المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌ثم ماذا .. ثم طرأ بعد ذلك ما طرأ على منهج التلقي، - المنهج بين الماضي والحاضر

[عبد الله بن أحمد قادري]

الفصل: ‌ ‌ثم ماذا .. ثم طرأ بعد ذلك ما طرأ على منهج التلقي،

‌ثم ماذا

..

ثم طرأ بعد ذلك ما طرأ على منهج التلقي، فاقتحمت عقائد اليونان أبواب الدولة الإسلامية في فلسفاتهم التي دخلت على أساليب علماء المسلمين ومصطلحاتهم، وخرافات الهند وفارس وطقوس النصارى التي علقت بعبادة الصوفيين ثم استحكم التقليد المذهبي قي الفقه الإسلامي وركود في مكانه.

ودب الخلاف بين المسلمين في الأصول والفروع وتفضيل هذا المذهب على ذاك حتى ابتعد الناس عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فانطفأت جذوة العاطفة وخيم الجحود.

ومن الجدير بالذكر أن هذا الجمود لم يطرأ على المسلمين إلا عندما توقف الفتح الإسلامي الذي كان قد وصل إلى حدود الصين شرقاً وإلى المحيط الأطلسي غرباً وإلى حدود فرنسا في أوروبا، والذي كان الفقه الإسلامي يتصاعد بتصاعده.

وتبع ذلك خلود إلى الأرض وكسل في العمل وقعود عن معالي الأمور فانحط العلم الإسلامي انحطاطاً اختلت به الموازين وتقدم ركب البشرية غير قائده فسلك بها دروب الهلاك وأوقعها في شباك الردى.

نقلت أوربا علوم المسلمين في معاهدهم وجامعاتهم بالأندلس، ونقلتها كذلك عندما اصطدمت بهم في الحروب المسماة بالصليبية لمدة قرنين من الزمان، وقد كان أهل أوربا بعيدين كل البعد عن العلوم التجريبية إذ كانوا يدرسون العلوم دراسة نظرية تشككهم في معلوماتهم الكنيسة في كل ما يخالف تعاليمها المنسوبة إلى الله زوراً وبهتاناً ولكنهم بعد أن تتلمذوا على يد المسلمين وجنوا بعض ثمار تلك العلوم لم يعودوا يأبهون بمزاعم الكنيسة أو يقبلونها بل صمدوا ضدها رغم القهر والاعتساف والتهديد حتى هزموها في نهاية المطاف ولم تعد منح الدنيا والآخرة معاً أو منعها من أحد.

وبنقل أوربا تلك العلوم من جامعات المسلمين نبتت نواة حضارتها المادية وكانت قبل ذلك تغط في نوم عميق من التأخر والوحشية، ولنستمع إلى شهادة أحد أبنائها من أعداء الإسلام قال: غوستاف لوبون في كتابه- (حضارة العرب) :" ظهر مما تقدم أن تأثير الشرق في تمدين الغرب كان عظيماً جداً بفعل الحروب الصليبية وأن

ص: 256

ذلك التأثير كان في الفنون والصناعات والتجارة أشد منه في العلوم والآداب وإذا ما نظرنا إلى تقدم العلاقات التجارية العظيم باطراد بين الغرب والشرق وإلى ما نشأ من تحاك الصليبيين والشرقيين من النمو في الفنون والصناعة تجلى لنا أن الشرقيين هم الذين أخرجوا من التوحش وأعدوا النفوس إلى التقدم بفضل علوم- العرب وآدابهم التي أخذت جامعات أوربا تعول عليها فانبثق عصر النهضة منها ذات يوم " اهـ.

وبهذا الانبثاق المبني على عداء الكنيسة لتلك العلوم بدأت أوروبا نهضتها على أساس فصل الدين عن العلم، فلا يعمل في المصنع ما يعمل في الكنيسة ولا يفكر المتعبد في الكنيسة بأمور المصنع، أي إما علم بلا دين وإما دين بلا علم؛ فابتعدوا عن الله ابتعاداً سبب الفساد المنتشر في الأرض، وهو ينذر بالدمار والهلاك.

قال سيد قطب رحمه الله في كتابه: (في ظلال القرآن) :" والعلم الذي يبعد القلب عن ربه علم فاسد زائغ عن مصدره وعن هدفه لا يثمر سعادة لصاحبه، ولا للناس إنما يثمر الشقاء والخوف والقلق والدمار؛ لأنه انقطع عن مصدره وانحرف عن وجهه وضل طريقه إلى الله. ولقد انتهت البشرية اليوم إلى رحلة جيدة من مراحل العلم بتحطيم الذرة واستخدامها، ولكن ماذا جنت البشرية اليوم من مثل هذا العلم الذي لا يذكر أصحابه الله ولا يخشونه ولا يحمدون له: ولا يتوجهون بعلمهم إليه؟ ماذا جنت غير الضحايا الوحشية في قنبلتي هيروشيما وناجازاكي وغير الخوف والقلق الذي يؤرق جفون الشرق والغرب معاً ويتهددهم بالتحطيم والدمار والفناء".

