الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بغلام يسقيه وانا نائم فينغص عليَّ نومي فرأيته قد قام يمشي على أطراف أصابعهِ حتى أتى موضع الماء وبينه وبين المكان الذي فيه الكيزان نحو من ثلثمائة خطوة فأخذ منها كوزاً فشرب ثم رجع على أطراف أصابعه حتى قرب من الفراش الذي أنا عليه فخطا خطوات خائفاً لئلا ينبهني حتى صار إلى فراشه ثم رأيته آخر الليل قام يبول وكان يقوم في أول الليل وآخره فقعد طويلاً يحاول أن أتحرك فيصيح بالغلام فلما تحركت وثب قائماً وصاح يا غلام وتأهب للصلاة ثم جاءني فقال لي كيف أصبحت يا أبا محمد وكيف كان مبيتك قلت خير مبيت جعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين قد خصك الله تعالى بأخلاق الأنبياء وأحب لك سيرتهم فهناك الله تعالى بهذه النعمة وأتمها عليك فأمر لي بألف دينار فأخذتها وأنصرفت.
قال وبت عنده ذات ليلة فانتبه وقد عرض له السعال حتى غلبه فسعل وأكب على الأرض لئلا يعلو صوته فانتبه.
وكنت معه يوماً في بستان ندور فيه فجعلنا نمر بالريحان فيأخذ منه الطاقتين ويقول لقيِّم البستان أصلح هذا الحوض ولا تغرس في هذا الحوض شيئاً من البقول قال يحيى ومشينا في البستان من أوله إلى آخره وكنت أنا ما يلي الشمس والمأمون مما يلي الظل فكان يجذبني أن أتحول أنا في الظل ويكون هو في الشمس فامتنع من ذلك حتى بلغنا آخر البستان فلما رجعنا قال يا يحيى والله لتكونن في مكاني ولأكونن في مكانك حتى آخذ نصيبي من الشمس كما أخذت نصيبك وتأخذ نصيبك من الظل فقلت والله يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك يوم الهول بنفسي لفعلت فلم يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس ووضع يده على عاتقي وقال بحياتي عليك إلا وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت أنا فإنه لا خير في صحبة من لا ينصف.
أمنية أحمقين
وحكي أن أحمقين أصطحبا في طريق فقال أحدهما تعالَ نتمنَّ على الله فإن الطريق تقطع بالحديث فقال أحدهما أنا أتمنى قطائع غنم أنتفع بلبنها ولحمها وصوفها وقال الآخر أنا أتمنى قطائع ذئاب أرسلها على غنمك حتى لا تترك منها شيئاً قال ويحك أهذا من حق الصحبة وحرمة العشرة فتصايحا واشتدت الخصومة بينهما حتى تماسكا بالأطواق ثم تراضيا على أن أول من يطلع عليهما يكون حكماً بينهما فطلع عليهما شيخ بحمار عليه زقان من عسل فحدثاه بحديثهما فنزل بالزقين وفتحهما حتى سال العسل على التراب ثم قال صب الله دمي مثل هذا العسل إن لم تكونا أحمقين.
بكاء زين العابدين
وقال الأصمعي بينما أنا أطوف بالبيت ذات ليلة إذ رأيت شاباً متعلقاً بأستار الكعبة
وهو يقول:
يا من يجيب دعا المضطّر في الظُّلم
…
يا كاشف الضرُّ والبلوى مع السقم
قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا
…
وأنت يا حيُّ يا قيومُ لم تنم
أدعوك ربّي حزيناً هائماً قلقاً
…
فأرحم بكائي بحقّ البيت والحرم
إن كان جودك لا يرجوه ذو سفهٍ
…
فمن يجود على العاصين بالكرم
ثم بكى بكاء شديداً وأنشد يقول:
الا أيها المقصود في كلِّ حاجةٍ
…
شكوت إليك الضرَّ فأرحم شكايتي
ألا يا رجائي أنت تكشف كربتي
…
فهبّ لي ذنوبي كلّها وأقضِ حاجتي
أتيت بأعمالٍ قباحٍ رديئةٍ
…
وما في الورى عبدٌ جنى كجنايتي
أتحرقني بالنار يا غاية المنى
…
فأين رجائي ثم أين مخافتي
ثم سقط على الأرض مغشياً عليه فدنوت منه فإذا هو زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين فرفعت رأسه في حجري وبكيت فقطرت دمعة من دموعي على خده ففتح عينيه وقال من هذا الذي يهجم علينا قلت عبدك الأصمعي سيدي ما هذا البكاء والجزع وأنت من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة أليس الله تعالى يقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً قال: هيهات هيهات يا أصمعي إن الله خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً وخلق النار لمن عصاه ولو كان حراً قرشياً أليس الله تعالى يقول: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنَّم خالدون انتهى.
وكان أبو العباس السفاح يعجبه السمر ومنازعة الرجال بعضهم بعضاً فحضر عنده ذات ليلة إبراهيم بن مخرمة الكندي وخالد بن صفوان بن الأهيم فخاضوا في الحديث تذاكروا مضر واليمن فقال إبراهيم بن مخرمة يا أمير المؤمنين أن أهل اليمن هم العرب الذي دانت لهم الدنيا ولا يزالوا ملوكاً ورثوا الملك كابرا عن كابر وآخراً من أول منهم النعمان والمنذر ومنهم عياض صاحب البحرين ومنهم من كان يأخذ كل سفينة غصباً وليس من شيء له خطر إلا إليهم ينسب إن سئلوا أعطوا وإن نزل بهم ضيف أقروه فهم العرب العاربة وغيرهم المتعربة فقال أبو العباس ما أظن التميمي رضي بقولك ثم قال ما تقول أنت يا خالد قال إن أذن لي أمير المؤمنين في الكلام تكلمت قال تكلم ولا تهب أحدا قال أخطأ المقتحم بغير علم ونطق بغير صواب وكيف يكون ذلك لقوم ليس لهم ألسن فصيحة ولا لغة صحيحة نزل بها كتاب ولا جاءت بها سنة يفتخرون علينا بالنعمان والمنذر ونفتخر عليهم بخير الأنام
وأكرم الكرام سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام فللَّه المنة به علينا وعليهم فمنا النبي المصطفى والخليفة المرتضى ولنا البيت المعمورة زمزم والحطيم والمقام والحجابة والبطحاء وما لا يحصى من المآثر ومنا الصديق والفاروق وذو النورين والوصي والولي وأسد الله وسيد الشهداء وبنا عرفوا الدين وأتاهم اليقين فمن زاحمنا زاحمناه ومن عادانا اضطلمناه ثم أقبل خالد على إبراهيم فقال ألك علم بلغة قومك قال نعم قال فما اسم العين عندكم قال الجمجمة قال فما اسم السن قال الميدن قال فما اسم الأذن قال الصنارة قال فما اسم الأصابع قال صنّاراتهم قال فما اسم الذئب قال الكنع قال أفعالهم أنت بكتاب الله عز وجل قال نعم فإن الله تعالى يقول: " إنا أنزلناه قرآناً عربيا " وقال: " بلسان عربي مبين " وقال تعالى: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " فنحن العرب والقرآن بلساننا أنزل ألم تر أنّ الله تعالى قال والعين بالعين ولم يقل والجمجمة بالجمجمة وقال تعالى والسن بالسن ولم يقل والميدن بالميدن وقال تعالى والأذن بالأذن ولم يقل الصنارة بالصنارة وقال تعالى يجعلون أصابعهم في آذانهم ولم يقل صنَّاراتهم في صنَّاراتهم وقال تعالى فأكله الذئب ولم يقل فأكله الكنع ثم قال لإبراهيم: أني أسألك عن أرعب أن أقررت بهن مهرت وإن جحدتهن كفرت فقال وما هن قال الرسول منا أو منكم قال منكم قال والقرآن أنزل علينا أو عليكم قال عليكم قال المنبر فينا أو فيكم قال فيكم قال فالبيت لنا أو لكم قال لكم فأذهب فما كان بعد هؤلاء فهو لكم بل ما أنت إلا سائس قرد أو دابغ جلد أو ناسج برد قال فضحك أبو العباس وأقر لخالد وحباهما جميعاً.
