المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأول: حكم إجابة الدعوة - بحث في إجابة الدعوة

[إبراهيم العبيد]

الفصل: ‌المبحث الأول: حكم إجابة الدعوة

‌المبحث الأول: حكم إجابة الدعوة

عند تأمل الأحاديث الواردة في هذه المسألة نجد أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم إجابة الدعوة إذا دعي إليها حتى لو دعي إلى كراع كما ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم وقد تعددت الأحاديث القولية والفعلية في ذلك واختلفت دلالتها فبعضها ظاهر في الوجوب مطلقاً، وبعضها ظاهر في الوجوب في وليمة العرس، وبعضها ظاهر في السنية ولهذا اختلفت مذاهب أهل العلم في ذلك على أقوال هي:

القول الأول:

وجوب إجابة الدعوة مطلقاً سواء كانت عرساً أو غيره وممن قال بهذا: بعض الشافعية وأهل الظاهر وعبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة والشوكاني وابن حزم، وقال: إن هذا قول جمهور الصحابة والتابعين1.

لكن تعقبه العراقي2 فقال: وادعى ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين وفي ذلك نظر.

وقال الحافظ ابن حجر3: وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين ويعكر عليه مانقلناه عن عثمان بن أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: "لم يكن يدعى لها" لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا

1 المحلى (9/23،25) التمهيد (1/233) و (10/178) وشرح مسلم للنووي (9/234) المغني (7/2،4) طرح التثريب (7/70،77) الفتح (9/242، 247) عون المعبود (10/202) تحفة الأحوذي (4/222) نيل الأوطار (6/202) سبل السلام (3/273) .

2 طرح التثريب (7/77) .

3 الفتح (9/247) .

ص: 99

أدلة هذا القول:

1-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم".

أخرجه البخاري1، ومسلم2، وأبو داود3، والنسائي4، وابن ماجه5، وفي لفظ لمسلم مرفوعاً جميعه6.

1 في صحيحه (5/1985 رقم 4882) كتاب النكاح، باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله.

2 في صحيحه (2/1054 رقم 1432) كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوته.

3 في السنن (4/125 رقم 3742) كتاب الأطعمة، باب ماجاء في إجابة الدعوة.

4 في الكبرى (4/141 رقم 6612، 6613) كتاب الوليمة، باب طعام العرس.

5 في السنن (1/616 رقم 1913) كتاب النكاح، باب إجابة الداعي.

6 قال الحافظ ابن حجر: وأول هذا الحديث موقوف ولكن أمره يقتضي رفعه ذكر ذلك ابن بطال قال ومثله حديث أبي الشعثاء أن أبا هريرة أبصر رجلاً خارجاً من المسجد بعد الآذان فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم قال ومثل هذا لايكون رأياً ولهذا أدخله الأئمة في مسانيدهم انتهى.

وذكر ابن عبد البر أن جل رواة مالك لم يصرحوا برفعه وقال فيه روح بن القاسم عن مالك بسنده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى.

وكذا أخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن مالك. وقد أخرجه مسلم من رواية معمر وسفيان بن عيينة عن الزهري شيخ مالك كما قال مالك. ومن رواية أبي الزناد عن الأعرج كذلك والأعرج شيخ الزهري فيه هو عبد الرحمن كما وقع في رواية سفيان قال: سألت الزهري فقال: حدثني عبد الرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة فذكره.

ولسفيان فيه شيخ آخر بإسناد آخر إلى أبي هريرة صرح فيه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم أيضاً من طريق سفيان سمعت زياد بن سعد يقول: سمعت ثابتاً الأعرج يحدث عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذكر نحوه" وكذا أخرجه أبو الشيخ من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً صريحاً وأخرج له شاهداً من حديث ابن عمر كذلك. ا?.

الفتح (9/244) التمهيد (10/175) وقال في التلخيص (3/195) : وفي رواية لمسلم التصريح برفع جميعه وتعقبها الدارقطني في العلل.

ص: 100

وفي الباب عن ابن عمر1، وابن عباس2 رضي الله عنهم.

ووجه الدلالة منه أن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب والوليمة تشمل العرس وغيره3.

2-

حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها".

أخرجه البخاري4، ومسلم5، وأبو داود6، والنسائي7.

وفي لفظ متفق عليه "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها". قال: وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ويأتيها وهو صائم".

وفي لفظ لمسلم وأبي داود "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه".

1 أخرجه أبو الشيخ كما ذكره الحافظ في الفتح (9/244) وأخرجه ابن عدي في الكامل (3/1148) لكن في إسناده سلام بن سليم قال فيه الحافظ متروك.

التقريب (261) .

2 أخرجه الطبراني في الكبير (12/159 رقم 12754) والأوسط كما في مجمع البحرين (3/328 رقم 1903) كتاب الوليمة، باب في الطعام يدعى إليه الشبعان ويحبس عنه الجيعان، والبزار كما في كشف الأستار (2/75 رقم 1240) أبواب الصيد، باب الوليمة.

قال الهيثمي في المجمع (4/53) : وفيه سعيد بن سويد المعولي ولم أجد من ترجمه، وفيه عمران القطان وثقه أحمد وجماعة وضعفه النسائي وغيره. ا?.

3 الفتح (9/245) النيل (6/202) .

4 في صحيحه (5/1984رقم 4878) كتاب النكاح، باب حق إجابة الوليمة والدعوة، وانظر رقم (4884) .

5 في صحيحه (2/1052 رقم 1429) كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي الدعوة.

6 في السنن (4/123 رقم 3736) كتاب الأطعمة، باب ماجاء في إجابة الدعوة، وانظر رقم (2738) .

7 في الكبرى (4/140 رقم 6608) كتاب الأطعمة، باب إجابة الدعوة.

ص: 101

وله ألفاظ أخر1.

ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإجابة الوليمة والدعوة والأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف، وقالوا إن الوليمة والدعوة تشمل العرس وغيره ويؤيد هذا رواية مسلم وغيره "عرساً كان أو نحوه" وأن عبد الله بن عمر وهو راوي الحديث كان يأتي الدعوة في العرس وهو صائم2.

وفي لفظ لأبي داود3، وابن عدي4، والبيهقي5 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

1 ومن هذه الألفاظ ما عند مسلم بلفظ "من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب" وفي لفظ له أيضاً: "إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا" وفي لفظ له للترمذي (3/395 رقم 1098)"ائتوا الدعوة إذا دعيتم" وفي لفظ له ولابن ماجه (1/616 رقم 1914) : "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" وفي لفظ لأبي داود (4/124 رقم 3737) والبيهقي (7/263)"فإن كان مفطراً فليطعم وإن كان صائماً فليدع" ورجال إسناده ثقات ويشهد له حديث أبي هريرة وغيره كما سيأتي ص (108) وفي لفظ لابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح "كان ابن عمر إذا دعي ذهب إلى الداعي فإن كان صائما دعي بالبركة ثم انصرف وإن كان مفطراً جلس فأكل".

قال نافع: قال ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا" - الإحسان (12/101 رقم 5290) .

وفي لفظ للطحاوي في المشكل (8/25 رقم 3022، 3023)"إذا دعي أحدكم أخاه لحق فليأته لدعوة عرس أو نحوه" وفيه محمد بن عبدا لرحمن بن غنج قال فيه الحافظ: مقبول، لكن قال فيه الإمام أحمد: شيخ مقارب الحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا أعلم أحداً روى عنه غير الليث بن سعد. وقال ابن حبان: حدث عن نافع بنسخة مستقيمة.

رواية الميموني عن الإمام أحمد (197 رقم 150) الجرح والتعديل (7/318) الثقات (7/424) التقريب (492) .

2 شرح مسلم للنووي (9/234) طرح التثريب (7/77) الفتح (9/247) .

3 في السنن (4/125 رقم 374) كتاب الأطعمة، باب ماجاء في إجابة الدعوة.

4 في الكامل (1/380) .

5 في السنن (3/265) كتاب الصداق، باب من لم يدع ثم جاء فأكل لم يحل له ماأكل إلا بأن يحل له صاحب الوليمة كلهم من طريق دُورست بن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر به. وسنده ضعيف فيه أبان بن طارق مجهول ودورست ضعيف وقال أبو داود عقبه: أبان بن طارق مجهول. وضعف الحديث العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (2/915) .

وأخرجه ابن عدي من طريق خالد بن الحارث عن أبان بن طارق به، وقال أبان بن طارق هذا لا يعرف إلا بهذا الحديث وهذا الحديث معروف به وله غير هذا الحديث لعله حديثان أو ثلاثة وليس له أنكر من هذا.

وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (1/148 رقم 525) من طريق الزهري مرسلاً.

