المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ - تفسير المنار - جـ ٥

[محمد رشيد رضا]

الفصل: وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ

وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمَصُ النَّاسِ وَبَطَرُ الْحَقِّ: رَدُّهُ اسْتِخْفَافًا بِهِ وَتَرَفُّعًا أَوْ عِنَادًا، وَغَمْصُ النَّاسِ وَغَمْطُهُمُ: احْتِقَارُهُمْ وَالِازْدِرَاءُ بِهِمْ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَذَكَرَ الْكِبْرَ وَعَظَّمَهُ فَبَكَى ثَابِتٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" مَا يُبْكِيكَ "؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ الْجَمَالَ حَتَّى إِنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَحْسُنَ شِرَاكُ نَعْلِي، قَالَ: فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنَّهُ لَيْسَ بِالْكِبَرِ أَنْ تُحَسِّنَ رَاحِلَتَكَ وَرَحْلَكَ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ وَغَمَصَ النَّاسَ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا جَمِيلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ الْجَمَالَ وَقَدْ أُعْطِيتُ مِنْهُ مَا تَرَى حَتَّى مَا أُحِبُّ أَنْ يَفُوقَنِي أَحَدٌ بِشِرَاكِ نَعْلٍ فَمِنَ الْكِبْرِ ذَلِكَ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: لَا، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطَرَ الْحَقَّ وَغَمَصَ النَّاسَ، وَمِنَ الْخُيَلَاءِ

إِطَالَةُ الثِّيَابِ وَجُرُّ الْأَذْيَالِ بَطَرًا، وَمِنْهُ مِشْيَةُ الْمَرَحِ، فَتَرَى الشَّابَّ يَتَمَطَّى وَيَمْرَحُ وَيَأْرُنُ كَالْمُهْرِ أَوِ الْعِجْلِ وَيَضْرِبُ بِرِجْلَيْهِ الْأَرْضَ: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (17:‌

‌ 37)

، وَلَكِنْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْحَرْبِ، وَمِثْلُهُ التَّعْلِيمُ الْعَسْكَرِيُّ، وَالْفَخُورُ: كَثِيرُ الْفَخْرِ يَعُدُّ مَنَاقِبَهُ وَيُزَكِّي نَفْسَهُ تَعَاظُمًا وَتَطَاوُلًا عَلَى النَّاسِ وَتَعْرِيضًا بِنَقْصِهِمْ وَتَقْصِيرِهِمْ عَنْ بُلُوغِ مَدَاهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْخَلَّتَيْنِ ـ الْخُيَلَاءِ وَكَثْرَةِ الْفَخْرِ هُوَ التَّنَاهِي فِي الْكِبْرِيَاءِ وَالْعُتُوِّ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِاحْتِقَارِ خَلْقِهِ، وَالِامْتِنَاعِ عَنِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ بَدَلًا مِنَ الْفَخْرِ وَالزَّهْوِ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَلَا سِيَّمَا أَصْحَابُ تِلْكَ الْحُقُوقِ الْمُؤَكَّدَةِ وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَكَانُوا يَتَفَاخَرُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِآبَائِهِمْ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ صَرِيحًا فَتَرَكُوهُ، وَالْفَخْرُ فِي الشِّعْرِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ التَّرْغِيبُ فِي الْفَضِيلَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ مَذْمُومًا.

ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ حَالَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَبِّرِينَ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:" كَانَ كَرَدْمُ بْنُ زَيْدٍ حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَأُسَامَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ، وَبَحْرِيُّ بْنُ عُمَرَ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ كُلُّهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، يَأْتُونَ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ يَنْتَصِحُونَ لَهُمْ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: لَا تُنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَقْرَ فِي ذَهَابِهَا، وَلَا تُسَارِعُوا فِي النَّفَقَةِ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا يَكُونُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ـ إِلَى قَوْلِهِ: وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا وَرَوَى ابْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ: " هُمْ أَعْدَاءُ اللهِ أَهْلُ الْكِتَابِ بَخِلُوا بِحَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَكَتَمُوا الْإِسْلَامَ وَمُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ "، وَبِنَاءً عَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ

ص: 79

جَعَلَ الْمُفَسِّرُ (الْجَلَالُ) الْآيَةَ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا فِي الْيَهُودِ، فَجَعَلَ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَهُمْ وَعِيدٌ شَدِيدٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كَانَ مُخْتَالًا أَوْ صِفَةٌ

عَلَى الْقَوْلِ بِوُقُوعِ الْمَوْصُولِ مَوْصُوفًا وَعَلَيْهِ الزَّجَّاجُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَنْصُوبٌ أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى الذَّمِّ، وَأَقْرَبُ مِنْهُ، وَمِنْ قَوْلِ الْجَلَالِ أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ، وَالْبُخْلُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وَبِهِ قَرَأَ الْجُمْهُورُ، وَبِالتَّحْرِيكِ: وَبِهِ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ وَبِفَتْحٍ وَسُكُونٍ وَهُمَا لُغَتَانِ أَيْضًا.

الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ قَالَ الْمُفَسِّرُ: يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَالِ وَهُمُ الْيَهُودُ، وَهُمَا قَوْلَانِ: فَمَنْ خَصَّ الْبُخْلَ بِالْبُخْلِ بِالْعِلْمِ جَعَلَ الْكَلَامَ فِي الْيَهُودِ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ الْبُخْلُ بِالْمَالِ لَمْ يَجْعَلْهُ فِي الْيَهُودِ، فَالْمُفَسِّرُ جَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَخَصَّ الْكَلَامَ بِالْيَهُودِ، وَاضْطُرَّ لِأَجْلِ ذَلِكَ إِلَى قَطْعِ الْكَلَامِ وَجَعَلَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلِمَنْ يَحْمِلُ الْكَلَامَ عَلَى الْيَهُودِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ هَذَا الْقَطْعِ إِلَى أَهْوَنَ مِنْهُ، وَهُوَ الْقَطْعُ مِنَ ابْتِدَاءِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ إِلَخْ، وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ مِثْلَ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ حَمَلَ الْكَلَامَ عَلَى الْيَهُودِ كَأَنَّهُ تَعَالَى بَعْدَ تِلْكَ الْأَوَامِرِ بِالْإِحْسَانِ خَتَمَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْيَهُودَ، وَمَا هَذَا بِأَقْرَبَ إِلَى الْبَلَاغَةِ مِنَ الْقَطْعِ الْأَوَّلِ، وَأَعْجَبُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ تَعْلِيلَهُ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي النَّاسِ أُمَّةٌ تَأْمُرُ النَّاسَ بِالْبُخْلِ عَلَى أَنَّهُ دِينٌ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبُخْلِ الْبُخْلَ بِغَيْرِ الْمَالِ، وَكَأَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ لَمْ يُخْبِرِ النَّاسَ، فَإِنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الْبَخِيلِ الْأَمْرَ بِالْبُخْلِ بِحَالِهِ وَمَقَالِهِ لِيُسَهِّلَ عَلَى نَفْسِهِ خُلُقَهُ الذَّمِيمَ وَيَجِدَ لَهُ فِيهِ أَقْرَانًا وَأَمْثَالًا، وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَمَرُوهُ بِالْبُخْلِ مِرَارًا، وَأَنَّ أَمْرَهُمْ كَانَ يُؤَثِّرُ فِي نَفْسِهِ أَحْيَانًا حَتَّى إِنَّهُ رُبَّمَا رَدَّ يَدَهُ بِالدَّرَاهِمِ إِلَى جَيْبِهِ بَعْدَ إِخْرَاجِهَا إِذَا كَانَ لِلْبَخِيلِ الْمُنَفِّرِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ فَإِعْطَاؤُهُ إِضَاعَةٌ، وَإِذَا وُضِعَ مَا يُرَادُ إِعْطَاؤُهُ إِيَّاهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا يَكُونُ خَيْرًا وَأَوْلَى، وَأَقُولُ: إِنَّ هَذَا وَقَعَ لِي أَيْضًا حَتَّى فِي هَذَا الْأُسْبُوعِ الَّذِي أَكْتُبُ فِيهِ وَأَنَا فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَلَيْسَ لَدَيَّ الْآنَ تَفْسِيرُ ابْنِ جَرِيرٍ فَأُرَاجِعُ عِبَارَتَهُ فَإِنِّي أَرَى الْعَجَبَ الْعُجَابَ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْأُسْتَاذُ هُوَ مُخَالَفَتُهُ لِلرِّوَايَةِ الَّتِي نَقَلْتُهَا عَنْهُ آنِفًا عَنْ بَعْضِ التَّفَاسِيرِ فِي سَبَبِ النُّزُولِ وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَالذَّمُّ عَلَى الْأَمْرِ بِالْبُخْلِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ بِاسْمِ الدِّينِ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ شَاءَ وَلِيَتَذَكَّرِ الْقَارِئُ مَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ فِي سَبَبِ النُّزُولِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ فِيهِ الْحَوَادِثَ الَّتِي اقْتَرَنَتْ

بِزَمَنِ نُزُولِ الْآيَةِ إِذَا كَانَتْ تُنَاسِبُهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْحَادِثَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا خَاصَّةً بِأَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي سِيَاقٍ هِيَ مُتَمِّمَةٌ لَهُ، وَإِنِ الرَّاوِي رَأَى أَنَّهَا تَتَنَاوَلُ تِلْكَ الْحَادِثَةَ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهَا خَاصَّةً، وَقَدْ يَكُونُ مُخْطِئًا فِي اجْتِهَادِهِ لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لِأُسْلُوبِ الْقُرْآنِ الْبَلِيغِ، وَلْنَعُدْ إِلَى سِيَاقِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي الْآيَةِ قَالَ مَا مِثَالُهُ

ص: 80

الْمُتَعَيَّنُ فِي السِّيَاقِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ إِلَخْ، وَصْفٌ لِمَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَبْخَلُونَ بِهِ فَيَخُصَّهُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ الْإِحْسَانَ بِالْوَالِدَيْنِ، وَذَوِي الْقُرْبَى وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِمْ فِي الْآيَةِ، لَمْ يَكُنْ مُرَادًا بِهِ الْإِحْسَانُ بِالْمَالِ فَقَطْ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ بَلْ مِنْهُ الْإِحْسَانُ بِالْقَوْلِ وَالْمُعَامَلَةِ، فَالْمُرَادُ بِالْبُخْلِ: الْبُخْلُ بِذَلِكَ الْإِحْسَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْبُخْلِ بِالْمَالِ فَيَشْمَلُ الْبُخْلُ بِلِينِ الْكَلَامِ وَإِلْقَاءِ السَّلَامِ وَالنُّصْحِ فِي التَّعْلِيمِ، وَبِالنَّفْسِ لِإِنْقَاذِ الْمُشْرِفِ عَلَى التَّهْلُكَةِ، وَكَذَلِكَ كِتْمَانُ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ يَشْمَلُ كِتْمَانَ الْمَالِ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ، وَجِيءَ بِهِ بَعْدَ الْأَوَّلِ لِتَوْبِيخِ أَهْلِهِ، وَبَيَانِ أَنَّهُمْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ الْبُخْلُ بِإِمْسَاكِ الْمَالِ، وَيُجْعَلَ الْكِتْمَانُ عَامًّا شَامِلًا لِمَا عَدَاهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، فَالْكَلَامُ فِي الْإِحْسَانِ، وَالْمُقَصِّرُونَ فِيهِ إِنَّمَا يُقَصِّرُونَ بِعِلَّةِ الْخُيَلَاءِ وَالْفَخْرِ، اللَّذَيْنِ هُمَا مَظْهَرُ التَّرَفُّعِ وَالْكِبْرِ، فَهُوَ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ مَنْ كَانَ مُلَوَّثَ النَّفْسِ بِتِلْكَ الرَّذِيلَةِ لَا يَكُونُ مُحْسِنًا؛ لِأَنَّ الْكِبْرَ يَسْتَلْزِمُ جُحُودَ الْحَقِّ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا ظَهَرَتْ آثَارُهُ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَجُحُودُ الْحَقِّ يَسْتَلْزِمُ مَنْعَهُ، وَمَنْعُهُ هُوَ الْبُخْلُ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُلَوَّثِينَ بِذَلِكَ الْخَلْقِ الَّذِي يُبْغِضُ اللهُ صَاحِبَهُ وَلَا يُحِبُّهُ ـ وَهُوَ الْكِبْرُ الْبَيِّنُ أَثَرُهُ ـ يَبْخَلُونَ بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْإِحْسَانِ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ، إِمَّا بِلِسَانِ الْمَقَالِ، وَإِمَّا بِلِسَانِ الْحَالِ بِأَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً سَيِّئَةً فِي ذَلِكَ وَيَكْتُمُونَ نِعَمَ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِإِنْكَارِهَا وَعَدَمِ الشُّكْرِ عَلَيْهَا بِالْإِنْفَاقِ مِنْهَا وَلِذَلِكَ تَوَعَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ: وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا، أَيْ: وَهَيَّأْنَا لَهُمْ بِكِبْرِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَبُخْلِهِمْ وَعَدَمِ شُكْرِهِمْ، عَذَابًا ذَا إِهَانَةٍ يُجْمَعُ لَهُمْ فِيهِ بَيْنَ الْأَلَمِ وَالْمَهَانَةِ وَالذِّلَّةِ جَزَاءَ كِبْرِهِمْ، وَقَالَ: لِلْكَافِرِينَ وَلَمْ يَقُلْ: (لَهُمْ) لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ وَالْأَعْمَالَ إِنَّمَا تَكُونُ مِنَ الْكَفُورِ، لَا مِنَ الْمُؤْمِنِ الشَّكُورِ.

وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ قَالَ الْأُسْتَاذُ: الرِّئَاءُ يُخَفَّفُ فَيُقَالُ: الرِّيَاءُ مَصْدَرُ رَاءَى كَالْمُرَاءَاةِ وَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَأُعِيدَ الْمَوْصُولُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُغَايَرَةِ فِي الْأَصْنَافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً (3: 135) ، مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، أَيْ أَنَّ مَانِعِي الْإِحْسَانِ مِنْ أَهْلِ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ صِنْفَانِ: صِنْفٌ يَبْخَلُونَ وَيَكْتُمُونَ فَضْلَ اللهِ عَلَيْهِمْ وَصِنْفٌ يَبْذُلُونَ الْمَالَ لَا شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى نِعْمَتِهِ، وَاعْتِرَافًا لِعِبَادِهِ بِحُقُوقِهِمْ، بَلْ يُنْفِقُونَهُ رِئَاءَ النَّاسِ، أَيْ: مُرَائِينَ لَهُمْ يَقْصِدُونَ أَنْ يَرَوْهُمْ فَيُعَظِّمُوا قَدْرَهُمْ وَيَحْمَدُوا فِعْلَهُمْ، فَالْمُرَائِي لَا يَقْصِدُ بِإِنْفَاقِهِ إِلَّا الْفَخْرَ عَلَى النَّاسِ بِكِبْرِيَائِهِ، وَإِشْرَاعَ الطَّرِيقِ لِخُيَلَائِهِ، فَإِنْفَاقُهُ أَثَرُ تِلْكَ الْمَلَكَةِ الرَّدِيئَةِ، وَالْكِبْرِيَاءُ كَمَا تَكُونُ مِنْ شَيْءٍ فِي نَفْسِ الشَّخْصِ تَكُونُ أَيْضًا بِمَا يَكُونُ لَهُ مِنَ الْمَالِ وَالْعِرْضِ، فَإِنَّكَ لَتَرَى الرَّجُلُ يَمْشِي يَنْظُرُ إِلَى عِطْفَيْهِ وَيُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ

ص: 81

هَلْ هُوَ مَحَلُّ الْإِعْجَابِ وَالتَّعْظِيمِ مِنَ النَّاسِ أَمْ لَا؟ ـ وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَهُ نَعَمْ عَلَى لَا ـ وَشَرُّ هَذَا دُونَ شَرِّ الْبَخِيلِ، فَإِنَّ هَذَا يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى قَبُولِ اخْتِيَالِهِ وَفَخْرِهِ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ يَبْذُلُهُ لَهُمْ، فَكَأَنَّهُ رَأَى لَهُمْ شَيْئًا مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ وَهُوَ بَدَلُ الْتَّعْظِيمِ وَالثَّنَاءِ الَّذِي يَطْلُبُهُ بِرِئَائِهِ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ تَعْظِيمُهُ وَمَدْحُهُ لِأَجْلِ مَالِهِ ـ وَمَالُهُ فِي الصُّنْدُوقِ مَكْتُومٌ عَنْهُمْ ـ فَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْمُرَائِي بِلَا شَكٍّ ; وَلِذَلِكَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْبُخَلَاءِ اهْتِمَامًا بِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَقُ فِي تِلْكَ الرَّذِيلَةِ وَآثَارِهَا، وَالْمُرَائِي فِي الْحَقِيقَةِ بَخِيلٌ لَا يَرَى لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّهُ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ صَاحِبُ الْفَضْلِ عَلَى النَّاسِ ; وَلِذَلِكَ يَخُصُّ بِبَذْلِهِ فِي الْغَالِبِ مَنْ لَا حَقَّ لَهُمْ عِنْدَهُ، وَيَبْخَلُ عَلَى أَرْبَابِ الْحُقُوقِ الْمُؤَكَّدَةِ حَتَّى عَلَى زَوْجِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ، وَعَلَى الْأَقْرَبِينَ حَتَّى الْوَالِدَيْنِ، وَلَا يَتَحَرَّى فِي إِنْفَاقِهِ مَوَاضِعَ النَّفْعِ الْعَامِّ وَلَا الْخَاصِّ، وَإِنَّمَا يَتَحَرَّى مَوَاطِنَ التَّعْظِيمِ وَالْمَدْحِ وَإِنْ كَانَ الْإِنْفَاقُ هُنَالِكَ ضَارًّا كَالْمُسَاعَدَةِ عَلَى الْفِسْقِ أَوِ الْفِتَنِ، فَهُوَ تَاجِرٌ يَشْتَرِي تَعْظِيمَ النَّاسِ لَهُ وَتَسْخِيرَهُمْ لِقَضَاءِ حَاجِهِ وَالْقِيَامِ بِخِدْمَتِهِ.

أَقُولُ: إِنَّ مَا يُبَيِّنُهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُنَا هُوَ الرِّيَاءُ الْحَقِيقِيُّ الْمَمْقُوتُ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ خِيَارِ عِبَادِهِ، وَيَقُولُ عُلَمَاءُ الْأَخْلَاقِ الدِّينِيَّةِ: إِنَّ لِلرِّيَاءِ أَنْوَاعًا وَمَرَاتِبَ، وَإِنَّ مِنْهَا أَنْ يَبْذُلَ الْمَالَ لِمُسْتَحَقِّهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى وَقِيَامًا بِالْحَقِّ وَإِيثَارًا لِلْخَيْرِ، وَقَدْ يُخْفِيهِ، وَلَكِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى ذَلِكَ إِذَا عُرِفَ، وَيَعُدُّونَ الرِّيَاءَ مِنَ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ مِنْهُ

مَا هُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ كَهَذَا الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا يُحَاسِبُ عَلَيْهِ أَنْفُسَهُمُ الصِّدِّيقُونَ، وَيُقَالُ فِي مِثْلِهِ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ جَاءَ بِالْإِحْسَانِ لِأَنَّهُ إِحْسَانٌ فَهُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ اللهِ نَافِعٌ لِلنَّاسِ، فَلَا يَضِيرُهُ حُبُّهُ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا فَعَلَ، وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِذَلِكَ لِذَاتِهِ أَكْمَلَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ فِي تَفْسِيرِ: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا (3: 188) ، الْآيَةَ فَرَاجِعْهُ فِي ص [235 - 242 مِنَ الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنَ التَّفْسِيرِ] ، أَوْ فِي الْمَنَارِ.

الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: ثُمَّ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمِينَ الْمُرَائِينَ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ وَالْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ، ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَائِيَ يَثِقُ بِمَا عِنْدَ اللهِ، وَيُرَجِّحُ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِمْ عَلَى التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَيُؤْثِرُ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَدْحِ وَتَوَقُّعِ النَّفْعِ عَلَى مَا أَعَدَّهُ اللهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى الْإِيمَانِ وَعَمَلِ الصَّالِحَاتِ فَاللهُ فِي نَظَرِهِ الْمُظْلِمِ أَهْوَنُ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ يُعَدُّ مِثْلُ هَذَا مُؤْمِنًا بِاللهِ إِيمَانًا حَقِيقِيًّا، مُؤْمِنًا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ كَمَا يَجِبُ؟ أَمْ يَكُونُ إِيمَانُهُ تَخَيُّلًا كَتَخَيُّلِ الشُّعَرَاءِ، وَقَوْلًا كَقَوْلِ الصِّبْيَانِ: وَاللهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا، فَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَنْطِقُ بِاسْمِ اللهِ وَيُؤَكِّدُ بِاسْمِهِ الْكَرِيمِ الْكَلَامَ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ اللهَ، وَإِنَّمَا

ص: 82

يَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَيُقَلِّدُهُمْ بِمَا يَحْفَظُ مِنْهُ، لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ هُوَ مُوجِدُ الْكَائِنَاتِ، النَّافِذُ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ بِمَا فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، فَهَلْ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا مُؤْمِنًا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؟ كَلَّا إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ مُوقِنًا بِأَنَّ لَهُ هُنَالِكَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لَا نِهَايَةَ لَهَا، لَمَا فَضَّلَ عَلَيْهَا عَرَضَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْقَصِيرَةِ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا.

وَمِنْ آيَاتِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُخْلِصِ وَالْمُرَائِي أَنَّ الْمُرَائِيَ يَلْتَمِسُ الْفُرَصَ وَالْمُنَاسَبَاتِ لِلْفَخْرِ وَالتَّبَجُّحِ بِمَا أَعْطَى، وَمَا فَعَلَ، وَالْمُخْلِصُ قَلَّمَا يَتَذَكَّرُ عَمَلَهُ أَوْ يَذْكُرُهُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ كَأَنَّ يَرْغَبَ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْبَذْلِ، فَيَقُولُ لِلْغَنِيِّ مَثَلًا: إِنَّنِي عَلَى فَقْرِي أَوْ عَلَى قَدْرِ حَالِي قَدْ أَعْطَيْتُ فِي مَصْلَحَةِ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا، فَاللَّائِقُ بِكَ أَنْ تَبْذُلَ كَذَا.

وَأَقُولُ: إِنَّ مِنْ شَأْنِ الْكَافِرِ الَّذِي لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ أَلَّا يَبْذُلَ

مَالًا، وَلَا يَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا بِقَصْدِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَرَاءَ حُظُوظِ هَذِهِ الدُّنْيَا أَمَلٌ، وَلَا مَطْلَبٌ، وَالْمُؤْمِنُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنْ وَقَعَ الرِّيَاءُ مِنْ مُؤْمِنٍ فَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْ ضَعِيفِ الْإِيمَانِ قَلِيلًا، وَلَا يَكُونُ كُلُّ عَمَلِ الْمُؤْمِنِ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إِلْمَامًا يَنْدَمُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَيُسْرِعُ إِلَى التَّوْبَةِ، وَإِلَّا كَانَ كَافِرًا مُجَاهِرًا، أَوْ مُنَافِقًا مُخَادِعًا، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ تَحْقِيقِ هَذَا الْبَحْثِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) .

قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا أَيْ أَنَّ الْحَامِلَ لِأُولَئِكَ الْمُتَكَبِّرِينَ عَلَى مَا ذَكَرَ هُوَ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ بِقَوْلِهِ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ (2: 268) ، فَبَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ قُرَنَاءُ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ بِئْسَ الْقَرِينُ فَعَلِمَ أَنَّ حَالَهُمْ فِي الشَّرِّ كَحَالِ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْمَقْصِدِ بَلِ اكْتَفَى بِذَمِّ مَنْ كَانَ الشَّيْطَانُ قَرِينًا لَهُ، وَهَذَا مِنَ الْإِيجَازِ الَّذِي لَا يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ، قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَقُولُ: وَفِي الْآيَةِ تَنْبِيهٌ إِلَى تَأْثِيرِ قُرَنَاءِ الْمَرْءِ فِي سِيرَتِهِ وَمَا يَنْبَغِي مِنَ اخْتِيَارِ الْقَرِينِ الصَّالِحِ عَلَى قَرِينِ السُّوءِ، وَتَعْرِيضٌ بِتَنْفِيرِ أُولَئِكَ الْأَنْصَارِ مِنْ مُقَارَنَةِ أُولَئِكَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا يَنْهَوْنَهُمْ عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَبَيَانُ أَنَّهُمْ شَيَاطِينُ يَعِدِونَ الْفَقْرَ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْعُرْفِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ، وَالْقَرِينُ الصَّالِحُ مَنْ يَكُونُ عَوْنًا لَكَ عَلَى الْخَيْرِ، مُرَغِّبًا لَكَ فِيهِ، مُنَفِّرًا لَكَ بِنُصْحِهِ وَسِيرَتِهِ عَنِ الشَّرِّ، مُبْعِدًا لَكَ عَنْهُ، مُذَكِّرًا لَكَ بِتَقْصِيرِكَ، مُبَصِّرًا إِيَّاكَ بِعُيُوبِ نَفْسِكَ، وَكَمْ أَصْلَحَ الْقَرِينُ الصَّالِحُ فَاسِدًا، وَكَمْ أَفْسَدَ قَرِينُ السُّوءِ صَالِحًا.

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ، قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مِثَالُهُ مَعَ زِيَادَةٍ وَإِيضَاحٍ: أَيْ مَا الَّذِي كَانَ يُصِيبُهُمْ مِنَ الضَّرَرِ لَوْ آمَنُوا وَأَنْفَقُوا؟ وَهَذَا الْكَلَامُ مُوَجَّهٌ إِلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُخَاطَبِينَ بِالْقُرْآنِ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْعَرَبِ يُؤْمِنُونَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ

ص: 83

بِاللهِ تَعَالَى وَكَوْنِهِ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِحَيَاةٍ أُخْرَى بَعْدَ الْمَوْتِ وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ مُشْرِكِينَ

وَإِيمَانُهُمْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَكِنَّ الشِّرْكَ كَانَ قَدْ تَغَلْغَلَ فِيهِمْ أَيْضًا، فَالْمُرَادُ الْإِيمَانُ الصَّحِيحُ مَعَ الْإِذْعَانِ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْعَمَلِ، وَلَوْ عَلَى مَعْنَاهَا وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ، وَالْكَلَامُ مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّعَجُّبِ مِنْ حَالِهِمْ فِي إِنْفَاقِ الْمَالِ، وَعَمَلِ الْإِحْسَانِ لِوَجْهِ اللهِ عز وجل وَابْتِغَاءِ رِضْوَانِهِ وَثَوَابِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْمُرَادُ مِنَ التَّعَجُّبِ إِثَارَةُ عَجَبِ النَّاسِ مِنْ حَالِهِمْ ; إِذْ لَوْ أَخْلَصُوا لَمَا فَاتَتْهُمْ مَنْفَعَةُ الدُّنْيَا، وَلَفَازُوا مَعَ ذَلِكَ بِسَعَادَةِ الْعُقْبَى، وَكَثِيرًا مَا يَفُوتُ الْمُرَائِيَ غَرَضُهُ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى النَّاسِ وَامْتِلَاكِ قُلُوبِهِمْ وَتَسْخِيرِهِمْ لِخِدْمَتِهِ أَوِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَيَفُوزُ بِذَلِكَ الْمُخْلِصُ الَّذِي يُخْفِي الْعَمَلَ مِنْ حَيْثُ لَا يَطْلُبُهُ وَلَا يَحْتَسِبُهُ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ لِلْمُخْلِصِ سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ، وَيَرْجِعُ الْمُرَائِي بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ، بَلْ يَكُونُ قَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، فَجَهْلُ الْمُرَائِينَ جَدِيرٌ بِأَنْ يُتَعَجَّبَ بِهِ ; لِأَنَّهُ جَهْلٌ بِاللهِ وَجَهْلٌ بِأَحْوَالِ النَّاسِ، وَلَوْ آمَنُوا وَأَخْلَصُوا وَأَحْسَنُوا وَوَثِقُوا بِوَعْدِ اللهِ وَوَعِيدِهِ لَكَانَ هَذَا الْإِيمَانُ كَنْزَ سَعَادَةٍ لَهُمْ، فَإِنَّ مَنْ يُحْسِنُ مُوقِنًا أَنَّ الْمَالَ وَالْجَاهَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى الْعَبْدِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ يَتَقَرَّبَ بِهِمَا إِلَيْهِ تَعْلُو هِمَّتُهُ فَتَهُونُ عَلَيْهِ الْمَصَاعِبُ وَالنَّوَائِبُ، وَيَكُونُ هَذَا الْإِيمَانُ الصَّحِيحُ عِوَضًا لَهُ مِنْ كُلِّ فَائِتٍ، وَسَلْوَى فِي كُلِّ مُصَابٍ، وَفَاقِدُ الْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ عُرْضَةٌ لِلْغَمِّ وَالْيَأْسِ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ عِنْدَمَا يَرَى خَيْبَةَ أَمَلِهِ، وَكَذِبَ ظَنِّهِ فِي النَّاسِ، فَإِذَا وَقَعَ فِي مُصَابٍ عَظِيمٍ كَفَقْدِ الْمَالِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا ذَهَبَ كُلُّ مَالِهِ وَأَمْسَى فَقِيرًا، وَلَمْ يُنْقِذْهُ النَّاسُ وَلَا بَالَوْا بِهِ، فَإِنَّ الْغَمَّ وَالْقَهْرَ رُبَّمَا أَمَاتَاهُ جَزَعًا لَا صَبْرًا، وَرُبَّمَا بَخَعَ نَفْسَهُ وَانْتَحَرَ بِيَدِهِ ; وَلِذَلِكَ يَكْثُرُ الِانْتِحَارُ مِنْ فَاقِدِي الْإِيمَانِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنْ أَقَلَّ مَا يُؤْتَاهُ فِي الْمَصَائِبِ هُوَ الصَّبْرُ وَالسَّلْوَى فَيَكُونُ وَقْعُ الْمُصِيبَةِ عَلَى نَفْسِهِ أَخَفَّ، وَثَوَاءُ الْحُزْنِ فِي قَلْبِهِ أَقَلَّ، وَأَكْثَرُهُ أَنْ تَكُونَ الْمُصِيبَةُ فِي حَقِّهِ رَحْمَةً، وَتَتَحَوَّلَ النِّقْمَةُ فِيهَا نِعْمَةً، بِمَا يَسْتَفِيدُ فِيهَا مِنَ الِاخْتِبَارِ وَالتَّمْحِيصِ، وَكَمَالِ الْعِبْرَةِ وَالتَّهْذِيبِ (أَقُولُ: وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَلَا سِيَّمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ 3: 137] ، إِلَى الْآيَةِ 141 فَتُرَاجَعُ مِنْ [ص 114 - 126 مِنْ جُزْءِ التَّفْسِيرِ الرَّابِعِ] ،

إِنَّ النِّعَمَ الْبَاطِنَةَ هِيَ الْمَصَائِبُ الَّتِي يَسْتَفِيدُ مِنْهَا الْمُؤْمِنُ زِيَادَةَ الْإِيمَانِ وَالِاعْتِبَارِ) عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُحْسِنِينَ الْمُخْلِصِينَ يَكُونُونَ أَبْعَدَ عَنِ النَّوَائِبِ وَالْمَصَائِبِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ يَبْتَلِي اللهُ الْمُؤْمِنَ وَيَمْتَحِنُ صَبْرَهُ فَيُعْطِيهِ إِيمَانُهُ مِنَ الرَّجَاءِ بِاللهِ تَعَالَى مَا تُخَالِطُ حَلَاوَتَهُ مَرَارَةُ الْمُصِيبَةِ حَتَّى تَغْلِبَهَا أَحْيَانًا، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ

ص: 84

مِنْ يَعْظُمُ رَجَاؤُهُ بِاللهِ وَصَبْرُهُ عَلَى حُكْمِهِ وَرِضَاهُ بِقَضَائِهِ، وَاعْتِقَادُهُ أَنَّهُ مَا ابْتَلَاهُ إِلَّا لِيُرَبِّيَهُ وَيُعَظِّمَ أَجْرَهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَأْنَسُ بِالْمُصِيبَةِ وَيَتَلَذَّذُ بِهَا، وَهَذَا قَلِيلٌ نَادِرٌ وَلَكِنَّهُ وَاقِعٌ.

وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا أَتَى بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ لِتَنْبِيهِ الْمُؤْمِنِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِعِلْمِ اللهِ تَعَالَى بِإِنْفَاقِهِ وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِ بِعِلْمِ النَّاسِ، فَهُوَ الَّذِي لَا يَنْسَى عَمَلَ عَامِلٍ وَلَا يَظْلِمُهُ مِنْ أَجْرِهِ عَلَيْهِ شَيْئًا وَهُوَ الَّذِي يُسَخِّرُ الْقُلُوبَ لِمَنْ شَاءَ، قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: لَوْ لَمْ يَنْزِلْ فِي مُعَامَلَةِ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِلَّا هَذِهِ الْآيَاتُ وَاعْبُدُوا اللهَ إِلَى قَوْلِهِ: عَلِيمًا لَكَانَتْ كَافِيَةً لِهِدَايَةِ مَنْ لَهُ قَلْبٌ يَشْعُرُ وَعَقْلٌ يُفَكِّرُ، ثُمَّ أَخَذَ يُبَيِّنُ تَقْصِيرَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي اتِّبَاعِ هَذِهِ الْأَوَامِرِ، وَذَكَرَ مِنْ حَالِ النَّاسِ فِي مُعَامَلَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْجِيرَانِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ مَا يَتَبَرَّأُ مِنْهُ الْإِسْلَامُ، وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ مُشَاهَدٌ مَعْرُوفٌ، وَأَيْنَ الْمُعْتَبِرُونَ الْمُتَّعِظُونَ؟

إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا.

قَالَ الْبَقَاعِيُّ فِي نَظْمِ الدُّرَرِ مُبَيِّنًا وَجْهَ اتِّصَالِ الْآيَةِ الْأُولَى بِمَا قَبْلَهَا: وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ تَوْبِيخِهِمْ قَالَ مُعَلِّلًا لَهُ: إِنَّ اللهَ إِلَخْ، وَقَالَ الرَّازِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ

تَعَالَى: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا إِلَخْ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا، فَرَغَّبَ بِذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ اهـ.

وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بَعْدَ مَا بَيَّنَ تَعَالَى صِفَاتِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَسُوءَ حَالِهِمْ وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ الْأَمْرَ تَأْكِيدًا وَوَعِيدًا، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا مِنَ الْعَامِلِينَ بِتِلْكَ الْوَصَايَا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا بَلْ يُوَفِّيهِ حَقَّهُ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ، فَالْآيَةُ تَتْمِيمٌ لِمَوْضُوعِ الْأَوَامِرِ السَّابِقَةِ وَتَرْغِيبٌ لِلْعَامِلِينَ فِي الْخَيْرِ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الزَّلْزَلَةِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (99: 7) ، إِلَخْ، فَمَنْ سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ تَعْظُمُ رَغْبَتُهُ فِي الْخَيْرِ، وَرَجَاؤُهُ فِي اللهِ تَعَالَى.

(قَالَ) : وَلِلْعَابِثِينَ بِالْكِتَابِ وَبِعَقَائِدِ النَّاسِ كَلَامٌ فِي الْآيَةِ، وَأَقَامُوهُ عَلَى أَسَاسِ مَذَاهِبِهِمْ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: إِنَّهُ يَجُوزُ الظُّلْمُ عَلَى اللهِ تَعَالَى (عَقْلًا) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَمَا تَمَدَّحَ بِنَفْيِهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْآخَرُونَ، بِأَنَّهُ تَعَالَى نَفَى عَنْ نَفْسِهِ السِّنَةَ وَالنَّوْمَ، وَأَنْتُمْ مُتَّفِقُونَ مَعَنَا عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ بِأَنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ كَلَامٌ فِي أَفْعَالِهِ، وَنَفْيَ النَّوْمِ كَلَامٌ فِي صِفَاتِهِ

ص: 85

وَفَرْقٌ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْجَدَلِ الْبَاطِلِ وَالْهَذَيَانِ، وَإِدْخَالِ الْفَلْسَفَةِ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ عَقْلِ وَلَا بَيَانٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ بَعْضِ الْمُنْتَمِينَ إِلَى السُّنَّةِ بِجَوَازِ تَخَلُّفِ الْوَعِيدِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ ظُلْمًا؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ تَعَالَى، وَبَلَغَ بِهِمُ الْجَهْلُ مِنْ تَأْيِيدِ هَذَا الرَّأْيِ إِلَى تَجْوِيزِ الْكَذِبِ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَجَعَلُوا هَذَا نَصْرًا لِلسُّنَّةِ، وَالَّذِي قَذَفَ بِهَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْمُهَاوِي هُوَ الْجَدَلُ وَالْمِرَاءُ لِتَأْيِيدِ الْمَذَاهِبِ الَّتِي تَقَلَّدُوهَا، وَالْتِزَامُ كُلِّ فَرِيقٍ تَفْنِيدَ الْآخَرِ وَإِظْهَارَ خَطَئِهِ لَا طَلَبَ الْحَقِّ أَيْنَمَا ظَهَرَ، وَلَهُمْ مِثْلُ هَذِهِ الْجَهَالَاتِ الْكَثِيرُ الْبَعِيدُ عَنْ كِتَابِ اللهِ وَدِينِهِ، كَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ: إِنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ حَسَنٌ لِذَاتِهِ وَبَعْضَهَا قَبِيحٌ لِذَاتِهِ، وَيَجِبُ عَلَى اللهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ الْأَصْلَحَ مِنَ الْأَمْرَيْنِ الْجَائِزَيْنِ، وَكَقَوْلِ بَعْضِ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مَسْأَلَةَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْعَبَثِ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَكُلُّ هَذَا جَهْلٌ.

(قَالَ) : وَالَّذِي يُفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ هُنَاكَ حَقِيقَةً ثَابِتَةً فِي نَفْسِهَا وَهِيَ الظُّلْمُ، وَأَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ مِنَ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مِنَ النَّقْصِ الَّذِي يَتَنَزَّهُ عَنْهُ وَهُوَ ذُو الْكَمَالِ الْمُطْلَقِ وَالْفَضْلِ

الْعَظِيمِ، وَقَدْ خَلَقَ لِلنَّاسِ مَشَاعِرَ يُدْرِكُونَ بِهَا، وَعُقُولًا يَهْتَدُونَ بِهَا إِلَى مَا لَا يُدْرِكُهُ الْحِسُّ، وَشَرَعَ لَهُمْ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ وَآدَابِهِ مَا لَا تَسْتَقِلُّ عُقُولُهُمْ بِالْوُصُولِ إِلَى مِثْلِهِ فِي هِدَايَتِهِمْ وَحِفْظِ مَصَالِحِهِمْ، وَجَعَلَ فَوَائِدَ الدِّينِ وَآدَابَهُ سَائِقَةً إِلَى الْخَيْرِ صَارِفَةً عَنِ الشَّرِّ لِتَأْيِيدِهَا بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَمَنْ وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا يَضُرُّهُ وَيُؤْذِيهِ وَتَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ عُقُوبَتُهُ كَانَ هُوَ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا.

قَالَ: وَنَفْيُ الظُّلْمِ هَاهُنَا عَلَى إِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، وَالذَّرَّةُ فِيهِ عِبَارَةٌ عَنْ مُنْتَهَى الصِّغَرِ فِي الْأَجْسَامِ، وَقِيلَ: الذَّرُّ: الْهَبَاءُ، وَقِيلَ: النَّمْلُ الصَّغِيرُ الْأَحْمَرُ، أَوِ الذَّرَّةُ: رَأْسُ النَّمْلَةِ الصَّغِيرَةِ، وَأَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْعُمُومِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ إِلَخْ، وَقَدْ قَدَّرَ مُفَسِّرُنَا (الْجَلَالُ) فِي الْآيَةِ هُنَا (أَحَدًا) لِلْإِشَارَةِ إِلَى الْعُمُومِ، وَلَكِنْ وَرَدَ فِي الْكَافِرِينَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا أَثَرَ لِعَمَلِهِمْ فِي الْآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (18: 105)، وَقَوْلِهِ فِي عَمَلِهِمْ: فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (25: 23)، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي الْجَمْعِ: إِنَّ اللهَ يُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا تَأْوِيلٌ لَا يَأْتِي فِي سُورَةِ الزَّلْزَلَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا خَاصٌّ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، كَلٌّ يَحْمِلُ الْآيَةَ عَلَى مَذْهَبِهِ كَمَا هِيَ عَادَةُ الْمُقَلِّدِينَ فِي جَعْلِ مَذَاهِبِهِمْ أَصْلًا، وَالْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَرْعًا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَلَوْ بِالتَّأْوِيلِ السَّقِيمِ وَالتَّحْرِيفِ الْبَعِيدِ.

قَالَ: وَمِنَ الْعَجَبِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ بِهَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسَلَّمَةِ عِنْدَ قَائِلِيهَا أَنَّ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ يُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ بِعَمَلٍ لَهُ، حَاتِمٌ بِكَرَمِهِ، وَأَبُو طَالِبٍ بِكَفَالَتِهِ النَّبِيَّ وَنَصْرِهِ إِيَّاهُ، بَلْ وَرَدَ حَدِيثٌ بِالتَّخْفِيفِ عَنْ أَبِي لَهَبٍ لِعِتْقِهِ ثُوَيْبَةَ حِينَ بُشِّرَ بِالنَّبِيِّ

صلى الله عليه وسلم ـ

ص: 86

هَذَا وَأَبُو لَهَبٍ هُوَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ (111: 1) ، إِلَخْ، السُّورَةِ، فَالْمَعْنَى الصَّحِيحُ إِذَنْ لِلْآيَاتِ هُوَ أَنَّ اللهَ لَا يُقِيمُ وَزْنًا لِلْمُشْرِكِ فِي مُقَابَلَةِ شِرْكِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُقَابِلُ الشِّرْكَ عَمَلٌ صَالِحٌ فَيَمْحُوهُ، بَلِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ بِإِزَاءِ الشِّرْكِ هَبَاءٌ، وَلَكِنَّ الْمُشْرِكَ الْعَاصِيَ أَشَدُّ عَذَابًا مِنَ الْمُشْرِكِ الْمُحْسِنِ، وَلَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَهُ تَعَالَى سَوَاءً، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الظُّلْمِ الْمَنْفِيِّ بِلَا شَكٍّ.

أَقُولُ: الْمِثْقَالُ ـ مِفْعَالٌ مِنَ الثِّقَلِ ـ الْمِقْدَارُ الَّذِي لَهُ ثَقُلَ مَهْمَا قَلَّ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْمِعْيَارِ الْمَخْصُوصِ لِلذَّهَبِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَالذَّرَّةُ أَصْغَرُ مَا يُدْرَكُ مِنَ الْأَجْسَامِ

كَمَا اخْتَارَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، وَمَا أُطْلِقَ عَلَى النَّمْلَةِ وَعَلَى رَأْسِهَا وَعَلَى الْخَرْدَلَةِ، وَعَلَى الدَّقِيقَةِ مِنْ دَقَائِقِ الْهَبَاءِ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ فِي نُورِ الشَّمْسِ الدَّاخِلِ مِنَ الْكُوَى ـ إِلَّا لِبَيَانِ مَكَانِ صِغَرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ; وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الذَّرَّةِ رِوَايَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا رَأْسُ النَّمْلَةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ فَقَالَ: كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ ذَرَّةٌ، وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَ:" إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ نَمْلَةٍ "، وَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْقُرْآنُ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا التَّفْسِيرُ، وَالظُّلْمُ مَعْنَاهُ فِي الْأَصْلِ النَّقْصُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْكَهْفِ: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا (18: 33)، فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَنْقُصُ أَحَدًا مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ، وَالْجَزَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا مَا وَإِنْ صَغُرَ كَذَرَّةِ الْهَبَاءِ، بَلْ يُوَفِّيهِ أَجْرَهُ، وَلَا يُعَاقِبُهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لِلْعُقُوبَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى نَفْيِ الظُّلْمِ عَنِ الْبَارِئِ فِي مَوَاضِعِ التَّفْسِيرِ وَفِي الْمَنَارِ، مِنْهَا تَفْسِيرُ: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (3: 182)، فَيُرَاجَعُ فِي ص 218 وَتَفْسِيرِ: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (3: 192) ، فِي ص 247 مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ أَيْضًا، وَلَا أَذْكُرُ غَيْرَهَا الْآنَ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّفْسِيرِ الْكَلَامُ فِي الْجَزَاءِ وَمَوَازِينِ الْأَعْمَالِ، وَلَا تُفْهَمُ هَذِهِ الْآيَةُ حَقَّ الْفَهْمِ إِلَّا بِاسْتِبَانَةِ مَا حَقَّقْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي مَعْنَى الْجَزَاءِ وَكَوْنِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ تَابِعَيْنِ لِتَأْثِيرِ أَعْمَالِ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ بِالتَّزْكِيَةِ أَوِ التَّدْسِيَةِ، وَالْقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيُؤَيِّدُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَمَا أَخْطَأَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي فَهْمِ كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ إِلَّا لِذُهُولِهِمْ عَنْ مُقَارَنَةِ الْآيَاتِ الْمُتَنَاسِبَةِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، وَاسْتِبْدَالِهِمْ بِذَلِكَ تَحْكِيمَ الِاصْطِلَاحَاتِ وَالْقَوَاعِدِ الَّتِي وَضَعَهَا عُلَمَاءُ مَذَاهِبِهِمْ، وَإِرْجَاعِ الْآيَاتِ إِلَيْهَا وَحَمْلِهَا عَلَيْهَا، فَهَذَا يَسْتَشْكِلُ نَفْيَ الظُّلْمِ عَنِ اللهِ عز وجل ; لِأَنَّ الْعَبِيدَ لَا يَسْتَحِقُّونَ عِنْدَهُ شَيْئًا مِنَ الْأَجْرِ، فَيَكُونُ مَنْعُهُ أَوِ النَّقْصُ مِنْهُ ظُلْمًا، ثُمَّ يُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَعْدِ فَهُوَ قَدْ وَعَدَ بِإِثَابَةِ الْمُحْسِنِ، وَأَوْعَدَ بِعِقَابِ الْمُسِيءِ، ثُمَّ جَعَلُوا جَوَازَ تَخَلُّفِ الْوَعْدِ أَوِ الْوَعِيدِ مَحَلَّ بَحْثٍ وَجِدَالٍ أَيْضًا، وَهَذَا يَقُولُ: إِنَّ إِثَابَةَ الْمُحْسِنِ وَعِقَابَ الْمُسِيءِ أَمْرٌ حَسَنٌ فِي ذَاتِهِ مُوَافِقٌ

ص: 87

لِلْحِكْمَةِ، فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ تَعَالَى أَوْ وَاجِبٌ فِي حَقِّهِ كَمَا يَجِبُ لَهُ كُلُّ كَمَالٍ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ كُلُّ نَقْصٍ، فَقَامَ

الْآخَرُونَ يُجَادِلُونَهُمْ عَلَى لَفْظِ " يَجِبُ عَلَيْهِ " وَلَعَلَّهُمْ قَالُوا: " يَجِبُ لَهُ " فَحَرَّفُوهَا، وَمَهْمَا قَالُوا فَالْمَقْصَدُ وَاحِدٌ وَهُوَ إِثْبَاتُ الْكَمَالِ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَنْزِيهُهُ عَنِ النَّقْصِ، وَأَكْثَرُ الْجَدَلِ الَّذِي أَهْلَكَ الْمُسْلِمِينَ وَفَرَّقَهُمْ شِيَعًا وَأَذَاقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْمُشَاحَةِ فِي الْأَلْفَاظِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، وَكِتَابُ اللهِ وَدِينُهُ يَتَبَرَّأُ مِنْ ذَلِكَ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ مَجْمُوعِ الْقُرْآنِ مَا قَرَّرْنَاهُ مِرَارًا فِي مَسْأَلَةِ الْجَزَاءِ يَفْقَهُ مَعَهُ نَفْيَ الظُّلْمِ عَلَيْهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ، فَلِكُلِّ عَمَلٍ أَثَرٌ فِي نَفْسِ الْعَامِلِ يَرْفَعُ نَفْسَهُ بِالْحَقِّ وَالْخَيْرِ إِلَى عِلِّيِّينَ، أَوْ يَهْبِطُ بِهَا إِلَى سَافِلِينَ، وَلِذَلِكَ دَرَجَاتٌ وَمَثَاقِيلُ مُقَدَّرَةٌ فِي نَفْسِهَا لَا يُحِيطُ بِدَقَائِقِهَا إِلَّا مَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.