وحكي أن الحجاج أخذ يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وعذبه واستأصل موجوده وسجنه فتوصل يزيد بحسن تلطفه وأرغب السجان واستماله وهرب هو والسجان وقصد الشام إلى سليمان بن عبد الملك فلما وصل يزيد بن المهلب إلى سليمان بن عبد الملك أكرمه وأحسن إليه وأقامه عنده فكتب الحجاج إلى الوليد يعلمه أن يزيد هرب من السجن وأنه عند سليمان بن عبد الملك أخي أمير المؤمنين وليّ عهد المسلمين وأن أمير المؤمنين أعلى رأيا فكتب الوليد إلى أخيه سليمان بذلك فكتب سليمان إلى أخيه يقول يا أمير المؤمنين إني ما أجرت يزيد بن المهلب إلا لأنه هو وأبوه وأخوته من صنائعنا قديماً وحديثاً ولم أجر عدواً لأمير المؤمنين وقد كان الحجاج قصده وعذبه وغرمه أربعة آلاف ألف درهم ظلما ثم طالبه بثلاثة آلاف ألف درهم وقد صار إلي وأستجار بي فأجرته وأنا أغرم عنه هذه الثلاثة آلاف ألف درهم فإن رأى أمير المؤمنين أن لايجزيني
في ضيفي فليفعل فإنه أهل الفضل والكرم فكتب إليه الوليد أنّه لابد أن ترسل إليّ يزيد مغلولا مقيداً فلما ورد ذلك على سليمان أحضر ولده أيوب فقيده ودعا يزيد بن المهلب فقيده ثم شد قيد هذا إلى قيد هذا بسلسلة وغلهما جميعاً بغلين وأرسلهما إلى أخيه الوليد وكتب إليه أما بعد يا أمير المؤمنين فقد وجهت إليك يزيد وابن أخيك أيوب بن سليمان ولقد هممت أن أكون ثالثهما فإن هممت يا أمير المؤمنين بقتل يزيد فبالله عليك أبدأ بأيوب من قبله ثم اجعل يزيد ثانياً واجعلني إذا شئت ثالثاً والسلام فلما دخل يزيد بن المهلب وأيوب بن سليمان في سلسلة واحدة فأطرق الوليد استحياء وقال لقد أسأنا إلى أبي أيوب إذ بلغنا به هذا المبلغ فأخذ يزيد يتكلم ويحتج لنفسه فقال له الوليد ما نحتاج إلى الكلام فقد قبلنا عذرك وعلمنا ظلم الحجاج ثم أنه أحضر حداداً وأزال عنهما الحديد وأحسن إليهما ووصل أيوب ابن أخيه بثلاثين ألف درهم وصل يزيد بن المهلب بعشرين ألف درهم وردهما إلى سليمان وكتب كتاباً إلى الحجاج يقول له لا سبيل لك على يزيد بن المهلب فإياك أن تعاودني فيه بعد اليوم فسار يزيد إلى سليمان بن عبد الملك وأقام عنده في أعلى المراتب وأرفع المنازل انتهى.
وحكى أبو علي المصري قال: كان لي جار شيخ يغسل الموتى فقلت له يوما حدثني بأعجب ما رأيت من الموتى فقال جاءني شاب في بعض الأيام مليح الوجه حسن الثياب فقال لي أتغسل لنا هذا الميت قلت نعم فتبعته حتى أوقفني على باب فدخل هنيهة فإذا بجارية هي أشبه الناس بالشاب قد خرجت وهي تمسح عينيها فقالت أنت الغاسل قلت نعم قالت بسم الله أدخل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فدخلت الدار وإذا بالشاب الذي جاءني يعالج سكرات الموت وروحه في لبَّته وقد شخص بصره وقد وضع كفنه وحنوطه عند رأسه فلم أجلس إليه حتى قبض فقلت سبحان الله هذا ولي من أولياء الله تعالى حيث عرف وقت وفاته فأخذت في غسله وأنا أرتعد فلما أدرجته أتت الجارية وهي أخته فقبلته وقالت أما إني سألحق بك عن قريب فلما أردت الأنصراف شكرت لي وقالت أرسل إليَّ زوجتك إن كانت تحسن ما تحسنه أنت فأرتعدت من كلامها وعلمت أنها لاحقة به فلما فرغت من دفنه جئت أهلي فقصصت عليها القصة وأتيت بها إلى تلك الجارية فوقفت بالباب واستأذنت فقالت بسم الله تدخل زوجتك فدخلت زوجتي فإذا بالجارية مستقبلة القبلة وقد ماتت فغسلتها زوجتي وأنزلتها على أخيها رحمة الله عليهما:
أأحبابَنا بِنتُم عنِ الار فاشتكتْ
…
لبعدكم آصالُها وضُحاها
وفارقتم الدار الأنيسة فاستوت
…
رسومُ مبانيها وفاح كلاها
كأنكم يوم الفراقِ رحلتمُ
…
بنومي فعيني لا تصيبُ كراها
وكنت شحيحاً من دموعي بقطرةٍ
…
فقد صرت سمحاً بعدكم بدماها
يراني بساماً خليلي يظنُ بي
…
سرورا وأحشائي السقامُ ملاها
وكم ضحكةٍ في القلب منها حرارةٌ
…
يشبُّ لظاها لو كشفتُ غطاها
رعى الله أياماً بطيبِ حديثكمْ
…
تقضّت وحيّاها الحيا وسقاها
فما قلت إيهاً بعدها لمسامرٍ
…
من الناس إلا قال قلبيَ آها
قيل لقيس بن سعد هل رأيت قط أسخى منك قال نعم نزلنا بالبادية على امرأة فجاء زوجها فقالت له: إنه نزل بنا ضيفان فجاء بناقة فنحرها وقال شأنكم فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها وقال شأنكم فقلنا ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا القليل فقال إني لا أطعم ضيفاني الفائت فبقينا عنده أياماً والسماء تمطر وهو يفعل كذلك فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة أعتذري لنا إليه ومضينا فلما ارتفع النهار إذا برجل يصيح خلفنا قفوا فوقفنا فلما دنا منا قال خذوا دنانيركم فإني لا آخذ على إكرامي ثمناً وإن لم تأخذوها طعنتكم برمحي هذا فأخذناها وانصرفنا.
