الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس: اللحن في القراءة
يأتي اللحن لمعان كثيرة، والذي يعنينا منه في هذا المبحث هو ما كان بمعنى الخطأ والميل عن الصواب في القراءة.
قال في اللسان: اللحْن واللحَن واللحانة واللحانية: ترك الصواب في القراءة والنشيد ونحو ذلك.
ورجل لاحِن ولحّان ولحّانة ولُحنة يخطئ.
وفي المحكم: كثير اللحن، ولحّنة: نسبة إلى اللحن 1.
قال ابن الجزري في التمهيد: واللحن الخطأ ومخالفة الصواب.
وبه سمي الذي يأتي بالقراءة على ضد الإعراب لحّاناً، وسمي فعله اللحن، لأنه كالمائل في كلامه عن جهة الصواب والعادل عن قصد الاستقامة 2.
واللحن في جميع صوره وأشكاله منهي عنه مستبشع في القراءة.
كما روى الحاكم في مستدركه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قرأ فلحن قال صلى الله عليه وسلم "أرشدوا أخاكم"3.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحذر القراء منه.
فعن سليمان بن يسار: انتهى عمر إلى قوم يقرئ بعضهم بعضاً فلما رأوا عمر سكتوا فقال: ما كنتم تراجعون، فقلنا: كنا نقرئ بعضنا بعضاً، فقال:
1 اللسان: 13/379، مادة ل ح ن.
2 التمهيد: 76.
3 المستدرك 2/ 439، وقال الحاكم: صحيح الإسناد وأقره الذهبي.
أقرءوا ولا تلحنوا 1.
وكان أبو جعفر 2 القارئ يقول: من فقه الرجل عرفانه اللحن 3.
ينقسم اللحن إلى قسمين:
لحن جلي: أي ظاهر.
وخفي: أي مستتر. 4
ولكل واحد منهما حدّ يخصه، وحقيقة بها يمتاز عن صاحبه.
القسم الأول: اللحن الجلي:
وهو خلل يطرأ على الألفاظ فيخل بعرف القراءة سواء أخل بالمعنى أم لم يخل، وهذا النوع من اللحن قد يكون في بنية الكلمة وحروفها التي تتركب منها، بأن يبدل القارئ منها حرفاً بآخر، فيبدل الضاد ظاء، والذال زاياً، والثاء سيناً، والغين خاءً، ونحو ذلك.
وقد يكون في حركات الكلمة سواءً كان ذلك في أولها أو في وسطها، أم في آخرها.
فيجعل الفتحة كسرة، أو الضمة فتحة، أو إحدى هذه الحركات سكوناً،
1 المصنف لابن أبي شيبة: 10/459، شعب الإيمان: 5/242، إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري: 1/19.
2 يزيد بن القعقاع الإمام أبو جعفر المخزومي المدني، أحد القراء العشرة، عرض القرآن على مولاه عبد الله بن عياش، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة.
روى عنه نافع بن أبي نعيم، وسليمان بن مسلم بن جماز، توفي سنة (130 هـ)، غاية النهاية: 2/382.
3 المصنف لابن أبي شيبة: 10/459
4 السبعة لابن مجاهد: 49، التحديد للداني:118.
أو نحو ذلك، سواء ترتب على هذا الخطأ تغير في المعنى كضم التاء أو كسرها من نحو:{أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] ونحو: {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} [النساء: 77] .
أو فتحها أو كسرها من نحو: {مَا قُلْتُ لَهُمْ} [المائدة: 117] .
أم لم يترتب عليه تغير في المعنى كضم الهاء من قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 2] و {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20] .
وهذا النوع من اللحن حرام شرعاً باتفاق المسلمين، معاقب عليه فاعله إن تعمده.
فإن فعله ناسياً أو جاهلاً فهو معفو عنه إن شاء الله تعالى.
وسمي هذا النوع جلياً لجلائه وظهوره وعدم خفائه على أحد سواء كان من القراء أم من غيرهم.
قال الداني: اعلموا أن كل حرف من حروف القرآن يجب أن يمكّن لفظه ويوفّى حقه من المنزلة التي هو مخصوص بها على ما حددناه وما نحدده ولا يبخس شيئاً من ذلك فيتحول عن صورته ويزول عن صيغته وذلك عند علمائنا في الكراهة والقبح كلحن الإعراب الذي يتغير فيه الحركات وينقلب به المعاني 1.
القسم الثاني: اللحن الخفي:
وهو خلل يطرأ على الألفاظ فيخل بالعرف دون المعنى وهو نوعان:
الأول: مثاله ترك الإدغام في موضعه، وكذلك الإظهار، والإقلاب، والإخفاء، وترقيق المفخم وعكسه، وتخفيف المشدد كذلك.