وعلى هذا الأساس جد الغربيون في الاكتشاف والتجربة وظهرت ثمار جدهم المادية بسرعة هائلة أذهلت المسلمين الذين كانوا هم يغطون في نوم عميق هذه المرة، ففتحوا أعينهم على مصانع الأرض وهي توزع على العالم إنتاجها وآلاتها النافعة في السلم والحرب. كما فتحوا أعينهم على أنظمة إدارية متقنة تقل فيها الفوضى، وأنظمة سياسية يتقلص فيها الاستبداد وتجسم فيها الديمقراطية التي فيها نوع من الشبه بالشورى في الإسلام، فانبهروا لما رأوا وندموا على ما أضاعوا من الوقت وانجلى أمام أعينهم ما هم فيه من التأخر عن ركب التقدم المادي الذي أحرزه الغرب فتاقت نفوسهم للحاق بالركب الحضاري المادي فتعالت الصرخات للحث على الأخذ من تلك العلوم التي أحرز الغرب تقدماً فيها. فنادت فئة بأخذ ما عند القوم على علاته ما يتصل

ص: 257

بالجانب الإنساني من عقيدة وقانون وأخلاق، وما يتصل بالجانب الكوني. وعارضتها فئة أخرى معارضة كاملة تدعو إلى الابتعاد عن الغرب وعلومه خشية من انحراف المسلمين إلى عقائد الكفار وأخلاقهم ونادت فئة أخرى إلى أخذ الصالح النافع الذي لا يعارض الإسلام، وهو الجانب الكوني فقط مع الحذر من عقائدهم وسلوكهم وليت هذه الفئة انتصرت على الفئتين الأخريين إلا أن الأولى متطرفة تدعو إلى فتح الباب على مصراعيه لكل شر وبلاء والثانية- تدعو إلى غلقه مطلقاً، وهو أمر غير ممكن وخير الأمور أوسطها.

ولقد أراد الله أن يكون الصوت المسموع هو صوت الداعين إلى التغريب المطلق، لأن العوامل والسنن كانت في جانب هذا الصوت المشئوم، إذ تفشي الجهل في الشرق الإسلامي، وانتشرت الأمراض والأوبئة، وخيم الفقر المدقع وهذا ثالوث خطير لا تطيق البشرية عليه صبراً وأي داع يرفع صوته للقضاء على هذا الثالوث يعتبر منقذاً عند جماهير الناس في مثل هذه الحال خصوصاً إذا كانت ثمار دعوته قد أينعت وقطفت بعض أزهارها وذاق الناس طعمها كما هو الحال في الغرب آنذاك، إذ انتشرت المدارس والمعاهد والجامعات وأسست المستشفيات ودور الأيتام، وطارت أسراب الحديد في السماء تنهب الجو نهباً، ومخرت الفلك العملاقة عباب المحيطات وشقت الطرقات المعبدة التي تعاونت مع السيارات على طي المسافات البعيدة في وقت قصيرة وطاولت القصور الشاهقة السحاب في السماء، وتلألأت الأنوار الكاشفة في المنازل والشوارع فأصبح الليل كالنهار، وغير ذلك مما لا يحصيه العد.

فانطلقت جموع أبناء المسلمين إلى مدارس الغرب التي أنشأها المستعمرون في البلاد المستعمرة، كمصر ودول شمال أفريقيا، ولبنان وسوريا والعراق واندونيسيا والهند وغيرها، كما هرعوا إلى جامعات الغرب في أوروبا وأمريكا، وكانت قلوبهم خاوية من عقيدة الإيمان وعقولهم خالية من علوم الإسلام، وصلتهم بالله مبتوتة فتلقتهم تلك المدارس والجامعات بمناهج معدة إعداداً يحقق أهداف الكفر، وهي اقتلاع ما بقي من أثر للعقيدة الإسلامية في قلوبهم بالشبهات وإفساد سلوكهم بالشهوات، كالزنا والخمر والنوادي الفاسدة والمسارح والأفلام السينمائية وغيرها.

وملء قلوبهم بالعقائد الفاسدة وعقولهم بالأفكار المنحرفة، ثم شغل أوقاتهم في

ص: 258

غير ما وفدوا من أجله من تعلم العلوم والمعارف حتى يتخرجوا جهالاً بالعلم الذي تخصصوا فيه في صورة علماء به حتى لا تستغني بهم بلادهم بل تبقى دائماً في حاجة إلى المستعمرين فيعود الدارس ممسوخ العقيدة والسلوك والتخصص.

وإذا حصل شذوذ في هذه القاعدة فبرز أحدهم في تخصصه أغروه بشتى المغريات ليبقى في بلادهم وما أكثر العقول التي حالوا بينها وبين العودة إلى بلادها وإذا أفلت منهم أحد هؤلاء النوابغ فرجع إلى بلاده لم يجد فيها الإمكانيات المناسبة لاختصاصه فيعود ميمماً شطر المغرب، وقد يجازى في بلاده جزاء سنمار فيودع في المعتقل أو يوضع في وظيفة تعتبر إهانة له ولتخصصه.

