الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) . وَهَذَا التَّعْبِيرُ أَبْلَغُ مِنْ تَعَلُّقِ الْوَعْدِ بِالْمَوْعُودِ نَفْسِهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْفَتْحِ: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (48: 2
9)
لِأَنَّ مَا هُنَالِكَ خَبَرٌ وَاحِدٌ، لَا تَأْكِيدَ فِيهِ، وَلَا زِيَادَةَ عِنَايَةٍ بِتَقْرِيرِهِ، وَمَا هُنَا خَبَرٌ فِيهِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ أَوْ تَقْرِيرٍ لِلْوَعْدِ ; فَقَدْ وَعَدَ وَعَدًا مُجَمَلًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ تَتَوَجَّهَ النَّفْسُ لِلسُّؤَالِ عَنْ بَيَانِهِ، فَهَذَا خَبَرٌ مُسْتَقِلٌّ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الْإِجْمَالَ بِخَبَرٍ آخَرَ أَثْبَتَ فِيهِ أَنَّ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ وَعَدَهُمْ وَعْدًا حَسَنًا، أَوْ جَزَاءً حَسَنًا، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ وَعْدَهُ مَفْعُولٌ، وَأَنْ لِهَؤُلَاءِ الْمَوْعُودِينَ عِنْدَهُ كَذَا وَكَذَا. هَذَا إِذَا جُعِلَتِ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا، وَهُوَ التَّقْدِيرُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُخْتَارُ، وَكَذَلِكَ إِذَا جُعِلَتِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَابِ مَقُولِ الْقَوْلِ تَتَضَمَّنُ زِيَادَةَ التَّقْرِيرِ لِلْمَوْعُودِ بِهِ، وَالتَّأْكِيدِ لِوُقُوعِهِ. وَمَعْنَى الْمَغْفِرَةِ: أَنَّ إِيمَانَهُمْ وَعَمَلَهُمُ الصَّالِحَ يَسْتُرُ أَوْ يَمْحُو مِنْ نُفُوسِهِمْ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ سُوءِ تَأْثِيرِ الْأَعْمَالِ السَّابِقَةِ، فَيَغْلِبُ فِيهَا حُبُّ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ، وَتَكُونُ صَالِحَةً لِجِوَارِ اللهِ تَعَالَى. وَالْأَجْرُ الْعَظِيمُ: هُوَ
الْجَزَاءُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ، الْمُضَاعَفُ بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، وَلَمَّا بَيَّنَ الْوَعْدَ اقْتَضَى أَنْ يُبَيِّنَ الْوَعِيدَ، كَمَا هِيَ سُنَّةُ الْقُرْآنِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ، فَقَالَ:
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا: الْكُفْرُ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْكُفْرِ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وَالْكُفْرِ بِبَعْضٍ وَالْإِيمَانِ بِبَعْضٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ بِأَيِّ رَسُولٍ مِنْهُمْ لَا يَكُونُ - مِمَّنْ يَعْقِلُ مَعْنَى الرِّسَالَةِ - إِلَّا عِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا عَنْ طَاعَتِهِ تَعَالَى كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ تِلْكَ الْآيَةِ. وَآيَاتُ اللهِ تَعَالَى قِسْمَانِ: آيَاتُهُ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى رَسُولِهِ، وَآيَاتُهُ الَّتِي أَقَامَهَا فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَكَمَالِهِ وَتَنْزِيهِهِ، وَعَلَى صِدْقِ رُسُلِهِ فِيمَا يُبَلِّغُونَ عَنْهُ، فَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ الْمُكَذِّبُونَ هُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ; أَيْ دَارِ الْعَذَابِ. وَالْجَحِيمُ: النَّارُ الْعَظِيمَةُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ حِكَايَةً عَنْ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) وَمَعْلُومٌ مِنَ الْآيَاتِ الْأُخْرَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا فِي هَذَا الْبُنْيَانِ نَارًا عَظِيمَةً، وَهَذَا هُوَ الْجَزَاءُ عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ أَعْمَالِ الْكَافِرِينَ الْمُكَذِّبِينَ، وَلَا يَنْفَعُ مَعَ مِثْلِ هَذَا الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ عَمَلٌ، فَإِنَّ إِفْسَادَهُ لِلْأَرْوَاحِ وَتَدْسِيَتَهُ لِلنُّفُوسِ لَا يَمْحُوهَا عَمَلٌ آخَرُ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ (وَهَلْ يُصْلِحُ الْعَطَّارُ مَا أَفْسَدَ الدَّهْرُ)
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ هَمَّ بِقَتْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَهُ قَوْمُهُ لِذَلِكَ، وَكَانَ بِيَدِهِ السَّيْفُ، وَلَيْسَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سِلَاحٌ، وَكَانَ مُنْفَرِدًا. وَأَقْوَى هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ
مِنْ مُحَارِبٍ، وَاسْمُهُ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ (قَالَ) : قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: اللهُ. فَوَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، قَالَ:(تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟) قَالَ: أُعَاهِدُكَ أَلَّا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ. فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَجَاءَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ. وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ السَّيْفَ الَّذِي كَانَ بِيَدِ الْأَعْرَابِيِّ كَانَ سَيْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَّقَهُ فِي شَجَرَةٍ وَقْتَ الرَّاحَةِ، فَأَخَذَهُ الرَّجُلُ، وَجَعَلَ يَهُزُّهُ، وَيَهُمُّ بِقَتْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيَكْبِتُهُ اللهُ تَعَالَى.
