، وكلام الأيدي والأرجل، وكما قيل سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك؟ فإن لم يحصل جواباً أجابتك اعتباراً.

وقال الأكثرون: المراد الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام قالوا: ويتأكد هذا القول بقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] فإن قيل: لفظة «ما» لا تستعمل في العقلاء. فالجواب من وجهين:

الأول: لا نسلم أن كلمة «ما» لا تستعمل لمن لا يعقل؛ لأنهم قالوا: «مَنْ» لمن لا يعقل في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ} [النور: 45] .

الثاني: أنه أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبودهم.

وقال

تعالى

: {والسمآء وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5]، {وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} [الكافرون: 3] وهذا لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين.

فصل

قالت المعتزلة: (وفيه كسر بيّن لقول من يقول إن) الله يضل عباده في الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقول: إلهنا ههنا قسم ثالث

ص: 495

غيرهما هو الحق، وهو أنّك أضللتهم فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا ضلالهم إلى أنفسهم، علمنا أنه تعالى لا يضل أحداً من عباده، فإن قيل: لا نسلم أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه، وقالوا:{ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حتى نَسُواْ الذكر} ، وهذا تصريح بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما فعل الله بهم، وهو أنه تعالى متَّعهم وآباءهم بنعيم الدنيا. قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يلزم أن يصير الله محجوجاً في يد أولئك المعبودين، ومعلوم أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجاً مفحماً ملوماً.

وأجاب أهل السنة بأن القدرة على الضلالة إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من الله، وإن صلحت له لم يترجح اقتدارها للضلال على اقتدارها على الاهتداء إلا لمرجح من الله تعالى، وعند ذلك يزول السؤال.

وأما ظاهر الآية وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظوهر المطابقة لقولنا.

قوله: «هؤلاء» يجوز أن يكون نعتاً ل «عِبَادي» أو بدلاً أو بياناً.

قوله: «ضلّوا السَّبِيلَ» على حذف حرف الجر وهو «عن» كما صرح به في قوله {يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 117] ثم اتُّسع فيه فحُذِف نحو هَدَى، فإنَّه يتعدَّى ب (إلى) وقد يُحْذَف اتساعاً. و «ضلَّ» مطاوع (أَضَلَّ) . فإن قيل: إِنَّهُ تعالى كان عالماً في الأزل بحال المسؤول عنه فما فائدة هذا السؤال؟

فالجواب: هذا سؤال تقريع للمشركين كما قيل لعيسى {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله} [المائدة: 116] . فإن قيل: فما فائدة «أَنْتُمْ» ، وهلَاّ قيل: أَأَضْلَلْتُمْ عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؟

فالجواب: هذا سؤال عن الفاعل فلا بدَّ من ذكره حتى يعلم أنه المسؤول عنه.

وقوله: «أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ

أَمْ هُمْ ضَلُّوا» (إنما قدم الاسم على الفعل)

ص: 496

كما تقدم في قوله: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} [المائدة: 116] .

قوله: «يَنْبَغِي» العامة على بنائه للفاعل، وأبو عيسى الأسود القارئ «يُنْبَغَى» مبنيًّا للمفعول. قال ابن خالويه: زعم سيبويه أنَّ «يُنْبَغَى» لغة.

قوله: «أَنْ نَتَّخِذَ» فاعل «يَنْبَغِي» ، أو مفعول قائم مقام الفاعل في قراءة الأسود وقرأ العامة «نَتَّخِذَ» مبنيًّا للفاعل، و «مِنْ أَوْلِيَاء» مفعوله وزيدت فيه (مِنْ) ويجوز أن يكون مفعولاً أوَّلَ على أن (اتَّخَذَ) متعدياً لاثنين.

ويجوز أن لا تكون المتعدية لاثنين بل لواحد، فعلى هذا «مِنْ دُونِكَ» متعلق بالاتخاذ، أو بمحذوف على أنه حال من «أَوْلِيَاء» .

وقرأ أبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو رجاء، والحسن، وأبو جعفر في آخرين:«نُتَّخَذَ» مبنيًّا للمفعول. وفيه أوجه:

أحدها: أنها المتعدية لاثنين، فالأول:«هُمْ» ضمير الاثنين، والثاني: قوله: «مِن أَوْلِيَاء» و «مِنْ» للتبعيض، أي: ما كان ينبغي أن نتخذ بعض أولياء، قاله الزمخشري.

الثاني: أنَّ «مِنْ أَوْلِيَاء» هو المفعول الثاني - (أيضاً - إلَاّ أن «مِنْ» مزيدة في المفعول الثاني) . وهذا مردود بأن «مِنْ» لا تزاد في المفعول الثاني إنما تزاد في الأول. قال ابن عطية: ويضعف هذه القراءة دخول «مِنْ» في قوله: «مِنْ أَوْلِيَاء» اعترض بذلك سعيد بن جبير وغيره. قال الزجاج: أخطأ من قرأ بفتح الخاء وضم النون، لأنَّ «مِنْ» إنما تدخل في هذا الباب إذا كانت مفعولةً أولاً ولا تدخل على مفعول الحال، تقول: ما اتخذت من

ص: 497

أحدٍ ولياً، ولا يجوز ما اتخذت أحداً من وليٍّ.

الثالث: أن يكون «مِنْ أَوْلِيَاء» في موضع الحال قاله ابن جني إلَاّ أنه قال: ودخلت «مِنْ» زيادة لمكان النفي المتقدم كقولك: ما اتخذت زيداً من وكيل. فظاهر هذا أنه جعل الجار والمجرور (في موضع الحال، وحينئذ يستحيل أن تكون «مِنْ» مزيدة ولكنه يريد أن هذا المجرور) هو الحال نفسه و «مِنْ» مزيدة فيه إلَاّ أنه لا يحفظ زيادة «مِنْ» في الحال وإن كانت منفية وإنما حفظ زيادة الباء فيها على خلاف في ذلك. فإن قيل: هذه القراءة غير جائزة، لأنه لا مدخل لهم في أن يتخذهم غيرهم أولياء. قلنا: المراد أنا لا نصلح لذلك، فكيف ندعوهم إلى عبادتنا؟ وقرأ الحجاج: نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ [أولياء] فبلغ عاصماً فقال: مَقَّتَ المُخْدجُ، أو ما علم أنَّ فيها «مِنْ» .

فصل

أجابوا بقولهم: «سُبْحَانَكَ» . وفيه وجوه:

أحدها: أنه تعجب منهم، تعجبوا مما قيل لهم؛ لأنهم ملائكة، والأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختصٌّ بإبليس وجنوده.

وثانيها: أنهم نطقوا ب «سُبْحَانَكَ» ليدلوا على أنهم المسبحون الموسومون بذلك، فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده.

ص: 498

وثالثها: قصدوا بالتسبيح تنزيهه عن الأنداد سواء كان المسبح وثناً أو نبياً أو ملكاً.

ورابعها: قصدوا تنزيهه أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو إبراء من كان بريئاً من الجرم، بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.

وقولهم: {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ} .

معناه: إذا كنا لا نرى أن يتخذ من دونك ولياً، فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك، أي ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك.

وقيل: ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين. وقيل: ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء، أي: إنا علمنا أنك لا ترضى بهذا فما فعلنا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: قالت الملائكة: (إنَّا وهم عبيدك، ولا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دون إذنك ولياً ولا حبيباً فضلاً عن أن يتخذ عبداً آخر إلهاً. وقيل: قالت الأصنام) : إنا لا يصلح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادعاؤنا من المعبودين.

قوله: «وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ» . لمَّا تضمَّن كلامهم أنَّا لم نضلهم ولم نحملهم على الضلال حسن هذا الاستدراك، وهو أن ذكروا سببه، أي: أنعمت عليهم وتفضلت فجعلوا ذلك ذريعةً إلى ضلالهم عكس القضية. والمعنى متعتهم وآباءهم في الدنيا بطول العمر والصحة والنعمة. {حتى نَسُواْ الذكر} تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن. وقيل: تركوا ذكرك وغفلوا عنه.

قوله: {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً} أي: هلكى غلب عليهم الشقاء والخذلان. و «بُوراً» يجوز فيه وجهان:

أحدهما: أنه جمع بائر كعائذ وعوذ.

والثاني: أنه مصدر في الأصل كالزور، فيستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، وهو من البوار والهلاك.

وقيل من الفساد، وهي لغة الأزد، يقولون: بَارَتْ بِضَاعَتَهُ أي: فسدت، وأمرنا بائر، أي: فاسد، وهذا معنى قولهم: كسدت البضاعة.

وقال الحسن: هو من قولهم: أرض بورٌ، أي: لا نبات بها. وهذا يرجع إلى معنى الهلاك والفساد.

ص: 499

قوله تعالى: «فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ» هذا خطاب مع المشركين، أي: كَذَّبَكُمُ المعبودون في قولكم إنهم آلهة وإنهم أضلوكم. وقيل: خطاب للمؤمنين في الدنيا، أي: فقد كذبوكم أيها المؤمنون الكفار بما تقولون من التوحيد في الدُّنيا، وهو معنى قوله «بِما تَقُولُونَ» . وهذه الجملة من كلام الله تعالى اتفاقاً، فهي على إضمار القول والالتفات. قال الزمخشري: هذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنةٌ رائعةٌ وخاصة إذا انضمَّ إليها الالتفات وحذف القول، ونحوها قوله:{يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ [فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ] } [المائدة: 19]، وقول القائل:

3868 -

قالوا خُراسَانُ أَقْصَى مَا يُرَادُ بِنَا

ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانَا

انتهى.

يريد أنَّ الأصل في الآية الكريمة فقلنا فقد كذبوكم، وفي البيت: فقلنا قد جئنا. وقرأ أبو حيوة وقنبل في رواية ابن أبي الصلت عنه بالياء من تحت، أي:«فَقَدْ كَذَبَكُم الآلِهَةُ بِمَا يَقُولُونَ (سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ» إلى آخره وقيل: المعنى: فقد كذبكم أيها المؤمنون الكفار بما يقولون) من الافتراء عليكم.

قوله: «فَمَا يَسْتَطِيعُونَ» .

قرأ حفص بتاء الخطاب، والمراد عبَّادها، والمعنى فما تستطيعون أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم. وقيل: الصرف: التوبة، وقيل: الحيلة.

ص: 500

وقرأ الباقون باء الغيبة، والمراد الآلهة التي كانوا يعبدونها من عاقل وغيره، ولذلك غلب العاقل وأتى بواو الضمير، والمعنى: فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب وأن يحتالوا لكم.

قوله: {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ} . قرأ العامة «نُذِقْهُ» بنون العظمة، وقرئ بالياء، وفي الفاعل وجهان:

أظهرهما: أنه الله تعالى لدلالة قراءة العامة على ذلك.

والثاني: أنه ضمير الظلم المفهوم من الفعل، وفيه تجوز بإسناد إذاقة العذاب إلى سببها وهو الظلم، والمعنى: ومن يشرك منكم نذقه عذاباً كبيراً.

فصل

تمسك المعتزلة بهذه الآية (في القطع بوعيد أهل الكبائر، قالوا: ثبت أن كلمة «مَنْ» في معرض الشرط للعموم، وثبت أن الكافر ظالم لقوله {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ، والفاسق ظالم لقوله: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فأولئك هُمُ الظالمون} [الحجرات: 11] فثبت بهذه الآية) أن الفاسق لا يعفى عنه بل يعذب لا محالة.

والجواب: أنا لا نسلم أن كلمة «مَنْ» في معرض الشرط للعموم، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، سلمنا أنه للعموم لكن قطعاً أم ظاهراً؟ ودعوى القطع ممنوعة، فإنا نرى في العرف العام والاستعمال المشهور استعمال صيغ العموم مع إرادة الأكثر أو لأن المراد أقوام معينون ويدل عليه قوله تعالى {إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] ثم إن كثيراً من الذين كفروا قد آمنوا فلا دافع أن يقال: قولنا «الَّذِينَ كَفَرُوا» كان يفيد العموم، لكن المراد منه إمَّا الغالب أو المراد منه أقوام مخصصون.

وعلى التقديرين ثبت أن استعمال ألفاظ العموم في الأغلب عرف ظاهر وإذا كان كذلك كانت دلالة هذه الصيغ على العموم دلالة ظاهرة لا قاطعة، وذلك لا ينفي تجويز العفو.

ص: 501

سلمنا دلالته، لكن أجمعنا على أن قوله:{وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ} مشروط بأن لا يزيل ذلك الظلم بتوبة أو بطاعة هي أعظم من ذلك الظلم، فيرجع حاصل الأمر إلى أن قوله:«يَظْلِمْ مِنْكُمْ» مشروط بأن لا يعاجل ما يزيله وعند هذا فنقول: هذا مسلم، لكن لم قلتم: إنه لم يوجد ما يزيله؟ فإن العفو عندنا أحد الأمور الثلاثة التي تزيله، وذلك هو أول المسألة سلمنا دلالته على ما قال ولكنه معارض بآيات الوعد كقوله:{إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفردوس نُزُلاً} [الكهف: 107] .

فإن قيل: آيات الوعيد أولى، لأن السارق يُقْطع على سبيل التنكيل، وإذا ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق الثواب محبط لما بينا أن الجمع بين الاستحقاقين محال. قلنا: لا نسلم أنَّ السارق يقطع على سبيل التنكيل، ألا ترى أنه لو تاب فإنه (لا) يقطع على سبيل التنكيل (بل على سبيل المحنة) .

نزلنا عن هذه المقامات، ولكن قوله تعالى:{وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ} خطاب مع قوم مخصوصين معينين، فهب أنه لا يعفو عن غيرهم.

قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين} الآية هذا جواب عن قولهم: {مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق} [الفرقان: 7] أي: هذه عادة مستمرة من الله تعالى في كل رسله فلا وجه لهذا الطعن.

قوله: {إِلَاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ} حق الكلام أن يقال: إلَاّ أنَّهُمْ. بفتح الألف، لأنه متوسط، والمكسورة لا تليق إلَاّ بالابتداء، فلهذا ذكروا في هذه الجملة ثلاثة أوجه:

أحدها: أنها في محل نصب صفة لمفعول محذوف، فقدره الزجاج والزمخشري:«وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ أحَداً مِن المُرْسَلِين إلا آكِلِين وَمَاشِينَ» . وإنما حذف، لأن في قوله:«مِنَ المُرْسَلِينَ» دليلاً عليه، نظيره قوله تعالى:{وَمَا مِنَّآ إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 164] بمعنى: مَا مِنَّا أحدٌ. وقدره ابن عطية: رجالاً أو رسلاً. والضمير في «إنَّهم» وما بعده عائد على هذا الموصوف المحذوف.

والثاني: قال الفراء: إنها لا محل لها من الإعراب، وإنما هي صلة لموصول

ص: 502

محذوف هو المفعول (ل «أَرْسَلْنَا» )، تقديره: إلا من أنهم. فالضمير في «إنَّهُمْ» وما بعده عائد على معنى «مَنْ» المقدرة، واكتفي بقوله:«مِنَ المُرْسَلِينَ» عنه كقوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا (كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً) } [مريم: 71]، أي: إلَاّ من يردها.

فعلى قول الزجاج الموصوف محذوف، وعلى قول الفراء الموصول هو المحذوف، ولا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة عند البصريين إلَاّ في مواضع، تقدَّم التنبيه عليها في البقرة.

الثالث: أن الجملة محلها النصب على الحال، وإليه ذهاب ابن الأنباري قال: التقدير: إلَاّ وإنهم، يعني أنها حالية، فقدَّر معها الواو بياناً للحالية، فكسر بعد استئناف. وردَّ بكون ما بعد «إلَاّ» صفة لما قبلها، وقدره أبو البقاء أيضاً. والعامة على كسر «إنَّ» ، لوجود اللام في خبرها، ولكون الجملة حالاً على الراجح. قال أبو البقاء: وقيل: لَوْ لَمْ تكن اللام لكسرت أيضاً لأن الجملة حالية، إذ المعنى: إلَاّ وَهُمْ. وقيل: المعنى: إلا قيل أنهم.

وقرئ «أنَّهُمْ» بالفتح على زيادة اللام وأن مصدرية، والتقدير: إلَاّ لأنَّهُمْ أي: ما جعلنا رسلاً إلى الناس إلا لكونهم مثلهم.

وقرأ العامة «يَمْشُونَ» خفيفة، وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وعبد الله «يُمَشُّونَ» مشدداً مبنيًّا للمفعول، أي: تُمَشِّيهِمْ حَوَائِجُهُمْ أو الناس.

وقرأ عبد الرحمن: «يَمشُّونَ» بالتشديد مبنيًّا للفاعل، وهي بمعنى «يَمْشُونَ» قال الشاعر:

3869 -

وَمَشَّى بِأَعْطَانِ المِيَاهِ وابْتَغَى

قَلَائِصَ مِنْهَا صَعْبَةٌ وَرَكُوبُ

ص: 503

قال الزمخشري: ولو قرئ «يَمَشُّونَ» لكان أوجه لولا الرواية. يعني بالتشديد.

قال شهاب الدين: قد قرأ بها السُّلَمِيّ ولله الحمد.

فصل

روى الضحاك عن ابن عباس قال: لمَّا عيَّر المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - وقالوا: {مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق} [الفرقان: 7] أنزل الله هذه الآية. يعني: ما أنا إلا رسول، وما كنت بدعاً من الرسل، وهم كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، كما قال في موضع آخر:{مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} [فصلت: 43] . {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} أي: بلية، فالغني فتنة للفقير، (ويقول الفقير) : ما لي لم أكن مثله؟ والصحيح فتنة للمريض، والشريف فتنة للوضيع. قال ابن عباس: أي: جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم، وترون من خلافهم وتتبعون الهدى.

وقال الكلبي والزجاج والفراء: نزلت في رؤساء المشركين وفقراء الصحابة فإذا رأى الشريف الوضيع قد أسلم قبله أَنِفَ أن يسلم، وأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه، ويدل عليه قوله تعالى:{لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11] وقيل: هذا عام في جميع الناس، روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم َ - قال:«ويل للعالم من الجاهل، وويل للسلطان من الرعية، (وويل للرعية من السلطان) ، وويل للمالك من المملوك، وويل للشديد من الضعيف، وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة» وقرأ هذه الآية.

وروي عن ابن عباس والحسن هذا في أصحاب البلاء والعافية (هذا يقول لِمَ لَمْ أجعل مثله) في الخلق، والخلق، وفي العقل، وفي العلم، وفي الرزق، وفي الأجل.