لهذا بقيت الشعوب الإسلامية مفتقرة لاستيراد الإبرة كالطائرة مع أن كثيراً من أبنائها يحملون أرقى الشهادات الغربية التي يعتبرونها مفخرة من مفاخر التاريخ.

والقليل الذي يبذل جهده في اختصاصه حسب الإمكانيات المتاحة يعتبر نفسه من ذوي العلم الذي لا ينبغي أن يمت إلى الدين بصلة كما هي طبيعة أساتذته في الغرب الذين فصلوا العلم المادي عن الدين لأن دينهم المحرف لم يقبل الانسجام مع العلم بل لم يقبل المصالحة معه فسووا بين الدين المسيحي المحرف وبين الدين الإسلامي الذي نزلت أول آياته بأعظم مفتاحين للمعرفة وهما القراءة والكتابة، كما قال تعالى:: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} وهو تقليد أعمى يفوق تقليد القرود، وظلم عظيم يسوي بين النور والظلام.

لذلك ابتليت الأمم الإسلامية بسرطان الغرب في أبنائها الذين رجعوا حرباً على كل قيمة وخلق. ابتليت بمن حارب العقيدة الإسلامية والخلافة الإسلامية ولغة القرآن فأحلوا العقائد الكافرة محل الإيمان والقوميات والشعوبية الممزقة محل الخلافة الجامعة وولي المسلمين ساسة من تلاميذ الغرب جروا شعوبهم بالقوة إلى الإلحاد والكفر وصرح كثير منهم بكفره دون خجل.

كما ابتليت الأمم الإسلامية بموجهين وضعوا مناهج للتعليم مشتملة على نظريات الكفر والتحلل منفذين تعاليم أسيادهم من اليهود والنصارى والشيوعيين، وحاربوا

ص: 259

أي منهج نابع من عقيدة المسلمين، وأقصوا كل من شموا منه رائحة التوجيه إلى هذه العقيدة.

كما وضعوا لأجهزة الإعلام مناهج قصد منها مسخ أبناء الإسلام مسخاً يصعب معه تربيتهم على الهدى والخلق الكريم وإن ساعة واحدة من بعض هذه الأجهزة الموجهة ضد العقيدة والأخلاق لجديرة بتحطيم أخلاق شعب بأكمله أو أضعافها لا فرق بين مدني وبدوي لأنها في متناول الجميع.

كما ابتلى المسلمون بأفواج من حملة الشهادات القانونية متخرجين في كليات الحقوق من قضاة ومحامين تعلقت قلوبهم بالتشريع البشري وأصبح عندهم أفضل من تشريع الله صاغوا للشعوب قوانين الغرب بل صاغوها في الحقيقة لحماية حكام تلك الشعوب وتحت ضغط توجيههم فكانوا وبالاً على العدل.

كما أخرجت لنا المدارس والمعاهد والجامعات طوابير من نوع آخر هم المغنون والمغنيات والراقصون والراقصات والممثلون والممثلات أفسدوا الشعوب إفساداً وكأن تلك الشعوب في حاجة إلى أمثال هؤلاء ليحرروا بهم بلادهم من العدو الدخيل.

ومن العجيب حقاً- وعجائب الشاردين عن الله لا تنقضي أن يعلو قدر هؤلاء الساقطين لدى أكثر كبار قادة الشعوب الإسلامية فيغدقون عليهم الجوائز ويسخرون لهم أجهزة الإعلام لبث عارهم وفسادهم في أغلب الأوقات. وإذا مات أحد هؤلاء السفلة جندت لإشهار موته أجهزة الدولة للمشاركة في موكب جنازته الذي يوحي لمن رآه وقد تقدم الموكب كبار رجال الدولة من السياسيين والعسكريين أن هذا موكب بطل من الأبطال الذين سجلوا في صحائف التاريخ طول حياتهم أروع البطولات. مع أنهم كانوا السبب في القضاء على البطولة والجد في الشباب.

هذا في حال أنك ترى البطل الشجاع الذي نذر حياته لإنقاذ شعبه من الظلم والمذلة يوارى جثمانه في ظلمة الليل في قطعة من الأرض مجهولة قد لا يراه أقرب المقربين إليه.

وإذا ذكر في أجهزة الإعلام فإنما يذكر بصفات منفرة وألقاب قذرة توحي للسامع أو القارىء أنه عدو لشعب يسعى إلى إفساده جرياً على قاعدة فرعون وإخوانه {مَا أُرِيكُمْ إِلَاّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} .

ص: 260

وبذلك يعمق في نفوس الشباب حب الهزل والميوعة لأنهما أعلى درجة وأذكر في الناس من الاتصاف بصفات المجاهدين المغمورين المشوهة سمعتهم بين الناس على مستوى الدولة وعلى أوسع نطاق.

وعلى هذا المنوال صارت المحاضن التي أشرف على مناهجها المستعمرون في بلاد المسلمين، بله المحاضن الغربية نفسها فإنها لم تخرج في الغالب إلا أعداء للدين الإسلامي على اختلاف تخصصاتهم وأعمالهم الوظيفية. وقليل من نجا منهم. فانقلبت بذلك الموازين والقيم حتى صار الحق باطلاً والباطل حقاً.

ص: 261