الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجلد الثالث
البيان
…
البيان:
عرفت فيما مضى من الأيام أديبًا كان من أكبر أدباء هذا البلد المضطلعين باللغة وفنونها، الحافظين للكثير الممتع من منظومها ومنثورها، وكان لا يكتب كلمة في صحيفة ولا ينشر في الناس كتابًا إلا أعجم كتابته وأبهمها وتعمل فيها تعملا يأخذ على القارئ عقله وفهمه فلا يدري أي سبيل يأخذ بين مسالكها وشعابها، وكنت أحسبها غريزة من غرائزه الغالبة عليه الآخذة التخلص منها والنزوع عنها حتى اطلعت لهُ عند بعض أصدقائه على كتاب صغير كان قد أرسله إليه في بعض الشئون الخاصة به وكتبهُ بتلك اللغة السهلة البسيطة التي يسمونها اللغة العادية، فأُعجبت بأسلوبه في كتابه هذا إعجابًا كثيرًا ورأيت أنه أبلغ ما قرأت له في حياتى من كتب ورسائل، وعلمت أن الرجل فصيح بفطرته قادر على الإبانة عن أغراضه ومراميه كأفضل ما يَقتدر مقتدرٌ على ذلك إلا أنه يتكلف الركة والتعقيد في كتابته
تكلفًا ويأخذ نفسه بهما أخذًا، ولو أنه أرسل نفسه على سجيتها فكتب جميع رسائله ومؤلفاته بتلك اللغة الجميلة العذبة التي كتب بها كتابه هذا لكان من أعظم الكتاب شأنًا وأكثرهم نفعًا وأرفعهم صوتًا في عالم الكتابة والأدب، ولكن هكذا قُدر له أن يقضي بنفسه على نفسه حتى مات رحمة الله عليه فماتت بموته نفثاته وآثاره.
وقرأت منذ أيام لأحد الشعراء المتكلفين ديوان شعر فلم أفهم منه غير خطبته النثرية ولم يُعجبني فيه سواها، وما أحسبها أفلتت من يده ولا جاءت على هذه الصورة من الجودة والحسن إلا لأنه أغفل العناية بها والتدقيق في وضعها فأرسلها عفو الخاطر إرسال من يعلم أنه إنما يسئل عن الإجادة في الشعر لا في النثر، وأن الناس سيتغفرون له ضعف الكاتب أمام قوة الشاعر، غير عالم أنه كاتب أفصح الكتاب وأبينهم، ولو شاء لكان شاعرًا من أقدر الشعراء وأفضلهم، وأنه ما أحسن إلا حيث ظن الإساءة ولا أساء إلا حيث ظن الإحسان.
ووالله ما أدري ما الذي يستفيده هؤلاء الكتاب والشعراء من سلوكهم هذا المسلك الوعر الخشن في أساليبهم الكتابية والشعرية وتكلف الإغراب والتعقيد فيها وهم يعلمون أنهم إنما يكتبون لا لأنفسهم وإن الناس خصوصًا في مثل هذا العصر
عصر المدنية والعمل والحركة والنشاط أضنّ بأنفسهم وبأوقاتهم من أن يقفوا الوقفات الطوال أمام بيت من الشعر يعالجون فهمه أو شطر من النثر يعانون كسر صخور ألفاظه عن كوامن معانيه، ولم لا يؤثر أحدهم إن كان يكتب للمنفعة العامة أن يستكثر من سواد المنتفعين بعلمه وفضله أو للشهرة والذكر أن ينتشر له ما يريد من ذلك بين جميع طبقات الأمة عامتها وخاصتها جاهلها وعالمها، وهل الشعر والكتابة إلا أحاديث سائرة يحادث بها الشعراء والكتاب الناس ليفضوا إليهم بخواطر أفكارهم وسوانح آرائهم وخلجات نفوسهم؟ وهل يعني المُتحدث في حديثه شيء سوى أن يعي عنه الناسُ ما يقول وأن يجد بين يديه سامعًا مصغيًا ومقبلًا محتفلًا: وأي فرق بين أن يجلس الرجل إلى جمع من أصدقائه ليقص عليهم بعض القصص أو يفضي إليهم ببعض الآراء فيتلطف في تفهيمهم وإيصال معانيه إلى نفوسهم ويفتن في اجتذاب ميولهم وعواطفهم وبين أن يجلس إلى مكتبه ليبعث إليهم بهذه الأحاديث نفسها من طريق القلم، ولمَ لا يعنيه في الأخرى ما يعنيه في الأولى.
