المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَقَوله (وَلَيْلَة بت فِيهَا لَا أرى غيرا … مَعَ شادن وَجهه - خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر - جـ ١

[المحبي]

الفصل: وَقَوله (وَلَيْلَة بت فِيهَا لَا أرى غيرا … مَعَ شادن وَجهه

وَقَوله

(وَلَيْلَة بت فِيهَا لَا أرى غيرا

مَعَ شادن وَجهه قد أخجل القمرا)

(نادمته قَالَ هَات الكأس قلت لَهُ

جلّ الَّذِي لافتضاحي فِيك قد سترا)

(وَقمت أرشف من ريق المدام وَمن

مدام ريق وأقضي فِي الْهوى وطرا)

(ولفنا الشوق فِي ثوبي نقى وَهوى

وَطَالَ بالوصل لي وَاللَّيْل قد قصرا)

وَأكْثر شعره مَوْجُود فِي أَيدي النَّاس فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِكْثَار مِنْهُ هُنَا لَكِن نذْكر من حكمه وكلماته مَا يستظرف فَمن ذَلِك قَوْله الخمول يُورث الْحجب والشهرة تورث الْعجب لَيْسَ الْعَارِف من ينْفق من الجيب بل الْعَارِف من ينْفق من الْغَيْب من صدقت سَرِيرَته انفتحت بصيرته من قنع من الدُّنْيَا باليسير هان عَلَيْهِ كل عسير من لم يكمل عقله لَا يُمكن نَقله من صدق مقاله استقام حَاله الْأَخ من يعرف حَال أَخِيه فِي حَيَاته وَبَعْدَمَا يواريه كل من الْخلق أَسِير نَفسه وَلَو كَانَ طلبه حَضْرَة قدسه مُعَاملَة الْإِنْسَان دَلِيل على ثُبُوت الْإِيمَان لَا ينَال غَايَة رِضَاهُ إِلَّا من خَالف نَفسه وهواه من عَلامَة أهل الْكَمَال عدم الثُّبُوت على حَال وَمن وَصَايَاهُ الجامعة مَا أوصى بِهِ أحد أَوْلَاده وَهِي مَا أَحْبَبْت أَن يعاملك بِهِ فعامل بِهِ خلقه وَبِالْجُمْلَةِ فآثاره وأخباره كَثِيرَة والعنوان يدل على الطرس وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي نَهَار الْأَرْبَعَاء مستهل صفر سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس الْمَعْرُوفَة بتربة الغرباء وَقيل فِي تَارِيخ مَوته الشَّيْخ أَيُّوب قطب رَحمَه الله تَعَالَى

(حرف الْبَاء)

السَّيِّد باكير بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن النَّقِيب الْحلَبِي السَّيِّد الْأَجَل الْفَاضِل الأديب النَّاظِم الناثر كَانَ عَارِفًا باللغة وَالْأَدب حق الْمعرفَة وَلم يكن فِي حلب من أدباء عصره أَكثر رِوَايَة مِنْهُ للنظم والنثر قَالَ البديعي فِي وَصفه لَهُ كَلِمَات من النمط العالي فَكَأَنَّمَا عناه بقوله الميكالي

(إِن كَلَام بن أَحْمد الحسني

آسى كَلَام الهموم والحزن)

(سحر وَلَكِن حكى الصِّبَا سحرًا

فِي لطفه غب عَارض هتن)

قَالَ وَجرى ذكر نجابته لَيْلَة فِي مجْلِس شَيخنَا النَّجْم الحلفاوي فَرَأى فِي مَنَامه كَأَن رجلا ينشده هذَيْن الْبَيْتَيْنِ

(باكير فاق على الأقران مرتقياً

أوج الْمَعَالِي فَلَا قرن يدانيه)

ص: 433

(وَالْفرع إِن أثمرت أَيدي الْكِرَام بِهِ

فَالْأَصْل من كوثر الإفضال يسْقِيه)

قلت وَقد مدحه بعض الأدباء بقوله

(إِذا رمت تلقى ذَات علم تكوّنت

وتروي حَدِيث الْفضل عَن أوحد الدَّهْر)

(فعرج على ذَات العواصم قَاصِدا

سليل العلى نجل الْكِرَام أَبَا بكر)

دأب فِي تَحْصِيل المعارف حَتَّى رقى ذرْوَة من الْفضل عَلَيْهِ وَكَانَ أَكثر اشْتِغَاله على وَالِده وَقَرَأَ على غَيره وتعانى صناعَة النّظم وشعره حسن الرونق بديع الأسلوب وَأَخْبرنِي من كَانَ يَدعِي معاشرته لَهُ وقُوف على حَاله أَن أَكثر شعره منحول من شعر وَالِده من جيد شعره قَوْله من قصيدة

(لَاحَ الصَّباح كزرقة الألماس

فلتصطبح ياقوت در الكاس)

(من كف أهيف صان ورد خدوده

بسياج خطّ قد بدا كالآس)

(فَكَانَ مرْآة البديع صحيفَة

لِلْحسنِ جدولها من الأنفاس)

(فِي رَوْضَة قد صَاح فِيهَا الديك إِذْ

عطس الصَّباح مشمت العطاس)

(ضحِكت بهَا الأزهار لما أَن بَكت

عين الْغَمَام القاتم الْعَبَّاس)

(ورقى بهَا الشحرور أغصاناً غَدَتْ

بتموج الأرياح فِي وسواس)

(والورد تحمده البلابل هتفاً

من فَوق غُصْن قوامه المياس)

(وَيرى البنفسج عجبه فَيَعُود من

حسد لسطوته ذليل الراس)

(والطل حل بهَا كدمع متيم

لمعاهد الأحباب لَيْسَ بناس)

(فتظن ذَا ثغراً وَذَا عينا وَذَا

خداً لغانية كظبي كناس)

(واحمر خد شقائق مخضلة

حميت بِطرف النرجس النعاس)

(حسداً لخد الطرس لما أَن غَدا

خطّ القريض بمدح فضلك كاس)

وَقَوله مضمناً

(بك صرح العلى سَام عماده

وكذاك الْكَمَال وار زناده)

(إِن كل الْأَنَام من نَاظر الدَّهْر بَيَاض

وَأَنت مِنْهُ سوَاده)

(قد غرقنا من فيض فضلك فِي

أمواج بَحر تَتَابَعَت أزباده)

(وَإِذا الْفِكر لم يحط بمعاليك جَمِيعًا

وخاب فِيك اجْتِهَاده)

(فاعتذاري بِبَيْت ندب همام

مَا كبا فِي ميدان فضل جَوَاده)

(إِن فِي الموج للغريق لعذراً

وَاضحا أَن يفوتهُ تعداده)

ص: 434

وَمن مقاطيعه قَوْله فِي تَشْبِيه ثَلَاث شامات على نمط

(فِي جَانب الخد وَهِي مصفوفة

كَأَنَّهَا أنجم الذِّرَاع بَدَت)

وَقَوله

(فِي خَدّه القاني المضرج شامة

قد زيد بالشعرات باهر شانها)

(كلهيب جمر تَحت حَبَّة عنبر

قد أوقدت فَبَدَا زكيّ دخانها)

وَأنْشد لَهُ البديعي قَوْله من قصيدة فِي الْمَدْح

(تهلل وَجه الْفضل وَالْعدْل بالبشر

وَأصْبح شخص الْمجد مبتسم الثغر)

وَمِنْهَا

(فيا لَك من مولى بِهِ الشّعْر يزدهي

إِذا مَا ازدهت أهل المدائح بالشعر)

(فريد الْمَعَالِي لَا يرى لَك ثَانِيًا

من النَّاس إِلَّا من غَدا أَحول الْفِكر)

معنى الْبَيْت الأول مطروق وَأَصله قَول أبي تَمام

(وَلم أمدحك تفخيماً بشعري

وَلَكِنِّي مدحت بك المديحا)

وَأَبُو تَمام أَخذه من قَول حسان فِي النَّبِي

(مَا إِن مدحت مُحَمَّدًا بمقالتي

لَكِن مدحت مَقَالَتي بِمُحَمد)

وَالْبَيْت الثَّانِي مَأْخُوذ من قَول بَعضهم

(إِن من يُشْرك بِاللَّه

جهول بالمعاني)

(أَحول الْفِكر لهَذَا

ظن للْوَاحِد ثَانِي)

وَله ويروى لوالده

(صدر الْوُجُود وَعين هَذَا الْعَالم

وملاذ كل أخي كَمَال عَالم)

أَيْضا

(إِن لم تكن لِذَوي الْفَضَائِل منقذاً

من جور دهر فِي التحكم ظَالِم)

(فبمن نلوذ من الزَّمَان وَبَاب من

ننتاب فِي الْأَمر المهم اللَّازِم)

(فَبِحَق من أَعْطَاك أرفع رُتْبَة

أضحى لَهَا هَذَا الزَّمَان كخادم)

(وحباك من سلطاننا بمواهب

تركت حسودك فِي الحضيض القاتم)

(فَإِذا تتوج كنت درة تاجه

وَإِذا تختم كنت فص الْخَاتم)

(إِلَّا نظرت بِعَين عطفك نحونا

وَتركت فيهم كل لومة لائم)

(ورعيت فِي داعيك نسبته إِلَى

خير الْبَريَّة من سلالة هَاشم)

(فالوقت عَبدك طوع أَمرك فاحتكم

فيمَ تشَاء فَأَنت أعدل حَاكم)

قلت هَكَذَا أَنْشدني لَهُ هَذِه الأبيات صاحبنا المرحوم عبد الْبَاقِي بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن السمان الدِّمَشْقِي وَذكر لي أَنه أَخذ قَوْله فَإِذا تتوج إِلَى آخِره من قَول أبي الْحُسَيْن العرضي الْعلوِي

(كَأَنَّمَا الدَّهْر تَاج وَهُوَ درته

وَالْملك وَالْملك كفٍّ وَهُوَ خَاتمه)

ص: 435

أَو لم يدر مَعَ سَعَة اطِّلَاعه أَن الْبَيْت برمتِهِ لأبي الطّيب فِي قصيدته الَّتِي أَولهَا