وقيل: هذا احتجاج عليهم في تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته لهم في البشريّة وصفاتها، فالمرسلون يتأذون من المرسل إليهم بأنواع الأذى على ما قال:{وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً} [آل عمران: 186] ،

ص: 504

والمرسل إليهم يتأذون أيضاً (من الرسل) بحسب الحسد، وصيرورته مكلفاً بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيساً مخدوماً.

والأولى حمل الآية على الكل، لأن بين الجميع قدراً مشتركاً.

قال عليه السلام: «إذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ في المَالِ والجَسدِ فَلْيَنْظُرْ إلَى مَنْ دُونَهُ في المالِ والجَسَدِ» .

قوله: {أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} . «أَتَصْبِرُونَ» المعادل محذوف، أي: أم لا تصبرون وهذه الجملة استفهام، والمراد منه: التقرير بأن موقعه بعد الفتنة موقع أيّكم بعد الابتلاء في قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: 7] بمعنى: أنها معلِّقة لما فيها من معنى فعل القلب، فتكون منصوبة المحل على إسقاط الخافض والمعنى:«أَتَصْبِرُونَ» على البلاء، فقد علمتم ما وعد الصابرون، {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} أي: عالم بمن يصبر، وبمن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب.

ص: 505

قوله تعالى: {وَقَالَ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} الآية. هذه هي الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم َ - وحاصلها: لم (لم) تنزَّل الملائكة حتى يشهدوا أن محمداً محق في دعواه، {أَوْ نرى رَبَّنَا} حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا؟

فصل

قال الفراء: قوله تعالى: {وَقَالَ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} أي: لا يخافون

ص: 505

لقاءنا، فوضع الرجال موضع الخوف لغة تهاميّة إذا كان معه جحدٌ، ومنه قوله تعالى:{مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} [نوح: 13] أي: لا تخافون لله عظمةً

قال القاضي: لا وجه لذلك، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز، والمعلوم من حال عبّاد الأصنام أنهم كانوا لا يخافون العقاب، لتكذيبهم (بالمعاد) ، فكذلك لا يرجون الثواب لمثل ذلك، فقوله:{لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} محمول على الحقيقة، وهو أنهم لا يرجون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب والجنة، ومعلوم أن من لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب أيضاً، فالخوف تابع (للرجاء) .

فصل

دلَّ ظاهر الآية على جواز الرؤية، لأن اللقاء جنس تحته أنواع، أحد أنواعه الرؤية، والآخر الاتصال والمماسّة. وهما باطلان، فدلَّ على جواز الرؤية، لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي فسمي الرؤية لقاء. وقالت المعتزلة: تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة، لأنه يقال في الدعاء: لقاك الله الخير. ويقول القائل: لم أَلْقَ الأمير. وإن رآه من بعد إذا حجب عنه، ويقال في الضرير: لقي الأمير إذا أذن له ولم يحجب، وقد يلقاه في الليلة الظلماء ولا يراه، بل المراد من اللقاء هنا المصير إلى حكمه حيث لا حكم لغيره في يوم {لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} [الانفطار: 19] لا أنه رؤية البصر. قال ابن الخطيب وهذا كلام ضعيف، لأنَّ اللفظ الموضوع لمعنى مشترك بين معان كثيرة ينطلق على كل واحد من تلك المعاني، فيصح قوله: لقاك الخير، ويصح قول الأعمى: لقيت الأمير، ويصح قول البصير: لقيته (بمعنى رأيته، وما لقيته) بمعنى ما وصلت إليه، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: {وَقَالَ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} مذكور في معرض الذم لهم، فوجب أن يكون رجاء اللقاء حاصلاً، ومسمى اللقاء مشترك بين الوصول المكاني وبين الوصول بالرؤية، وقد بطل الأول فتعيّن الثاني.

ص: 506

وقولهم: المراد من اللقاء الوصول إلى حكمه. صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل، فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها، بل على أنّ إنكار الرؤية ليس إلا من دين (الكفار) .

قوله: «لَوْلَا أُنْزِلَ» : هلاّ أنزل «عَلَيْنَا المَلَائِكَةُ» فيخبرونا أن محمداً صادق {أَوْ نرى رَبَّنَا} فيخبرنا بذلك {لَقَدِ استكبروا في أَنفُسِهِمْ} (أي: تعظموا في أنفسهم) بهذه المقالة.

قال الكلبي ومقاتل: نزلت الآية في أبي جهل والوليد وأصحابهما المنكرين للنبوة والبعث.

قوله: «عُتُواً» مصدر وقد صحَّ هنا وهو الأكثر وأُعِلَّ في مريم في «عِتِيًّا» ، لمناسبة ذكرت هناك، وهي تواخي رؤوس الفواصل.

فصل

قال مجاهد: «عُتُوًّا» طغواً. وقال مقاتل: «عتوًّا» غلوًّا في القول.

والعتو: أشد الكفر وأفحش الظلم، وعتوهم طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به.

وقوله: «فِي أَنْفُسِهِمْ» ، لأنهم أضمروا الاستكبار في قلوبهم واعتقدوه، كما قال:{إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَاّ كِبْرٌ مَّا هُم (بِبَالِغِيهِ) } [غافر: 56] . وعتوا: تجاوزوا الحد في الظلم.

فصل

وهذا جواب عن شبهتهم وبيانه من وجوه:

أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد تمت نبوة محمد عليه السلام فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض التعنت والاستكبار.

ص: 507

وثانيها: أنَّ نزول الملائكة لو حصل لكان أيضاً من جملة المعجزات، فل يدل على الصدق لخصوص كونه نزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك المعجز وردّ المعجز الآخر ترجيحاً لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد فائدة ومرجِّح، وهو محض الاستكبار والتعنت.

وثالثها: أنهم بتقدير أن يروا الرب، ويسألوه عن صدق محمد عليه السلام وهو سبحانه يقول: نعم هو رسولي، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار المعجز على يد محمد عليه السلام لأنَّا بيَّنَّا أن المعجزة تقوم مقام التصديق بالقول، إذ لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول: اللهم إن كنت صادقاً فأحْيِ هذا الميت، فيحييه الله تعالى، (والعادة لم تجر بمثله)، وبين أن يقول له: صدقت. وإذا كان التصديق بالقول والتصديق الحاصل بالمعجز (سيّين) في كونه تصديقاً للمدعى، كان تعيين أحدهما محض استكبار وتعنت.

ورابعها: يمكن أن يكون المراد أنَّ الله تعالى قال: لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت، فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به، فلا جرم لا أعطيهم ذلك.

وخامسها: لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن الله لا يُرَى، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل الاستهزاء.

فصل

استدل المعتزلة بهذه الآية على عدم الرؤية، لأنّ رؤيته لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً. قالوا: فقوله: {لَقَدِ استكبروا في أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} ليس إلا لأجل سؤال الرؤية، واستعظم في آية أخرى قولهم:{لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة} [البقرة: 55] . فثبت أن الاستكبار والعتو هاهنا إنما حصل لأجل سؤال الرؤية، وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة. ونقول هاهنا: إنّا بينا أن قوله: {وَقَالَ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} يدل على الرؤية، وأمّا الاستكبار والعتو فلا يدل ذلك على أن الرؤية

ص: 508

مستحيلة، لأنَّ من طلب شيئاً محالاً لا يقال: إنه عَتَا واستكبر، ألا ترى قولهم:

{اجعل

لَّنَآ

إلها

كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتوًّا واستكباراً بل قال: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] .

ومما يدل على ذلك أن موسى عليه السلام لما قال: {رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] ما وصفه الله بالاستكبار والعتوّ، لأنه عليه السلام طلب الرؤية شوقاً، وهؤلاء لمَّا طلبوها امتحاناً وتعنتاً لا جرم وصفهم بذلك.

قوله: «يَوْمَ يَرَونَ» فيه أوجه:

أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه قوله: «لَا بُشْرَى» أي: يُمْنَعُونَ البُشْرَى يَوْمَ يَرَونَ.

الثاني: أنه منصوب ب (اذكر) ، فيكون مفعولاً به.

الثالث: أنَّه منصوب ب (يعذبون مقدراً.

ولا يجوز أن يعمل فيه نفس «البُشْرَى» لوجهين:

أحدهما: أنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله.

والثاني: أنَّها منفية ب (لا) ، (وما بعد (لا)) لا يعمل فيما قبلها.

قوله: «لَا بُشْرَى» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، أي: يَرَون الملائكة يقولون لا بُشْرَى، فالقول حال من «المَلَائِكَة» ، وهو نظير التقدير في قوله:{وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ} [الرعد: 23] إلى قوله: {سَلَامٌ عَلَيْكُم} [الرعد: 24] .

قال أبو حيان: واحتمل «بُشْرَى» أن يكون مبنيًّا مع «لَا» ، واحتمل أن يكون في نية التنوين منصوب اللفظ، ومنع من الصرف للتأنيث اللازم فإنه كان مبنيًّا مع «لا» احتمل أن يكون «يَوْمَئِذٍ» خبراً و «لِلْمُجْرِمِينَ» خبراً بعد خبر، أو نعتاً ل «بُشْرَى» ،

ص: 509

أو متعلقاً بما تعلَّق به الخبر، وأن يكون «يَوْمَئِذٍ» صفة ل «بُشْرَى» والخبر «لِلْمُجْرِمِينَ» ، ويجيء خلاف سيبويه والأخفش هل الخبر لنفس «لَا» أو الخبر للمبتدأ الذي هو مجموع «لَا» وما بني معها.

وإن كان في نية التنوين وهو معرب، (جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ» ، و «لِلْمُجْرِمِينَ» خبرين، و) جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ» خبراً و «لِلْمُجْرِمِينَ» صفة، والخبر إذا كان الاسم ليس مبنياً لنفس «لَا» بإجماع. قال شهاب الدين: قوله: واحتمل أن يكون في نية التنوين إلى آخره لا يتأتَّى إلَاّ على قول أبي إسحاق، وهو أنه يرى أنَّ اسم (لَا) النافية للجنس معربٌ، ويعتذر عن حذف التنوين بكثرة الاستعمال ويستدل عليه بالرجوع إليه في الضرورة، وينشد:

3870 -

أَلَا رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً

ويتأوله البصريون على إضمار: ألا ترونني رجلاً، وكان يمكن الشيخ أن يجعله معرباً كما ادّعى بطريق أخرى، وهو: أن يجعل «بُشْرَى» عاملة في «يَوْمَئِذٍ» أو في «لِلْمُجْرِمِينَ» ، فيصير من قُبَيْل المطوَّل، والمطوَّل معربٌ، لكنه لم يلم بذلك، وسيأتي شيء من هذا في كلام أبي البقاء رحمه الله.

ويجوز أن يكون «بُشْرَى» معرباً منصوباً بطريق أخرى، وهي أن تكون منصوبة بفعل مقدَّر، أي: لا يُبَشَّرُونَ بُشْرَى، كقوله تعالى:{لَا مَرْحَباً (بِهِمْ) } [ص: 59] ، (و) لا أهلاً ولا سهلاً، إلَاّ أن كلام الشيخ لا يمكن تنزيله على هذا لقوله: جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ» و «لِلْمُجْرِمِينَ» خبرين، فقد حكم أن لها خبراً، وإذا جُعِلَت منصوبة بفعل مقدر لا

ص: 510

يكون [ل (لا) ] حينئذ خبر، لأنها داخلة على ذلك الفعل المقدر، وهذا موضع حسنٌ.

قوله: «يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ» قد تقدَّم في «يَوْمَئِذٍ» أوجه: وجوَّز أبو البقاء أن يكون منصوباً ب «بُشْرَى» ، قال: إذا قدَّرت أنها منونة غير مبنيَّة مع (لا)، ويكون الخبر «لِلْمُجْرِمِينَ» . وجوَّز - أيضاً - هو والزمخشري أن يكون «يَوْمَئِذٍ» تكريراً ل «يَوْم) يَرَوْنَ» وردَّه أبو حيان سواء أريد بالتكرير التوكيد اللفظيّ أم أريد به البدل قال: لأنَّ «يَوْمَ» منصوب بما تقدم ذكره من (اذكر)(أو من)(يَعْدَمُونَ) البشرى، وما بعد (لَا) العاملة في الاسم لا يعمل فيه ما قبلها، وعلى تقدير ما ذكراه يكون العامل فيه ما قبل (لَا) . وما ردَّه ليس بظاهر، لأنَّ الجملة المنفية معمولةٌ للقول المضمر الواقع حالاً من «المَلَائِكَةِ» ، و «الملائكة» معمولةٌ ل «يَرَوْنَ» ، و «يَرَوْنَ» معمول ل «يَوْمَ» خُصِّصَا بالإضافة، ف (لا) وما في حيزها من تتمة الظرف الأول من حيث إنها معمولة لبعض ما في حيزه، فليست بأجنبية ولا مانعةٍ من أن يعمل ما قبلها فيما بعدها.

والعجب له كيف تخيل هذا وغفل عما تقدم فإنه واضح مع التأمل. و «لِلْمُجْرِمِينَ» من وضع الظاهر موضع المضمر شهادةً عليهم بذلك. والضمير في «يقُولُونَ» يجوز عوده للكفار (أو للملائكة) . و «حِجْراً» من المصادر الملتزم إضمار ناصبها، ولا يتصرَّف فيه نحو معاذ الله، وقعدك، وعمرك، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوٍّ وهجوم نازلة، ونحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة، قال سيبويه: ويقول الرجل للرجل: أتفعل كذا فيقول: حِجْراً وهي من حجره: إذا منعه، لأنَّ المستعيذ

ص: 511

طالب من الله أن يمنع المكروه ولا يلحقه، وكان المعنى: أسأل الله أن يمنعه منعاً ويحجره حجراً. والعامة على كسر الحاء، والضحاك، والحسن، وأبو رجاء على ضمِّها وهو لغة فيه.

قال الزمخشري: ومجئيه على فِعْل أو فُعْل في قراءة الحسن تصرُّفٌ فيه لاختصاصه بموضع واحد كما كان قعدك وعمرك كذلك وأنشد لبعض الرجاز:

3871 -

قَالَتْ وَفِيهَا حَيْدَةٌ وذُعْرُ

عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكُم وَحُجْرُ

وهذا الذي أنشده الزمخشري يقتضي تصرُّف «حِجْراً» . وقد تقدم نص سيبويه على أنه يلتزم النصب. وحكى أبو البقاء فيه لغةً ثالثةً وهي الفتح، قال: وقد قرئ بها. فعلى هذا كمل فيه ثلاثة لغاتٍ مقروء بهنَّ.

و «مَحْجُوراً» صفة مؤكدة للمعنى كقولهم: ذيل ذائل، والذيل: الهوان، ومَوْتٌ مَائِتٌ، والحِجْرُ: العقل، لأنه يمنع صاحبه.

فصل

قوله: {يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة} عند الموت. قاله ابن عباس، وقال الباقون: يريد يوم القيامة {لَا بشرى يَوْمَئِذٍ} للكافرين. قالت المعتزلة: الآية تدلّ على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو، قوله: «لَا بُشْرَى

لِلْمُجْرِمِينَ» نكرة في سياق النفي فتعمّ

ص: 512

جميع أنواع البشر في جميع الأوقات، بدليل أن من أراد تكذيب هذه القضية قال: بل له بُشْرَى في الوقت الفلاني، فلما كان ثبوت البشرى في وقت من الأوقات يذكر لتكذيب هذه القضية، علمنا أن قوله:«لَا بُشْرَى» يقتضي نفي جميع البشرى في كل الأوقات، وشفاعة الرسول لهم من أعظم البشرى فوجب أن لا يثبت ذلك لأحد من المجرمين، والكلام على التمسك بصيغ العموم، وقد تقدم مراراً.

فصل

اختلفوا في القائلين «حِجْراً مَحْجُوراً» : فقال ابن جريج: كانت العرب إذا نزلت بهم شدة، ورأوا ما يكرهون، قالوا:«حِجْراً مَحْجُوراً» ، فهم يقولونه إذا عاينوا الملائكة.

قال مجاهد: يعني: عوذاً مَعَاذاً، فيستعيذون به من الملائكة.

وقال ابن عباس: تقول الملائكة: حراماً محرماً أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله. قال مقاتل: إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة «حِجْراً مَحْجُوراً» أي: حرام محرم عليكم أن تكون لكم البشرى.

قوله: {وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} أي: وعمدنا إلى عملهم.

قوله: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} . الهَبَاءُ والهَبْوَةُ: التراب الدقيق. قاله ابن عرفة.

قال الجوهري: يقال فيه: هَبَا يَهْبُو: إذا ارتفع، وأَهْبَبْتُهُ أَنَا إِهْبَاءً.

وقال الخليل والزجاج: هو مثل الغبار الداخل في الكوَّة يتراءى مع ضوء الشمس فلا يمس بالأيدي ولا يرى في الظل. وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد.

ص: 513

وقيل: الهَبَاءُ ما تطاير من شرر النَّار إذا أُضْرِمَتْ، والواحدة هباءة على حد تَمْر وتَمْرَة. و «مَنْثُوراً» أي: مفرَّقاً، نثرت الشيء فرَّقته. والنَّثْرَةُ لنجوم متفرقة. والنَّثْرُ: الكلام غير المنظوم على المقابلة بالشعر.

قال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح، وتذريه من التراب، (وحطام الشجر) .

وقال مقاتل: هو ما يسطع من حوافر الدواب عند السير.

وفائدة الوصف به أنَّ الهَبَاءَ تراه منتظماً مع الضوء، فإذا حرّكته تفرَّق، فجيء بهذه الصفة لتفيد ذلك.

وقال الزمخشري: أو مفعول ثالث ل «جَعَلْنَاهُ» أي: فَجَعَلْنَاهُ جامعاً لحقارة الهَبَاء والتناثر، كقوله:«كُونُوا» {قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 66] أي: جامعين للمسخ والخسأ.

قال أبو حيان: وخالف ابن درستويه، فخالف النحويين في منعه أن يكون ل (كان) خبران وأزيد، وقياس قوله في (جعل) أن يمنع أن يكون لها خبر ثالث.

قال شهاب الدين: مقصوده أن كلام الزمخشري مردودٌ قياساً على ما منعه ابن درستويه من تعديد خبر (كَانَ) .