ليس البيان ميدانًا يتبارى فيه اللغويون والحُفاظ أيهم أكثر مادة في اللغة وأوسع اطلاعًا على مفرداتها وتركيبها وأقدر على
استظهار نوادرها وشواذها ومترادفاتها ومتوارداتها، ولا متحفًا لصور الأساليب وأنواع التراكيب، ولا مخزنًا لحقائب المجازات والاستعارات، وغياب الشواهد والأمثال، فتلك أشياء خارجة عن موضوع البيان وجوهره إنما يُعنَى بها المؤلفون والمدونون وأصحاب القواميس والمعاجم وواضعو كتب المترادفات ومصنفو تواريخ اللغة وتواريخ آدابها، أما البيان فهو تصوير المعنى القائم في النفس تصويرًا صادقًا يمثلهُ في ذهن السامع كأنهُ يراهُ ويلمسهُ لا يزيد على ذلك شيئًا، فإن عجز الشاعر أو الكاتب مهما كبر عقله وغزر علمه واحتفل ذهنه عن أن يصل بسامعه إلى هذه الغاية، فهو إن شئت أعلم العلماء، أو أفضل الفُضلاء، أو أذكى الأذكياء، ولكنه ليس بالشاعر ولا بالكاتب.
ما أشبه الجمود اللغوي في هذه البيئة العربية بالجمود الديني، وما أشبه نتيجة الأول بنتيجة الآخر، لم يزل علماء الدين يتشددون فيه ويتنطعون ويقتطعون من هضبته الشماء صخورًا صماء يضعونها عثرة في سبيل المدنية والحضارة حتى صيروه عبئًا ثقيلًا على كواهل الناس وأعناقهم فملّه الكثير منهم وبرموا به وأخذوا يطلبون لأنفسهم الحياة الطيبة من طريق غير طريقه، ولو أنهم لانوا به مع الزمان وصروفه وتمشوا بأوامره ونواهيه مع شئون
المجتمع وأحواله لاستطاع الناس أن يجمعوا بين الأخذ بأسباب دينهم والأخذ بأسباب دنياهم، ولم يزل جماعة اللغويين وعبدة الألفاظ والصور يتشددون في اللغة ويتحذلقون، ويتشبثون بالأساليب القديمة والتراكيب الوحشية ويغالون في محاكاتها واحتذائها، ويأبون على الناس إلا أن يجمدوا معهم حيث جمدوا، وينزلوا على حكمهم فيما أرادوا، ويحاسبون الكاتبين والناطقين حسابًا شديدًا على الكلمة الغريبة والمعنى المبتكر ويقيمون المناحات الشعواء على كل تشبيه لم تعرفه العرب وكل خيال لم يمر بأذهانهم حتى ملّهم الناس وملّوا اللغة معهم فتمردوا عليهم وخلعوا طاعتهم وطلبوا لأنفسهم الحرية اللغوية التامة في جميع مواقفهم وعلائقهم فسقطوا في اللغة العامية في أحاديثهم وشبه العامية في كتاباتهم، وكادت تنقطع الصلة بين الأمة ولغتها لولا أن تداركها الله برحمته فقيض لها هذا الفريق العامل المستنير من شعراء العصر وكتابه الذين عرفوا سر البيان وأدركوا أسلوبًا وسطًا معتدلًا جمعوا فيه بين المُحافظة على اللغة وأوضاعها وأساليبها وبين تمثيل روح العصر وتصوير أسرار الحياة، ولولاهم لبقيت اللغة في أيدي الجامدين فماتت، أو غلبت عليها العامية فاستحالت
قال لي أحد المتكلفين في معرض الاعتذار عن نفسه وقد عتبت عليه في هذا المنهج الخشن الوعر الذي ينهجه في أسلوبه:
أنت تعلم أن الناس في هذا البلد قد ألفوا من طريق خطأ الحس أن ينظروا بعين الإجلال والإعظام إلى كل أسلوب شعري أو كتابي معقد غامض وأن تَفُهت معانيه وهانت أغراضه، وبعين الإزدراء والاحتقار إلى الأساليب السهلة البسيطة وأن اشتملت على أشرف الأغراض وأبرع المعاني، أي أنهم لا يرون السهولة والانسجام حتى يتوهموا التفاهة والسفولة ولا يرون الركاكة والمعاظلة حتى يظنوا الحذق والبراعة وسمو المعاني وشرفها، وهي حالة طبيعية في جميع النفوس البشرية أن تزدري المبذول لها وتستثنى قيمة الممنوع عنها، وليس هذا شأنهم مع أدباء العصر الحاضر فحسب بل مع أدباء كل عصر وجيل، فهم يسمون البُحتري وأبا نواس والشريف الرضي وأمثالهم شعراء الألفاظ، ويسمون المتنبي والمعري وابن الرومي وأشباهم شعراء المعاني، وليس بين الأولين والآخرين فرق في جودة المعاني وشرفها إلا أن الأولين أمطروها على الناس وبعثروها تحت أقدامهم فهانت عليهم، وضن لها الآخرون ووعروا سبيلها فعظمت في أعينهم وجلّت في صدورهم، قال ولقد عرضت السلعتين في سوق الأدب فكتبتُ أتفه المعاني
وأدونها في أخشن الأساليب وأوعرها فنفقت في تلك السوق نفاقًا عظيمًا، وكثر المعجبون بها والمكبرون لها، وكتبت أشرف المعاني وأبرعها في ألطف الأساليب وأعذبها فما أَبَهَ لها إلا القليل من الناس وربما لم يأبه لها أحد، فلم أربد من أن أنتهج لنفسي في الكتابة الخطة التي أعلم أنها أجدر بي وأجدى بي وأدرى عليَّ.