(أَنا مِنْك بَين فَضَائِل وَمَكَارِم

وَمن ارتياحك فِي غمام دَائِم)

وَقد أطلنا الْكَلَام حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ الْمقَام وَبِالْجُمْلَةِ ففضل صَاحب التَّرْجَمَة غير خَفِي بل هُوَ أجلى من الْجَلِيّ وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَتُوفِّي فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَألف بحلب رَحمَه الله تَعَالَى

الشَّيْخ بَرَكَات بن تَقِيّ الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الكيال الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي خطيب الصابونية كَانَ شَيخا صَالحا قَارِئًا مجوداً حسن السمت والاعتقاد يحب الطّيب وَيكثر التطبب أَخذ القراآت عَن شيخ الْقُرَّاء بِدِمَشْق الشهَاب الطَّيِّبِيّ وَولده وَكَانَ يقْرَأ الْقُرْآن قِرَاءَة حَسَنَة وَولي خطابة الصابونية بعد ابْن عَمه ولي الدّين وناب فِي إِمَامَة الْجَامِع الْأمَوِي عَن ابْن الطَّيِّبِيّ الْمَذْكُور ولازم الْمحيا بالجامع الْأمَوِي وجامع الْبزورِي بمحلة قبر عَاتِكَة خَارج دمشق فِي زمن شيخ الْمحيا عبد الْقَادِر بن سوار وَكَانَ يقْرَأ الْعشْر الْمُعْتَاد من سُورَة الْأَحْزَاب فِي الْمحيا وَكَانَ بَيته بِالْقربِ من الْجَامِع قَرِيبا من بَيت منجك وَأكْثر أوقاته يُقيم بالجامع فِي الْحُجْرَة الصَّغِيرَة الَّتِي كَانَت بيد شَيْخه الطَّيِّبِيّ ثمَّ وَلَده عِنْد بَاب جبرون من جِهَة الْقبْلَة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير قلت وَابْن عَمه ولي الدّين الْمَذْكُور هُوَ وَالِد جدة أبي لَامة وَله أوقاف دارة وَأَنا الْآن صَاحب نصيب وافر من خَيرهَا وَأَبُو شمس الدّين مثله صَاحب إدرارات وكلا الوقفين نصف نظارتهما عَليّ جزاهم الله عني خيرا وَبِاللَّهِ الِاسْتِعَانَة

الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن بَرَكَات بن أبي نمي بن بَرَكَات الشريف الحسني صَاحب مَكَّة وبلاد الْحجاز ونجد وَكَانَ من أمره لما توفّي الشريف زيد بن محسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن وَقَامَ بِالْأَمر بعده الشريف سعد بعد أَن وَقعت بِمَكَّة رجة عَظِيمَة فِيمَن يتَوَلَّى بَين الشريف سعد والشريف حمود بن عبد الله وَقَامَ كل مِنْهُمَا وَجمع الجموع وتحصنوا بِالْبُيُوتِ والمنائر وانضم الْأَشْرَاف إِلَى الشريف حمود وَلم يبْق مَعَ الشريف سعد إِلَّا مبارك بن مُحَمَّد الْحَرْث وراجح بن قايتباي وَعبد الْمطلب ابْن مُحَمَّد وَمُضر بن المرتضى وَالسَّيِّد حُسَيْن بن يحيى وَفَارِس بن بَرَكَات وَمُحَمّد بن أَحْمد ابْن عَليّ وَهُوَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْمُنَادِي لِأَن من قَوَاعِد الْأَشْرَاف أَنه إِذا أولى أحدهم الْإِمَارَة مَشى شرِيف مِنْهُم مَعَ المنادى ليحميه مِمَّن يتَطَرَّق إِلَيْهِ من الْأَشْرَاف

ص: 436

المبارزين حالتئذ وَكَانَ بِمَكَّة إِذْ ذَاك عماد أَمِير جدة وَشَيخ الْحرم فَردُّوا الْأَمر إِلَيْهِ فأخضر خلعة عِنْده وَالرسل تسْعَى من الشريف سعد إِلَيْهِ فاتفق الرَّأْي أَن يلبس الخلعة الشريف سعد فلبسها فِي بَيته وَكَانَ مجْلِس عماد فِي دكة عِنْد بَاب رِبَاط الداودية فَبعد أَن أخذت الخلعة قيل لَهُ أَن ابْن زيد مُحَمَّد يحيى هُوَ ولي الْعَهْد لِأَن وَالِده أخرج لَهُ مرسوماً سلطانياً بذلك فَقَالَ لمن أَخذ الخلعة قُولُوا للشريف سعد بِشَرْط أَنَّك قَائِم مقَام أَخِيك فَبعد أَن ذَهَبُوا بالخلعة وَمَشوا بهَا قَلِيلا دخل الْمَسْجِد من بَاب بني سهم الْمُسَمّى بِبَاب الْعمرَة جمَاعَة من الْأَشْرَاف مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله ومبارك بن فضل بن مَسْعُود وَعبد الله بن أَحْمد وَمُحَمّد بن أَحْمد بن حراز فِي نَحْو عشرَة أشخاص فوقفوا على عماد فَقَالَ لَهُم نَحن ألبسنا الشريف سعد بِشَرْط أَنه قَائِم مقَام أَخِيه فَقَالَ لَهُ السَّيِّد مبارك نَحن حمود شَيخنَا وَكَبِيرنَا وَلَا نرضى إِلَّا بِهِ وَكَانَ عِنْد عماد رَاجِح بن قايتباي من جَانب الشريف سعد فَوَقع بَينهمَا كَلَام طَوِيل ثمَّ ذهب الْأَشْرَاف وَالْخَيْل إِلَى حمود فَخرج عَلَيْهِم متعمماً بعمامة زرقاء فَجَلَسَ لَحْظَة ثمَّ قَامَ للنزول إِلَى تجهيز الشريف زيد وَمَعَهُ نَحْو ثَلَاثَة من بني عَمه فَلَمَّا كَانَ فِي الدرج أقبل عَلَيْهِ السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَرْث فَوقف لَهُ حمود وَقَالَ لَهُ لَا قطع الله هَذِه الزائلة فَأَجَابَهُ بقوله إِذا جاءتك الرِّجَال كن زيره فَرده وَرجع مَعَه وَلم يذهب إِلَى مَا كَانَ قَصده ثمَّ جهز الشريف زيد وَأخرج إِلَى الْمَسْجِد بعد صَلَاة الظّهْر وَخرج فِي جنَازَته من الْأَشْرَاف وَلَده حسن وَآخر من بني عَمه وَلم يخرج أحد من الْعَسْكَر والاتباع لاشتغالهم بِمَا هم فِيهِ وطلع مَعَه الْعَامَّة وَالْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء وَجلسَ الشريف سعد للتهنئة بِالْملكِ ودعا مَشَايِخ الْعَرَب وَأَصْحَاب الْإِدْرَاك وألزم كلا بجهته ثمَّ فِي الْيَوْم الثَّالِث من موت الشريف زيد وَقع الِاتِّفَاق بَين سعد وحمود على قدر مَعْلُوم من الْمَعْلُوم وعينت جهاته وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما عِنْد النَّاس وَحصل بذلك الْأَمْن وَأمر الشريف سعد بالزينة ثَلَاثَة أَيَّام وَكتب محضراً وَعَلِيهِ خطوط الْأَعْيَان وأرسله مَعَ أحد تَوَابِع أَبِيه إِلَى مصر فَأرْسلهُ وَزِير مصر إِلَى السُّلْطَان وَكَذَلِكَ كتب السَّيِّد حمود محضراً لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا خطوط الْأَشْرَاف وارسله مَعَ رجل مصري يُقَال لَهُ الشَّيْخ عِيسَى فَقدر الله أَنه مَاتَ عقب دُخُوله مصر بيومين وَكَانَ ذَلِك لسعد سعد فوجدوا الْعرض فِي تركته وَلم يصل إِلَى مقْصده وَكَذَلِكَ السَّيِّد مُحَمَّد يحيى بن الشريف زيد أرسل محضراً من الْمَدِينَة وَعَلِيهِ خطوط أعيانها وَقد كَانَ وَالِده أخرج لَهُ مرسوماً

ص: 437

سلطانياً كَمَا ذكرنَا فَلم يتَمَكَّن من تنفيذه دَرأ لملفسدة وَكَانَ لَا يحجّ مَعَ زيد غَالِبا كل سنة من أَوْلَاده إِلَّا حسن وَمُحَمّد يحيى وَكَانَ مُحَمَّد يحيى بِالْمَدِينَةِ فَطَلَبه لِلْحَجِّ فِي عَام مَوته فَامْتنعَ لأمر يُريدهُ الله فَلَمَّا بلغ زيدا قَالَ إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَكَانَ سعد فِي نَحْو الشرق فجَاء فِي ذَلِك الْعَام وتقرب من وَالِده وَحج مَعَه وَكَانَ من أَمر الله تَعَالَى مَا كَانَ واستمرّ النَّاس منتظرين خبر وُرُود الْأَمر السلطاني نَحْو سِتَّة أشهر إِلَى أَن وصل رَسُول السُّلْطَان بالخلعة لَهُ من غير شريك ودخلوا بهَا على معتادهم وقرىء المرسوم بِالْحرم وَاسْتقر لَهُ الْأَمر وَجلسَ للتهنئة وجاءه السَّيِّد حمود وَأَتْبَاعه من الْأَشْرَاف طائعين مظهرين لَهُ الوداد والصداقة وَكَانَ حمود فِي هَذِه الْمدَّة يطْلب مِنْهُ مَا يُرِيد فَيُجِيبهُ إِلَى طلبه ثمَّ حصل بَينهمَا تنافر فَخرج حمود يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن ذِي الْقعدَة سنة سبع وَسبعين وَأقَام بالجوخى وَكَانَ كثيرا مَا ينشد فِي خُرُوجه بَيْتا للسَّيِّد قَتَادَة المستشهد بِهِ فِي وَاقعَة لَهُ

