المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كيف تكفرون بالله وكنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون - إشارات الإعجاز

[بديع الزمان النورسي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌مقدمة الترجمة التركية

- ‌ البقرة

- ‌الم

- ‌ذلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ

- ‌(اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)

- ‌وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ اِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

- ‌(اُولئِك عَلَى هُدىً مِنْ رَبٍّهِمْ)

- ‌اِنًّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْءَاَنْذَرْتَهُمْ اَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لايُؤْمِنُونَ

- ‌خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى اَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ

- ‌وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ امَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤمِنِينَ

- ‌يُخادِعُونَ الله

- ‌وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا

- ‌وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا

- ‌واِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا

- ‌اُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ

- ‌مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ

- ‌اَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّماءِ

- ‌يَا اَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ

- ‌وَإنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا

- ‌وَبَشِّر الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ

- ‌اِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيي اَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً

- ‌كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالله وَكُنْتُمْ اَمْوَاتاً فَاَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

- ‌هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى اِلَى السَّماءِ فَسَوّيهُنَّ سَبْعَ سَموَاتٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

- ‌وَاذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلئِكَةِ

- ‌وَعَلَّمَ ادَمَ الاْسْماءَ كُلَّها

الفصل: ‌كيف تكفرون بالله وكنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون

‌كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالله وَكُنْتُمْ اَمْوَاتاً فَاَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

28

اعلم ان لهذه الآية أيضاً الوجوه الثلاثة النظمية:

أما نظم مآلها بسابقها، فاعلم! ان الله تعالى لما دعا الناس إلى عبادته والاعتقاد به، وذكر أصول العقائد والأحكام مشيراً إلى دلائلها إجمالاً؛ عاد في هذه الآية مع لواحقها الثلاث إلى سرد الدلائل عليها بتعداد النعم المتضمنة للدلائل. ثم إن أعظم النعم "الحياة" المشار اليها بهذه الآية، ثم "البقاء" أي كمال الحياة بتنظيم السموات والأرض المشار اليه بالآية الثانية، ثم تفضيل البشر وتكريمه على الكائنات بالآية الثالثة، ثم تعليمه العلم بالرابعة.. فهذه النعم نظراً الى "صورة النعمة" دليل العناية والغاية، وكذا دليل العبادة؛ اذ شكر المنعم واجب وكفران النعم حرام في العقول. ونظراً الى "الحقيقة" دليل اختراعيّ على وجود المبدأ والمعاد.. وكذا ان هذه الآية كما تنظر الى سابقتها كذلك تنظر إلى الأسبق من بحث الكافرين والمنافقين فأشار بهذا الاستفهام الانكاريّ التعجبيّ إلى تقريعهم وتشنيعهم وتهديدهم وترهيبهم.

وأما نظم الجمل، فاعلم! ان هنا إلتفاتاً من الغيبة الى الخطاب؛ اذ حكى عنهم اوّلاً ثم خاطبهم، لنكتة معلومة في البلاغة وهي:

انه اذا ذكر مساوئ شخص شيئاً فشيئاً تزيد الحدّة عليه، الى ان يلجئ المتكلم - لو كان انساناً - الى المشافهة والمخاطبة معه.. وكذا اذا ذكرت محاسن أحد درجة درجة يتقوى ميل المكالمة معه الى أن يلجئ إلى التوجه اليه والخطاب معه. فلنزول القرآن على أسلوب العرب التفت فقال:(كيف تكفرون) مخاطباً لهم.

ثم اعلم! انه لما كان المقصد هنا سرد البراهين على الأصول السابقة من الايمان والعبادة، ورد الكفر ومنع كفران النعمة. ثم ان أوضح الدلائل هو الدليل المستفاد من سلسلة أحوال البشر، وان أكمل النعم هي النعم المتدلّية في أنابيب تلك السلسلة

ص: 214

والمندمجة في عقدها؛ قال: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون) اشارة الى تلك السلسلة العجيبة المترتبة ذات العقد الخمس التي تدلت من أنابيبها عناقيد النعم. فلنمهّد خمس مسائل لحلّ تلك العقد.

المسألة الأولى: في (وكنتم أمواتا) .