فعجبت لرأيه هذا عجبًا شديدًا وقلت له أما هذا الذي تذكره فإني لا أعرفه إلا لفئة قليلة من المُشتغلين بالأدب فاسدة الذوق لا يعبأ بها عابي، وليس هذا رأي جمهور المُتأدبين بل ولا رأي العامة من أبناء هذه اللغة، وهب أن الأمر كما تقول فالأدب ليس سلعة من السلع التجارية لاهمَّ لصاحبها سوى أن يحتال لنفاقها في سوقها، إنما الأدب فن شريف يجب أن يخلص له المتأدبون بأداء حقه والقيام على خدمته إخلاص المشتغلين ببقية الفنون لفنونهم، والأدباء هم قادرة الجماهير وزعماؤهم فلا يحمل بهم أن ينقادوا للجماهير وينزلوا على حكمهم في جهالاتهم وفساد تصوراتهم، وما زلت به حتى أذعن للرأي الذي رأيته له فحمدت الله على ذلك
ليس من الرأي ولا من المعقول أن ينظم الشعراء الشعر ويكتب الكتاب الرسائل في هذا العصر عصر الحضارة والمدنية وبين هذا الجمهور الذي لا يعرف أكثر من العامية إلا قليلًا باللغة التي كان ينظم بها امرؤ القيس وطرفة والقطامي والخطفى ورؤبة والعجاج ويكتب بها الحجاج وزياد وعبد الملك بن مروان والجاحظ والمعري في عصور العربية الأولي، فليس عصرنا كعصرهم ولا جمهورنا كجمهورهم، وأحسب لو أنهم بعتوا اليوم من أجداثهم لما كان لهم بد من أن ينزلوا إلى عالمنا الذي نعيش فيه ليخاطبونا بما نفهم أو يعودوا إلى مراقدهم من حيث جاءوا.
ليست الأساليب اللغوية دينًا يجب أن نتمسك به ونحرص عليه حرص النفس على الحياة، إنما هي أداة للفهم وطريق إليه لا تزيد على ذلك ولا تنقص شيئًا.
يجب أن نحافظ على اللغة باتباع قوانينها والتمسك بأوضاعها ومميزاتها الخاصة بما ثم نكون أحررًا بعد ذلك في التصور والتخيل واختيار الأسلوب الذي نريد.
يجب أن يشف اللفظ عن المعنى شفوف الكأس الصافية عن الشراب حتى لا يرى الرائي بين يديه سوى عقل الكاتب ونفس الشاعر وحتى لا يكون للمادة اللفظية شأن عنده أكثر
مما يكون للمرآة من الشأن في تمثيل الصور والمخائل.
يجب أن يتمثل المعنى في ذهن المُتكلم قبل أن يتمثل اللفظ حتى إذا حسن الأول أفاض على الثاني جماله ورونقه، فاللفظ لا يجمل حتى يجعل المعنى، بل لا مفهوم للفظ الجميل إلا المعنى الجميل.
لو لم يكن للفصاحة قانون يرجع إليه من يريد معرفتها ومقياس تقاس عليه لوجب أن يكون قانونها العقلي أن يترك القائل في نفس السامع الأثر الذي يريده، فإن عجز عن ذلك فلا أقل من أن يصور له المعنى القائم في نفسه، فإن لم يكن هذا ولا ذاك فاحتراف أي حرفة من الحرف مهما صغر قدرها واتّضح شأنها أعود بالنفع على الأمة وأجدى عليها من حرفة القلم.
لا يبك شاعر بعد اليوم ولا كاتب سقوط حظه في الأمة ولا يقض حياته ناعيًا عليها جهلها وقصورها كلما رآها منقبضة عنه غير حافلة به ولا متطلعة لا يقنعها من قلم الشاعر أن يرن على صفحة القرطاس دون أن يطربها ويملك عواطفها، ولا من قلم الكاتب أن يسود وجه الصحف دون أن ينير لها أذهانها ويغذي عقولها ومداركها، فإن كان لا بد باكيًا فليبك على نفسه ولينع عجزه وقصوره، وليعلم أنه لو استطاع أن يكتب للأمة ما تفهم
لاستطاعت الأمة أن تفهم عنه ما يقول.