(مصَارِع آل الْمُصْطَفى عدت مِثْلَمَا

بدأت وَلَكِن صرت بَين الْأَقَارِب)

وَلم تزل الرُّسُل تسْعَى بَينهمَا فَلم يتَّفقَا على حَال وَتوجه حمود إِلَى وَادي مرو وَأقَام بِمن مَعَه من الْأَشْرَاف وأتباعهم وَسعد لم يستخفه الطيش وَتوجه بَعضهم إِلَى طَرِيق جدة فوجدوا القوافل فنهبوها وفيهَا أَمْوَال عَظِيمَة للحجاج والتجار والعسكر فَقطعت السبل وَارْتَفَعت الأسعار وَلما قدم الْحَاج الْمصْرِيّ إِلَى مَكَّة وأميره الْأَمِير أوزبك ركب حمود وَمن مَعَه من الْأَشْرَاف إِلَيْهِ وَدخل عَلَيْهِ وَمَعَهُ أَحْمد الْحَرْث وَبشير ابْن سُلَيْمَان فأنهوا إِلَيْهِ حَالهم وَعدم الْوَفَاء من سعد فِيمَا الْتَزمهُ لَهُم من معاليمهم وَقَالُوا إننا لَا نَدع أحدا يحجّ إِلَّا أَن نَأْخُذ مَا هُوَ لنا وَكَانَ قدر مائَة ألف أشرفي فالتزم لَهُم أَن ينفذ الشريف نصفهَا قبل الصعُود فقبلوا الْتِزَامه وخلوا سَبيله وَمن مَعَه فَلَمَّا دخل الْأَمِير مَكَّة خرج الشريف سعد على الْمُعْتَاد إِلَى المختلع فَلبس الخلعة ثمَّ كَلمه الْأَمِير فِيمَا الْتَزمهُ لحمود وَمن مَعَه فَقبل وَسلم خَادِم حمود الْخمسين ألفا قبل الصعُود ثمَّ لما كَانَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ عشري ذِي الْحجَّة وصل حمود إِلَى مَكَّة وَمَعَهُ السَّيِّد عبد الْمعِين بن نَاصِر بن عبد الْمُنعم بن حسن وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن الْحسن وَالسَّيِّد بشير بن سُلَيْمَان بن مُوسَى بن بَرَكَات بن أبي نمي وَالسَّيِّد مبارك وَنَافِع ابْنا نَاصِر ابْن عبد الْمُنعم فِي جمع من الْأَشْرَاف والقواد للصلح بَين سعد وحمود وترددت الرُّسُل بَينهمَا وألزموهما بالحضور إِلَى القَاضِي فجَاء حمود وَحضر الْأُمَرَاء ووجوه أَرْكَان

ص: 438

الدولة وعماد وأكابر الْعَسْكَر فَأرْسل سعد خادمه بِلَالًا وَكيلا عَنهُ فِي الْخُصُومَة وَالدَّعْوَى فاغتاظ حمود من ذَلِك وَأَرَادَ الفتك بِهِ فِي الْمجْلس فَذهب مسرعاً فَزعًا فَأرْسل عوضه أَخَاهُ مُحَمَّد يحيى وَكيلا وَادّعى على حمود بِمَا أَخذه فِي طَرِيق جده من الْأَمْوَال فَلم يثبت عَلَيْهِ ثمَّ طلب حمود أَن يتَوَجَّه إِلَى مصر وَيرْفَع أمره إِلَى السُّلْطَان فأذنوا لَهُ وَاتفقَ الْحَال على ذَلِك ثمَّ لما توجه الْحَاج الشَّامي وَسَائِر الْحجَّاج توجه مَعَهم حَتَّى وصل إِلَى بدر فَتخلف وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسبعين توجه من بدر إِلَى يَنْبع فِي صفر وَأرْسل وَلَده أَبَا الْقَاسِم وَأحمد بن الْحَرْث وَولده مُحَمَّدًا ومعهما غَالب بن زامل بن عبد الله بن حسن وَجَمَاعَة من ذَوي عنقاء السَّيِّد بشير ابْن مُحَمَّد وظافر بن وَاضح وَمُحَمّد بن عنقاء وَولده وَأرْسل مَعَهم هَدِيَّة إِلَى وَزِير مصر عمر باشا نَحْو سِتَّة أَفْرَاس مِنْهُم البغيلة والكحيلة والهدباء فَسَارُوا إِلَى أَن بلغُوا الْحَوْرَاء الْمنزلَة الْمَعْرُوفَة فِي طَرِيق الْحَج فلاقاهم قَاصِدا إِبْرَاهِيم باشا الْمُتَوَلِي بعد صرف عمر باشا بمكاتيب متضمنة لِلْأَمْرِ بالإصلاح والاتفاق فَرجع غَالب صُحْبَة القاصد إِلَى مَكَّة لينْظر مَا يتم عَلَيْهِ الْحَال فأقاموا بالحوراء بِمَا مَعَهم نَحْو خَمْسَة عشر يَوْمًا ينتظرون فَلم يصل إِلَيْهِم خبر فَسَارُوا إِلَى مصر فَدَخَلُوهَا لَيْلَة المولد وَقدمُوا مَا مَعَهم من المقاود والمكاتيب لإِبْرَاهِيم باشا فأكرمهم وَزَاد فِي تعظيمهم وَاسْتمرّ كَذَلِك إِلَى جُمَادَى الْآخِرَة وَلم يرجع القاصد من مَكَّة إِلَى مصر وَأشيع بهَا أَن الْأَشْرَاف قَتَلُوهُ فَأَشَارَ على الْوَزير بعض أكَابِر الدولة بِمصْر أَن يقبض على السَّيِّد أبي الْقَاسِم ابْن حمود وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد الْحَرْث فَأمر بنقلهما من مَحلهمَا الأول بقايتباي إِلَى بَيت الْأَمِير يُوسُف وَفِي هَذِه الْمدَّة طلب مُحَمَّد يحيى من أَخِيه سعد أَن يَجْعَل لَهُ محصول ربع الْبِلَاد وينادي لَهُ بهَا فَامْتنعَ من ذَلِك فَغَضب الشريف أَحْمد بن زيد وَكَانَ بالشرق فجَاء إِلَى مَكَّة مسرعاً فلحق أَخَاهُ سَعْدا قبل أَن يتَوَجَّه وَتوجه مُحَمَّد يحيى وَلحق بحمود وَاتفقَ مَعَه وَأَقَامَا يعاندان الْقَضَاء وَأقَام سعد وَأَخُوهُ أَحْمد معِين لَهُ وَلما لم يحصل الِاتِّفَاق بَين سعد وحمود بعد وُصُول القاصد للإصلاح أرسل سعد إِلَى وَزِير مصر يعرفهُ بِمَا جرى ليعرضه على السُّلْطَان وَكَذَلِكَ أرسل حمود قَاصِدا أَيْضا برز يَوْم عشري ربيع الأول الشريف سعد إِلَى الجوخي فِي موكب عَظِيم بِمن مَعَه من الْأَشْرَاف والعساكر وَأقَام هُنَالك ينْتَظر وُصُول الْأَخْبَار فَلَمَّا وصلت الْأَخْبَار إِلَى وَزِير مصر أَمر بتجهيز خَمْسمِائَة من الْعَسْكَر أَمر عَلَيْهَا الْأَمِير يُوسُف

ص: 439

مُتَوَلِّيًا جدة ومشيخة الْحرم وَصرف عماد عَنْهَا فَسَارُوا من مصر وهم بأتباعهم وَمن مَعَهم من الْحجَّاج والتجار يدْخلُونَ فِي ألف وَخَمْسمِائة فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَى مَكَّة توجه حمود وَمَعَهُ سعيد بن بشير بن حسن وَكَانَ والياً على بيشة ونواحيها مُدَّة فِي زمن زيد فأخرجوه مِنْهَا فواجه الْعَسْكَر بينبع فِي جَيش لهام من أهل يَنْبع وجهينة وعنزة فَأَخَذُوهُمْ عَن آخِرهم وقتلوهم وسلبوا أَمْوَالهم وَأسرُوهُمْ وَلم يسلم مِنْهُم إِلَّا نَحْو مائَة وَقبض على الْأَمِير يُوسُف وَقتل حِينَئِذٍ من الْأَشْرَاف بشير بن أَحْمد بن عبد الله ابْن حسن وسرور بن عبد الْمُنعم وَمن ذَوي عنقاء زين العابدين بن نَاصِر وَقتل أَيْضا السَّيِّد لِبَاس وَسبب قَتله أَنه صعد أول الْحَرْب إِلَى متراس للترك ظَنّه متراساً لعسكر حمود فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم مَاشِيا صاعداً تلقوهُ فَقطعُوا رَأسه من حِينه ووضعوه فِي مخلاة علقت على بعير وَلم يدروا بِهِ إِلَّا بعد انكسار جَيش التّرْك وَجَاء بِهِ بعض من أَخذ الْجمل بِمَا عَلَيْهِ من الْمَتَاع وَأُصِيب السَّيِّد عبد الْمعِين بن نَاصِر فِي رَأسه بعد أَن زاغت عَنهُ الخوذة بِسَبَب وُقُوعه عَن الْفرس بكبوها وقتلها ونهبت الأجمال بالأحمال ثمَّ أَمر حمود بِجمع حَرِيم الْأَمِير يُوسُف وَغَيره فِي مخيم كَبِير وأجرى عَلَيْهِم المصروف وَمَات الْأَمِير يُوسُف وَكَانَ اللِّقَاء الْمَذْكُور يَوْم الْأَرْبَعَاء عَاشر رَجَب من هَذِه السّنة وَكَانَ حمود أرسل إِلَى الْعَسْكَر قبل قدومهم عَلَيْهِ أَن لَيْسَ لكم طَرِيق علينا إِن لم يكن السَّيِّد أَبُو الْقَاسِم مَعكُمْ وَالسَّيِّد مُحَمَّد فَلم يمتثلوا فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَى مصر قتلوا من كَانَ من أَتبَاع السَّيِّد أبي الْقَاسِم وَالسَّيِّد مُحَمَّد وتتبعوهم فِي الْأَمَاكِن وَأمر بالسيدين إِلَى حبس الدَّم بعد أَن طلب وَزِير مصر الْفَتْوَى من الْعلمَاء بِجَوَاز قَتلهمَا فَلم يفتوه فَأمر باعتقالهما ثمَّ عزل إِبْرَاهِيم باشا عَام ثَمَانِينَ وَتَوَلَّى مصر حُسَيْن باشا ابْن جانبولاذ فَسَأَلَ عَن سَبَب حبسهما فَأخْبر بِمَا وَقع فِي الْعَسْكَر من أبويهما فَقَالَ هَل كَانَ الْوَاقِع قبل وصولهما أَو بعده فَقيل بعده بِمدَّة فَقَالَ لَا ينْسب شَيْء من ذَلِك إِلَيْهِمَا وَأمر بإخراجهما واستدناهما وأكرمهما وَأقَام لَهما من الْمعِين مَا يكفيهما وأنزلهما بِبَيْت نقيب الْأَشْرَاف فَلَمَّا كَانَ شهر رَمَضَان استدعاهما النَّقِيب لَيْلَة إِلَى الْإِفْطَار عِنْده فَأَتَاهُ أَبُو الْقَاسِم فِي جملَة من أَصْحَابه وَلم يَأْته مُحَمَّد فدعاهما فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة فَكَانَ كَذَلِك فاستنكر عدم مَجِيء مُحَمَّد تِلْكَ اللَّيْلَة فردّد الرُّسُل إِلَيْهِ فَلم يَأْتِ فقوي الريب عِنْده فَاعْتَذر عَنهُ أَبُو الْقَاسِم ثمَّ خرج مُحَمَّد بمفرده فارّاً من مصر إِلَى مَكَّة مَاشِيا حَتَّى انْتهى إِلَى الْعقبَة فَأتى لَهُ بِمَا يركبه وَأما أَبُو الْقَاسِم فاستمر إِلَى أَن