وأخرجه أحمد في المسند (2/61) من طريق العمري عن نافع وفي سنده العمري. والحاصل أن الحديث ضعيف بهذا اللفظ.

ص: 102

"من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله ومن دخل على غير دعوة دخل سارقاً وخرج مغيراً".

وفي هذا اللفظ قال: "من دعي فلم يجب" ولم يخصها بالوليمة.

وفي لفظ لأبي يعلي1 "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".

ووجه الدلالة أنه سمى من لم يجب الدعوة عاصياً لله ولرسوله.

قال ابن حزم2: فإن قيل قد جاء في بعض الآثار "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" قلنا نعم لكن الآثار التي أوردنا فيها زيادة غير العرس مع العرس وزيادة العدل لايحل تركها.

3-

حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بإتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباح، والقسى، والإستبرق".

1 في مسنده كما ذكره الحافظ في التلخيص (3/195) وساقه مسنداً وصحح سنده.

2 في المحلى (9/24) .

ص: 103

أخرجه البخاري1، ومسلم2، والترمذي3، والنسائي4.

وفي الباب عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فكوا العاني، وأجيبوا الداعي وعودوا المريض" أخرجه البخاري5.

ووجه الدلالة منهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإجابة الداعي مطلقاً والأصل في الأمر الوجوب.

4-

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس".

أخرجه البخاري6، ومسلم7، وأبو داود8، وابن ماجه9.

وفي لفظ لمسلم أيضاً، ولفظ أبي داود "خمس تجب للمسلم على أخيه".

1 في صحيحه (1/417 رقم 1182) كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز.

وكذا أخرجه برقم (2313، 4880، 5312، 5525، 5868) .

2 في صحيحه (3/1635 رقم 2066) كتاب اللباس والزينة باب تحريم استعمال الذهب والفضة على الرجال والنساء.

3 في السنن (5/117رقم 2809) كتاب الأدب، باب ماجاء في كراهية لبس المعصفر للرجال والقسى.

4 في السنن (8/201 رقم 5309) كتاب الزينة، باب النهي عن الثياب القسية.

5 في صحيحه (5/1984 رقم 2879) كتاب النكاح، باب حق إجابة الوليمة والدعوة ومن أولم سبعة أيام ونحوه.

6 في صحيحه (1/418 رقم 1183) كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز.

7 في صحيحه (4/1704 رقم 2162) كتاب الجنائز، باب ماجاء في عيادة المريض.

8 في السنن (5/288 رقم 5030) كتاب الأدب، باب في العطاس.

9 في السنن (1/461) كتاب الجنائز، باب ما جاء في عيادة المريض.

وأخرجه مسلم والنسائي في السنن (4/53 رقم 1938) والبخاري في الأدب المفرد (309 رقم 928) والترمذي في السنن (5/80 رقم 2737) بلفظ: "حق المسلم على المسلم ست"، وزادوا "إذا استنصحك فانصح له".

ص: 104

وفي الباب عن علي1، وأبي مسعود2، وأبي

1 حديث علي رضي اله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للمسلم على المسلم ست بالمعروف: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه".

أخرجه الترمذي (5/80 رقم 2736) كتاب الأدب، باب ما جاء في تشميت العاطس، وابن ماجه في السنن (1/461 رقم 1433) كتاب الجنائز، باب ماجاء في عيادة المريض، وأحمد في المسند (1/89) والدارمي في السنن (2/275) كتاب الاستئذان، باب في حق المسلم على المسلم، وأبو يعلي في المسند (1/342 رقم 435) وابن عدي في الكامل (7/2701) من طريق أبي إسحاق عن الحارث بن علي به وسنده ضعيف لضعف الحارث الأعور.

وأخرجه أبو يعلي في المسند (1/392 رقم 509) من طريق يحيى بن نصر بن حاجب حدثنا هلال بن خباب عن زاذان عن علي بنحوه، لكن في سنده يحيى بن نصر قال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه.

وقال الذهبي: وأما ابن عدي فروى له أحاديث حسنة وقال: أرجو أنه لا بأس به. ا?.

وهذا الحديث مما أخرجه ابن عدي في ترجمة يحيى بن نصر ثم إنه يشهد له ما تقدم حديث أبي هريرة.

الجرح والتعديل (9/193) الميزان (4/412) الكامل (7/2702) .

2 حديث أبي مسعود رضي اله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع للمسلم على المسلم: أن يعوده إذا مرض، ويشهده إذا مات، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس".

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (309 رقم 926) وابن ماجه في السنن (1/461 رقم 1434) كتاب الجنائز، باب ما جاء في عيادة المريض، وأحمد في المسند (5/273) وابن حبان في صحيحه (1/475 رقم 240) كتاب الإيمان، باب ذكر البيان بأن المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يرد بهذا العدد المذكور نفياً عما وراءه، وبحشل في تاريخ واسط (217) والحاكم في المستدرك (1/349) كلهم من طريق عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن حكيم بن أفلح عن أبي مسعود به.

قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/462) : هذا إسناده صحيح.

وفي هذا التصحيح نظر وذلك لأن فيه حكيم بن أفلح لم يوثقه غير ابن حبان.

قال الذهبي في الميزان (1/538) : تفرد عنه والده عبد الحميد بن جعفر.

وقال الحافظ في التقريب (176) : مقبول. لكن يشهد له ما سبق من حديث البراء وأبي هريرة.

ص: 105

أيوب1 رضي الله عنهم.

ووجه الدلالة أن المراد بالحق الوجوب بدليل رواية مسلم وأبي داود.

قال الحافظ2: "وقد تبين أن معنى الحق هنا الوجوب خلافاً لقول ابن بطال المراد حق الحرمة والصحبة والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية".ا?

وحديث أبي أيوب نص في الوجوب لو صح لكنه ضعيف.

5-

حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دعاكم فأجيبوه".

أخرجه الطبراني في الكبير3.

ووجه الدلالة ظاهرة كالدليل الثاني.

6-

حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين".

1 حديث أبي أيوب أخرجه البخاري في الأدب المفرد واللفظ له (308 رقم 925) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (8/31 رقم 3034) وأحمد بن منيع كما في المطالب العالية (2/325 رقم 2384) من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي قال حدثني أبي أنهم كانوا في غزاة في البحر زمن معاوية فانضم مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصاري فلما حضر غداؤنا أرسلنا إليه فأتانا فقال: دعوتموني وأنا صائم فلم يكن لي بد من أن أجيبكم لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن للمسلم على أخيه المسلم ست خصال واجبة إن ترك منها شيئاً فقد ترك حقاً واجباً لأخيه عليه: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويحضره إذا مات، وينصحه إذا استنصحه".

وسنده ضعيف لضعف الأفريقي لكن يشهد له بالجملة حديث أبي هريرة وغيره لكن بدون قوله "إن ترك منها شيئاً فقد ترك حقاً واجباً لأخيه عليه" وكذا قول أبي أيوب.

2 الفتح (3/113) .

(8/231 رقم 7904) من طريق محمد بن عبد الله العرزمي عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة به.

قال الهيثمي في المجمع (4/52) : وفيه محمد بن عبيد الله العرزمي وهو ضعيف. ا?.

وفيه أيضاً علي بن يزيد ضعيف كما في التقريب (406) .

ص: 106

أخرجه أحمد1، وابن أبي شيبة2، والبخاري في الأدب المفرد3، والبزار4، والطحاوي5، وابن حبان6، والطبراني7.

ووجه الدلالة منه ظاهرة كالدليل الثاني.

7-

حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك".

أخرجه مسلم8، وأبو داود9، والنسائي10.

1 في المسند (1/404) .

2 في المصنف (6/555 رقم 2027) كتاب البيوع والأقضية، باب في الرجل يهدي إلى الرجل أو يبعث إليه.

(68 رقم 157) باب حسن الملكة.

4 في مسنده كما في كشف الأستار (2/76 رقم 1243) أبواب الصيد، باب إجابة الدعوة.

5 في شرح مشكل الآثار (8/29 رقم 3031) باب مشكل ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام الذي يجب على من دعي عليه إتيانه.

6 في صحيحه -الإحسان (12/418 رقم 5603) كتاب الحظر والإباحة، باب ذكر الزجر عن ضرب المسلمين كافة إلا ما يبيحه الكتاب والسنة.

7 في المعجم الكبير (10/242 برقم 10444) .

كلهم عن طريق الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود به.

وإسناده صحيح وأما عنعنة الأعمش فمحمولة على السماع لأن شيخه أبو وائل.

قال الذهبي في الميزان (2/224) : وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به فمتى قال حدثنا فلا كلام ومتى قال عن تطرق إليه احتمال التدليس إلا عن شيوخ أكثر عنهم كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال.