إنني لا ألوم على الركاكة والفهامة الأغبياء الذين أظلمت أذهانهم فأظلمت أقلامهم وظلمة القلم أثر من آثار ظلمة العقل، ولا الجاهلين الذين لم يدرسوا قوانين اللغة ولم يمارسوا أدبها ولم يتشبعوا بروح منظومها ومنثورها، ولا العاجزين الذين غلبتهم إحدى اللغات الأجنبية على أمرهم قبل الإلمام بشيء من أدب لغتهم فأصبحوا إذا ترجموا ترجموا ترجمة حرفية ليس فيها مميز واحد من مميزات العربية ولا خاصة من خواصها وإذا كتبوا كتبوا بأسلوب عربيِّ الحروف أعجميِّ كلِّ شيء بعد ذلك، فهؤلاء جميعًا لا حول لنا فيهم ولا حيلة؛ لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا غير ذلك، إنما ألوم المُتأدبين القادرين الذين عرفوا اللغة واطلعوا على أدبها وفهموا سر فصاحتها وأنقم منهم عدولهم عن المحجة البيضاء في البيان إلى الجمجمة والغمغمة فيه وأنعى عليهم نقص القادرين على التمام.
الناشئ الفقي ر 1:
لي ولد وحيد في السابعة من عمره لا أستطيع على حبي إياه وافتتاني به أن أتركهُ من بعدى غنيًّا لأني فقير، وما أنا بآسف على ذلك ولا مُبتئس؛ لأني أرجو بفضل الله وعونه، ورحمته وإحسانه، أن أترك له ثروة من العقل والأدب، هي عندي خير ألف مرة من ثروة الفضة والذهب.
أحب أن ينشأ معتمدًا على نفسه في تحصيل رزقه، وتكوين حياته، لا على أي شيء آخر حتى على الثروة التي يتركها له أبوه، ومن نشأ هذا المنشأ، وألف ألا يأكل إلاّ من الخبز الذي يصنعه بيده نشأ عزوفًا عيوفًا مترفّعًا لا يتطلع إلى ما في يد غيره، ولا يستعذب طعم الصدقة والإحسان.
أحب أن ينشأ رجلًا، ولا سبيل إلى الرجولة إلَاّ من ناحية العمل، وقلّمَا يعمل العامل إلَاّ بسائق من الضرورة ودافع من
1 كتب الكاتب هذه الرسالة جوابًا على سؤال هذا نصه: "أيهما أصلح للإنسان أن يولد فقيرًا أو غنيًا؟ ".
الحاجة، وفرقٌ بين الغني الذي يعمل لتنمية ثروته وتعظيم شأنها شرهًا وفضولًا، وبين الفقير الذي يعمل لتحصيل قوته، وتقويم أود حياته.
أحب أن يعيش فردًا من أفراد هذا المُجتمع الهائل المُعترِك في ميدان الحياة، يصارع العيش ويغالبه، ويزاحم العاملين بمنكبيه، ويفكر ويتروى، ويجرب ويُختبر، ويقارن الأمور بأشباهها ونظائرها، ويستنتج نتائج الأشياء من مقدماتها، ويعثر مرة، وينهض أخرى، ويخطئ حينًا ويصيب أحيانًا، فمن لا يخطئ لا يصيب، ومن لا يعثر لا ينهض، حتى تستقيم لهُ شئون حياته.
ذلك خير لهُ من أن يجلس في شرفة من شُرَفِ قصره مطلًّا على العاملين والمُجاهدين يمتع نظره بمرآهم كأنما يشاهد رواية تمثيلية في أحد ملاعب التمثيل.
أحب أن يمر بجميع الطبقات ويخالط جميع الناس ويذوق مرارة العيش ويشاهد بعينيه بؤس البؤساء، وشقاء الأشقياء، ويسمع بأذنه أنات المتألمين، وزفرات المتوجعين، ليشكر الله على نعمته إن كان خيرًا منهم، ويشاركهم في همومهم وآلامهم إن كان حظهُ في الحياة مثل حظهم، ولتنمو في نفسه عاطفة الرفق والرحمة، فيعطف على الفقير عطف الأخ على الأخ، ويرحم المسكين رحمة الحميم للحميم.
أما الغني الذي لم يذق طعم الفقر في حياته فقلما يشعر بآلام الناس ومصائبهم، أو يعطف على بأسائهم وضرائهم، فإن حاول يومًا أن يمد يده بالمعونة إلى بائس أو منكوب، فعل ذلك متفضلًا ممتنًّا، لا راحمًا ولا متألمًا.