ص: 440

توفّي فِي شَوَّال سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف شَهِيد بالطاعون ثمَّ جهز عَسْكَر كثير من مصر وَمَعَهُ أميران وَعَلَيْهِم أَمِير مُحَمَّد جاويش مُتَوَلِّيًا جدة ومشيخة الْحرم فوصلوا إِلَى يَنْبع وَكَانُوا تلاقوا مَعَ الْحَاج قبلهَا بيومين أَو ثَلَاثَة ودخلوا مَعًا وَأَقَامُوا فِيهَا خَمْسَة أَيَّام أَو سِتَّة يكاتبون حموداً وَهُوَ يُجِيبهُمْ بِكَلَام شَدِيد فحملوا عَلَيْهِ فَلم يجدوه فَاقْتضى رَأْيهمْ أَن بَعضهم يُقيم لحفظ الْبَلَد وَالْآخر يحجّ وَهُوَ الْأَكْثَر فَدَخَلُوا مَكَّة بموكب عَظِيم سَابِع ذِي الْحجَّة وَمَعَهُمْ اثْنَا عشر كاشفاً تَحت يَد كل الكاشف جمَاعَة وَدخل الْحَاج الشَّامي واليماني وَالْمَدَنِي وَأما أهل الْعرَاق ونجد والحجاز وَسَائِر الْعَرَب فَلم يحجوا لما حصل لَهُم من التَّعَب والجوع وَالْخَوْف وَنزل الْعَسْكَر فِي بَيت حمود وَأحمد الْحَرْث وَجَمِيع الْأَشْرَاف الَّذين مَعَه وَقتل مُحَمَّد جاويش سِتَّة أشخاص من أَتبَاع حمود ثمَّ توجه الْحَاج الْمصْرِيّ وَمَعَهُ الْعَسْكَر والشريف سعد إِلَى يَنْبع نَحْو حمود وَأقَام أَخَاهُ السَّيِّد أَحْمد مقَامه بِمَكَّة فَلَمَّا وصلوا إِلَى يَنْبع تشاوروا هَل يُقِيمُونَ أَو يتوجهون وَرَاء حمود أَو يرجعُونَ إِلَى مصر فاتفق الرَّأْي أَن يذهبوا إِلَى مصر وَأقَام سعد وَمُحَمّد جاويش وَقبض سعد على جمَاعَة من المفسدين كَانُوا مَعَ حمود وكبلهم بالقيود والأغلال وَخرج من مَكَّة يَوْم الْإِثْنَيْنِ سادس صفر سنة تسع وَسبعين وَألف أَحْمد بن زيد بعسكره إِلَى جِهَة الْمَبْعُوث لإِصْلَاح تِلْكَ الْجِهَات والطرقات وَأقَام مقَامه بِمَكَّة بشير بن سُلَيْمَان ثمَّ دخل سعد إِلَى مَكَّة ثَانِي عشري ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَبعدهَا بأَرْبعَة أَيَّام دخل أَخُوهُ أَحْمد فَلَمَّا كَانَ رَابِع ذِي الْحجَّة وصل رَسُول من الْمَدِينَة يخبر بِأَن رجلا اسْمه حسن باشا قدم مُتَوَلِّيًا جده وَمَعَهُ أوَامِر سلطانية بِأَنَّهُ ينظر فِي أُمُور الْحَرَمَيْنِ فبرزت لَهُ عَسَاكِر الْمَدِينَة وكبراؤها وتلقوه بموكب عَظِيم وَالسَّبَب فِي وُصُوله أَن أهل الْمَدِينَة رفعوا أَمرهم إِلَى السُّلْطَان بالشكوى من الشريف سعد وَلما خرج من الْمَدِينَة مُتَوَجها إِلَى مَكَّة صَار يُنَادي مناديه فِي الطَّرِيق أَن الْبِلَاد للسُّلْطَان وَلَا يذكر الشريف سعد فَدخل الْحَاج الْمصْرِيّ إِلَى مَكَّة وَلبس الشريف خلعته الْمُعْتَادَة ثمَّ دخل الْحَاج الشَّامي ثمَّ دخل بعد الظّهْر حسن باشا فِي موكب عَظِيم إِلَى أَن وصل إِلَى بَاب السَّلَام فَنزل وَدخل الْمَسْجِد وَفِي الْيَوْم السَّابِع خرج الشريف لأمير الْحَاج الشَّامي وَلبس خلعته الْمُعْتَادَة ايضاً وَكَانَ من الْعَادة أَن يقسم بعض الصَّدقَات لأهل مَكَّة قبل الصعُود إِلَى عَرَفَة فَمنع من ذَلِك وتخلف مِنْهُم كثير عَن الْحَج لذَلِك فتعب الشريف سعد من أَحْوَاله

ص: 441

السَّابِقَة واللاحقة وَقَالَ إِن لم يظْهر مَا بِيَدِهِ من الْأَوَامِر فننظرها كَاذِبَة أَو صَادِقَة لم أحج فِي هَذَا الْعَام وَأرْسل بذلك إِلَيْهِ وَالِي الْأُمَرَاء وشدد فِي الْكَلَام وَوَقع اضْطِرَاب فِي الْبِلَاد وعزلت لأسواق وغلقت الْأَبْوَاب وخليت الطّرق وَجمع الشريف سعد جَيْشه وَقَامَ على قَدَمَيْهِ ثمَّ إِن الْأُمَرَاء وكبار الْعَسْكَر أَتَوا إِلَيْهِ مستشفعين لِلْحَجِّ فَعِنْدَ ذَلِك نَادَى مناديه بِأَن النَّاس يحجون وَصعد إِلَى عَرَفَات وَلم يحصل شَيْء مُخَالف ثمَّ سعى جمَاعَة بَينهمَا بِالصُّلْحِ مِنْهُم الْأَمِير عساف بن فروخ أَمِير الْحَاج الشَّامي وَكَانَ اجْتِمَاعهم بعد صَلَاة الْعَصْر ثَانِي الْمحرم سنة ثَمَانِينَ وَألف خلف مقَام الْحَنَفِيّ بِحَضْرَة الْخَاص وَالْعَام ثمَّ تفَرقا وَرجع كل مِنْهُمَا إِلَى منزله وَأرْسل كل مِنْهُمَا نوبَته إِلَى الآخر فَضربت الطبول وَأرْسل كل مِنْهُمَا إِلَى الآخر هَدِيَّة سنية وَفِي الْيَوْم الثَّامِن من الْمحرم توجه بعد الْعَصْر الشريف سعد وَأَخُوهُ أَحْمد إِلَيْهِ مقابلهما بالإكرام والتعطف وَلما أَرَادَا الْقيام ألبس كلا مِنْهُمَا ثوبا نفيساً يَلِيق بِهِ وخرجا من عِنْده ثمَّ فِي الْيَوْم الْعَاشِر أَرَادَ حسن باشا التَّوَجُّه إِلَى جدة فَتوجه إِلَى الشريف بعد الْعَصْر وَمكث عِنْده سَاعَة وَلم يذقْ عِنْده شَيْئا من الطَّعَام وَادّعى أَنه صَائِم وَلما خرج قدم لَهُ فرسا مسرجة ملاحة فَلَمَّا وصل إِلَى جدة أغلق أبوابه وَحصل مِنْهُ أُمُور يطول شرحها ثمَّ فِي سَابِع عشر ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة أشرك الشريف سعد أَخَاهُ أَحْمد فِي الرّبع وَنُودِيَ فِي الْبِلَاد وَأمر الْخَطِيب بِالدُّعَاءِ لَهُ على الْمِنْبَر وَأرْسل إِلَيْهِ حسن باشا نوبَته فَضربت فِي بَيته ثَلَاثَة أَيَّام وأتته خلعة سلطانية مَعَ أَخِيه فِي الْمَوْسِم الثَّانِي وَلم يزل حسن باشا يُعَارض الشريف فِي أَحْوَاله وَأَحْكَامه ويستولي على غَالب محصول جدة والشريف يتلطف بِهِ وَهُوَ لَا يفِيدهُ ذَلِك حَتَّى كَانَ يَوْم الثَّالِث من منى بعد انتصاف النَّهَار نفر حسن باشا إِلَى رمي الْجمار فِي موكب عَظِيم والجند محدقون بِهِ فَلَمَّا كَانَ وَاقِفًا عِنْد الْعقبَة لرمي الْجمار رَمَاه ثَلَاثَة رجال بِثَلَاث بَنَادِق فَخر على وَجهه للتراب فَتَلقاهُ جنده فَرَفَعُوهُ إِلَى التخت وتحيروا فِيمَا نزل من هَذَا المضاب نزلُوا بِهِ إِلَى مَكَّة وصاروا يقتلُون من لاقوه فِي الطَّرِيق ووصلوا بِهِ إِلَى مَكَّة وتحصنوا فِي الْبيُوت وَدخل جمع مِنْهُم الْمَسْجِد بِالسِّلَاحِ وَالنَّار ورموا فِيهِ البندق إِلَى بَيت الشرق ووجهوا المدافع للأربع جِهَات واحترسوا غَايَة الاحتراس ثمَّ إِن الشريف توجه بعسكره وبالإشراف إِلَى مَكَّة ملبسين مدرعين فَاجْتمع الْأُمَرَاء حِينَئِذٍ وَاتَّفَقُوا على أَن يُعْطِيهِ مَا كَانَ استولى عَلَيْهِ من مَال جده

