الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مدخل
…
إنكار الجن من شطحات التفسير الموضوعي للقرآن
للشيخ مصطفى الوراق إبراهيم مدرس بالمعهد الثانوي
الحمد لله نحمده ونستعينه ونصلي ونسلم على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أما بعد:
فإن الإيمان ((بالملائكة)) إيمان غيبي ذلك لأنهم عالم غير مرئي، والإيمان بالجن إيمان غيبي، لأنهم عالم غير مرئي أيضا، والتصديق بالغيب كله إنما يقوم على قاعدة متينة ثابتة، تلك القاعدة هي الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فكل من استقرت نفسه على الإيمان صدّق –ولا ريب- بكل الغيبيات، ذلك لأن التصديق بالغيب شعبة من شعب الإيمان.
قال الله تعالى: {ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} وقال سبحانه: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} . وفي القديم أنكر أهل الاعتزال وجود الجن مع أن عالم الجن ثابت لا شك فيه بإخبار الله سبحانه عنه، يقول الإمام القرطبي في تفسيره:"أنكر معظم المعتزلة الشياطين والجن، ودل إنكارهم على قلة مبالاتهم وركاكة ديانتهم وليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم" ثم أورد القرطبي بعض الآيات الدالة على وجود الجن والشياطين كآية البقرة {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} وقال في آخر كلامه: "وسورة الجن تقضي بذلك" أما في عصرنا هذا فإن معظم المنكرين للجن من المفتونين بالحضارة المادية، ولم يضف هؤلاء دليلا جديدا يجعل الناس يفتنون (بقضية) إنكار الجن، ولذلك فإن مما يثير أشد الأسف أن
يكون الدكتور محمد البهي حاملا للواء المنكرين (للجن) في هذا العصر متوهما أنه سيعطي قضية الباطل شيئا من القوة –بما له من مكانة علمية- أو مخيلا أنه سيبث في كيانها الميت روحا من الحياة، وهيهات. لأن الحق يعرف قبل الرجال وبمعزل عن بريق الألوان والأصباغ. ولقد أعد الدكتور محمد البهي تفسيرا للقرآن أسماه بالتفسير الموضوعي وحمل على كاهله فيما حمل أن يصحح –حسب زعمه - اعتقاد المسلمين في الجن وكأن المسلمين – منذ الصدر الأول - كانوا في ضلال الاعتقاد لإيمانهم بالجن، ومضى عليهم أربعمائة سنة بعد الألف وأجيالهم ترسف في ظلمات الجهالة! فماذا جدّ في عالم الموضوعية مما ينفذ أمره ولا يرد دليله وقوله حتى تحمس الدكتور بل وتجرأ ليظهر بوجه الإنكار القبيح؟!
وقبل أن نحكم على كلام الدكتور بما يستحقه من حق أو باطل يسحن –بحكم الموضوعية - أن نعرض رأيه بأمانة كما كتبه في تفسيره، يقول الدكتور في تفسير سورة الفرقان صفحة 4 وهو يحدد معنى عالمية الرسالة الإسلامية: "وقد يميل بعض المفسرين إلى أن العالمية في رسالة القرآن بين الشعوب والأقوام، ولا بين الأجيال والمجتمعات مع اختلاف اللغات واختلاف الزمان ومكان. بل هي العالمية بين ((الجن)) والإنس
…
وقد آن الأوان أن يفهم المتصدي لتفسير القرآن أن لفظ الجن كما ورد في القرآن قصد به غير المعهود للإنسان، وأطلقه القرآن مرة على فريقين من الناس لم يكونوا معهودين للرسول صلى الله عليه وسلم وهو يجالس المؤمنين في مكة، وورد هذا الإطلاق في سورة الأحقاف 29، 30 في قوله تعالى:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيم} وهذا النفر في رأي الدكتور هو فريق من الأوس والخزرج، واستدل على زعمه بما جاء في الآية من ذكر للتوراة والأوس والخزرج كانوا على صلة باليهود. ثم يقول الدكتور في صفحة 5 من تفسيره لسورة الفرقان:"كما أطلق القرآن لفظ الجن مرة أخرى على الملائكة في سورة الصافات 158 في قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} فالسياق قبل وبعد يحدد أن الجنة هنا هم الملائكة الذين ادعى مشركوا قريش أنهم بنات الله في قوله تعالى في السورة نفسها 149 -150: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ} وفيما عدا هذين الموضعين فلفظ الجن مفهوم لغوي لا يقصد منه سوى غير المعهود للإنسان شريرا أو خيّرا ماهرا أو غير ماهر" انتهى كلامه.