اعلم! ان الانسان باعتبار جسده بينما كان ذرّاتٍ جامدةً منتشرةً في العالم، اذ تراها دخلت بقانون مخصوص ونظام معيّن تحت انتظام.. ثم بينما تراها متسترة ساكتة في عالم العناصر اذ تراها انتقلت متسلّلة بدستور معّين وانتظام يومئ إلى قصد وحكمة الى عالم المواليد.. ثم بينما تراها متفرقة ساكنة في ذلك العالم اذ تراها تحزبت بطرز عجيب وصارت نطفة.. ثم بانقلابات متسلسلة علقة فمضغة.. فلحماً وعظاماً وهلم جرا.. فكلٌّ من هذه الأطوار وان كان مكمَّلاً بالنسبة الى سابقه الا انه ميّت وموات. 1

- فان قلت: الموت عدم الحياة وزوالها ولا حياة فيها حتى تزول؟

قيل لك: اختار المجاز لاعداد الذهن لقبول العقدة الثالثة والرابعة.

المسألة الثانية: في (فأحياكم) .

اعلم! ان أعجبَ معجزات القدرة وادقّها الحياةُ.. وكذا هي أعظم كل النعم وأظهر كل البراهين على المبدأ والمعاد.

أما وجه أدقيتها وغموضها فهو:

ان ادنى أنواع الحياة حياة النبات، وان أوّل درجاتها تنبه العقدة الحياتية في الحبة. وهذا التنبه مع شدة ظهوره وعمومه والالفة به من زمان آدم الى الآن قد بقي مستوراً عن نظر حكمة البشر.

وأما وجه كونها أعظم النعم فهو:

ان الجسم الذي لاحياة فيه ليس له مناسبة إلاّ مع مكانه المشخص وما به يختلط فيكون يتيماً منفرداً ولو كان جبلا. لكن اذا رأيت جسما ولو صغيراً كالنحل مثلا وقع

1 بالنسبة الى لاحقه.

ص: 215

فيه الحياة حصل له دفعةً مناسباتٌ مع عموم الكائنات وتجارة مع الأنواع حتى يحقّ له أن يقول: "مكاني الكائنات وهي كملكي". اذ اذا انتقل إلى الحياة الحيوانية تراه يجول بحواسه ويتصرّف بها في أطراف الكائنات فيحصل بينه وبين أنواعها اختصاص ومبادلة ومحبة.. ولا سيما اذا ترفع إلى طبقة الانسانية تراه بنور العقل يجول في عوالم. فكما يتصرّف في العالم الجسماني يجول في العالم الروحاني، ويطوف في العالم المثالي. وكما يسافر هو الى تلك العوالم؛ كذلك تسافر هي اليه بالتمثل في مرآة روحه حتى يستحق أن يقول:"ان العالم مخلوق لأجلي بفضل الله تعالى".. فتتنوع حياته وتنبسط الى الحياة المادية والمعنوية والجسمانية والروحانية التي يشتمل كل منها على طبقات. فحق أن يقال: كما ان الضياء سبب لظهور الألوان والأجسام؛ كذا ان الحياة كشافة لكافة الموجودات وسبب لظهورها، وان الحياة هي التي تصيّر ذرّة كعالم. وان الحياة هي الوسيلة لإِحسان مجموع العالم لذي حياة برأسه مع عدم المزاحمة والانقسام إلاّ في أقل قليل بين البشر.

وأما وجه كونها أظهر الدلائل على الصانع وكذا على الحشر:

فاعلم! ان انتقال بعض ذرات جامدة وانقلابها دفعة الى هيئة ووضعية تخالف الوضعية الأولى - بلا توسط سبب معقول - برهان أيّ برهان. حتى ان الحياة لكونها أشرف الحقائق وأنزهها، لا خسّة فيها بوجهٍ ولا رَيْن عليها، لا في جهة الملك ولا في جهة الملكوت، فكلا وجهيها لطيفان، حتى ان حياة أخس حيوان جزئي أيضاً عالية. ولهذا السر (1) لم يتوسط بينها وبين يد القدرة سبب ظاهريّ؛ اذ مباشرتها لا تنافي عزة القدرة، مع ان وضع الأسباب الظاهرية - كما مر - لمحافظة عزة القدرة في مباشرة الأمور الخسيسة في ظاهر النظر.