وذكره الحافظ في كتابه تعريف أهل التقديس (67) في المرتبة الثانية من المدلسين.

وقال الهيثمي في المجمع (4/52) ، ورجال أحمد رجال الصحيح.

8 في صحيحه (2/1054 رقم 1430) كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوه.

9 في السنن (4/124 رقم 3740) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في إجابة الدعوة.

10 في الكبرى (2/140 رقم 6610) كتاب الوليمة، باب إجابة الدعوة وإن لم يأكل.

كلهم من طرق عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر به.

ص: 107

وأخرجه ابن ماجه1 وزاد "وهو صائم" وفي الباب عن أبي هريرة2، وابن مسعود3.

ووجه الدلالة أن هذا أمر والأصل في الأمر الوجوب.

1 في السنن (1/557 رقم 1751) كتاب الصيام، باب من دعي إلى طعام وهو صائم.

من طريق أحمد بن يوسف السلمي ثنا أبو عاصم أنبأنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر به، ورجال إسناده ثقات لكن أبا الزبير عنعنه وهو مدلس.

ورواه ابن نمير كما عند مسلم ويزيد بن سنان كما عند الطحاوي في المشكل (8/28 رقم 3030) وعمرو بن علي بن بحر كما عند ابن حبان (12/115 رقم 5303) كلهم عن أبي عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير به بدون هذه الزيادة وأبو الزبير صرح بالتحديث عند الطحاوي فهؤلاء الثلاثة خالفوا أحمد بن يوسف السلمي فلم يذكروا هذه الزيادة مع ما فيها من عنعنة أبي الزبير، وكذلك رواه سفيان عن أبي الزبير بدونها كما عند مسلم وغيره.

2 حديث أبي هريرة أخرجه مسلم في صحيحه (2/1054 رقم 1431) كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، وأبو داود في السنن (2/828 رقم 2460) كتاب الصيام، باب في الصائم يدعى إلى وليمة.

والترمذي في السنن (3/141 رقم 780) كتاب الصوم، باب ما جاء في إجابة الصائم الدعوة، والنسائي في الكبرى (4/141 رقم 6611) كتاب الوليمة، باب إجابة الصائم الدعوة كلهم من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة رضي اله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم".

3 حديث ابن مسعود أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (269 رقم 300) باب ما يقول إذا دعي وكان صائماً، والطبراني في الكبير (10/285 رقم 10563) وابن السني في عمل اليوم والليلة (230 رقم 489) باب ما يقول إذا حضر الطعام وهو صائم من طريق شعبة عن أبي جعفر الفراء عن عبد الله بن شداد عن عبد الله بن مسعود رضي اله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطراً فليأكل وإن كان صائماً فليدع بالبركة".

وسنده صحيح ويشهد له ما سبق من حديث أبي هريرة.

وأخرجه أبو القاسم البغوي في الجعديات (1/262 رقم 874) وفي المسند (1/476 رقم 898) عن شعبة عن أبي جعفر الفراء قال: عملت طعاماً فدعوت عبد الله بن شداد بن الهاد فجاء وهو صائم ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال به مرسلاً.

ولكن هذا لا يؤثر في وصله فقد رواه ابن منيع عن علي بن الجعد عن شعبة به موصولاً وتابع علي بن الجعد على وصله عن شعبة يحيى بن أبي كثير كما عند ابن السني.

ص: 108

8-

عن عكرمة بن عمار سمعت أبا غادية اليمامي قال: "أتيت المدينة فجاء رسول كثير بن الصلت فدعاهم فما قام إلا أبو هريرة وخمسة منهم أنا فذهبوا فأكلوا ثم جاء أبو هريرة ثم قال: والله يا أهل المسجد إنكم لعصاة لأبي القاسم صلى الله عليه وسلم".

أخرجه أحمد1.

ووجه الدلالة ظاهرة حيث سمى من لم يجب عاصياً.

9-

حديث عياض بن أشرس السلمي قال: رأيت يعلي بن مرة دعوته إلى مأدبة فقعد صائماً فجعل الناس يأكلون ولا يطعم فقلت له: والله لو علمنا أنك صائم ما عتبناك قال: لا تقولوا ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أجب أخاك فإنك منه على اثنتين إما خير فأحق ما شهدته، وإما غيره فتنهاه عنه وتأمره بالخير".

أخرجه الطبراني في الكبير2.

ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإجابة الدعوة.

قال الشوكاني3: "والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها من الوجوب ولجعل الذي لم يجب عاصياً وهذا في وليمة النكاح في غاية الظهور وأما في غيرها من الولائم الآتية فإن صدق عليها اسم الوليمة شرعاً كما سلف في أول الباب كانت الإجابة إليها واجبة

".

وقال أيضاً: ولكن الحق ما ذهب إليه الأولون يعني القول بالوجوب.

1 في المسند (2/289) من طريق روح عن عكرمة به، وفي سنده أبو غادية مجهول كما قال الحافظ في تعجيل المنفعة (2/523) .

(22/271 رقم 696) من طريق عمر بن عبد الله بن يعلي عن عياض به.

قال الهيثمي: وفيه عمر بن عبد الله بن يعلي وهو ضعيف.

مجمع الزوائد (4/53) .

3 النيل (6/202) .

ص: 109

القول الثاني:

أن إجابة الدعوة سنة مطلقاً في العرس وغيره وممن قال بهذا القول:

بعض الشافعية والحنابلة وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب1 وابن عبد البر2.

أدلة هذا القول:

استدل أصحاب هذا القول بعموم أدلة أصحاب القول الأول وأنها تدل على السنية واستدلوا أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان هدْيُهُ إجابة الدعوة كما ورد في أحاديث كثيرة منها:

1-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو دعيت إلى كُراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ كراع لقبلت".

أخرجه البخاري3، والنسائي4، ولفظه "لو دعيت إلى كراع أو إلى ذراع ولو أهدي إلىَّ ذراع أو كراع لقبلت " وفي الباب عن أنس5

1 وفي التمهيد عن مالك إن إجابة الوليمة واجبة دون غيرها (1/272) وقال الحسيني: مذهب مالك وجوب الإجابة خلافاً لحكاية ابن القصار.

مكمل إكمال الإكمال (5/93) .

2 التمهيد (1/272) شرح مسلم للنووي (9/234) طرح التثريب (7/77) الفتح (9/242) النيل (6/202) السبل (3/273) تحفة الأحوذي (4/223) .

3 في صحيحه (5/1985 رقم 4883) كتاب النكاح، باب من أجاب إلى كراع.

4 في السنن الكبرى (4/140 رقم 6609) كتاب الوليمة، باب إجابة الدعوة إلى ذراع.

5 حديث أنس أخرجه الترمذي (3/614 رقم 1338) كتاب الأحكام، باب ما جاء في قبول الهدية وإجابة الدعوة، وأحمد في المسند (3/209) وابن حبان في صحيحه -الإحسان (12/103 رقم 5292) كتاب الأطعمة، باب ذكر الزجر عن ترك المرء إجابة الدعوة وإن كان المدعو إليه تافهاً.

من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي اله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أهدي إليَّ كراع لقبلت ولو دعيت عليه لأجبت" وسنده صحيح واختلاط سعيد لا يؤثر لأن من الرواة عنه روح ويزيد بن زريع وهما ممن رويا عنه قبل الاختلاط كما قاله الإمام أحمد الكواكب النيرات (195، 208) شرح علل الترمذي لابن رجب (2/565) .

وأخرجه البيهقي في السنن (6/169) كتاب الهبات، باب التحريض على الهبة والهدية من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس به وسعيد بن بشير عن قتادة قال ابن نمير: يروى عن قتادة المنكرات.

وقال ابن حبان: يروى عن قتادة مالا يتابع عليه.

تهذيب الكمال (10/354) المجروحين (1/319) .

ص: 110

وابن عباس1 رضي الله عنهم.

2-

حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرسه وكانت امرأته يومئذ خادمهم، وهى العروس، قال سهل: تدرون ما سقت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنقعت له تمرات من الليل فلما أكل سقته إياه".

أخرجه البخاري2، ومسلم3، وفي الباب عن أنس4، وأبي

1 أما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فأخرجه الطبراني في الأوسط (8/475، 476 رقم 7985) من طريق بشر بن السّري عن عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو دعيت إلى كراع لأجبت".

قال الهيثمي: وفيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن سعد، وابن حبان وقال: يخطئ.

وضعفه جماعة. المجمع (4/53) .

وقال الحافظ فيه: ضعيف الحديث. التقريب (325) .

2 في صحيحه (5/1984 رقم 4881) كتاب النكاح، باب حق إجابة الوليمة والدعوة ومن أولم سبعة أيام ونحوه.