وَإِنْ تَكْ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا أَقُولُ: أَيْ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُنْقِصُ أَحَدًا مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَلَكِنَّهُ يَزِيدُ لِلْمُحْسِنِ فِي حَسَنَتِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الذَّرَّةُ الَّتِي عَمِلَهَا الْعَامِلُ سَيِّئَةً كَانَ جَزَاؤُهَا بِقَدْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا لَهُ اللهُ تَعَالَى عَشْرَةَ أَضْعَافٍ أَوْ أَضْعَافًا كَثِيرَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (6: 160) ، وَفِي مَعْنَاهَا آيَاتٌ، وَقَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (2: 245)، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ:" وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ "، بِرَفْعِ حَسَنَةٍ أَيْ: وَإِنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبُ، وَابْنُ جُبَيْرٍ:" يُضَعِّفْهَا " بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ مِنَ التَّضْعِيفِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُضَاعَفَةِ، وَرَدُّوا قَوْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ: إِنَّ ضَاعَفَ يَقْتَضِي مِرَارًا كَثِيرَةً وَضَعَّفَ يَقْتَضِي مَرَّتَيْنِ.

وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا يَعْنِي أَنَّ فَضْلَهُ تَعَالَى أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يُضَاعِفَ لِلْمُحْسِنِ حَسَنَتَهُ فَقَطْ بِأَلَّا يَكُونَ عَطَاؤُهُ إِلَّا فِي مُقَابَلَةِ الْحَسَنَاتِ، بَلْ هُوَ يَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَيُعْطِيهِمْ مِنْ لَدُنْهُ أَيْ مِنْ عِنْدِهِ لَا فِي مُقَابَلَةِ حَسَنَاتِهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا أَيْ عَطَاءً كَبِيرًا قَالُوا: إِنَّهُ سَمَّى هَذَا الْعَطَاءَ أَجْرًا، وَهُوَ لَا مُقَابِلَ لَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْأَجْرِ عَلَى الْعَمَلِ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ مِنْ قَبِيلِ مَجَازِ الْمُجَاوَرَةِ، وَلَعَلَّ نُكْتَةَ هَذَا التَّجَوُّزِ هِيَ الْإِيذَانُ بِأَنَّ هَذَا الْعَطَاءَ الْعَظِيمَ لَا يَكُونُ لِغَيْرِ الْمُحْسِنِينَ، فَهُوَ عِلَاوَةٌ عَلَى أُجُورِ أَعْمَالِهِمْ، وَالْعِلَاوَةُ عَلَى الشَّيْءِ تَقْتَضِي وُجُودَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَلَا مَطْمَعَ فِيهَا لِلْمُسِيئِينَ الَّذِينَ غَلَبَتْ سَيِّئَاتُهُمُ الْمُفْرَدَةُ عَلَى

حَسَنَاتِهِمُ الْمُضَاعَفَةِ، فَمَا قَوْلُكَ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ طُمِسَتْ حَسَنَاتُهُمْ فِي ظُلْمَةِ شِرْكِهِمْ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى! وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَجْرَ الْعَظِيمَ هُوَ النَّعِيمُ الرُّوحَانِيُّ بِرِضْوَانِ اللهِ الْأَكْبَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَرَاجِعْهُ فِي مَظَانِّهِ.

وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ حَذْفُ النُّونِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ تَكُ فَإِنَّ أَصْلَهَا " تَكُنْ "

ص: 88

فَحُذِفَتِ النُّونُ لِلتَّخْفِيفِ سَمَاعًا، وَعَلَّلُوهُ بِتَشْبِيهِهَا بِحُرُوفِ الْعِلَّةِ مِنْ حَيْثُ الْغُنَّةِ وَالسُّكُونِ " وَلَدُنْ " بِمَعْنَى: عِنْدَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ " لَدُنْ " أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْقُرْبِ مِنْ " عِنْدَ " فَلَا يُقَالُ: لَدَيَّ مَالٌ إِلَّا إِذَا كَانَ حَاضِرًا، وَيُقَالُ: عِنْدِي مَالٌ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا.

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: بَعْدَ مَا جَاءَ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ جَاءَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَعْطُوفَةً بِالْفَاءِ فَهُوَ يَقُولُ: إِذَا كَانَ اللهُ لَا يُضَيِّعُ مِنْ عَمَلِ عَامِلٍ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ النَّاسِ إِذَا جَمَعَهُمُ اللهُ، وَجَاءَ بِالشُّهَدَاءِ عَلَيْهِمْ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ فَمَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا وَلَهَا بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ! .

هَذِهِ الشَّهَادَةُ هِيَ الَّتِي غَفَلَ عَنْهَا النَّاسُ وَبَكَى لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ; إِذْ أَمَرَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ بِأَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ.

هَذِهِ الشَّهَادَةُ يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مُقَابَلَةِ عَقَائِدِهِمْ، وَأَخْلَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ بِعَقَائِدِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَعْمَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ.

تُعْرَضُ أَعْمَالُ كُلِّ أُمَّةٍ عَلَى نَبِيِّهَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُسْلِمِينَ وَسَائِرِ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ، فَمَنْ شَهِدَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَعْمَالِهِمْ وَظُهُورِهَا، بِأَنَّهُمْ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ وَعَمِلَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْعَمَلِ بِهِ فَهُمُ النَّاجُونَ.

إِنَّ كُلَّ أُمَّةٍ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ تَدَّعِي اتِّبَاعَ نَبِيِّهَا، وَإِنْ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ مَمْلُوءَةً بِالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالْغِلِّ، وَأَعْمَالُهُمْ كُلُّهَا شُرُورٌ أَوْ مَفَاسِدُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى النَّاسِ، فَهَؤُلَاءِ يَتَبَرَّأُ الْأَنْبِيَاءُ مِنْهُمْ وَإِنِ ادَّعَوْا هُمُ اتِّبَاعَهُمْ وَالِانْتِمَاءَ إِلَيْهِمْ.

وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَهَادَةُ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ قَبْلَهُ فَهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى أُمَمِهِمْ، وَهُوَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: هِيَ شَهَادَتُهُ عَلَى أُمَّتِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً

وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (2: 143) ، وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تَكُونُ بِسِيرَتِهَا شَهِيدَةً عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَحُجَّةً عَلَيْهَا فِي انْحِرَافِهَا عَنْ هَدْيِ الْمُرْسَلِينَ، وَأَنَّ الرَّسُولَ الْأَعْظَمَ صلى الله عليه وآله وسلم يَكُونُ بِسِيرَتِهِ الْعَالِيَةِ وَسُنَّتِهِ الْمُعْتَدِلَةِ حُجَّةً عَلَى الْمُفْرِطِينَ وَالْمُفَرِّطِينَ مِنْ أُمَّتِهُ اتِّبَاعًا لِلْبِدَعِ الطَّارِئَةِ وَالتَّقَالِيدِ الْمُحْدَثَةِ مِنْ بَعْدِهِ، فَرَاجِعْ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ التَّفْسِيرِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْأُسْتَاذُ فَهُوَ مَا رَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ

ص: 89

سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ إِلَخْ، فَقَالَ: حَسْبُكَ الْآنَ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ فَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ يَعْتَبِرُ الْمُسْلِمُونَ بِهَذَا وَهُمُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ كَمَا اعْتَبَرَ الشَّهِيدُ الْأَعْظَمُ فَيَبْكُونَ لِتَذَكُّرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ كَمَا بَكَى، وَيَسْتَعِدُّونَ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَاجْتِنَابِ جَمِيعِ الْبِدَعِ وَالتَّقَالِيدِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي عَهْدِهِ، لِأَنْ يَكُونُوا كَأَصْحَابِهِ أُمَّةً وَسَطًا لَا تَفْرِيطَ عِنْدِهَا فِي الدِّينِ، وَلَا إِفْرَاطَ لَا فِي أُمُورِ الْجَسَدِ وَلَا فِي أُمُورِ الرُّوحِ، أَمْ يَظَلُّونَ سَادِرِينَ فِي غَلْوَائِهِمْ، مُقَلِّدِينَ لِآبَائِهِمْ؟ أَلَا يَعْلَمُونَ كَيْفَ يَكُونُ حَالُ الْكَافِرِينَ وَالْعَاصِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؟

يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ قِيلَ: إِنَّ هَذَا اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ حَالِ الْكَافِرِينَ الَّتِي أُشِيرَ إِلَى شَدَّتِهَا، وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ جَوَابُ فَكَيْفَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا، وَمَعْنَى تِلْكَ الْآيَةِ: فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ النَّاسِ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ إِلَخْ.

وَالْجَوَابُ: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ أَيْ يُحِبُّ وَيَتَمَنَّى الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ فَلَمْ يَتَّبِعُوا مَا جَاءَ بِهِ أَنْ يَصِيرُوا تُرَابًا تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ فَيَكُونُوا وَإِيَّاهَا سَوَاءً كَمَا قَالَ فِي آخِرِ سُورَةِ النَّبَأِ: وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (78: 4)، وَقِيلَ: أَنْ يُدْفَنُوا وَتُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أَوْ تُسَوَّى عَلَيْهِمْ كَمَا تُسَوَّى عَلَى الْمَوْتَى عَادَةً، وَقِيلَ: يَتَمَنَّوْنَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لَهُمْ فَيَدْفَعُوهَا فِدْيَةً، فَتَكُونَ مُسَاوِيَةً لَهُمْ: إِنَّ الَّذِينَ

كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ (5: 36) ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ (تَسَّوَّى) بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى أَنَّ أَصْلَهَا تَتَسَوَّى فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي السِّينِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا فِي الْمَخْرَجِ، وَقَرَأَهَا حَمْزَةُ بِتَخْفِيفِ السِّينِ مَعَ الْإِمَالَةِ بِحَذْفِ تَاءٍ تَتَسَوَّى الثَّانِيَةِ وَهِيَ لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ.

وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا عَطْفٌ عَلَى يَوَدُّ أَيْ: لَا يَكْتُمُونَ شَيْئًا مِنْ خَبَرِ كُفْرِهِمْ وَلَا سَيِّئَاتِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَةِ أَنْبِيَائِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا يَنْسُبُونَ إِلَيْهِمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَفْرٍ وَأَبَاطِيلَ وَبِدَعٍ وَتَقَالِيدَ، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا لَيْسَ خَبَرًا مُجَرَّدًا وَإِنَّمَا الْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَوَدُّونَ لَوْ يَمُوتُونَ أَوْ يَكُونُونَ تُرَابًا فَتُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ، وَلَا يَكُونُونَ كَتَمُوا اللهَ تَعَالَى وَكَذَبُوا أَمَامَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِإِنْكَارِ شِرْكِهِمْ وَضَلَالِهِمُ الَّذِي بَيَّنَهُ تَعَالَى مِنْ حَالِهِمْ فِي الْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينِ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (6: 22 - 24) ، فَهُمْ عِنْدَمَا يَكْذِبُونَ وَيُنْكِرُونَ شِرْكَهُمْ، إِمَّا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ لَيْسَ شِرْكًا، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِشْفَاعٌ وَتَوَسُّلٌ إِلَى اللهِ بِمَنِ اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ، وَإِمَّا مُكَابِرَةً وَتَوَهُّمًا أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُمْ وَيَدْرَأُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، عِنْدَ ذَلِكَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءُ الْمُرْسَلُونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُتَّبِعِينَ فِيمَا أَحْدَثُوا مِنْ شِرْكِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ شَيْئًا ابْتَدَعُوهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ

ص: 90

بِقِيَاسِ رَبِّهِمْ عَلَى مُلُوكِهِمُ الظَّالِمِينَ وَأُمَرَائِهِمُ الْمُسْتَبِدِّينَ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ عِقَابَ بَعْضِ الْمُسِيئِينَ بِشَفَاعَةِ الْمُقَرَّبِينَ إِلَيْهِمْ مِنْ بِطَانَتِهِمْ وَيُقَرِّبُونَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّقْرِيبَ بِشَفَاعَتِهِمْ أَيْضًا، فَإِذَا شَهِدُوا عَلَيْهِمْ تَمَنَّوْا لَوْ كَانُوا سُوِّيَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ وَمَا افْتَرَوْا ذَلِكَ الْكَذِبَ، وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَحَّحَهُ: أَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا ذَلِكَ خَتَمَ اللهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ فَيَتَمَنَّوْنَ أَنْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ، وَمَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا مُجَرَّدًا مَعْطُوفًا عَلَى يَوَدُّ قَالَ: إِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِ الْقِيَامَةِ، وَيَعْتَرِفُونَ فِي بَعْضِهَا، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ كَذَّبُوا وَكَتَمُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمُ اعْتَرَفُوا وَمَا

كَذَبُوا بِأَنْ يَكُونَ حَصَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ النَّقِيضَيْنِ فِي وَقْتٍ غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الْآخَرُ، وَمِثْلُ هَذَا مُشَاهَدٌ فِي مُحَاكَمَةِ الْمُجْرِمِينَ فِي الدُّنْيَا يُنْكِرُونَ ثُمَّ يُقِرُّونَ، وَيُكَذِّبُونَ ثُمَّ يُصَدِّقُونَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتْمَانِ هُنَا كِتْمَانُ الْحَقِّ فِي الدُّنْيَا كَكِتْمَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ صِفَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْبِشَارَاتِ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْآيَةِ هُوَ الْكَلَامُ، وَذَهَبَ الْبَقَاعِيُّ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الشَّيْءُ الْمُحْدَثُ، أَوِ الْمُبْتَدَعِ الَّذِي لَمْ يَجِئْ بِهِ رُسُلُهُمْ، قَالَ: أَيْ شَيْئًا أَحْدَثُوهُ، بَلْ يَفْتَضِحُونَ بِسَيِّئِ أَخْبَارِهِمْ، وَيَحْمِلُونَ جَمِيعَ أَوْزَارِهِمْ، جَزَاءً لِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ مِنْ آيَاتِهِ، وَمَا نَصَبَ لِلنَّاسِ مِنْ بَيِّنَاتِهِ.

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا.

قَالَ الْبَقَاعِيُّ فِي نَظْمِ الدُّرَرِ: وَلَمَّا وَصَفَ الْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي يَوْمِ الْعَرْضِ، وَالْأَهْوَالَ الَّذِي أَدَّتْ فِيهِ سَطْوَةُ الْكِبْرِيَاءِ وَالْجَلَالِ إِلَى تَمَنِّي الْعَدَمِ، وَمَنَعَتْ فِيهِ قُوَّةُ يَدِ الْقَهْرِ وَالْجَبْرِ أَنْ يَكْتُمَ حَدِيثًا، وَتَضَمَّنَ وَصْفُهُ أَنَّهُ لَا يَنْجُو فِيهِ إِلَّا مَنْ كَانَ طَاهِرَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَالطَّاعَةِ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَصَفَ الْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الدُّنْيَا فِي مَقَامِ الْأُنْسِ وَحَضْرَةِ الْقُدُسِ الْمُنَجِّي مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَالَّذِي حَظَرَتْ مَعَانِي اللُّطْفِ

ص: 91

وَالْجَمَالِ فِيهِ الِالْتِفَاتَ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَمَرَ بِالطَّهَارَةِ فِي حَالِ التَّزَيُّنِ بِهِ عَنِ الْخَبَائِثِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى إِلَخْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي وَجْهِ الِاتِّصَالِ: إِنَّهُمْ لَمَّا نُهُوا عَنِ الْإِشْرَاكِ بِهِ تَعَالَى نُهُوا عَمَّا يُؤَدِّي إِلَيْهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَقِيلَ: لَمَّا أُمِرُوا فِيمَا تَقَدَّمَ بِالْعِبَادَةِ أُمِرُوا هُنَا بِالْإِخْلَاصِ فِي رَأْسِ الْعِبَادَةِ.

الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَمَرَ اللهُ تَعَالَى فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ بِعِبَادَتِهِ وَتَرْكِ الشِّرْكِ بِهِ وَبِالْإِحْسَانِ لِلْوَالِدَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَتَوَعَّدَ الَّذِينَ لَا يَقُومُونَ بِهَذِهِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَقَدْ عَرَفْنَا مِنْ سُوَرٍ أُخْرَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْمُرُ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْقِيَامِ بِأُمُورِ الدِّينِ وَتَكَالِيفِهِ كَمَا قَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (2: 153)، وَقَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (29: 45)، وَقَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ (7: 19 - 22) ، وَقَدْ كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ، لَا بِالصَّلَاةِ هَكَذَا مُطْلَقًا بَلْ بِإِقَامَتِهَا، وَإِنَّمَا إِقَامَتُهَا الْقِيَامُ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَهُوَ أَنْ يَنْبَعِثَ الْمُؤْمِنُ إِلَيْهَا بِبَاعِثِ الشُّعُورِ بِعَظَمَةِ اللهِ وَجَلَالِهِ وَيُؤَدِّيهَا بِالْخُشُوعِ لَهُ تَعَالَى، فَهَذِهِ الصَّلَاةُ هِيَ الَّتِي تُعِينُ عَلَى الْقِيَامِ بِالْأَوَامِرِ وَتَرْكِ النَّوَاهِي ; وَلِذَلِكَ جَاءَ ذِكْرُهَا هَاهُنَا عَقِبَ تِلْكَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الْجَامِعَةِ، وَقَدْ ذُكِرَتِ الصَّلَاةُ فِي الْقُرْآنِ بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ، وَذُكِرَتْ هَاهُنَا فِي سِيَاقِ النَّهْيِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهَا فِي حَالِ السُّكْرِ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ الْخُشُوعُ وَالْحُضُورُ مَعَ اللهِ تَعَالَى بِمُنَاجَاتِهِ بِكِتَابِهِ، وَذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ، فَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ حَقِيقَتُهَا لَا مَوْضِعُهَا وَهُوَ الْمَسَاجِدُ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالنَّهْيُ عَنْ قُرْبَانِهَا دُونَ مُطْلَقِ الْإِتْيَانِ بِهَا لَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الْمَسْجِدِ؛ إِذِ النَّهْيُ عَنْ قُرْبَانِ الْعَمَلِ مَعْرُوفٌ فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ وَفِي التَّنْزِيلِ خَاصَّةً وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا (17: 32) ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْعَمَلِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ مُقَدِّمَاتِهِ، وَمِنْ مُقَدِّمَاتِ الصَّلَاةِ الْإِقَامَةُ، فَقَدْ سَنَّهَا اللهُ لَنَا لِإِعْدَادِنَا لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَرِّقِينَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى مَذَاهِبِهِمُ الْمُسْتَحْدَثَةِ: إِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ، بَلْ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالْمَحَالِّ ; إِذْ وُجِّهَ الْأَمْرُ إِلَى السَّكْرَانِ وَهُوَ لَا يَعِي الْخِطَابَ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:

(أَحَدُهَا) : أَنَّ الْخِطَابَ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُسْلِمِ قَبْلَ السُّكْرِ بِأَنْ يَجْتَنِبَهُ إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ إِلَى التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ فِي أَثْنَائِهِ، فَهُوَ أَمْرٌ بِالِاحْتِيَاطِ وَاجْتِنَابِ السُّكْرِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ، أَقُولُ: سَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُهُ مِنَ الْعِبَارَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَمْهِيدٌ لِتَحْرِيمِ السُّكْرِ تَحْرِيمًا قَطْعِيًّا لَا هَوَادَةَ فِيهِ، فَإِنَّ مَنْ يَتَّقِي أَنْ يَجِيءَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ سَكْرَانٌ، يَتْرُكُ الشُّرْبَ عَامَّةَ النَّهَارِ، وَأَوَّلَ اللَّيْلِ لِانْتِشَارِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي هَذِهِ

الْمُدَّةِ، فَالْوَقْتُ الَّذِي يَبْقَى لِلسُّكْرِ فِي وَقْتِ النَّوْمِ مِنْ بَعْدِ الْعَشَاءِ إِلَى السَّحَرِ، فَيَقِلُّ الشُّرْبُ فِيهِ لِمُزَاحَمَتِهِ لِلنَّوْمِ الَّذِي

ص: 92

لَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَمَّا أَوَّلُ النَّهَارِ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِلَى وَقْتِ الظَّهِيرَةِ، فَهُوَ وَقْتُ الْعَمَلِ وَالْكَسْبِ لِأَكْثَرِ النَّاسِ، وَيَقِلُّ أَنْ يَسْكَرَ فِيهِ غَيْرُ الْمُتْرَفِينَ الَّذِينَ لَا عَمَلَ لَهُمْ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُمْ كَانُوا بَعْدَ نُزُولِهَا يَشْرَبُونَ بَعْدَ الْعَشَاءِ فَلَا يُصْبِحُونَ إِلَّا وَقَدْ زَالَ السُّكْرُ، وَصَارُوا يَعْلَمُونَ مَا يَقُولُونَ قَالَ:

(ثَانِيهَا) : أَنَّ الْأَمْرَ مُوَجَّهٌ إِلَى جُمْهُورِ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّهُمْ مُتَكَافِلُونَ مَأْمُورُونَ بِمَنْعِ الْمُنْكَرِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَمْنَعُوا السَّكْرَانَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، فَالْأَمْرُ عَلَى حَدِّ: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا (4: 35) ، أَيْ عَلَى حَدِّ الْأَقْوَالِ إِذْ يَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجَانِ.

