المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[تقسيم البلاد التي تفرق فيها أهل العهد والذمة وحكم الكنائس فيها] - حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين

[إسماعيل الأنصاري]

الفصل: ‌[تقسيم البلاد التي تفرق فيها أهل العهد والذمة وحكم الكنائس فيها]

ناقوسا، ولا يرفعوا صليبا، ولا يظهروا خنزيرا، ولا يرفعوا نارا ولا شيئا مما يجوز لهم فعله في دينهم يمنعون من ذلك ولا يتركون. قلت: للمسلمين أن يمنعوهم من ذلك؟ . قال: نعم، على الإمام منعهم من ذلك. السلطان يمنعهم من الإحداث إذا كانت بلادهم فتحت عنوة. وأما الصلح فلهم ما صولحوا عليه يوفى لهم وقال: الإسلام يعلو ولا يعلى ولا يظهرون خمرا. قال الخلال: كتب إلي يوسف بن عبد الله الإسكافي: ثنا الحسن بن علي بن الحسن أنه سأل أبا عبد الله عن البيعة والكنيسة تحدث قال: يرفع أمرها إلى السلطان (1) .

[تقسيم البلاد التي تفرق فيها أهل العهد والذمة وحكم الكنائس فيها]

تقسيم البلاد التي تفرق فيها أهل العهد والذمة وحكم الكنائس فيها قسم الإمام ابن القيم في " أحكام أهل الذمة "(2 / 669) البلاد التي تفرق فيها أهل الذمة والعهد إلى ثلاثة أقسام:

أحدها: بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام.

الثاني: بلاد أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها.

الثالث: بلاد أنشئت قبل الإسلام وفتحها المسلمون صلحا.

ثم قال ابن القيم:

أما القسم الأول: فهو مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد والقاهرة. أما البصرة والكوفة فأنشئتا في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

(1) أحكام أهل الذمة لابن القيم (2 694) .

ص: 35

قال يزيد بن هارون: أخبرنا زياد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن نافع بن الحارث قال: كان أمير المؤمنين قد هم أن يتخذ للمسلمين مصرا، وكان المسلمون قد غزوا من قبل البحر وفتحوا الأهواز وكابل وطبرستان، فلما افتتحوها كتبوا إليه: أنا وجدنا بطبرستان مكان لا بأس به، فكتب إليهم: إن بيني وبينكم دجلة ولا حاجة لي في شيء بيني وبينكم فيه دجلة أن نتخذه مصرا.

قال: فقدم عليه رجل من بني سدوس يقال له ثابت فقال له: يا أمير المؤمنين، إني مررت بمكان دون دجلة به بادية يقال لها الخريبة ويقال للأرض البصرة، وبينها وبين دجلة فرسخ فيه خليج يجري فيه الماء وأجمة قصب، فأعجب ذلك عمر رضي الله عنه فدعا عتبة بن غزوان فبعثه في أربعين رجلا فيهم نافع بن الحارث زياد أخوه لأمه.

قال سيف بن عمرو: مصرت البصرة سنة ست عشرة واختطت قبل الكوفة بثمانية أشهر. وقال قتادة: أول من مصر البصرة رجل من بني شيبان يسمى المثنى بن حارثة، وإنه كتب إلى عمر رضي الله عنه:" إني نزلت أرضا بصرة " فكتب إليه: " إذا أتاك كتابي هذا فاثبت حتى يأتيك أمري ". فبعث عتبة بن غزوان معلما وأميرا فغزا الأبلة.

وقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مصر البصرة والكوفة.

قال: وأما واسط فبناها الحجاج بن يوسف سنة ست وثمانين من الهجرة في السنة التي مات فيها عبد الملك بن مروان.

وأما بغداد فقال سليمان بن المجالد وزير أبي جعفر: " خرجت مع أبي جعفر

ص: 36

يوما - قبل أن نبتني مدينة بغداد - ونحن نرتاد موضعا نبني فيه مدينة يكون فيها عسكره، قال: فبصرنا بقس شيخ كبير ومعه جماعة من النصارى فقال: اذهب بنا إلى هذا القس نسأله، فمضى إليه فوقف عليه أبو جعفر فسلم عليه ثم قال: يا شيخ أبلغك أنه يبنى هنا مدينة؟ قال: نعم، ولست بصاحبها، قال: وما علمك؟ قال القس: وما اسمك؟ قال: اسمي عبد الله، قال: فلست بصاحبها، قال: فما اسم صاحبها؟ قال: مقلاص. قال: فتبسم أبو جعفر وصغا إلي فقال: أنا والله مقلاص، كان أبي يسميني وأنا صغير مقلاصا، فاختط موضع مدينة أبي جعفر.

وتحول أبو جعفر من الهاشمية إلى بغداد وأمر ببنائها، ثم رجع إلى الكوفة في سنة أربع وأربعين ومائة وفرغ من بنائها ونزلها مع جنده وسماها مدينة السلام سنة خمس وأربعين ومائة، وفرغ من بناء الرصافة سنة أربع وخمسين ومائة.