ص: 442

وَقدره ثَلَاثُونَ ألف قِرْش واستعطفوا الشريف بترك الثُّلُث فَتَركه وَأخذ عشْرين ألفا فَلم يسْتَطع الْمقَام بِمَكَّة فَأرْسل إِلَى جدة بعض أَتْبَاعه وَتوجه مَعَ الْحَاج الْمصْرِيّ إِلَى الْمَدِينَة وَأقَام بهَا فوفد عَلَيْهِ السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحَرْث فألزمه بالذهاب إِلَى وَالِده واستلحاقه إِلَيْهِ فِي الْمَدِينَة فَلَمَّا حضر نَادَى لَهُ فِي الْبِلَاد بعد أَن ألبسهُ خلعة وَأمر بِالدُّعَاءِ لَهُ على الْمِنْبَر وَقطع الدُّعَاء لسعد وَقد كَانَ سعد خرج صُحْبَة الْحَاج أَو عقبه حَتَّى وصل إِلَى يَنْبع فَأَقَامَ بهَا فَلَمَّا بلغه مَا فعل حسن باشا أرسل إِلَى أَحْمد الْحَرْث كتابا مضمونه بعد الثَّنَاء أَن هَذَا الْوَاقِع الَّذِي سمعنَا بِهِ من تقمصل برداء الْملك وأثوابه فَهَذَا أَمر أَنْت بَيته الْأَعْلَى وَمثلك أَحْرَى بِهِ وَأولى فأنك أَنْت الشَّيْخ وَالْوَالِد الْجَائِز كل كَمَال طريف وتالد فَإِن كَانَ هَذَا مُحكم الاساس فِي الْبُنيان جَارِيا على مُقْتَضى مرسوم السُّلْطَان فَنحْن بِالطَّاعَةِ أعوان وَإِن كَانَ الْأَمر خلاف ذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ من تسويلات هَذَا الظَّالِم الغادر وتنميقات ذَلِك المذمم الْغَيْر ظافر فأجل حلمك أَن تستخفه نكباء الطيش وَأَن تستزله اخلاط الأشارب وغوغاء الْجَيْش فَأرْسل إِلَيْهِ ابْن الْحَرْث الْجَواب بِأَن الْأَمر لم يكن على هواي وَإِنَّمَا هُوَ إِلْزَام مَعَ علمي بِأَن هَذَا الِابْتِدَاء لَا يكون لَهُ تَمام فاستشعر حسن باشا أَن من نِيَّة سعد الْمسير إِلَيْهِ فتهيأ لِلْقِتَالِ وصنع إكراً من حَدِيد قَرِيبا من مِائَتَيْنِ تسمى قنابر تملأ بالرصاص وَالْحَدِيد يَرْمِي بهَا من بعد إِلَى الْجَيْش وَكَانَ كلما أَرَادَ الْمسير ثبطه ابْن الْحَاجِب فعزم سعد وَأحمد إِلَى الْمَدِينَة وصمما على الْقِتَال وَكَانَ حمود نازلا بالمبعوث فِي المربعة المنسوبة إِلَى السَّيِّد مُحَمَّد الْحَرْث فَأَتَاهُ السَّيِّد أَحْمد بن حسن بن حراز رَسُولا من ابْن الْحَرْث وَحسن باشا بكتابين يستدعيانه إِلَيْهِمَا للانضمام ووعداه بِمَا يُريدهُ من الْجِهَات والمعينات ومضمون كتاب ابْن الْحَرْث بعد الثَّنَاء وَإِظْهَار الود والشوق أَن أَخَاك لم يكن لَهُ هَذَا الْأَمر ببال وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ بالقال وَالْحَال وَإِنَّمَا لَحِقَنِي وَلَدي مُحَمَّد إِلَى الشعرى وَكرر عَليّ القَوْل مرّة بعد أُخْرَى وَلم أوافقه حَتَّى رَأَيْت جدك النَّبِي فِي الْمَنَام قَائِلا لي وَافق ودع الأوهام فحينذ رجعت وَالْقَصْد أَنِّي أَخُوك الَّذِي تعرفه وَلَا تنكره فاقبل إِلَيْنَا فَهُوَ أعظم جميل نذكرهُ ففكر حمود سَاعَة وَقَالَ كَأَنِّي برَسُول سعد يصبحنا إِن لم يماسنا فَقبل الْغُرُوب إِذا بِرَاكِب منيخ فَتقدم إِلَيْهِ وَأخرج مكتوبين من سعد وَأحمد مضمونهما استحثاثه فِي الْمسير اليهما وَإِن حسن باشا قد شمر عَن سَاقيه للحرب وكشر عَن نابيه لِلطَّعْنِ وَالضَّرْب وَاسْتشْهدَ سعد بقول

ص: 443

الشَّاعِر

(مَا غَلطت رِقَاب الْأسد حَتَّى

بأنفسها تولت مَا عناها)

وَأتبعهُ بقوله وَأَنت تعلم أَن الْأَمر الَّذِي يعنانا يعناك وأدري بِمَا يؤل إِلَيْهِ الْأَمر فِي ذَاك وَهَذِه ألف دِينَار صُحْبَة الْوَاصِل إِلَيْك فَأدْرك وَأدْركَ أدام الله فَضله عَلَيْك فَقَالَ لَهُ بعض الْحَاضِرين مَا رَأَيْت لمن تتَوَجَّه قَالَ إِلَى سعد صَاحب الْفضل ومولاه فَإِن بيني وَبَينه فِي ضريح الحبر عبد الله عهودا لَو عارضني فِيهَا وَالِدي عبد الله لكفحت وَجهه بِالسَّيْفِ دونه ثمَّ توجه على الركاب يَوْمه الثَّانِي وقوض الأخبية وَفَارق المباني حَتَّى وصل إِلَى سعد وأخيه وهما بِمحل يُقَال لَهُ ملجة فوافي ذَلِك عزل حسن باشا وَطَلَبه فارتحل إِلَى الْمَدِينَة فَمَاتَ بطرِيق غَزَّة وَدفن هُنَاكَ وَأَتَتْ إِلَى الشريف الْخلْع من وَزِير مصر وَكَانَ إرسالها ضربا من المكايد ثمَّ فِي آخر ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة قدم مُحَمَّد جاويش الْمُقدم ذكره بجيوش نَحْو أَرْبَعَة آلَاف أَو خَمْسَة قبل قدوم الْحَاج بأيام وَنصب خيامه فِي أَسْفَل مَكَّة نَحْو الزَّاهِر بِمن مَعَه من العساكر وصاروا يدْخلُونَ خَمْسَة سَوَاء أَو عشرَة أَو مَا قَارب ذَلِك ثمَّ يرجعُونَ إِلَى خيامهم ثمَّ قدم الْحَاج الْمصْرِيّ وَلبس الشريف خلعته الْمُعْتَادَة وَقدم الْحَاج الشَّامي وَمَعَهُ حُسَيْن باشا الْوَزير كافل الشَّام بِنَحْوِ ثَلَاثَة آلَاف وَقد فوض إِلَيْهِ أَن يعْمل بِمَا يَقْتَضِيهِ رَأْيه فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة خرج الشريف لملاقاة أَمِير الْحَاج الشَّامي على الْمُعْتَاد فَطلب مِنْهُ أَن يَأْتِي إِلَى مخيم الْأَمِير فَلم يرض لكَونه غير مُعْتَاد لأسلافه وترددت إِلَيْهِ الرُّسُل فِي ذَلِك فَلم يجب بل عطف عنان فرسه رَاجعا من طَرِيق الشبيكة إِلَى مَكَّة فخشوا من وُقُوع فتْنَة فأرسلوا الخلعة مَعَ من لحقه بهَا فِي أثْنَاء الطَّرِيق ثمَّ صعد الحجيج إِلَى عَرَفَات فَلَمَّا كَانَ يَوْم النَّفر وَهُوَ الْيَوْم الثَّانِي من أَيَّام منى ترددت الرُّسُل من الشريف إِلَى أَمِير الْحَاج الشَّامي لما هُوَ الْمُعْتَاد من الخلعة الَّتِي مَعهَا المرسوم السلطاني الَّتِي يلبسهَا ذَلِك الْيَوْم وَيقْرَأ المرسوم ويسمعه القاصي والداني فَلم يُؤْت بهَا إِلَيْهِ فاستشعر حِينَئِذٍ أَن مُرَادهم بِهَذِهِ العساكر الْقَبْض عَلَيْهِ فأضمر الصولة عَلَيْهِم والمسير ثمَّ رجح الانكفاف والذهاب فسافر بِمن مَعَه على الْخَيل والركاب وَلما كَانَ ظهر الْيَوْم الثَّانِي عشر حضر حُسَيْن باشا وَمُحَمّد جاويش وأمراء الْحَاج وأكابر الدولة واستدعوا جمَاعَة من الْأَشْرَاف مِنْهُم السَّيِّد أَحْمد بن الْحَرْث وَالسَّيِّد يُشِير بن سُلَيْمَان وَالسَّيِّد بَرَكَات مُحَمَّد وأظهروا وأمرا سلطانيا للشريف بَرَكَات بولايته على مَكَّة وألبس حِينَئِذٍ خلعة سلطانية وَنزل من منى إِلَى بَيت أَبِيه