(ثَالِثُهَا) : أَنَّ السُّكْرَ الَّذِي يَطْلُبُهُ الْغُوَاةُ لَا يُنَافِي فَهْمَ الْخِطَابِ، وَهُوَ النَّشْوَةُ وَالسُّرُورُ فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَفْهَمُ السَّكْرَانُ وَيَفْهَمُ وَيَصِحُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ الْخِطَابُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَضْبِطُ أَعْمَالَهُ وَأَفْكَارَهُ وَأَقْوَالَهُ بِالتَّفْصِيلِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ فَأَمَّا مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّكْرَانُ مِمَّا لَا يَقْصِدُ فَصَاحِبُهُ لَا يُخَاطَبُ فِيهِ، وَهُوَ مَا عَرَّفَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ السَّكْرَانَ إِذْ قَالَ: إِنَّهُ مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ فِي مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ لِلنَّهْيِ يُفِيدُ أَنَّ الْعِلْمَ بِمَا يَقُولُهُ الْإِنْسَانُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ تِلَاوَةٍ وَذِكْرٍ وَاجِبٌ أَوْ شَرْطٌ، وَالْعِلْمُ بِهِ فَهْمُهُ ; وَلِهَذَا الْمَعْنَى أَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ لَا يُحْسِنُهَا أَيْ إِلَى أَنْ يُحْسِنَهَا أَوْ يَعْجِزَ، هَذَا هُوَ حَاصِلُ الْمَعْنَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ حَقِيقَتُهَا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَوْضِعُهَا فَالْمُرَادُ تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ وَهِيَ بُيُوتُ اللهِ عَنِ اللَّغْوِ وَالْكَلَامِ الْبَاطِلِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَبْدُرَ مِنَ السَّكْرَانِ.

أَقُولُ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ قَالَ:" صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا فَدَعَانَا، وَسَقَانَا مِنَ الْخَمْرِ، فَأَخَذَتْ مِنَّا وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقَدَّمُونِي فَقَرَأْتُ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، فَنَزَلَتْ "، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ: " أَنَّ إِمَامَ الْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَتِ الْخَمْرُ مُبَاحَةً "، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ حَقِيقَتُهَا، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ،

وَالضَّحَّاكِ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ هُنَا مَوَاضِعُهَا، وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ مَعًا بِنَاءً عَلَى تَجْوِيزِهِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّكْرِ سُكْرُ النُّعَاسِ وَغَلَبَةِ النَّوْمِ، وَلَعَلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ شَبَّهَ النُّعَاسَ بِالسُّكْرِ وَجَعَلَ حُكْمَهُ كَحُكْمِهِ، فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِهِ وَالْعِلَّةُ فِي قِيَاسِهِ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا " إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقُولُ "، " وَحَتَّى " لِلْغَايَةِ وَفِي بَعْضِ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا

ص: 93

لِلتَّعْلِيلِ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَحَتَّى فِي الْجُمْلَةِ الْآتِيَةِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ لِفَهْمِ مَا يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا جُنُبًا، عَطَفَ فِيهِ قَوْلَهُ: وَلَا جُنُبًا، عَلَى قَوْلِهِ: وَأَنْتُمْ سُكَارَى، وَالْمَعْنَى لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ سُكَارَى وَلَا جُنُبًا، فَجُمْلَةُ وَأَنْتُمْ سُكَارَى، حَالِيَّةٌ فَهِيَ فِي حَيِّزِ النَّصْبِ، وَفَرَّقَ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ بَيْنَ الْحَالِ الْمُفْرَدَةِ، وَالْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ، فَمَعْنَى جَاءَ زَيْدٌ رَاكِبًا، أَنَّ الرُّكُوبَ كَانَ وَصْفًا لَهُ حَالَ الْمَجِيءِ فَهُوَ تَابِعٌ لِلْمَجِيءِ مُقَدَّرٌ بِقَدْرِهِ، وَمَعْنَى جَاءَ وَهُوَ رَاكِبٌ أَنَّ الرُّكُوبَ وَصْفٌ ثَابِتٌ فِي نَفْسِهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَالِ تَلَبُّسِهِ بِهِ، وَقَدْ تَكُونُ الْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ غَيْرَ وَصْفٍ لِذِي الْحَالِ كَقَوْلِكَ: جَاءَ وَالشَّمْسُ طَالِعَةً، وَقَدْ يَتَقَدَّمُ مَضْمُونُهَا فِعْلَ ذِي الْحَالِ الَّذِي جُعِلَتْ قَيْدًا لَهُ، وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ، وَأَمَّا الْحَالُ الْمُفْرَدَةُ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا مُقَارَنَةُ فِعْلِ ذِي الْحَالِ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ صَائِمًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ لِأَجْلِ الِاعْتِكَافِ وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي رَمَضَانَ، وَمَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ وَأَنَا صَائِمٌ لَا يَلْزَمُهُ صَوْمٌ لِأَجْلِ الِاعْتِكَافِ، بَلْ يُجْزِئُهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي رَمَضَانَ ; لِأَنَّ مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِفِعْلِ ذِي الْحَالِ كَمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْحَالِ الْمُفْرَدَةِ، هَذَا وَإِنِّي لَا أَذْكُرُ أَنِّي رَأَيْتُ لِلْمُفَسِّرِينَ بَيَانًا لِنُكْتَةِ اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ سُكَارَى وَلَا جُنُبًا، أَوْ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ، وَأَنْتُمْ سُكَارَى وَلَا وَأَنْتُمْ جُنُبٌ، أَوْ يَجْعَلِ الْأُولَى مُفْرَدَةً وَالثَّانِيَةَ جُمْلَةً؟ وَهَلْ يَقَعُ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي تَعْبِيرِ الْقُرْآنِ اتِّفَاقًا، أَوْ

لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ؟ كَلَّا إِنَّ النُّكْتَةَ ظَاهِرَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ كَانَتِ اللُّغَةُ مَلَكَةً لَهُ، وَقَدْ تَخْفَى عَمَّنْ تَكُونُ صِنَاعَةً عِنْدَهُ لَا يَفْهَمُ دَقَائِقَ نُكَتِهَا إِلَّا عِنْدَ تَذَكُّرِ الْقَوَاعِدِ الصِّنَاعِيَّةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا وَتُدَبِّرُهَا، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ الْمَلَكَةُ وَالصِّنَاعَةُ قَدْ يَفْهَمُ الْمُرَادَ فِي الْجُمْلَةِ وَيَغْفُلُ عَنْ إِيضَاحِهَا بِالْقَوَاعِدِ الصِّنَاعِيَّةِ، إِنَّ التَّعْبِيرَ بِجُمْلَةِ وَأَنْتُمْ سُكَارَى يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنِ السُّكْرِ الَّذِي يُخْشَى أَنْ يَمْتَدَّ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ فَيُفْضِيَ إِلَى أَدَائِهَا فِي أَثْنَائِهِ، فَالْمَعْنَى: احْذَرُوا أَنْ يَكُونَ السُّكْرُ وَصْفًا لَكُمْ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ فَتُصَلُّوا وَأَنْتُمْ سُكَارَى، فَامْتِثَالُ هَذَا النَّهْيِ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَرْكِ السُّكْرِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، بَلْ وَفِيمَا يَقْرُبُ مِنْ وَقْتِهَا، وَلَيْسَ الْمَعْنَى: لَا تُصَلُّوا حَالَ كَوْنِكُمْ سُكَارَى، وَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ الِاعْتِرَاضُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، وَأَجَابَ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ يَرِدُ لَوْ قَالَ تَعَالَى: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ سُكَارَى أَوْ يُقَالُ فِي دَفْعِهِ هَذَا، وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ مِنْ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ فِي مَعْنَى هَذَا، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنْ مَنْطُوقِ الْآيَةِ وَمَدْلُولِ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ، وَإِنَّمَا فَهِمْنَا مِنْهُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَوَقُّفِ الِامْتِثَالِ عَلَى اجْتِنَابِ السُّكْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ، وَأَمَّا نَهْيُهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ جُنُبًا فَلَا يَتَضَمَّنُ نَهْيَهُمْ عَنِ الْجَنَابَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ: وَأَنْتُمْ جُنُبٌ، فَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ مِنْ

ص: 94

دِقَّةِ عِبَارَةِ الْقُرْآنِ وَبَلَاغَتِهَا، وَاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ بِاخْتِلَافِ التَّعْبِيرِ ; فَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ بِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ يُرِيدُ صَرْفَ النَّاسِ عَنِ السُّكْرِ، وَتَرْبِيَتَهُمْ عَلَى تَرْكِهِ بِالتَّدْرِيجِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ وَالضَّرَرِ، وَلَا يُرِيدُ صَرْفَهُمْ عَنِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ سُنَنِ الْفِطْرَةِ، وَإِنَّمَا يَنْهَاهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَثْنَائِهَا حَتَّى يَغْتَسِلُوا، فَهَذَا النَّهْيُ تَمْهِيدٌ لِفَرْضِ الطَّهَارَةِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكَوْنِهَا شَرْطًا لِلصَّلَاةِ، وَذَلِكَ النَّهْيُ تَمْهِيدٌ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَلْبَتَّةَ فِي سِيَاقِ إِيجَابِ الْفَهْمِ، وَالتَّدَبُّرِ لِمَا فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْأَذْكَارِ وَالتِّلَاوَةِ.

وَالْجُنُبُ، قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ ـ يَعْنِي مِنْ قُرَّاءِ الْعَرَبِيَّةِ ـ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ الْآنَ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَا هِيَ صِيغَتُهُ وَمَا مَعْنَى أَصْلِ مَادَّتِهِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَتِ الْعَرَبُ هَذَا اللَّفْظَ اسْتِعْمَالَ الْمَصَادِرِ فِي الْوَصْفِيَّةِ، فَقَالُوا: هُوَ جُنُبٌ وَهِيَ جُنُبٌ، وَهُمْ جُنُبٌ وَهُمْ جُنُبٌ، وَثَنَّاهُ وَجَمَعَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالُوا: جُنُبَانِ وَأَجْنَابٌ وَجَنُوبٌ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمُجَانَبَةِ بِمَعْنَى الْمُبَاعَدَةِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ.

وَقَدْ قَالُوا: جَانَبَهُ بِمَعْنَى سَارَ إِلَى جَنْبِهِ، وَمِنْهُ الصَّاحِبُ بِالْجَنْبِ لِرَفِيقِ السَّفَرِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ يَرْكَبُ بِجَانِبِ رَفِيقِهِ فِي الشُّقْدُفِ عَلَى الْبَعِيرِ، فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى الْمُضَاجَعَةِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ أَسْبَابِ الْجَنَابَةِ، وَعِنْدِي أَنَّ الْجَارَ الْجُنُبَ هُوَ مَنْ كَانَ بَيْتُهُ بِجَانِبِ بَيْتِكَ، وَفَاتَنِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.

إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ أَيْ: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ جُنُبًا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا كَوْنَكُمْ عَابِرِي سَبِيلٍ أَيْ: مُجْتَازِي طَرِيقٍ، وَقِيلَ: إِنَّ إِلَّا هُنَا صِفَةٌ بِمَعْنَى غَيْرَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى مَا اشْتَرَطَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِذَلِكَ مِنْ تَعَذُّرِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ هُنَا حَقِيقَتُهَا فَسَّرَ عَابِرَ السَّبِيلِ هُنَا بِالْمُسَافِرِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ مَوَاضِعُهَا ـ أَيِ الْمَسَاجِدُ ـ فُسِّرَ بِالْمُجْتَازِ لِحَاجَةٍ، قَالَهُ الْأُسْتَاذُ وَغَيْرُهُ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّةُ بِالْآيَةِ عَلَى جَوَازِ مُرُورِ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ، وَعَلَى تَحْرِيمِ الْمُكْثِ فِيهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُجِيزُ أَنْ يُرَادَ بِالصَّلَاةِ هُنَا حَقِيقَتُهَا وَمَكَانُهَا مَعًا، وَحِينَئِذٍ يَجْعَلُ اسْتِثْنَاءَ الْعُبُورِ بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ، وَإِنِّي لَأَسْتَبْعِدُ التَّعْبِيرَ عَنِ السَّفَرِ بِعُبُورِ السَّبِيلِ، وَالسَّفَرُ مَذْكُورٌ فِي الْآيَةِ وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ بِلَفْظِ السَّفَرِ، فَالْمُتَعَيَّنُ عِنْدِي فِي الْعُبُورِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ وَهُوَ بِالْمُرُورِ بِالْمَسْجِدِ ; لِأَنَّهُ مَنْ قَرُبَ الصَّلَاةَ سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهَا الْمَكَانُ وَحْدَهُ، أَمِ الْمَكَانُ وَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا أَمِ الْحَقِيقَةُ وَحْدَهَا ; لِأَنَّ الْمُكْثَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الصَّلَاةِ، فَالْمَنْعُ مِنْهُ يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنْ قُرْبِ الصَّلَاةِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ كَوْنِ بَعْضِ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ كَانَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابٌ وَمَنَافِذُ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَكَانُوا يَعْبُرُونَ مِنْهُ إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ فُقَرَاءِ الصَّحَابَةِ يُقِيمُونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ فَهِمُوا مِنْهَا

ص: 95

وَلَا بُدَّ أَنَّ إِقَامَةَ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ تُعَدُّ مِنْ قُرْبِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ لَمْ يَسْتَثْنَ عَابِرِي السَّبِيلِ لَكَانَ عَلَى أُولَئِكَ الْجِيرَانِ حَرَجٌ فِي إِلْزَامِهِمْ أَلَّا يَخْرُجُوا مِنْ بُيُوتِهِمْ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ إِذَا كَانُوا جُنُبًا، وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِسَدِّ تِلْكَ الْأَبْوَابِ وَالْكُوَى إِلَّا فِي آخِرِ عُمْرِهِ الشَّرِيفِ، وَقَدِ اسْتَثْنَى خَوْخَةَ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ (أبي بَكْرٍ رضي الله عنه وَالْخَوْخَةُ: الْكُوَّةُ وَالْبَابُ الصَّغِيرُ مُطْلَقًا، أَوْ مَا كَانَ فِي الْبَابِ الْكَبِيرِ، بَلْ وَرَدَ أَنَّ مَنْ أَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ.

حَتَّى تَغْتَسِلُوا أَيْ: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ جُنُبًا إِلَّا بِأَدَائِهَا، وَلَا بِالْمُكْثِ فِي مَكَانِهَا إِلَى أَنْ تَغْتَسِلُوا إِلَّا مَا رُخِّصَ لَكُمْ فِيهِ مِنْ عُبُورِ السَّبِيلِ فِي الْمَسْجِدِ، وَحِكْمَةُ الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ كَحِكْمَةِ الْوُضُوءِ وَهِيَ النَّظَافَةُ وَالطَّهَارَةُ كَمَا سَيَأْتِي فِي آيَةِ الْوُضُوءِ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَلِهَاتَيْنِ الطَّهَارَتَيْنِ فَوَائِدُ صِحِّيَّةٌ وَأَدَبِيَّةٌ سَنُبَيِّنُهَا هُنَا بِالتَّفْصِيلِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَالِاغْتِسَالُ عِبَارَةٌ عَنْ إِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى الْبَدَنِ كُلِّهِ، وَمِنْ شَأْنِ الْجَنَابَةِ أَنْ تُحْدِثَ تَهَيُّجًا فِي الْمَجْمُوعِ الْعَصَبِيِّ فَيَتَأَثَّرَ بِهَا الْبَدَنُ كُلُّهُ وَيَعْقُبُهَا فُتُورٌ، وَضَعْفٌ فِيهِ يُزِيلُهُ الْمَاءُ ; وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَدْ جَهِلَ هَذَا مَنِ اعْتَرَضَ عَلَى حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ مُوَافِقًا لِلْعَقْلِ لَمَا أَوْجَبَ فِي الْجَنَابَةِ إِلَّا غَسْلَ أَعْضَاءِ التَّنَاسُلِ، فَأَوْجَبَ اللهُ تَعَالَى فِيمَا جَعَلَهُ غَايَةً لِلنَّهْيِ عَنْ صَلَاةِ الْجُنُبِ أَنْ يَتَحَرَّى الْإِنْسَانُ فِي صِلَاتِهِ النَّظَافَةَ وَالنَّشَاطَ، كَمَا أَوْجَبَ فِيمَا جَعَلَهُ غَايَةً لِلنَّهْيِ عَنْ صَلَاةِ السَّكْرَانِ أَنْ يَتَحَرَّى فِيهَا الْعِلْمَ وَالْفَهْمَ وَتَدَبُّرَ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرَ، وَيَتَوَقَّفُ هَذَا عَلَى مَعْرِفَةِ لُغَةِ الْقُرْآنِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ـ كَمَا تَقَدَّمَ ـ وَهَذَا شَيْءٌ مِنْ حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الْغُسْلِ.

وَلَمَّا كَانَ الِاغْتِسَالُ مِنَ الْجَنَابَةِ يَتَعَسَّرُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَيَتَعَذَّرُ فِي بَعْضِهَا وَمِثْلُهُ الْوُضُوءُ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ عِبَادَةً مَحْتُومَةً وَفَرِيضَةً مَوْقُوتَةً لَا هَوَادَةَ فِيهَا وَلَا مَنْدُوحَةَ عَنْهَا ; لِأَنَّهَا بِتَكْرَارِهَا تُذَكِّرُ الْمَرْءَ إِذَا نَسِيَ مُرَاقَبَةَ اللهِ تَعَالَى فَتَعُدُّهُ لِلتَّقْوَى، بَيَّنَ لَنَا سُبْحَانَهُ الرُّخْصَةَ فِي تَرْكِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَالِاسْتِعَاضَةِ عَنْهُ بِالتَّيَمُّمِ، فَقَالَ: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ طَوِيلٍ أَوْ قَصِيرٍ، وَالشَّأْنُ فِيهِمَا تَعَسُّرُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْحِجَازِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَاءُ ضَارًّا بِالْمَرِيضِ كَبَعْضِ الْأَمْرَاضِ الْجِلْدِيَّةِ وَالْقُرُوحِ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ، أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً أَيْ: أَوْ أَحْدَثْتُمْ حَدَثًا أَصْغَرَ، وَهُوَ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ ـ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ ـ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ كِنَايَةً كَمَا هِيَ سُنَّةُ الْقُرْآنِ فِي النَّزَاهَةِ بِالْكِنَايَةِ عَمَّا لَا يَحْسُنُ التَّصْرِيحُ بِهِ، وَالْغَائِطُ هُوَ الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ مِنَ الْأَرْضِ كَالْوَادِي، وَأَهْلُ الْبَوَادِي وَالْقُرَى الصَّغِيرَةِ يَقْصِدُونَ بِحَاجَتِهِمُ الْأَمَاكِنَ الْمُنْخَفِضَةَ لِأَجْلِ السَّتْرِ، وَالِاسْتِخْفَاءِ عَنِ الْأَبْصَارِ، ثُمَّ صَارَ لَفْظُ الْغَائِطِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً

فِي الْحَدَثِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَيُكَنَّى عَنِ الْحَدِيثِ فِي الْمُدُنِ الْآهِلَةِ

ص: 96

الَّتِي تُتَّخَذُ فِيهَا الْكُنُفُ بِكِنَايَاتٍ أُخْرَى، وَمُلَامَسَةُ النِّسَاءِ: كِنَايَةٌ عَنْ غِشْيَانِهِنَّ وَالْإِفْضَاءِ إِلَيْهِنَّ، وَحَقِيقَةُ اللَّمْسِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَلَوْ بِالْيَدِ فَهُوَ كَالْمُبَاشَرَةِ، وَحَقِيقَتُهَا إِصَابَةُ الْبَشَرَةِ لِلْبَشَرَةِ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْجِلْدِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " أَوْ لَمَسْتُمُ " وَلَا تُنَافِي قِرَاءَتُهُمَا ذَلِكَ التَّجَوُّزَ الْمَشْهُورَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ بِلَمْسِ بَشَرَةِ النِّسَاءِ إِلَّا الْمَحَارِمَ مِنْهُنَّ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ أَيْ: فَفِي هَذِهِ الْحَالَاتِ: الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ وَفَقْدُ الْمَاءِ عَقِبَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ الْمُوجِبِ لِلْوُضُوءِ وَالْحَدَثِ الْأَكْبَرِ الْمُوجِبِ لِلْغُسْلِ تَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، أَيِ اقْصِدُوا وَتَحَرَّوْا مَكَانًا مَا مِنْ صَعِيدِ الْأَرْضِ، أَيْ: وَجْهِهَا طَيِّبًا، أَيْ طَاهِرًا لَا قَذَرَ فِيهِ وَلَا وَسَخَ، فَامْسَحُوا هُنَاكَ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ، تَمْثِيلًا لِمُعْظَمِ عَمَلِ الْوُضُوءِ فَصَلُّوا، فَقَيْدُ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً لِلْجَائِي مِنَ الْغَائِطِ وَمُلَامِسِ النِّسَاءِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَجْعَلُ الْقَيْدَ بَعْدَ الْجُمَلِ لِلْأَخِيرَةِ، وَمَذْهَبِ مَنْ يَجْعَلُهُ لِلْجَمِيعِ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ، وَالْمَانِعُ هُنَا: أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ وَجْهٌ لِاشْتِرَاطِ فَقْدِ الْمَاءِ لِتَيَمُّمِ الْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ دُونَ الصَّحِيحِ وَالْمُقِيمِ.

الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْمَعْنَى أَنَّ حُكْمَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ إِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ كَحُكْمِ الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ، أَوْ مُلَامِسِ النِّسَاءِ وَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فَعَلَى كُلِّ هَؤُلَاءِ التَّيَمُّمُ فَقَطْ، هَذَا مَا يَفْهَمُهُ الْقَارِئُ مِنَ الْآيَةِ نَفْسِهَا إِذَا لَمْ يُكَلِّفْ نَفْسَهُ حَمْلَهَا عَلَى مَذْهَبٍ مِنْ وَرَاءِ الْقُرْآنِ يَجْعَلُهَا بِالتَّكَلُّفِ حُجَّةً لَهُ مُنْطَبِقَةً عَلَيْهِ، وَقَدْ طَالَعْتُ فِي تَفْسِيرِهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ تَفْسِيرًا فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا غَنَاءً، وَلَا رَأَيْتُ قَوْلًا فِيهَا يَسْلَمُ مِنَ التَّكَلُّفِ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى الْمُصْحَفِ وَحْدَهُ فَوَجَدْتُ الْمَعْنَى وَاضِحًا جَلِيًّا، فَالْقُرْآنُ أَفْصَحُ الْكَلَامِ وَأَبْلَغُهُ وَأَظْهَرُهُ، وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ ـ مُفْرَدَاتِهَا وَأَسَالِيبَهَا ـ إِلَى تَكَلُّفَاتِ فَنُونِ النَّحْوِ وَغَيْرِهِ مِنْ فُنُونِ اللُّغَةِ عِنْدَ حَافِظِي أَحْكَامِهَا مِنَ الْكُتُبِ مَعَ عَدَمِ تَحْصِيلِ مَلَكَةِ الْبَلَاغَةِ ـ إِلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ عَدُّوا الْآيَةَ مُشْكِلَةً ; لِأَنَّهَا لَمْ تَنْطَبِقْ عَلَى مَذَاهِبِهِمُ انْطِبَاقًا ظَاهِرًا سَالِمًا مِنَ الرَّكَاكَةِ وَضَعْفِ التَّأْلِيفِ، وَالتَّكْرَارِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْهَا أَعْلَى الْكَلَامِ وَأَبْلَغُهُ، وَإِذَا كَانَ رحمه الله قَدْ رَاجَعَ خَمْسَةً

وَعِشْرِينَ تَفْسِيرًا رَجَاءَ أَنْ يَجِدَ فِيهَا قَوْلًا لَا تَكَلُّفَ فِيهِ، فَأَنَا لَمْ أُرَاجِعْ عِنْدَ كِتَابَةِ تَفْسِيرِهَا إِلَّا رُوحَ الْمَعَانِي وَهُوَ آخِرُ التَّفَاسِيرِ الْمُتَدَاوَلَةِ تَأْلِيفًا، وَصَاحِبُهُ وَاسِعُ الِاطِّلَاعِ فَإِذَا بِهِ يَقُولُ:" الْآيَةُ مِنْ مُعْضِلَاتِ الْقُرْآنِ "، وَوَاللهِ إِنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مُعْضِلَةً وَلَا مُشْكِلَةً، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مُعْضِلَاتٌ إِلَّا عِنْدَ الْمَفْتُونِينَ بِالرِّوَايَاتِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، وَعِنْدَ مَنِ اتَّخَذُوا الْمَذَاهِبَ الْمُحْدَثَةَ بَعْدَ الْقُرْآنِ أُصُولًا لِلدِّينِ يَعْرِضُونَ الْقُرْآنَ عَلَيْهَا عَرْضًا، فَإِذَا وَافَقَهَا بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ أَوْ بِتَكَلُّفٍ قَلِيلٍ فَرِحُوا وَإِلَّا عَدُّوهَا مِنَ الْمُشْكِلَاتِ وَالْمُعْضِلَاتِ ; عَلَى أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْقَطْعِيَّةَ الْمَعْرُوفَةَ عَمَّنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ رضي الله عنهم أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْأَصْلُ الْأَوَّلُ لِهَذَا الدِّينِ، وَأَنَّ حُكْمَ اللهِ يُلْتَمَسُ فِيهِ أَوَّلًا فَإِنْ وُجِدَ فِيهِ يُؤْخَذُ، وَعَلَيْهِ يُعَوَّلُ وَلَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى مَأْخَذٍ آخَرَ،

ص: 97

وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْتُمِسَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عَلَى هَذَا أَقَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُعَاذًا حِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ ; وَبِهَذَا كَانَ يَتَوَاصَى الْخُلَفَاءُ وَالْأَئِمَّةُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَدْ رَأَى الْقَارِئُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ وَاضِحٌ فِي نَفْسِهِ لَا تَكَلُّفَ فِيهِ وَلَا إِشْكَالَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

سَيَقُولُ أَدْعِيَاءُ الْعِلْمِ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ: نَعَمْ إِنَّ الْآيَةَ وَاضِحَةُ الْمَعْنَى كَامِلَةُ الْبَلَاغَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْتُمْ، وَلَكِنَّهَا تَقْتَضِي عَلَيْهِ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي السَّفَرِ جَائِزٌ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْمَذَاهِبِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَنَا، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَخْفَى مَعْنَاهَا هَذَا عَلَى أُولَئِكَ الْفُقَهَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَيُعْقَلُ أَنْ يُخَالِفُوهَا مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لِظَاهِرِهَا أَرْجَعُوهَا إِلَيْهِ، وَلَنَا أَنْ نَقُولَ لِمِثْلِ هَؤُلَاءِ ـ وَإِنْ كَانَ الْمُقَلِّدُ لَا يُحَاجُّ؛ لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ ـ وَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغُ الْكَلَامِ وَأَسْلَمُهُ مِنَ التَّكَلُّفِ وَالضَّعْفِ مُعْضِلًا مُشْكِلًا؟ وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ: آلطَّعْنُ بِبَلَاغَةِ الْقُرْآنِ وَبَيَانِهِ لِحَمْلِهِ عَلَى كَلَامِ الْفُقَهَاءِ، أَمْ تَجْوِيزُ الْخَطَأِ عَلَى الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ الْمُلْتَئِمُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ الَّتِي مِنْهَا قَصْرُ الصَّلَاةِ وَجَمْعُهَا وَإِبَاحَةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، فَهَلْ يُسْتَنْكَرُ مَعَ هَذَا أَنْ يُرَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، وَهُمَا دُونَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِي نَظَرِ الدِّينِ؟ أَلَيْسَ مِنَ الْمُجَرَّبِ أَنَّ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ يَشُقَّانِ عَلَى الْمُسَافِرِ الْوَاجِدِ لِلْمَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي سَهُلَتْ فِيهِ أَسْبَابُ السَّفَرِ فِي قِطَارَاتِ السِّكَكِ الْحَدِيدِيَّةِ وَالْبَوَاخِرِ؟ أَفَلَا يَتَصَوَّرُ الْمُنْصِفُ أَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِمَا أَشَدُّ عَلَى الْمُسَافِرِينَ عَلَى ظُهُورِ الْإِبِلِ فِي مَفَاوِزِ الْحِجَازِ

وَجِبَالِهَا؟ هَلْ يَقُولُ مُنْصِفٌ: إِنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ، أَوِ الْعَصْرِ أَرْبَعًا فِي السَّفَرِ أَسْهَلُ مِنَ الْغُسْلِ أَوِ الْوُضُوءِ فِيهِ؟ السَّفَرُ مَظَنَّةُ الْمَشَقَّةِ يَشُقُّ فِيهِ غَالِبًا كُلُّ مَا يُؤْتَى فِي الْحَضَرِ بِسُهُولَةٍ، وَأَشَقُّ مَا يَشُقُّ فِيهِ الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ حَاضِرًا مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا هَذِهِ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ، فَإِنَّ الْمَاءَ فِيهَا كَثِيرٌ دَائِمًا وَفِي كُلِّ بَاخِرَةٍ مِنْهَا حَمَّامَاتٌ، أَيْ: بُيُوتٌ مَخْصُوصَةٌ لِلِاغْتِسَالِ بِالْمَاءِ السَّخِنِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ، وَلَكِنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْأَغْنِيَاءِ الَّذِينَ يُسَافِرُونَ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ، وَهَؤُلَاءِ الْأَغْنِيَاءُ مِنْهُمْ مَنْ يُصِيبُهُ دُوَارٌ شَدِيدٌ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَعَهُ الِاغْتِسَالُ أَوْ خَفِيفٌ يَشُقُّ مَعَهُ الِاغْتِسَالُ وَلَا يَتَعَذَّرُ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ السُّفُنُ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِحْمَامِ مَا لَمْ يَكُنْ يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي بَيْتِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ زَمَنَ التَّنْزِيلِ يَشُقُّ فِيهَا الِاغْتِسَالُ أَوْ يَتَعَذَّرُ، فَمَا قَوْلُكَ فِي الِاغْتِسَالِ فِي قِطَارَاتِ سِكَكِ الْحَدِيدِ أَوْ قَوَافِلِ الْجِمَالِ أَوِ الْبِغَالِ؟

أَلَا إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ غَفْلَةَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذِهِ الرُّخْصَةِ الصَّرِيحَةِ فِي عِبَارَةِ الْقُرْآنِ، الَّتِي هِيَ أَظْهَرُ وَأَوْلَى مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الصِّيَامِ، وَأَظْهَرُ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ الْأَحْكَامِ، وَاحْتِمَالُ رَبْطِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ بِعِيدٌ، بَلْ مَمْنُوعٌ أَلْبَتَّةَ ـ كَمَا تَقَدَّمَ ـ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ فِي الْمَرْضَى؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ فَقْدِ الْمَاءِ فِي حَقِّهِمْ لَا فَائِدَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصِحَّاءَ مِثْلُهُمْ فِيهِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُمْ

ص: 98

لَغْوًا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ الْقُرْآنُ، وَنَقُولُ: إِنَّ ذِكْرَ الْمُسَافِرِينَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُقِيمَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ يَتَيَمَّمُ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْلَا أَنَّ السَّفَرَ سَبَبٌ لِلرُّخْصَةِ كَالْمَرَضِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ ; وَلِذَلِكَ عَلَّلُوهُ بِمَا هُوَ ضَعِيفٌ مُتَكَلَّفٌ، وَمَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مِنْ فَقْدِ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ، أَوِ الْمُكْثِ مُدَّةً عَلَى غَيْرِ مَاءٍ لَا يُنَافِي ذَلِكَ، رَوَوْا " أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَعْضِ أَسْفَارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدِ انْقَطَعَ فِيهَا عِقْدٌ لِعَائِشَةَ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْتِمَاسِهِ وَالنَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَغْلَظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَائِشَةَ، وَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، فَلَمَّا صَلَّوْا بِالتَّيَمُّمِ جَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إِلَى مَضْرِبِ عَائِشَةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: مَا أَكْثَرَ بَرَكَتَكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ " رَوَاهُ السِّتَّةُ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَرْحَمُكِ اللهُ تَعَالَى يَا عَائِشَةُ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَرَجًا فَهَذِهِ

الرِّوَايَةُ، وَهِيَ مِنْ وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ لَا حُكْمَ لَهَا فِي تَغْيِيرِ مَدْلُولِ الْآيَةِ، وَلَا تُنَافِي جَعْلَ الرُّخْصَةِ أَوْسَعَ مِنَ الْحَالِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا شَمِلَتِ الْمَرْضَى، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا مَرْضَى شَقَّ عَلَيْهِمُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ الْجَيْشِ كَانَ فَاقِدًا لِلْمَاءِ، وَلَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ التَّيَمُّمَ فِيهَا خَاصًّا بِفَاقِدِي الْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَمِثْلُهَا سَائِرُ الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةِ بِالتَّيَمُّمِ فِي السَّفَرِ لِفَقْدِ الْمَاءِ الَّتِي هِيَ عُمْدَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ بِالْمَعْنَى، وَهِيَ وَقَائِعُ أَحْوَالٍ مُجْمَلَةٍ لَا تَنْهَضُ دَلِيلًا، وَمَفْهُومُهَا مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلَا سِيَّمَا فِي مُعَارَضَةِ مَنْطُوقِ الْآيَةِ، وَإِنَّنَا نَرَى رُخْصَةَ قَصْرِ الصَّلَاةِ قَدْ قُيِّدَتْ بِالْخَوْفِ مِنْ فِتْنَةِ الْكَافِرِينَ كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَنَرَى هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءَ كُلَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا فِيهَا بِمَفْهُومِ هَذَا الشَّرْطِ الْمَنْصُوصِ الَّذِي كَانَ سَبَبَ الرُّخْصَةِ، أَفَلَا يَكُونُ مَا هُنَا أَوْلَى بِأَلَّا يُشْتَرَطَ فِيهِ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ؟ وَرُوِيَ فِي سَبَبِ النُّزُولِ أَيْضًا أَنَّ الصَّحَابَةَ نَالَتْهُمْ جِرَاحَةٌ وَابْتُلُوا بِالْجَنَابَةِ فَشَكَوْا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنِ اغْتَسَلَ فِي السَّفَرِ بِمَشَقَّةٍ وَسَيَأْتِي.

وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ لِلْمُسَافِرِ بِلَا شَرْطٍ، وَلَا قَيْدٍ بَطَلَتْ كُلُّ تِلْكَ التَّشْدِيدَاتِ الَّتِي تَوَسَّعُوا فِي بِنَائِهَا عَلَى اشْتِرَاطِ فَقْدِ الْمَاءِ، وَمِنْهَا مَا قَالُوهُ مِنْ وُجُوبِ طَلَبِهِ فِي السَّفَرِ، وَمَا وَضَعُوهُ لِذَلِكَ مِنَ الْحُدُودِ كَحَدِّ الْقُرْبِ وَحَدِّ الْغَوْثِ، وَأَذْكُرُ أَنَّنِي عِنْدَمَا كُنْتُ أَدْرُسُ شَرْحَ الْمِنْهَاجِ فِي فِقْهِ الشَّافِعِيَّةِ قَرَأْتُ بَابَ التَّيَمُّمِ فِي شَهْرَيْنِ كَامِلَيْنِ لَمْ أَتْرُكِ الدَّرْسَ فِيهِمَا لَيْلَةً وَاحِدَةً، فَهَلْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَوْ أَحَدَ الصَّحَابَةِ تَكَلَّمَ فِي التَّيَمُّمِ يَوْمَيْنِ أَوْ سَاعَتَيْنِ؟ وَهَلْ كَانَ هَذَا التَّوَسُّعُ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَالشُّرُوطِ وَالْحُدُودِ سَعَةً وَرَحْمَةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَمْ عُسْرًا وَحَرَجًا عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَا رَفَعَهُ اللهُ عَنْهُمْ؟ .

إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا الْعَفُوُّ ذُو الْعَفْوِ الْعَظِيمِ، وَيُطْلَقُ الْعَفْوُ بِمَعْنَى الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ

ص: 99

وَمِنْهُ فِي التَّنْزِيلِ: خُذِ الْعَفْوَ (7: 199)، وَفِي الْحَدِيثِ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْ صُدْفَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، أَيْ: أَسْقَطْتُهَا تَيْسِيرًا عَلَيْكُمْ، وَمِنْ عَفْوِهِ تَعَالَى أَنْ أَسْقَطَ فِي حَالِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وُجُوبَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَمِنْ مَعَانِي الْعَفْوِ مَحْوُ الشَّيْءِ يُقَالُ: عَفَتِ الرِّيحُ الْأَثَرَ، وَيُقَالُ: عَفَا الْأَثَرُ (لَازِمٌ) أَيْ: أُمْحِيَ، وَمِنْهُ الْعَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ عَفَا عَنْهُ، وَعَفَا لَهُ ذَنْبَهُ، وَعَفَا

عَنْ ذَنْبِهِ، أَيْ: مَحَاهُ، فَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ عِقَابًا، فَالْعَفْوُ أَبْلَغُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ ; لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ مِنَ الْغَفْرِ، وَهُوَ السَّتْرُ، وَسَتْرُ الذَّنْبِ بِعَدَمِ الْحِسَابِ وَالْعِقَابِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي بَقَاءَ أَثَرٍ خَفَيٍّ لَهُ، وَمَعْنَى الْعَفْوِ ذَهَابُ الْأَثَرِ، فَالْعَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ جَعْلُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِأَلَّا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي النَّفْسِ لَا ظَاهِرٌ وَلَا خَفِيٌّ، فَهَذَا التَّذْيِيلُ لِلْآيَةِ مُبَيِّنٌ مَنْشَأَ الرُّخْصَةِ وَالْيُسْرِ الَّذِي فِيهَا، وَهُوَ عَفْوُ اللهِ تَعَالَى، وَمُشْعِرٌ بِأَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْخَطَأِ فِي صَلَاةِ السُّكَارَى كَقَوْلِهِمْ:(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) مَغْفُورٌ لَهُمْ لَا يُؤَاخَذُونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّنَا نَخْتِمُ تَفْسِيرَ الْآيَةِ بِمَسَائِلَ فِي أَحْكَامِ التَّيَمُّمِ لَا بُدَّ مِنْهَا.

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مَعْنَى التَّيَمُّمِ اللُّغَوِيُّ وَالشَّرْعِيُّ:

قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الْقَصْدِ وَهُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، قَالَ الْأَعْشَى:

تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وَكَمْ دُونَهُ

مِنَ الْأَرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ

ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فِي الْعَمَلِ الْمَخْصُوصِ، وَهُوَ ضَرْبُ الْيَدَيْنِ بِوَجْهِ الْأَرْضِ، وَمَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِهِمَا، وَصَارُوا يَقُولُونَ: تَيَمَّمَ بِالتُّرَابِ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، فَقَالَ:

تَيَمَّمْتُكُمْ لَمَّا فَقَدْتُ أُولِي النُّهَى

وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَ بِالتُّرْبِ

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ـ مَحَلُّ التَّيَمُّمِ:

نَصُّ الْآيَةِ أَنَّ مَحَلَّهُ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ، وَلَكِنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى مَا تُزَاوَلُ بِهِ الْأَعْمَالُ مِنَ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ وَحَدُّهَا الرُّسْغُ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: الْمَفْصِلُ الَّذِي يَرْبُطُ الْكَفَّ بِالسَّاعِدِ وَهِيَ الَّتِي تُقْطَعُ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الذِّرَاعِ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْمِرْفَقِ، وَتُطْلَقُ عَلَى مَجْمُوعِ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ إِلَى الْإِبِطِ وَالْكَتِفِ ; وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَسْحِ الْيَدَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِيهِ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَإِنَّنَا نُلَخِّصُ ذَلِكَ مَعَ بَيَانِ الرَّاجِحِ فَنَقُولُ: جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ لَهُ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا "، وَضَرَبَ صلى الله عليه وسلم بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ـ وَسَيَأْتِي نَصُّهُ وَسَبَبُهُ وَمَا قِيلَ فِيهِ ـ وَفِي لَفْظٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ: إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِكَفَّيْكَ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ إِلَى الرُّسْغَيْنِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ،

وَمَكْحُولٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.

أَقُولُ:

ص: 100

وَعَلَيْهِ الشِّيعَةُ الْإِمَامِيَّةُ أَيْضًا، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ احْتَجَّ لَهُ بِإِطْلَاقِ الْأَيْدِي فِي آيَةِ السَّرِقَةِ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْكَفَّانِ، وَرَدَّ الْحَافِظُ مَا أَوَّلَهُ بِهِ النَّوَوِيُّ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَهَذَا هُوَ عُمْدَةُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ الْقَطَّانِ، وَهُشَيْمٌ وَغَيْرُهُمَا، وَلَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ: إِنَّ الْمَسْحَ إِلَى الْإِبِطَيْنِ، وَبِهَا أَخَذَ الزُّهْرِيُّ، وَسَتَعْلَمُ مَا فِيهَا، وَلَفْظُ حَدِيثِ عَمَّارٍ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى " أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ رضي الله عنه فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ وَلَمْ أَجِدْ مَاءً، فَقَالَ لَهُ: لَا تُصَلِّ، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَصَابَتْنَا جَنَابَةٌ فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:" إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدِكَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ "، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ يَا عَمَّارُ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ، فَقَالَ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ ": أَيْ: بَلْ نَكِلُكَ إِلَى مَا قُلْتَ وَنَرُدُّ إِلَيْكَ مَا وَلَّيْتَهُ نَفْسَكَ، وَذَلِكَ إِذْنٌ لَهُ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَالْإِفْتَاءِ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ الَّذِي لَا حُجَّةَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَهُ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ:

" قَوْلُهُ: بَابُ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، أَيْ: هُوَ الْوَاجِبُ الْمُجْزِئُ، وَأَتَى بِذَلِكَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ مَعَ شُهْرَةِ الْخِلَافِ فِيهِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي جَهْمٍ وَعَمَّارٍ، وَمَا عَدَاهُمَا فَضَعِيفٌ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ رَفْعِهِ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جَهْمٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ مُجْمَلًا، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْكَفَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَبِذِكْرِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي السُّنَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى الْآبَاطِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ الْمِرْفَقَيْنِ وَكَذَا نِصْفُ الذِّرَاعِ فَفِيهَا مَقَالٌ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْآبَاطِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ وَقَعَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكُلُّ تَيَمُّمٍ صَحَّ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ نَاسِخٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَالْحُجَّةُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ، وَمِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ

كَوْنُ عَمَّارٍ كَانَ يُفْتِي بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، وَرَاوِي الْحَدِيثِ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا الصَّحَابِيُّ الْمُجْتَهِدُ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ وَهُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا تَرْتِيبَ فِيهِ:

فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، وَفِي رِوَايَةِ شَقِيقٍ لِحَدِيثِ عَمَّارٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِضَرْبَةٍ

ص: 101

وَاحِدَةٍ فَهِيَ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ، وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْمَذَاهِبِ عَلَى الضَّرْبَتَيْنِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ:

قَوْلُهُ: " ظَهْرُ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرُ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ "، كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ تَحْرِيرُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ أَيْضًا وَلَفْظُهُ:" ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ " وَفِيهِ الِاكْتِفَاءُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي التَّيَمُّمِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَارَهُ، وَفِيهِ أَنَّ التَّرْتِيبَ غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِي التَّيَمُّمِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: اخْتُلِفَ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ فَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ " ثُمَّ " وَفِي سِيَاقِهِ اخْتِصَارٌ، وَلِمُسْلِمٍ بِالْوَاوِ وَلَفْظُهُ:" ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ " وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ: وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ هَارُونَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: " إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ تَنْفُضَهُمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِيَمِينِكَ عَلَى شِمَالِكَ، وَشِمَالِكَ عَلَى يَمِينِكَ، ثُمَّ تَمْسَحَ عَلَى وَجْهِكَ "، اهـ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مَا هُوَ الصَّعِيدُ؟ :

قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالصَّعِيدُ التُّرَابُ أَوْ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَقَالَ الثَّعَالِبِيُّ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ: الصَّعِيدُ تُرَابُ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ: الصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ تُرَابًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، قَالَ الزَّجَّاجُ: لَا أَعْلَمُ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ أَيْضًا: وَيُقَالُ: الصَّعِيدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى وُجُوهٍ عَلَى التُّرَابِ الَّذِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَعَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَعَلَى الطَّرِيقِ، أَقُولُ: وَلِأَجْلِ هَذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَ يَدَيْهِ عَلَى أَيِّ مَكَانٍ طَاهِرٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَيَمْسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الرِّوَايَاتِ بِتَيَمُّمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَدِينَةِ مِنْ جِدَارٍ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْجَهْمِ، وَبِالْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ تَرَاهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِالتُّرَابِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ: وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ: التُّرَابُ وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ " وَجُعِلَ

التُّرَابُ لَنَا طَهُورًا " وَجَعَلُوا لِلتُّرَابِ مَعْنًى مَقْصُودًا كَمَا سَتَعْلَمُ فِي مَسْأَلَةِ حِكْمَةِ التَّيَمُّمِ.

وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ لَفْظَ التُّرْبَةِ وَالتُّرَابِ لَا يُؤْخَذُ بِمَفْهُومِهِ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ، فَهُوَ لَا يُخَصِّصُ الْمَنْطُوقَ وَإِنَّمَا قَالَ بِهِ اثْنَانِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَوَاحِدٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ ; عَلَى أَنَّ التُّرَابَ هُوَ الْأَعَمُّ الْأَكْثَرُ مِنْ صَعِيدِ الْأَرْضِ فَخُصَّ بِالذِّكْرِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَجَاءَتْ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ الْأَرْضِ، كَحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَرْفُوعِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالنَّسَائِيِّ: وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَيِّبَةً وَطَهُورًا

ص: 102

وَمَسْجِدًا وَاسْتَدَلُّوا بِلَفْظِ مِنْهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِذْ قَالَ: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (5: 6) ، إِنَّ هَذَا لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِيمَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَارَضَهُمُ الْآخَرُونَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ تَيَمُّمِ النَّبِيِّ مِنَ الْجِدَارِ فِي الْمَدِينَةِ، وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ عَلَيْهِ غُبَارٌ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ:" أَنَّهُ حَكَّهُ بِالْعَصَا، ثُمَّ مَسَحَ مِنْهُ " وَفِيهَا مَقَالٌ عَلَى أَنَّ مَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ لَيْسَ خَاصًّا بِالتُّرَابِ، فَأَكْثَرُ مَوَادِّ الْأَرْضِ يَنْفَصِلُ مِنْهَا شَيْءٌ إِذَا دِيسَتْ، أَوْ سُحِقَتْ، وَمِنَ التُّرَابِ اللَّزِجِ الَّذِي يَيْبَسُ فَلَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِضَرْبِ الْيَدَيْنِ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُدَاسَ كَثِيرًا أَوْ يُدَقَّ، وَيَرَى هَؤُلَاءِ أَنَّ " مِنْ " فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ لِلِابْتِدَاءِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ، وَأَقْرَبُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ لِبَيَانِ مَا هُوَ الْأَكْثَرُ وَالْأَغْلَبُ، وَلَوْ كَانَ الْغُبَارُ قَيْدًا لَا بُدَّ مِنْهُ لَذُكِرَ فِي آيَةِ النِّسَاءِ ; لِأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ فِي النُّزُولِ عَلَى سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَعَمِلَ النَّاسُ بِإِطْلَاقِهَا زَمَنًا طَوِيلًا، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى آيَةَ التَّيَمُّمِ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ فِيهِ عُسْرٌ يُنَافِي الرُّخْصَةَ وَنَفْيَ الْحَرَجِ الَّذِي عُلِّلَتْ بِهِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، فَإِنَّ الْمُسَافِرَ يَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يَجِدَ التُّرَابَ الطَّاهِرَ الَّذِي يَنْفَصِلُ مِنْهُ الْغُبَارُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ; وَلِهَذَا رَأَيْتُ بَعْضَ الْمُسْتَمْسِكِينَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ يَحْمِلُونَ فِي أَسْفَارِهِمْ أَكْيَاسًا فِيهَا تُرَابٌ نَاعِمٌ يَتَيَمَّمُونَ مِنْهُ، وَالْعَمَلُ بِإِطْلَاقِ الْآيَةِ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ وَأَيْسَرُ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مَثَلًا، وَمَا كَانَ يُوجَدُ التُّرَابُ إِلَّا فِي بَعْضِ طَرِيقِهَا، وَلَوْ كَانَ الْغُبَارُ مَقْصُودًا لَمَا نَفَضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَفَّيْهِ بَعْدَ أَنْ ضَرَبَ بِهِمَا الْأَرْضَ كَمَا فِي رِوَايَةِ شَقِيقٍ لِحَدِيثِ عَمَّارٍ، وَلَمَا أَمَرَ بِنَفْخِهِمَا فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى لَهُ، وَهَلْ يَبْقَى بَعْدَ النَّفْضِ وَالنَّفْخِ مَا يَكْفِي لِإِصَابَةِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ مِنَ الضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ؟ فَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ التُّرَابِ أَوِ الْغُبَارِ غَيْرُ قَوِيٍّ، فَيَضْرِبُ الْمُتَيَمِّمُ بِيَدَيْهِ أَيَّ مَكَانٍ

طَاهِرٍ مِنْ ظَاهِرِ الْأَرْضِ حَيْثُ كَانَ وَيَمْسَحُ، فَإِنْ وَجَدَ مَكَانًا فِيهِ غُبَارٌ وَاخْتَارَهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ فَذَاكَ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُضَ يَدَيْهِ أَوْ يَنْفُخَهُمَا مِنَ الْغُبَارِ، وَلَا يُعَفِّرَ وَجْهَهُ بِهِ، وَإِنْ عَدَّ بَعْضُهُمُ التَّعْفِيرَ مِنْ حِكْمَةِ التَّيَمُّمِ، فَالسُّنَّةُ تُخَالِفُهُ.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ ـ التَّيَمُّمُ عَنِ الْحَدَثَيْنِ لِفَاقِدِ الْمَاءِ، الْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ فِيهِ سَوَاءٌ:

تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَمَّارٍ فِي السَّفَرِ، وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الرَّجُلِ الَّذِي اعْتَزَلَ الصَّلَاةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ لِلْجَنَابَةِ وَفَقْدِ الْمَاءِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ مَرْفُوعًا، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَمَسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَفِيهَا رِوَايَةُ شَقِيقٍ لِحَدِيثِ عَمَّارٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ، وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ وَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ

ص: 103

شَهْرًا كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ: لَا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (5: 6)، قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رَخَّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَأَوْشَكَ إِذَا بَرُدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ، قَالَ: إِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ بِالصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا، وَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ وَشِمَالَهُ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ أَقُولُ: بَلْ قَنِعَ عُمَرُ بُقُولِ عَمَّارٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّوَسُّعَ فِي هَذِهِ الرُّخْصَةِ، وَكَانَ عُمَرُ وَعَبْدُ اللهِ يَرَيَانِ أَنَّ التَّيَمُّمَ إِنَّمَا يَكُونُ عَنِ الْوُضُوءِ دُونَ الْجَنَابَةِ، وَيَرَيَانِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُلَامَسَةِ مَسُّ الْبَشَرَةِ، وَأَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَجَعَا عَنْ قَوْلِهِمَا هَذَا، وَلَمْ يُحْكَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمَا إِلَّا عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِنَ التَّابِعِينَ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ لِلْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ، وَأَنَّ كَيْفِيَّتَهُ لَهُمَا وَاحِدَةٌ.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ فِي كَوْنِ الْمُتَيَمِّمِ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ:

وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ

الْآيَةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَسْقَطَ عَنْهُ شَرْطَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيِّ وَالْحَاكِمِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ قَالَ:" خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: " أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ "، وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: " لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ ".

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الرِّوَايَةُ فِي تَيَمُّمِ الْمُسَافِرِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ:

قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي لَا يَظْهَرُ بِدُونِهِ تَفْسِيرُهَا بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ يُخِلُّ بِبَلَاغَتِهَا، وَلَكِنَّنِي لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ رِوَايَةً عَمَلِيَّةً صَرِيحَةً إِلَّا حَدِيثَ الْأَسْلَعِ بْنِ شَرِيكٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، فَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ لِلْحَافِظِ السُّيُوطِيِّ مَا نَصُّهُ:

" وَأَخْرَجَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ فِي الْأَحْكَامِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ، وَالْبَغَوِيُّ، وَالْبَارُودِيُّ فِي الصَّحَابَةِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَالضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْمُخْتَارَةِ عَنِ الْأَسْلَعِ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: " كُنْتُ أُرَحِّلُ نَاقَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، وَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرِّحْلَةَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُرَحِّلَ نَاقَتَهُ وَأَنَا جُنُبٌ، وَخَشِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ

ص: 104

الْبَارِدِ فَأَمُوتَ، فَأَمَرْتُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فِي إِرْحَالِهَا، ثُمَّ رَضَفْتُ أَحْجَارًا فَأَسْخَنْتُ بِهَا مَاءً فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ سَمِعْتُ (لَعَلَّهُ أَدْرَكْتُ) رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ: يَا أَسْلَعُ، مَا لِي أَرَى رَحْلَتَكَ تَغَيَّرَتْ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أُرَحِّلْهَا، رَحَّلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: وَلِمَ؟ قُلْتُ: إِنِّي أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فَخَشِيتُ الْقُرَّ عَلَى نَفْسِي فَأَمَرْتُهُ أَنْ يُرَحِّلَهَا وَرَضَفْتُ أَحْجَارًا فَأَسْخَنْتُ بِهَا مَاءً فَاغْتَسَلْتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ، إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَسْلَعِ قَالَ: " كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأُرَحِّلُ لَهُ فَقَالَ لِي ذَاتَ لَيْلَةٍ: يَا أَسْلَعُ، قُمْ فَأَرْحِلْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فَسَكَتَ عَنِّي سَاعَةً حَتَّى جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِآيَةِ الصَّعِيدِ، فَقَالَ: قُمْ يَا أَسْلَعُ، فَتَيَمَّمْ ثُمَّ أَرَانِي الْأَسْلَعُ كَيْفَ

عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم التَّيَمُّمَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ فَدَلَّكَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ذِرَاعَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا " اهـ.

وَحَدِيثُ الْأَسْلَعِ فِي التَّيَمُّمِ بِالضَّرْبَتَيْنِ فِي سَنَدِهِ الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالرِّوَايَاتُ فِي التَّيَمُّمِ فِي السَّفَرِ قَلِيلَةٌ، وَفِي أَكْثَرِهَا ذِكْرُ فَقْدِ الْمَاءِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْآيَةَ مُشْكِلَةً أَوْ مُعْضِلَةً عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ ; عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ أَوْ كُلَّهَا عَلَى كَوْنِهَا وَقَائِعَ أَحْوَالٍ مَنْقُولَةٌ بِالْمَعْنَى، وَمَنْ نَظَرَ فِي آيَةٍ نَظَرًا مُسْتَقِلًّا فَهِمَهَا كَمَا فَهِمْنَاهَا، قَالَ السَّيِّدُ حَسَنٌ صِدِّيق خَانْ:

قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ، وَقَدْ كَثُرَ الِاخْتِبَاطُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْحَقُّ أَنْ قَيْدَ عَدَمِ الْوُجُودِ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ، فَتَكُونُ الْأَعْذَارُ ثَلَاثَةً: السَّفَرَ، وَالْمَرَضَ، وَعَدَمَ الْوُجُودِ فِي الْحَضَرِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْقَيْدَ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَّصِلَةٍ كَانَ قَيْدًا لِآخِرِهَا، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَكُونُ قَيْدًا لِلْجَمِيعِ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ فَكَذَلِكَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الْمَانِعُ هَاهُنَا مِنْ تَقْيِيدِ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ بِعَدَمِ الْوُجُودِ لِلْمَاءِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُذْرٌ مُسْتَقِلٌّ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ كَالصَّوْمِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَحَادِيثُ التَّيَمُّمِ الَّتِي وَرَدَتْ مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً بِالْحَضَرِ، انْتَهَى مِنْ شَرْحِهِ لِلرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ، وَقَدِ اتَّفَقَ لِي أَنْ رَأَيْتُهُ عِنْدَ أَحَدِ الْأَصْدِقَاءِ بَعْدَ كِتَابَةِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَإِرْسَالِهِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ إِلَى مِصْرَ لِيُطْبَعَ فِيهَا، فَأَلْحَقْتُهُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاحْتِيَاطَ: الْأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ وَعَدَمُ تَرْكِ الطِّهَارَةِ بِالْمَاءِ إِلَّا لِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَنَاهِيكَ بِمَا فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مِنَ النَّظَافَةِ وَحِفْظِ الصِّحَّةِ وَالنَّشَاطِ لِلْعِبَادَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ

ص: 105

آيَةِ الْوُضُوءِ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَإِنَّنِي لَمْ أَتَيَمَّمْ فِي سَفَرٍ مِنْ أَسْفَارِي قَطُّ عَلَى أَنَّنِي وَجَدْتُ فِي بَعْضِهَا مَشَقَّةً مَا فِي الْوُضُوءِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: التَّيَمُّمُ مِنَ الْجِرَاحِ وَالْبَرْدِ.

الْجِرَاحُ مِنَ الْمَرَضِ أَوْ فِي مَعْنَى الْمَرَضِ، فَهِيَ مَظِنَّةُ الضَّرَرِ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوِ الْمَشَقَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ الْآيَةِ

أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ فَشَتْ فِيهِمُ الْجِرَاحُ وَأَصَابَتْهُمُ الْجَنَابَةُ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فِيهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ قَالَ:" خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ، أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهِ وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الزُّبَيْرُ بْنُ خِرْيَقٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى فِيهَا مَقَالٌ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: " أَنَّهُ لَمَّا بُعِثَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (4: 29) ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، قَالَ الْعُلَمَاءُ، إِنَّ ضَحِكَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَبْلَغُ فِي إِقْرَارِ ذَلِكَ مِنْ مُجَرَّدِ السُّكُوتِ عَلَى أَنَّ سُكُوتَهُ حُجَّةٌ، فَإِنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ، وَاشْتَرَطَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ لِلْبَرْدِ الْعَجْزَ عَنْ تَسْخِينِ الْمَاءِ، وَلَوْ بِالْأُجْرَةِ وَعَنْ شِرَاءِ الْمَاءِ السَّاخِنِ بِالثَّمَنِ الْمُعْتَدِلِ.

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: التَّيَمُّمُ كَالْوُضُوءِ فِي الْوَقْتِ وَقَبْلَهُ وَفِي اسْتِبَاحَةِ عِدَّةِ صَلَوَاتٍ بِهِ: لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الْوُضُوءِ فَكَانَ لَهُ حُكْمُهُ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ دُخُولُ الْوَقْتِ، وَأَئِمَّةُ الْفِقْهِ الثَّلَاثَةُ وَالْعِتْرَةُ يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا بِآيَةِ الْوُضُوءِ وَلَا دَلِيلَ فِيهَا، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا:" جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ "، وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا " جُعِلَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا لِي وَلِأُمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ عِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورُهُ " رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَلَا دَلِيلَ فِيهِمَا، وَكَذَلِكَ

لَا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى النَّصِّ وَلَا نَصَّ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَعِيفَةٌ هُوَ مِنَ الْفَلْسَفَةِ الْمَنْقُوضَةِ.

ص: 106

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ:

جَرَى جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ مَحْضٌ لَا حِكْمَةَ لَهُ إِلَّا الْإِذْعَانُ وَالْخُضُوعُ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى ; وَذَلِكَ أَنَّ لِأَكْثَرِ الْعِبَادَاتِ مَنَافِعَ ظَاهِرِيَّةً لِفَاعِلِيهَا، وَمِنْهَا: الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ، فَإِذَا هِيَ فُعِلَتْ لِأَجْلِ فَائِدَتِهَا الْبَدَنِيَّةِ أَوِ النَّفْسِيَّةِ وَلَمْ يُقْصَدْ بِهَا مَعَ ذَلِكَ الْإِذْعَانُ وَطَاعَةُ الشَّارِعِ الْحَكِيمِ لَمْ تَكُنْ عِبَادَةً ; وَلِذَلِكَ كَانَ التَّحْقِيقُ أَنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ فِي الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا وَلَا سِيَّمَا الطَّهَارَةُ، وَمَعْنَى النِّيَّةِ قَصْدُ الِامْتِثَالِ وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ فِي الْعَمَلِ لَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْفَلْسَفَةِ، فَالْحِكْمَةُ الْعُلْيَا لِلتَّيَمُّمِ هِيَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُكَلَّفُ عِنْدَ الصَّلَاةِ بِتَمْثِيلِ بَعْضِ عَمَلِ الْوُضُوءِ لِيُشِيرَ بِهِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا فَاتَهُ مَا فِي الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْلِ مِنَ النَّظَافَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَفُوتُهُ مَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الطَّاعَةِ، فَالتَّيَمُّمُ رَمْزٌ لِمَا فِي الطِّهَارَةِ الْمَتْرُوكَةِ لِلضَّرُورَةِ مِنْ مَعْنَى الطَّاعَةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ فِي طَهَارَةِ النَّفْسِ الْمَقْصُودَةِ مِنَ الدِّينِ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ، وَالَّتِي شَرَعَتْ طَهَارَةَ الْبَدَنِ؛ لِتَكُونَ عَوْنًا عَلَيْهَا وَوَسِيلَةً لَهَا ; فَإِنَّ مَنْ يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يَعِيشَ فِي الْأَوْسَاخِ وَالْأَقْذَارِ لَا يَكُونُ عَزِيزَ النَّفْسِ آبِيَ الضَّيْمِ كَمَا يَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الْوُضُوءِ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ: مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (5: 6) .

وَيْلِي هَذِهِ الْحِكْمَةَ حِكْمَةٌ أُخْرَى عَالِيَةٌ، وَهِيَ مَا فِي تَمْثِيلِ عَمَلِ الطَّهَارَةِ بِالْإِشَارَةِ مِنْ مَعْنَى الثَّبَاتِ وَالْمُوَاظَبَةِ وَالْمُحَافَظَةِ، فَمَنِ اعْتَادَ ذَلِكَ يَسْهُلُ عَلَيْهِ إِتْقَانُ الْعَمَلِ وَإِتْمَامُهُ، وَمَنِ اعْتَادَ تَرْكَ الْعَمَلِ الْمَطْلُوبِ الْمُؤَقَّتِ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهِ لِعُذْرٍ يُوشِكُ أَنْ يُتَهَاوَنَ بِهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، بَلْ لِمَحْضِ الْكَسَلِ ; فَمَلَكَةُ الْمُوَاظِبَةِ وَالْمُحَافِظَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ التَّرْبِيَةِ وَالنِّظَامِ، وَتَرَى مِثْلَ ذَلِكَ وَاضِحًا جَلِيًّا فِي نِظَامِ الْجُنْدِيَّةِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الْجُنُودَ فِي مَأْمَنِهِمْ دَاخِلَ الْمَعَاقِلِ وَالْحُصُونِ يُقِيمُونَ الْخُفَرَاءَ عَلَيْهِمْ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي أَوْقَاتِ السِّلْمِ وَالْأَمَانِ؛ لِكَيْلَا يُقَصِّرُوا فِي ذَلِكَ أَيَّامَ الْحَرْبِ، وَلَهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ أَعْمَالٌ كَثِيرَةٌ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ، كَذَلِكَ نَرَى الْعُمَّالَ فِي الْمَعَامِلِ وَالْبَوَاخِرِ يَتَعَاهَدُونَ الْآلَاتِ بِالْمَسْحِ وَالتَّنْظِيفِ فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، كَمَا يَتَعَاهَدُ الْخَدَمُ فِي الْقُصُورِ وَالدُّورِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ لِلْأُمَرَاءِ

وَالْحُكَّامِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ يَلْتَزِمُونَ النِّظَامَ فِي مَعِيشَتِهِمُ الْأَمَاكِنَ بِالْكَنْسِ وَالْفَرْشِ وَالْأَثَاثَ بِالتَّنْفِيضِ وَالْمَسْحِ فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ وَسَخٌ وَلَا غُبَارٌ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ هَذِهِ الْمَعَاهِدُ كُلُّهَا وَمَا فِيهَا نَظِيفًا دَائِمًا، وَمَا مِنْ مَكَانٍ تُتْرَكُ فِيهِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْعَمَلِيَّةُ، وَتُتَّبَعُ قَاعِدَةُ تَنْظِيفِ الشَّيْءِ عِنْدَ طُرُوءِ الْوَسَخِ أَوِ الْغُبَارِ عَلَيْهِ فَقَطْ، إِلَّا وَتَرَى الْوَسَخَ يُلِمُّ بِهِ فِي أَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَذَا ظَهَرَ لَكَ أَنَّ إِبَاحَةَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ مَثَلًا بِدُونِ الْإِتْيَانِ بِعَمَلٍ يُمَثِّلُ طَهَارَتَهَا، وَيُذَكِّرُ بِهَا تُضْعِفُ مَلَكَةَ الْمُوَاظِبَةِ حَتَّى يَصِيرَ الْعَوْدُ إِلَيْهَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ مُسْتَثْقَلًا، وَأَنَّ فِي التَّيَمُّمِ تَقْوِيَةً لِتِلْكَ الْمَلَكَةِ وَتَذْكِيرًا بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ عِنْدَ إِمْكَانِهِ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَلَمْ أَسْمَعْهُ قَبْلُ مِنْ أُسْتَاذٍ وَلَا رَأَيْتُهُ فِي كِتَابٍ، وَلَعَلَّكَ

ص: 107

تَرَاهُ مَعْقُولًا مَقْبُولًا لَا تَكَلُّفَ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّنِي أَنْقُلُ لَكَ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ:

(فَصْلٌ) : وَمِمَّا يُظَنُّ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بَابُ التَّيَمُّمِ، قَالُوا: إِنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ مِنْ وَجْهَيْنِ، (أَحَدُهُمَا) : أَنَّ التُّرَابَ مُلَوَّثٌ لَا يُزِيلُ دَرَنًا وَلَا وَسَخًا وَلَا يُطَهِّرُ الْبَدَنَ، كَمَا لَا يُطَهِّرُ الثَّوْبَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ شُرِعَ فِي عُضْوَيْنِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ دُونَ بَقِيَّتِهَا، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ، وَلَعَمْرُ اللهِ إِنَّهُ خُرُوجٌ عَنِ الْقِيَاسِ الْبَاطِلِ الْمُضَادِّ لِلدِّينِ، وَهُوَ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ، فَإِنَّ اللهَ سبحانه وتعالى جَعَلَ مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ وَخَلَقَنَا مِنَ التُّرَابِ، فَلَنَا مَادَّتَانِ الْمَاءُ وَالتُّرَابُ، فَجَعَلَ مِنْهُمَا نَشْأَتَنَا وَأَقْوَاتَنَا وَبِهِمَا تَطَهَّرْنَا وَتَعَبَّدْنَا، فَالتُّرَابُ أَصْلُ مَا خُلِقَ مِنْهُ النَّاسُ، وَالْمَاءُ حَيَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُمَا الْأَصْلُ فِي الطَّبَائِعِ الَّتِي رُكِّبَ عَلَيْهَا هَذَا الْعَالَمُ وَجُعِلَ قِوَامُهُ بِهِمَا، وَكَانَ أَصْلَ مَا يَقَعُ بِهِ تَطْهِيرُ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَالْأَقْذَارِ هُوَ الْمَاءُ فِي الْأَمْرِ الْمُعْتَادِ، فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَّا فِي حَالِ الْعَدَمِ أَوِ الْعُذْرِ بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَكَانَ النَّقْلُ عَنْهُ إِلَى شَقِيقِهِ وَأَخِيهِ التُّرَابُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَوَّثَ ظَاهِرًا فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ بَاطِنًا، ثُمَّ يُقَوِّي طَهَارَةَ الْبَاطِنِ فَيُزِيلُ دَنَسَ الظَّاهِرِ أَوْ يُخَفِّفُهُ، وَهَذَا أَمْرٌ يَشْهَدُهُ مَنْ لَهُ بَصَرٌ نَافِذٌ بِحَقَائِقِ الْأَعْمَالِ وَارْتِبَاطِ الظَّاهِرِ بِالْبَاطِنِ وَتَأَثُّرِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ وَانْفِعَالِهِ عَنْهُ.

