الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذَهَبَهَا وَفِضَّتَهَا. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ مثل: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
[القيامة: 13]. وَتَقَدَّمَ. وَهَذَا جَوَابُ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ لِأَنَّهُ قَسَمٌ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَعَ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ يَقُولُ: إِذَا بَدَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ خُتِمَتِ الْأَعْمَالُ فَعَلِمَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، فَإِنَّهَا لَا يَنْفَعُهَا عَمَلٌ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: أَيْ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ قَامَتِ الْقِيَامَةُ، فَحُوسِبَتْ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا عَمِلَتْ، وَأُوتِيَتْ كِتَابَهَا بِيَمِينِهَا أَوْ بِشِمَالِهَا، فَتَذَكَّرَتْ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ جَمِيعَ أَعْمَالِهَا. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ، وَلَيْسَ بِقَسَمٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ الله تعالى.
[سورة الانفطار (82): الآيات 6 الى 9]
يَا أَيُّهَا الْإِنْسانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ) خَاطَبَ بِهَذَا مُنْكَرِي الْبَعْثَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْإِنْسَانُ هُنَا: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي الْأَشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ الْجُمَحِيِّ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أيضا: (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) أَيْ مَا الَّذِي غَرَّكَ حَتَّى كَفَرْتَ؟ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ أَيِ الْمُتَجَاوِزِ عَنْكَ. قَالَ قَتَادَةُ: غَرَّهُ شَيْطَانُهُ الْمُسَلَّطُ عَلَيْهِ. الْحَسَنُ: غَرَّهُ شَيْطَانُهُ الْخَبِيثُ. وَقِيلَ: حُمْقُهُ وَجَهْلُهُ. رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه. وَرَوَى غَالِبٌ الْحَنَفِيُّ قَالَ: لَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا أَيُّهَا الْإِنْسانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: 6] قَالَ:" غَرَّهُ الْجَهْلُ" وَقَالَ صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ يَا أَيُّهَا الْإِنْسانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟ فَقَالَ:" غَرَّهُ جَهْلُهُ". وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب: 72]. وَقِيلَ: غَرَّهُ عَفْوُ اللَّهِ، إِذْ لَمْ يُعَاقِبْهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ: قِيلَ: لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: لَوْ أَقَامَكَ اللَّهُ تعالى
يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَكَ: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟ [الانفطار: 6] مَاذَا كُنْتَ تَقُولُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُولُ غَرَّنِي سُتُورُكَ الْمُرْخَاةِ، لِأَنَّ الْكَرِيمَ هُوَ السَّتَّارُ. نَظَمَهُ ابْنُ السَّمَّاكِ فَقَالَ:
يَا كَاتِمَ الذَّنْبِ أَمَا تَسْتَحِي
…
وَاللَّهُ فِي الْخَلْوَةِ ثَانِيكَا
غَرَّكَ مِنْ رَبِّكِ إِمْهَالُهُ
…
وَسَتْرُهُ طُولَ مَسَاوِيكَا
وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: كَمْ مِنْ مَغْرُورٍ تَحْتَ السَّتْرِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ. وَأَنْشَدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ طاهر الأبهري:
يأمن غَلَا فِي الْعُجْبِ وَالتِّيهِ
…
وَغَرَّهُ طُولُ تَمَادِيهِ
أَمْلَى لَكَ اللَّهُ فَبَارَزْتَهُ
…
وَلَمْ تَخَفْ غِبَّ مَعَاصِيهِ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ صَاحَ بِغُلَامٍ لَهُ مَرَّاتٍ فَلَمْ يُلَبِّهْ فنظر فإذا هو بالباب، فقال: مالك لَمْ تُجِبْنِي؟ فَقَالَ. لِثِقَتِي بِحِلْمِكَ، وَأَمْنِي مِنْ عُقُوبَتِكَ. فَاسْتَحْسَنَ جَوَابَهُ فَأَعْتَقَهُ. وَنَاسٌ يَقُولُونَ: مَا غَرَّكَ: مَا خَدَعَكَ وَسَوَّلَ لَكَ، حَتَّى أَضَعْتَ مَا وَجَبَ عَلَيْكَ؟ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَسَيَخْلُو اللَّهُ بِهِ يوم القيامة، فيقول له: يا ابن آدم ماذا غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يا ابن آدَمَ مَاذَا أَجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ؟ (الَّذِي خَلَقَكَ) أَيْ قَدَّرَ خَلْقَكَ مِنْ نُطْفَةٍ (فَسَوَّاكَ) فِي بَطْنِ أُمِّكَ، وَجَعَلَ لَكَ يَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ وَعَيْنَيْنِ وَسَائِرَ أَعْضَائِكَ (فَعَدَلَكَ) أَيْ جَعَلَكَ مُعْتَدِلًا سَوِيَّ الْخَلْقِ، كما يقال: هذا شي مُعَدَّلٌ. وَهَذِهِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَأَبُو عُبَيْدٍ: يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: 4]. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ: عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: فَعَدَلَكَ مُخَفَّفًا أَيْ: أَمَالَكَ وَصَرَفَكَ إِلَى أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ، إِمَّا حَسَنًا وَإِمَّا قَبِيحًا، وَإِمَّا طَوِيلًا وَإِمَّا قصيرا. وقال [موسى بن علي ابن أَبِي رَبَاحٍ اللَّخْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «1»] قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم" إن النطفة
(1). الزيادة من تفسير الثعلبي والطبري والدر المنثور. والحديث كما رواه الثعلبي بعد السند: قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لجده (ما ولد لك)؟ قال: يا رسول الله وما عسى أن يولد لي إما غلاما أو جارية. قال (فمن يشبه) قال: فمن يشبه أمه أو أباه فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. (لَا تقل هكذا إن النطفة
…
الحديث).