وقبل أن نتعرض لتأويل الدكتور (الحاسم) للفظ الجن نذكر ما تعارفت عليه لغة العرب من مدلولات كلمة (الجن) ومادتها، فقد عرف العرب جنّ الليل إذا أظلم، وأجنّ
الشيء في صدره، أكنه. والجنة: البستان والجان: جنس من الحيات، والجن: عالم من المخلوقات العالقة لا تدركه حواس الإنسان، والجِنة جماعة الجن، والجنة الملائكة لاختفائهم عن الأبصار، والجُنة بضم الجيم: السترة والوقاية، كما عرفت اللغة الجنين والجنون والمجنون. إذن فمن مفاهيم (اللغة) للجن أنهم عالم لا يدرك بحاسة البصر ولا بغيرها من الحواس1 وهذا ما تقوله كتب اللغة باتفاق تام، وقد أوضح القرآن بعض اعتقادات العرب في الجن وانتقد ما فيها من باطل، وأرشد إلى الحق، فمن ذلك ما جاء في سبب نزول الآية {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} أن أهل الجاهلية كانوا إذا نزلوا بواد ليلا استعاذوا بسيد الوادي من شر سفهائه2، وكان العربي يطلق صوته بهذه الاستعاذة وهو يخاطب عالما غير منظور مستعيذا بزعيمه من شر سفهائه كما يستجير الغريب النازل بقبيلة من العرب بسيد القبيلة طالبا حمايته. ويحسن بعد هذا أن نأخذ في الرد على (نظرية) الدكتور في الجن يقول:
في الموضع الأول: "إن الجن ورد في آية الأحقاف: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ} بمعنى فريق من الناس غير معهود للرسول صلى الله عليه وسلم فهل يصح أن يسمى الإنسان من يقابلهم لأول مرة جنا؟ وإذا كان هذا الإطلاق سائغا فلماذا لم نجده في كلام العرب وأشعارهم؟ وكيف يكون الفريق المذكور من الأوس والخزرج وهما القبيلتان المعروفتان المشهورتان في جزيرة العرب وخارجها ومع ذلك يصح أن يطلق على وفدهما لفظ الجن؟ ولماذا لم يطلق على غيرهما من وفود العرب الذين التقى بهم الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم للإسلام مع أن هذه الوفود لم تكن في مستوى الأوس والخزرج مكانة ولا شهرة؟! على أن تفسير الدكتور ((للجن)) في هذه الآية لا يقره المفسرون الأقدمون ولا المحدثون فكيف يكون تأويله وحده هو الصحيح، ويكون تأويل كل المفسرين باطلا؟ فالمراد بالجن هنا عالم المخلوقات التي لا نراها والتي حدثنا عنها الكتاب الكريم والسنة النبوية الصحيحة. وهذا المعنى للجن مما تعارفت عليه لغة العرب بل وعقائدهم، فعلام يستند الدكتور في نفيه لوجود الجن؟ أعلى أنه لا يراهم؟ وهل تعتبر الرؤيا دليلا حاسما على وجود الشيء أو عدمه؟ وهل يقر الدكتور ((بموضوعية)) هذا المنهج القائم على إنكار وجود كل ما لا يرى والدكتور في تفسيره يعترف بوجود الملائكة فهل رأى الدكتور يوما واحدا منهم؟ أما الموضع الثاني والذي يقول غيه الدكتور: إن المراد بالجنة – بكسر الجيم - في قوله تعالى:
1 راجع اللسان مادة (جنن) والقاموس المحيط الجزء الرابع الطبعة الثانية المطبعة الحسينية المصرية صفحة 210 -211. والصحاح للجوهري الجزء الخامس دار الملايين صفحة 2093. ومختار الصحاح للرازي الطبعة الأولى دار الكتاب العربي مادة جنن صفحة 113 -114.
2 ابن كثير في تفسير سورة الجن والطبري أيضا.