الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستعاذة
أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم
الشرح: (أعوذ): أتحصّن، وأعتصم، وأستجير، وألتجئ؛ إذا معنى الاستعاذة في كلام العرب: الاستجارة والتحيّز إلى الشيء، على معنى الامتناع به من المكروه، يقال: عذت بفلان، واستعذت به، أي: لجأت إليه، وهو عياذي، أي: هو ملجئي، وأصل الفعل:(أعوذ) على وزن (أنصر) فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى العين بعد سلب سكونها، فصار:
(أعوذ).
(الله): علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم؛ الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلّف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال، ولم يسمّ به أحد سواه، قال تعالى في سورة (مريم) رقم [65]:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي هل تسمى أحد الله غير الله؟! وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا، علما بأنه لم يذكر في سورتي الرّحمن، والواقعة أبدا.
(الشيطان): اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كل نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجنّ، والحيوان، وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم! قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [112] انظر شرحها هناك، ونصّها:{وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً،} وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذرّ الغفاريّ-رضي الله عنه: «يا أبا ذرّ! تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ» . قال: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم» ، ولا تنس أنّ لكل واحد من بني آدم شيطانا بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها:«أجاءك شيطانك؟» قالت: أو لي شيطان؟ قال: «ما من أحد إلاّ وله شيطان» قالت: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا إلاّ أنّني أعانني الله عليه، فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير» يروى بضم الميم وفتحها.
هذا و (الشيطان) واحد الشياطين مأخوذ من شطن: إذا بعد، والنون أصلية، فهو مصروف على هذا، وسمّي الشيطان شيطانا لبعده عن الحقّ، وتمرده، قال جرير:[البسيط]
أيّام يدعونني الشّيطان من غزل
…
وهنّ يهوينني إذ كنت شيطانا
وقيل: من: شاط: إذا احترق، وشاط: بطل، فالنون زائدة، وعليه: فهو غير مصروف.
وشطن من باب قعد. وشاط من باب ضرب. هذا واشتاط الرّجل: إذا احتدّ غضبا، واشتاط:
إذا هلك. قال الأعشى في معلقته رقم [68]: [البسيط]
قد نخضب العير في مكنون فائله
…
وقد يشيط على أرماحنا البطل
ويقوّي الاعتبار الأول، ويضعف الثاني: أن سيبويه حكى: أن العرب تقول: تشيطن فلان:
إذا فعل أفعال الشياطين، فهذا بيّن أنه تفيعل من شطن، ولو كان من شاط لقالوا: تشيّط.
(الرجيم): فعيل بمعنى مفعول؛ أي أنّه مرجوم باللعن والطّرد عن الخير، وعن رحمة الله تعالى، وقيل: هو فعيل بمعنى فاعل. أي: يرجم غيره بالإغواء، والوسوسة. وأصل الرجم:
الرّمي بالحجارة، والرّجم: القتل، واللعن، والطرد، والشّتم. وقد قيل: هذا كله في قوله تعالى حكاية عن قول قوم نوح له: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} رقم [116] من سورة (الشعراء) وأيضا قوله تعالى حكاية عن قول قوم شعيب له: {وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ} رقم [91] من سورة (هود)، وقول أبي إبراهيم له:{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ} رقم [46] من سورة (مريم)، والرجم: القول بالظنّ، كما في قوله تعالى:{خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ} رقم [22] من سورة (الكهف) قال زهير بن أبي سلمى في معلّقته رقم [30]: [الطويل]
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
…
وما هو عنها بالحديث المرجّم
بعد هذا لا يخفى عليك المعنى لهذه الجملة، وقد يعبر عن الجملة بكاملها بكلمة:
(الاستعاذة) على طريقة النّحت، والنّحت في الكلام: تركيب كلمة من كلمتين، فأكثر، نحو:
البسملة، والحوقلة من:(لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم) والاسترجاع من: {إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ} والفذلكة من: (فذلك كذا، وكذا) وهلمّ جرّا، وخذ قول الشاعر عبد يغوث بن الحارث بن وقاص الحارثي شاعر جاهلي، وهو الشاهد رقم [503] من كتابنا فتح القريب المجيب:[الطويل]
وتضحك منّي شيخة عبشميّة
…
كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا
حيث نحت (عبشمية) من عبد شمس، وتفصيل ذلك تجده في الشاهد رقم [305] من كتابنا المذكور، وهو لسويد بن أبي كاهل اليشكري:[الطويل]
هم صلبوا العبديّ في جذع نخلة
…
فلا عطست شيبان إلا بأجدعا
قال الخازن رحمه الله تعالى: ومن لطائف الاستعاذة: أن قوله: (أعوذ بالله
…
) إلخ إقرار من العبد بالعجز، والضعف، واعتراف من العبد بقدرة الله عز وجل، وأنّه الغنيّ القادر على دفع
جميع المضرات، والآفات، واعتراف من العبد أيضا بأنّ الشيطان عدوّ مبين، ففي الاستعاذة لجوء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغويّ الفاجر، وأنّه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا الله تعالى. انتهى.