وَرَوَى آخَرُونَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ بَنِي النَّضِيرِ ; إِذْ
ذَهَبَ إِلَيْهِمْ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، رضي الله عنهم، يَطْلُبُونَ مِنْهُمُ الْإِعَانَةَ عَلَى دِيَةِ قَتْلِ الرَّجُلَيْنِ الْكِلَابِيَّيْنِ، اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ مُنْصَرَفَهُ مِنْ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَكَانَ مَعَهُمَا أَمَانٌ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَقَوْمُهُمَا مُحَارِبُونَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَاهَدَ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى أَلَّا يُحَارِبُوهُ، وَأَنْ يُعِينُوهُ عَلَى الدِّيَاتِ ; فَلَمَّا طَلَبَ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَهُوَ بَيْنُهُمْ أَظْهَرُوا لَهُ الْقَبُولَ، وَقَالُوا اقْعُدْ حَتَّى نَجْمَعَ لَكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا وَتَسْأَلَنَا حَاجَةً، اجْلِسْ حَتَّى نُطْعِمَكَ وَنُعْطِيَكَ الَّذِي تَسْأَلُنَا. فَلَمَّا جَلَسَ بِجَانِبِ جِدَارِ دَارٍ لَهُمْ وَجَدُوا أَنَّ الْفُرْصَةَ قَدْ سَنَحَتْ لِلْغَدْرِ بِهِ، وَقَالَ لَهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ: لَا تَرَوْنَهُ أَقْرَبَ مِنْهُ الْآنَ، اطْرَحُوا عَلَيْهِ حِجَارَةً فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تَرَوْنَ شَرًّا أَبَدًا! فَهَمُّوا أَنْ يَطْرَحُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، وَفِي رِوَايَةٍ: رَحًى عَظِيمَةً، وَإِنَّمَا اعْتَلُّوا بِصُنْعِ الطَّعَامِ ; لِيَكُونَ لَهُمْ فِيهِ وَقْتٌ يَنْقُلُونَ الصَّخْرَةَ، أَوِ الرَّحَى إِلَى سَطْحِ الدَّارِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُرِيدُونَ قَتْلَ مَنْ مَعَهُ أَيْضًا، وَقِيلَ كَانَ مَعَهُمْ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَيْضًا، وَقَدْ أَعْلَمَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فَانْطَلَقَ وَتَرَكَهُمْ، وَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهَا نَزَلَتْ مُذَكِّرَةً بِهَذِهِ الْقِصَّةِ ; فَإِنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَوَائِلِ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مُذَكِّرَةً بِهَذِهِ الْحَادِثَةِ وَبِحَادِثَةِ الْمُحَارِبِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ وَقَائِعِ الِاعْتِدَاءِ الَّتِي كَانَتْ كَثِيرَةً حَتَّى بَعْدَ قُوَّةِ الْإِسْلَامَ بِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، دَعْ مَا كَانَ يَقَعُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مِنْ إِيذَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَعُدْوَانِهِمْ ; فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُذَكِّرُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَالْمِنَّةُ لَهُ جل جلاله فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى مَنْ وَقَعَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْوَقَائِعُ مِنَ النَّبِيِّ، صَلَّى الله عَلَيْهِ، وَالْمُؤْمِنِينَ،
بَلْ هِيَ مِنَّةٌ عَامَّةٌ، يَجِبُ أَنْ يَشْكُرَهَا لَهُ، عز وجل، كُلُّ مُؤْمِنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ; لِأَنَّ حِفْظَهُ لِأُولَئِكَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ هُوَ عَيْنُ حِفْظِهِ لِهَذَا الدِّينِ الْقَوِيمِ، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَأَصْحَابُهُ هُمُ الَّذِينَ تَلَقَّوْهَا عَنْهُ بِالْقَبُولِ، وَأَدَّوْهَا لِمَنْ بَعْدَهُمْ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذَا التَّذْكِيرِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ تَرْغِيبُهُمْ فِي التَّأَسِّي بِسَلَفِهِمْ فِي الْقِيَامِ بِمَا جَاءَ بِهِ الدِّينُ مِنَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَاحْتِمَالِ الْجُهْدِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَشَاقِّ فِي هَذِهِ السَّبِيلِ، وَهِيَ سَبِيلُ اللهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْعَامُّ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ.
(وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ ; أَيِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ تَعَالَى عَلَيْكُمْ بِعِنَايَتِهِ بِكُمْ ; إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ; أَيْ شَارَفُوا أَنْ يَمُدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْكُمْ بِالْقَتْلِ، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَنْفِيذَ مَا هَمُّوا بِهِ وَكَادُوا يَفْعَلُونَهُ مِنَ الْإِيقَاعِ بِكُمْ. وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَرَاكُمْ قُدْرَتَهُ عَلَى أَعْدَائِكُمْ وَقْتَ ضَعْفِكُمْ وَقُوَّتِهِمْ، وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَحْدَهُ، فَقَدْ أَرَاكُمْ عِنَايَتَهُ بِمَنْ يَكِلُونَ أُمُورَهُمْ إِلَيْهِ بَعْدَ مُرَاعَاةِ سُنَنِهِ، وَالسَّيْرِ عَلَيْهَا فِي اتِّقَاءِ كُلِّ مَا يُخْشَى ضُرُّهُ وَسُوءُ عَاقِبَتِهِ، وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ بِقُدْرَتِهِ وَعِنَايَتِهِ وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، لَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنْفُسِهَا، وَلَا عَلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ يَغْدِرُونَ كَمَا غَدَرَ بَنُو النَّضِيرِ وَغَيْرُهُمْ ; وَلِأَنَّ أَنْفُسَهُمْ قَدْ يَكْثُرُ عَلَيْهَا الْأَعْدَاءُ، وَتَتَقَطَّعُ بِهَا الْأَسْبَابُ، فَتَقَعُ بَيْنَ أَمْوَاجِ الْحَيْرَةِ وَالِاضْطِرَابِ، حَتَّى تَفْقِدَ الْبَأْسَ، وَتُجِيبَ دَاعِيَ الْيَأْسِ، وَلَا يَقَعُ هَذَا لِلْمُؤْمِنِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ إِذَا هَمَّ أَنْ يَيْئَسَ مِنْ نَفْسِهِ بِتَقَطُّعِ الْأَسْبَابِ، وَتَغْلِيقِ الْأَبْوَابِ، وَتَغَلُّبِ الْأَعْدَاءِ، وَتَقَلُّبِ الْأَوْلِيَاءِ، يَتَذَكَّرُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَلِيُّهُ وَوَكِيلُهُ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُجِيرُ، وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ، فَتَتَجَدَّدُ قُوَّتُهُ، وَتَنْفَتِقُ حِيلَتُهُ، فَيَفِرُّ مِنْهُ الْيَأْسُ، وَيَتَجَدَّدُ عَنْهُ مَا اخْلَوْلَقَ مِنَ الْبَأْسِ، فَيَنْصُرُهُ اللهُ تَعَالَى بِمَا يَسْتَفِيدُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالذِّكْرَى وَالتَّوَكُّلِ، وَمَا يَخْذُلُ بِهِ عَدُوَّهُ وَيُلْقِي فِي قَلْبِهِ مِنَ الرُّعْبِ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضُرُوبِ عِنَايَتِهِ، عز وجل، الَّتِي رَآهَا كُلُّ مُتَوَكِّلٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْكَمَلَةِ، مَعَ سَيِّدِ الْمُتَوَكِّلِينَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَيَّامَ ضَعْفِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، وَتَأَلُّبِ النَّاسِ كُلِّهِمْ عَلَيْهِمْ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالتَّقْوَى ثُمَّ بِالتَّوَكُّلِ؛ وَإِنَّمَا التَّقْوَى بَذْلُ الْجُهْدِ فِي الْوِقَايَةِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَكُلِّ شَرٍّ وَمِنْ مَبَادِئِ ذَلِكَ وَأَسْبَابِهِ. وَلَا تَحْصُلُ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ إِلَّا بِالسَّيْرِ عَلَى سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي نِظَامِ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ ; لِأَنَّ مَنْ يُوكَلُ الْأَمْرُ إِلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يُطَاعَ. وَمَنْ تَنَكَّبَ سُنَنَ اللهِ تَعَالَى فِي الْعَالَمِ وَخَالَفَ شَرْعَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ عَمِلٍ نَافِعٍ، وَنَهَى عَنْهُ مَنْ عَمِلَ ضَارٍّ، لَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ وَاثِقًا بِهِ، وَقَدْ حَقَّقْنَا مَسْأَلَةَ التَّوَكُّلِ وَالْأَسْبَابِ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ (رَاجَعْ ص 168 - 175 مِنْ جُزْءِ التَّفْسِيرِ الرَّابِعِ،
ط الْهَيْئَةِ) .
(وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) . إِنَّ وَجْهَ الِاتِّصَالِ وَالْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا قَبْلَهَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَخْذِ اللهِ الْمِيثَاقَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا مِنَ الْمَقَاصِدِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ ; فَكَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ الَّتِي بَعَثَ اللهُ فِيهَا الرُّسُلَ، كَمَا قُلْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ تِلْكَ الْآيَةِ، فَلَمَّا ذَكَّرَنَا اللهُ تَعَالَى بِمِيثَاقِهِ، الَّذِي وَاثَقَنَا بِهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِخَاتَمِ رُسُلِهِ، ذَكَرَ لَنَا أَخْذَهُ مِثْلَ هَذَا الْمِيثَاقِ عَلَى أَقْرَبِ الْأُمَمِ إِلَيْنَا وَطَنًا وَتَارِيخًا، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَا كَانَ مِنْ نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُ، وَمِنْ عِقَابِهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَمَا يَنْتَظِرُونَ مِنْ عِقَابِ
الْآخِرَةِ - وَهُوَ أَشَدُّ وَأَبْقَى - لِنَعْتَبِرَ بِحَالِهِمْ وَنَتَّقِيَ حَذْوَ مِثَالِهِمْ، وَلِيُبَيِّنَ لَنَا عِلَّةَ كُفْرِهِمْ بِنَبِيِّنَا، وَتَصَدِّيهِمْ لِإِيذَائِهِ وَعَدَاوَةِ أُمَّتِهِ ; وَلِيُقِيمَ بِذَلِكَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَرَاهُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ. فَهَذَا مَبْدَأُ سِيَاقٍ طَوِيلٍ فِي مُحَاجَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَبَيَانِ أَنْوَاعِ كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ. قَالَ تَعَالَى:
(وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) يُقْسِمُ، عز وجل، أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ الْعَهْدَ الْمُوَثَّقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيَعْمَلُنَّ بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي شَرَعَهَا لَهُمْ ; لِإِفَادَةِ تَأْكِيدِ هَذَا الْأَمْرِ وَتَحْقِيقِهِ، وَالِاهْتِمَامِ بِمَا رَتَّبَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ قَدْ عَلِمَهُ بِالْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى تَوْرَاتِهِمْ وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ تَارِيخِهِمْ. وَلَا يَزَالُ هَذَا الْمِيثَاقُ فِي آخِرِ الْأَسْفَارِ الْخَمْسَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى مُوسَى عليه الصلاة والسلام (رَاجِعْ تَفْسِيرَ " وَأَخْذِنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا " (4: 154) مِنْ هَذَا الْجُزْءِ مِنَ التَّفْسِيرِ) .
(وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) النَّقِيبُ فِي الْقَوْمِ: مَنْ يُنَقِّبُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَيَبْحَثُ عَنْ شُئُونِهِمْ، مِنْ نَقَبَ عَنِ الشَّيْءِ: إِذَا بَحَثَ أَوْ فَحَصَ فَحْصًا بَلِيغًا، وَأَصْلُهُ الْخَرْقُ فِي الْجِدَارِ وَنَحْوِهِ ; كَالنَّقْبِ فِي الْخَشَبِ وَمَا شَابَهَهُ، وَيُقَالُ نَقَبَ عَلَيْهِمْ (مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَعَلِمَ) نِقَابَةً ; أَيْ صَارَ نَقِيبًا عَلَيْهِمْ، عُدِّيَ بِاللَّامِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّوْلِيَةِ وَالرِّيَاسَةِ، وَنُقَبَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ زُعَمَاءُ أَسْبَاطِهِمُ الِاثْنَيْ عَشَرَ. وَالْمُرَادُ بِبَعْثِهِمْ: إِرْسَالُهُمْ لِمُقَاتَلَةِ الْجَبَّارِينَ الَّذِينَ يَجِيءُ خَبَرُهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا أُخِذَ بِهِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ بَعْثَهُمْ مِنْهُمْ هُوَ جَعْلُهُمْ رُؤَسَاءَ فِيهِمْ (وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ) أَيْ إِنِّي مَعَكُمْ بِالْمَعُونَةِ وَالنَّصْرِ مَا دُمْتُمْ مُحَافِظِينَ عَلَى مِيثَاقِي، قَالَ اللهُ هَذَا لِمُوسَى عليه السلام، وَهُوَ بَلَّغَهُ عَنْهُ، وَكَانَ يُذَكِّرُهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ، وَيُجَدِّدُهُ رُسُلُهُمْ، وَيَتَوَعَّدُونَهُمْ نَحْوَ مَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ مُوسَى عِنْدَ أَخْذِهِ عَلَيْهِمْ، إِذَا هُمْ نَقَضُوهُ (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ) أَيْ وَأَقْسَمَ اللهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى بِمَا مَضْمُونُهُ: لَئِنْ أَدَّيْتُمُ الصَّلَاةَ عَلَى وَجْهِهَا، وَأَعْطَيْتُمْ مَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ الَّتِي تَتَزَكَّى بِهَا نُفُوسُكُمْ، وَتَتَطَهَّرُ مِنْ رَذِيلَةِ الْبُخْلِ (وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) أَيْ بِرُسُلِي الَّذِينَ أُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ بَعْدَ مُوسَى ; كَدَاوُدَ، وَسُلَيْمَانَ، وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى، وَعِيسَى، وَمُحَمَّدٍ،
صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَهَذِهِ هِيَ نُكْتَةُ تَأْخِيرِ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ - وَهُوَ مِنْ أَصُولُ الْعَقَائِدِ - عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَهُمَا مِنْ فُرُوعِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ الْخِطَابَ لِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ الَّذِي بَلَّغَهُمْ ذَلِكَ.