وكان يزيد بن المهلب من الأجواد الأسخياء وله أخبار في الجود عجيبة من ذلك ما حكاه عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال لما أراد يزيد بن المهلب الخروج إلى واسط أتيته فقلت أيها الأمير إنْ رأيت أن تأذن لي فأصحبك قال إذا قدمت واسط فائتنا إن شاء الله تعالى فسافر وأقمت فقال لي بعض إخواني أذهب إليه فقلت كان جوابه فيه ضعف قال أتريد من يزيد جواباً أكثر مما قال فسرت حتى قدمت عليه فلما كان في الليل دعيت إلى السمر فتحدث القوم حتى ذكروا الجواري فالتفت إليَّ يزيد وقال إيه يا عقيل فقلت:
أفاض القوم في ذكر الجواري
…
فأمّا الأعزبون فلن يقولوا
قال إنك لا تبقى عزبا فلما رجعت إلى منزلي إذا أنا بخادم قد أتاني ومعه جارية وفرش بيت وبدرة عشرة آلاف درهم وفي الليلة الثانية كذلك فمكثت عشر ليالي وأنا على هذه الحالة فلما رأيت ذلك دخلت عليه في اليوم العاشر فقلت أيها الأمير قد والله أغنيت وأقنيت فإن رأيت أن تأذن لي في الرجوع فأكتب عدوي وأسِرُّ صديقي فقال إنما أخيِّرك بين خلَّتين إما أن
تقيم فنوليك أو ترحل فنغنيك فقلت أو لم تغنني أيها الأمير قال إنما هذا أثاث المنزل ومصلحة القدوم فنالني من فضله ما لا أقدر على وصفه.
وحدث أبو اليقظان عن أبيه قال حج يزيد بن المهلب فطلب حلاقاً يحلق رأسه فجاءوه بحلاق فحلق رأسه فأمر له بخمسة آلاف درهم فتحير الحلاق ودهش وقال آخذ هذه الخمسة ألاف وأمضي إلى أم فلان أخبرها أني قد استغنيت فقال أعطوه خمسة آلاف أخرى فقال امرأتي طالق إن حلقت رأس أحد بعدك.
وقيل إن الحجاج حبسه على خراج وجب عليه مقداره مائة ألف درهم فجمعت له وهو في السجن فجاءه الفرزدق يزوره فقال للحاجب استأذن لي عليه فقال إنه في مكان لا يمكن الدخول عليه فيه فقال الفرزدق إنما أتيت متوجعا لما هو فيه ولم آت ممتدحاً فأذن له فلما أبصره قال:
أبا خالدٍ ضاقتْ خراسانُ بعدكُمُ
…
وقال ذوو الحاجات أين يزيدَ
فما قطرتْ بالشرق بعدك قطرةٌ
…
ولا أخضرّ بالمروين بعدك عود
وما لسرورٍ بعد عزّك بهجةٌ
…
وما لجوادٍ بعد جودك جود
فقال يزيد للحاجب ادفع إليه المائة ألف درهم التي جمعت لنا ودع الحجاج ولحمي يفعل فيه ما يشاء فقال الحاجب للفرزدق هذا الذي خفت منه لما منعتك من دخولك عليه فأخذها وانصرف.
ومر يزيد بن المهلب عند خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه بعجوز اعرابية فذبحت له عنزاً فقال لابنه ما معك من النفقة قال مائة دينار قال ادفعها إليها فقال هذه يرضيها اليسير وهي لا تعرفك قال إن كان يرضيها اليسير فأنا لا أرضى إلا الكثير وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
وقال أبو العيناء تذاكروا السخاء فاتفقوا على آل المهلب في الدولة المروانية وعلى البرامكة في الدولة العباسية ثم اتفقوا على أن أحمد بن داود أسخى منهم جميعاً وأفضل.
وسئل اسحق الموصلي عن سخاء أولاد يحيى بن خالد فقال أما الفضل فيرضيك فعله وأما جعفر فيرضيك قوله وأما محمد فيفعل بحسب ما يجد وفي يحيى يقول القائل:
سألت الندى هل أنت حرٌّ فقال لا
…
ولكنّني عبدٌ ليحيى بن خالد
فقلتُ شراءً قال لا بل وراثةً
…
توارثني عن والدٍ بعد والد
وفي الفضل يقول القائل:
سألت الندى والجود مالي أراكما
…
تبدّلتما عزّاً بذلٍّ مؤبّدِ
وما بال ركن المجد أمسى مهدّماً
…
فقالا أُصبنا بابن يحيى محمد
فقلت فهلاّ متُّما بعد موته
…
وقد كنتما عبديه في كلِّ مشهد
فقالا أقمنا كي نعزّي بفقده
…
مسافة يومٍ ثم نتلوه في غد
وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكرم الله تعالى وجهه: من كانت له إليَّ حاجة فليرفعها إليَّ في كتاب لأصون وجهه عن المسئلة.
وجاءه رضي الله تعالى عنه أعرابي فقال له يا أمير المؤمنين إن لي حاجة إليك يمنعني الحياء أن أذكرها فقال خطها في الأرض فكتب إني فقير فقال يا قنبر أكسه حلتي فقال الأعرابي:
كستوتني حلَّةً تبلى محاسنها
…
فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا
إيهٍ أبا حسن قد نلت مكرمةً
…
ولست تبغي بما قدّمته بدلا
إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه
…
كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا
لا تزهد الدهر في عرفٍ بدأت به
…
كلُّ أمرىء سوف يجزي بالذي فعلا
فقال يا قنبر زده مائة دينار فقال يا أمير المؤمنين لو فرقتها في المسلمين لأصلحت بها من شأنهم فقال رضي الله تعالى عنه صه يا قنبر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اشكروا لمن أثنى عليكم وإذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.
وسئل اسحق الموصلي عن المخلوع فقال كان أمره كله عجبا كان لا يبالي أين يقعد مع جلسائه وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر كان عنده سليمان بن أبي جعفر يوماً فأراد الرجوع إلى أهله فقال له سفر البر أحب إليك أم سفر البحر قال البحر ألين عليَّ فقال أوقروا له زورقه ذهباً وأمر له بألف ألف درهم.
وشكا سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان موسى بن شهوان إلى سليمان بن عبد الملك وقال قد هجاني يا أمير المؤمنين فاستحضره سليمان وقال لا أم لك تهجو سعيداً قال يا أمير المؤمنين أخبرك الخبر عشقت جارية مدنية وأتيت سعيداً فقلت إني أحب هذه الجارية وإن مولاتها أعطيت فيها مائتي دينار وقد أتيتك فقال لي بورك فيك قال فأتيت يا أمير المؤمنين سعيد بن خالد فذكرت له حالي فقال يا جارية هاتي مطرفا فأتته بمطرف خز فصر لي في زاويته مائتي دينار فخرجت وأنا أقول:
أبا خالد أعني سعيد بن خالدٍ
…
أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيدِ
ولكنَّني أعني ابن عائشة الذي
…
أبو أبويه خالد بن أسيد
عقيد الندى ما عاش يرضى به الندى
…
فإن مات لم يرض الندى بعقيد
ذروه ذروه إنّكم قد رقدتموا
…
وما هو عن إحسانكم برقود
فقال سليمان قل ما شئت، وكتب كلثوم بن عمر إلى بعض الكرماء رقعة فيها:
بُثِّ تكرّهت أن تعطي القليل ولم
…
تقدر على سعةٍ لم يظهر الجودُ
بث النوال ولا تمنعك قلّته
…
فكل ما سدَّ فقراً فهو محمود
فشاطره ماله حتى بعث إليه وبنصف خاتمه وفرد نعله.