وقصر الممدود، ومد المقصور، والوقف بالحركة كاملة في غير الوقف
1 التحديد للداني 118
بالروم، إلى غير ذلك من الأخطاء التي تتنافى والقواعد التي دوّنها علماء القراءة وضبطها أئمة الأداء.
الثاني: وهو لا يعرفه إلا مهرة القراء وحذّاقهم ومثاله: تكرير الراءات، وتطنين النونات، وتغليظ اللامات، في غير محله، وترقيقها كذلك، ونقص الغنة أو الزيادة على مقدارها، والزيادة على مقدار المد أو النقص عنه، إلى غير ذلك مما يخل باللفظ ويذهب برونقه وحسن طلاوته.
وسمي مخفياً لاختصاص معرفته بعلماء القراءة دون غيرهم، وقد اختلف العلماء في هذا القسم الثاني من اللحن الخفي هل هو ملحق بالقسم الأول في الاتفاق على حرمته أم أن الأمر فيه دون ذلك.
فممن قال بحرمته وأنه لا فرق بينه وبين القسم الأول البركوي 1 في شرحه على الدر اليتيم قال: تحرم هذه التغييرات جميعها لأنها وإن كانت لا تخل بالمعنى تخل باللفظ، وتؤدي إلى فساد رونقه وذهاب حسنه وطلاوته 2.
وناصر الدين الطبلاوي 3 يرى أن هذه القواعد من الواجب الشرعي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه.
1 محمد بن بيرعلي البركوي الرومي الحنفي تقي الدين، واعظ نحوي مفسر محدث، توفي سنة (981هـ)
معجم المؤلفين، رضا كحالة 9/123، كشف الظنون، حاجي خليفة 1/736.
2 نهاية القول المفيد: 29.
3 محمد بن سالم الطبلاوي ناصر الدين، من علماء الشافعية، عاش نحو مائة سنة، توفي سنة (966هـ)
الأعلام، خير الدين الزركلي: 7/4
وذلك في نص سؤال وجه إليه فأجاب عليه بما يفيد ذلك 1.
ويرى ملا علي القاري 2 في شرحه على المقدمة الجزرية أن هذا القسم الثاني لا يصل في الحرمة إلى ما عليه القسم الأول فيقول: ولا شك أن هذا النوع مما ليس بفرض عين يترتب عليه العقاب الشديد وإنما فيه خوف العتاب والتهديد 3.
والذي أميل إليه في هذه المسألة أن هذه الكيفيات والهيئات التي يقرأ بها كتاب الله عز وجل من إظهار وإدغام وإخفاء وهمس للحروف وجهر لها ونحو ذلك، كل ذلك متلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظه الصحابة ونقلوه إلى من بعدهم إلى أن وصل إلينا متواتراً بالأسانيد المتصلة مما بينته سابقاً.
فإذا كانت هذه الكيفيات متواترة كان العمل بها والمحافظة على مراعاتها أمراً واجباً شرعاً تحرم مخالفتها ويأثم المتهاون بأدائها.
ولقد سبق قول الداني في أنه ينبغي للقارئ أن يأخذ نفسه بتفقد الحروف التي لا يوصل إلى حقيقة اللفظ بها إلا بالرياضة الشديدة والتلاوة الكثيرة مع العلم بحقائقها والمعرفة بمنازلها فيعطي كل حرف منها حقه من المد إن كان ممدوداً ومن التمكين إن كان ممكناً، ومن الهمز إن كان مهموزاً، ومن الإدغام إن كان مدغماً، ومن الإظهار إن كان مظهراً، ومن الإخفاء إن كان مخفياً، ومن الحركة إن كان محركاً، ومن السكون إن كان مسكناً.
1 نهاية القول المفيد: 29- 31.
2 علي بن محمد سلطان، وقيل: علي بن سلطان الهروي المعروف بالقاري، فقيه حنفي، له كتب كثيرة في القراءات، توفي سنة (1014هـ)
الأعلام، الزركلي: 5/166
3 المنح الفكرية في شرح الجزرية: 19.
ومتى لم يفعل ذلك القارئ ولم يستعمل اللفظ به كذلك صار عند علماء هذه الصناعة لاحناً 1.
والمدار في كل هذا على من كان يستطيع أن يأتي بهذه الكيفيات المتواترة ولكنه استنكف عن ذلك استكباراً وعناداً.
أما من كان لا يطاوعه لسانه أو كان لا يجد من يهديه إلى الصواب بيانه، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
فأول علم الذكر إتقان حفظه
…
ومعرفة باللحن من فيك إذا يجري
فكن عارفاً باللحن كيما تزيله
…
وما للذي لا يعرف اللحن من عذرِ2
وأما النوع الثاني من اللحن الخفي وهو ما لا يعرفه إلا مهرة القراء وحذّاقهم.
