الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماًً} .
{إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} .
حقاً وصدقاً إن الله غفور رحيم ولكن لمن؟ هل للذين يتمادون في اقتراف المعاصي ويصرون على تعاطي الخمر ولا يندمون ولا يتوبون توبة نصوحا؟ كلا!
العلاج:
أنا لا أنكر أهمية طرق العلاج الرائجة والمتداولة بصفة عامة ومنها إنشاء المستشفيات المتخصصة والقرى العلاجية للرعاية اللاحقة والعلاج الإجباري مقابل العلاج الاختياري ومما لاشك فيه أن الطبيب يلعب دوراً هاماً جداً في مساعدة المدمن على التخلص من إدمانه إذا كان المدمن راغباً في الإقلاع عن عادته، ولكنني أريد أن ألفت الأنظار إلى شيء أهم من هذه الطرق كلها وهو إزالة السبب الأساسي لهذا المرض، ألا وهو ضعف الإيمان بالله والآخرة أو انعدامه من قلوب المسلمين.
إن السكر علامة من علامات انهيار المجتمع الإسلامي بأسره ولا يمكن علاجه بدون معالجة المجتمع بأسره على أساس بعث قوة الإيمان والتربية الإسلامية وإزكاء الشعور الديني.
إن أي عمل في هذا الصدد دون الارتكاز على خلفية دينية لن يعود بأية فائدة علينا ويتبين هذا من تجربة عظيمة أجريت في أرقى وأقوى دولة في العالم _ أمريكا في عام 1920م وفيما يلي ألخص ما كتبه الشيخ المودودي بصدد هذه التجربة التاريخية العظيمة.
حرمت الحكومة الأمريكية الخمر في عام 1920م _ كانت هذه أكبر تجربة جربها الإنسان لإصلاح الأخلاق والسلوك الاجتماعي بقوة وسلطة الحكم لا يوجد لها نظير في التاريخ.
فأقيمت في البلاد، قبل إعلان تحريم الخمر، دعاية واسعة النطاق ضد الخمر وبقيت الرابطة المحاربة لوجود حانات بيع الخمر تسعى وتجتهد في ترغيب الأمريكيين عن الخمر وتثبيت مضارها في أذهانهم، بإلقاء الخطب وتأليف الرسائل والكتب وعرض المسرحيات وأفلام السينما.
وأفنت في سبيل هذا التبليغ عشرات وبذلت الأموال الطائلة، حتى قدر أن النشرات المطبوعة والمسموعة بلغت تكاليفها مبلغ خمسة وستين مليون دولار، وأنه بلغ عدد الصفحات التي سود بياضها لبيان مساوئ الخمر والزجر عنها تسعة آلاف مليون صفحة.
ذلك قبل بدء التجربة. وأما ما تحملته الأمة الأمريكية في الأربعة عشر عاماً من 1920م إلى 1933م، عام إلغاء قانون التحريم، من النفقات الباهظة لأجل تنفيذ قانون التحريم فقدر مجموعها بأربعة ملايين ونصف مليون جنيه.
وتدل الإحصاءات التي أذاعها ديوان القضاء الأمريكي لهذه الفترة، أنه قتل في سبيل تنفيذ هذا القانون مائتا نسمة وسجن نصف مليون وغرم الجناة ما يربو على مليون ونصف مليون جنيه، وصودر من الأملاك ما يساوي أربعمائة مليون جنيه.
كل هذا النقص الهائل في الأنفس والأموال كابدته أمريكا لغرض واحد، هو تلقين الأمة الأمريكية " المتحضرة " مفاسد الخمر الجمة وتنبيهها إلى مضارها الروحية والصحية والأخلاقية والاقتصادية ولكن عاد القوم من هذا الجهاد الإصلاحي العظيم بصفقة خاسرة.
فلم تكد تغلق الحانات القانونية العلنية في البلاد بجانب حتى انفتحت فيها بجانب آخر آلاف مؤلفة من الحانات السرية، ثم كثر تردد الصغار من أبناء الأمة وبناتها إلى هذه الحانات وغلت أثمان الخمر غلاء فاحشا _ والذي قدر على أقل التقدير أنه بلغ عدد شاربي الخمر بعد التحريم عشرة أضعاف ما بلغه قبله _ وصارت الخمر المستعملة سراً في كيفيتها أردأ نوعاً وأشد فتكاً بالصحة مما جعل الأطباء يقولون فيها:" إن هذا المشروب أحرى بأن يدعى السم من أن يسمى خمرا " من أمثلة ذلك ما تدل عليه الإحصاءات لمدينة نيويورك من أنه كان عدد المرضى فيها من استعمال الكحول في سنة 1918 قبل التحريم: 3741 وعدد الهالكين من استعماله: 252 نفساً _ ثم بلغ عدد المرضى فيها لسنة 1927 بعد التحريم أحد عشر ألفا وعدد الهالكين سبعة آلاف ونصف الألف.
وحاصل القول أن النتائج التي ظهرت في أمريكا عقب تحريم الخمر تتلخص في أنه:
_ زالت عن القلوب حرمة القانون ونشأت نزعة للبغي والتمرد عليه في كل طبقه من طبقات المجتمع.