ص: 444

الْمَعْرُوف بزقاق طاعنة وَورد فِي ذَلِك الْمَوْسِم كتاب للسَّيِّد أَحْمد بن الْحَرْث وَللسَّيِّد حمود وَللسَّيِّد بشير بن سُلَيْمَان مَضْمُون الْجَمِيع وَاحِد وعباراتهم مُخْتَلفَة وَلَفظ كتاب السَّيِّد حمود فرع دؤابه هَاشم وَشَيخ المحامد والمكارم السَّيِّد حمود نظم الله عقوده وأباد حسوده وَبعد فَلَا يخفى عَلَيْكُم أَن الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام ومطاف طواف الاسلام هُوَ أول بَيت وضع للنَّاس وَأسسَ على التَّقْوَى مِنْهُ الأساس وَأَنه لم يزل فِي هَذِه الدولة الْعلية آمنا أَهله من النوائب وروضا مخصبا بأحاسن الأطايب إِلَى أَن ظهر من السَّيِّد سعد من الْأَمر الشنيع مَا يشيب عِنْده الطِّفْل الرَّضِيع وَمَا كَفاهُ ذَلِك حَتَّى شدّ الخناق على أهل الْمَدِينَة البهية وأذاقهم كاس الْمنون روية فَلَمَّا بلغ هَذَا الْحَال السّمع الْكَرِيم السلطاني أَمر بعزله عَن مَكَّة وتفويضها إِلَى الشريف بَرَكَات ليعْمَل فِيهَا بِحسن التَّصَرُّفَات وتكونوا لَهُ معينا وظهيرا وناصحا ومشيرا وكل من يتَفَرَّع غصنه من دوحة فَاطِمَة الزهراء ويتصل نسبه إِلَى أَئِمَّة الْملَّة الغراء تهدونه إِلَى طَرِيق الْخَيْر وَالصَّلَاح وترشدونه إِلَى معالم الرشد والنجاح وَأَنْتُم على مَا تعهدون من التكريم والتبجيل وَالله على مَا نقُول وَكيل فاستقام الْأَمر بتولية الشريف بَرَكَات غَايَة الاسْتقَامَة وَكَانَ فِي الْبَاطِن طَالبا لهَذَا الْأَمر حَرِيصًا عَلَيْهِ وَذكر الشلي فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ عبد الله صَاحب رِبَاط الْحداد أَن الشريف بَرَكَات قبل أَن يتَوَلَّى الامارة بأيام أَتَاهُ وَهُوَ فِي الْحجر وَسَأَلَهُ الدُّعَاء بتيسير الْمَطْلُوب فَدَعَا لَهُ بذلك فَلَمَّا ذهب سَأَلَ الشَّيْخ رجل من أَشْرَاف مَكَّة عَمَّا طلب فَقَالَ أَنه طلب أَن يكون ملكا وَقد اسْتَجَابَ الله الدُّعَاء لَهُ فِي ذَلِك وَلما تولى توجه الشريف سعد من مَكَّة فَخرج الشريف بَرَكَات وَمَعَهُ العساكر فِي طلبه فسلك طَرِيق الثَّنية إِلَى الطَّائِف وَكَانَ الشريف سعد قد سلكها وَنزل بِالطَّائِف ثمَّ ارْتَفع عَنهُ إِلَى عباسه ثمَّ إِلَى تربة ثمَّ إِلَى بيشة فَتَبِعَهُ الشريف بَرَكَات حَتَّى قَارب تربة ثمَّ عَاد إِلَى الْمَبْعُوث ثمَّ إِلَى الطَّائِف وَأقَام بهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة وحظى عِنْد السلطنة وَكَانَ مَقْبُول الْكَلِمَة عِنْدهم مُعْتَقدًا لما كَانَ يكثره من مداراتهم وَكَانَ كثير الاحسان للأشراف والتعطف بهم وتقووا فِي زَمَنه وقويت شوكتهم وَكَثُرت أَمْوَالهم وبسبب ذَلِك بَقِي كبار الْأَشْرَاف وصغارهم تَحت طوعه وَكَانَ يخرج بهم لِحَرْب الْعَرَب من أهل الْفَرْع وَغَيرهم وَيكون الظفر فِيهِ لَهُ وللأشراف وحمدت طَرِيقَته وَأمنت فِي زَمَنه السبل وربحت التُّجَّار وانتظم الْأَمر خُصُوصا للحجاج وَفِيه يَقُول بعض أدباء دمشق وَقد حج

ص: 445

(أنخ الركاب فَهَذِهِ أم الْقرى

قد لَاحَ نور الْهدى من مشكاتها)

(وَاجعَل شعارك فِيهِ تقوى الله كي

تستنتج الْخيرَات من بركاتها)

وَلم يزل كَذَلِك عالي الهمة مَيْمُون النقيبة إِلَى أَن تغلب عَلَيْهِ غَالب الْأَشْرَاف وَخرج السَّيِّد أَحْمد بن غَالب مفارقاً لَهُ فِي نَحْو ثَلَاثِينَ شريفاً من ذَوي مَسْعُود وَغَيرهم فَدخلت الْأَشْرَاف فِي الصُّلْح بَينهم فَلم يتم وَخَرجُوا إِلَى الركاني من وَادي مر واجتمعوا هُنَاكَ وتأهبوا وَسَارُوا مِنْهُ قَاصِدين الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة فوصلوا إِلَى الشَّام فأنزلهم متوليها حُسَيْن باشا بِبَيْت عَظِيم وأجرى عَلَيْهِم مَا يكفيهم من الْمصرف وَبَالغ فِي تعظيمهم وَأرْسل يعرف بشأنهم إِلَى الْأَبْوَاب الْعلية فَأمروا بِكِتَابَة عرض بِمَا يشكونه فكتبوه وأرسلوه مَعَ اثْنَيْنِ مِنْهُم وهما السَّيِّد مُحَمَّد بن مساعد وَالسَّيِّد بشير بن مبارك بن فضل فوعدوا بإزاحة شكواهم وَكَانَ الشريف بَرَكَات عرض لما فَارقه ابْن غَالب وَمن مَعَه أَن الْأَشْرَاف اتَّبعُوهُ بِالطَّلَبِ الشطيط وَأَنه بَالغ فِي رضاهم بِكُل وَجه وَقَالَ إِنِّي رضيت أَن أجعَل لَهُم مغل ثَلَاثَة أَربَاع الْبِلَاد وَيكون لي ربعه فأبرزوا لَهُ أمرا سلطانياً بذلك وَلما كَانَ حادي عشري ربيع الأول وَقعت فتْنَة سَببهَا أَن عبدا للسَّيِّد حسن ابْن حمود بن عبد الله اخْتصم مَعَ رجل من عَسْكَر مصر عِنْد البزابيز بالمسعى فَضرب العسكري العَبْد وَأخذ سلاحه فَحِينَئِذٍ استحشم السَّيِّد حسن الْأَشْرَاف وَالْعَبْد العبيد فَاجْتمعُوا كلهم عِنْد السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله ثمَّ انقلبت شرذمة من العبيد نَحْو الْخمسين شاهرين السِّلَاح فوصلوا إِلَى الْمَرْوَة فهربت الأتراك وَأَرَادُوا الرُّجُوع فَرَمَاهُمْ بعض الأتراك الساكنين فِي الرّبع بالأحجار فأرادوا الطُّلُوع إِلَيْهِم فكسروا بعض الدكاكين الَّتِي تَحْتَهُ ظنا أَنَّهَا بَاب الرّبع فوجدوها ملآنة من النّحاس والأثاث فنهبوا جَمِيع ذَلِك وفعلوا بدكان أُخْرَى مثل ذَلِك وصوبوا نَحْو ثَلَاثَة من التّرْك بِالسِّلَاحِ وَقتلُوا آخر من المجاورين كَانَ يحتجم عِنْد حلاق بالمروة ثمَّ ذَهَبُوا ثمَّ تحزبت الأتراك وجاؤوا إِلَى القَاضِي وَأَرْسلُوا إِلَى الشريف يطْلبُونَ الْغُرَمَاء فصبروا فَلم يصبروا وَأتوا إِلَى بَيت الشريف وَبَيت السَّيِّد أَحْمد بن الْحَرْث وَكَانَ بِهِ جمَاعَة من عَسْكَر الشريف فَرَمَوْهُمْ من بَيت الْحَرْث فَقتلُوا من التّرْك اثْنَيْنِ أَيْضا فَرجع التّرْك حِينَئِذٍ وَأرْسل الشريف بَرَكَات إِلَى الْأَشْرَاف يطالبهم بالغرماء فامتنعوا وَخَرجُوا إِلَى الشَّيْخ مَحْمُود وَقَالُوا من يطْلب الْغُرَمَاء يأتنا وَخرج العبيد حَتَّى عبيد الشريف بَرَكَات وَعبيد حَاكم مَكَّة الْقَائِد أَحْمد بن جَوْهَر إِلَى بركَة