وقال سليمان بن مجالد: الذي تولى الوقوف على خط بغداد: الحجاج بن أرطاة وجماعة من أهل الكوفة، وكذلك سامرا بناها المتوكل، وكذلك المهدية التي بالمغرب وغيرها من الأمصار التي مصرها المسلمون، فهذه البلاد صافية للإمام إن أراد الإمام أن يقر أهل الذمة فيها ببذل الجزية جاز، فلو أقرهم الإمام على أن يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة أو يظهروا فيها خمرا أو خنزيرا أو ناقوسا لم يجز، وإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان العقد والشرط فاسدا، وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع ".

قال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن خالد الخياط، أخبرنا الليث بن سعد، عن توبة بن النمر الحضرمي قاضي مصر عمن أخبره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة» .

وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، فذكره بإسناده

ص: 37

ومتنه وقد روي موقوفا على عمر بغير هذا الإسناد.

قال علي بن عبد العزيز: حدثنا أبو القاسم، حدثني أبو الأسود، عن أبي لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئا؟ .

فقال: " أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه ولا يضربوا ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا، وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله عز وجل على العرب فنزلوا فيه فإن للعجم ما في عهدهم وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم ".

قال عبد الله بن أحمد: وسمعت أبي يقول: " ليس لليهود والنصارى أن يحدثوا في مصر مصره المسلمون بيعة ولا كنيسة ولا يضربوا فيه بناقوس إلا في مكان لهم صالح، وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين ".

وقال المروذي: قال لي أبو عبد الله: سألوني عن الديارات في المسائل التي وردت من قبل الخليفة فقلت: أي شيء تذهب أنت؟ فقال: ما كان من صلح يقر وما كان أحدث بعد يهدم.

وقال أبو طالب: سألت عبد الله عن بيع النصارى ما كان في السواد وهل أقرها عمر؟ .

فقال: السواد فتح بالسيف فلا يكون فيه بيعة، ولا يضرب فيه ناقوس، ولا يتخذ

ص: 38

فيه الخنازير ولا يشرب الخمر ولا يرفعوا أصواتهم في دورهم إلا الحيرة وبانقيا ودير صلوبا، فهؤلاء أهل صلح صولحوا ولم يحاربوا، فما كان منها لم يخرب وما كان غير ذلك فكله محدث يهدم. وقد كان أمر بهدمها هارون، وكل مصر مصرته العرب فليس لهم أن يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا. وما كان من صلح صولحوا عليه فهو على صلحهم وعهدهم. وكل شيء فتح عنوة فلا يحدثوا فيه شيئا من هذا، وما كان من صلح أقروا على صلحهم واحتج فيه بحديث ابن عباس رضي الله عنهما.

وقال أبو الحارث: سئل أبو عبد الله عن البيع والكنائس التي بناها أهل الذمة وما أحدثوا فيها مما لم يكن.

قال: تهدم وليس لهم أن يحدثوا شيئا من ذلك فيما مصره المسلمون، يمنعون من ذلك إلا مما صولحوا عليه.

قيل لأبي عبد الله: إيش الحجة في أن يمنع أهل الذمة أن يبنوا بيعة أو كنيسة إذا كانت الأرض ملكهم وهو يؤدون الجزية وقد منعنا من ظلمهم وأذاهم؟ .

قال: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: " أيما مصر مصرته العرب ".

وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة - يعني ابن محمد - أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين.

قال: وشهدت عروة بن محمد يهدمها بصنعاء.

قال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: إن من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة. ذكره أحمد عن عبد الرزاق.

وهذا الذي جاءت به النصوص والآثار هو مقتضى أصول الشرع وقواعده، فإن

ص: 39

إحداث هذه الأمور إحداث شعار الكفر، وهو أغلظ من إحداث الخمارات والمواخير، فإن تلك شعار الكفر وهذه شعار الفسق.

ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق، فكيف إحداث مواضع الكفر والشرك؟!

فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصرها المسلمون؟

قيل: هي على نوعين:

أحدهما: أن تحدث الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر، فهذه تزال اتفاقا (1) .

الثاني: أن تكون موجودة بفلاة من الأرض ثم يمصر المسلمون حولها المصر، فهذه لا تزال والله أعلم.

القسم الثاني: من البلاد - حسبما أوضحه ابن القيم - الأمصار التي أنشأها المشركون ومصروها ثم فتحها المسلمون عنوة وقهرا بالسيف، قال: فهذه لا يجوز أن يحدث فيها شيء من البيع والكنائس، وأما ما كان من ذلك قبل الفتح فهل يجوز إبقاؤه أو يجب هدمه؟

فيه قولان في مذهب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيره.