دخل طلحة بن عبد الله بن عوف السوق يوماً فوافق فيه الفرزدق فقال يا أبا فراس اختر عشرا من الأبل ففعل فقال ضم إليها مثلها فلم يزل يقول مثل ذلك حتى بلغت مائة فقال هي لك فقال:
يا طلح أنت أخو الندى وعقيدُه
…
إنّ الندى ما مات طلحة ماتا
إن الندى ألقى إليك رحاله
…
فبحيث بتّ من المنازل باتا
ووفد أبو الشمقمق إلى مدينة سابور يريد محمد بن عبد السلام فلما دخلها توجه إلى منزله فوجده في دار الخراج يطالب فدخل عليه يتوجع فلما رآه محمد قال:
ولقد قدمت على رجالٍ طالما
…
قدم الرجال عليهم فتموّلوا
أخنى الزمان عليهم فكأنّما
…
كانوا بأرض أقفرت فتحوّلوا
فقال أبو الشمقمق:
الجود أفلسهم وأذهب مالهم
…
فاليوم إن راموا السماحة يبخلوا
قال فخلع محمد ثوبه وخاتمه ودفعهما إليه فكتب بذلك مستوفي الخراج إلى الخليفة فوقع إلى عامله بإسقاط الخراج عن محمد ابن عبد السلام تلك السنة وإسقاط ما عليه من البقايا وأمر له بمائة ألف درهم معونة على مروءته.
وحكي عن أبي العيناء أنه قال حصلت لي ضيقة شديدة فكتمتها عن أصدقائي فدخلت يوماً على يحيى بن أكثم القاضي فقال: أن أمير المؤمنين المأمون جلس للمظالم وأخذ القصص فهل لك في الحضور قلت نعم فمضيت معه إلى دار أمير المؤمنين فلما دخلنا عليه أجلسه وأجلسني ثم قال يا أبا العيناء بالألفة والمحبة ما الذي جاء بك في هذه الساعة فأنشدته:
لقد رجوتك دون الناس كلِّهم
…
وللرجاء حقوقٌ كلُّها تجَبُ
إن لم يكنْ ليّ أسبابٌ أعيش بها
…
ففي العُلا لَكَ أخلاقٌ هي السبب
فقال: يا سلامة أنظر أي شيء في بيت مالنا دون مال المسلمين. فقال: بقية من مال. قال: فأدفع له مائة ألف درهم وابعث له بمثلها في كل شهر، فلما كان بعد أحد عشر شهراً مات المأمون، فبكى عليه أو العيناء حتى تقرحت أجفانه، فدخل عليه بعض أولاده فقال: يا أبتاه، بعد ذهاب العين ماذا ينفع البكاء؟ فأنشأ أبو العيناء يقول:
شيآن لو بكت الدماء عليهما
…
عيناي حتى يؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقَّيهما
…
فَقْدُ الشباب وفرقة الأحباب
وقال الأعمش كانت عندي شاة فمرضت وفقدت الصبيان لبنها فكان خيثمة بن عبد الرحمن يعودها بالغداة والعشي ويسألني هي استوفت علفها وكيف صبر الصبيان منذ فقدوا لبنها وكان تحتي لبد أجلس عليه فكان إذا خرج يقول خذ ما تحت اللبد حتى وصل إليَّ من علة الشاة أكثر من ثلثمائة دينار من بره حتى تمنيت أن الشاة لم تبرأ.
وحكى أبو قدامة العشيري قال كنا مع يزيد ابن مزيد يوماً فسمع صائحاً يقول يا يزيد بن مزيد فطلبه إليه فقال ما حملك على هذا الصياح قال فقدت دابتي ونفذت نفقتي وسمعت قول الشاعر:
إذا قيل مَنْ للجود والمجد والندى
…
فناد بصوتٍ يا يزيد بن مزيد
فأمر له بفرس أبلق كان معجباً به وبمائة دينار وخلعة سنية فأخذها وانصرف.
ومن الغرائب ما حكي أن قوماً من العرب جاءوا إلى قبر بعض أسخيائهم يزورونه فباتوا عند قبره فرأى رجل منهم صاحب القبر في المنام وهو يقول له هل لك أن تبيعني بعيرك بنجيبي وكان الميت قد خلف نجيباً وكان للرائي بعير سمين فقال نعم وباعه في النوم بعيره بنجيبه فلما وقع بينهما عقد البيع عمد صاحب القبر إلى البعير فنحره في النوم فانتبه الرائي من نومه فوجد الدم يسيح من نحر بعيره فقام وأتم نحره وقطع لحمه وطبخوه وأكلوه ثم رحلوا وساروا فلما كان اليوم الثاني وهم في الطريق سائرون استقبلهم ركب فتقدم منهم شاب فنادى هل فيكم فلان فقال صاحب البعير نعم ها أنا فلان ابن فلان فقال هل بعت من فلان الميت شيئاً قال نعم بعته بعيري بنجيبه في النوم فقال هذا نجيبه فخذه وأنا ولده وقد رأيته في النوم وهو يقول إن كنت ولدي فادفع نجيبي إلى فلان فانظر إلى هذا الرجل الكريم كيف أكرم أضيافه بعد موته.
قيل أن شاعراً قصد خالد بن يزيد فأنشد شعراً يقول فيه:
سألت الندى والجود حرّان أنتما
…
فقالا يقيناً إنّنا لعبيدُ
فقلت ومن مولاكما فتطاولا
…
إليَّ وقالا خالد بن يزيد
فقال يا غلام أعطه مائة ألف درهم وقل له أن زدتنا زدناك فأنشد يقول:
كريمٌ كريمُ الأمهات مهذّبٌ
…
تدفَّق كفّاه الندى وشمائله
هو البحر من أي الجهات أتيته
…
فلجته المعروف والجود ساحله
جوادٌ بسيط الكفّ حتى لو أنّه
…
دعاها لقبضٍ لم تجبه أنامله
فقال يا غلام أعطه مائة ألف درهم وقل له أن زدتنا زدناك فأنشد يقول:
تبرَّعت لي بالجود حتى نعشتني
…
وأعطيتني حتى حسبتك تلعبُ
وأنبتَّ ريشا في الجناحين بعدما
…
تساقط منيّ الريش أو كاد يذهب
فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى
…
حليف الندى ما للندى عنك مذهب
فقال يا غلام أعطه مائة ألف درهم وقل له إن زدتنا زدناك فقال حسب الأمير ما سمع وحسبي ما أخذت وانصرف.