" وَالتَّعْزِيرُ ": النُّصْرَةُ مَعَ التَّعْظِيمِ، كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ، وَسُمِّيَ مَا دُونَ الْحَدِّ مِنَ التَّأْدِيبِ الشَّرْعِيِّ تَعْزِيرًا ; لِأَنَّهُ نُصْرَةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَمْعٌ لِلْمُعَزَّرِ عَمَّا يَضُرُّ وَمَنَعٌ لَهُ أَنْ يُقَارِفَهُ. فَالتَّعْزِيرُ قِسْمَانِ: أَنْ تَرُدَّ عَنِ الْمَرْءِ مَا يَضُرُّهُ، أَوْ تَرُدَّهُ هُوَ عَمَّا يَضُرُّهُ مُطْلَقًا، وَالْأَوَّلُ هُوَ تَعْزِيرُ النَّاسِ لِلرُّسُلِ (وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا) أَيْ وَبَذَلْتُمْ مِنَ الْمَالِ وَالْمَعْرُوفِ فَوْقَ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ وَفَرَضَهُ عَلَيْكُمْ بِالنَّصِّ ; فَكُنْتُمْ بِذَلِكَ بِمَثَابَةِ مَنْ أَقْرَضَ مَالَهُ لِغَنِيٍّ مَلِيٍّ وَفِيٍّ ; فَهُوَ لَا يَضِيعُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَجِدُهُ أَمَامَهُ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ مَا فِي هَذَا التَّعْبِيرِ مِنَ الْبَلَاغَةِ وَالتَّأْثِيرِ، فَارْجِعْ إِلَى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً)(2: 245) فِي ص 366 - 372 مِنْ جُزْءِ التَّفْسِيرِ الثَّانِي ط الْهَيْئَةِ. (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) هَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ ; أَيْ لَأُزِيلَنَّ بِتِلْكَ الْحَسَنَاتِ الْخَمْسِ - الصَّلَاةِ
،
وَالزَّكَاةِ، وَالْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ، وَتَعْزِيرِهِمْ، وَالْإِقْرَاضِ الْحَسَنِ - تَأْثِيرَ سَيِّئَاتِكُمُ الْمَاضِيَةِ مِنْ نُفُوسِكُمْ، فَلَا يَبْقَى فِيهَا خُبْثٌ يَقْتَضِي الْعِقَابَ، وَذَلِكَ بِحَسَبَ مَا مَضَتْ بِهِ سُنَّةُ اللهِ تَعَالَى مِنْ إِذْهَابِ الْحَسَنَاتِ لِلسَّيِّئَاتِ، كَمَا يَغْسِلُ الْمَاءُ الْقَاذُورَاتِ (وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ طَاهِرَ النَّفْسِ مِنَ الشِّرْكِ، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْفِطْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ مِرَارًا، وَلَمَّا بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْوَعْدَ بِالْجَزَاءِ الْحَسَنِ عَلَيْهِ أَعْقَبَهُ بِبَيَانِ حَالِ مَنْ كَانَ عَلَى ضِدِّهِ، فَقَالَ:(فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلَ) أَيْ ضَلَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وَالسَّبِيلَ السَّوِيَّ، الَّذِي يُوَصِّلُ سَالِكَهُ إِلَى إِصْلَاحِ قَلْبِهِ وَتَزْكِيَةِ نَفْسِهِ، وَيَجْعَلُهُ أَهْلًا لِجِوَارِ اللهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْجَنَّاتِ، وَانْحَرَفَ عَنْ وَسَطِهِ فَخَرَجَ عَنْهُ بِسُلُوكِ إِحْدَى سُبُلِ الْبَاطِلِ الْمُفْسِدَةِ لِلْفِطْرَةِ، وَالْمُدَسِّيَةِ لِلنَّفْسِ الَّتِي يَنْتَهِي سَالِكُهَا إِلَى دَارِ الْجَحِيمِ وَالْخِزْيِ الْمُقِيمِ.
(فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) أَيْ فَبِسَبَبِ نَقْضِهِمْ مِيثَاقَنَا الَّذِي أَخَذْنَاهُ عَلَيْهِمْ، وَوَاثَقْنَاهُمْ بِهِ، وَمِنْهُ الْإِيمَانُ بِمَنْ نُرْسِلُهُ إِلَيْهِمْ مِنَ