وأخرجه برقم (4887، 4888، 5269، 5275، 6307) .

3 في صحيحه (3/1590 رقم 2006) كتاب الأشربة، باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكراً.

4 حديث أنس أخرجه البخاري في صحيحه (2/737 رقم 1986) كتاب البيوع، باب ذكر الخياط وأخرجه برقم (5104، 5117، 5119، 5121، 5123) ومسلم في صحيحه (3/1615 رقم 2041) كتاب الأشربة، باب جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين، وأبو داود في السنن (4/146 رقم 3782) كتاب الأطعمة، باب في أكل الدباء، والترمذي في السنن (4/284 رقم 1849) كتاب الأطعمة، باب ماجاء في أكل الدباء من طريق مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس رضي اله عنه أن خياطاً دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه قال أنس بن مالك: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزاً ومرقاً فيه دباء وقديد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة قال فلم أزل أحب الدباء من يومئذ.

ص: 111

طلحة1 رضي الله عنهما.

3-

حديث أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض ويشهد الجنازة ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف2 ليف".

أخرجه الترمذي3، وابن ماجه4، وابن سعد5، وابن أبي شيبة6، وابن أبي الدنيا7، وأبو الشيخ8، والبيهقي9.

1 حديث أبي طلحة أخرجه البخاري في صحيحه (5/2076 رقم 5135) كتاب الأطعمة، باب من أدخل الضيفان عشرة عشرة وأخرجه برقم (412، 3385، 5066، 6310) ومسلم في صحيحه (3/1612 رقم 2040) كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك وبتحققه تحققاً تاماً عن أنس رضي اله عنه قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأدعوه وقد جعل طعاماً فأقبلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس فنظر إليَّ فاستحييت فقلت أجب أبا طلحة فقال للناس قوموا فقال أبو طلحة: يا رسول الله صنعت لك شيئاً قال: فمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا فيها بالبركة ثم قال: "أدخل نفراً من أصحابي عشرة وقال: كلوا وأخرج لهم شيئاً من بين أصابعه فأكلوا حتى شبعوا فخرجوا فقال: ادخل عشرة فأكلوا حتى شبعوا فمازال يدخل عشرة ويخرج عشرة حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل حتى شبع ثم هيأها فإذا هى مثلها حين أكلوا منها".

وله ألفاظ أخر أطول من هذا.

2 الإكاف والأكفاف من المراكب شبه الرحّال والأقتاب. اللسان (9/8) .

3 في السنن (3/328 رقم 1017) كتاب الجنائز، باب 32

وأخرجه في الشمائل (262 رقم 315) باب ما جاء في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

4 في السنن (2/1398 رقم 4178) كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع.

5 في الطبقات (1/371) .

6 في المصنف (3/164) كتاب الزكاة، باب من قال على العبد زكاة في ماله لكنه مختصر.

7 في التواضع (152 رقم 113) باب التواضع.

8 في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم (201، 202) باب ذكر عيادته المريض صلى الله عليه وسلم.

9 في دلائل النبوة (1/330) كلهم من طريق مسلم الأعور عن أنس به وسنده ضعيف.

قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مسلم، عن أنس، ومسلم الأعور يضعف وهو مسلم بن كيسان تكلم فيه وقد روى عن شعبة وسفيان الملائي.

وأخرجه ابن سعد نحوه لكن في سنده عمرو بن حبيب العدوي ضعيف كما قاله الحافظ في التقريب (410) .

ص: 112

4-

حديث أنس رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب ولقد كان له درع عند يهودي فما وجد ما يفكها حتى مات".

أخرجه الترمذي في الشمائل1، وأبو يعلي2، وأبو الشيخ3.

وفي الباب عن ابن عباس4 رضي الله عنهما.

ووجه الدلالة من هذه الأحاديث أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو إجابة الدعوة وهذا فعل وهو يدل على السنية.

القول الثالث:

التفصيل وهو أن إجابة الدعوة تجب في العرس دون غيره.

وممن قال بهذا: مالك والثوري والشافعي والخطابي والعنبري والحنفية

(263 رقم 316) باب ما جاء في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2 في المسند (7/83 رقم 4016) .

3 في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم (200) باب ذكر قبول الهدية وإثابته عليها صلى الله عليه وسلم كلهم من طريق ابن فضيل عن الأعمش عن أنس به.

والأعمش لم يسمع من أنس - وقد عنعنه - كما قاله ابن المديني.

المراسيل لابن أبي حاتم (82) .

والحديث في البخاري وغيره بلفظ "عن أنس رضي الله عنه أنه مشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز شعير وإهالة سنخة ولقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعاً له بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيراً لأهله ولقد سمعته يقول: ما أمسى عند آل محمد صلى الله عليه وسلم صاع بر ولا صاع حب وإن عنده لتسع نسوة".

البخاري في صحيحه (2/729 رقم 1963) كتاب البيوع، باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة.

4 حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في الأوسط (1/188 رقم 257) والصغير (1/22، 23) من طريق أبي مسلم قائد الأعمش عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن كان الرجل من أهل العوالي ليدعو النبي صلى الله عليه وسلم على خبز الشعير فيجيبه.

وقال: لم يروه عن الأعمش إلا أبو مسلم ولا عن أبي مسلم إلا عمرو بن عثمان تفرد به يحيى بن سليمان.

وقال الهيثمي في المجمع (4/53) وفيه أبو مسلم قائد الأعمش وثقه ابن حبان وقال: يخطئ وضعفه جماعة.

ص: 113

وجمهور الحنابلة وجمهور الشافعية وهو المشهور عنهم وبالغ السرخسي منهم فنقل الإجماع1 وهو قول الجمهور.

ونقل القاضي عياض وغيره الاتفاق على وجوب الإجابة في وليمة العرس2.

لكن اعترض على هذا النقل الحافظ ابن حجر3 فقال: "وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة إلى وليمة العرس وفيه نظر نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب وصرح جمهور الشافعية والحنابلة أنها فرض عين ونص عليه مالك وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب

".

أدلة هذا القول:

1-

عموم أحاديث الباب وأنها تدل على السنية إلا ما نص عليه وهو وليمة العرس.

2-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله"4.

ووجه الدلالة منه أن هذا الحديث يدل على وجوب إجابة وليمة العرس دون غيرها لأن الوليمة المراد بها وليمة العرس إذا أطلقت دون غيرها وهذا الدليل هو الذي خصص دعوة وليمة العرس بالوجوب دون غيرها من الدعوات فتبقى على السنية5.

1 انظر شرح مسلم للنووي (9/234) التمهيد (1/272) معالم السنن (5/289) المغني (7/2) طرح التثريب (7/70، 77) شرح الأبي على صحيح مسلم (5/93) الفتح (9/242) عمدة القاري (16/359) النيل (6/202) السبل (3/273) إعلاء السنن (11/17) الإنصاف (8/318) .

2 شرح مسلم للنووي (9/234) الفتح (9/242) .

3 الفتح (9/242) .

4 تقدم تخريجه في أدلة القول الأول الدليل الأول ص: 100.

5 الفتح (9/241) النيل (6/202) السبل (3/275) إكمال المعلم للأبي (5/95) .

ص: 114

3-

حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها".

وفي لفظ "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله"1.

ووجه الدلالة أن المراد بالوليمة هي وليمة العرس كما تقدم وما ورد في بعض ألفاظه "الدعوة" فالألف واللام للعهد والمراد بها وليمة العرس2.

4-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "الوليمة حق وسنة فمن دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله والخُرس والإعذار والتوكير أنت فيه بالخيار".

قال قلت: إني والله لا أدري ما الخرس والإعذار والتوكير؟ قال: الخرس الولادة والإعذار الختان، والتوكير الرجل يبني الدار وينزل في القوم فيجعل الطعام فيدعوهم فهم بالخيار إن شاؤا جاؤا، وإن شاؤا قعدوا".

أخرجه الطبراني في الأوسط3.

ووجه الدلالة منه أنه فرق بين دعوة الوليمة وغيرها وسمى من لم يجب في الوليمة عاصياً أما غيرها فهو بالخيار.

1 تقدم تخريجه في القول الأول الدليل الثاني.

2 الفتح (9/246) .

(4/563-564 رقم 3960) ومجمع البحرين (3/326 رقم 1899) من طريق الصلت بن مسعود الجحدري قال: حدثنا يحيى بن عثمان التيمي قال: حدثنا إسماعيل بن أمية قال: حدثني مجاهد عن أبي هريرة به وسنده ضعيف.

وقال: لم يرد هذا الحديث عن إسماعيل بن أمية إلا يحيى بن عثمان التيمي تفرد به الصلت بن مسعود.