والأمل هو الينبوع الذي تتفجر منه جميع عواطف الخير والإحسان في الأرض، وهو الصلة الكبرى بين أفراد المجتمع الإنساني، والجامعة الوحيدة التي تجمع بين طبقاته وأجناسه، بل هو معنى الإنسانية وروحها وجوهرها، فمن حُرمهُ حُرم كلَّ فضيلة من فضائل النفس، وكلَّ مكرمة من مكرماتها، وأصبح بالصخرة الصلدة الصماء أشبه منه بالإنسان الناطق.
أحب أن يجوع ليجد لذة الشبع، ويظمأ ليستعذب طعم الري، ويتعب ليشعر ببرد الراحة، ويسهر لينام ملء جفونه، أي أنني أحب لهُ السعادة الحقيقية التي لا سعادة في الدنيا سواها.
وما السعادة في الدنيا إلَاّ لمحات كلمحات البرق حينًا بعد حين في ظلمات الشقاء، فمن لا يرى تلك الظُلمات لا يراها، وأشقى الأشقياء أولئك المترفون الناعمون الذين يوافيهم الدهر بجميع لذائذهم ومشتهياتهم، فلا يزالون يُمعنون فيها ويتقلبون في جنباتها حتى يستنفدوها، فيستولى على عقولهم مرض السآمة
والضجر، فيتألمون من الراحة أكثر مما يتألم التَّعِب من التَّعَب، ويقاسون من عذاب الوجود أكثر مما يقاسى المحروم من عذاب الحرمان، وقد تدفعهم تلك الحالة إلى الإلمام بمشتهيات غريبة لا تتفق مع الطبيعة البشرية ولا تدخل تحت حكمها، تفريجًا لكربتهم، وتنفيسًا عن أنفسهم، وما هؤلاء المساكين الذين نراهم سهارى طوال لياليهم في ملاعب القمار ومجالس الشراب ومواقف الرهان إلَاّ جماعة الفارين من سجون السآمة والملل، يعالجون الداء بالداء، ويفرون من الموت إلى الموت.
أحب أن يكون غنيًّا بالمعنى الحقيقي، لا بالمعنى الاصطلاحي، أي أن يكون مُستغنيًا بنفسه عن غيره، لا كثير المال والثراء، وما سُمي المال غني إلا باعتبار أنه وسيلة إلى الغني وطريق إليه، وهو اعتبار خطأ ما في ذلك ريب، فإن أكثر الناس فقرًا إلى المال وأشدهم طعمًا في إحرازه وأعظمهم مُخاطرة بكرامتهم وفضائل نفوسهم في سبيله هم الأغنياء أصحاب المال والثراء، وإن كان في الدنيا شيء يسمى قناعة واعتدالًا فهو من جانب الفقراء المقلين، أكثر منهُ في جانب الأغنياء المُكثرين، ولا يزال المرء يعتبر المال وسيلة إلى الحياة وذريعًة من ذرائعها حتى يكثر في يده فإذا هو في نظره الحياةُ نفسها، يجمعه ولا يدرى ماذا يريد منه، ويعبده
وهو لا يرجو ثوابه، ولا يخشى عقابه، ويستكثر منه وهو على ثقة من نفسه بأنه لا ينتفع بقليله، فضلًا عن كثيره، وإذا بلغ المرء في حالته العقلية إلى درجة أن تنقلب في نظره حقائق الكون وتتغير نواميسه فيرى الرءوس أذنابًا والأذناب رءوسًا، والوسائل غايات، والغايات وسائل، فقل على عقله السلام.
لا أكره أن ينشأ ولدى غنيًّا ولا أحب أن أعرضه لمخاطر الفقر وآفاقه، ولكني أخاف عليه الغنى أكثر مما أخاف عليه الفقر.
أخاف عليه أن يعتد بالمال اعتدادًا كثيرًا، وبقدره فوق قدره، ويعتبره الكمال الإنساني كله، فلا يهتم بإصلاح أخلاقه وتهذيب نفسه وألا يجد من حوله من أصدقائه ومعارفه مرآة يرى فيها هناته وعيوبه؛ لأن عشراء الأغنياء متملقون مداهنون يطوون سيئاتهم، ويزخرفون حسناتهم.
أخاف عليه أن تستحيل نفسه إلى نفس مادية جامدة لا تفهم من شئون الحياة غير المادة ولا تُعنى بشيء سواها، فيصبح رجلًا قاسيًا صلبًا ميت النفس والعواطف لا يرحم بائسًا، ولا يعطف على منكوب، ولا يرثي لأمة، ولا يبكى على وطن، ولا يشترك في شأن من شئون العالم العامة خيرها وشرها، ولا يعنيه ما دام
راضيًا عن نفسه مغتبطًا بحظه أسقطت السماء على الأرض أم بقيت في مكانها.