فَصْلٌ: وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي عُضْوَيْنِ فَفِي غَايَةِ الْمُوَافَقَةِ لِلْقِيَاسِ وَالْحِكْمَةِ، فَإِنَّ وَضْعَ التُّرَابِ عَلَى الرُّءُوسِ مَكْرُوهٌ فِي الْعَادَاتِ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ وَالنَّوَائِبِ، وَالرِّجْلَانِ

مَحَلُّ مُلَابَسَةِ التُّرَابِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ، وَفِي تَتْرِيبِ الْوَجْهِ مِنَ الْخُضُوعِ وَالتَّعْظِيمِ لِلَّهِ وَالذُّلِّ لَهُ وَالِانْكِسَارِ مَا هُوَ أَحَبُّ فِي الْعِبَادَاتِ إِلَيْهِ، وَأَنْفَعُهَا لِلْعَبْدِ ; وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِلسَّاجِدِ أَنْ يُتَرِّبَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَأَلَّا يَقْصِدَ وِقَايَةَ وَجْهِهِ مِنَ التُّرَابِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ لِمَنْ رَآهُ قَدْ سَجَدَ، وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التُّرَابِ وِقَايَةً، فَقَالَ: تَرِّبْ وَجْهَكَ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي تَتْرِيبِ الرِّجْلَيْنِ، وَأَيْضًا فَمُوَافَقَةُ ذَلِكَ الْقِيَاسَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ التَّيَمُّمَ جُعِلَ فِي الْعُضْوَيْنِ الْمَغْسُولَيْنِ وَسَقَطَ مِنَ الْعُضْوَيْنِ الْمَمْسُوحَيْنِ، فَإِنَّ الرِّجْلَيْنِ تُمْسَحَانِ فِي الْخُفِّ، وَالرَّأْسَ فِي الْعِمَامَةِ، فَلَمَّا خُفِّفَ عَنِ الْمَغْسُولَيْنِ بِالْمَسْحِ خُفِّفَ عَنِ الْمَمْسُوحَيْنِ بِالْعَفْوِ، إِذْ لَوْ مُسِحَا بِالتُّرَابِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَخْفِيفٌ عَنْهُمَا، بَلْ كَانَ فِيهِ انْتِقَالٌ مِنْ مَسْحِهِمَا بِالْمَاءِ إِلَى مَسْحِهِمَا بِالتُّرَابِ، فَظَهَرَ أَنَّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ هُوَ أَعْدَلُ الْأُمُورِ وَأَكْمَلُهَا وَهُوَ الْمِيزَانُ الصَّحِيحُ.

وَأَمَّا كَوْنُ تَيَمُّمِ الْجُنُبِ كَتَيَمُّمِ الْمُحْدِثِ، فَلَمَّا سَقَطَ مَسْحُ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالتُّرَابِ عَنِ الْمُحْدِثِ سَقَطَ مَسْحُ الْبَدَنِ كُلِّهِ بِالتُّرَابِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، إِذْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَالْحَرَجِ وَالْعُسْرِ مَا يُنَاقِضُ رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ، وَيَدْخُلُ أَكْرَمُ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى اللهِ فِي شَبَهِ الْبَهَائِمِ إِذَا تَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ، فَالَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ لَا مَزِيدَ فِي الْحُسْنِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ عَلَيْهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اهـ.

ص: 108

وَقَالَ الشَّعَرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي وَجْهِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِالتُّرَابِ، أَوْ بِرَمْلٍ فِيهِ غُبَارٌ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ بِجَوَازِهِ بِالْحِجَارَةِ وَجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ حَتَّى النَّبَاتِ عِنْدَ مَالِكٍ أَقُولُ: وَكَذَا الثَّلْجُ وَالْجَلِيدُ فِي رِوَايَةٍ مَا نَصُّهُ: " وَوَجْهُ الْأَوَّلِ قُرْبُ التُّرَابِ مِنَ الرُّوحَانِيَّةِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ هُوَ مَا يَحْصُلُ مِنْ عُكَارَةِ الْمَاءِ الَّذِي جَعَلَ اللهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ فَهُوَ أَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَى الْمَاءِ، بِخِلَافِ الْحَجَرِ، فَإِنَّ أَصْلَهُ الزَّائِدَ الصَّاعِدَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فَلَمْ يَتَخَلَّصْ لِلْمَائِيَّةِ وَلَا لِلتُّرَابِيَّةِ، فَكَانَ ضَعِيفَ الرُّوحَانِيَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِخِلَافِ التُّرَابِ، وَسَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيًّا الْخَوَّاصَ رحمه الله يَقُولُ: إِنَّمَا لَمْ يَقُلِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ بِالْحَجَرِ مَعَ وُجُودِ التُّرَابِ لِبُعْدِ الْحَجَرِ عَنْ طَبْعِ الْمَاءِ وَرُوحَانِيَّتِهِ فَلَا يَكَادُ يُحْيِي الْعُضْوَ الْمَمْسُوحَ، وَلَوْ سُحِقَ، لَا سِيَّمَا أَعْضَاءُ أَمْثَالِنَا الَّتِي مَاتَتْ مِنْ كَثْرَةِ الْمَعَاصِي وَالْغَفَلَاتِ وَأَكْلِ الشَّهَوَاتِ، وَسَمِعْتُهُ مَرَّةً

أُخْرَى يَقُولُ: نِعْمَ مَا فَعَلَ الشَّافِعِيُّ مِنْ تَخْصِيصِ التَّيَمُّمِ بِالتُّرَابِ لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّةِ الرُّوحَانِيَّةِ بِهِ بَعْدَ فَقْدِ الْمَاءِ، لَا سِيَّمَا أَعْضَاءُ مَنْ كَثُرَ مِنْهُ الْوُقُوعُ فِي الْخَطَايَا مِنْ أَمْثَالِنَا، فَعُلِمَ أَنَّ وُجُوبَ اسْتِعْمَالِ التُّرَابِ خَاصٌّ بِالْأَصَاغِرِ، وَوُجُوبَ اسْتِعْمَالِ الْحَجَرِ خَاصٌّ بِالْأَكَابِرِ الَّذِينَ لَا يَعْصُونَ رَبَّهُمْ، لَكِنْ إِنْ تَيَمَّمُوا بِالتُّرَابِ زَادُوا رُوحَانِيَّةً وَانْتِعَاشًا.

وَسَمِعْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى يَقُولُ: وَجْهُ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِالْحَجَرِ مَعَ وُجُودِ التُّرَابِ كَوْنُهُ رَأَى أَنَّ أَصْلَ الْحَجَرِ مِنَ الْمَاءِ، كَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: " يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنَ الْمَاءِ انْتَهَى، إِلَى أَنْ قَالَ الشَّعْرَانِيُّ: لَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِلْمُتَوَرِّعِ التَّيَمُّمُ بِالْحَجَرِ إِلَّا بَعْدَ فَقْدِ التُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ مَرْتَبَةٌ ضَعِيفَةٌ بِالنَّظَرِ لِلتُّرَابِ، ثُمَّ أَوْرَدَ آيَةَ التَّقْوَى بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَالْحَدِيثَ الَّذِي بِمَعْنَاهَا، ثُمَّ قَالَ: وَنَظِيرُ مَا نَحْنُ فِيهِ قَوْلُ عُلَمَائِنَا فِي بَابِ الْحَجِّ: إِنَّ مَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ يُسْتَحَبُّ إِمْرَارُهُ الْمُوسَى عَلَيْهِ تَشْبِيهًا بِالْحَالِقِينَ، فَكَذَلِكَ الْأَمْرُ هُنَا، فَمَنْ فَقَدَ التُّرَابَ الْمَعْهُودَ ضَرَبَ عَلَى الْحَجَرِ تَشْبِيهًا بِالضَّارِبِينَ بِالتُّرَابِ، انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ.

وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الْمَعْرُوفُ بِشَاهْ وَلِيِّ اللهِ، الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ فِي كِتَابِهِ (حُجَّةِ اللهِ الْبَالِغَةِ) مَا نَصُّهُ: لَمَّا كَانَ مِنْ سُنَّةِ اللهِ فِي شَرَائِعِهِ أَنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ كُلَّ مَا يَسْتَطِيعُونَهُ، وَكَانَ أَحَقَّ أَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ أَنْ يُسْقِطَ مَا فِيهِ حَرَجٌ إِلَى بَدَلٍ ; لِتَطْمَئِنَّ نُفُوسُهُمْ وَلَا تَخْتَلِفَ الْخَوَاطِرُ عَلَيْهِمْ بِإِهْمَالِ مَا الْتَزَمُوهُ غَايَةَ الِالْتِزَامِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَا يَأْلَفُوا تَرْكَ الطِّهَارَاتِ، أَسْقَطَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ إِلَى التَّيَمُّمِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ نَزَلَ الْقَضَاءُ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى بِإِقَامَةِ التَّيَمُّمِ مَقَامَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَحَصَلَ لَهُ وُجُودٌ تَشْبِيهِيٌّ أَنَّهُ طَهَارَةٌ مِنَ الطِّهَارَاتِ، وَهَذَا الْقَضَاءُ أَحَدُ الْأُمُورِ الْعِظَامِ الَّتِي تَمَيَّزَتْ بِهَا الْمِلَّةُ الْمُصْطَفَوِيَّةُ مِنْ سَائِرِ الْمِلَلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: جُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ أَقُولُ: إِنَّمَا خَصَّ الْأَرْضَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تُفْقَدُ، فَهِيَ أَحَقُّ مَا يُرْفَعُ بِهِ الْحَرَجُ؛ وَلِأَنَّهَا طَهُورٌ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ كَالْخُفِّ وَالسَّيْفِ بَدَلًا عَنِ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَذَلُّلًا بِمَنْزِلَةِ تَعْفِيرِ الْوَجْهِ فِي التُّرَابِ، وَهُوَ يُنَاسِبُ طَلَبَ الْعَفْوِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفَرَّقَ بَيْنَ بَدَلِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ

ص: 109

وَلَمْ يُشْرَعِ التَّمَرُّغُ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ بَادِيَ الرَّأْيِ أَنَّ يُجْعَلَ كَالْمُؤَثِّرِ بِالْخَاصِّيَّةِ دُونَ الْمِقْدَارِ، فَإِنَّهُ هُوَ

الَّذِي اطْمَأَنَّتْ نُفُوسُهُمْ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ؛ وَلِأَنَّ التَّمَرُّغَ فِيهِ بَعْضُ الْحَرَجِ فَلَا يَصْلُحُ رَافِعًا لِلْحَرَجِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِي مَعْنَى الْمَرَضِ: الْبَرْدُ الضَّارُّ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَالسَّفَرُ لَيْسَ بِقَيْدٍ إِنَّمَا هُوَ صُورَةٌ لِعَدَمِ وُجْدَانِ الْمَاءِ يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَسْحِ الرِّجْلِ بِالتُّرَابِ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ مَحَلُّ الْأَوْسَاخِ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِمَا لَيْسَ حَاصِلًا لِيَحْصُلَ بِهِ التَّنَبُّهُ اهـ.

أَقُولُ: أَحْسَنُ مَا أَوْرَدَهُ الشَّعْرَانِيُّ التَّنْظِيرُ بِمَسْأَلَةِ إِمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ عِنْدَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْإِحْرَامِ، وَأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الدَّهْلَوِيُّ مَسْأَلَةُ اطْمِئْنَانِ النَّفْسِ بِالْبَدَلِ وَاتِّقَاءِ أَنْ يَأْلَفُوا تَرْكَ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي الَّذِي أَوْرَدْتُهُ أَوْ شُعْبَةٌ مِنْهُ ; عَلَى أَنَّنِي مَا رَأَيْتُهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ قَرَّرْتُ هَذَا الْمَعْنَى مِرَارًا وَكَتَبْتُهُ قَبْلَ الْآنِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ أَوَّلًا وَآخِرًا وَبَاطِنًا وَظَاهِرًا.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقُومَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا.

قَالَ الرَّازِيُّ: وَجْهُ الِاتِّصَالِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا قَبْلَهَا: اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ ـ مِنْ أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ ـ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ التَّكَالِيفِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، قَطَعَ هَاهُنَا بِبَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَذَكَرَ أَحْوَالَ أَعْدَاءِ الدِّينِ وَأَقَاصِيصَ الْمُتَقَدِّمِينَ ; لِأَنَّ الْبَقَاءَ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنَ الْعِلْمِ مِمَّا يُكِلُّ الطَّبْعَ وَيُكَدِّرُ الْخَاطِرَ، فَأَمَّا الِانْتِقَالُ مِنْ

نَوْعٍ مِنَ الْعُلُومِ إِلَى نَوْعٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يُنَشِّطُ الْخَاطِرَ وَيُقَوِّي الْقَرِيحَةَ اهـ، وَقَالَ النَّيْسَابُورِيُّ الَّذِي اخْتَصَرَ التَّفْسِيرَ الْكَبِيرَ لِلرَّازِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ: ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا ذَكَرَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا أَحْكَامًا كَثِيرَةً عَدَلَ إِلَى ذِكْرِ طَرَفٍ مِنْ آثَارِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَحْوَالِهِمْ ; لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى أُسْلُوبٍ مِمَّا يَزِيدُ السَّامِعَ هِزَّةً وَجِدَّةً اهـ.

ص: 110

أَقُولُ: غَلِطَ الْمُفَسِّرَانِ كِلَاهُمَا فِي قَوْلِهِمَا: إِنَّ الْكَلَامَ انْتِقَالٌ إِلَى ذِكْرِ أَحْوَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ انْتِقَالٌ إِلَى ذِكْرِ أَحْوَالِ الْمُعَاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَكَأَنَّهُمَا تَوَهَّمَا أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي زَمَنِهِمَا، وَمَا قَالَاهُ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى آخَرَ صَحِيحٌ وَهُوَ أَعَمُّ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

الْكَلَامُ انْتِقَالٌ مِنَ الْأَحْكَامِ وَمَا عَلَيْهَا مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ إِلَى بَيَانِ حَالِ بَعْضِ الْأُمَمِ مِنْ حَيْثُ أَخْذُهُمْ بِأَحْكَامِ دِينِهِمْ وَعَدَمُهُ ; لِيُذَكِّرَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالْأَحْكَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ كَمَا هَيْمَنَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ، فَإِذَا هُمْ قَصَّرُوا يَأْخُذُهُمْ بِالْعِقَابِ الَّذِي رَتَّبَهُ عَلَى تَرْكِ أَحْكَامِ دِينِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْمُنْتَظَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَحْكَامِ الْمَاضِيَةِ، وَمَا قُرِنَتْ بِهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ أَنْ يَأْخُذُوا بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُوَصِّلِ إِلَى إِصْلَاحِ الْأَنْفُسِ، وَهُوَ أَثَرُهَا الْمُرَادُ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُؤْخَذَ بِهَا فِي صُورَتِهَا وَمَعْنَاهَا، لَا فِي صُورَتِهَا فَقَطْ، وَلَكِنْ جَرَتْ سُنَّةُ اللهِ فِي الْأُمَمِ أَنْ يَكْتَفِيَ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الدِّينِ بِبَعْضِ الظَّوَاهِرِ وَالرُّسُومِ الدِّينِيَّةِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْيَهُودِ فِي الْقَرَابِينِ وَأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ الظَّاهِرَةِ، وَهَذَا لَا يَكْفِي فِي اتِّبَاعِ الدِّينِ وَالْقِيَامِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُصْلِحِ لِلنُّفُوسِ كَمَا أَرَادَ اللهُ مِنَ التَّشْرِيعِ، فَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ بَيَانِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَهَا رُسُومٌ ظَاهِرَةٌ كَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ: أَنَّ يُذَكِّرَ الْمُسْلِمِينَ بِحَالِ بَعْضِ الْأُمَمِ الَّتِي هَذَا شَأْنُهَا، وَكَوْنُ هَذَا لَمْ يُغْنِ عَنْهَا مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَنَالُوا بِهِ مَرْضَاتَهُ، وَلَمْ يَكُونُوا بِهِ أَهْلًا لِكَرَامَتِهِ وَوَعْدِهِ، فَقَالَ:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَيَرَى بَعْضُهُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ فِيهَا أَعَمُّ، وَالرُّؤْيَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ

قَلْبِيَّةٌ عِلْمِيَّةٌ كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى النَّظَرِ، وَالْمَعْنَى أَلَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ، أَوَلَمْ تَنْظُرْ إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُعْطُوا نَصِيبًا أَيْ: حَظًّا وَطَائِفَةً مِنَ الْكِتَابِ الْإِلَهِيِّ كَيْفَ حَرَّمُوا هِدَايَتَهُ وَاسْتَبْدَلُوا بِهَا ضِدَّهَا فَهُمْ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ بِاخْتِيَارِهَا لِأَنْفُسِهِمْ بَدَلًا مِنَ الْهِدَايَةِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ السَّبِيلَ أَيْ: طَرِيقَ الْحَقِّ الْقَوِيمَ كَمَا ضَلُّوا، فَهُمْ يَكِيدُونَ لَكُمْ لِيَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا، وَالتَّعْبِيرُ بِالنَّصِيبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَحْفَظُوا كِتَابَهُمْ كُلَّهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَحْفَظُوهُ فِي زَمَنِ إِنْزَالِهِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ كَمَا حَفِظْنَا الْقُرْآنَ وَلَمْ يَكْتُبُوا مِنْهُ نُسَخًا مُتَعَدِّدَةً فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ كَمَا فَعَلْنَا، حَتَّى إِذَا مَا فُقِدَ بَعْضُهَا قَامَ مَقَامَهُ الْبَعْضُ الْآخَرُ، بَلْ كَانَ عِنْدَ الْيَهُودِ نُسْخَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ هِيَ الَّتِي كَتَبَهَا مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَفُقِدَتْ كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [ص 129 وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنَ التَّفْسِيرِ] ، وَفِيهِ بَحْثُ تَارِيخِ كِتَابَتِهَا وَحَقِيقَةُ الْمَوْجُودِ الْآنَ مِنْهَا وَبَحْثُ كِتَابَةِ الْإِنْجِيلِ كَذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي كُلٍّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ (5: 14) ، وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ

ص: 111

فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ مَا هُنَا، يَقُولُ هُنَا: إِنَّهُمْ أُوتُوا نَصِيبًا أَيْ حَظًّا، وَيَقُولُ هُنَاكَ: إِنَّهُمْ نَسُوا حَظًّا، فَالْكَلَامُ يُؤَيِّدُ وَيُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَالتَّعْبِيرُ: أُوتُوا الْكِتَابَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يُعَارِضُهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ لِلْجِنْسِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ عِلْمُهُ.

وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، قَالَ: أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا الْكِتَابَ كُلَّهُ بَلْ تَرَكُوا كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِهِ لَمْ يَعْمَلُوا بِهَا وَزَادُوا عَلَيْهَا، وَالزِّيَادَةُ فِيهِ كَالنَّقْصِ مِنْهُ، فَالتَّوْرَاةُ تَنْهَاهُمْ عَنِ الْكَذِبِ وَإِيذَاءِ النَّاسِ وَأَكْلِ الرِّبَا مَثَلًا، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَزَادَ لَهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْكَامِ وَالرُّسُومِ وَالتَّقَالِيدِ الدِّينِيَّةِ فَهُمْ يَتَمَسَّكُونَ بِهَا وَلَيْسَتْ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَلَا مِمَّا يَعْرِفُونَهُ عَنْ مُوسَى عليه السلام وَهُمْ يَدَّعُونَ اتِّبَاعَهُ فِي الدِّينِ، فَالْأَمْرُ الْمُحَقَّقُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ هُوَ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ بِبَعْضِ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ وَقَدْ أَهْمَلُوا سَائِرَهَا، فَفِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ بِالْعَمَلِ بِالدِّينِ وَعَدَمِهِ يَذْكُرُ الْوَاقِعَ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْتُوا الْكِتَابَ كُلَّهُ إِذْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ كُلِّهِ، وَإِنَّمَا عَمِلُوا بِبَعْضِهِ، وَفِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ

عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ وَالْقُرْآنِ يُنَادِيهِمْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا إِلَخْ كَمَا تَرَى فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ لِهَذِهِ الْآيَةِ، وَمِثْلُهَا كَثِيرٌ.

هَذَا مَا قَرَّرَهُ الْأُسْتَاذُ فِي الدَّرْسِ وَلَمَّا انْتَهَى إِلَى هُنَا قُلْتُ: أَلَيْسَ التَّعْبِيرُ بِالنَّصِيبِ إِشَارَةً أَوْ نَصًّا عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَحْفَظُوا الْكِتَابَ كُلَّهُ، بَلْ فَقَدُوا حَظًّا وَنَصِيبًا آخَرَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: بَلَى فَأَجَازَ مَا فَهِمْتُهُ وَأَقَرَّهُ وَكُنْتُ بَيَّنْتُ هَذَا مِنْ قَبْلُ فِي الْكَلَامِ عَلَى شَرِيعَةِ حَمُورَابِي وَنِسْبَتِهَا إِلَى التَّوْرَاةِ، وَمَا هِيَ التَّوْرَاةُ، وَذَلِكَ فِي الْمُجَلَّدِ السَّادِسِ مِنَ الْمَنَارِ.

فَالَّذِي لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ مِنَ التَّوْرَاةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ يَكُونُ قِسْمَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: مَا أَضَاعُوهُ وَنَسُوهُ، وَثَانِيهِمَا: مَا حَفِظُوا حُكْمَهُ وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ وَهُوَ كَثِيرٌ أَيْضًا، وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِمَا أَضَاعُوهُ مِنَ الْكِتَابِ نَعْتُ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم، وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ اشْتِرَاءَ الضَّلَالَةِ هُوَ: بَذْلُ الْمَالِ لِتَأْيِيدِ الْيَهُودِيَّةِ وَالْكَيْدِ لِلْإِسْلَامِ وَمُقَاوَمَتِهِ، فَقَالَ: كَانَ بَعْضُ عَوَامِّ الْيَهُودِ يُعْطُونَ أَحْبَارَهُمُ الْمَالَ لِيَسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى ذَلِكَ.

وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ أَيْ: وَاللهُ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِأَعْدَائِكُمْ، ذَوَاتِهِمْ كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ ; وَأَحْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمُ الَّتِي يَكِيدُونَ بِهَا لَكُمْ فِي الْخَفَاءِ وَمَا يَغْشَوْنَكُمْ بِهِ فِي الْجَهْرِ بِإِبْرَازِ الْخَدِيعَةِ فِي مَعْرِضِ النَّصِيحَةِ، وَإِظْهَارِ الْوَلَاءِ لَكُمْ وَالرَّغْبَةِ فِي نَصْرِكُمْ: وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا، لَكُمْ يَتَوَلَّى شُئُونَكُمْ بِإِرْشَادِكُمْ إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُكُمْ وَفَوْزُكُمْ، وَيَنْصُرُكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ بِتَوْفِيقِكُمْ لِلْعَمَلِ بِأَسْبَابِ النَّصْرِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ، وَالتَّعَاوُنِ، وَالتَّنَاصُرِ، وَإِعْدَادِ جَمِيعِ مَا يُسْتَطَاعُ مِنْ وَسَائِلِ الْقُوَّةِ، فَلَا تَغْتَرُّوا بِوِلَايَةِ غَيْرِهِ وَلَا تَطْلُبُوا النَّصْرَ إِلَّا مِنْهُ بِاتِّبَاعِ سُنَنِهِ فِي نِظَامِ الِاجْتِمَاعِ وَهِدَايَتِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَمِنْهَا عَدَمُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَأَهْلُ الْأَثَرَةِ الَّذِينَ لَا يَعْمَلُونَ إِلَّا لِمَصْلَحَةِ أَنْفُسِهِمْ كَالْيَهُودِ: وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا أَبْلَغُ مِنْ كَفَى اللهُ وَلِيًّا، أَوْ كَفَى وِلَايَةُ اللهِ ; لِأَنَّ الْكِفَايَةَ تَعَلَّقَتْ بِذَاتِهِ مِنْ حَيْثُ وِلَايَتُهُ.

ص: 112

قَدْ كَانَ الْيَهُودُ فِي الْحِجَازِ كَالْمُشْرِكِينَ أَشَدَّ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَمُقَاوَمَةً لَهُمْ، كَمَا أَخْبَرَنَا الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ مَصْلَحَتِهِمْ فَوْزُ الْمُسْلِمِينَ فِي فَتْحِ سُورِيَّةَ وَفِلَسْطِينَ، ثُمَّ الْأَنْدَلُسِ لِيَسْلَمُوا بَعْدَهَا مَنْ ظُلْمِ النَّصَارَى لَهُمْ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ،

فَكَانُوا مَغْبُوطِينَ بِالْفَتْحِ الْإِسْلَامِيِّ، وَقَدْ كَانُوا يُظْلَمُونَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ فِي جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ غَيْرِ الْإِسْلَامِيَّةِ، حَتَّى كَانَ مَا كَانَ ـ بِكَيْدِهِمْ وَسَعْيِهِمْ ـ مِنْ هَدْمِ صُرُوحِ اسْتِبْدَادِ الْبَابَوَاتِ وَالْمُلُوكِ الْمُسْتَعْبِدِينَ لَهُمْ فِي أُورُبَّا، وَإِدَالَةِ الْحُكُومَاتِ الْمَدَنِيَّةِ مِنْ حُكْمِ الْكَنِيسَةِ، فَظَلُّوا يُظْلَمُونَ فِي رُوسِيَّةَ وَإِسْبَانِيَّةَ؛ لِأَنَّ السُّلْطَةَ فِيهِمَا دِينِيَّةٌ، وَقَدْ كَادُوا وَلَا يَزَالُونَ يَكِيدُونَ لِهَدْمِ نُفُوذِ الدِّيَانَةِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ هَاتَيْنِ الْمَمْلَكَتَيْنِ بِاسْمِ الْحُرِّيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ وَنُفُوذِ الْجَمْعِيَّةِ الْمَاسُونِيَّةِ كَمَا فَعَلُوا فِي فَرَنْسَا، وَإِنَّ لَهُمْ يَدًا فِيمَا كَانَ فِي رُوسِيَّةَ مِنَ الِانْقِلَابِ، وَفِيمَا تَتَمَخَّضُ بِهِ إِسْبَانِيَّةُ الْآنَ، فَهُمْ يُقَاوِمُونَ كُلَّ سُلْطَةٍ دِينِيَّةٍ تَقِفُ فِي وَجْهِهِمْ لِأَجْلِ تَكْوِينِ سُلْطَةٍ دِينِيَّةٍ لَهُمْ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُمْ يَدٌ فِي الِانْقِلَابِ الْعُثْمَانِيِّ، لَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَظْلُومِينَ أَوْ مُضْطَهَدِينَ فِي الْمَمْلَكَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا آمَنَ النَّاسِ مِنَ الظُّلْمِ فِيهَا حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَفِرُّونَ إِلَيْهَا لَاجِئِينَ مِنْ ظُلْمِ رُوسِيَّةَ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَمْلِكُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهُ لِيُقِيمُوا فِيهَا مُلْكَ إِسْرَائِيلَ، وَكَانَتِ الْحُكُومَةُ الْعُثْمَانِيَّةُ تُعَارِضُهُمْ فِي امْتِلَاكِ الْأَرْضِ هُنَاكَ فَلَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنْهَا إِلَّا بِالْحِيلَةِ وَالرِّشْوَةِ، وَلَهُمْ مَطَامِعُ أُخْرَى مَالِيَّةٌ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ، فَهُمُ الْآنَ يُظْهِرُونَ الْمُسَاعَدَةَ لِلْحُكُومَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ الْجَدِيدَةِ لِتُسَاعِدَهُمْ عَلَى مَا يَبْتَغُونَ، فَإِذَا لَمْ تَتَنَبَّهِ الْأُمَّةُ الْعُثْمَانِيَّةُ لِكَيْدِهِمْ، وَتُوَقِّفْ حُكُومَتَهَا عِنْدَ حُدُودِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فِي مُسَاعَدَتِهِمْ، فَإِنَّ الْخَطَرَ مِنْ نُفُوذِهِمْ عَظِيمٌ وَقَرِيبٌ ; فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ اعْتَادُوا الرِّبَا الْفَاحِشَ فَلَا يَبْذُلُونَ دَانِقًا مِنَ الْمُسَاعَدَةِ إِلَّا لِيَنَالُوا مِثْقَالًا أَوْ قِنْطَارًا مِنَ الْجَزَاءِ، وَإِذَا كَانُوا بِكَيْدِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ قَدْ جَعَلُوا الدَّوْلَةَ الْفَرَنْسِيَّةَ كَكُرَةِ اللَّاعِبِ فِي أَيْدِيهِمْ فَأَزَالُوا مِنْهَا سُلْطَةَ الْكَنِيسَةِ، وَحَمَلُوهَا عَلَى عُقُوقِهَا وَكَانَتْ تُدْعَى بِنْتَ الْكَنِيسَةِ الْبِكْرَ، وَحَمَلُوهَا عَلَى الظُّلْمِ فِي الْجَزَائِرِ وَهِيَ الَّتِي تُفَاخِرُ الْأُمَمَ وَالدُّوَلَ بِالْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ، عَمِلُوا فِيهَا عَمَلُهُمْ، وَهِيَ فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَدَنِيَّةِ، وَالسِّيَاسَةِ، وَالثَّرْوَةِ، وَالْقُوَّةِ، أَفَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْحُكُومَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَهِيَ عَلَى مَا نَعْلَمُ مِنَ الْجَهْلِ وَالضَّعْفِ وَالْحَاجَةِ إِلَى الْمَالِ؟ وَطَمَعُهُمْ فِيهَا أَشَدُّ وَخَطَرُهُ أَعْظَمُ، فَإِنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى كَافَّةً، فَإِذَا تَغَلَّبَ الْيَهُودُ فِيهِ لِيُقِيمُوا فِيهِ مُلْكَ إِسْرَائِيلَ وَيَجْعَلُوا الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى (هَيْكَلَ سُلَيْمَانَ) وَهُوَ قِبْلَتُهُمْ مَعْبَدًا خَالِصًا لَهُمْ يُوشِكُ أَنْ تَشْتَعِلَ نِيرَانُ الْفِتَنِ وَيَقَعَ مَا نَتَوَقَّعُ مِنَ الْخَطَرِ، وَفِي الْأَحَادِيثِ الْمُنْبِئَةِ عَنْ فِتَنِ آخِرِ الزَّمَانِ مَا هُوَ صَرِيحٌ

فِي ذَلِكَ، فَيَجِبُ أَنْ تَجْتَهِدَ الْأُمَّةُ الْعُثْمَانِيَّةُ فِي دَرْءِ ذَلِكَ، وَمُدَافِعَةِ سَيْلِهِ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ؛ لِئَلَّا يَقَعَ فِي إِبَّانِ ضَعْفِهَا فَيَكُونَ قَاضِيًا عَلَى سُلْطَتِهَا وَنَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.

مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ هَذَا بَيَانٌ لِلَّذِينِ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ

ص: 113

وَاتَّصَفُوا بِالضَّلَالَةِ وَالْإِضْلَالِ، وَقَوْلُهُ: وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ إِلَخْ جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ، أَوْ هُوَ بَيَانٌ لِأَعْدَائِكُمْ وَالِاعْتِرَاضُ مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ نَصِيرًا أَيْ: يَنْصُرُكُمْ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا، أَوِ التَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

وَمَا الدَّهْرُ إِلَّا تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا

أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْشَ أَكْدَحُ

أَيْ: فَمِنْهُمَا تَارَةٌ أَمُوتُ فِيهَا إِلَخْ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَتَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ هُوَ: إِمَالَتُهُ وَتَنْحِيَتُهُ عَنْهَا كَأَنْ يُزِيلُوهُ بِالْمَرَّةِ أَوْ يَضَعُوهُ فِي مَكَانٍ غَيْرِ مَكَانِهِ مِنَ الْكِتَابِ، أَوِ الْمُرَادُ بِمَوَاضِعِهِ: مَعَانِيهِ؛ كَأَنْ يُفَسِّرُوهُ بِغَيْرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.

قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: التَّحْرِيفُ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:

(أَحَدُهُمَا) : تَأْوِيلُ الْقَوْلِ بِحَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَاهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى مُجَاحَدَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِنْكَارِ نُبُوَّتِهِ وَهُمْ يَعْمَلُونَ، إِذْ أَوَّلُوا وَلَا يَزَالُونَ يُئَوِّلُونَ الْبِشَارَاتِ بِهِ إِلَى الْيَوْمِ كَمَا يُئَوِّلُونَ مَا وَرَدَ فِي الْمَسِيحِ وَيَحْمِلُونَهُ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ لَا يَزَالُونَ يَنْتَظِرُونَهُ.

(ثَانِيهِمَا) : أَخْذُ كَلِمَةٍ أَوْ طَائِفَةٍ مِنَ الْكَلِمِ مِنْ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ وَوَضْعُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَقَدْ حَصَلَ مِثْلُ هَذَا التَّشْوِيشِ فِي كُتُبِ الْيَهُودِ: خَلَطُوا فِيمَا يُؤْثَرُ عَنْ مُوسَى عليه السلام مَا كُتِبَ بَعْدَهُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِهَذَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مِنْهُمْ بِقَصْدِ الْإِصْلَاحِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّحْرِيفِ لَا يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ الْحَامِلَ عَلَى إِنْكَارِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.

هَذَا مَا قَرَّرَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ، وَكَتَبْتُ فِي مُذَكِّرَتِي عِنْدَ كِتَابَتِهِ كَأَنَّهُ وُجِدَ عِنْدَهُمْ قَرَاطِيسُ مُتَفَرِّقَةٌ، أَيْ بَعْدَ أَنْ فُقِدَتِ النُّسْخَةُ الَّتِي كَتَبَهَا مُوسَى عليه السلام، فَأَرَادُوا أَنْ يُؤَلِّفُوا بَيْنَ الْمَوْجُودِ، فَجَاءَ فِيهِ ذَلِكَ الْخَلْطُ، وَهَذَا سَبَبُ مَا جَاءَ فِي أَسْفَارِ التَّوْرَاةِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالتَّكْرَارِ، وَقَدْ أَثْبَتَ الْعُلَمَاءُ تَحْرِيفَ كُتُبِ الْعَهْدِ

الْعَتِيقِ وَالْعَهْدِ الْجَدِيدِ بِالشَّوَاهِدِ الْكَثِيرَةِ، وَفِي كِتَابِ ـ إِظْهَارِ الْحَقِّ ـ لِلشَّيْخِ رَحْمَةِ اللهِ الْهِنْدِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى مِائَةُ شَاهِدٍ عَلَى التَّحْرِيفِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ فِيهَا، وَالْأَوَّلُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: تَبْدِيلُ الْأَلْفَاظِ، وَزِيَادَتُهَا، وَنُقْصَانُهَا.

فَمِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى الزِّيَادَةِ مَا جَاءَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ " 36: 31 وَهَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ الَّذِينَ مَلَكُوا فِي الْأَرْضِ أَدْوَمُ قَبْلَ أَنْ مَلَكَ مَلِكٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ " وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ كَلَامِ مُوسَى عليه السلام ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مُلْكُ الْأَرْضِ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مُلُوكِهِمْ (شَاوُلُ) وَهُوَ بَعْدَ مُوسَى بِثَلَاثَةِ قُرُونٍ وَنِصْفٍ، وَقَدْ قَالَ آدَمُ كِلَارَكْ أَحَدُ مُفَسِّرِي التَّوْرَاةِ: أَظُنُّ ظَنًّا قَوِيًّا قَرِيبًا مِنَ الْيَقِينِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ [أَيْ مِنْ 32 - 39] ، كَانَتْ مَكْتُوبَةً عَلَى حَاشِيَةِ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ فَظَنَّ النَّاقِلُ أَنَّهَا جُزْءُ الْمَتْنِ فَأَدْخَلَهَا فِيهِ.

ص: 114

وَمِنْهَا فِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ " 3: 14 يَائِيرُ بْنُ مِنِسَّى أَخَذَ كُلَّ كَوْرَةِ أَرُجُوبَ إِلَى تَخَمِ الْجَشُورِيِّينَ وَالْمُعَكِيِّينَ وَدَعَاهَا عَلَى اسْمِهِ بَاشَانْ حَوَّوِثْ يَائِيرْ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ " قَالَ هُورُونُ فِي الْمُجَلَّدِ الْأَوَّلِ مِنْ تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إِيرَادِ هَذِهِ الْفِقْرَةِ وَالْفِقْرَةِ السَّابِقَةِ: " هَاتَانِ الْفِقْرَتَانِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا مِنْ كَلَامِ مُوسَى عليه السلام لِأَنَّ الْأُولَى دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مُصَنِّفَ هَذَا الْكِتَابِ ـ سِفْرِ التَّكْوِينِ أَوِ التَّوْرَاةِ كُلِّهَا ـ وُجِدَ بَعْدَ زَمَانٍ قَامَتْ فِيهِ سَلْطَنَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْفِقْرَةُ الثَّانِيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مُصَنِّفَهُ كَانَ بَعْدَ زَمَانِ إِقَامَةِ الْيَهُودِ فِي فِلَسْطِينَ " إِلَى آخِرِ مَا قَالَهُ، وَمِنْهُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْفِقْرَتَيْنِ ثِقَلٌ عَلَى الْكِتَابِ وَلَا سِيَّمَا الثَّانِيَةُ.

وَقَدْ صَرَّحَ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرُونَ بِأَنَّ عِزْرَا الْكَاتِبَ قَدْ زَادَ بَعْضَ الْعِبَارَاتِ فِي التَّوْرَاةِ، وَصَرَّحُوا فِي بَعْضِهَا بِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مَنْ زَادَهَا، وَلَكِنَّهُمْ يَجْزِمُونَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا كَتَبَهُ مُوسَى، وَكَثْرَةُ الْأَلْفَاظِ الْبَابِلِيَّةِ فِي التَّوْرَاةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كُتِبَتْ بَعْدَ سَبْيِ الْبَابِلِيِّينَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُنَالِكَ شَوَاهِدُ عَلَى تَحْرِيفِ سَائِرِ كُتُبِهِمْ تُرَاجَعُ فِي الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ لِبَيَانِ ذَلِكَ.

وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا أَيْ: وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: سَمِعْنَا قَوْلَكَ وَعَصَيْنَا أَمْرَكَ، رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا:

سَمِعْنَا قَوْلَكَ، وَلَكِنْ لَا نُطِيعُكَ، وَيَقُولُونَ لَهُ أَيْضًا: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ هَذَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ زَادَهُ اللهُ تَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا، وَمَعْنَاهُ: لَا سَمِعْتَ أَوْ لَا أَسْمَعَكَ اللهُ، وَهَذَا فِي مَكَانِ الدُّعَاءِ الْمُعْتَادِ مِنَ الْمُتَأَدِّبِينَ لِلْمُخَاطَبِ: لَا سَمِعْتَ مَكْرُوهًا، أَوْ لَا سَمِعْتَ أَذًى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: غَيْرُ مَقْبُولٍ مَا تَقُولُ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَاسْمَعْ شَيْئًا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسْمَعَ، وَأَمَّا " رَاعِنَا " فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَتَسَابُّونَ بِكَلِمَةِ " رَاعِينَا " الْعِبْرَانِيَّةِ أَوِ السُّرْيَانِيَّةِ فَسَمِعُوا بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: رَاعِنَا، مِنَ الْمُرَاعَاةِ أَوْ بِمَعْنَى أَرْعِنَا سَمْعَكَ فَافْتَرَصُوهَا وَصَارُوا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكَلِمَةِ وَيَصْرِفُونَهَا إِلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ فَيَجْعَلُونَهَا فِي الظَّاهِرِ رَاعِنَا وَبِلَيِّ اللِّسَانِ وَإِمَالَتِهِ " رَاعِينَا " يَنْوُونَ بِذَلِكَ الشَّتْمَ وَالسُّخْرِيَةَ، أَوْ جَعْلَهُ رَاعِيًا مِنْ رِعَاءِ الشَّاءِ، أَوْ مِنَ الرَّعَنِ وَالرُّعُونَةِ، قَالَ فِي الْكَشَّافِ:(فَإِنْ قُلْتَ) : كَيْفَ جَاءُوا بِالْقَوْلِ الْمُحْتَمَلِ ذِي الْوَجْهَيْنِ بَعْدَ مَا صَرَّحُوا، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ (قُلْتُ) : جَمِيعُ الْكَفَرَةِ كَانُوا يُوَاجِهُونَهُ بِالْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ وَلَا يُوَاجِهُونَهُ بِالسَّبِّ وَدُعَاءِ السُّوءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيَجُوزُ أَلَّا يَنْطِقُوا بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يُؤْمِنُوا جَعَلُوا كَأَنَّهُمْ نَطَقُوا بِهِ اهـ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا (2: 104) ، مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَبَيَّنَّا هُنَالِكَ أَنَّ الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ لَمْ يَرْتَضِ مَا قَالُوهُ فِي كَوْنِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ سَبًّا بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَاخْتَارَ فِي تَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنْهَا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مِنَ الْمُرَاعَاةِ، وَهِيَ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ ـ نُهُوا عَنْهَا تَأْدِيبًا لَهُمْ، إِذْ لَا يَلِيقُ أَنْ يَقُولُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:

ص: 115

ارْعَنَا نَرْعَكَ، كَمَا هُوَ مَعْنَى الْمُشَارَكَةِ، كَمَا نُهُوا أَنْ يَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ (قَالَ) : وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ، يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: رَاعَى الْحِمَارُ الْحُمُرَ، إِذَا رَاعَى مَعَهَا، فَكَانَ الْيَهُودُ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ فِيهَا سَبٌّ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَى حَدِّ:" اقْتُلُونِي وَمَالِكًا "، وَمِنْ تَحْرِيفِ الْكَلَامِ وَلَيِّهِ فِي خِطَابِهِمْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي التَّحِيَّةِ " السَّامُ عَلَيْكُمْ " يُوهِمُونَ بِفَتْلِ اللِّسَانِ وَجَمْجَمَتِهِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا فِي الصَّحِيحِ، وَأَنَّهُ كَانَ عليه السلام بَعْدَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ يُجِيبُهُمْ بِقَوْلِهِ:" وَعَلَيْكُمْ " أَيْ كُلُّ أَحَدٍ يَمُوتُ.

وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ، أَيْ: لَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا: سَمِعْنَا قَوْلَكَ وَأَطَعْنَا أَمْرَكَ، وَاسْمَعْ مَا نَقُولُ وَانْظُرْنَا أَيْ: أَمْهِلْنَا وَانْتَظِرْنَا وَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا، يُقَالُ: نَظَرُهُ بِمَعْنَى انْتَظَرَهُ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ أَوِ انْظُرْ إِلَيْنَا نَظَرَ رِعَايَةٍ وَرِفْقٍ: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ أَقْوَمَ، مِمَّا قَالُوهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَدَبِ وَالْفَائِدَةِ وَحُسْنِ الْعَاقِبَةِ.

وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ، أَيْ: خَذَلَهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ عَنِ الصَّوَابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، أَيْ: مَضَتْ سُنَّتُهُ فِي طِبَاعِ الْبَشَرِ وَأَخْلَاقِهِمْ أَنْ يَمْنَعَ الْكُفْرُ صَاحِبَهُ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الرَّوِيَّةِ وَالْأَدَبِ، وَيَجْعَلَهُ طَرِيدًا لَا يُدْلِي إِلَى الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ بِحَبْلٍ وَلَا سَبَبٍ: فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا مِنَ الْإِيمَانِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، إِذْ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ صَاحِبِهِ وَلَا يُزَكِّي نَفْسَهُ وَلَا يَرْقَى عَقْلُهُ، وَلَوْ كَانَ إِيمَانُهُمْ بِكِتَابِهِمْ وَنَبِيِّهِمْ كَامِلًا لَكَانَ خَيْرَ هَادٍ لَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَنْ جَاءَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ يُبَيِّنُ مَا نَسُوا مِنْهُ وَمَا حَرَّفُوا فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ بِإِصْلَاحٍ جَدِيدٍ فِي إِتْمَامِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَنِظَامِ الِاجْتِمَاعِ وَسَائِرِ مَقَاصِدِ الدِّينِ، فَمَنْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ، وَجَاءَهُ زِيَادَةٌ فِيهِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَغْبُوطًا بِهَا حَرِيصًا عَلَى الِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا ـ أَوْ لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ مَهْمَا فَسَدَتْ لَا يَعُمُّ الْفَسَادُ جَمِيعَ أَفْرَادِهَا، بَلْ تَغْلِبُ سَلَامَةُ الْفِطْرَةِ عَلَى أُنَاسٍ يَكُونُونَ هُمُ السَّابِقِينَ إِلَى كُلِّ إِصْلَاحٍ جَدِيدٍ، هَكَذَا كَانَ، وَهَكَذَا يَكُونُ فَهِيَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي الِاجْتِمَاعِ، وَقَدْ نَبَّهْنَا مِنْ قَبْلُ عَلَى دِقَّةِ الْقُرْآنِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْأُمَمِ إِذْ يَحْكُمُ عَلَى الْأَكْثَرِ، فَإِذَا عَمَّمَ الْحُكْمَ يَسْتَثْنِي وَهِيَ دِقَّةٌ لَمْ تُعْهَدْ فِي كَلَامِ الْبَشَرِ.

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا.

ص: 116