قوله: {أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} أي: من هؤلاء المشركين المستكبرين. «وَأَحْسَن مَقِيلاً» موضع قائلة. وفي (أَفْعَل) هاهنا قولان:

أحدهما: أنها على بابها من التفضيل، والمعنى: أن المؤمنين خير في الآخرة

ص: 514

مُسْتَقَراً من مُسْتَقَرِّ الكفار «وَأَحْسَنُ مَقِيلاً» من مقيلهم، لو فرض أن يكون لهم.

والثاني: أن يكون لمجرَّد الوصف من غير مفاضلةٍ.

فصل

قال المفسرون: يعني أن أهل الجنة لا يمرّ بهم يوم إلا قدر النهار من أوله إلى قدر القائلة حتى يسكنوا مساكنهم من الجنة.

قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وقرأ:«ثُمَّ إن مَقِيلَهُمْ لإلى الجَحِيمِ» وهكذا كان يقرأ.

وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب ذلك اليوم في أوله. وقال قوم: حين قالوا في منازلهم.

قال الأزهري: القيلولة والمقيل: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن مع ذلك نوم، لأن الله قال:«وَأَحْسَنُ مَقِيلاً» والجنة لا نوم فيها.

وروي «أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس» .

ص: 515

قوله: «وَيَوْمَ تَشَقَّقُ» العامل في «يَوْمَ» إمّا (اذكر) ، وإمّا ينفرد الله بالمُلْكِ يَوْمَ تشقق، لدلالة قوله:{الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن} عليه. وقرأ الكوفيون وأبو عمرو [هنا وفي (ق)«تَشَقَّقُ» بالتخفيف، والباقون بالتشديد، وهما واضحتان،

ص: 515

حذف الأولون] تاء المضارعة أو تاء التفعل على خلاف في ذلك، والباقون أدغموا تاء التفعل في الشين لما بينهما من المقاربة، وهما ك «تَظَاهَرُونَ» و «تَظَّاهَرُونَ» حذفاً وإدغاماً، وقد مضى في البقرة. قوله:«بِالغَمَامِ» في هذه الباء ثلاثة أوجه:

أحدها: على السببية، أي: بسبب الغمام، يعني بسبب طلوعها منها، ونحوه السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً {السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} [المزمل: 18] كأنه الذي يتشقق به السماء.

الثاني: أنها للحال، أي: مُلتَبِسَةً بالغمام.

الثالث: أنها بمعنى (عَنْ)، أي: عن الغَمَام كقوله: { (يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرض عَنْهُمْ) } [ق: 44] ، [والباء وعن يتعاقبان، تقول: رميت عن القوس وبالقوس] .

قوله: «وَنُزِّلَ المَلَائِكَةُ» فيها اثنتا عشرة قراءة ثنتان في المتواتر، وعشر في الشاذ. فقرأ ابن كثير من السبعة «وَنُنْزِلُ» بنون مضمومة ثم أخرى ساكنة وزاي خفيفة مكسورة مضارع (أَنْزَلَ) ، و «المَلَائِكَةَ» بالنصب مفعول به، وكان من حق المصدر أن يجيء بعد هذه القراءة على (إِنْزَال) . قال أبو علي: لما كان (أَنْزَلَ) و (نَزَّلَ) يجريان مجرى واحداً أجزأ مصدر أحدهما عن مصدر الآخر، وأنشد:

3872 -

وَقَدْ تَطَوَّيْتُ انْطِوَاءَ الحِضْبِ

ص: 516

لأنَّ تَطَوَّيْتُ وانْطَويْتُ بمعنى، ومثله:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [المزمل: 8][أي: تَبَتُّلاً] وقرأ الباقون من السبعة «وَنُزِّلَ» بضم النون وكسر الزاي المشددة وفتح اللام ماضياً مبنيًّا للمفعول، «المَلَائِكَةُ» بالرفع لقيامه مقام الفاعل، وهي موافقةٌ لمصدرها.

وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء «وَنَزَّلَ» بالتشديد ماضياً مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، «المَلَائِكَةَ» مفعول به. وعنه - أيضاً - «وَأَنْزَلَ» مبنيًّا للفاعل عداه بالتضعيف مرة، وبالهمزة أخرى، والاعتذار عن مجيء مصدره على التفعيل كالاعتذار عن ابن كثير. وعنه - أيضاً - «وَأُنْزِلَ» مبنيًّا للمفعول.

وقرأ هارون عن أبي عمرو «وَتُنَزِّلُ المَلَائِكَةُ» بالتاء من فوق وتشديد الزاي ورفع اللام مضارعاً مبنيًّا للفاعل، «المَلَائِكَةُ» بالرفعِ مضارع «نَزَّلَ» بالتشديد، وعلى هذه القراءة، فالمفعول محذوف، أي: وتُنَزِّلُ المَلَائِكَةُ ما أُمِرَتْ أن تُنَزِّله.

وقرأ الخفَّاف عنه، وجناح بن حبيش «وَنَزَلَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، «المَلَائِكَةُ» بالرفع. وخارحة عن أبي عمرو - أيضاً - وأبو معاذ «ونُزِّلَ» بضم النون وتشديد الزاي، ونصب «المَلَائِكَةَ» ، والأصل: ونُنْزِلُ بنونين حذفت (إحداهما) وقرأ أبو عمرو

ص: 517

وابن كثير في رواية عنهما بهذا الأصل «ونُنَزِّلَ» بنونين وتشديد الزاي.

وقرأ أُبيّ «وَنُزِّلَتْ» بالتشديد مبنيًّا للمفعول، «وَتُنُزِّلَتْ» بزيادة تاء في أوله، وتاء التأنيث (فيهما) .

وقرأ أبو عمرو في طريقة الخفاف عنه «وَنُزِلَ» بضم النون وكسر الزاي خفيفة مبنيًّا للمفعول. قال صاحب اللوامح: فإن صحت هذه القراءة فإنه حذف منها المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، تقديره: ونُزِلَ نُزُول الملائكة، فحذف النزول ونقل إعرابه إلى «المَلَائِكَة» بمعنى: نَزَلَ نَازِلُ الملائكة، لأنَّ المصدر يجيء بمعنى الاسم، وهذا مما يجيء على مذهب سيبويه ترتيب بناء اللازم للمفعول به، لأنَّ الفعل يدل على مصدره. قال شهاب الدين: وهذا تمحُّلٌ كثير دعت إليه ضرورة الصناعة. وقال ابن جني: وهذا غير معروف، لأنَّ (نَزَلَ) لا يتعدى إلى مفعول فيبنى هنا للملائكة، ووجهه أن يكون مثل زكم الرَّجُلُ وجنَّ، فإنه لا يقال إلا أزكمه، وأجنّه الله، وهذا باب سماع لا قياس. ونظير هذه القراءة ما تقدم في سورة الكهف في قراءة من قرأ {فَلَا يَقُومُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً} بنصب الوزن من حيث تعدية القاصر، وتقدم ما فيها.

فصل

الغَمَامُ: هو الأبيض الرقيق مثل الضباب، ولم يكن إلَاّ لبني إسرائيل في تيههم. والألف واللام في «الغمام» ليس للعموم بل للمعهود، وهو ما ذكره في قوله:{هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام} [البقرة: 210] قال ابن عباس: تتشقق

ص: 518

سماء الدنيا فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، [ثم تشقق السماء ثانية، فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الدنيا ومن الجن والإنس] ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكَرُوبِيُّون، ثم حملة العرش.

فإن قيل: ثبت بالقياس أن نسبة الأرض إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، فكيف بالقياس إلى الكرسي والعرش، فملائكة هذه المواضع (بأسرها، فكيف تتسع الأرض لكل هؤلاء) ؟

فالجواب: قال بعض المفسرين: الملائكة يكونون في الغمام، والغمام يكون) مقرّ الملائكة.

قوله: «المُلْكُ يَوْمَئذٍ» فيها أوجه:

أحدها: أن يكون «المُلْكُ» مبتدأ والخبر «الحَقُّ» و «يَوْمَئِذٍ» متعلق ب «الملك» ، و «للرَّحْمَنِ» متعلق ب «الحَقّ» ، أو بمحذوف على التبيين، أو بمحذوف على أنه صفة للحق.

الثاني: أنَّ الخبر «يَوْمَئِذٍ» ، و «الحَقُّ» نعت للملك، [و «للرحمن» على ما تقدم] .

[الثالث: أنَّ الخبر «للرَّحْمَن» و «يَوْمَئِذٍ» متعلق ب «الملك» ، و «الحَقُّ» نعت للملك] .

قيل: ويجوز نصب الحق بإضمار (أَعْنِي) .

ص: 519

فصل

المعنى: أَنَّ الملك الذي هو الملك حقاً ملك الرحمن يوم القيامة.

قال ابن عباس: يريد أَنَّ يوم القيامة لا ملك يقضي غيره. ومعنى وصفه بكونه حقاً: أنه لا يزول ولا يتغير. فإن قيل: مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن، فما الفائدة في قوله:«يَوْمَئِذٍ» ؟ . فالجواب لأَنّ في ذلك اليوم لا مالك له سواه لا في الصورة، ولا في المعنى، فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه، وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام. {وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً} أي: شديداً، وهذا الخطاب يدلُّ على أنه لا يكون على المؤمنين عسيراً؛ جاء في الحديث «أنه يهوّن يوم القيامة على المؤمن حتى يكون أَخَفَّ عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا» قوله:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم} يَوْمَ معمول لمحذوف، أو معطوف على «يَوْمَ تَشَقَّقُ» . و «يَعضُّ» مضارع عَضَّ، ووزنه فَعِل بكسر العين بدليل قولهم: عَضِضْتُ أَعَضُّ. وحكى الكسائي فتحها في الماضي، فعلى هذا يقال: أَعِضُّ بالكسر في المضارع. والعَضُّ هنا كناية عن شدة الندم، ومثله: حَرَقَ نَابَهُ، قال:

3873 -

أَبى الضَّيْم والنُّعْمَان يَحْرِقُ نَابَهُ

عَلَيْهِ فَأَفْضَى والسّيُوفُ مَعَاقِلُه

وهذه الكناية أبلغ من تصريح المكني عنه.

فصل

(أل) في «الظَّالم» تحتمل العهد والجنس على خلاف في ذلك. فالقائلون بالعهد اختلفوا على قولين:

الأول: قال ابن عباس: «أراد بالظالم: عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس، كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً، ودعا إليه جيرته وأشراف قومه، وكان يكثر مجالسة

ص: 520

النبي صلى الله عليه وسلم َ - ويعجبه حديثه، فقدم ذات يوم من سفر، فصنع طعاماً، ودعا الناس، ودعا الرسول، فلما قرب الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ -» ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله «فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أَنّ محمداً رسول الله، فأكل الرسول من طعامه، وكان عقبة صديقاً لأبيّ بن خلف، فلما أتى أُبي بن خلف قال له: يا عقبة صبأت، قال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل عليّ فأبَى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له، فطعم. فقال: ما أنا بالذي أرضى منك أبداً إلا أن تأتيه وتبزق في وجهه، وتطأ على عنقه، ففعل ذلك عقبة، فقال عليه السلام: لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوتك بالسيف» ، فقتل عقبة يوم بدر صبراً، وأما أبيّ بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم َ - بيده يوم أحد.

قال الضحاك: لما بزق عقبةُ في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - عاد بزاقه في وجهه، فاحترق خداه، فكان أثر ذلك فيه حتى الموت.

وقال الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف فأسلم عقبة فقال أمية: وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمداً، فكفر وارتد، فأنزل الله عز وجل {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ} يعني: عُقبة، يقول:{ياليتني اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً} ، أي: ليتني اتبعت محمداً فاتخذت معه سبيلاً إلى الهدى. وقرأ أبو عمرو {يَا لَيَتَنِي اتَّخَذْتُ} بفتح الياء، والآخرون بإسكانها.

الثاني: قالت الرافضة: الظالم هو رجل بعينه، وإن المسلمين عرفوا اسمه وكتموه، وجعلوا فُلاناً بدلاً من اسمه، وذكروا فاضلين من أصحاب الرسول.

ومن حمل الألف واللام على العموم، لأنها إذا دخلت على الاسم المفرد أفادت العموم بالقرينة، وهي أنَّ ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدلّ على أنَّ المؤثر في العض على اليدين كونه ظالماً، فيعم الحكم لعموم علته.

ص: 521

وهذا القول أولى من التخصيص بصورة واحدة، ونزوله في واقعة خاصة (لا ينافي العموم) ، بل تدخل فيه تلك الصورة وغيرها. والمقصود من الآية زجر الكل عن الظلم، وذلك لا يحصل إلا بالعموم.

فصل

قال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت، ولا يزال هكذا كلما أكلها نبتت وقال المحققون: هذه اللفظة للتحسر والغم، يقال: عَضَّ أنامله، وعضَّ على يديه.

قوله: «يَقُولُ» هذه الجملة حال من فاعل «يَعَضُّ» وجملة التمني بعد القول محكيةٌ به، وتقدم الكلام في مباشرة (يَا) ل «لَيْتَ» في النساء.

قوله: «يَا وَيْلَتَى» . قرأ الحسن «يَا وَيْلَتِي» بكسر التاء وياء صريحة بعدها، وهي الأصل. وقرأ الدَّوْرِيُّ بالإمالة.

قال أبو علي: وترك الإمالة أحسن، لأن أصل هذه اللفظة الياء فبدلت الكسرة فتحة والياء ألفاً فراراً من الياء، فَمَنْ أَمَالَ رجع إلى الذي منه فَرَّ أولاً. وهذا منقوض بنحو (بَاعَ) فإن أصله الياء، ومع ذلك أمالوا، وقد أمالوا {ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ} [الزمر: 56] و «يَا أَسَفَى» وهما ك (ياء)«وَيْلَتِي» في كون ألفهما عن ياء المتكلم. و «فُلَان» كناية عن عَلَمِ من يعقل، وهو متصرف. و «فُلُ» كناية عن نكرة مَنْ يعقل من الذكور، و «فُلَةُ» عن مَنْ يعقل من الإناث. والفُلَانُ والفُلَانةُ بالألف عن غير العاقل، ويختص (فُلُ)، و (فُلَةُ) بالنداء إلَاّ في ضرورة كقوله:

ص: 522

3874 -

فِي لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلَاناً عَنْ فُلِ

وليس (فُلُ) مرخماً من (فلان) خلافاً للفراء. وزعم أبو حيان أنَّ ابن عصفور وابن مالك، وابن العلج وهموا في جعلهم (فُلُ) كناية عن عَلَمِ مَنْ يعقل (فلان) . ولام (فُلُ) و (فُلَانُ) فيها وجهان:

أحدهما: أنها واو.

والثاني: أنها ياء.

فصل

تقدم الكلام في «يَا وَيْلَتَى» في هود. {لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً} يعني أبيّ بن خلف {لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذكر} عن الإيمان والقرآن، {بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي} يعني الذكر مع الرسول «وَكَانَ الشَّيْطَانُ» وهو كل متمرد عاتٍ من الجن والإنس، وكل من صدَّ عن سبيل الله فهو شيطان. وقييل: أشار إلى خليله. وقيل: أراد إبليس، فإنه الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المُضِل، ومخالفة الرسول، ثم خذله، وهو معنى قوله:«للإنْسَانِ خَذُولاً» أي: تاركاً يتركه ويتبرأ منه عند نزول البلاء والعذاب.

وقوله: «وَكَانَ الشَّيْطَانُ» يحتمل أَنْ تكون هذه الجملة من مقول الظالم فتكون منصوبة المحل بالقول. وأن تكون من مقول الباري تعالى فلا محل لها، لاستئنافها.

ص: 523

قوله تعالى: {وَقَالَ الرسول يارب إِنَّ قَوْمِي اتخذوا هذا القرآن} .

قال أكثر المفسرين: إنَّ هذا القول وقع مع الرسول. وقال أبو مسلم: بل المراد أنَّ الرسول يقوله في الآخرة كقوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً} [النساء: 41] . والأول أولى، لأنَّ قوله:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين} تسلية للرسول، ولا يليق ذلك إلا إذا وقع القول منه. و «مَهْجُوراً» مفعول ثان ل «اتَّخَذُوا» ، أو حال. وهو مفعول من الهجر - بفتح الهاء - وهو التَّرْكُ والبُعْدُ. أي: جعلوه متروكاً بعيداً، لم يؤمنوا به، ولم يقبلوه، وأعرضوا عن استماعه. وقيل: هو من الهُجر - بالضم - أي: مهجوراً فيه. ثم حذف الجار بدليل قوله: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 67] . وهجرهُم فيه: قولهم فيه: إنه شعر، وسحر، وأساطير الأولين، وكذب وهُجْر، أي: هذيان.

قال عليه السلام: «من تعلم القرآن وعلق مصحفاً، ولم يتعاهده، ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقاً به، يقول: يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه» وجعل الزمخشري «مَهْجُوراً» هنا مصدراً بمعنى الهجر قال كالمَجْلُود والمعقول. قال شهاب الدين: وهو غير مقيسٍ، ضَبَطَهُ أهل اللغة في أُلَيْفاظ فلا يُتعدى إِلَاّ بنقل.

قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً} الآية. جعل ذكر ذلك تسلية للرسول، وأن له أسوة بسائرة الرسل، فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبر أولُو العزم من الرسل. {وكفى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} .

قال المفسرون: الباء زائدة بمعنى كفى ربك «هَادِياً ونَصِيراً» منصوبان على

ص: 524

الحال، وقيل: على التمييز «هَادِياً» إلى مصالح الدين والدنيا، «ونَصِيراً» على الأعداء.

فصل

احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر، لأنَّ قوله:{جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً} يدل على أن تلك العداوة من جعل الله تعالى، وتلك العداوة كفر. قال الجبائي: المراد من الجعل التبيين، لأنه تعالى لمَّا بيّن أنهم أعداؤه، فقد جعل أنهم أعداء، كما إذا بيَّن الرجل أَنَّ فلاناً لص، فقد جعله لصاً، وكما يقال في الحاكم: إنه عدّل فلاناً، وفسّق فلاناً، وجرّحه.

وقال الكعبي: إنه تعالى لما أمر (الأنبياء) بعداوة الكفار، وعداوتهم للكفار تقتضي (عداوة الكفار) لهم، فلهذا جاز أن يقول:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين} ، لأنه - سبحانه - هو الذي حمله ودعاه إلى ما استعقب تلك العداوة.