تنبيه: أجمع العلماء على أن الاستعاذة ليست من القرآن، ولا آية منه، وقد أجمعوا على الجهر بها في أوّل القراءة في غير الصلاة، وفي الصلاة يسرّها في أول كلّ ركعة قبل الفاتحة عند الشّافعيّ، وعند أبي حنيفة يسرّها في أول الركعة الأولى فقط، وقد روى أبو سعيد الخدري-رضي الله عنه: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة. وخذ في فضل الاستعاذة ما يلي:
عن سليمان بن صرد-رضي الله عنه-قال: استبّ رجلان عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجعل أحدهما يغضب، ويحمرّ وجهه، وتنتفخ أوداجه، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:«إنّي لأعلم كلمة لو قالها؛ لذهب ذا عنه: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم» فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
أتدري ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا؟ قال: «إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه: أعوذ بالله من الشّيطان الرجيم» فقال له الرجل: أمجنونا تراني؟! رواه البخاريّ، ومسلم. وروى مسلم أيضا عن عثمان بن أبي العاص الثقفي-رضي الله عنه: أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إنّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتي يلبسها عليّ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته؛ فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا» . قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. هذا وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [200]: {وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وقال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [97 و 98]: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} وقال تعالى في سورة (فصّلت) رقم [36]: {وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .
هذا وقالت طائفة من القرّاء: إن التعوّذ بعد القراءة، وأخذوا بظاهر النّص:{فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ} رقم [98] من سورة (النحل). والذي عليه الجمهور: أنّ الاستعاذة قبل التلاوة لدفع الموسوس عنها، ومعنى الآية: إذا أردت القراءة، كقوله تعالى:{إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا..} . إلخ؛ أي: إذا أردتم القيام، الآية رقم [7] من سورة (المائدة).
وعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر، فأقبل عليه الليل؛ قال:«يا أرض ربّي وربّك الله، أعوذ بالله من شرّك، ومن شرّ ما خلق فيك، ومن شرّ ما يدبّ عليك، ومن أسد، ومن أسود، ومن الحيّة، والعقرب، ومن ساكن البلد، ووالد وما ولد!» رواه أبو داود.
الإعراب: (أعوذ): فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنا» (بالله) متعلقان بالفعل قبلهما، هذا وإن علقتهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ فلا بأس به، ويكون
التقدير: أعوذ مستجيرا بالله. (من الشيطان): متعلقان بالفعل قبلهما. (الرّجيم): صفة الشيطان مجرور مثله، هذا ويجوز رفعه على أنّه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الرّجيم، ويجوز نصبه على أنّه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أذم الرّجيم، وهذان الوجهان على القطع عن الإتباع، قال ابن مالك رحمه الله في ألفيته:[الرجز]
واقطع أو اتبع إن يكن معيّنا
…
بدونها أو بعضها اقطع معلنا
وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا
…
مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا
وجملة: (أعوذ بالله
…
) إلخ مبتدأة لا محل لها من الإعراب.