الرُّسُلِ وَنَصْرُهُمْ، وَتَعْزِيرُهُمْ، اسْتَحَقُّوا لَعْنَتَنَا وَالْبُعْدَ مِنْ رَحْمَتِنَا ; لِأَنَّ نَقْضَ الْمِيثَاقِ قَدْ دَنَّسَ نُفُوسَهُمْ، وَأَفْسَدَ فِطْرَتَهُمْ، وَقَسَّى قُلُوبَهُمْ حَتَّى قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَافْتَرَوْا عَلَى مَرْيَمَ وَبَهَتُوهَا، وَأَهَانُوا وَلَدَهَا الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ تَعَالَى لِهِدَايَتِهِمْ، وَإِصْلَاحِ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَحَاوَلُوا قَتْلَهُ، وَافْتَخَرُوا بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الشُّبْهَةِ، فَمَعْنَى لَعْنِهِمْ وَجَعْلِ قُلُوبِهِمْ قَاسِيَةً أَنَّ نَقْصَ الْمِيثَاقِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْكُفْرِ كَانَ بِحَسَبَ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي تَأْثِيرِ الْأَعْمَالِ فِي النُّفُوسِ، مُبْعِدًا لَهُمْ عَنْ كُلِّ مَا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ رَحْمَةَ اللهِ وَفَضْلَهُ، وَمُقَسِّيًا لِقُلُوبِهِمْ حَتَّى لَمْ تَعُدْ تُؤَثِّرُ فِيهَا حُجَّةٌ وَلَا مَوْعِظَةٌ، فَهَذَا مَعْنَى إِسْنَادِ اللَّعْنَةِ وَتَقْسِيَةِ الْقُلُوبِ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَا يَزْعُمُهُ الْجَبْرِيَّةُ مِنْ أَنَّهُ شَيْءٌ خَلَقَهُ اللهُ ابْتِدَاءً، وَعَاقَبَهُمْ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُسَبَّبًا عَنْ أَعْمَالِهِمْ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي هِيَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ، وَلَا كَمَا يَفْهَمُهُ بَعْضُ الْجَاهِلِينَ لِسُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي الْجَزَاءِ الْإِلَهِيِّ ; إِذْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْجَزَاءِ الْوَضْعِيِّ الْمُرَتَّبِ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّرَائِعِ وَالْقَوَانِينِ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ بَيَّنَّا مِرَارًا أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْأَمْرَاضِ وَالْآلَامِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ قَوَانِينِ الطِّبِّ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْقُولٌ فِي نَفْسِهِ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ وَلِحِكْمَةِ التَّكْلِيفِ، وَجَامِعٌ بَيْنَ النُّصُوصِ، وَلَوْ خَلَقَ اللهُ الْقَسْوَةَ فِي قُلُوبِهِمُ ابْتِدَاءً فَلَمْ تَكُنْ أَثَرًا لِأَعْمَالِهِمُ الِاخْتِيَارِيَّةِ السَّيِّئَةِ لَاسْتَحَالَ أَنْ يَذُمَّهُمْ بِهَا، وَيُعَاقِبَهُمْ عَلَيْهَا. قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " قَسِيَّةً " بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى وَزْنِ " فَعِيلَةً "، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْوَصْفِ مِنْ " قَاسِيَةً " وَهِيَ قِرَاءَةُ الْبَاقِينَ، وَلِأَجَلِ مُوَافَقَةِ الْقِرَاءَتَيْنِ كُتِبَتِ الْكَلِمَةُ فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَقِيلَ: إِنَّ " قَسِيَّةً " بِمَعْنَى " رَدِيئَةً فَاسِدَةً "، مِنْ قَوْلِهِمْ دِرْهَمٌ قَسِيٌّ، عَلَى وَزْنِ " شَقِيٌّ ": أَيْ " فَاسِدٌ مَغْشُوشٌ "، وَقَدْ رَدَّ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَا الْمَعْنَى إِلَى الْقَسْوَةِ بِمَعْنَى الصَّلَابَةِ ; لِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ الْخَالِصَيْنِ فِيهِمَا لِينٌ، فَإِذَا غُشَّا بِإِدْخَالِ بَعْضِ الْمَعَادِنِ فِيهِمَا كَالنُّحَاسِ أَفَادَهُمَا ذَلِكَ قَسْوَةً وَصَلَابَةً.