وقال أبو مسلم: يحتمل في العدو أنه البعيد الغريب، إذ المعاداة المباعدة، كما أن النصرة قرب من المظاهرة، وقد باعد الله بين المؤمنين والكافرين. والجواب عن الأول: أنَّ التبيين لا يسمى التيه جعلاً، لأن من بين لغيره وجود الصانع وقدمه لا يقال: إنه جعل الصانع وجعل قدمه.

والجواب عن الثاني: أنَّ الذي أمره الله تعالى (بِهِ) هل له تأثير في وقوع العداوة في قلوبهم، أو ليس له فيه تأثير؟ .

فإن كان الأول فقد تم الكلام، لأنّ عداوتهم للرسول كفر، فإذا أمر الله الرسول بما له أثر في تلك العداوة، فقد أمر بما له أثر في وقوع الكفر، وإِنْ لم يكن له فيه تأثير ألبتة كان منقطعاً عنه بالكلية، فيمتنع إسناده إليه، وهذا هو الجواب عن أبي مسلم. فإن قيل: قوله عليه السلام: ( «يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً» في

ص: 525

المعنى كقول نوح عليه السلام - {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلَاّ فِرَاراً} [نوح: 5 - 6] فكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب فكذا هنا، فكيف يليق هذا بمن وصفه الله بالرحمة في قوله {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .

فالجواب: أن نوحاً عليه السلام لما ذكر ذلك دعا عليهم وأما محمد عليه السلام لما ذكر هذا ما دعا عليهم بل انتظر، فلما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً} (من المجرمين) كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم (فافترقا) . فإن قيل: قوله: «جعلنا» صيغة تعظيم، والعظيم إذا ذكر نفسه في معرض التعظيم، وذكر أنه يعطي، فلا بد وأن تكون العطية عظيمة كقوله: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم وقوله: «إنا أعْطَيْنَاكَ» ، فكيف يليق بهذه الصيغة أن تكون تلك العطية هي العداوة التي هي منشأ الضرر في الدين والدنيا؟

فالجواب: خلق العدو تسبب لازدياد المشقة التي هي موجبة لمزيد الثواب.

ص: 526

قوله تعالى: {وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن} الآية.

هذه شبهة خامسة لمنكري النبوة؛ فإن أهل مكة قالوا: تزعم أنك رسول من عند الله، فهلا تأتينا بالقرآن جملة (واحدة) ، كما أتي موسى بالتوراة جملة، وكما أتي عيسى بالإنجيل جملة، وداود بالزبور. قال ابن جريج: من أوله إلى آخره في ثنتين أو ثلاث وعشرين سنة. و «جملة» حال من «القرآن» ؛ إذ هي في معنى مجتمعاً.

قوله: «كذلك» الكاف إما مرفوعة المحل، أي: الأمر كذلك، و «لِنُثَبِّتَ» علة

ص: 526

لمحذوف، أي: لنثبت فعلنا ذلك. وإما منصوبته على الحال، أي: أنزل مثل ذلك، أو على النعت لمصدر محذوف، و «لنثبت» متعلقة بذلك الفعل المحذوف وقال أبو حاتم: هي جواب قسم. وهذا قول مرجوح نحا إليه الأخفش، وجعل منه «ولتصغى» ، وقد تقدم في الأنعام. وقرأ عبد الله «ليثبت» بالياء أي الله تعالى.

فصل

هذا جواب عن شبهتهم، وبيانه من وجوه:

أحدها: أنه عليه السلام لم يكن من أهل الكتابة والقراءة، فلو نزل ذلك عليه جملة واحدة كان لا يضبطه وجاز عليه فيه الخطأ والغلط.

وثانيها: أن من كان الكتاب عنده، فربما اعتمد على الكتاب وتساهل في الحفظ، فالله تعالى ما أعطاه الكتاب جملة واحدة بل كان ينزل عليه وظيفة، ليكون حفظه له أكمل، فيكون أبعد عن المساهمة وقلة التحصيل.

وثالثها: أنه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة لنزلت الشرائع بأسرها دفعة على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك فلما نزل مفرقاً منجماً نزلت التكاليف قليلاً قليلاً، فكان تحملها أسهل.

ورابعها: أنه إذا شاهد جبريل حالاً بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته على أداء ما حمل، وعلى الصبر على عوارض النبوة، وعلى احتمال الأذى وعلى التكاليف الشاقة.

وخامسها: أنه لما تم شرط الإعجاز فيه مع كونه منجماً ثبت كونه معجزاً؛ فإنه لو كان ذلك مقدوراً للبشر لوجب أن يأتوا بمثله منجماً مفرقاً، ولما عجزوا عن معارضة نجومه المفرقة، فعن معارضة الكل أولى.

وسادسها: كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم ووقائعهم، فكانوا يزدادون بصيرة، وكان ينضم إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب.

وسابعها: أن السفارة بين الله وبين أنبيائه، وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد دفعة واحدة لبطل المنصب على

ص: 527

جبريل عليه السلام فلما أنزله مفرقاً منجماً بقي ذلك المنصب العالي عليه، فلذلك جعلة الله تعالى منجماً.

فصل

قوله: «كذلك» يحتمل أن يكون من تمام كلام المشركين، أي: جملة واحدة كذلك أي كالتوراة والإنجيل.

ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ذكره جواباً لهم، أي: كذلك أنزلناه، مفرقاً. فإن قيل:«كذلك» إشارة إلى شيء تقدمه، والذي تقدمه هو إنزالة جملة، (فكيف فسره ب «كَذلِكَ أَنْزَلْنَاهُ» ) مفرقاً؟

فالجواب: أن الإشارة (إلى الإنزال مفرقاً لا إلى جملة. قوله: «ورتلناه ترتيلاً» الترتيل: التفريق ومجيء الكلمة بعد الأخرى بسكوت) يسير دون قطع النفس، ومنه ثغر رَتِلٌ ومُرتل، أي: مفلج الأسنان بين أسنانه فرج يسيرة. قال الزمخشري: ونزل هنا بمعنى أنزل لا غير كخبر بمعنى أخبر وإلا تدافعا. يعني أن نزل بالتشديد يقتضي بالأصالة التنجيم والتفريق، فلو لم يجعل بمعنى أنزل الذي لا يقتضي ذلك، لتدافع مع قوله «جُمْلَةً» لأن الجملة تنافي التفريق، وهذا بناء منه على معتقده، وهو أن التضعيف يدل على التفريق، وقد نص على كذلك في مواضع من الكشاف في سورة البقرة، وأول آل عمران، وآخر الإسراء، وحكى هناك عن ابن عباس ما يقوي ظاهره صحة قوله.

ص: 528

فصل

«وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً» قال ابن عباس: بيناه بياناً. والترتيل التبيين في ترسل وتثبيت. وقال السديّ: فصلناه تفصيلا. وقال مجاهد: بعضه في أثر بعض. وقال النخعي والحسن وقتادة: فرقناه تفريقاً آية بعد آية. قوله: «ولا يَأْتُونَك» يعني المشركين «بمثل» يَضربونه في إبطال أمرك {إلا جئناك بالحق} الذي يدفع ما جاءوا به من المثل ويبطله كقوله {بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18] في ما يريدون من الشبه (مثلاً، وسمى ما يدفع به الشُّبَه) حقاً.

قوله: {إِلَاّ جِئْنَاكَ بالحق} هذا الاستثناء مفرغ، والجملة في محل نصب على الحال، أي: لا يأتونك بمثل إلا في حال إيتائنا إياك كذا، والمعنى: ولا يأتونك بسؤال عجيب إلا جئناك بالأمر الحق، «وأحْسَنَ تَفْسِيراً» أي: بياناً وتفضيلاً، و «تفسيراً» تمييز. والمفضّل عليه محذوف: تفسيراً من مثلهم.

والتفسير: تفعيل من الفَسْرِ، وهو كشف ما قد غطي.

ثم ذكر مآل المشركين فقال: {الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ} بساقون ويجرُّون إلى جهنم، روي أنهم يمشون في الآخرة مقلوبين وجوههم على القفا، وأرجلهم إلى فوق، وقال عليه السلام:«إنّ الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» والأولى أولى، لأنه ورد أيضاً.

قوله: «الّذِينَ يُحْشَرُونَ» يجوز رفعه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين ويجوز نصبه على الذم، ويجوز أن يرتفع بالابتداء وخبره الجملة من قوله {أولئك شَرٌّ

ص: 529

مَّكَاناً} ، ويجوز أن يكون «أُولَئِكَ» بدلاً أو بياناً للموصول، و «شَرٌّ مَكَاناً» خبر الموصول.

قوله: {أولئك شَرٌّ مَّكَاناً} منزلاً ومصيراً من أهل الجنة «وأضل سبيلاً» وأخطأ طريقاً وههنا سؤال كما تقدم في قوله: {أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} [الفرقان: 24] .

ولما تكلم في التوحيد، ونفي الأنداد وإثبات النبوة وأحوال القيامة شرع في ذكر القصص على الطريقة المعلومة.

ص: 530

قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب} الآية. لما قال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين} [الفرقان: 31] وذكر ذلك في معرض التسلية له، ذكر جماعة من الأنبياء، وعرفه تكذيب أممهم، والمعنى: لست يا محمد بأول من أرسلنا فكذب (وآتيناه الآيات فرُدّ) : فقد آتينا موسى الكتاب، وقوينا عضده بأخيه هارون (ومع ذلك فقد رُدّ) . فإن قيل: كون هارون وزيراً كالمنافي لكونه شريكاً، بل يجب أن يقال: إنه لما صار (شريكاً) خرج عن كونه وزيراً. فالجواب: لا منافاة بين الصنفين، لأنه لا يمنع أن يشركه في النبوة ويكون وزيراً، وظهيراً، ومعيناً له. ولا وجه لقول من قال في قوله:«فَقُلْنَا اذْهَبا» إنه خطاب لموسى عليه السلام وحده بل يجري مجرى قوله: {اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى} [طه: 43] .

قوله: «هَارونَ» بدل، أو بيان، أو منصوب على القطع و «وَزِيراً» مفعول ثان، وقيل: حال، والمفعول الثاني قوله «معه» . قال الزجاج: الوزير في اللغة الذي يرجع إليه ويعمل برأيه، والوزر ما يعتصم به، ومنه:{كَلَاّ لَا وَزَرَ} [القيامة: 11]

ص: 530

أي: لا منجى ولا ملجأ. قال القاضي: ولذلك لا يوصف تعالى بأن له وزيراً.

قوله: {فَقُلْنَا اذهبآ إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} يعني القبط.

قوله: «فَدمَّرْنَاهُمْ» . العامة على «فَدَمَّرْنَا» فعلاً ماضياً معطوفاً على محذوف، أي: فذهب فكذبوهما «فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْميراً» أهلكناهم إهلاكاً. وقرأ عليّ - كرم الله وجهه - «فدمِّراهم» أمر لموسى وهارون، وعنه أيضاً:«فَدَمِّرَانِّهِمْ» كذلك أيضاً، ولكنه مؤكد بالنون الشديدة، وعنه أيضاً:«فدمِّرا بِهِم» بزيادة باء الجر بعد فعل الأمر، وهي تشبه القراءة قبلها في الخط، ونقل عنه الزمخشري «فَدَمَّرْتُهم» بتاء المتكلم. فإن قيل: الفاء للتعقيب، والإهلاك لم يحصل عقيب بعث موسى وهارون إليهم بل بعد مدة مديدة.

فالجواب: فاء التعقيب محمولة هنا على الحكم بالإهلاك لا على الوقوع. وقيل: إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر المقصود منها أولها وآخرها، والمراد إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. واعلم أن قوله:«كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا» إن حملنا تكذيب الآيات على تكذيب الآيات الإلهية فلا إشكال، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة، فاللفظ وإن كان للماضي فالمراد به المستقبل.

ص: 531

قوله تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ} الآية. يجوز أن يكون «قَوْمَ» منصوباً عطفاً على مفعول «

ص: 531

دَمَّرْنَاهم» ، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر قوله:«أَغْرَقْنَاهُمْ» وترجح هذا بتقديم جملة فعلية قبله. هذا إذا قلنا: إن «لما» ظرف زمان، وأما إذا قلنا إنها حرف وجوب لوجوب فلا يتأتى ذلك، لأن «أَغْرَقْنَاهُمْ» حينئذ جواب «لما» ، وجوابها لا يفسر، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدر لا على سبيل الاشتغال، أي: اذكر قوم نوح.

فصل

إنما قال: «كذبوا الرسل» إما لأنهم كانوا من البراهمة المنكرين لكل الرسل، أو لأن تكذيبهم لواحد تكذيب للجميع، لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع الرسل.

وقوله «أَغْرَقْنَاهُمْ» . قال الكلبي: أمطرنا عليهم السماء أربعين يوماً، وأخرج ماء الأرض أيضاً في تلك الأربعين، فصارت الأرض بحراً واحداً. «وَجَعَلْنَاهُمْ» أي: جعلنا إغراقهم وقصتهم «للناس آية» للظالمين أي: لكل من سلك سبيلهم، «وأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمينَ» في الآخرة «عَذَاباً أَلِيماً» .

قوله تعالى: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرس} الآية، «وعَادَاً» فيه ثلاثة أوجه:

أن يكون معطوفاً على «قَوْمِ نُوح» ، وأن يكون معطوفاً على مفعول «جَعَلْنَاهُمْ» وأن يكون معطوفاً على محل «لِلظَّالِمِينَ» لأنه في قوة وعدنا الظالمين بعذاب. قوله:«وأَصْحَابَ الرَّسِّ» فيه وجهان:

ص: 532

أحدهما: (أنه) من عطف المغاير، وهو الظاهر.

والثاني: أنه من عطف بعض الصفات على بعض.

والمراد ب «أَصْحَابَ الرَّسِّ» ثمود، لأن الرّسّ البئر التي لم تطو عن أبي عبيدة، وثمود أصحاب آبار. وقيل:«الرَّسُّ» نهر بالمشرق (وكانت قرى أصحاب الرس على شاطئ فبعث الله إليهم نبياً من أولاد يهودا بن يعقوب فكذبوه، فلبثت فيهم زماناً يشتكي إلى الله منهم، فحفروا بئراً ورسوه فيها، وقالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم وهو يقول: إلهي ترى ضيق مكاني، وشدة كربي، وضعف قلبي، وقلة صلتي فجعل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله ريحاً عاصفة شديدة الحر، وصارت الأرض من تحتهم كبريتاً متوقداً، وأظلتهم سحابة سوداء، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص) ويقال: إنهم أناس عبدة أصنام قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي؛ دسوه فيها وقال قتادة والكلبي: الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم وهو حنظلة بن صفوان وقيل: هم بقية ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى في قوله:{وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الحج: 45] . وقال كعب ومقاتل والسدي: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار، ورسوه في بئر، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة يس.

وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس هو الأخدود الذي حفروه.

وقال عكرمة: هم قوم رسوا نبيهم في بئر. وقيل: الرس المعدن، وجمعه

ص: 533

رساس وروي عن علي رضي الله عنه: أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة الصَّنَوْبَر وسموا أصحاب الرس؛ لأنهم رسوا نبيهم في الأرض. وروى ابن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم َ - «أن الله بعث نبياً إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهل القرية أحد إلا عبد أسود، ثم إنهم حفروا للرسول بئراً وألقوه فيها، ثم طبقوا عليها حجراً ضخماً، وكان ذلك الرجل الأسود يحتطب ويشتري له طعاماً وشراباً، ويرفع الصخرة ويدليه إليه، فكان ذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً، فلما أراد أن يحملها وجد نوماً، فاضطجع، وضرب الله على أذنه تسع سنين، ثم هَبّ واحتمل حزمته واشترى طعاماً وشراباً، وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه قد استخرجوه فآمنوا به، وصدقوه، وكان ذلك النبي يسألهم عن الأسود، ويقول لهم إنه أول من يدخل الجنة» .

قوله: ( «وقُروناً» ) أي: وأهلكنا قروناً كثيرة بين عاد وأصحاب الرس والقرون: جمع قرن، قال عليّ رضي الله عنه: القرن أربعون سنة، وهو قول النخعي. وقيل: مائة وعشرون سنة. وقيل غير ذلك. وتقدم الكلام عليه في سورة سبحان عند قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ} [الإسراء: 17] .

قوله: «بَيْنَ ذَلك» «ذلك» إشارة إلى من تقدم ذكره، وهم جماعات، فلذلك حسن دخول «بَيْنَ» عليه. وقد يذكر الذاكر بحوثاً ثم يشير إليها بذلك، ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة، ثم يقول: فذلك كيت وكيت، أي ذلك المحسوب أو المعدود.

قوله: «وكُلاً» يجوز نصبه بفعل يفسره ما بعده، أي: وحذرنا أو ذكرنا، لأنها في معنى ضربنا له الأمثال.

ويجوز أن يكون معطوفاً على ما تقدم، و «ضَرَبْنَا» بيان لسبب إهلاكهم. وأما «كُلاًّ» الثانية فمفعول مقدم.

ص: 534

قوله: {ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال} أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار. وقيل: بيَّنَّا لهم وأزحنا عللهم فلما كذبوا «تَبَّرْنَاهُمْ تَتْبِيرا» أي: أهلكناهم إهلاكاً. وقال الأخفش: كسرنا تكسيرا.

قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتَّتَّه فقد تَبَّرته.

ص: 535

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ (مَطَرَ السوء) } الآية. أراد بالقرية قريات لوط، وكانت خمس قرى، فأهلك الله منها أربعاً ونجت واحدة، وهي (صقر) كان أهلها لا يعملون العمل الخبيث. يعني أن قريشاً مَرُّوا مُرُوراً كثيراً إلى الشام على تلك القرى، {التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء} أي: أهلكت بالحجارة من السماء، {أفلم يكونوا يرونها} في مرورهم وينظروا إلى آثار عذاب الله ونكاله فيعتبروا ويتذكروا.

قوله: «مَطَرَ السَّوْءِ» فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه مصدر على حذف الزوائد أي: أمطار السوء.

الثاني: أنه مفعول ثان؛ إذ المعنى: أعطيتها وأوليتها مطر السوء.

الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، أي: أمطاراً مثل مطر السوء وقرأ زيد بن عليّ «مُطِرَتْ» ثلاثياً مبنياً (للمفعول)، ومطر متعد قال:

3875 -

كَمَنْ بِوَادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورُ

ص: 535

وقرأ أبو السمال «مطر السُّوء» بضم السين، وتقدم الكلام على السوء والسوء في براءة. وقوله:{أَتَوْا عَلَى القرية} إنما عُدِّي (أتى) ب (على) ، لأنه ضُمِّن معنى مرَّ.