وجاء إلى خالد بن عبد الله بعض الشعراء ورجله في الركاب يريد الغزو فقال له أني قلت فيك بيتين من الشعر فقال في مثل هذا الحال قال نعم فقال هاتهما فأنشد يقول:
يا واحد العرب الذي
…
ما في الأنام له نظيرْ
لو كان مثلك آخرٌ
…
ماكان في الدنيا فقير
فقال يا غلام أعطه عشرين ألف دينار فأخذها وانصرف.
وحيث ذكرنا نبذة من أخبار الكرماء نبذة من أخبار البخلاء فمن ذلك، أن رجلاً من البخلاء اشترى داراً وانتقل إليها فوقف ببابه سائل فقال له فتح الله عليك ثم وقف ثان فقال له مثل ذلك ثم وقف ثالث فقال له مثل ذلك ثم التفت إلى ابنته فقال لها ما أكثر السؤال في هذا المكان فقالت يا أبت ما دمت متمسكاً لهم بهذه الكلمة فما تبالي كثروا أم قلوا.
وألأم الئام وأبخلهم حميد الأرقط الذي يقال له هجاء الأضياف وهو القائل في ضيف له يصف أكله من قصيدة:
ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت
…
وبين أخرى تليها قيد أظفور
وقال فيه أيضا:
تجُهِّز كفّاه ويحسك حلقه
…
إلى الزور ما ضمّت عليه الأناملُ
وأكل أعرابي مع أبي الأسود رطبا فأكثر ومد أبو الأسود يده إلى رطبة ليأخذها فسبقه الأعرابي إليها فسقطت منه في التراب فأخذها أبو الأسود وقال لا أدعها للشيطان يأكلها فقال الأعرابي والله ولا لجبريل وميكائيل لو نزلا من السماء ما تركتها.
وقال أعرابي لنزيل نزل به نزلت بواد غير ممطور ورجل بك غير مسرور فأقم بعدم أو أرحل بندم.
وللحمدوني:
رأيت أبا زرارة قال يوماً
…
لحاجبه وفي يده الحسامُ
لئن وضع الخوانُ ولاح شخصٌ
…
لاختطفنّ رأسك والسلام
فقال سوى أبيك فذاك شيخٌ
…
بغيضٌ ليس يردعه الكلام
فقام وقال من حنقٍ عليه
…
ببيتٍ لم يرد فيه القيام
أبي وابنا أبي والكلب عندي
…
بمنزلةٍ إذا حضر الطعام
وقال له ابنْ لي يا ابن كلبٍ
…
على خبزي أصادر أو أضام
إذا حضر الطعام فلا حقوقٌ
…
عليَّ لوالديَّ ولا ذمام
فما في الأرض أقبح من خوانٍ
…
عليه الخبز يحضره الزّحام
ويعجبني قول بعضهم:
زففت إلى نبهان من صفو فكرتي
…
عروساً غدا بطن الكتاب لها صدرا
فقبَّلها عشراً وهام بحبّها
…
فلما ذكرت المهر طلقها عشرا
ومن أخبار البخلاء ما حكاه بعضهم قال كنت في سفر فضللت في الطريق فرأيت بيتاً في الفلاة فأتيته فإذا به أعرابية فلما رأتني قالت من تكون قلت ضيف قالت أهلا ومرحباً بالضيف أنزل على الرحب والسعة قال فنزلت فقدمت لي طعاماً فأكلت وماء فشربت فبينما أنا على ذلك إذا أقبل صاحب البيت فقال من هذا فقالت ضيف فقال لا أهلا ولا مرحباً ما لنا وللضيف فلما سمعت كلامه ركبت من ساعتي وسرت فلما كان من الغد رأيت بيتا في الفلاة فقصدته فإذا فيه أعرابية فلما رأتني قالت من تكون قلت ضيف قالت لا أهلا ولا مرحباً بالضيف ما لنا وللضيف فبينما هي تكلمني إذ أقبل صاحب البيت فلما رآني قال من هذا قالت ضيف قال مرحباً وأهلاً بالضيف ثم أتى بطعام حسن فأكلت وماء فشربت فتذكرت ما مر بي بالأمس فتبسمت فقال مم تبسمك فقصصت عليه ما اتفق لي مع تلك الأعرابية وبعلها وما سمعت منه ومن زوجته فقال لا تعجب إن تلك الأعرابية التي رأيتها هي أختي وإن بعلها أخو امرأتي هذه فغلب على كل طبع أهله.
وقال عمر بن ميمون مررت ببعض طرق الكوفة فإذا أنا برجل يخاصم جاراً له فقلت ما بالكما فقال أحدهما أن صديقاً لي زارني فاشتهى رأساً فاشتريته وتغدينا وأخذت عظامه فوضعتها على باب داري أتجمل بها فجاء هذا فأخذها ووضعها على باب داره يوهم الناس أنه هو الذي اشترى الرأس.
وقال رجل من البخلاء لأولاده اشتروا لي لحماً فاشتروه فأمر بطبخه فلما استوى أكله جميعه حتى لم يبق في يده إلا عظمة وعيون أولاده ترمقه فقال ما أعطي أحد منكم هذه العظمة حتى يحسن وصف أكلها فقال ولده الأكبر أمشمشها يا أبت وأمصها حتى لا أدع للذر فيها مقيلا قال لست بصاحبها فقال الأوسط ألوكها يا أبت وألحسها حتى لا يدري أحد ألعام هي أم لعامين قال لست بصاحبها فقال الأصغر يا أبت أمصها ثم أدقها وأسفها سفا قال إنك صاحبها وهي لك زادك الله معرفة وحزما.
وقيل خرج إعرابي قد ولاه الحجاج بعض النواحي فأقام بها مدة طويلة فلما كان في بعض الأيام ورد عليه أعرابي من حيِّه فقدم إليه الطعام وكان
إذ ذاك جائعاً فسأل عن أهله وقال ما حال ابني عمير قال ما تحب قد ملأ الأرض والحي رجالاً ونساء قال فما فعلت أم عمير قال صالحة أيضاً قال فما حال الدار قال عامرة بأهلها قال وكلبنا ايقاع قال قد ملأ الأرض نباحاً قال فما حال جملي زريق قال على ما يسرك قال فالتفت إلى خادمه وقال أرفع الطعام فرفعه ولم يشبع الأعرابي ثم أقبل عليه يسأله وقال يا مبارك الناصية أعد عليَّ ما ذكرت قال سل عما بدا لك قال فما حال كلبي إيقاع قال مات قال وما الذي أماته قال اختنق بعظمة من عظام جملك زريق فمات قال أو مات جملي زريق قال نعم قال وما الذي أماته قال كثرة نقل اللبن إلى قبر أم عمير قال أو ماتت أم عمير قال نعم قال وما الذي أماتها قال كثرة بكائها على عمير قال أو مات عمير قال نعم قال وما الذي أماته قال سقطت عليه الدار قال أو سقطت الدار قال نعم قال فقام له بالعصا ضارباً فولى من بين يديه هارباً.