ص: 446

ماجن ووحدوا جمَاعَة من الأتراك المجاورين مقيلين فَأخذُوا جَمِيع مَا مَعَهم وسلبوهم ونهبوا قَرِيبا من أَرْبَعمِائَة رَأس من الْغنم ثمَّ أرسل الشريف بَرَكَات أَخَاهُ عمر فردّ العبيد ثمَّ قصد الشريف تسكين الْفِتْنَة فَأمر بعبدين كَانَا محبوسين فِي سَرقَة أَن يشنقا فشنقا فَلم تطب نفوس الأتراك بذلك ثمَّ وجد السَّيِّد يحيى بن بَرَكَات وَكَانَ يعس الْبَلَد بِاللَّيْلِ عَبْدَيْنِ سارقين فَضرب عنقهما وَرمى بجثتهما تَحت جميزة المعلاة فَرضِي الأتراك حِينَئِذٍ واصطلح الْأَشْرَاف مَعَ الشريف ودخلوا إِلَى مَكَّة بأجمعهم وَوَقع بَينهم الِاتِّفَاق الَّذِي مَا شابه بعد وصمة واستقام الْأَمر وَفِي أَيَّامه فِي ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف وَقع سيل بِالْمَدِينَةِ خرب كثيرا من الدّور الَّتِي تحتهَا وَكَاد أَن يدخلهَا من بَاب الْمصْرِيّ وَاسْتمرّ خَمْسَة أَيَّام وَلم يهْلك من النَّاس إِلَّا شخص أَو شخصان وَفِي هَذِه السّنة حصل فِي قَرْيَة السَّلامَة وَمَا حولهَا من أَرض الطَّائِف برد شَدِيد لَهُ وَقع عَظِيم بِحَيْثُ صَار يضْرب بالصخور والأبواب كالبنادق غالبه كبيض الْحمام وَبَعضه كبيض الدَّجَاج قَالَ الشلي فِي تَارِيخه وَسمعت غير وَاحِد يَقُول وزنت وَاحِدَة فَكَانَت رطلا وَوَقع بعضه على قدر فخرقه وأتلف ثمار الْبَسَاتِين وجرح كثيرا من الْحَيَوَانَات وَبَعضهَا مَاتَ وَفِي ثَانِي عشري ذِي الْحجَّة من سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَقع بِمَكَّة سيل عَظِيم وسالت الأودية وَخَربَتْ مِنْهَا دوراً كَثِيرَة وأتلف أَمْوَالًا لَا تحصى وَأغْرقَ نَحْو ثلثمِائة نفس وَدخل الْمَسْجِد الْحَرَام وَعلا على مقَام إِبْرَاهِيم ومقام الْمَالِكِي والحنبلي وَعلا بَاب الْكَعْبَة وَكَانَ الركب الْمصْرِيّ إِذْ ذَاك فِي نفير السّير من مَكَّة فَأكْثر الغرقاء كَانُوا غرباء وَاسْتمرّ نَحْو عشْرين دَرَجَة ثمَّ سكن الْمَطَر وَعَاد مرّة أُخْرَى وَاسْتمرّ فِيهَا نَحْو الأولى ثمَّ سكن وَفِي أَيَّامه عمرت الخاصكية التكية الْمَعْرُوفَة الْآن بِمَكَّة بَين البزابيز وَالْمُدَّعى وَصرف عَلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَة وَقد وَقعت موقعها وَعم نَفعهَا وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس ثَانِي عشر شهر ربيع الثَّانِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف بِمَكَّة وَكَانَت ولَايَته عشر سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر وَسِتَّة عشر يَوْمًا وَتَوَلَّى بعده وَلَده الشريف سعيد وَلم يخْتَلف فِيهِ اثْنَان من الْأَشْرَاف وَذَلِكَ أَنه بعد موت أَبِيه ذهب عَمه السَّيِّد عَمْرو فِي جمَاعَة من الْأَشْرَاف إِلَى القَاضِي وطلبوا مِنْهُ خلعة فَسَأَلَهُمْ هَل الْأَشْرَاف راضون فَقيل لَهُ نعم فَأتوا بهَا إِلَيْهِ فلبسها وَنُودِيَ فِي الْبِلَاد باسمه وَمَعَ الْمُنَادِي السَّيِّد الْحُسَيْن بن يحيى وَالسَّيِّد عبد الله بن هَاشم ثمَّ جهز الشريف وَصلى عَلَيْهِ ضحى إِمَامًا بِالنَّاسِ الشَّيْخ عبد الْوَاحِد الشيبي فاتح الْبَيْت

ص: 447

فِي مشْهد حافل حضرت الْأَشْرَاف وَالْعُلَمَاء وَعَامة النَّاس وَدفن بحوطة السيفي على يسَار الذَّاهِب إِلَى المعلاة بِوَصِيَّة مِنْهُ وَلم يحصل بِمَوْتِهِ للنَّاس خوف وَلَا فزع ثمَّ عقد مجْلِس الِاجْتِمَاع يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي وَفَاة يَوْم أَبِيه بِالْحَطِيمِ حضرت الْأَشْرَاف وَالْعُلَمَاء والأعيان والعساكر فأظهر الشريف سعيد أمرا سلطانياً كَانَ برز لَهُ لما أرْسلهُ وَالِده إِلَى السُّلْطَان أَن الْملك بعد أَبِيه فقرىء بذلك الْمجمع وَلم تقع مُخَالفَة من أحد ثمَّ ورد الْأَمر الَّذِي كَانَ طلبه الشريف بَرَكَات بالأرباع بعد مَوته فأخفاه الشريف سعيد وَكَانَ الْأَشْرَاف متحققين خَبره قبل وُصُوله إِلَى مَكَّة فطلبوه من الشريف فَأحْضرهُ إِلَى مجْلِس الشَّرْع وسجل مضمونه وقسموا مَدْخُول الْبِلَاد أَربَاعًا ربع لشريف مَكَّة وَربع تشيخ فِيهِ السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله وَالسَّيِّد نَاصِر بن أَحْمد الْحَرْث ومعهما جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَالرّبع الثَّالِث تشيخ فِيهِ السَّيِّد أَحْمد بن غَالب وَالسَّيِّد أَحْمد بن سعيد ومعهما جمَاعَة وَالرّبع الرَّابِع تشيخ فِيهِ السَّيِّد عَمْرو بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد غَالب بن زامل ومعهما جمَاعَة فَحصل بذلك التشاجر فِي الْقِسْمَة والتعب والتشاحن وَوَقع فِي الْبِلَاد السّرقَة والنهب وَاخْتلفُوا فِيمَا بَينهم وَصَارَت الرّعية بِلَا رَاع وَلزِمَ من ذَلِك أَن كل صَاحب ربع يكون لَهُ كتبة وخدّام يجمعُونَ مَا هُوَ لَهُ وَجمع ابْن غَالب عسكراً وانضم إِلَيْهِ من العبيد كثير فتعب الشريف سعيد بذلك وَأمرهمْ بترك الْعَسْكَر فامتنعوا وَقَالُوا إِن السوالف سبقت بِمثل هَذَا لصَاحب الرّبع وَشهد بذلك كبار الْأَشْرَاف وَذكر الشريف سعيد أَنه متوهم من هَذَا الْفِعْل وَطلب من يكفل لَهُ ابْن غَالب فَكَفَلَهُ عشرَة من الْأَشْرَاف واصطلحا على ذَلِك ثمَّ ادّعى الشريف سعيد أَن عبيدهم أتلفوا الْبِلَاد وَالْقَصْد أَن أهل الأرباع كل مِنْهُم يُرْسل رجلا من جَانِبه يعس الْبِلَاد بِاللَّيْلِ مَعَ جماعته فَأرْسل ابْن غَالب أَخَاهُ السَّيِّد حسن وَأرْسل السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد ابْنه السَّيِّد بَرَكَات وَأرْسل الشريف سعيد السَّيِّد حَمْزَة بن مُوسَى بن سُلَيْمَان فِي جمَاعَة من الخيالة والمشاة وَمَعَهُمْ حَاكم مَكَّة الْقَائِد أَحْمد بن جَوْهَر وَلما قدم الْحَاج وَخرج الشريف لملاقاته على الْمُعْتَاد لم تخرج مَعَه الْأَشْرَاف فِي العرضة فَبعد أَن حج النَّاس ونزلوا عقد الشريف مَجْلِسا فِيهِ أَحْمد باشا حَاكم جدة وأمير الْحَاج الشَّامي صَالح باشا وأمير الْحَاج الْمصْرِيّ ذُو الفقار بيك وأمير الصرة وأكابر عَسْكَر الحجين فَلَمَّا حَضَرُوا جَمِيعهم شكا من السَّيِّد أَحْمد بن غَالب من جِهَة كِتَابَة الْعَسْكَر وَأَنه مناكد لَهُ فِي الْبِلَاد وَأَنه أفسد عَلَيْهِ الْأَشْرَاف