قوله: {بَلْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ نُشُوراً} في هذا الرجاء ثلاثة أوجه:

أقواها ما قاله القاضي: وهو أنه محمول على حقيقة الرجاء؛ لأن الإنسان لا يحتمل متاعب التكليف إلا رجاء ثواب الآخرة، فإذا لم يؤمن بالآخرة لم يَرْجُ ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق.

وثانيها: معناه لا يتوقعون نشورا، فوضع الرجاء موضع التوقُّع؛ لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن.

وثالثها: معناه: (لا يخافون) على اللغة التهامية. وهو ضعيف.

قوله: «وإذَا رَأَوْكَ» الآية. لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته بإيراد الشبهات بين بعد ذلك أنهم إذا رأوا الرسول اتخذوه هزواً، ولم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار، ويقول بعضهم لبعض:{أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً} .

قوله: «إِنْ يَتَّخِذُونَكَ» «إنْ» الأولى نافية، والثانية مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينهما، و «هُزُوًّا مفعول ثان، ويحتمل أن يكون التقدير: موضع هُزْءٍ وأن يكون مهزوءاً بك. وهذه الجملة المنفية تحتمل وجهين:

أحدهما: أنها جواب (إذا) الشرطية، واختصت (إذا) بأن جوابها متى كان منفياً ب (ما) أو (إن) أو (لا) لا تحتاج إلى الفاء بخلاف غيرها من أدوات الشرط فعلى هذا يكون قوله:» أَهَذَا الَّذي «في محل نصب بالقول المضمر، وذلك القول المضمر في محل نصب على الحال، أي: إن يتخذونك قائلين ذلك.

ص: 536

والثاني: أنها جملة معترضة بين (إذا) وجوابها. وجوابُها هو ذلك القول المضمر المحكي به» أهذا الذي «والتقدير: وإذا رأوك قالوا أهذا الذي بعث، فاعترض بجملة النفي، ومفعول» بعث «محذوف هو عائد الموصول، أي: بعثه.

و «رسولاً» على بابه من كونه صفة فينتصب على الحال، وقيل: هو مصدر بمعنى رسالة، فيكون على حذف مضاف، أي ذا رسول بمعنى رسالة، أو يجعل نفس المصدر مبالغة، أو بمعنى: مرسل. وهو تكلف.

قوله: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا} تقدم نظيره في سبحان.

قوله: {لَوْلَا أَن صَبْرَنَا} جوابها محذوف، أي: لضللنا عن آلهتنا. قال الزمخشري: و «لولا» في مثل هذا الكلام جار من حيث المعنى لا من حيث الصيغة مجرى التقيد للحكم (المطلق) .

فصل

قال المفسرون: إن أبا جهل كان إذا مر بأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - قال مستهزءاً: «أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً» «إنْ كَادَ» قد كاد «لَيُضِلُّنَا» أي: قد قارب أن يضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها أي: (أي لو لم نصبر عليها) انصرافا عنها، {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} من أخطأ طريقاً. (واعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول عليه الصلاة والسلام ُ - أتوا بنوعين من الأفعال. أحدهما: الاستهزاء، فيقولون:{أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً} وذلك جهل عظيم، لأن الاستهزاء إما أن يكون بصورته أو بصفته والأول باطل، لأنه - عَلَيْهِ

ص: 537

الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان أحسن منها صورة وخلقة) ، وبتقدير أنه لم يكن كذلك، لكنه عليه الصلاة والسلام ُ - ما كان يدعي التميز عنهم بالصورة بل بالحجة. والثاني باطل، لأنه عليه الصلاة والسلام ُ - ادَّعى التميز عليهم بظهور المعجز عليه دونهم، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية، واستهزءوا بالرسول، وذلك يدل على (أنه ليس للمبطل في كل الأوقات) إلا السفاهة والوقاحة.

والنوع الثاني: قولهم: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} فَسَمُّوا ذلك ضلالاً، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم، ويدل على جده واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان فلهذا قالوا:{إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} ، وذلك يدل على أنهم كانوا مقهورين بالحجة، ولم يكن في أيديهم إلا مجرد (الوقاحة) .

قوله: «من أضل» جملة استفهامية معلقة ب «يَعْلَمُون» فهي سادَّةٌ مسدّ مفعوليها إن كان على بابها، ومسدّ واحد إن كانت بمعنى (عرف) . ويجوز في «من» أن تكون موصولة، و «أَضَلَّ» خبر مبتدأ مضمر هو العائد على «من» تقديره: من هو أضل، وإنما حذف للاستطالة بالتمييز، كقولهم: ما أنا بالذي قائل لك سوءاً. وهذا ظاهر إن كانت متعدية لواحد، وإن كانت متعدية لاثنين فيحتاج إلى تقدير ثان ولا حاجة إليه.

ص: 538

فصل

لما وصفوه بالإضلال في قولهم: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا} بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه، فقال:{وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} ، وهذا وعيد شديد على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر.

ص: 539

قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} الآية. «أَرَأَيْتَ» كلمة تصلح للإعلان والسؤال، وههنا تعجب ممن هذا وصفه ونعته.

وقوله: {مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} مفعولا الاتخاذ من غير تقديم ولا تأخير، لاستوائهما في التعريف. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم أخر «هَوَاهُ» والأصل قولك: اتخذ الهوى إلهاً. قلت: ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية (به) كما تقول: علمت منطلقاً زيداً لفضل عنايتك بالمنطلق.

قال أبو حيان: وادعاء القلب، يعني: أن التقديم ليس بجيد، لأنه من ضرائر الأشعار. قال شهاب الدين: قد تقدم فيه ثلاثة مذاهب، على أن هذا ليس من

ص: 539

القلب المذكور في شيء إنما هو تقديم وتأخير فقط.

وقرأ ابنُ هُرمز «إِلَاهَةً هَوَاهُ» على وزن فعالة، والإِلهة بمعنى المَأْلُوه، والهاء للمبالغة ك «عَلَاّمَة وَنسَّابة) . و» إِلَاهَةً «مفعول ثاني قدم لكونه نكرة ولذلك صرف. وقيل: إلاهة هي الشمس، ورد هذا بأنه كان ينبغي أن يمتنع من الصرف للعلمية والتأنيث. وأجيب بأنها يدخل عليها (أل) كثيراً فلما نزعت منها صارت نكرة جارية مجرى الأوصاف. ويقال: أُلاهة بضم الهمزة للشمس وقرأ بعض المَدَنيِّين» آلِهَةً هَوَاهُ «جمعُ إله، وهو أيضاً مفعول مقدم وجمع باعتبار الأنواع، فقد كان الرجل يعبد آلهة شتى. ومفعول» أَرَأَيْتَ «الأول» مَنْ «والثاني الجملة الاستفهامية.

فصل

قال ابن عباس: الهوى إله يعبد. وقال سعيد بن جبير: كان الرجل من المشركين يعبد الحجر، فإذا رأى حجراً أحسن منه طرح الأول وأخذ الآخر وعبده. {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} أي: حافظاً تحفظه من اتباع هواه، أي لست كذلك، ونظيره:{لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} [الغاشية: 22]{وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق: 45]{لَا إِكْرَاهَ فِي الدين} [البقرة: 256]، قال الكلبي: نسختها آية القتال. {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون} يسمعون ما تقول سماع طالب الإفهام، أو يعقلون ما يعاينون من الحجج والأعلام. و» أم «هنا منقطعة بعنى: بل. {إِنْ هُمْ إِلَاّ كالأنعام} في عدم انتفاعهم بالكلام، وعدم تدبرهم، وتفكرهم، بل هم أضل سبيلاً لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها، وتَنْقَاد لأربابها التي تتعهدها، (وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وقلوب الأنعام خالية عن العلم، وعن الاعتقاد الفاسد، وهؤلاء قلوبهم خالية عن العلم ومليئة من الاعتقاد والباطل، وعدم علم الأنعام لا يضر بأحد، وجهل هؤلاء منشأ للضرر العظيم، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله، والبهائم لا تستحق عقاباً على عدم العلم، وهؤلاء يستحقون على عدم العلم أعظم العقاب) ، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، ولأن الأنعام تسجد وتسبح الله، وهؤلاء الكفار لا

ص: 540

يفعلون فإن قيل: لم قال: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ} فحكم بذلك على الأكثر دون الكل؟ فالجواب: لأنه كان فيهم من يعرف الله ويعقل الحق إلا أنه ترك الإسلام لحبّ الرياسة لا للجهل. فإن قيل: إنه تعالى لما نفى عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين، وكيف بعث الرسول إليهم، فإن من شرط التكليف العقل؟ فالجواب: ليس المراد أنهم لا يعقلون بل المراد أنهم لم ينتفعوا بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم: إنما أنت أعمى وأصم.

ص: 541

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل} الآية. لما بين جهل المعرضين عن دلائل التوحيد، وبين فساد طريقهم ذكر أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع، فأولها الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه، وتغير أحواله قوله:«ألم تر» فيه وجهان:

أحدهما: أنه من رؤية العين.

والثاني: أنه من رؤية القلب، يعني: العلم، فإن حملناه على رؤية العين، فالمعنى: أَلَمْ تَرَ إلى الظل كيف مده ربُّك، وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى: ألم تعلم، وهذا أولى، لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه. وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للرسول فهو عام في المعنى، لأن المقصود بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم لهذه النعمة و «كَيْفَ» منصوبة ب «مَدَّ» ، وهي

ص: 541

معلقة ل «تَرَ» فهي في موضع نصب، وقد تقدم القول في «أَلَمْ تَرَ» .

فصل

الظل عبارة عن عدم الضوء مما شأنه أن يضيء، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدوداً، لأنه ظل لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} [الواقعة: 30] إذ لم يكن معه شمس، {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} دائماً ثابتاً لا يزول ولا تذهبه الشمس.

وقال أبو عبيدة: الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس. سمي فيئاً، لأنه فاء من جانب المغرب إلى جانب المشرق، {ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً} ، أي: على الظل دليلاً، ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرفت الظل، ولولا النور ما عرف الظلمة، والأشياء تُعْرَفُ بأضدادها.

قال الزمخشري: فإن قُلتَ: «ثم» في هذين الموضعين كيف موقعها قلت موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاث، كأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم منهما تشبيهاً لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بينهما في الوقت.

قوله: «ثُمَّ قَبَضْنَاهُ» يعني: الظل {إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} بالشمس التي تأتي عليه، والقبض جمع المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءاً فجزءاً «قَبْضاً يَسِيراً» أي: خفياً، وقيل: المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة، وذلك قبض أسبابها، وهي الأجرام التي تلقي الظلال. وقوله:«يَسِيراً» كقوله: {حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [ق: 44] قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِبَاساً} الآية. هذا هو النوع الثاني شبه الليل من حيث يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن، ونبه على (ما لنا فيه) من النفع

ص: 542

بقوله: «والنَّوْمَ سُباتاً» والسبات: هو الراحة، أي: راحة لأبدانكم، وقطعاً لعملكم، وأصل السبت: القطع، والنائم مسبوت، لأنه انقطع عمله وحركته.

قال أبو مسلم: السبات: الراحة، ومنه يوم السبت، لما جرت به العادة من الاستراحة فيه، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت.

وقال الزمخشري: السبات: الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، قال: وهذا كقوله: {وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل} [الأنعام: 60] . وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة، لأن النشور في مقابلته. {وَجَعَلَ النهار نُشُوراً} قال أبو مسلم: هو بمعنى الانتشار والحركة، كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة فقال:{يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور.

قوله تعالى: {وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَا} الآية. هذا هو النوع الثالث، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في الأعراف. {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يعني: المطر، {وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً} قال الزمخشري: فإن قلت: إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت: لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصف بالطهارة إكراماً لهم، وتتميماً للمنّة عليهم.

وطهور: يجوز أن يكون صفة مبالغة منقولاً من ظاهر، كقوله تعالى:«شَرَاباً طَهُوراً» ، وقال:

3876 -

إلى رُجَّحِ الأَكْفَالِ غِيدٌ مِنَ الصِّبَا

عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ

وأن يكون اسم ما يتطهر به كالسحور لما يتسحَّر به، والفطور لما يتفطَّر به،

ص: 543

قال عليه السلام في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» أراد به المطهر، فالماء مطهر، لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، كما قال في آية أخرى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] فثبت أن التطهير مختص بالماء.

(وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد، والمرق، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز رفع الحدث بها. وقال عليه السلام: «التّراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج» ولو كان معنى الطهور هو الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم، وحينئذ لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عليه الصلاة والسلام ُ: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه أن يغسل سبعاً» ولو كان الطهور هو الطاهر لكان معناه: طاهر إناء أحدكم، وحينئذ لا ينتظم الكلام) .

ويجوز أن يكون مصدراً ك (القبول والولوع) .

وقوله: «لِنُحْيِيَ بِهِ» فيه وجهان:

أظهرهما: أنه متعلق بالإنزال. والثاني: وهو صعب أنه متعلق ب (طهور) .

ووصف «بَلْدَةً» ب «مَيِّت» وهي صفة للمذكر، لأنها بمعنى البلد.

قوله: «وَنُسْقِيَهُ» العامة على ضمّ النون، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما وأبو حيوة وابن أبي عبلة بفتحها، وقد تقدم أنه قرئ بذلك في النحل والمؤمنون وتقدم الكلام (على ذلك) .

ص: 544

قوله: «مِمَّا خَلَقْنَا» يجوز أن يتعلق «مِنْ» ب «نُسْقِيَهُ» ، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من «أَنْعَاماً» ، ونكرت الأنعام والأناسي، (قال الزمخشري) : لأن علية الناس وجلهم مجتمعون بالأودية والأنهار، فيهم غنية عن سقي الماء وأعقابهم وهم كثير منهم لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا (سمائه) .

قوله: «وَأَنَاسِيَّ» فيه وجهان:

أحدهما: وهو مذهب سيبويه أنه جمع إنسان، والأصل إنسان، وأناسين، فأبدلت النون ياء، وأدغمت فيها الياء قبلها نحو ظربان وظرابي.

والثاني: وهو قول الفراء والمبرد والزجاج أنه جمع إنسي. وفيه نظر، لأن فعالي إنما يكون جمعاً لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كرسي وكراسي، فلو أريد ب (كرسي) النسب لم يجز جمعه على كراسي، ويبعد أن يقال: إن الياء في

ص: 545

إنْسِيّ ليست للنسب، وكان حقه أن يجمع على (أناسية) نحو مهالبة في المهلبي، وأزارقة في الأزرقي. وقرأ يحيى بن الحارث الذماري والكسائي في رواية «وأناسِيَ» بتخفيف الياء. قال الزمخشري: بحذف ياء أفاعيل، كقولك (أناعم في أناعيم) . قال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي. قلت: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم، ولأنهم إذا ظفروا بسقيا أرضهم، وسقي أنعامهم لم يعدموا سقياهم فإن قيل: لم خص الإنسان والأنعام هاهنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟ فالجواب: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، لأن حوائج الأناسي ومنافعهم متعلقة بها فكان الإنعام عليهم (بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم) بسقيهم. وقال:«أَنَاسِيَّ كَثيراً» ولم يقل: كثيرين، لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله:{وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً} [الفرقان: 38]{وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً} [النساء: 69] .

ص: 546

قوله تعالى: «وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ» في هذه الهاء ثلاثة أوجه:

أحدها: قال الجمهور: إنها ترجع إلى المطر، ثم هؤلاء قال بعضهم: (المعنى صرفنا نزول الماء من وابل، وطل وجود وطشّ، ورذاذ، وغير ذلك.

ص: 546

وقال بعضهم) : «صَرَّفْنَاهُ» أي: أجريناه في الأنهار حتى انتفعوا بالشرب وبالزراعات وأنواع المعاش به. وقال آخرون: معناه: أنه تعالى ينزله في مكان (دون مكان) في عام ثم في العام الثاني يقع بخلاف ما وقع في العام الأول، قال ابن عباس: ما عام بأكثر من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض. ثم قرأ هذه الآية.

وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم َ - أنه قال: «ما من عام بأمطر من عام ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي» .

الثاني: قال أبو مسلم: الضمير راجع إلى المطر والسحاب والإظلال وسائر ما ذكره الله من الأدلة.

الثالث: أي هذا القول صرفناه بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل، وهو ذكر إنشاء السحاب، وإنزال المطر ليتفكروا ويستدلوا به على الصانع.

وقرأ عكرمة: «صَرَفْنَاهُ» بتخفيف الراء. وقيل: التصريف راجع إلى الريح.

«ليذكروا» ويتفكروا في قدرة الله تعالى {فأبى أَكْثَرُ الناس إِلَاّ كُفُوراً} جحوداً، وكفرانهم هو أنهم إذا أمطروا قالوا: أُمْطرنا بنوء كذا، روى زيد بن خالد الجهني قال:«صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال:» هل تدرون ما قال ربكم «قالوا: الله ورسوله أعلم» قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال: مُطِرْنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب «.

فصل

قال الجبائي: قوله:» لِيَذَّكَّرُوا «يدل على أنه تعالى يريد من الكل أن يذكروا ويشكرو، ولو أراد أن يكفروا أو يعرضوا لما صح ذلك، وذلك يبطل قول من قال: إن

ص: 547

الله مريد لكفر من يكفر قال: ودلَّ قوله: {فأبى أَكْثَرُ الناس إِلَاّ كُفُوراً} على قدرتهم على فعل هذا التذكر؛ إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال: أبوا أن يفعلوه، كما لا يقال في الزمن أبى أن يسعى.

وقال الكعبي: قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ} (حجة على من زعم أن القرآن وبال على الكافرين، وأنه لم يرد بإنزاله أن يؤمنوا، لأن قوله:» ليذَّكَّروا «) عامّ في الكل، وقوله تعالى:{أَكْثَرُ الناس} يقتضي أن يكون هذا الأكثر داخلاً في ذلك العام، لأنه لا يجوز أن يقال أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفوراً.

والجواب قد تقدم مراراً.

قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} رسولاً ينذرهم، والمراد من ذلك تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم َ - من وجوه:

أحدها: أنه تعالى بين أنه مع القدرة على بعثه نذيراً ورسولاً في كل قرية خصه بالرسالة وفضّله بها على الكل، ولذلك أتبعه بقوله:{فَلَا تُطِعِ الكافرين} أي: لا توافقهم.