أخاف عليه أن يحتقر العلوم والفنون والآداب ويزدري المواهب والعقول والفضائل والمزايا، فيصبح عار أمته وشنارها، ووصمتها الخالدة التي لا تزول، ومن أشرب قلبُه حب المال ونزل من نفسه إلى قرارتها لا يحترم غيره ولا يقيم إلا لأربابه وزنًا، ويخيل إليه أن من عداهم من الناس لا قيمة لهم في الحياة بل لا حق لهم في الوجود.
أخاف عليه إن تزوج أن يأبى الزواج إلا من غنية يرى أنها هي التي تليق بمقامه ومنزلته، ومن اشترط الغنى في زوجة قلما يستطيع أن يشترط شيئا سواه، فيسقط في زواجه سقطة يشقى بها طول حياته من حيث لا ينفعه ماله ولا جاهه.
أخاف عليه إن وَلَد ألا يجد بين أوقاته ساعة فراغ يتولى فيها النظر في تهذيب ولده وتربيته، فيتركه صغيرًا في أيدي الخدم وكبيرًا في أيدي عشراء السوء، فيصبح نكبته الكبرى في حياته، وعاره الدائم بعد مماته.
أخاف عليه أن يقضى أيامه ولياليه خائفًا مذعورًا مروَّع القلب مستطار الفؤاد تقتله الخسارة إن خسر، ويصعقه فوت الربح
إن فاته، ويطير بنومه وهدوئه ويذهب براحته وسكونه هبوط الأسعار، ونزول الأسهم، وتقلبات الأسواق، وخسران القضايا، ومنازعات الخصوم، والآفات السماوية، والجوائح الأرضية.
وما حُزنُ الفقير الذي أنفق آخر درهم بيده من حيث لا يعرف له طريقًا إلى سواه على نفسه وعلى مستقبله بأشد من حزن الغني الشحيح على الدرهم الذي نقص من مليونه، أو الذي كان يؤمل أن يتمم به مليونه فلم يُتح له.
وما ليلة البائس المسكين الذي يتصايح أولاده من حوله جوعًا ولا يجد ما يسد به رمقهم بأطول من ليلة الغني الذي يسقط إليه الخبر بأن سلعة قد نفقت، أو أن سهمًا من أسهمه قد نزل.
ولقد رأيت بعيني من جُنّ وهو واقف ينظر إلى قصر من قصوره يحترق، وسمعت كثيرًا من حوادث المُنتحرين والمصعوقين على أثر النكبات المالية والخسائر التجارية التي لا تفقرهم ولا تصل بهم إلى درجة الإملاق، وكلُّ أثرها عندهم أنها تنقلهم إلى منزلة في الغنى أدنى من منزلتهم الأولى.
أخاف عليه أن يصبح واحدًا من أولئك الوارثين المستهترين الذين لا عمل لهم في حياتهم سوى هدم حياتهم بأيديهم وهدم
ما ترك لهم آباؤهم وأجدادهم من مال وجاه، فأندب حظي في قبري وأقرع السنَّ على أن أكن فارقت هذه الحياة ولا مال لي فيها ولا ولد.
وما أزال أذكر حتى الساعة أنني مررت بأحد شوارع القاهرة من بضع سنين فرأيت في مكان واحد منه منظرين مُختلفين متناقضين، رأيت غلامًا من الوارثين جالسًا بإحدى الحانات يمرح في نعمائه، وآخر من المُتشردين نائمًا تحت الرصيف على مقربة منه يضطرب في بأسائه، أما الأول فقد كان جالسًا بين مائدتي شارب وقمار، تسلب الأولى عقله والأخرى ماله، وقد أحاط به جماعة من الخلعاء الماكرين يلعبون بعقله لعب الغلمان بالكرة في ميادينها، يضحكون لنكاته، ويؤمنون على أقواله، ويصدقون أكاذيبه، ويتحركون بحركته، ويسكنون بسكونه، وهو يقهقه بينهم قهقهة المجانين ويصيح صياح الثعالب، أما الثاني فقد كان عاريًا إلا قليلًا، يفتح إحدى عينيه من حين إلى حين كما رنّت في أذنه ضحكات هؤلاء السكارى وضوضاؤهم، ويضم ركبتيه إلى صدره كلما أحس بصوت مركبة مارة بجانبه، وقد يبسط كفه أحيانًا وهو مغمض إن خُيل إليه أن يدًا تمتد إليه بالإحسان، ولا يد هناك ولا إحسان.