_ لم تتحقق الغاية المقصودة من تحريم الخمر، بل زاد استعمالها بعد التحريم على ما كان عليه قبله.
_ تجشمت الحكومة خسائر لا تحصى في تنفيذ قانون التحريم، ومثلها أيضا أصاب الشعب الأمريكي لشرائه الخمر خفية، فتأثرت بذلك اقتصاديات البلاد.
_ كثرت الأمراض واختلت الصحة وازدادت نسبة الوفيات، وفسدت الأخلاق وشاعت الرذائل وتفشت الجرائم في جميع طبقات المجتمع وعلى الأخص في الجيل الناشئ.
وكانت هذه كلها من ثمرات هذا القانون في ناحية التمدن والأخلاق إلى أن ألغي قانون تحريم الخمر في عام 1933م.
ظهرت هذه النتائج كلها في دولة تعد من أرقى دول الأرض حضارة. إن أبناءها أوفر حظاً من التهذب والحضارة، فهم أحرى أن يعرفوا ما يضرهم وما ينفعهم.
والآن هيا بنا نرسل الطرف في قطر كان يعد أجهل أقطار الأرض في أظلم عصور التاريخ قبل أربعة عشرة قرناً، أهاليه أميون، والعلم والحكمة فيه شيء معدوم، والتمدن والحضارة أمر لا يعرفه أحد، وعدد المتعلمين فيه ربما لا يزيد على واحد في عشرة آلاف. وأما أهاليه فعشاق للخمر متهالكون عليها متفانون فيها، في لغتهم نحو مائتين ونصف مائة علم (اسم) لهذا الشراب وحده مما لا نظير له في أية لغة أخرى. يبدو كأنهم رضعوها مع لبان أمهاتهم وكانوا يعتبرونها لازمة لزوم الماء لحياتهم.
فإذا كانت الحالة السائدة في شبه الجزيرة العربية قبيل ظهور الإسلام. وما إن يبزغ نور الرسالة حتى تبدأ الشريعة الإسلامية بتحريم الخمر تدريجيا. حتى حرمت الخمر البتة في مدة قليلة فقال الصحابة " انتهينا يا رب! " وقال أنس رضي الله عنه: حرمت، ولم يكن للعرب يومئذ عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شيء أشد من الخمر.
قال: فأخرجنا الحباب إلى الطريق فصببنا ما فيها. فمنا من كسر حبه ومنا من غسله بالماء والطين. ولقد غودرت أزقة المدينة بعد ذلك حيناً، كلما أمطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت ريحها.
والذي تدل عليه هذه المقارنة بين تحريم الخمر في أمريكا وتحريمها عند العرب، هو أن نجاح أي مشروع إصلاحي إنما يتوقف على مدى قوة الإيمان، فالإيمان بالله والآخرة ينبت منه العمل الصالح والتقوى والإحسان والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
ولا يمكن للإنسان أن يتخلص من العادات السيئة إلا بالتربية الإسلامية والأخذ بمنهاج السنة على صاحبها الصلاة والسلام.
أما الطرق الحديثة لمعالجة شرب الخمر فهي أمور إضافية كما رأيناها آنفاً.
خطة العلاج:
وعلاجاً لهذه العادة الخبيثة المدمرة، ومقاومة لتعاطي المسكرات والمخدرات، أقترح لأربع خطوات، اثنتين منها لحكومات الدول الإسلامية واثنتين للأفراد المدمنين: _
1 _
فواجب على حكومات الدول الإسلامية أن تضع حداً لنظام التعليم غير الإسلامي الرائج في أكثر الدول. فحكوماتنا مسئولة أمام الله والناس عن تنشئة جيل جديد في ضوء القرآن والسنة وتوجيهه وتربيته تربية إسلامية، مع الوقوف على أفكاره بين الحين والآخر تيقنا من النهج القويم.
2 _
وواجب على حكومات الدول الإسلامية أن تمنع بتاتاً استيراد المسكرات أو إنتاجها وأن تحرم عصرها في داخل البلاد أيضا. وليس هذا غير ممكن.
3 _
التوبة المتكررة.
4 _
ذكر الله.
والآن أوضح ما أعني بالتوبة المتكررة وذكر الله.
التوبة المتكررة:
وأعني بالتوبة المتكررة ما يقوم به من يريد التوبة في ضوء السنة على صاحبها الصلاة والسلام. فالذين تعودوا على تعطي المسكرات، عليهم أن يصلوا ركعتين تائبين إلى الله من هذا الذنب العظيم، فالتوبة ندم وعزم واستغفار _ فلا قدر الله حتى وإن سيطر على المدمن إدمانه وهو يشرب الخمر لما بعد توبته فلا موجب ليأسه وعليه أن يتوب مرة أخرى ويندم ويستغفر ويعزم على التخلص من هذا البلاء وأن لا يقنط من رحمة الله. وعليه أن يستمر في تكرار التوبة مباشرة بعد ارتكابه الذنب ولو كان هذا لعدة مرات في اليوم الواحد.