وقال دعيل كنا عند سهل بن هارون فلم نبرح حتى كاد يموت من الجوع فقال ويلك يا غلام آتنا غداءنا فأتى بقصعة فيها ديك مطبوخ تحته ثريد قليل فتأمل الديك فرآه بغير رأس فقال لغلامه وأين الرأس فقال رميته فقال والله إني لأكره من يرمى برجله فكيف برأسه ويحك أما علمت أن الرأس رئيس الأعضاء ومنه يصيح الديك ولولا صوته ما أريد وفيه فرقه الذي يتبرك به وعينه التي يضرب بها المثل فيقال شراب كعين الديك ودماغه عجيب لوجع الكلية ولم نر عظما أهش تحت الأسنان من عظم رأسه وهبك ظننت أني لا آكله ما قلت عنده من يأكله أنظر في أي مكان رميته فائتني به فقال لا أعرف أين رميته فقال لكني أنا أعرف أين رميته قد رميته في بطنك الله حسبك.
واشتكى رجل مروزي صدره من سعال فوصفوا له سويق اللوز فاستثقل النفقة ورأى الصبر على الوجع أخف عليه من الدواء فبينما هو يماطل الأيام ويدفع الآلام أتاه بعض أصدقائه فوصف له ماء النخالة وقال له أنه يجلوا الصدر فأمر بالنخالة فطبخت له وشرب من مائها فجلا صدره ووجده يعصم فلما حضر غداؤه أمر به فرفع إلى العشاء وقال لامرأته أطبخي لأهل بيتنا النخالة فإني وجدت ماءها يعصم ويجلو الصدر فقالت لقد جمع الله لك بهذه النخالة بين دواء وغداء فالحمد لله على هذه النعمة.
وعن خاقان بن صبح قال دخلت على رجل من أهل خراسان ليلا فأتانا بمسرجة فيها فتيلة في غاية الرقة وقد علق فيها عودا بخيط فقلت له ما بال هذا العود مربوطاً قال قد شرب الدهن وإذا ضاع ولم نحفظه احتجنا إلى غيره فلا نجد إلا عوداً عطشان ونخشى أن يشرب الدهن قال بينما أنا
أتعجب وأسأل الله العافية إذ دخل علينا شيخ من أهل مرو فنظر إلى العود فقال للرجل يا فلان لقد فررت من شيء ووقعت فيما هو شر منه أما علمت أن الريح والشمس يأخذان من سائر الأشاء وينشفان هذا العود لم لا أتخذت مكان هذا العود ابرة من حديد فإن الحديد أملس وهو مع ذلك غير نشاف والعود أيضاً ربما يتعلق به شعرة من قطن الفتيلة فينقصها فقال له الرجل الخراساني أرشدك الله ونفع بك فلقد كنت في ذلك من المسرفين.
وقال الهيثم بن عدي نزل على أبي حفصة الشاعر رجل من اليمامة فأخلى له المنزل ثم هرب مخافة أن يلزمه قراه في هذه الليلة فخرج الضيف واشترى له ما احتاج إليه ثم رجع وكتب له:
يا أيهّا الخارج من بيته
…
وهارباً من شدّة الخوفِ
ضيفك قد جاء بزادٍ له
…
فارجعْ وكن ضيفاً على الضيف
وكان أبو العتاهية ومروان ابن أبي حفصة بخيلين يضرب ببخلهما المثل قال مروان ما فرحت بشيء أشد مما فرحت بمائة ألف درهم وهبها إليَّ المهدي فوزنتها فرجحت درهما، واشترى لحماً بدرهم فلما وضعه في القدر دعاه صديقه فرد اللحم على القصاب بنقصان دانقين فجعل القصاب ينادي على اللحم ويقول هذا لحم مروان. واجتاز يوما بأعرابية فأضافته فقال إن وهب لي أمير المؤمنين مائة ألف درهم وهبت لك درهما فوهبه سبعين ألف درهم فوهبها أربعة دوانق.
ومن الموصوفين بالبخل آلا مرو يقال أن من عادتهم إذا ترافقوا في سفر أن يشتري كل واحد منهم قطعة لحم ويشبكها في خيط ويجمعون اللحم كله في قدر ويمسك كل واحد منهم طرف خيطه فإذا استوى جرَّ كل منهم خيطه وأكل لحمه وتقاسموا المرق.
وكان عمر بن يزيد الأسدي بخيلاً جداً أصابه القولنج في بطنه فحقنه الطبيب بدهن كثير فأنحل ما في بطنه في الطست فقال لغلامه اجمع الذي نزل من الحقنة واسرج به.
وكان المنصور شديد البخل جداً مر به مسلم الحادي في طريقه إلى الحج فحدا له يوماً بقول الشاعر:
أغرُّ بين الحاجبين نوره
…
يزينه حياؤه وخيرُهُ
ومسكه يشوبه كافوره
…
إذا تغدّى رفعت ستوره
فطرب حتى ضرب برجله المحمل وقال يا ربيع أعطه نصف درهم فقال نصف درهم يا أمير المؤمنين والله لقد حدوت لهشام فأمر لي بثلاثين ألف درهم فقال تأخذ من بيت مال المسلمين ثلاثين ألف درهم يا ربيع: وكِّل به من يستخلص منه هذا المال قال الربيع فما زلت
أمشي بينهما وأروضه حتى شرط مسلم على نفسه أن يحدو له في ذهابه وإيابه بغير مؤنة وأخبار البخلاء كثيرة وفيما أوردناه كفاية.
نادرة قيل لأبي الحرث ما تقول في الفالوذجة قال وددت لو أنها وملك الموت اختلجا في صدري والله لو أن موسى لقي فرعون بالفالوذجة لآمن به ولكنه لقيه بعصا.
ودخل ابن قزعة يوماً على عز الدولة وبين يديه طبق فيه موز فتأخر عن استدعائه فقال ما بال مولانا ليس يدعوني إلى الفوز بأكل الموز فقال صفه حتى أطعمك فقال ما الذي أصف من حسن لونه فيه سبائك ذهبية كأنها حشيت زبداً وعسلا وأطيب الثمر كأنه مخ الشحم سهل المقشر لين المكسر عذب المطعم بين الطعوم سلس في الحلقوم ثم مد يده وأكل.
وسمع رجلا يذم الزبد فقال له ما الذي ذممت منه سواد لونه أم بشاعة طعمه أم صعوبة مدخله أم خشونة ملمسه.
وقيل له ما تقول في الباذنجان قال أذناب المحاجم وبطون العقارب وبزور الزقوم قيل له أنه يحشى باللحم فيكون طيباً فقال لو حشي بالتقوى والمغفرة ما أفلح.
وصنع الحجاج وليمة وأحتفل فيها ثم قال لزاذان هل عمل كسرى مثلها فاستعفاه فأقسم عليه فقال: أولَمَ عبد عند كسرى فأقام على رؤوس الناس ألف وصيفة في يد كل واحدة أبريق من ذهب فقال الحجاج أف والله ما تركت فارس لمن بعدها من الملوك شرفا.
وقال معاوية لرجل على مائدته خذ الشعرة من لقمتك فقال وإنك تراعيني مراعاة من يرى الشعرة في لقمتي لا أكلت لك طعاماً أبداً.