رأيت هذين المنظرين الغربيين المتباينين فثارت في نفسي في تلك الساعة عاطفتان مختلفتان، عاطفة البغض والاحتقار للأول، وعاطفة الرحمة والشفقة على الثاني، وقلت في نفسي: لو كان لي ولد وكان لا بد له من أن يكون أحد هذين الغلامين، إما الوارث الجالس فوق الرصيف ينثر الذهب نثرًا، أو المتشرد النائم من تحته يسأل الناس لقمة فلا يجدها، لفضلت أن أراه بين فئة المتشردين، على أن أراه بين جماعة الوارثين، لأني أرجو له في الأولى أن يجد بين الراحمين راحمًا يحسن إليه ويستنقذه من شقائه ويأخذ بيده في طريق الحياة الطيبة الصالحة، أما في الثانية فإني لا أرجو له شيئًا.
إن للرحمة طيشًا كطيش القسوة والشدة، وأطيش الراحمين ذلك الذي يستنفد أيام حياته في جمع الثروة لأولاده دائبًا ليله ونهاره لا يهدأ ولا يفتر من حيث يغفل النظر في شأن تربيتهم وتعليمهم ضنًّا بهم أن يزعج نفوسهم بشيء من تكاليف الحياة وأثقالها، فإذا ذهب لسبيله وخلى بينهم وبين ذلك المال الذي جمعه لهم لا يكون لهم من الشأن فيه أكثر مما يكون لجماعة الحمالين في الأثقال التي يحملونها من مكان إلى آخر، فهم ينقلونه من خزائنه شيئًا فشيئًا إلى خزائن الخمارين والمرابين
والماهرين حتى ينتهى، فإذا فرغوا منه جلسوا في عَرصَاتهم المقفرة جلسة الباكي الحزين، صفُر الأكف، فارغي الجيوب، مطرقي الرءوس، لا حول لهم ولا حيلة، قد أضاعوا حياتهم وحياة آبائهم وأجدادهم، وهدموا في عام واحد أو عامين قرنًا كاملًا مجيدًا من أعلاه إلى أسفله، ولا يعلم إلا الله ماذا يكون شأنهم بعد ذلك.
ولو أن أباهم كان يرحمهم رحمة حقيقية ويشفق عليهم إشفاقًا صحيحًا لرحمهم من هذا المصير المحزن وضن بهم على هذا الميراث المشئوم.
يقولون: إن الفقر يدفع إلى الجرائم والقتل وارتكاب السرقات، وأنا أقول إننا إذا استطعنا أن نفهم الجريمة بمعناها الحقيقي وأن لا ننخدع بصور الألفاظ وألوانها فإن للأغنياء جرائم كجرائم الفقراء بل أشد منها خطرًا وأعظم هولًا، فإن كان بين الفقراء اللصوص والقتلة والعيارون وقاطعو الطريق، فبين الأغنياء المحتالون والمزورون والمغتصبون والخائنون والمداهنون والممالئون وأصحاب المعامل والشركات الذين يغذون أجسامهم بدماء عمالهم، والتجار الذين يسرقون من الأمة في شهر واحد باسم الحرية التجارية مالًا يسرقه منها جميع لصوص البلد وعياروه
في سنة كاملة، والقوام والأصياء الذين يرثون التركات من دون وارثيها، ويأكلون أموال اليتامى والمعتوهين باسم صيانتها والمحافظة عليها، والسماسرة الذين يغتالون الأسواق بأجمعها، والمرابون الذين يختلسون الثروات بأكملها، والسياسيون الذين يسرقون الممالك بحذافيرها.
على أن الجرائم اللصوصية والسرقة والقتل ليست جرائم الفقر بل جرائم الغنى، فلولا شح الأغنياء بأموالهم وكلبهم عليها وحيازتها عن الفقراء لما وجد في الأرض قاتل ولا سارق ولا قاطع طريق، ولا يسرق السارق ولا ينهب الناهب ولا يلص اللص إلا جزءًا من حقه الذي كان يجب أن يكون له لو كان للمال زكاة وللرحمة سبيل إلى الأفئدة والقلوب.
ليفتح الأغنياء المدارس وليبنوا الملاجئ ولينشئوا المصانع والمعامل للعاطلين والمتشردين وليتعهدوا المنكوبين والساقطين في ميدان الحياة بالمساعدة والمعونة، فإن وجدوا بعد ذلك لصوصًا أو قتلة أو مجرمين فليتهموا الفقر ولينعوا عليه جرائمه وآثامه.
لا أريد أن أقول: إن الغنى علة فساد الأخلاق، وأن الفقر علة صلاحها، ولكن الذي أستطيع أن أقوله عن تجربة واستقراء:
إني رأيت كثيرًا من أبناء ناجحين، ولم أر إلاّ قليلًا من أبناء الأغنياء عاملين.