وقال الهيثمي في المجمع (4/52) : "وفيه يحيى بن عثمان التيمي وثقه أبو حاتم الرازي وابن حبان وضعفه البخاري وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح. ا?.

ويحيى بن عثمان ضعفه غير واحد والذي في الجرح والتعديل قال أبو حاتم شيخ، وأما ابن حبان فذكره وشدد النكير عليه فقال: منكر الحديث جداً

".

وضعفه الحافظ ابن حجر.

الجرح والتعديل (9/174) المجروحين (3/123) تهذيب الكمال (31/465) التقريب (594) .

ص: 115

القول الرابع:

أن إجابة وليمة العرس فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين.

وممن قال بهذا: بعض الشافعية والحنابلة1.

أدلة هذا القول:

عموم الأدلة السابقة وقالوا إن الإجابة إكرام وموالاة فهي كرد السلام2.

القول الخامس:

أن إجابة الدعوة تسن في العرس وتباح في غيره، حكاه العراقي عن بعض الحنابلة3.

المناقشة:

بعد استعراض الأقوال في هذه المسألة اتضح أن الأقوال فيها خمسة المشهور منها ثلاثة: الوجوب والسنية والتفصيل وإن كان كل قول منها لا يسلم من اعتراض لكن قد يكون الاعتراض له حظ من النظر وقد لا يكون له حظ من النظر وفي هذا المبحث أود أن أورد فيه الاعتراضات الواردة على أدلة كل قول ومناقشتها قدر الإمكان مع ذكر أقوال أهل العلم في ذلك فأقول:

مناقشة أدلة أصحاب القول الأول:

نوقشت أدلة أصحاب القول الأول.

1 انظر شرح مسلم للنووي (9/234) المغني (7/2) شرح الأبيّ على صحيح مسلم (5/93) طرح التثريب (7/71) الفتح (9/242) النيل (6/202) الإنصاف (8/318) .

2 المغني (7/2) .

3 طرح التثريب (7/78) وانظر الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (8/318) .

ص: 116

أما الدليل الأول وهو حديث أبي هريرة فاعترض عليه من وجهين:

الأول: بأن المراد به وليمة العرس وذلك لأن الوليمة إذا أطلقت فالمراد بها وليمة العرس.

قال الحافظ ابن حجر1: عقب تبويب البخاري "باب حق إجابة الوليمة والدعوة": كذا عطف الدعوة على الوليمة فأشار بذلك إلى أن الوليمة مختصة بطعام العرس ويكون عطف الدعوة عليها من العام بعد الخاص وقد تقدم بيان الاختلاف في وقته.

وأما اختصاص اسم الوليمة به فهو قول أهل اللغة فيما نقله عنهم ابن عبد البر2 وهو المنقول عن الخليل بن أحمد وثعلب وغيرهما وجزم به الجوهري3 وابن الأثير4 وقال صاحب المحكم: الوليمة طعام العرس والإملاك، وقيل كل طعام صنع لعرس وغيره.

وقال عياض في المشارق: الوليمة طعام النكاح وقيل: الإملاك وقيل: طعام العرس خاصة.

وقال الشافعي وأصحابه: تقع الوليمة على كل دعوة تتخذ لسرور حادث من نكاح أو ختان أو غيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح وتقيد في غيره فيقال: وليمة الختان ونحو ذلك.

وقال الأزهري5: الوليمة مأخوذة من الوَلم الجمع وزناً ومعنى لأن الزوجين يجتمعان.

وقال ابن الأعرابي: أصلها من تتم الشيء واجتماعه.

1 الفتح (9/241) .

2 التمهيد (10/182) .

3 الصحاح (5/2054) .

4 النهاية في غريب الحديث (5/226) .

5 في تهذيب اللغة (15/406) .

ص: 117

وجزم الماوردي ثم القرطبي بأنها لا تطلق في غير طعام العرس إلا بقرينة وأما الدعوة فهي أعم من الوليمة

ا?.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية1: الوليمة تختص بطعام العرس في مقتضى كلام أحمد في رواية المروذي.

وقيل: تطلق على كل طعام لسرور حادث وقاله القاضي في الجامع وقيل: تطلق على ذلك إلا أنه في العرس أظهر.

وقال العراقي2: اختلف العلماء وأهل اللغة في الوليمة والمشهور اختصاصها بطعام العرس

ثم ساق نحو كلام الحافظ السابق.

وقال في القاموس3: الوليمة طعام العرس أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها وأَوْلَم صنعها.

قال ابن رسلان4: وقول أهل اللغة أقوى لأنهم أهل اللسان وهم أعرف بموضوعات اللغة وأعلم بلسان العرب.

وقال الشوكاني5: عقب دلالة هذا الحديث: "والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها عن الوجوب ولجعل الذي لم يجب عاصياً وهذا في النكاح في غاية الظهور وأما في غيرها من الولائم الآتية فإن صدق عليها اسم الوليمة شرعاً كما سلف في أول الباب كانت الإجابة إليها واجبة".

وقال أيضاً6: ويمكن أن يقال: الوليمة في اللغة وليمة العرس فقط وفي الشرع للولائم المشروعة. ا?.

1 الاختيارات (240) .

2 طرح التثريب (7/70) .

(4/189) .

4 النيل (6/198) .

5 النيل (6/202) .

6 النيل (6/198) .

ص: 118

وبعد إيراد هذه النقول يظهر لنا أن المشهور عند أهل اللغة وغيرهم أن الوليمة لا تطلق إلا على وليمة العرس فقط وعلى هذا لا يكون في الحديث دلالة على الوجوب إلا في وليمة العرس فقط.

قال الطحاوي1: فتأملنا هذا الحديث - يعني حديث أبي هريرة - لنقف على معناه الذي أريد به إن شاء الله فوجدنا الطعام المقصود بما ذكر إليه فيه هو الوليمة وكانت صنفاً من الأطعمة لأن في الأطعمة أصنافاً سواها نحن ذاكروها في هذا الباب إن شاء الله وهو ما سمعت أحمد بن أبي عمران يقول: كانت العرب تسمى الطعام الذي يطعمه الرجل إذا ولد له مولود طعام الخرس وتسمى طعام الختان طعام الأعذار. يقولون: قد أعذر على ولده.

وإذا بنى الرجل داراً أو اشتراها فأطعم قيل طعام الوكيرة أي من الوكر.

وإذا قدم من سفر فأطعم قيل طعام النقيعة.

قال: وأنشد أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي:

إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم

ضرب القدار نقيعة القدام

قال: والقدار الجزار والقدام القادمون يقال قادم وقدّام كما يقال كاتب وكتاب.

وطعام المأتم يقال له طعام الهضيمة قال لنا ابن أبي عمران: وأنشدني الحسن بن عمرو الوائلي لأم حكيم بنت عبد المطلب لأبيها:

كفى قومه نائبات الخطوب

في آخر الدهر والأول

طعام الهضائم والمأدبات

وحمل عن الغارم المثقل

وطعام الدعوة: طعام المأدبة قال لي ابن أبي عمران: وما سمعت طعام الهضيمة من أصحابنا البغداديين وإنما سمعته بالبصرة من أهل اللغة بها.

قال أبو جعفر: وطعام الوليمة خلاف هذه الأطعمة وفي قصد رسول الله

1 شرح مشكل الآثار (8/19) .

ص: 119

صلى الله عليه وسلم بالكلام الذي قصد به إليه فيه ما قد دل أنه حكمه في الدعاء إليه خلاف غيره من الأطعمة المدعى إليها ولولا ذلك لاكتفى بذكر الطعام ولم يقصد إلى اسم من أسمائه فيذكره به ويدع ما سواه من أسمائه فلا يذكرها.

فنظرنا في المعنى الذي به حكم ذلك الطعام من حكم ما سواه من الأطعمة فوجدنا أبا أمية وإبراهيم بن أبي داود قد حدثانا قالا:

ثم ذكر حديث "لابد للعرس من وليمة" وقال: فكان في هذا الحديث إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لابد للعرس من وليمة ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن عوف "أولم ولو بشاة" وقال: فكان هذا الحديث أيضاً أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف لما تزوج أن يولم ثم ذكر حديث "الوليمة حق والثاني معروف والثالث رياء وسمعة".

وقال: فكان في هذا الحديث إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوليمة حق وفرّق بين حكمها في الأيام الثلاثة فجعلها في أول يوم محموداً عليها أهلها لأنهم فعلوا حقاً.

وجعلها في اليوم الثاني معروفاً لأنه قد يصل إليها في اليوم الثاني من عسى أن لا يكون وصل إليها في اليوم الأول ممن في وصله إليها من الثواب لأهلها مالهم في ذلك.