وحضر أعرابي على مائدة بعض الخلفاء فقدم جدي مشوي فجعل الأعرابي يسرع في أكله منه فقال له الخليفة أراك تأكله بحرد كأن أمه نطحتك فقال أراك تشفق عليه كأن أمه أرضعتك.
ودعت أبا الحرث صبية له فحادثته ساعة فجاع فطلب الأكل فقالت له أما في وجهي ما يشغلك عن الأكل قال جعلت فداك فلو أن جميلا وبثينة قعدا ساعة لا يأكلان لبصق كل منهما في وجه صاحبه وافترقا.
وقال الشمردل وكيل عمرو بن العاص: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف فدخل هو وعمر بن عبد العزيز إليَّ وقال يا شمردل ما عندك ما تطعمني قلت عندي جدي كأعظم ما يكون سمنا قال عجل به فأتيته به كانه عكة سمن فجعل يأكل منه ولا يدعو عمر حتى إذا لم يبق منه إلا فخذاً قال هلم يا أبا جعفر فقال إني صائم فأكله ثم قال يا شمردل ويلك أما عندك شيء قلت ست دجاجات كأنهن أفخاذ نعام، فأتيته بهن فأتى عليهن، ثم قال يا شمردل: أما عندك شيء. قلت: سويق كأنه قراضة الذهب فأتيته به فعبه حتى
أتى عليه ثم قال يا غلام أفرغت من غدائنا قال نعم قال ما هو قال نيف وثلاثون قدرا قال أتئني بقدر قدر فأتاه به ومعه الرقاق فأكل من كل قدر ثلثه ثم مسح يده واستلقى على فراشه وأذن للناس فدخلوا، وصُفَّ الخوان وأكل مع الناس.
ونزل رجل بصومعة راهب فقدم إليه الراهب أربعة أرغفة وذهب ليحضر إليه العدس فحمله وجاء فوجده قد أكل الخبز فذهب وأتى بخبز فوجده قد أكل العدس ففعل معه ذلك عشر مرات فسأله الراهب أين مقصدك قال إلى الأردن قال لماذا قال بلغني أن بها طبيباً حاذقاً أسأله عما يصلح معدتي فإني قليل الشهوة للطعام فقال له الراهب إن لي إليك حاجة قال وما هي: قال إذا ذهبت وأصلحت معدتك فلا تجعل رجوعك من ههنا.
يحكى أن زياد أمر بضرب عنق رجل فقال: أيها الأمير إن لي بك حرمة قال وما هي قال إن أبي جارك بالبصرة قال ومن أبوك قال يا مولاي أني نسيت اسم نفسي فكيف لا أنسى اسم ابي فرد زياد كمه في فمه وضحك وعفا عنه.
وحكي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أن غلاماً له وقف يصب الماء على يديه فوقع الإبريق من يد الغلام في الطست فطار الرشاش في وجهه فنظر جعفر إليه نظرة مغضب فقال ي مولاي والكاظمين الغيظ قال كظمت غيظي قال والعافين عن الناس قال عفوت عنك قال والله يحب المحسنين قال إذهب فأنت حر لوجه الله الكريم.
وقيل لما قدم نصر بن منيع بين يدي الخليفة وكان قد أمر بضرب عنقه قال يا أمير المؤمنين اسمع مني كلمات أقولهن قال قل فأنشأ يقول:
زعموا بأن الصقر صادف مرّةً
…
عصفور برٍّ ساقه التقديرُ
فتكلّم العصفور تحت جناحه
…
والقصر منقضٌ عليه يطير
إني لمثلك لا أتّمم لقمةً
…
ولئن شويت فانّني لحقير
فتهاون الصقر المدلُّ بصيده
…
كرماً وألفت ذلك العصفور
قال فعفا عنه وخلي سبيله.
وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج يأمر بأن يبعث إليه برأس عباد بن أسلم البكري فقال له عباد: أيها الأمير أنشدك الله لا تقتلني فوالله أني لأعول أربعاً وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري فرق لهن واستحضرهن فإذا واحدة منهن كالبدر فقال لها الحجاج ما أنت منه قالت أنا ابنته فاسمع يا حجاج مني ما أقول ثم قالت:
أحجاج إمَّا أنْ تمنّ بتركه
…
علينا وإمَّا أن تقتّلنا معا
أحجاج لا تفجع به إن قتلته
…
ثماناً وعشراً واثنتين وأربعا
أحجاج لا تترك عليه بناته
…
وخالاته يندبنه الدهر أجمعا
فبكى الحجاج ورق له واستوهبه من أمير المؤمنين عبد الملك وأمر له بصلة.
وحكي أن رجلاً زوَّر ورقة عن خط الفضل بن الربيع تتضمن أنه أطلق له ألف دينار ثم جاء به إلى وكيل الفضل فلما وقف الوكيل عليها لم يشك أنها خط الفضل فشرع في أن يبذل له الألف دينار وإذا بالفضل قد حضر ليتحدث مع وكيله في تلك الساعة في أمر مهم فلما جلس أخبره الوكيل بأمر الرجل وأوقفه على الورقة فنظر الفضل فيها ثم نظر وجه الرجل فرأه كاد يموت من الوجل والخجل فأطرق الفضل بوجهه ثم قال للوكيل أتدري لم أتيتك في هذا الوقت قال لا قال جئت لأستنهضك حتى تعجل لهذا الرجل اعطاء المبلغ الذي في هذه الورقة فأسرع عند ذلك الوكيل في وزن المال وناوله الرجل فقبضه وصار متحيراً في أمره فالتفت إليه الفضل وقال له طب نفسا فقال له سترتني سترك الله في الدنيا والآخرة ثم أخذ المال ومضى.