وأما وجه كونها أظهر الدلائل على المبدأ والمعاد فقد سمعت آنفا، فلنلخص لك وهو:

ان من نظر في هذه الحياة وتدرج بنظره الى الأطوار المترتبة إلى أبسط صور الجسم يرى أجزاء منتثرة في عالم الذرات. ثم يبصرها قد تلبس في عالم العناصر صوراً أخرى. ثم يصادفها في عالم المواليد في وضعية أخرى.. ثم يلاقيها في نطفة ثم في

(1)

تدقيق حسن (بخط المؤلف على نسخة مطبوعة)

ص: 216

علقة ثم في مضغة. ثم يراها دفعة بانقلاب عجيب قد لبست صورة ويرى في هذه الانقلابات حركات منتظمة على دساتير معينة يتراءى منها: ان كل ذرة كانت معينة في أول الأطوار كأنها موظفة للذهاب إلى الموضع المناسب من جسد الحي، فيتفطن الذهن انها بقصد تُساق وبحكمة تُرسل، وكانت الحياة الثانية في نظره أهون وأسهل وأمكن بدرجات فيقنع بها قلبه بالطريق الأَولى. فهذه الجملة كالدليل للاحقتها والكل معا برهان على الانكار المستفاد من "كيف".

المسألة الثالثة: في (ثم يميتكم) .

اعلم! ان آية (خلق الموت والحياة) 1 تدل على ان الموت ليس إعداماً وعدماً صرفاً، بل تصرف، وتبديل موضع، واطلاق للروح من المحبس. وكذا ان ما وجد في نوع البشر الى الآن من امارات غير معدودة، ونَجَمَ من اشارات غير محدودة؛ القت الى الأذهان قناعة وحدسا بأن الإِنسان بعد الموت يبقى بجهة، وان الباقي منه هو الروح. فوجود هذه الخاصة الذاتية في فرد يكون دليلا على وجودها في تمام النوع للذاتية. ومن هنا تكون الموجبة الشخصية مستلزمة للموجبة الكلية، فحينئذ يكون الموت معجزة القدرة كالحياة. لا انه عدمٌ علتُه عدمُ شرائط الحياة.

فإن قلت: كيف يكون الموت نعمة حتى نُظِّم في سلك النِعَم؟

قيل لك: أما:

أوّلا: فلأنه مقدمة للسعادة الأبدية، ولمقدمة الشئ حكم الشئ حُسنا وقبحاً؛ اذ مايتوقف عليه الواجب واجب وما ينجر إلى الحرام حرام..

وثانيا: فلأن الموت عند أهل التحقيق من المتصوِّفين نجاة للشخص بخروجه عن نظير المحبس المشحون بالحيوانات المضرّة الى صحراء واسعة..

وثالثا: فلأنه باعتبار نوع البشر نعمة عظمى؛ اذ لولاها لوقع النوع في سفالات مدهشة..

ورابعا: فلأنه باعتبار بعض الأشخاص نعمة مطلوبة اذ بسبب العجز والضعف لا يتحمل تكاليف الحياة وضغط البليات وعدم شفقة العناصر، فالموت باب فوزه.

1 سورة الملك: 2.

ص: 217

المسألة الرابعة: في (ثم يحييكم) .

اعلم! ان باشارة آية (اَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَاَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) 1 وكذا برمز تعقيب هذه بـ ثم اليه ترجعون مع النظر إلى ايجاز القرآن، ايماء الى حياة القبركما تدل على حياة الحشر.

- فإن قلت: اذا اُحرق انسان واُعطي رماده للهواء كيف يتصور فيه الحياة القبرية؟

قيل لك: ان البنية ليست شرطا للحياة عند أهل السنة والجماعة فيمكن تعلق الروح ببعض الذرات.