إن العلوم والمعارف والمُخترعات والمُكتشفات، والمدنية الحديثة بأجمعها حسنة من حسنات الفقر، وثمرة من ثمراته، وما المداد الذي كتبت به المُصنفات ودونت به الآثاء إلا دموع البؤس والفاقة، وما الآراء السامية والأفكار الناضجة التي رفعت شأن المدنية الحديثة إلى مستواها الحاضر إلا أبخرة الأدمغة المُحترفة بنيران الهموم والأحزان، وما انفجرت ينابيع الخيالات الشعرية، والتصورات الفنية، إلا من صدوع القلوب الكبيرة، والأفئدة الحزينة، وما أشرقت شموس الذكاء والعقل في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ من ظُلمات إلا كواخ الحقيرة والزوايا المهجورة، وما نبغ النابغون من فلاسفة وعلماء وحكماء وأدباء إلَاّ في مهود الفقر وحجور الإملاق، ولولا الفقر ما كان الغني، ولولا الشقاء ما وجدت السعادة.
إن المُجتمع الإنساني اليوم ميدانُ حرب يعترك فيه الناس ويقتتلون، لا يَرحم أحد أحدًا، ولا يلوى مقبل على مُدبر، يَعْدون ويُسرعون، ويتصادمون ويتخبطون، ويأخذ بعضهم
بتلابيب بعض، كأنهم هاربون من معركة، أو مفلتون من مارستان، ودماء الشرف والفضيلة تسيل على أقدامهم، وتموج موج البحر الزاخر، يغرق فيه من يغرق، وينجو من ينجو.
أتدرون لم سقطت الهيئة الاجتماعية هذا السقوط الهائل الذي لم تصل إلى مثله في دور من أدوار حياتها الماضية؟ ولم هذا الجنون الاجتماعي الثائر في أدمغة الناس خاصتهم وعامتهم، علمائهم وجهلائهم؟ ولم هذه الحروب القائمة، والثورات الدائمة، والنزاع المستمر بين البشر جماعات وأفرادًا، وقبائل وشعوبًا، وممالك ودولًا؟.
لا سبب لذلك سوى شيء واحد، وهو أن الناس يعتقدون اعتقادًا خطأ أن المال أساس السعادة وميزانها الذي توزن به، فهم يسعون إليه لا من أجل القوت وكفاف العيش كما يجب أن يكون، بل من أجل الجمع والادخار، والمال في العالم كمية محدودة لا تكفى لملء جميع الخزائن وتهدئة كافة المطامع، فهم يتخاطفونه ويتناهبونهُ ويتصارعون من حولهِ كما تتصارع الكلاب حول الجيف المطّرحة، ويسمعون عملهم هذا تنازع الحياة أو تنازع البقاء، وما هو بالتنازع ولا التناظر، إنما هو العراك والتناحر، والدم السائل، والعدوان الدائم، والشقاء الخالد.
والعلاج الوحيد لهذه الحال المُخيفة المُزعجة أن يفهم الناس أن لا صلة بين المال وبين السعادة، وأن الإفراط في الطلب شقاء كالتقصير فيه، وأن سعادة العيش وهناء وراحة النفس وسكونها لا تأتي إلاّ من طريق واحد، وهو الاعتدال.
الآن أستطيع غير خاشٍ لومًا ولا عتبًا أن أقضي للناشئ الفقير على الناشئ الغني قضاءً لا مُجاملة فيه ولا محاباة، ومن ذا الذي يُجامل الفقراء ويحابيهم؟ وأن أقول للناشئ الفقير: صبرًا يا بُني وعزاءً؛ فإنك لم تخلق إلاّ العمل، فاعمل واجتهد، ولا تعتمد في حياتك إلا على نفسك، ولا تحصد غير الذي زرعته يدك، فإن لم تجد معلمًا يعلمك فعلم نفسك، والزمن خير مؤدب ومهذب، وإن ضاقت بك المدارس فادرس في مدرسة الكون ففيها علوم الحياة بأجمعها، وإن كنت ممن لا يعدون وظائف الحكومة ومناصبها غنمًا عظيمًا كما يعدها القعدة العاجزون، فها هو ذا فضاء الأرض أمامك فامش فيه وفتش عن قوتك كما تفتش عنه الطيور والقواطع التي ليس لها مثل عقلك وفطنتك، وحيلتك وقوتك، فإن الله لم يخلقك في هذا العالم ولم يبرزك إلى هذا الوجود لتموت فيه جوعًا أو تهلك ظمأ، ولا تصدق ما يقولونه
لك من أن الناشئ الغني أسعد منك حالًا أو أوفر حظًّا وإن راقك منظره وأعجبك ظاهرة، فلكل نفس همومها وآلامها، وهموم الفقر على شدتها أقل هموم الحياة وأهونها.
وحسبك من السعادة في الدنيا ضمير نقي ونفس هادئة وقلب شريف، وأن تعمل بيدك وتترعرع فتغتبط بمرآها اغتباط الزارع بمنظر الخضرة والنماء في الأرض التي فلحها بيده وتعهدها بنفسه وسقاها من عرق جبينه.