وجعلها في اليوم الثالث بخلاف ذلك لأنه جعلها رياء وسمعة وكان معلوماً أن من دعي إلى الحق فعليه أن يجيب إليه وأن من دعي إلى معروف فله أن يجيب إليه وليس عليه أن يجيب إليه وأن من دعي إلى الرياء والسمعة فعليه أن لا يجيب إليه.

وفي ذلك ما قد دل على أن من الأطعمة التي يدعى إليها ما للمدعو إليه أن لا يأتيه وأن منها ما على المدعو إليه أن يأتيه. ا?.

وأما قوله في آخر الحديث: "ومن ترك الدعوة" فقال الحافظ ابن حجر1: والذي يظهر أن اللام في الدعوة للعهد من الوليمة المذكورة أولاً. وقد تقدم أن الوليمة إذا أطلقت حملت على طعام العرس بخلاف سائر الولائم فإنها تقيد. ا?.

1 الفتح (9/245) .

ص: 120

الوجه الثاني:

ما حكاه ابن عبد البر1 بعد قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله" قال على أنه يحتمل والله أعلم من لم ير إتيان الدعوة فقد عصى الله ورسوله وهذا أحسن وجه حمل عليه هذا الحديث إن شاء الله. ا?.

وفي هذا نظر لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق العصيان على عدم الإتيان لا على الاعتقاد والأصل حمل اللفظ على حقيقته إلا بقرينة تدل على أن هذا الظاهر غير مراد2.

1 التمهيد (1/272) .

2 فإن قيل: إن حديث أبي هريرة موقوف أجيب عن ذلك بما قاله الحافظ في الفتح (9/244) : أول هذا الحديث موقوف ولكن آخره يقتضي رفعه ذكر ذلك ابن بطال قال: ومثله حديث أبي الشعثاء أن أبا هريرة أبصر رجلاً خارجاً من المسجد بعد الأذان فقال: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم".

ومثل هذا لا يكون رأياً ولهذا أدخله الأئمة في مسانيدهم.

وذكر ابن عبد البر: أن جل رواة مالك لم يصرحوا برفعه وقال فيه روح بن القاسم عن مالك بسنده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكذا أخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن مالك.

وقد أخرجه مسلم من رواية معمر وسفيان بن عيينة عن الزهري شيخ مالك وكما قال مالك ومن رواية أبي الزناد عن الأعرج كذلك والأعرج شيخ الزهري فيه هو عبد الرحمن كما وقع في رواية سفيان قال: سألت الزهري فقال: حدثني عبد الرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة فذكره.

ولسفيان فيه شيخ آخر بإسناد آخر إلى أبي هريرة صرح فيه برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

أخرجه مسلم أيضاً من طريق سفيان سمعت زياد بن سعد يقول: سمعت ثابتاً الأعرج يحدث عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فذكر نحوه.

وكذا أخرجه أبو الشيخ من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً صريحاً وأخرج له شاهداً من حديث ابن عمر كذلك.

وقال ابن عبد البر في التمهيد (10/175) : هذا حديث مسند عندهم لقول أبي هريرة "فقد عصى الله ورسوله" وهو مثل حديث أبي الشعثاء عن أبي هريرة رأى رجلاً خارجاً من المسجد بعد الأذان فقال: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم"، ولا يختلفون في هذا وذاك أنهما مسندان مرفوعان.

ص: 121

وأما الدليل الثاني وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فإنه نوقش من وجهين هما:

الأول: أن يقال إن قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" المراد به وليمة العرس كما تقدم بيان ذلك في الجواب عن حديث أبي هريرة.

وأما رواية "أجيبوا هذه الدعوة" فقال الحافظ ابن حجر1: وهذه اللام يحتمل أن تكون للعهد والمراد وليمة العرس ويؤيده رواية ابن عمر الأخرى "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" وقد تقرر أن الحديث الواحد إذا تعددت ألفاظه وأمكن حمل بعضها على بعض تعين ذلك، ويحتمل أن تكون اللام للعموم وهو الذي فهمه راوي الحديث فكان يأتي الدعوة للعرس ولغيره"ا?.

وأما رواية أبي داود وابن عدي والبيهقي "من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله

" فإنها تدل على العموم وعدم التخصيص بالعرس لكنها ضعيفة كما تقدم بيان ذلك2.

لكنه ورد عند أبي يعلي وصححه الحافظ3 بلفظ "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".

فجعل العصيان مقيداً بمن لم يجب دعوة الوليمة لا كل دعوة.

وأما رواية "عرساً كان أو نحوه" فإنها تدل على عدم التخصيص بوليمة العرس لأنه قال أو نحوه لكن يمكن أن يجاب عنه:

بأن يقال هذه الرواية تدل على أنه لا يجب إجابة كل دعوة وذلك لأن الحديث أمر بإجابة دعوة العرس ونحوه فما المراد بهذا النحو؟ فهل المراد به نحوه من حيث الكبر أو غير ذلك؟ إلا أن يقال بينه فهم ابن عمر وأنه كان يأتي في

1 الفتح (9/246) .

2 ص: 103.

3 في التخليص (3/195) عزاه لأبي يعلي وذكر سنده وصححه.

ص: 122

العرس وغير العرس لكن هذا لا يدل على الوجوب أيضاً لأن تطبيق ابن عمر للإتيان إنما هو لكونه مأموراً بهذا ولو كان على سبيل الاستحباب، لما عُرف عنه من شدة تحريه للسنة وقد يكون أخذ إتيان وليمة العرس من هذا الحديث وغير وليمة العرس من أحاديث أُخر كحديث البراء وغيره ففعله لا يدل على وجوب الجميع والله أعلم.

وقال الطحاوي1: قد يحتمل أن يكون ذلك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقد يحتمل أن يكون من كلام رواة هذين الخبرين.

وقد روى حديث ابن عمر هذا جماعة عن نافع بغير ذكر هذا المعنى الذي هو خلاف العرس ثم ساقه من طريق عمر بن محمد العمري عن نافع بلفظ "إذا دعيتم فأجيبوا".

ومن طريق موسي بن عقبة عن نافع بلفظ "أجيبوا الدعوة إذا دعيتم لها".

ومن طريق أيوب السختياني عن نافع بلفظ "ائتوا الدعوة إذا دعيتم".

ثم قال: فاحتمل أن تكون تلك الدعوة المرادة في هذه الآثار هي الدعوة المذكورة في الآثار الأول فتتفق هذه الآثار ولا تختلف فنظرنا هل رُوي شيء يدل على أنها تلك الدعوة كما ذكرنا؟

فوجدنا يونس قد حدثنا قال أنبأنا ابن وهب أن مالكاً أخبره عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" فبين هذا الحديث أن الذي يجب إتيانه من الأطعمة التي يدعى إليها في أحاديث ابن عمر هى هذه الوليمة

"ا?.

تنبيه:

قال ابن عبد البر2: قد رواه معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر فقال فيه "عرساً كان أو غيره" ذكره عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن

1 شرح مشكل الآثار (8/25) .

2 في التمهيد (1/273) .

ص: 123

نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه عرساً كان أو غيره" وذكر أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا عبد الرزاق بإسناده مثله وقال: "عرساً كان أو دعوة" قال أبو داود: وكذلك رواه الزبيدي عن نافع مثل حديث معمر عن أيوب ومعناه سواء

"ا?.

ففي هذه الرواية التي ذكرها ابن عبد البر وعزاها لأبي داود وكذا لعبد الرزاق يبطل التأويل السابق لقوله صلى الله عليه وسلم: "عرساً كان أو نحوه" فإن رواية أبي داود وعبد الرزاق تدل على العموم في العرس وغيره إلا أن هذه الرواية التي ذكرها ابن عبد البر وعزاها لأبي داود وعبد الرزاق لم أجدها عندهما بهذا اللفظ بل عندهما1 بلفظ "عرساً كان أو نحوه" من نفس الطريق التي ذكرها ابن عبد البر فليتأمل ذلك لعله في نسخ أخرى غير هذه أو تكون تصحيفاً، إلا أن يقال لو صحت حملت على حديث البراء وغيره لأنه لم يرتب العصيان على من لم يجب في هذه الرواية والله أعلم.

الوجه الثاني:

حمل المطلق على المقيد وذلك أنه ورد في بعض روايات هذا الحديث إطلاق الوليمة وفي بعضها قال "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجيب" كما عند مسلم وغيره.

قال النووي2 عقب هذه الرواية: قد يحتج به من يخصص وجوب الإجابة بوليمة العرس ويتعلق الآخرون بالروايات المطلقة ولقوله صلى الله عليه وسلم في الرواية التي بعد هذه "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه" ويحملون هذا على الغالب أو نحوه من التأويل.