وثانيها: المراد: ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين و {لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} ولكنا قصرنا الأمر عليك وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل، فقابل هذا الإجلال بالتشدُّد في الدين.

وثالثها: أن الآية تقتضي مزج اللطف بالعنف، لأنها تدل على القدرة على أن يبعث في كل قرية نذيراً مثل محمد، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد البتة.

وقوله: «ولَوْ شِئْنَا» يدل على أنه تعالى لا يفعل ذلك. والمعنى: ولكن بعثناك إلى القُرَى كلها وحمَّلناك ثقل نذارة جميعها لتستوجب بصبرك عليه ما أعتدنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة. {فَلَا تُطِعِ الكافرين} فيما يدعونك إليه من موافقتهم وهذا يدل على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلاً به.

قوله: «وَجَاهِدْهُمْ بِهِ» أي: بالقرآن، أو بترك الطاعة المدلول عليه بقوله:«فَلَا تُطِع» ، أو بما دل عليه {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} من كونه نذير كافة القرى، أو بالسيف.

والأقرب الأول؛ لأن السورة مكية، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان، فالمراد بذل الجهد في الدعاء جهاداً كبيراً شديداً.

ص: 548

قوله تعالى: {وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين} الآية. هذا النوع الرابع. في «مَرَجَ» قولان:

أحدهما: بمعنى خلط ومرج، ومنه مرج الأمر أي: اختلط قاله ابن عرفة.

وقيل: «مرج» أجرى، وأمرج لغة فيه.

(و) قيل: مرج لغة الحجاز، وأمْرَجَ لغة نجد، وفي كلام بعض الفصحاء: بحران أحدهما بالآخر مَمْرُوج، وماء العذب منهما بالأجاج ممزوج. وقيل: أرسلهما في مجاريهما وخلَاّهما كما ترسل الخيل في المرج قاله ابن عباس.

وأصل المرج الخلط والإرسال يقال: مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء.

قوله {هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} هذه الجملة لا محل لها، لأنها مستأنفة جواب لسؤال مقدر كأن قائلاً قال: كيف مرجهما؟ قيل: هذا عذب وهذا ملح.

ويجوز على ضعف أن تكون حالية. والفرات: المبالغ في الحلاوة، والتاء فيه أصلية لام الكلمة، ووزنه فعال. وبعض العرب يقف عليها هاء، وهذا كما تقدم في التابوت. ويقال: سمي الماء الحلو فراتاً، لأنه يفرت العطش أي: يشقه ويقطعه والأُجاج: المبالغ في الملوحة، وقيل: في الحرارة، وقيل في المرارة. وهذا من أحسن المقابلة، حيث قال تعالى:{عَذْبٌ فُرَاتٌ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} وأنشد بعضهم:

ص: 549

3877 -

فَلَا واللَّهِ لَا أَنْفَكُّ أَبكي

(إلى أَنْ نَلْتَقِي شُعْثاً عُراتَا)

أَأُلْحَى إنْ نَزَحْتُ أُجَاجَ عَيْنِي

عَلَى جَدَثٍ حَوَى العَذْبَ الفُرَاتَا

ما أحسن ما كنى عن دمعه بالأجاج، وعن المبكي عليه بالعذب الفرات وكان سبب إنشاد هذين البيتين أن بعضهم لحن قائلهما في قوله: عراتا. كيف يقف على تاء التأنيث المنونة بالألف؟ فقيل له: إنها لغة مستفيضة يجعلون التاء كغيرها فيبدلون تنوينها بعد الفتح ألفاً، حكي عن العرب أكلت تمرتاً نحو أكلت زيتاً. وقرأ طلحة وقتيبة عن الكسائي «مَلِح» بفتح الميم وكسر اللام، وكذا في سورة فاطر، وهو مقصور من (مالح) كقولهم: برد في بارد، قال:

3878 -

وَصِلْيانا بَرِدا

وماء مالح لغة شاذة. وقال أبو حاتم: هذه قراءة منكرة.

قوله: «بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً» يجوز أن يكون الظرف متعلقاً بالجعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «بَرْزَخاً» .

والأول أظهر. ومعنى «بَرْزَخاً» أي: حاجزاً بقدرته لئلا يختلط أحدهما بالآخر.

ص: 550

قوله: «وَحِجْراً مَحْجُوراً» الظاهر عطفه على «برزخاً» .

وقال الزمخشري: (فإن قلت: «حِجْراً مَحْجُوراً» ) ما معناه؟ قلت هي الكلمة التي يقولها المتعوّذ، وقد فسرناها، وهي هنا واقعة على سبيل المجاز، كأن واحداً من البحرين يقول لصاحبه: حجراً محجوراً كأنه يتعوذ من صاحبه ويقول له: حجراً محجوراً. كما قال: «لا يبغيان» . وهي من أحسن الاستعارات.

فعلى ما قاله يكون منصوباً بقول مضمر.

فإن قيل: لا وجود للبحر العذب، فكيف ذكره الله تعالى هنا؟ لا يقال: هذا مدفوع من وجهين:

أحدهما: أن المراد منه الأودية العظام كالنيل وجيحون.

الثاني: لعله حصل في البحار موضع يكون أحد جانبيه عذباً والآخر ملحاً، لأنا نقول: أما الأول فضعيف، لأن هذه الأودية ليس فيها ماء ملح، والبحار ليس فيها ماء عذب، فلم يحصل البتة موضع التعجب وأما الثاني فضعيف؛ لأن موضع الاستدلال لا بد وأن يكون معلوماً، وأما بمحض التجويز فلا يحسن الاستدلال.

فالجواب: أنا نقول: المراد من البحر العذب هذه الأودية ومن البحر الأجاج البحار الكبار. {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} أي: حائلاً من الأرض، ووجه الاستدلال هاهنا أن العذوبة والملوحة إن كانت بسبب طبيعة الأرض والماء، فلا بد من الاستواء، وإن لم يكن كذلك فلا بد من قادر حكيم يخص كل واحد من الأجسام بصفة خاصة. ويمكن الجواب بطريق آخر، وهو أنا رأينا نيل مصر داخلاً في بحر ملح أبيض لونه مغاير للون بحر الملح، ولا يختلط به ويؤخذ منه ويشرب.

ص: 551

قوله تعالى: {وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ المآء بَشَراً} الآية.

هذا نوع خامس، وفي هذا الماء قولان:

أحدهما: أنه النطفة، والثاني: أنه الماء الذي تسقى به الأرض فيتولد منه الأغذية، ويتولد من الأغذية النطفة، كما تقدم في قوله:{وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] .

ص: 551

قوله: «مِنَ المَاءِ» يجوز أن يكون متعلقاً ب «خَلَقَ» وأن يتعلق بمحذوف حالاً من ماء، و «مِنْ» لابتداء الغاية، أو للتبعيض.

قوله: {فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} أي: جعله ذا نسب وصهر قال الخليل: لا يقال لأهل بيت المرأة إلا الأصهار، ولا لأهل بيت الرجل إلا أختان. قال: ومن العرب من يطلق الأصهار على الجميع. وهذا هو الغالب.

وقيل: النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه، والنسب ما يوجب الحرمة، والصهر ما لا يوجبها. والصحيح أن النسب من القرابة والصهر الخلطة التي تشبه القرابة وهو النسب المحرم للنكاح، وقد تقدم أن الله تعالى حرم بالنسب سبعاً وبالسبب سبعاً في قوله عز وجل:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]{وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} حيث خلق من النطفة نوعين من البشر الذكر والأنثى.

ص: 552

قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} الآية. لما ذكر دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم فقال «وَيَعْبُدُونَ» أي: هؤلاء المشركون {مَا لَا يَنفَعُهُمْ} إن عبدوه «وَلَا يَضرُّهُمْ» إن تركوه، {وَكَانَ الكافر على رَبِّهِ ظَهِيراً} أي: معيناً للشيطان على ربه بالمعاصي. قال الزجاج: يعاون الشيطان على معصية الله، لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان. فإن قيل كيف يصح في الكافر أن يكون معاوناً للشيطان على ربه بالعداوة. فالجواب أنه تعالى ذكر نفسه وأراد رسوله فقال:{إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله} [الأحزاب: 57] . وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيناً ذليلاً، كما يقول الرجل لمن يستهين به: جعلني بظهر، أي: جعلني هيناً، ويقال: ظهرت به: إذا جعلته خلف ظهرك، كقوله:{واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} [هود: 92] .

ص: 552

قال أبو مسلم: وقياس العربية أن يقال: مظهوراً، أي: مستخف به متروك وراء الظهر، فقيل فيه: ظهير بمعنى مظهور، ومعناه: هين على الله أن يكفر الكافر، وهو تعالى مستهين بكفره.

والمراد بالكافر قيل: أبو جهل، لأن الآية نزلت فيه. والأولى حمله على العموم لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ. قيل: ويجوز أن يريد بالظهير الجماعة كقوله: {وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4] كالصديق والخليط، فعلى هذا يكون المراد بالكافر الجنس، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور الله قال تعالى:{وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي} [الأعراف: 202] .

قوله: «عَلَى رَبِّهِ» يجوز أن يتعلق ب «ظَهِيراً» ، وهو الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه خبر «كان» و «ظهيراً» حال، والظهير المعاون.

قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} أي: منذراً، ووجه تعلقه بما تقدم أن الكفار يطلبون العون على الله ورسوله والله تعالى بعث رسوله لنفعهم، لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية، فيستحقوا الثواب، ويحترزوا عن العقاب فلا جهل أعظم من جهل من استفرغ جهده في إيذاء شخص استفرع جهده في إصلاح مهماته ديناً ودنياً، ولا يسألهم على ذلك ألبتة أجراً.

قوله: {إِلَاّ مَن شَآءَ} فيه وجهان:

أحدهما: وهو منقطع، أي: لكن من يشاء {أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً} فليفعل.

والثاني: أنه متصل على حذف مضاف، يعني: إلا أجر من، أي: الأجر الحاصل على دعائه إلى الإيمان وقبوله، لأنه تعالى يأجرني على ذلك. حكاه أبو حيان وفيه نظر، لأنه لم يسند السؤال المنفي في الظاهر إلى الله تعالى إنما أسنده إلى المخاطبين فكيف يصح هذا التقدير.

فصل

المعنى: ما أسألكم على تبليغ الوحي من أجر، فتقولوا إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه.

ص: 553

وقوله: {إِلَاّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً} استثناء منقطع معناه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً بإنفاق ماله في سبيله فعل ذلك.

والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجراً، ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته.

قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لَا يَمُوتُ} الآية. لما تبين أن الكفار يتظاهرون على إيذائه، وأمره أن لا يطلب منهم أجراً، أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وفي جلب جميع المنافع، وإنما قال:{عَلَى الحي الذي لَا يَمُوتُ} ، لأن من توكل على الحي الذي يموت فإذا مات المتوكَّل عليه صار المتوكِّل ضائعاً، وأما الله تعالى فهو حي لا يموت فلا يضيع المتوكِّل عليه.

«وَسَبِّحْ بَحَمْدِهِ» قيل: المراد بالتسبيح الصلاة. وقيل: قل سبحان الله والحمد لله. {وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} عالماً، وهذه كلها يراد بها المبالغة، يقال كفى بالعلم جمالاً، وكفى بالأدب مالاً وهو بمعنى حسبك، أي لا يحتاج معه إلى غيره، لأنه خبير بأحوالهم قادرٌ على مكافأتهم وهذا وعيد شديد.

ص: 554

قوله تعالى: {الذي خَلَقَ السماوات والأرض} الآية. لما أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور منها: أنه حي لا يموت، وأنه عالم بجميع المعلومات بقوله {وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً} [الفرقان: 58] ومنها أنه قادر على كل الممكنات، وهو قوله:{الذي خَلَقَ السماوات والأرض} وهذا متصل بقوله: {الحي الذي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58] لأنه سبحانه لما كان خالقاً للسموات والأرض ولكل ما بينهما ثبت أنه القادر على جميع المنافع ودفع المضار، وأن النعم كلها من جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه. و «الَّذِي خَلَقَ» يجوز أن يكون مبتدأ، و «الرَّحْمَنُ» خبره، وأن يكون خبر مبتدأ مقدر، أي: هو الذي

ص: 554

خلق، وأن يكون منصوباً بفعل مضمر، وأن يكون صفة للحي الذي لا يموت، أو بدلاً، أو بياناً هذا على قراءة «الرَّحْمَنُ» بالرفع ومن قرأه بالجر فيتعين أن يكون «الَّذِي خَلَقَ» صفة للحي فقط.

قوله: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} فيه سؤال، وهو أن الأيام عبارة عن حركة الشمس في السموات فقيل السموات لاً أيام، فكيف قال: خلقها في ستة أيام؟

والجواب: في مدة مقدارها (هذه المدة)، لا يقال: الشيء الذي يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدماً محضاً بل لا بد وأن يكون موجوداً فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم الزمان، لأنا نقول: هذا معارض بنفس الزمان، لأن المدة المتوهمة المحتملة لعشرة أيام لا تحتمل بخمسة أيام والمدة المتوهمة المحتملة لخمسة أيام لا تحتمل عشرة أيام فيلزم أن يكون للمدة مدة أخرى، فلما لم يلزم من هذا قدم الزمان لم يلزم ما قلتموه، وعلى هذا نقول لعل الله سبحانه خلق المدة أولاً ثم خلق السموات والأرض فيها بمقدار ستة أيام. وقيل: في ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة. وهو بعيد، لأن التعريف لا بد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول. فإن قيل: لم قدر الخلق والإيجاد بهذا المقدار؟

فالجواب على قول أهل السنة المشيئة والقدرة كافية للتخصيص، وقالت المعتزلة: لا بد وأن يكون من حكمة وهو أن التخصيص بهذا المقدار أصلح، وهذا بعيد لوجهين:

الأول: أن حصول تلك الحكمة إما أن يكون واجباً لذاته أو جائزاً، فإن كان واجباً وجب أن لا يتغير فيكون حاصلاً في كل الأزمنة فلا يصلح أن يكون سبباً لزمان معين، وإن كان جائزاً افتقر حصول تلك الحكمة في ذلك الوقت إلى مخصص آخر، ولزم التسلسل.

والثاني: أن التفاوت بين كل واحد مما لا يصل إليه خاطر المكلف وعقله فحصول ذلك التفاوت لما لم يكن مشعوراً به كيف يقدح في حصول المصالح.

ص: 555

واعلم أنه يجب على المكلف سواء كان على قولنا أو على قول المعتزلة أن يقطع الطمع عن أمثال هذه الأسئلة، فإنه بحر لا ساحل له، كتقدير ملائكة النار بتسعة عشر، وحملة العرش بثمانية، والسموات بالسبع، وعدد الصلوات، ومقادير النصب في الزكوات، وكذا في الحدود، والكفارات، فالإقرار بكل ما قال الله حق هو الدين، والواجب ترك البحث عن هذه الأشياء، وقد نص الله على ذلك في قوله تعالى:{وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلَاّ مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَاّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب وَيَزْدَادَ الذين آمنوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً} [المدثر: 31] ثم قال: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَاّ هُوَ} [المدثر: 31]، وهو الجواب أيضاً في أنه لِمَ لَمْ يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك. وعن سعيد بن جبير: إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر أن يخلقها في لحظة تعليماً لخلقه الرفق والتثبت. وقيل: ثم خلقها في يوم الجمعة فجعله الله عيداً للمسلمين.

قوله: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} لا يجوز حمله على الاستيلاء والقدرة؛ لأن أوصاف الله لم تزل، فلا يصح دخول «ثُمَّ» فيه. ولا على الاستقرار، لأنه يقتضي التغيير الذي هو دليل الحدوث، ويقتضي التركيب، وكل ذلك على الله محال، بل المراد أنه خلق العرش ورفعه.

فإن قيل: يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات وليس كذلك لقوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء} [هود: 7] .

فالجواب: كلمة «ثُمَّ» ما دخلت على خلق العرش بل على رفعه على السموات.

قوله: «الرَّحْمَنُ» قرأ العامة بالرفع، وفيه أوجه:

أحدها: أنه خبر «الَّذِي» ، أو خبر مبتدأ مضمر، أي: الرحمن، ولهذا أجاز الزجاج وغيره الوقف على العرش ثم يبدأ الرحمن، أي: هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له، أو يكون بدلاً من الضمير في «استوى» أو يكون مبتدأ وخبره

ص: 556

الجملة من قوله «فَاسْأَلْ» على رأي الأخفش كقوله:

3879 -

وَقَائِلَةٍ خوْلَانُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ

أو يكون صفة الذي خلق، إذا قلنا: إنه مرفوع.

وقرأ زيد بن علي «الرَّحْمَنِ» بالجر فيتعين أن يكون نعتاً للذي خلق و «الَّذِي خَلَقَ» صفة للحي فقط، لئلا يفصل بين النعت ومنعوته بأجنبي.

قوله: «فَاسْأَلْ بِهِ» في الباء قولان: أحدهما: هي على بابها، وهي متعلقة بالسؤال، والمراد ب «الخَبِير» الله تعالى، ويكون من التجريد، كقولك: لقيت به أسداً والمعنى فاسأل الله الخبير بالأشياء.

قال الزمخشري: أو فاسأل بسؤاله خبيراً كقولك: رأيت به أسداً، أي برؤيته انتهى. قال الكلبي: فاسأل خبيراً به، فقوله:«به» يعود إلى ما ذكر من خلق السموات والاستواء على العرش، والباء من صلة الخبير، وذلك الخبير هو الله تعالى؛ لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق السموات والأرض، ولا يعلمها أحد إلا الله تعالى، ف «خَبِيراً» مفعول «اسْأَل» على هذا، أو منصوب على الحال المؤكدة، واستضعفه أبو البقاء.

قال: ويضعف أن يكون «خَبِيراً» حالاً من فاعل «اسْأَلْ» ؛ لأن «الخبير» لا يسأل إلا على جهة التوكيد كقوله: {وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً} [البقرة: 91] . ثم قال: ويجوز أن يكون حالاً من «الرَّحْمَنُ» إذا رفعته ب «اسْتَوَى» . والثاني: أن تكون الباء بمعنى «عن» إما مطلقاً وإما مع السؤال خاصة كهذه الآية الكريمة، وكقول علقمة بن عبدة:

ص: 557

3880 -

فإنْ تَسَْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإنَّنِي

خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ

والضمير في «به» لله تعالى، و «خَبِيراً» من صفات الملك وهو جبريل قال ابن عباس: إن ذلك الخبير هو جبريل عليه السلام وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم وهو قول الزجاج والأخفش. ويجوز على هذا أي: كون «خَبِيراً» من صفات جبريل، أن تكون الباء على بابها، وهي متعلقة ب «خبير» كما تقدم، أي: فاسأل الخبراء به.