من اللطائف والغرائب الدالة على الوفاء بالذمم ما حكاه بعض خدم أمير المؤمنين المأمون قال طلبني أمير المؤمنين ليلة وقد مضى من الليل ثلثه فقال لي خذ معك فلاناً وفلانا وسماهما أحدهما علي بن محمد والآخر دينار الخادم وأذهب مسرعاً لما أقول لك فإنه قد بلغني أن شيخاً يحضر ليلاً إلى دور البرامكة وينشد شعراً ويذكرهم ذكرا كثيراً ويندبهم ويبكي عليهم ثم ينصرف فأمض الآن أنت وعلي ودينار حتى تروا هذه الخربات فاستتروا في بعض الجدران فإذا رأيتم الشيخ قد جاء وبكى وندب وأنشد شيئاً فائتوني به قال فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخربات وإذا نحن بغلام قد أتى ومعه بساط وكرسي جديد وإذا بشيخ وسيم له جمال وعليه مهابة ووقار قد أقبل فجلس على الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول:
ولما رأيت السيف جندل جعفراً
…
ونادى منادٍ للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وزاد تأسّفي
…
عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا
مع أبيات أطالها ورددها فلما قبضنا عليه وقلنا له أجب أمير المؤمنين فزع فزعا شديداً وقال دعوني حتى أوصي وصية فإن لا أوقن بعدها بحياة ثم تقدم إلى بعض الدكاكين فاستفتح وأخذ ورقة وكبت فيها وصية ودفعها إلى غلامه ثم سرنا به، فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين، زجره. وقال له: ومن أنت؟ وبماذا استوجبت البرامكة
منك ما تفعله في خرائب دورهم وما تقوله فيها فقال يا أمير المؤمنين: إنَّ للبرامكة عندي أيادي خطيرة أفتأذن لي أن أحدثك حديثي معهم قال قل: قال يا أمير المؤمنين: أنا المنذر بن المغيرة من أولاد الملوك وقد زالت عني نعمتي كما تزول عن الرجال فلما ركبني الدين واحتجت إلى بيع مسقط رأسي ورؤوس أهلي أشاروا علي بالخروج إلى البرامكة فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبي وصبية وليس معنا ما يباع ولا ما يوهب حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض المساجد فدعوت بثويبات لي كنت قد أعددتها لأستمنح بها الناس فلبستها وخرجت وتركتهم جياعاً لا شيء عندهم ودخلت شوارع بغداد سائلاً عن دور البرامكة فإذا أنا بمسجد مزخرف وفيه مائة شيخ بأحسن زي وزينة وعلى الباب خادمان فطمعت في القوم وولجت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدم وأؤخر والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي وإذا بخادم قد أقبل فدعا القوم فقاموا وأنا معهم فدخلوا دار يحيى بن خالد ودخلت معهم وإذا بيحيى جالس على دكة له في وسط بستان فسلمنا وهو يعدنا مائة وواحداً وبين يديه عشرة من ولده وإذا غلام أمرد قد عذر خداه أقبل من بعض المقاصير بين يديه مائة خادم ممنطقون في وسط كل خادم منطقة من ذهب يقرب وزنها من ألف مثقال ومع كل خادم مجمرة من ذهب في كل مجمرة قطعة من عود كهيئة الفهرقد قرن بها مثلها من الغنبر السلطاني فوضعوه بين يدي الغلام إلى جنب يحيى ثم قال يحيى للقاضي تكلم وزوّج بنتي عائشة من ابن عمي هذا فخطب القاضي وزوجه وشهد أولئك الجماعة وأقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر فالتقطت والله يا أمير المؤمنين ملء كمي ونظرت فإذا نحن في المكان ما بيني والمشايخ وولده والغلام مائة واثنا عشر رجلا فخرج إلينا مائة واثنا عشر خادما مع كل خادم صينية من فضة عليها ألف دينار فوضعوا بين يدي كل رجل منا صينية فرأيت القاضي والمشايخ يصبون الدنانير في أكمامهم ويجعلون الصواني تحت آباطهم ويقوم الأول فالأول حتى بقيت وحدي بين يدي يحيى لا أجسر على أخذ الصينية فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها وجعلت الذهب في كمي وأخذت الصينية في يدي وقمت وجعلت ألتفت إلى ورائي مخافة أن أمنع من الذهب به فبينما أنا كذلك في صحن الدار ويحيى يلحظني إذ قال للخادم ائتني بذلك الرجل فرددت إليه فأمر بصب الدنانير والصينية وما كان في كمي ثم أمرني بالجلوس
فجلست فقال لي ممن الرجل فقصصت عليه قصتي فقال للخادم ائتني بولدي موسى فأتى به فقال يا بني هذا رجل غريب فخذه إليك واحفظه بنفسك وبنعمتك فقبض موسى علي يدي وأدخلني إلى دار من دوره فأكرمني غاية الإكرام وأقمت عنده يومي وليلتي في ألذ عيش وأتم سرور فلما أصبح دعا بأخيه العباس وقال أن الوزير قد أمرني بالعطف على هذا الرجل وقد علمت اشتغالي في دار أمير المؤمنين فأقبضه إليك وأكرمه ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام فلما كان من الغد تسلمني أخوه ثم لم أزل في أيدي القوم يتداولونني عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني أفي الأموات هم أم في الأحياء فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جمعة من الخدم فقالوا لي قم فأخرج إلى عيالك بسلام فقلت واويلاه سلبت الدنانير والصينية وأخرج إلى عيالي على هذه الحالة أنا لله وإنا إليه راجعون فرفع الستر الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع فلما رفع الخادم الستر الأخير قال لي مهما كان لك من الحوايج فارفعها إليَّ فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به فلما رفع الستر رأيت حجرة كالشمس حسنا ونوراً واستقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج وحمل إليَّ ألف ألف درهم وعشر آلاف دينار ومنشورين بضيعتين وتلك الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدنانير والبنادق وأقمت يا أمير المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم رجل غريب اصطنعوني فلما جاءتهم البلية ونزل بهم من أمير
المؤمنين الرشيد ما نزل أجحفني عمرو بن مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلهما به فلما تحامل علي الدهر كنت في أواخر الليل أقصد خربات القوم فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إلي أشكرهم على إحسانهم فقال المأمون عليَّ بعمرو بن مسعدة فلما أتي به قال له يا عمرو أتعرف هذا الرجل قال نعم يا أمير المؤمنين هو بعض صنائع البرامكة قال كم ألزمته في ضيعتيه قال كذا وكذا قال رد له كل ما استأديته منه في مدته ووقع له بهما ليكونا له ولعقبه من بعده قال: فعلا نحيب الرجل وبكاؤه فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال يا هذا قد أحسنا إليك فلم تبكي قال يا أمير المؤمنين وهذا أيضا من صنائع البرامكة إذ لو لم آت خرباتهم وأندبهم حتى أتصل خبري بأمير المؤمنين ففعل بي ما فعل فمن أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين قال إبراهيم بن ميمون فلقد رأيت المأمون وقد دمعت عيناه وظهر عليه حزنه وقال لعمري هذا من صنائع البرامكة فعليهم فابك وإياهم فاشكر ولهم فأوف ولإحسانهم فأذكر. نين الرشيد ما نزل أجحفني عمرو بن مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلهما به فلما تحامل علي الدهر كنت في أواخر الليل أقصد خربات القوم فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إلي أشكرهم على إحسانهم فقال المأمون عليَّ بعمرو بن مسعدة فلما أتي به قال له يا عمرو أتعرف هذا الرجل قال نعم يا أمير المؤمنين هو بعض صنائع البرامكة قال كم ألزمته في ضيعتيه قال كذا وكذا قال رد له كل ما استأديته منه في مدته ووقع له بهما ليكونا له ولعقبه من بعده قال: فعلا نحيب الرجل وبكاؤه فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال يا هذا قد أحسنا إليك فلم تبكي قال يا أمير المؤمنين وهذا أيضا من صنائع البرامكة إذ لو لم آت خرباتهم وأندبهم حتى أتصل خبري بأمير المؤمنين ففعل بي ما فعل فمن أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين قال إبراهيم بن ميمون فلقد رأيت المأمون وقد دمعت عيناه وظهر عليه حزنه وقال لعمري هذا من صنائع البرامكة فعليهم فابك وإياهم فاشكر ولهم فأوف ولإحسانهم فأذكر.
ومن ذلك أنه خرج سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلب في بعض جبانات الشام فإذا امرأة جالسة على قبر تبكي قال سليمان: فرفعت البرقع عن وجهها