1 سنن أبي داود (4/124 رقم 3738) ومصنف عبد الرزاق (10/448 رقم 19666) .

2 شرح مسلم (9/234) .

ص: 124

وقال العراقي1: ويدل على عدم الوجوب في غير وليمة العرس التقييد في بعض الروايات بقوله "وليمة عرس" وقد تقدم ذكرها فيحمل المطلق على المقيد.

وقد تعقب الشوكاني2 هذا الوجه فقال: لا يقال ينبغي حمل مطلق الوليمة على الوليمة المقيدة بالعرس كما وقع في رواية حديث ابن عمر المذكورة بلفظ "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" لأنا نقول ذلك غير ناتج للتقييد لما وقع في الرواية المتعقبة لهذه الرواية بلفظ "من دعي إلى عرس أو نحوه" وأيضاً قوله: "من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" يدل على وجوب الإجابة إلى غير وليمة العرس. ا?.

لكن تقدم أن رواية "من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" هذه مقيد بالوليمة كما في الصحيحين.

أما رواية أبي داود المطلقة فإنها ضعيفة.

وأما رواية "إلى عرس أو نحوه" فتقدم الجواب عنها وأنها لا تدل على وجوب كل دعوة، والله أعلم.

وأما الدليل الثالث حديث البراء:

فقال ابن عبد البر3: قال البراء: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع فذكر منها إجابة الداعي وذكر منها أشياء منها ما هو فرض على الكفاية ومنها ما هو واجب وجوب سنة فكذلك إجابة الدعوة والله نسأل العصمة.

وأما الدليل الرابع حديث أبي هريرة:

هذا الحديث لفظ الصحيحين "حق" لكن عند مسلم في لفظ "خمس

1 طرح التثريب (7/77،78) .

2 النيل (6/202) .

3 التمهيد (1/275) .

ص: 125

تجب" وهذا اللفظ ظاهره الوجوب إلا أن الحافظ حمله1 على وجوب الكفاية فقال: وقد تبين أن معنى الحق هنا الوجوب خلافاً لقول ابن بطال: المراد حق الحرمة والصحبة والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية. ا?.

ولعله أخذ هذا مما قرن معه من عيادة المريض واتباع الجنائز ورد السلام وتشميت العاطس مع ما في دلالة الاقتران من الكلام عند الأصوليين.

وقال الطحاوي2: عقب هذا الحديث: فقد تحتمل أيضاً أن يكون الحق الواجب في إجابة الدعوة يراد به الدعوة التي هي وليمة لا ما سواها فلم يبين لنا في شيء مما روينا وجوب إتيانه من الطعام المدعى إليه غير طعام الوليمة التي هي الأعراس والله سبحانه نسأله التوفيق.

وقال أيضاً3 في الجواب عن حديث أبي أيوب: فقال قائل ففي هذا الحديث من كلام أبي أيوب ما قد دل على أن الدعوة التي من حق المسلم على أخيه إجابته إليها هو مثل ما دعا إليه فأجاب إليه.

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه قد يحتمل أن يكون ذلك كما قد ذكر ويكون الأحسن بالناس إذا دعوا إلى مثله أن لا يتخلفوا عنه ويكون حضور بعضهم إياه مسقطاً لما على غيرهم منه ويكون من الأشياء التي يحملها العامة على الخاصة كحضور الجنائز وكدفن الموتى.

ويحتمل أن يكون ذلك على ما يجب أن يكون الناس عليه في أسفارهم مع إخوانهم من الزيادة في مواصلتهم والانبساط إليهم والجود عليهم أكثر مما يكونون لهم عليه في خلاف السفر فيكون ما كان من أبي أيوب لذلك والذي كان منه فلم يذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم

وإنما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما سوى ذلك مما في هذا الحديث.

1 الفتح (3/113) .

2 شرح مشكل الآثار (8/33، 34) .

3 شرح مشكل الآثار (8/32، 33) .

ص: 126

وقد يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أراد بما في هذا الحديث من إجابة الدعوة الوليمة التي ذكرنا لا ما سواها. ا?.

وأما الدليل الخامس حديث أبي أمامة والدليل الثامن حديث أبي هريرة والدليل التاسع حديث يعلي بن مرة فإنها ضعيفة وتقدم بيان ضعفها.

أما الدليل السادس حديث ابن مسعود فيجاب عنه بمثل ما أجيب عن الدليل الثالث والرابع حديث البراء وأبي هريرة رضي الله عنهما.

وقال الطحاوي1: في الجواب عن حديث ابن مسعود: ففي هذا الحديث الأمر بإجابة الداعي وبقبول الهدية والمنع من ردها فقد يحتمل أن تكون هذه الإجابة وهذا الممنوع من رده من جنس واحد ويكون المدعى إليه هو خلاف الوليمة وقد يحتمل أن يكون كل واحد منهما جنساً غير الجنس الآخر فيكون المدعى إليه هو الوليمة الواجب إتيانها والهدية بخلافها. ا?.

وأما الدليل السابع حديث جابر فيجاب عنه بمثل ما أجيب عن الدليل الثالث والرابع حديث البراء وأبي هريرة.

وقال الطحاوي2 أيضاً في الجواب عن هذا الحديث: فكان ذلك محتملاً أن يكون أريد به الطعام المذكور في الآثار الأول3 لا ما سواه منها.

وقد يجاب عن هذه الأدلة كلها عدا الدليل الأول والثاني بأن المراد بها إما وليمة العرس كما أشار إليه الطحاوي، وإما أنها محمولة على الاستحباب والصارف لها عن الوجوب هو حديث أبي هريرة وابن عمر في رواية أبي يعلي حيث رتب العصيان على من لم يجب الوليمة فهذا يدل على أن غير الوليمة لها حكم آخر غير الوجوب وهو الندب وسيأتي مزيد بحث في ذلك عند مناقشة أصحاب القول الثالث إن شاء الله تعالى.

1 شرح مشكل الآثار (8/29) .

2 شرح مشكل الآثار (8/28، 29) .

3 يريد به وليمة العرس.

ص: 127

مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني:

أدلة أصحاب هذا القول لا تخلو عن ثلاثة أحوال:

الأول: بعضها ظاهر الدلالة على السنية مثل الدليل الأول والثاني والثالث والرابع مع ضعف في الثالث والرابع.

والثاني: بعضها ظاهر الدلالة على الوجوب وذلك في مثل حديث أبي هريرة وابن عمر حيث أطلق العصيان على من لم يجب الدعوة والعصيان يكون بترك الواجب أو فعل المحرم وهذا ظاهر في وليمة العرس محتمل في غيرها.

الثالث: بعضها محتملة للوجوب والسنية وذلك بحسب القرائن وهذا في مثل الأحاديث التي فيها الأمر بإجابة الدعوة كحديث البراء وغيره.

فعلى هذا هذه الأدلة لا تسلم دلالتها على السنية مطلقاً لأن فيها أدلة تدل على الوجوب كما تقدم.

مناقشة أصحاب القول الثالث:

هذا القول وسط بين القولين السابقين الوجوب مطلقاً والسنية مطلقاً والأدلة التي استدلوا بها ظاهرة الدلالة على هذا القول بالجملة إلا أنه قد ينازع في بعضها وهي التي فيها الأمر بإجابة الدعوة مطلقاً من غير تقييد بالوليمة إذ الأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف إلا أن يقال إن الصارف لهذه الأدلة عن الوجوب - غير وليمة العرس - هو:

1-

ما أخرجه مسلم1 والنسائي2 من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أن جاراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسياً كان طيب المرق فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء يدعوه فقال: "وهذه؟ " لعائشة، فقال:"لا"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا" فعاد

1 في صحيحه (3/1609رقم 2037) كتاب الأشربة، باب ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام واستحباب إذن صاحب الطعام للتابع.

2 في السنن (6/158 رقم 3436) كتاب الطلاق، باب الطلاق بالإشارة المفهومة.

ص: 128

يدعوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وهذه؟ " فقال: "لا" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا" ثم عاد يدعوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وهذه؟ " قال: نعم في الثالثة فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله".

ووجه الدلالة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاه قال: "لا" لما لم يوافق على مجيء عائشة رضي الله عنها معه ولو كان الأمر في الدعوة للوجوب لما قال لا وهذه الدعوة ظاهرها أنها ليست دعوة عرس فهذا قد يستأنس به على أنه مخصص لدعوة غير العرس فتحمل على الاستحباب.

2-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله".

وحديث ابن عمر رضي الله عنهما رواية أبي يعلي "إذا دعا أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".

ووجه ذلك هو أنه أطلق العصيان على من لم يجب الدعوة إلى الوليمة ولم يرد هذا الحكم في غير الوليمة إلا في رواية عن أبي داود وغيره من حديث ابن عمر "من دُعِيَ فلم يجب فقد عصى الله ورسوله" لكنها ضعيفة كما تقدم.