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) التَّحْرِيفُ: إِمَالَةُ الشَّيْءِ عَنْ مَوْضِعِهِ إِلَى أَيِّ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَرْفِ، وَهُوَ الطَّرَفُ وَالْجَانِبُ، وَالْكَلِمُ جَمْعُ كَلِمَةٍ، وَتُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ، وَهُوَ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ النُّحَاةُ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ الْمُرَكَّبَةِ ذَاتِ الْمَعْنَى التَّامِّ الْمُفِيدِ ; كَقَوْلِكَ: كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَتَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ يَصْدُقُ
بِتَحْرِيفِ الْأَلْفَاظِ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْحَذْفِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَبِتَحْرِيفِ الْمَعَانِي بِحَمْلِ الْأَلْفَاظِ عَلَى غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ، وَقَدِ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِنَا الْأَعْلَامِ هَذَا الْمَعْنَى فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي أَلْفَاظِ كِتَابٍ مُتَوَاتِرٍ مُتَعَسِّرٌ أَوْ مُتَعَذِّرٌ، وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِيَارِ وَالتَّعْلِيلِ عَدَمُ وُقُوفِ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَارِيخِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَعَدَمُ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى كُتُبِهِمْ، وَقِيَاسُ تَوَاتُرِهَا عَلَى الْقُرْآنِ. وَالتَّحْقِيقُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ عَرَفُوا تَارِيخَ الْقَوْمِ وَاطَّلَعُوا عَلَى كُتُبِهِمُ الَّتِي يُسَمُّونَهَا التَّوْرَاةَ وَغَيْرِهَا (وَكَذَا كُتُبُ النَّصَارَى) هُوَ أَنَّ التَّحْرِيفَ اللَّفْظِيَّ وَالْمَعْنَوِيَّ كِلَاهُمَا وَاقِعٌ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ، وَأَنَّهَا كُتُبٌ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ، فَالتَّوْرَاةُ الَّتِي كَتَبَهَا مُوسَى عليه السلام، وَأَخَذَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِحِفْظِهَا - كَمَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي الْفَصْلِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ مِنْ سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ - قَدْ فُقِدَتْ قَطْعًا، بِاتِّفَاقِ مُؤَرِّخِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ نُسْخَةٌ سِوَاهَا، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَحْفَظُهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، كَمَا حَفِظَ الْمُسْلِمُونَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَهَذِهِ الْأَسْفَارُ الْخَمْسَةُ الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إِلَى مُوسَى فِيهَا خَبَرُ كِتَابَتِهِ التَّوْرَاةَ، وَأَخْذِهِ الْعَهْدَ عَلَيْهِمْ بِحِفْظِهَا، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا قَطْعًا، وَفِيهَا خَبَرُ مَوْتِهِ وَكَوْنِهِ لَمْ يَقُمْ بَعْدَهُ أَحَدٌ مِثْلُهُ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ ; أَيِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ مَا ذُكِرَ مِنْ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ، وَهَذَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي كَوْنِ الْكَاتِبِ كَانَ بَعْدَ مُوسَى بِزَمَنٍ يَظْهَرُ أَنَّهُ طَوِيلٌ، وَكَوْنِ مَا ذُكِرَ لَيْسَ مِنَ التَّوْرَاةِ فِي شَيْءٍ، وَمِنَ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا فُقِدَتْ عِنْدَ سَبْيِ الْبَابِلِيِّينَ لَهُمْ. وَفِي هَذِهِ الْأَسْفَارِ مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْكَلِمِ الْبَابِلِيِّ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهَا كُتِبَتْ بَعْدَ السَّبْيِ. فَأَيْنَ التَّوَاتُرُ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ نَقْلُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ الَّذِينَ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ مِنَ الطَّبَقَاتِ، بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ الْإِسْنَادُ فِي طَبَقَةٍ مَا؟ وَالْمَرْجِعُ عِنْدَ مُحَقِّقِي الْمُؤَرِّخِينَ مِنَ الْإِفْرِنْجِ أَنَّ هَذِهِ التَّوْرَاةَ الْمَوْجُودَةَ كُتِبَتْ بَعْدَ مُوسَى بِبِضْعَةِ قُرُونٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ الْأَسْفَارَ الْمُقَدَّسَةَ بَعْدَ السَّبْيِ عِزْرَا الْكَاهِنُ فِي زَمَنِ الْمَلِكِ أَرْتَحْشِشْتَا الَّذِي أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ ; إِذْ أَذِنَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْعَوْدَةِ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَسُورَةِ النِّسَاءِ، وَسَنَزِيدُهَا بَيَانًا.
(وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:" نَسُوا الْكِتَابَ "، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: " نَسُوا كِتَابَ
اللهِ ; إِذْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ "، وَمُرَادُهُمَا الْحَظُّ مِنْهُ ; أَيْ نَسُوا طَائِفَةً مِنْ أَصْلِ الْكِتَابِ، وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرَ الْآيَةِ: " إِنِّي لَأَحْسَبُ الرَّجُلَ يَنْسَى الْعِلْمَ كَانَ يَعْلَمُهُ بِالْخَطِيئَةِ يَعْمَلُهَا ; يُعَلِّلُ بِذَلِكَ مَا أَفَادَتْهُ الْآيَةُ مِنْ نِسْيَانِهِمْ لِبَعْضِ مَا ذَكَّرَهُمُ اللهُ بِهِ مِنْ كِتَابِهِ ". وَفَسَّرَ النِّسْيَانَ بَعْضُ