بأن ينقص القارئ الغنة عن المقدار المقرر لها وهو حركتان فيأتي بها حركتين إلا ربعاً مثلاً، أو أقل من الربع.
أو يزيدها على المقدار فيجعلها حركتين وربعاً أو أدنى من الربع، أو يجعل المد اللازم خمس حركات ونصف حركة أو ثلاثة أرباع حركة، أو يجعله ست حركات وربع حركة أو نصف حركة، فينقصه عن المقدار المقرر له، أو يزيده عليه.
ومثل ذلك يقال في باقي المد من: المتصل، والمنفصل، والعارض للسكون.
وبأن يفاوت بين المدود المتصلة والمنفصلة مثلاً، فيقرأ بعضها بخمس حركات مثلاً، وينقص بعضها عن هذا المقدار ولو قليلاً، أو يزيد بعضها عليه ولو قليلاً.
1 التحديد للداني: لوحة: 98/ أ
2 للخاقاني: قصيدتان في تجويد القرآن: 21.
وبأن يقف على بعض الكلمات بالروم، ثم يقف على نظائرها بالسكون المحض أو الإشمام.
وبأن يبالغ في تفخيم الحروف المفخمة، فيزيد عن الحد المطلوب، وبأن يبالغ في ترقيق الألف المسبوق بحرف استفال حتى يظن أنها ممالة، وبأن يبالغ في تحقيق الهمز المسبوق بحرف مد حتى يتوهم أنه مشدد.
إلى غير ذلك من الأمور التي لا يتنبه لها إلا المهرة العارفون بالتجويد الماهرون به علماً وعملاً الآخذون من أفواه الشيوخ الضابطين فإن هذا وإن كان من اللحن إلا أنه لا يخل بالقراءة الصحيحة ولا يقدح في ضبط التلاوة وحسنها.
وإنما يخل بكمال الضبط ونهاية الحسن والبلوغ بالقراءة إلى أسمى مراتب الإحسان والإتقان.
وعلى هذا لا يكون ارتكاب مثل هذه الأمور الدقيقة جداً محرماً ولا مكروهاً ممن وقع فيه من غير تعمد.
بل يكون خلاف الأولى والأفضل والأكمل، والله الموفق.
وإذا لحن المصلي في الفاتحة فإنه أخل بركن من أركان الصلاة، وعليه فإنه تفسد صلاته.
سواء كان ذلك اللحن مغيراً للمعنى أو للمبنى، وهذا على أرجح قولي أهل العلم.
قال النووي: ولو قال: {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] بالظاء بطلت صلاته، على أرجح الوجهين إلا أن يعجز عن الضاد بعد التعلم فيعذر 1.
قال في النشر: واختلفوا في صلاة من يبدل حرفاً بغيره، سواءً تجانسا أم تقاربا، وأصح القولين عدم الصحة كمن قرأ {الْحَمْدُ} بالعين، و {الدِّينِ}
1 الأذكار للنووي: 46.
بالتاء أو {الْمَغْضُوبِ} بالخاء أو الظاء1.
على أنه في كل ذلك يعتبر الجهد الذي يبذله المكلف في تصحيح قراءته، فإن كان مع اجتهاده وحرصه على التصحيح غلبه لسانه ولم يقو على اجتناب اللحن فلا حرج عليه، لأن التكليف مقيد بالاستطاعة ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فبعد استفراغ الوسع في تصحيح القراءة إن وقع المصلي في اللحن فصلاته تجزئه، كصلاة الألثغ، والأعجمي الشديد العجمة، والشيخ الفاني الذي لا يستطيع أن يقوّم لسانه ونحوهم من طوائف الأمة الذين لا يقدرون على تحاشي اللحن 2.
وأما إمامة اللحان ويسميه الفقهاء (أُمِّيّاً) .
وهو الذي لا يحسن قراءة مالا تصح الصلاة إلا به من القرآن فلا خلاف في كراهة إمامته، ولا ينبغي له أن يؤم الناس والصحيح من أقوال أهل العلم بطلان الاقتداء به، وفساد الصلاة خلفه.
وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والأصح من مذهبي الشافعي وقال به أبو ثور، وابن المنذر، واختاره المزني.
وهو مذهب عطاء، وقتادة من التابعين 3.
وقيل: تفسد صلاة القارئ خلف الأمّي، وتصح صلاة من كان مثله.
قال في النشر: ولهذا أجمع من نعلمه من العلماء على أنه لا تصح صلاة
1 النشر: 1/211.
2 سنن القراء: 128.
3 المغني لابن قدامة: 3/32.
المجموع شرح المهذب: 4/269.
قارئ خلف أُمّي وهو من لا يحسن القراءة 1.
وهذا آخر ما تيسر جمعه في هذا البحث، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
…
آمين.
1 النشر: 1/211. المغني لابن قدامة: 3/29.