فهذا يفهم منه أن العصيان يختص بعدم إتيان الوليمة فقط دون غيرها من الدعوات فتحمل على الاستحباب وتقدم أن الوليمة المراد بها وليمة العرس عند الإطلاق كما هو قول أكثر أهل اللغة وغيرهم.

3-

ما أخرجه الطبراني في الكبير1 من حديث صهيب رضي الله عنه قال: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً فأتيته وهو في نفر جالس فقمت حياله فأومأت إليه فقال: "وهؤلاء؟ " فقلت: لا فسكت فقمت مكاني فلما نظر إليَّ أومأت إليه فقال: "وهؤلاء؟ " فقلت: لا مرتين فعل ذلك أو ثلاثاً فقلت: "نعم" وهؤلاء وإنما كان شيئاً يسيراً صنعته له فجاء وجاؤا معه فأكلوا وأحسبه قال وفضل منه".

(8/45 رقم 7321) .

ص: 129

ووجه الدلالة منه أنه لم يجب الدعوة حتى أذن لمن معه.

لكن قال الهيثمي1 فيه: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن ضريب بن نفير لم يسمع من صهيب.

4-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه الدليل الرابع من أدلة القول الثالث وهو نص في محل النزاع لكنه ضعيف.

مناقشة أدلة أصحاب القول الرابع:

أدلة أصحاب هذا القول هي عموم أدلة الأقوال السابقة وسبق مناقشتها إلا أن جعل الأدلة تدل على أنه فرض كفاية محل نظر لأمور هي:

الأول: قلة القائلين به ولا يعرف أحد من الأئمة المشهورين قال به بل حكى عن بعض الشافعية والحنابلة وإن كان هذا لا يكفي في رد القول لكن يستأنس به.

الثاني: أن فرض الكفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين فالمقصود في فروض الكفاية قيام هذا الفعل فليس معلقاً بالجميع بل بالبعض مثل الآذان المهم أن يقوم هذا العمل بخلاف إجابة الدعوة فإن الخطاب متوجه لكل من دعي وغالباً يكون مقصوداً في الدعوة فإذا لم يحضر فإنه يؤثر على الداعي ولو حضر غيره.

الثالث: أن في حديث أبي هريرة قال: من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله، وفي حديث ابن عمر قال:" ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".

الخطاب هنا ظاهره متوجه إلى كل من دعي فإذا لم يجب يكون عاصياً إلا ما قام الدليل على تخصيصه بخلاف فرض الكفاية فإن الخطاب موجه إلى البعض

1 مجمع الزوائد (4/55) .

ص: 130

وإنما يأثم الجميع إذا لم يمتثل الكل نعم لو كان لفظ الحديث "من دَعا فلم يُجَبْ

" لكان يدل على هذا القول والله أعلم.

الرابع: قال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام1: محل ذلك - أي فرض الكفاية - إذا عمت الدعوة أما لو خص كل واحد بالدعوة فإن الإجابة تتعين.

مناقشة أصحاب القول الخامس:

هذا القول لا أعلم لهم دليلاً فيه على هذا التفصيل إلا أن كان القائل به لم يبلغه إلا حديث أبي هريرة "شر الطعام

" فحمله على الندب وما عداه على الإباحة وهذا القول أضعف الأقوال في هذه المسألة بل هو خلاف الأدلة الواردة وليس على هذا التفريق دليل يعتمد عليه، والله أعلم.

الترجيح:

من خلال تأمل الأحاديث الواردة في هذه المسألة نجدها ظاهرة الدلالة على القول الأول وهو القول بالوجوب مطلقاً والقول الثالث وهو التفصيل وأن الدعوة تجب إجابتها في العرس وتسن فيما عداه وهو قول جمهور أهل العلم وهذا القول أقوى في نظري لقوة أدلته ولأن فيه توسطاً بين القول الأول والثاني ولأن حمل حديث أبي هريرة وابن عمر والذي فيهما إطلاق العصيان على من لم يجب الدعوة على وليمة العرس فيه قوة ويكون كافياً في تخصيص وليمة العرس بالوجوب دون غيرها وذلك لأن حمل الوليمة على وليمة العرس هو قول أكثر أهل العلم وهو قول أكثر أهل اللغة فهذا يدل على أن هذا هو الغالب في استعمال هذا اللفظ والأحكام إنما تعلق بالغالب لا بالنادر الذي لا يقع إلا قليلاً، والله أعلم.

1 الفتح (9/242) .

ص: 131

قال الشافعي1 رحمه الله: إتيان دعوة الوليمة حق والوليمة التي تعرف وليمة العرس وكل دعوة دعا إليها رجل وليمة فلا أرخص لأحد في تركها ولو تركها لم يتبين لي أنه عاص في تركها كما تبين لي في وليمة العرس.

ورجح الطحاوي2 هذا القول وأطال في الجواب عن الأحاديث كما تقدم نقل غالب كلامه والله أعلم.

1 الفتح (9/247) .

2 في شرح مشكل الآثار وتقدم كلامه مراراً.

ص: 132

مسألة: إجابة الدعوة لمن كان صائماً

ظاهر الأحاديث الواردة تدل على أن الصوم ليس بعذر يمنع من إجابة الدعوة كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم1.

ومن هذه الأحاديث:

1-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم" وفي لفظ "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم".

أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وتقدم2 وله شاهد من حديث جابر عند ابن ماجه ومن حديث ابن مسعود عند النسائي والطبراني ومن حديث ابن عمر عند أبي داود والبيهقي وتقدمت3.

2-

عموم الأحاديث الواردة في إجابة الدعوة لم تستثن الصائم.

3-

أن هذا فعل ابن عمر4 رضي الله عنهما يجيب الدعوة وهو صائم وكذا ورد عن يعلي بن مرة5 وأبي أيوب رضي الله عنهما6.

قال النووي7 عقب حديث ابن عمر "ويأتيها وهو صائم": فيه أن الصوم ليس بعذر في الإجابة وكذا قاله أصحابنا قالوا: إذا دعي وهو صائم لزمه الإجابة كما يلزم المفطر ويحصل المقصود بحضوره وإن لم يأكل

".

1 انظر في ذلك شرح مسلم للنووي (9/237) وروضة الطالبين (7/366) وإكمال إكمال المعلم (5/95) وطرح التثريب (7/79) وفتح الباري (9/247) وعمدة القاري (16/356) وسبل السلام (3/276) ونيل الأوطار (6/203) .

2 ص: 108.

3 حديث جابر ص: 107 وحديث ابن مسعود ص: 108 وحديث ابن عمر ص: 102.

4 ص: 102.

5 ص: 109.

6 ص: 106 في الحاشية.

7 شرح مسلم (6/237) .

ص: 133

وقال في الروضة1: والصوم ليس عذراً في ترك إجابة الدعوة.

وقال العراقي2: إن الصوم ليس عذراً في ترك الإجابة.

وقال الحافظ ابن حجر3: ويؤخذ من فعل ابن عمر أن الصوم ليس عذراً في ترك الإجابة ولاسيما مع ورود الأمر للصائم بالحضور والدعاء، نعم لو اعتذر به المدعو فقبل الداعي عذره لكونه يشق عليه أن لا يأكل إذا حضر أو لغير ذلك كان ذلك عذراً له في التأخر.

وقال الشوكاني4 في حديث ابن عمر: وفي الحديث دليل على أنه يجب الحضور على الصائم ولا يجب عليه الأكل لكن هذا بعد أن يقول للداعي إني صائم كما في الرواية الأخرى فإن عذره في الحضور بذلك وإلا حضر.

وقال الصنعاني5 في حديث أبي هريرة: فيه دليل على أنه يجب على من كان صائماً أن لا يتعذر بالصوم.

وقال الحسيني6 بعد قوله "وإن كان صائما فليدع" أي فليدع أخذ به الشافعي فأسقط الإجابة على الصائم وإنما يطلب منه أن يدعو لأهل البيت بالمغفرة والبركة.

وقال أصبغ: ليست إجابة الصائم بالوكيد وإنه لخفيف.

وقال مالك في كتاب محمد: أرى أن يجيب.

قال الباجي: فقول مالك على أن الأكل ليس بواجب، وقول أصبغ على أنه واجب، فإذا أسقط الصوم فقد سقط وسيلته وهو الإجابة. ا?.

والحاصل أن الصوم لا يعتبر عذراً مسقطاً للإجابة.

(7/336) .

2 طرح التثريب (7/79) .

3 الفتح (9/247) .

4 النيل (6/203) .

5 السبل (3/276) .

6 مكمل إكمال إكمال المعلم (5/95) .

ص: 134