وقال ابن جرير: الباء في «بِهِ» صلة، والمعنى: فاسأله خبيراً و «خَبِيراً» نصب على الحال. وقيل: قوله: «بِهِ» يجري مجرى القسم كقوله: {واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ} [النساء: 1] .

قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن} الآية. قال أكثر المفسرين: الرحمن اسم من أسماء الله مكتوب في الكتب المتقدمة والعرب ما عرفوه.

قال مقاتل: «إن أبا جهل قال: إن الذي يقول محمد شعر، فقال عليه السلام:» الشعر غير هذا إن هذا إلا كلام الرحمن «، فقال أبو جهل: بخ بخ لعمري والله إنه لكلام الرحمن الذي باليمامة هو يعلمك، فقال عليه السلام:» الرحمن الذي في السماء ومن عنده يأتيني الوحي «، فقال: يا أبا غالب من يعذرني من محمد يزعم أن الله واحد وهو يقول: الله يعلمني والرحمن، ألستم تعلمون أنهما إلهان» قال القاضي: والأقرب أن مرادهم إنكار الله لا الاسم، لأن هذه اللفظة عربية وهم كانوا يعلمون أنها تفيد المبالغة في الإنعام، ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين (لله كان قولهم) : «وَمَا الرَّحْمَن» سؤال عن الحقيقة كقول فرعون: {وَمَا رَبُّ العالمين} [الشعراء: 23]، وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين بالله لكنهم جهلوا كونه تعالى مسمى بهذا الاسم كان قولهم «وَمَا الرَّحْمَن» سؤال عن هذا الاسم.

ص: 558

قوله: {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} قرأ الأخوان بياء الغيبة، يعنون محمداً كأن بعضهم قال لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمدٌ أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو.

والباقون بالخطاب، يعني لما تأمرنا أنت يا محمد.

و «ما» يجوز أن يكون بمعنى (الذي) ، والعائد محذوف لأنه متصل؛ لأن (أمر) يتعدى إلى الثاني بإسقاط الحرف، ولا حاجة إلى التدرج الذي ذكره أبو البقاء وهو أن الأصل: لما تأمرنا بالسجود له، ثم بسجوده، ثم تأمرناه، ثم تأمرنا، كذا قدره، ثم قال: هذا على مذهب أبي الحسن وأما على مذهب سيبويه فحذف ذلك من غير تدريج. قال شهاب الدين: وهذا ليس مذهب سيبويه. ويجوز أن تكون موصوفة، والكلام في شهاب الدين: وهذا ليس مذهب سيبويه. ويجوز أن تكون موصوفة، والكلام في عائدها موصوفة كهي موصولة ويجوز أن تكون مصدرية، وتكون اللام للعلة، أي: أنسجد من أجل أمرك وعلى هذا يكون المسجود له محذوفاً، أي: أنسجد للرحمن لما تأمرنا، وعلى هذا لا تكون «ما» واقعة على العالم، وفي الوجهين الأوليين يحتمل ذلك وهو المتبادر للفهم.

قوله: «وَزَادَهُمْ نُفُوراً» قول القائل لهم اسجدوا للرحمن. نفوراً عن الدين والإيمان. ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول، قال الضحاك: سجد الرسول وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعثمان بن مظعون وعمرو بن عنبسة، ولما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين من هذا، وهو المراد من قوله «وَزَادَهُمْ نُفُوراً» أي: فزادهم سجودهم نفوراً.

ص: 559

قوله تعالى: {تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً} الآية.

لما حكى مزيد نفور الكفار عن السجود، وذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن فقال:{تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً} تقدم القول في «

ص: 559

تَبَارَكَ» ، قال الحسن ومجاهد وقتادة ورواية عن ابن عباس البروج هي النجوم الكبار سميت بروجاً لظهورها، لأن اشتقاق البرج من التبرج وهو الظهور.

وقال عطية العوفي: البروج هي القصور العالية، لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها، وهذا أولى لقوله تعالى:{وَجَعَلَ فِيهَا} أي: في البروج فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون قوله «فيها» راجعاً إلى السماء دون البروج؟

فالجواب: لأن البروج أقرب، فعود الضمير إليها أولى.

وروى عطاء عن ابن عباس: هي البروج الاثنا عشر.

قوله: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً} . قرأ الجمهور بالإفراد، والمراد به الشمس لقوله تعالى:{وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً} [نوح: 16] ، ويؤيده أيضاً ذكر القمر بعده. والأخوان «سُرُجاً» بضمتين جمعاً نحو حُمُر في حِمَار، وجمع باعتبار الكواكب النيرات، وإنما ذكر القمر تشريفاً له كقوله:{وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] بعد انتظامهما في الملائكة. وقرأ الأعمش والنخعي وعاصم في رواية عصمة «وقُمْراً» بضمة وسكون وهو جمع قَمْراء كحُمْر في حَمْرَاء، والمعنى: وذا ليال قمر منيراً، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم التفت إلى المضاف بعد حذفه فوصفه تمييزاً، ولو لم يعتبره لقال: منيرة، ونظير مراعاته بعد حذفه قول حسان:

3881 -

يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمْ

بَرَدَى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

ص: 560

الأصل: ماء بردى، فحذفه ثم راعاه في قوله:(يصفق) بالياء من تحت ولو لم يكن ذلك لقال: تصفق بالتاء من فوق على أن بيت حسان يحتمل أن يكون كقوله:

3882 -

وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَها

مع أن ابن كيسان يجيزه سعة.

وقال بعضهم: لا يبعد أن يكون القُمْر بمعنى القَمَر كالرُّشد والرَّشد.

قوله تعالى: {وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً} الآية.

في «خِلْفَةً» وجهان: أحدهما: أنه مفعول ثان. والثاني: أنه حال بحسب القولين في «جعل» . و «خلفة» يجوز أن تكون مصدراً من خلفه يخلفه إذا جاء مكانه، وأن يكون اسم هيئة منه كالرّكبة، وأن يكون من الاختلاف.

كقوله:

3883 -

وَلَهَا بِالمَاطِرُونِ إذَا

أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا

خِلْفَةً حَتَّى إذَا ارْتَبَعتْ

سَكَنَتْ مِنْ جِلَّقٍ بِيَعَا

في بُيُوتٍ وَسْطَ دَسْكرةٍ

حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا

ومثله قوله زهير:

3884 -

بِهَا العِيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً

وأفرد «خِلْفَةً» قال أبو البقاء: لأن المعنى يخلف أحدهما الآخر، فلا يتحقق هذا إلا منهما.

قال ابن عباس: جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه،

ص: 561

فمن فرط في عمل في أحدهما قضاه في الآخر، جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال فاتتني الصلاة الليلة فقال: أدرك ما فاتتك من ليلتك في نهارك فإن الله عز وجل جعل الليل والنهار خلفة.

وقال مجاهد وقتادة والكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خلفان، فقوله:«خلفة» أي مختلفين، هذا أسود، وهذا أبيض، وهذا طويل، وهذا قصير. والأول أقرب.

{لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} قراءة العامة بالتشديد، وقرأ حمزة بالتخفيف، وعن أبيّ بن كعب «يتذكر» . والمعنى: لينظر الناظر في اختلافهما، فيعلم أنه لا بد في انتقالهما من حال إلى حال، من ناقل ومغير فيتعظ.

{أو أراد شكوراً} قال مجاهد: أي شكر نعمة ربه عليه فيها. والشُّكُور بالضم مصدر شَكَرَ شُكُوراً بمعنى الشُّكر، وبالفتح صيغة مبالغة.

ص: 562

قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ} {عِبَادُ الرحمن} رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان:

أحدهما: الجملة الأخيرة في آخر السورة «أُولَئِكَ يُجْزَونَ» ، وبه بدأ الزمخشري و «الَّذِينَ يَمْشُونَ» وما بعده صفات للمبتدأ.

والثاني: أن الخبر «يَمْشُونَ» . والعامة على «عِبَادِ» ، [واليمانيّ بضم العين وتشديد الباء جمع عابد، والحسن «عُبُد» بضمتين.

ص: 562

والعامة «يَمْشُون» بالتخفيف مبنياً للفاعل] ، واليماني والسلمي بالتشديد مبنياً للمفعول.

فصل

هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد الله.

قوله: «هَوْناً» إما نعت مصدر، أي: مشياً هوناً، وأما حال أي: هَيِّنينَ، والهون: اللين والرفق، أي يمشون بالسكينة والوقار متواضعين، ولا يضربون بأقدامهم أشراً وبطراً ولا يتبخترون خيلاء. وقال الحسن: علماء حكماء.

وقال محمد ابن الحنفية: أصحاب وقار وعفّة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا {وإذا خاطبهم الجاهلون} يعني السفهاء بما يكرهونه «قَالُوا سَلَاماً» . قال مقاتل: قولاً يسلمون فيه من الإثم. وقيل: المعنى: لا نجاهلكم. وقيل: المراد حلمهم في مقابلة الجهل. وقال الأصم: «قَالُوا سَلَاماً» أي: سلام توديع لا محبة، كقول إبراهيم عليه السلام لأبيه:«سَلَامٌ عَلَيْكَ» .

قال الكلبي وأبو العالية: نسختها آية القتال.

قوله: «سَلَاماً» يجوز أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر أي: نسلم سلاماً أو نسلم تسليماً منكم لا نجاهلكم فأقيم السلام مقام التسليم، ويجوز أن ينتصب على المفعول به، أي: قالوا هذا اللفظ، قال الزمخشري: أي قالوا سداداً من القول يسلمون فيه من الأذى، والمراد سلامتهم من السفه، كقوله:

3885 -

أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا

فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا

ورجح سيبويه أن المراد بالسلام السلامة لا التسليم، لأن المؤمنين لم يؤمروا قط

ص: 563

بالتسليم على الكفرة، وإنما أمروا بالمسالمة، ثم نسخ ذلك، ولم يذكر سيبويه نسخاً إلا في هذه الآية.

قوله: {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} . لما ذكر وصفهم بالنهار من وجهين:

أحدهما: ترك الإيذاء بقوله: {يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً} .

والثاني: تحمل الإيذاء بقوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَاماً} شرح صفتهم في الليل. قال الزجاج: كل من أدركه الليل قيل: بات وإن لم ينم كما يقال: بات فلان قلقاً. والمعنى يبيتون لربهم سجداً على وجوههم، وقياماً على أقدامهم قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات ساجداً وقائماً. وروى عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ -: «من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة» .

قوله: «سُجَّداً» خبر «يَبِيتُون» ، ويضعف أن تكون تامة.

أي: دخلوا في البيات، و «سُجَّداً» حال و «لِرَبِّهِمْ» متعلق ب «سُجَّداً» . وقدم السجود على القيام وإن كان بعده في الفعل، لاتفاق الفواصل. و «سُجَّداً» جمع ساجد كضُرَّاب في ضارب.

وقرأ أبو البرهسيم «سُجُوداً» بزنة قعود، ويبيت هي اللغة الفاشية، وأزد السَّراة وبجيلة يقولون: يبات، وهي لغة العوام اليوم.

قوله: {والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ} . قال ابن عباس: يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول.

قوله: «غَرَاماً» أي: لازماً دائماً، وعن الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلاّ غريم جهنم. وأنشد بشر بن أبي خازم:

ص: 564

3886 -

وَيَومَ النِّسَار وَيَوْمَ الجِفَا

رِ كَانَا عَذَاباً وَكَانَ غرَاما

وقول الأعشى:

3887 -

إن يُعَاقِبْ يَكُنْ غَرَاماً وإن يُعْ

طِ جَزِيلاً فإنَّهُ لَا يُبَالِي

ف (غَرَاماً) بمعنى شر لازم، وقيل: خسراناً ملحّاً لازماً، ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، ويقال: فلان مغرم بالنساء، إذا كان مولعاً بهن، وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الوجع.

قوله: {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} . يجوز أن تكون «ساءت» بمعنى أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة المفعول، وهو هنا محذوف، أي: أنها يعني جهنم أحزنت صحابها و «مُسْتَقرًّا» يجوز أن تكون تمييزاً وأن تكون حالاً.

ويجوز أن تكون «سَاءَتْ» بمعنى بئست، فتعطي حكمها، ويكون المخصوص بالذم محذوفاً، وفي «ساءت» ضمير مبهم يفسره مستقر و «مستقراً» يتعين أن يكون تمييزاً، أي: سَاءَتْ هي، فهي مخصوص وهو الرابط بين هذه الجملة وبين مَا وَقَعَتْ خبراً عنه، وهو «إنَّها كذا قدَّره أبو حيان، وقال أبو البقاء:» مُسْتَقَرًّا «تمييز، و» سَاءَتْ «بمعنى بئْسَ. فإن قيل: يلزم من هذا إشكال، وذلك أنه يلزم تأنيث فعل الفاعل المذكَّر من غير مسوِّغ لذلك، فإنَّ الفاعل في» سَاءَتْ «على هذا يكون ضميراً عائداً على ما بعده، وهو» مُسْتَقَرًّا وَمُقَاماً «، وهما مذكران، فن أين جاء التأنيث؟

والجواب: أن المستقرَّ عبارة عن جهنَّم فلذلك جاز تأنيث فعله، ومثله قوله:

ص: 565

3888 -

أَوْ حُرَّةٌ عَيْطَلٌ ثَيْجَاءَ مُجْفَرَةٍ

دَعَائِمَ الزَّوْرِ نِعْمَتْ زَوْرَقُ البَلَدِ

و» مُسْتَقرًّا وَمُقَاماً «قيل: مترادفان، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما. وقيل: بل هما مختلفا المعنى، فالمستقرُّ للعصاة، فإنهم يخرجون، والمقام للكُفَّار فإنهم مخلدون. فإن قيل: إنهم سألوا الله أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين: إحداهما: أن عذابها كان غراماً. والثانية: أنها ساءت مستقراً ومقاماً فما الفرق بين الوجهين؟

فالجواب: قال المتكلمون: عقاب الكافر يجب أن يكون مضرّة خالصة عن شوائب النفع (دائمة، فقوله: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} إشارة إلى كونه مضرّة خالصة عن شوائب النفع) وقوله: {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} إشارة إلى كونه دائماً، فحصلت المغايرة.

وقرأت فرقة «مَقَاماً» بفتح الميم، أي: مكان قيام.

وقراءة العامة هي المطابقة للمعنى، أي: مكان إقامة وثُوِيٍّ.

وقوله: {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً} يحتمل أن يكون من كلامهم، فتكون منصوبة المحل بالقول، وأن يكون من كلام الله تعالى.

قوله: {والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} .

قرأ الكوفيون بفتح الياء وضم التاء من يَقْتُرُوا، وابن كثير وأبو عمرو بالفتح والكسر، ونافع وابن عامر بالضم والكسر من أقتر، وعليه {وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ} [البقرة: 236] وأنكر أبو حاتم أقْتَرَ، وقال: لا يناسب هنا، فإن أَقْتَرَ بمعنى افتقر، ومنه {وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ} [البقرة: 236] وردَّ عليه بأن الأصمعي وغيره حكوا أَقْتَرَ بمعنى ضَيَّقَ. وقرأ العلاء بن سيابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسر

ص: 566

التاء مشددة من قَتَّر بمعنى ضيَّق، وكلها لغات، والقَتْر والإقْتَار والتَّقْتير (التضييق الذي هو نقيض) الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة.

فصل

المراد من الآية القصد بين الغلو والتقصير، كقوله تعالى:{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط} [الإسراء: 29] . وسأل ابن الورد بعض العلماء ما البناء الذي لا سَرَف فيه؟ قال: ما سترك عن الشمس، وأكنَّك من المطر. وقال له ما الطعام الذي لا سرف فيه؟ فقال: ما سد الجوعة، وقال له في اللباس: ما ستر عورتك وأدفأك من البرد.

وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: الإسراف في النفقة في معصية الله تعالى، والإقتار: منع حق الله تعالى.

قال مجاهد: لو أنفق الرجل مثل (أبي) قبيس ذهباً في طاعة الله لم يكن مسرفاً. وأنشدوا:

3889 -

ذِهَابَ المَالِ في حَمْدٍ وَأَجْرٍ

ذِهَابٌ لَا يُقَالُ لَهُ ذِهَابُ

وقيل: السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع وإن كان من حلال، لأنه يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.

ص: 567

قوله: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} في اسم «كان» وجهان:

أشهرهما: أنه ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله «أَنْفَقُوا» . أي: وكان إِنْفَاقهم مستوياً قصداً لا إسرافاً ولا تقتيراً، وفي خبرها وجهان:

أحدهما: هو «قَوَاماً» و «بَيْنَ ذَلِكَ» إما معمول له، وإما ل «كان» عند من يرى إعمالها في الظرف، وإما المحذوف على أنه حال من «قَوَاماً» ، ويجوز أن يكون {بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} ، خبرين ل «كان» عند من يرى ذلك، وهم الجمهور خلافاً لابن درستويه.

والثاني: أن الخبر «بَيْنَ ذَلِكَ» و «قَوَاماً» حال مؤكدة.

والثاني من الوجهين الأولين: أن يكون اسمها «بَيْنَ ذَلِكَ» وبُنِيَ لإضافته إلى غير متمكنٍ، و «قَوَاماً» خبرها قاله الفراء. قال الزمخشري: وهو من جهة الإعراب لا بأس به (ولكنه من جهة المعنى) ليس بقوي؛ لأن ما بين الإسراف والتقتير قَوامٌ لا محالة فليس في الخبر الذي هو مُعْتَمَدُ الفائدة فائدةٌ.

قال شهاب الدين: وهو يشبه قولك: كان سيِّد الجارية مالكها. قال ثعلب: القوام - بالفتح - (العدل والاستقامة، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر.

وقال الزمخشري: القوام) العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، وبالكسر ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا ينقص. وقرأ حسان بن عبد الرحمن «قِوَاماً» يكسر القاف، فقيل: هما بمعنى، وقيل: بالكسر اسم ما يقام به الشيء وقيل: بمعنى سداداً وملاكاً.