هذا لأنه بعد هذا العمل المستمر للتوبة المتكررة سيصبح المدمن من التوابين لا من المصرين على الذنب وقد ورد الحديث:
" عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أصر من استغفر ولو عاد سبعين مرة في يوم واحد ". [مشكاة المصابيح]
وعلي أن أخبركم بتجربتي في هذا الصدد _ جاءني شيخ مدمن وكان يريد التخلص من شرب الخمر _ فنصحت له عمل التوبة المتكررة. فتاب إلى الله ثم رجع إلى ذنبه، ثم تاب ثم شرب الخمر وعمل هكذا عدة مرات حتى جاءني بعد بضعة أيام فقال لي: قد سئمت من هذه اللعبة يا أخي، التي لا طائل من ورائها.
فقلت: منذ متى وأنت تشرب الخمر؟
فقال: منذ عشرين عاماً.
فقلت: عليك أن تجرب هذه اللعبة لعشرين أسبوعاً على الأقل وإن لم تستشعر أية فائدة من هذه التجربة فاتركها.
فقال: لن أطمئن حتى تخبرني عن فائدة عمل " توبة فاشلة ".
فقلت: يا أخي! تصلي ركعتين وتستغفر وتندم وتتوب إلى الله بكامل إخلاصك فإن من سنة الله أن يغفر لعبده جميع ما كان قد ارتكب من ذنوب لاسيما تلك التي هي من قبيل غضب حقوق الله كما ورد في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له ".
فكل مرة عندما تشرب الخمر ثم تصلي ركعتين تائبا إلى الله فإن الله سبحانه يغفر لك ذلك الذنب _ فصلاة ركعتين للتوبة هي ربح لك. فإذا أنت استمررت على عمل التوبة فإن الشيطان لن يرضى لك هذا الربح بسهولة بل سيحاول إغراءك مرة تلو المرة بترك صلاة التوبة وإن لم يمكنه ذلك بسبب استمرارك في عمل التوبة في صورة صلاة الركعتين فليس أمامه إلا أن يكون عوناً لك على ترك الخمر. إنه على الأقل سيخلي طريقك ولن يطاردك بوساوسه في هذا الصدد.
وأحمد الله سبحانه على أن هذه التجربة قد نجحت نجاحا تاماً وتمكن الشيخ من الإقلاع عن الخمر بهذه الطريقة.
ويذكرنا هذا بقصة سيدنا معاوية رضي الله عنه المشهورة مع الشيطان إذ يحكى أن سيدنا معاوية لم يستيقظ في إحدى الليالي للتهجد كعادته، فأسف أسفاً شديدا وبكى أمام الله سبحانه بكاء شديداً. فرأى في الليلة التالية أن الشيطان يوقظه للتهجد فسأله قائلاً: لماذا توقظني للتهجد وأنت عدوي. فقال الشيطان: هذا لأنك اكتسبت البارحة ببكائك أكثر مما تكسب بالتهجد فأبيت عليك ذلك، وجدير بي أن أوقظك للتهجد كي لا تبكي على فواته منك فتكسب أكثر مما تكسب بالتهجد.
فالحقيقة إذا ما جاء المدمن ونوى أن يتوب بالإقلاع عن شرب الخمر فصلى ركعتين بنية التوبة فإن الشيطان الذي يأبى عليه ذلك يعود فيغريه مرة أخرى، فيشرب ثم يتوب مرة أخرى ويصلي ركعتين وهكذا، وفي كل مرة يمحو الله ذنبه بمجرد توبته وإقلاعه عن شرب الخمر، بل وتكتب له حسنة عن أداء ركعتي الصلاة وتوبته في كل مرة. وعندما يرى الشيطان هذا الفضل، يعز عليه أن يكون سبباً في زيادة الخير لهذا الشارب. فلا يسع
الشيطان في النهاية إلا أن يقرر أن يترك شارب الخمر لحاله، فلا يعود يغريه بشربها مرة أخرى حتى لا يكون سبباً في كسب المزيد من الحسنات رغم أنفه.
ذكر الله:
وقد ورد في عدد من الأحاديث النبوية أن ذكر الله سبب نزول رحمة الله على العبد ورحمة الله تمنع الإنسان من ارتكاب المعاصي كما أن لعنة الله سبب لكثرة المعاصي. فمن اللازم للمدمن أن يكثر من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار وتلاوة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأس كل الصلاة المكتوبة. ولكل هذه الأذكار أثر بالغ أنها تمنع الإنسان عن ارتكاب المعاصي كما ورد في القرآن:
{إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} .
وقد ورد نص صريح في الصلاة على النبي فقال عليه الصلاة والسلام:" من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشر مرات ".
وعلينا أن نفهم جيدا ما هو تأثير صلاة الله على العبد فقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} .
وهذا يعني أن الصلاة على النبي تستلزم إخراجه من الظلمات إلى النور.
فهذه النصوص تدل دلالة قاطعة على أن كثرة ذكر الله لاسيما الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ذات ثمرة حلوة ألا وهي صلاة الله ورحمته على العبد وهكذا فهي تخرجه من الظلمات إلى النور ومن ثم فهو يستطيع أن يتخلص من العادات السيئة ومنها شرب الخمر.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.