القول الأول: تجب إزالته وتحرم تبقيته؛ لأن البلاد قد صارت ملكا للمسلمين فلم يجز أن يقر فيها أمكنة شعار الكفر، كالبلاد التي مصرها المسلمون ولقول النبي

(1) مما ورد في هذا الباب ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه حيث قال: " حدثنا عبد الأعلى عن عوف قال: شهدت عبد الله بن عبيد الله بن معمر أتى بمجوسي بنى بيت نار بالبصرة فضرب عنقه ". قال السبكي في فتواه في منع ترميم الكنائس (2 / 397) : " ووجه هذا أن البصرة كانت مواتا فأحياها المسلمون وبنوها وسكنوها، فلا يجوز إحداث كنيسة فيها ولا بيت نار، فلما أحدث هذا المجوسي بيت النار فيها كان نقضا لعهده فضرب عنقه لذلك ".

ص: 40

صلى الله عليه وسلم: «لا تصلح قبلتان ببلد» .

وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات والمواخير، ولأن أمكنة البيع والكنائس قد صارت ملكا للمسلمين فتمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها كبيعهم وإجارتهم إياها لذلك، ولأن الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله له، وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره.

وهذا القول هو الصحيح.

والقول الثاني: يجوز إبقاؤها لقول ابن عباس رضي الله عنهما: " أيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم "، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح خيبر عنوة وأقرهم على معابدهم فيها ولم يهدمها، ولأن الصحابة رضي الله عنهم فتحوا كثير من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من الكنائس التي بها، ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة، ومعلوم قطعا أنها ما أحدثت بل كانت موجودة قبل الفتح.

وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: " أن لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار ".

ولا يناقض هذا ما حكاه الإمام أحمد أنه أمر بهدم الكنائس، فإنها التي أحدثت في بلاد الإسلام، ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير.

وفصل الخطاب أن يقال: إن الإمام يفعل في ذلك ما هو الأصلح للمسلمين، فإن كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة - لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين

ص: 41

إلى بعضها وقلة أهل الذمة - فله أخذها أو إزالتها بحسب المصلحة، وإن كان تركها أصلح - لكثرتهم وحاجتهم إليها وغنى المسلمين عنها - تركها.

وهذا الترك تمكين لهم من الانتفاع بها لا تمليك لهم رقابها، فإنها قد صارت ملكا للمسلمين، فكيف يجوز أن يجعلها ملكا للكفار؟! وإنما هو انتفاع بحسب المصلحة، فللإمام انتزاعها متى رأى المصلحة في ذلك.

ويدل عليه أن عمر بن الخطاب والصحابة معه أجلوا أهل خيبر من دورهم ومعابدهم بعد أن أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. ولو كان ذلك الإقرار تمليكا لم يجز إخراجهم عن ملكهم إلا برضا أو معاوضة.

ولهذا لما أراد المسلمون أخذ كنائس العنوة التي خارج دمشق في زمن الوليد بن عبد الملك صالحهم النصارى على تركها وتعويضهم عنها بالكنيسة التي زيدت في الجامع.

ولو كانوا قد ملكوا تلك الكنائس بالإقرار لقالوا للمسلمين: كيف تأخذون أملاكنا قهرا وظلما؟ بل أذعنوا إلى المعارضة لما علموا أن للمسلمين أخذ تلك الكنائس منهم وأنها غير ملكهم كالأرض التي هي بها.

فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة وهو اختيار شيخنا.

ويدل عليه فعل الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أئمة الهدى، وعمر بن عبد العزيز هدم منها ما رأى المصلحة في هدمه، وأقر ما رأى المصلحة في إقراره، وقد أفتى الإمام أحمد المتوكل بهدم كنائس السواد وهي أرض العنوة.

القسم الثالث: من البلاد ما فتح صلحا.

قال ابن القيم فيه: وهذا نوعان:

ص: 42

أحدهما: أن يصالحهم على أن الأرض لهم ولنا الخراج عليها، أو يصالحهم على مال يبذلونه وهي الهدنة، فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها؛ لأن الدار لهم، كما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران ولم يشترط عليهم أن لا يحدثوا كنيسة ولا ديرا.

النوع الثاني: أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين ويؤدون الجزية إلينا.

فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من تبقية وإحداث وعمارة؛ لأنه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن يكون بعض البلد لهم.

والواجب عند القدرة: أن يصالحوا على ما صالحهم عليه عمر رضي الله عنه، ويشترط عليهم الشروط المكتوبة في كتاب عبد الرحمن بن غنم:" أن لا يحدثوا بيعة ولا صومعة راهب ولا قلاية " فلو وقع الصلح مطلقا من غير شرط حمل على ما وقع عليه صلح عمر، وأخذوه بشرطه لأنها صارت كالشرع، فيحمل مطلق صلح الأئمة بعده عليها.

ص: 43