ص: 568

قوله: {والذين لَا يَدْعُونَ} الآية. قال ابن عباس: إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم َ - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت هذه الآية، ونزل «يَا عِبَادِيَ» {الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله} [الزمر: 53] وروي «أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال:» أن تدعو لله نداً وهو خلقك «قال: ثم أي؟ قال:» ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك «قال: ثم أي؟ قال:» أن تُزَاني حليلة جارك «فأنزل الله تصديقها هذه الآية.

فإن قيل: إن الله تعالى ذكر أن من صفات عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا، فلو كان الترتيب بالعكس كان أولى؟ فالجواب: أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمكناً بالشرك تديناً، ويقتل المولود تديناً، ويزني تديناً، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يتجنب هذه الكبائر. وأجاب الحسن فقال: المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، وأنتم تدعون،» وَلَا يَقْتُلُونَ «وأنتم تقتلون الموءودة،» وَلَا يَزْنُونَ «وأنتم تزنون.

قوله:» إلَاّ بالحَقِّ «يجوز أن تتعلق الباء بنفس» يَقْتلُون «أي: لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، وأن تتعلق بمحذوف على أنها صفة للمصدر، أي: قَتْلاً مُلْتَبِساً بالحق، أو على أنها حال أي: إلَاّ مُلْتَبِسِينَ بالحق.

ص: 569

فإن قيل: من حلَّ قتله لا يدخل في النفس المحرمة، فكيف يصحّ هذا الاستثناء فالجواب: أن المقتضي لحرمة القتل قائم أبداً، وجواز القتل إنما ثبت بمعارض، فقوله:» حَرَّمَ اللَّهُ «إشارة إلى المقتضي، وقوله:» إلَاّ بالحَقِّ «إشارة إلى المعارض والسبب المبيح للقتل هو الردة، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس المحرمة.

قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذلك} هذه إشارة إلى جميع ما تقدم، لأنه بمعنى ما ذكر (فلذلك وحِّدَ) .

قوله:» يَلْقَ «قراءة العامة مجزوماً على جزاء الشرط بحذف الألف، وقرأ عبد الله وأبو رجاء» يَلْقَى «بإثباتها كقوله:» فلا تَنْسَى «على أحد القولين، وكقراءة {لَاّ تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تخشى} [طه: 77] في أحد القولين أيضاً، وذلك بأن نقدر علامة الجزم حذف الضمة المقدرة. وقرأ بعضهم» يُلَقَّ «بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقاه كذا. والأثام مفعول على قراءة الجمهور، ومفعول ثان على قراءة هؤلاء والأثام العقوبة، قال:

3890 -

جَزَى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أَمْسَى

عُقُوقاً وَالعُقُوقُ لَهُ أَثَامُ

أي عقوبةٌ.

وقيل: هو الإثم نفسه، أي: يَلْقَ جَزَاءَ إثْمٍ. قال أبو مسلم: والأثام والإثم واحد، والمراد هاهنا جزاء الأثام، فأطلق اسم الشيء على جزائه.

ص: 570

وقال الحسن: الأثام اسم من أسماء جهنم، وقال مجاهد: اسم وادٍ في جهنم وقيل: بئر فيها. وقرأ ابن مسعود: «أَيَّاماً» جمع يومٍ، يعني شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيَّام، يقال: يوم ذو أيام لليوم الصعب.

قوله: «يُضَاعَفْ» قرأ ابن عامر وأبو بكر برفع «يُضَاعَف» و «يَخْلُدُ» على أحد وجهين: إمَّا الحال، وإمَّا على الاستئناف. والباقون بالجزم فيهما بدلاً من «يَلْقَ» بدل اشتمال، ومثله قوله:

3891 -

مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا في دِيَارِنَا

تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تأَجَّجَا

فأبدل من الشرط كما أبدل هنا من الجزاء. وابن كثير وابن عامر على ما تقدم لهما في البقرة من القصر والتضعيف في العين. ولم يذكر أبو حيان ابن عامر مع ابن كثير وذكره مع الجماعة في قُرَّائهم. وقرأ أبو جعفر وشيبة «نُضَعِّف» بالنون مضمومة وتشديد العين، «العذَابَ» نصباً على المفعول به. وطلحة «يضاعف» مبنياً للفاعل، أي: الله «العذاب» نصباً، وطلحة بن سليمان «وتَخْلُد» بتاء الخطاب على الالتفات، وأبو حيوة «وَيُخَلَّد» مشدداً مبنياً للمفعول. وروي عن أبي عمرو كذلك إلا أنه بالتخفيف.

ص: 571

و «مُهَاناً» حال، وهو اسم مفعول من أَهَانَهُ يُهِينُه، أي: أَذَلَّه وأَذَاقَهُ الهَوَانَ.

فصل

قال القاضي: بَيّن الله تعالى (أن) المضاعفة والزيادة يكون حالها في الزيادة كحال الأصل، فقوله:«وَيَخْلُد فِيهِ» أي: ويخلد في ذلك التضعيف، وذلك إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي، فوجب أن يكون عقاب هذه المعاصي في حق الكافر دائماً، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن كذلك؛ لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره، أو منفرداً.

والجواب: لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسناً وإن كان الجميع قبيحاً، وقد يكون كل واحد منهما قبيحاً، ويكون الجمع بينهما أقبح. وسبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك فيعذب على الشرك وعلى المعاصي، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام.

قوله: {إِلَاّ مَن تَابَ} فيه وجهان:

أحدهما: وهو الذي لم يعرف الناس غيره: أنه استثناء متصل؛ لأنه من الجنس.

والثاني: أنه منقطع. قال أبو حيان: ولا يظهر، يعني الاتصال؛ لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب (فيصير التقدير: إلَاّ مَنْ تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَلَا يُضَاعَفُ لَهُ العَذَابُ) ، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المُضَعَّف، فالأولى عندي أن يكون استثناءً منقطعاً، أي: لكن مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيّآتِهِمْ حَسَنَاتٍ وإذا كان كذلك فلا يلقى عذاباً ألبتة.

قال شهاب الدين: والظاهر قول الجمهور، وأمَّا ما قاله فلا يلزم إذ المقصود الإخبار بأنَّ من فعل كذا فإنه يحلُّ به ما ذكر إلا أن يتوب، وأمَّا إصابة أصل العذاب وعدمها فلا تعرُّض في الآية له. واعلم أن البحث الذي ذكره أبو حيان ذكره أيضاً ابن الخطيب فقال: دلت الآية على أن التوبة مقبولة، والاستثناء لا يدل على ذلك، لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين، فيكفي لصحة الاستثناء أن لا يضاعف للتائب ضعفين،

ص: 572

وإنما يدلّ عليه قوله: {فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} .

فصل

نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة القاتل لا تقبل، وزعم أن هذه الآية منسوخة (بقوله تعالى) :{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} [النساء: 93]، وقالوا: نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين، وتقدم في سورة النساء.

فإن قيل: العمل الصالح يدخل في التوبة والإيمان فذكرهما قبل العمل الصالح حَشْوٌ؟ فالجواب: أفردهما بالذكر لعلوّ شأنهما ولما كان لا بدَّ معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح.

قوله: {فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} .

قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والسدي ومجاهد وقتادة: التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا إحصاناً وعفة. وقيل: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات.

قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنةً، فالتأويل: أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يُحْبِطُ اللَّه عَمَلَهُ ويثبت عليه السَّيِّئَات.

قوله: «سَيِّئَاتِهِمْ» هو المفعول الثاني للتبديل، وهو المقيد بحرف الجر، وإنما حذف، لفهم المعنى، و «حسنات» هو الأول المسرح، وهو المأخوذ، والمجرور بالباء هو المتروك، وقد صرح بهذا في قوله تعالى:{وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ} [سبأ: 16] وقال:

3892 -

تَضْحَكُ مِنِّي أُخْتُ ذَاتِ النِّحْييْنِ

أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِلَوْنِ لَوْنَيْنِ

ص: 573

سَوَادَ وَجْهٍ وَبَيَاضَ عَيْنَيْنِ

وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله: {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله} [البقرة: 211] .

قوله: {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً} الآية. قال بعض العلماء: هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا، أي: تاب من الشرك وأدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله} يعود إليه بعد الموت «مَتَاباً» حسناً يفضل على غيره ممن قتل وزنا. فالتوبة الأولى وهي قوله: «وَمَنْ تَابَ» رجوعٌ عن الشرك، والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة.

وقيل: هذه التوبة أيضاً عن جميع السيئات، ومعناه من أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله، فقوله:{يَتُوبُ إِلَى الله} خبر بمعنى الأمر، أي: ليتب إلى الله، وقيل: معناه وليعلم أن توبته ومصيره إلى الله.

قوله

ص: 574

: {والذين لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} وجهان:

أحدهما: أنه مفعول به، أي: لا يحضرون الزُّور، وفسر بالصَّنم واللهو. وقال أكثر المفسرين: يعني: الشرك.

والثاني: أنه مصدر، والمراد شهادة الزُّور، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قاله علي بن أبي طالب.

وقال ابن جريج: الكذب. وقال مجاهد: أعياد المشركين. وقيل: النوح. وقال قتادة: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم. وكل هذه الوجوه محتملة.

وأصل «الزُّور» : تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق.

قوله: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ} أي: بأهله. قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم

ص: 574

والأذى أعرضوا وصفحوا كقوله: {وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ} [القصص: 55] .

وقال الحسن والكلبي: اللغو: المعاصي كلها مما يجب أن يلغى ويتر.

«مَرُّوا كِرَاماً» مسرعين معرضين، يقال: تكرّم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عنه.

قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} النفي متسلط على القيد، وهو الصمم والعمى، أي: إنَّهم يخرُّون عليها لكن لا على هاتين الصفتين.

قال الزمخشري: فقوله: {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا} ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى، كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً. هو نفي للسلام لا للقاء، والمعنى: أنهم إذا ذكروا بها أكبّوا عليها حرصاً على استماعها، وأقبلوا على المذكر بها وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان واعية ويبصرون بعيون واعية، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها مظهرين الحرص الشديد على استماعها، وهم كالصُّمِّ والعميان حيث لا يفهمونها، ولا يبصرون ما فيها، وفيه تعريض بالمنافقين.

قوله

ص: 575

: {والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا} .

يجوز أن تكون «من» لابتداء الغاية، أي: هب لنا من جهتهم ما تقرّ به عيوننا من طاعة وصلاح، وأن تكون للبيان، قاله الزمخشري وجعله من التَّجريد، أي: هب لنا قُرَّة أعْيُنٍ من أزواجنا كقولك رأيتُ مِنْكَ أسَداً.

وقرأ أبو عمرو والأخوان وأبو بكر «ذُرِّيَّتِنَا» بالتوحيد، والباقون بالجمع سلامة وقرأ أبو هريرة وأبو الدرداء وابن مسعود «قُرَّاتِ» بالجمع، وقال

ص: 575

الزمخشري: أتى هنا ب «أَعْيُنٍ» صيغة القلة دون (عُيُونٍ) صيغة الكثرة، إيذاناً بأنَّ عيون المتقين قليلة بالنسبة إلى عيون غيرهم. وردَّه أبو حيان بأن أعيُناً يطلق على العشرة فما دونها، وعيون المتقين كثيرة فوق العشرة. وهذا تحمُّلٌ عليه، لأنَّه إنما أراد القلة بالنسبة إلى كثرة غيرهم، ولم يُرِدْ قَدْراً مخصوصاً.

فصل

أراد قرة أعين لهم في الدين لا في الدنيا من المال والجمال، قال الزجاج: يقال: أقرَّ الله عينك، أي: صادف فؤادك ما يحبه وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال:

أحدها: برد دمعتها، وهي التي تكون مع السرور، ودمعة الحزن حارة.

الثاني: فرحها، لأنه يكون مع ذهاب الحزن والوجع.

الثالث: قال الأزهري: حصول الرضا.

قوله: {واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} في «إمَاماً» وجهان:

أحدهما: أنه مفرد، وجاء به مفرداً إرادة للجنس، وجنسه كونه رأس فاصلة. (أو المراد: اجعل كل واحد منا إماماً. كما قال {نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} [الحج: 5] .

قال الفراء: قال «إِمَاماً» ولم يقل: أئمة. كما قال للاثنين {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين} [الشعراء: 16] . وقيل: أراد أئمة كقوله: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي} [الشعراء: 77] ، وإمَّا لاتحادهم واتفاق كلمتهم، وإمَّا لأنَّه مصدرٌ في الأصل كصيام وقيام.

الثاني: أنه جمع آمٍّ كحالٍّ وحلال، أو جمع إمامة كقلادة وقلاد.

قال القفال: وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل: اجعلنا

ص: 576

حجة للمتقين، ومثله البينة يقال: هؤلاء بينة فلان.

فصل

قال الحسن: نقتدي بالمتقين ويقتدي بنا المتقون. وقال ابن عباس: اجعلنا أئمة هداة كما قال: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ} [الأنبياء: 73] ولا تجعلنا أئمة ضلالة، كقوله:{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار} [القصص: 41] . وقيل هذا من المقلوب، أي: واجعل المتقين لنا إماماً واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم قاله مجاهد.

فصل

قيل: نزلت الآية في العشرة المبشرين بالجنة.

قال بعضهم: هذه الآية تدل على وجوب طلب الرياسة في الدين والرغبة فيها، قال إبراهيم عليه السلام {واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين} [الشعراء: 84] واحتج أهل السنة بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، لأن الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل، والعلم والعمل إنما يكون بجعل الله وخلقه.

قال القاضي: المراد من هذا السؤال الألطاف التي إذا كثرت صاروا مختارين لهذه الأشياء فيصيرون أئمة.

والجواب: أن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.

واعلم أنه تعالى لما بيَّن صفات المتقين المخلصين بيَّن بعده إحسانه إليهم.

قوله

: {أولئك

يُجْزَوْنَ الغرفة} أي: يثابون الغرفة، وهي الدرجة العالية. و «الغُرْفَة» مفعول ثان ل «يُجْزَونَ» ، والغُرْفَةُ كُلُّ بِنَاء مرتفع، والجمع غُرَفٌ.

قوله: «بِمَا صَبَرُوا» أي بِصَبْرِهم، أي: بِسَببه أو بسبب الذي صبروه، والأصل:

ص: 577

صبروا عليه، ثم حذف بالتدريج. والباء للسببية كما تقدم، وقيل: للبدل، كقوله:

3893 -

فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْماً

... ولا حاجة إلى ذلك. وذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه، ليعمّ جميع أنواع المشاقّ، ولا وجه لقول من يقول: المراد الصبر على الفقر خاصة.

قوله: «وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا» قرأ الأخوان وأبو بكر بفتح الياء وسكون اللام من لَقِيَ يَلْقَى، والباقون بضمها، وفتح اللام وتشديد القاف على بنائه للمفعول، كقوله:{وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} [الإنسان: 11] . والتحيّة الدعاء بالتعمير، أي: بقاء دائماً، وقيل: الملك. والسلام الدعاء بالسلامة، أو يسلم بعضهم على بعض. وهذه التحيّة والسلام يمكن أن يكون من الله كقوله {سَلَامٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58] . ويمكن أن يكون من الملائكة لقوله: {وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ} [الرعد: 23 - 24] . ويمكن أن يكون بعضهم على بعض.

قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} . وصف ذلك بالدوام بقوله: «خالدين فيها» ، وقوله:{حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} أي: موضع قرار وإقامة، وهذا في مقابلة قوله:{سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} [الفرقان: 66] أي: ما أسوأ ذاك وأحسن هذا.

قوله: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} . قال مجاهد وابن زيد: أي: ما يصنع وما يفعل بكم. قال أبو عبيدة: يقال: ما عَبَأْت به شيئاً، أي: لم أُبَالِهِ، فوجوده وعدمه سواء. وقال الزجاج: معناه لا وزن لكم عندي والعبء في اللغة الثقل. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما يبالي ربكم، ويقال: ما عبأت بك، أي: ما اهتممت ولا اكترثت، ويقال: عبأت الجيش وعبأته، أي: هيأته وأعددته. قوله: «لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ»

ص: 578

جوابها محذوف لدلالة ما تقدم، أي: لولا دعاؤكم ما أعبأ بكم ولا أكترث، و «ما» يجوز أن تكون نافية، وهو الظاهر، وقيل: استفهام، بمعنى النفي، ولا حاجة إلى التجوز في شيء يصح أن يكون حقيقته بنفسه. و «دُعَاؤُكُمْ» يجوز أن يكون مضافاً للفاعل، أي: لولا تضرّعكم إليه، ويجوز أن يكون مضافاً للمفعول، أي: لولا دعاؤكم إيّاهُ إلى الهدى.

فصل

ومعنى هذا الدعاء وجوه:

الأول: لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كما قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} [العنكبوت: 65] .

الثاني: لولا شكركم له على إحسانه، لقوله:{مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ} [النساء: 147] .

الثالث: لولا عبادتكم.

الرابع: لولا إيمانكم.

وقيل المعنى: ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم.

وقيل: المعنى: قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه، يعني أنه خلقكم لعبادته كما قال:{وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] . قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: معناه ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما يفعل الله بعذابكم لولا شرككم كما قال:{مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147] .

قوله: «فَقَدْ كَذَّبْتُمْ» أيها الكافرون يخاطب أهل مكة، يعني أن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. وقرئ «فقد كذب الكافرون» قوله:{فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} أي: فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم، وهذا عقاب الآخرة،

ص: 579

ونظيره أن يقول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك.

قوله: «لِزَاماً» قرئ بالفتح يعني اللزوم كالثبات والثبوت.

قال ابن عباس: موتاً. وقال أبو عبيدة: هلاكاً. وقال ابن زيد: قتالاً والمعنى: يكون التكذيب لازماً لمن كذب فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. وقال ابن جريج: عذاباً دائماً لازماً وهلاكاً مُفْنِياً يلحق بعضكم ببعض. قال ابن مسعود وأبيّ بن كعب ومجاهد ومقاتل: هو يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة لازماً لهم. وقال عبد الله بن مسعود: خمس قد مضين الدخان والقمر واليوم والبطشة واللزام: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} . روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: «من قرأ سورة الفرقان بعثه الله يوم القيامة وهو يؤمن أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، ودخل الجنة بغير حساب» .

ص: 580