- فإن قلت: كيف يتصور عذاب القبر مع انه لو وضعت بيضة على صدر جنازة بأيام لا يحس فيها أدنى حركة فكيف الحياة والعذاب؟

قيل لك: ان العالم المثاليّ قد بُرهن عليه في موقعه، حتى ان وجوده قطعي عند المحققين الإلهيين. وخاصةُ ذلك العالم تحويلُ المعاني أجساماً والأعراضُ جواهرَ والمتغيرات ثابتةً. والعيون الناظرة من عالم الشهادة اليه، الرؤيا الصادقة والكشف الصادق والأجسام الشفافة فانها تلوِّح بوجوده. ثم ان عالم البرزخ اثبتُ حقيقةً من عالم المثال الذي هو تمثاله. وظل هذا العالم عالم الرؤيا، وظل هذا عالم الخيال، ونظير هذا الاجسام الشفافة كالمرآة. فاذ تفهمت هذا فانظر في عالم الرؤيا وتأمل في شخص نام عندك وهو ساكن وساكت مع انه في عالمه يقاتل ويضارب فيصير مجروحا أو تلدغه الحية فيتألم. ولو أمكن لك أن تدخل في رؤياه وتقول له: يا هذا! لا تعجز ولا تغضب فإن هذا ليس حقيقة وحلفتَ له ألف يمين لما يصدقك. ويقول لك: هذا ألمي يوجعني وهذا جرحي! أما ترى هذا وبيده السيف، واما ترى الحية تهجم عليّ؛ اذ تجسم معنى وجع الكتف أو نزلة الرأس 2 في صورة سيف جارح، اذ النتيجة واحدة. أو تصوَّر معنى الخيانة الموجعة لقلبه في لباس الحية اذ الألم واحد. فيا هذا! اذ ترى ذاك في ظل عالم المثال أفلا تصدقه في عالم البرزخ الذي هو أثبت حقيقة بدرجات وأبعد منا؟ أما (يحييكم) بالنظر الى الحياة الأخروية. فاعلم! ان تلك

1 سورة غافر: 11.

2 مرض الزكام.

ص: 218

الحياة نتيجة لكل العالم. ولولاها لم تكن الحقيقة ثابتة ولانقلبت الحقائقُ - كالنعمة - نقمةً. وقس!.. ولقد لخصنا دلائلها في تفسير (وبالآخرة هم يوقنون) ..

المسألة الخامسة: في (ثم اليه ترجعون) آخر العقد من تلك السلسلة.

اعلم! ان الخالق جلّت قدرته مزج الاضداد في عالم الكون والفساد لِحِكَم دقيقة ووضع أسبابا ظاهرية ووسائط اظهاراً لعزته فترتبت سلسلة العلل والمعلولات. ثم لما تصفّت الكائنات وتميزت وتحزبت في الحشر ارتفعت الأسباب واُسقطت الوسائط فارتفع الحجاب وكُشف الغطاء فيرى كلٌّ صانعَه ويعرف مالكه الحقيقي.

تذييل لخلاصة نظم الجمل: اعلم! انه تعالى لما أنكر كفرهم الواقع بطريق الاستفهام الاستخباريّ في "كيف" ودعا الناس الى التعجب منه؛ برهن عليه بما بعد الواو الحالية أي باراءة أربعة انقلابات عظيمة كلها وكل منها شاهد على وجوب الايمان. ثم ان كل انقلاب منها مشتمل على أطوار ومراتب، ومقدمة ومُعدّة للانقلاب الذي يليه فمن الطور الاول من الانقلاب الأول إلى الطور الآخر من الانقلاب الآخر يتجدد أصلُ جسد الحي دائما فيلقى قشراً ويلبس الأكمل ثم يخلعه ويلبس صورة أعلى ثم يلقيها أيضاً فيلبس صورة أحسن وهلم جرا!.. فهو دائماً في استبدال صورة بأخرى كاملة إلى أن يصل إلى أعلى الأعالي فيستقر بتقرر السعادة الأبدية، وكلها بنظام معيّن وقانون منتظم. فأشار إلى أول الانقلابات بقوله (وكنتم أمواتا) وهذا مشتمل على أطوار آخر الأطوار ينتج مآل (فأحياكم) الدال على الانقلاب الثاني الذي هو أعجب حقائق العالم المشتمل على أطوار آخرها تنتهي بانقلاب (ثم يميتكم) المشتمل أيضاً على أطواره البرزخي التي تتم بانقلاب (ثم يحييكم) المشتمل على أطواره القبرية ثم الحشرية المختومة بقوله (ثم اليه ترجعون) . فمن أمعن في هذه الانقلابات كيف يتجاسر على الانكار؟

ولنشرع في نظم هيئات جملة جملة:

أما الجملة الأولى أعني (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) فالاستفهام فيها لتوجيه ذهنهم الى قباحتهم ليروا بأنفسهم فينصفوا فيقرّوا. و (كيف) اشارة الى الاستدلال على عدم الكفر بانكار الحال اللازم. والخطاب في (تكفرون) ايماء كما

ص: 219

مر الى شدة الغضب ولم يقل "لاتؤمنون" اشارة الى شدّة تمردهم اذ يتركون الايمان الذي عليه الدلائل ويقبلون الكفر الذي على بطلانه البراهين. وواو الحالية في (وكنتم) تشير إلى مقدر، اذ الجملتان ماضيتان. والأُخريان مستقبلتان كلاهما لايوافق قاعدة مقارنة الحال لعامل ذي الحال، فاذاً التقدير "والحال انكم تعلمون". 1

فإن قلت: انهم وان علموا بالموت والحياة الأُولى لكنهم لايعلمون انهما من الله، وكذلك لايقرون بالحياة الثانية ولايصدقون بالرجوع اليه تعالى؟

قيل لك: من البلاغة تنزيل الجاهل منزلة العالم عند ظهور دلائل ازالة الجهل. فلما كان التفكر في أطوار الموت الأول والحياة الأُولى ملجأ الى الاقرار بالصانع وكان العلم بها مقنعا للذهن بوقوع الحياة الثانية؛ كانوا كأنهم عالمون بهذه السلسلة. والخطاب في (كنتم) اشارة الى ان لهم في عالم الذرات أيضاً وجوداً وتعينا. لا ان الذرات كيفما اتفقت صارت أجسادَهم المعينة بالتصادف. وإيثار (أمواتا) على جماد 2 أو ذرات ايماء الى مآل (لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)3.

وأما جملة (فأحياكم) :

فان قلت: الفاء للتعقيب والاتصال مع تخلل تلك الأطوار وتوسط مسافة طويلة الى الحياة؟

قيل لك: الفاء للإشارة إلى منشأ دليل الصانع وهو ان انقلابها من الجمادية الى الحيوانية دفعةً من غير توسط سبب معقول يُلجئ الذهن الى الاقرار بالصانع. وكذا ان الأطوار في حالة الموات ناقصة غير ثابتة شأنها التعقيب. وإيثار (أحياكم) على "صرتم أحياء" للتصريح، أي صرتم أحياء ولايمكن ذلك بغير قدرة الصانع. فانتج ان الله تعالى هو الذي أحيا.

وأما جملة (ثم يميتكم) بدل "تموتون" فإشارة كما مر الى أن الموت تصرف عظيم للقدرة بمقياس القدر. ألا ترى ان من استوفى عمره الطبيعيّ ثم انتهى إلى

1 انكم تعلمون انكم كنتم امواتاً (ش) .

2 على جمادات (ش)

3 سورة الانسان: 1.

ص: 220

الأجل اقلُّ قليل. فيتيقظ الذهن الى ان الموت ليس نتيجة طبيعية. فالموت انحلال الجسد لا فناء الروح بل اطلاقه.

وأما جملة (ثم يحييكم) فـ "ثم" اشارة الى توسط عالم البرزخ ذي العجائب.

وأما جملة (ثم اليه ترجعون) فـ "ثم" اشارة الى توسط الغطاء العظيم. و"ترجعون" اشارة الى كشف الغطاء وطرد الأسباب واسقاط الوسائط.

فإن قلت: الرجوع الى الله تعالى يقتضي ان يكون المجئ منه اوّلا، ومن هنا توهمَ بعضٌ الاتصالَ واشتبه بعض أهل التصوف.

قيل لك: ان في الدنيا وجوداً وبقاء وكذا في الآخرة وجود وبقاء. فالوجود في الدنيا يصدر من يد القدرة بلا واسطة وأما البقاء المحفوف بالتحليل والتركيب والتصرف والتحول في عالم الكون والفساد فيتداخل بينه العلل وتتوسط الأسباب للحكمة المذكورة سابقا. وأما في الآخرة فالوجود وكذا البقاء بلوازمه وتركيباته يظهر بالذات من يد القدرة ويعرف كلُّ شئ مالكَه الحقيقي. فاذا تأملت في هذا علمت معنى الرجوع.

***

ص: 221