ص: 448

وَأَنه حصل مِنْهُ وَمن جماعته الْفساد فِي الْبِلَاد وَأَرْسلُوا لَهُ السَّيِّد غَالب بن زامل ليحضر فَيظْهر مِمَّن الْخلاف فَامْتنعَ من الْحُضُور فِي بَيت الشريف سعيد وَقَالَ إِن كَانَ الْقَصْد الِاجْتِمَاع فَفِي الْمَسْجِد وَإِن كَانَ لكم دَعْوَى فأوكل وَكيلا يسمع مَا تدعون بِهِ عَليّ فأرسلوا لَهُ من جِهَة كِتَابَة الْعَسْكَر وَمَا بعده فَأجَاب بِأَن هَذِه قَوَاعِد بَيْننَا قد سلفت أَن لصَاحب الرّبع أَن يكْتب عسكراً وَأما قَوْلكُم إِنَّه قد حصل من جماعتي أَو عسكري مفْسدَة فأطلقوا منادياً يُنَادي معاشر النَّاس كَافَّة هَل أحد مِنْكُم يشتكي من أَحْمد ابْن غَالب أَو من جماعته أَو من عسكره شَيْئا أَو أخذُوا حق أحد ظلما أَو ضربوا أحدا فَإِن وجدْتُم مشتكياً صَحَّ مَا قَالَه الشريف سعيد وَإِلَّا فَلَا وَجه لَهُ وَلكم وَأما قَوْلكُم إِنَّا تركنَا العرضة مَعَه فخفنا أَن يَقع شَيْء فينسب إِلَيْنَا أَو إِلَى جماعتنا كل هَذَا وَجَمِيع الْأَشْرَاف اجْتَمعُوا على قلب وَاحِد وخيولهم مسرجة ودروعهم على أظهرهم وملؤا أجياداً إِلَى العقد وتحركت الأنفة الهاشمية الَّتِي تأبى الضيم وَلما سمعُوا جَوَاب السَّيِّد أَحْمد بن غَالب علمُوا أَنه لَا وَجه لَهُ عَلَيْهِ فسعوا فِي الصُّلْح بَينهمَا وَكتب بَينهمَا بذلك حجَّة وطلبوا من ابْن غَالب أَن يَأْتِي إِلَى الشريف سعيد فَأَتَاهُ لَيْلَة ثمَّ أَتَاهُ الشريف سعيد لَيْلَة أُخْرَى وَتمّ الصُّلْح وَحصل من الشريف سعيد فِي ذَلِك الْمَوْسِم أَنه أَمر منادياً يُنَادي فِي الْبِلَاد بِإِخْرَاج الأغراب من مَكَّة من جَمِيع الطوائف فَحصل للنَّاس مزِيد تَعب فَتكلم الْعَسْكَر مَعَه فِي ذَلِك فَرجع فَلَمَّا رأى أَحْمد باشا حَاكم جدة اختلال حَاله تسطى على ربع الْحبّ الجراية الَّتِي ترد إِلَى مَكَّة وَأَرَادَ الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ فَبلغ ذَلِك الْأَشْرَاف فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر الْمحرم افْتِتَاح سنة خمس وَتِسْعين أَرَادَ النُّزُول إِلَى جدة فحشكت عَلَيْهِ الْأَشْرَاف بعد أَن كَلمُوهُ فِي ذَلِك فَامْتنعَ وتحزبوا جَمِيعًا وَقَالُوا لَا ينزل حَتَّى يُعْطِينَا مَا هُوَ لنا وَلَا يبْقى لنا عِنْده شَيْء وَكَانَ ذَلِك بعد أَن قدم أَهله وأثقاله إِلَى خَارج مَكَّة قَاصِدين جدة فَصَارَ حِينَئِذٍ أحير من ضَب واجتمعوا كلهم بِبَيْت السَّيِّد مُحَمَّد بن حمود وَأَرْسلُوا إِلَيْهِ السَّيِّد ثقبة فَقَالَ لَهُ إِن نزلت قبل أَن تصلح الْأَشْرَاف يَأْخُذُوا جَمِيع أسبابك الَّتِي تقدمتك وينهبوا حَرمك ويقتلوك فأذعن حِينَئِذٍ بوفائهم فَقَالُوا لَا نرضى بذلك حَتَّى يكفل لنا فَكَفَلَهُ كورد أَحْمد أغا وَجَمِيع رُؤَسَاء الْعَسْكَر وَكتب بذلك حجَّة وَأَنه إِن حصل مِنْهُ منع لبَعض حُقُوقهم يكن عاصي الشَّرْع وَالسُّلْطَان ثمَّ خرج من مَكَّة بعد الْعَصْر كالهارب وَطلب مِنْهُم شريفاً يوصله إِلَى جدة خوفًا من الْعَرَب أَن يطمعوا فِيهِ فَفَعَلُوا ذَلِك وَأَرْسلُوا

ص: 449

مَعَه السَّيِّد مبارك بن نَاصِر ثمَّ اشْتَدَّ الْبلَاء بِالسَّرقَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَكسرت الْبيُوت والدكاكين وَترك النَّاس صَلَاة الْعشَاء وَالْفَجْر بِالْمَسْجِدِ خوف الْقَتْل أَو الطعْن وَصَارَ العبيد لَا يأْتونَ إِلَّا ثَمَانِيَة أَو عشرَة وانقلب ليل النَّاس نَهَار وَكَثُرت الْقَتْلَى فِي الرّعية حَتَّى ضبطت الْقَتْلَى فِي شهر رَمَضَان فبلغت تِسْعَة أشخاص فضجت النَّاس من هَذِه الْأَحْوَال فَأرْسل الشريف سعيد إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة ترجمانه يذكر فَسَاد مَكَّة وَأَنَّهَا خربَتْ وَأرْسل يطب عسكراً لإصلاحها وَكَانَت النَّاس فِي هَذِه الْمدَّة يتوسلون إِلَى الله تَعَالَى أَن يصلح الْأُمُور فَاسْتَجَاب الله دعاءهم فَاقْتضى نظر السُّلْطَان وأركان دولته أَنه لَا يصلح هَذَا الْخلَل إِلَّا الشريف أَحْمد بن زيد فَأعْطى الشرافة فِي قصَّة ذكرنَا هُنَا فِي تَرْجَمته والشريف سعيد وَعَمه عَمْرو ينتظران الْجَواب فَلَمَّا كَانَ سَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة خمس وَتِسْعين ركب الشريف سعيد إِلَى أَحْمد باشا صَاحب جدة وَكَانَ بِالْأَبْطح بُسْتَان الْوَزير عُثْمَان بن حميدان وَاسْتمرّ عِنْده إِلَى جَانب يسير من اللَّيْل ثمَّ ركب وَقصد ثنية الْحجُون ذَاهِبًا إِلَى السَّيِّد غَالب بن زامل وَكَانَ نازلاً بِذِي طوى فَلَمَّا جَاوز الْحجُون إِذا هُوَ بِرَجُل على ذَلُول فاستخبره من أَي الْعَرَب فَقَالَ من بني صَخْر فَقَالَ لَهُ الشريف سعيد أَمَعَك كتاب من يحيى بن بَرَكَات فَقَالَ لَا وَكَانَ الشريف يحيى ذهب لملاقاة الْحَاج الشَّامي فَأمر بضربه وهدد بِالْقَتْلِ فأقره بِأَنَّهُ رَسُول من الشريف أَحْمد بن زيد إِلَى السَّيِّد أَحْمد بن غَالب وَأَنه قد جَاءَ مُتَوَلِّيًا مَكَّة وَلحق الْحَاج الشَّامي فِي الْعَلَاء ثمَّ ذهب لَيْلَة الثُّلَاثَاء تَاسِع عشري الشَّهْر المذكو إِلَى بَيت عَمه السَّيِّد عَمْرو واستدعى السَّيِّد غَالب بن زامل وَالسَّيِّد نَاصِر بن أَحْمد الْحَرْث وَعبد الله بن هَاشم وَتَشَاوَرُوا فِي إِظْهَار هَذَا الْأَمر كَيفَ يكون فاتفق الْأَمر على أَن يرسلوا إِلَى السَّيِّد مساعد بن الشريف سعد ابْن زيد فأرسلوا إِلَيْهِ السَّيِّد عبد الله بن هَاشم وَتَشَاوَرُوا فِي إِظْهَار هَذَا الْأَمر كَيفَ يكون فاتفق الْأَمر على أَن يرسلوا إِلَى السَّيِّد مساعد بن الشريف سعد ابْن زيد فأرسلوا إِلَيْهِ السَّيِّد عبد الله بن هَاشم وأتى بِهِ فَلَمَّا دخل بَيت السَّيِّد عَمْرو وَرَأى الْجَمَاعَة مُجْتَمعين جلس مَعَهم فَقَالَ لَهُ الشريف سعيد يَا سيد مساعد لم أرسل إِلَيْك فِي هَذَا الْوَقْت إِلَّا قصدي أودعك أَهلِي فَإِن عمك الشريف أَحْمد تولى مَكَّة وَأَنَّك تقوم مقَامه حَتَّى يصل وَأرْسل الشريف سعيد إِلَى أغاوات الْعَسْكَر الَّذين مَعَه وَقَالَ لَهُم إِن الْأَمر للسَّيِّد أَحْمد بن زيد فاخدموا سيدكم وَخرج الشريف سعيد تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَى الْوَادي وَأقَام بِهِ حَتَّى سَافر الْحَاج الْمصْرِيّ من مَكَّة فَذهب مَعَه إِلَى مصر وَهُوَ الْآن مُقيم بهَا

ص: 450

الشَّيْخ بَرَكَات الملقب زين الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الْجمل الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الإِمَام الْعَالم الصَّالح المعتقد كَانَ حَافظ لكَلَام الله تَعَالَى عَارِفًا بالفقه والفرائض والعربية كثير التَّحَرِّي فِي الْعِبَادَة فَقِيرا صَابِرًا قانعا متواضعا عابدا زاهدا لَا يغتاب وَلَا يسمع الْغَيْبَة لزم الشهَاب بن الْبَدْر الْغَزِّي وَأخذ عَنهُ القراآت والفرائض والحساب وتفقه بالشرف يُونُس العيثاوي وَكتب الْكثير مَعَ ضعف بَصَره وانتفع بِهِ خلق فِي الْقُرْآن وَغَيره من الْعُلُوم وَكَانَ إِمَام الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بالمغيربية لصيق الدرويشية وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من الْقَوْم الأخيار وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث صفر سنة تسع عشرَة بعد الْألف صلى الْمغرب وَصعد إِلَى بَيته بالمكتب عِنْد الشادبكية دَرَجَتَيْنِ أَو ثَلَاثَة فَقَط مَيتا وَوجد فِيهِ طاعون وَصلى عَلَيْهِ بالسيبائية وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من مَقَابِر بني قَاضِي عجلون قَرِيبا من ضريح سَيِّدي بِلَال الحبشي إِلَى جِهَة الغرب عَن نَحْو سِتِّينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى

الْأَمِير برويز بن عبد الله الْأَمِير الْكَبِير أحد أَعْيَان كبراء دمشق وَأَصْحَاب الرَّأْي وَالتَّدْبِير وَكَانَ أَمِيرا جليل الْقدر عَليّ الهمة نَافِذا القَوْل مُحْتَرما يترددا إِلَيْهِ نواب الشَّام وقضاتها وَيَصْدُرُونَ عَن رَأْيه وَهُوَ فِي الأَصْل من أرقاء عَليّ حَلَبِيّ دفتري الشَّام سَابِقًا الَّذِي كَانَ يسكن بمحلة القيمرية فتنقل فِي مَرَاتِب الأخيار حَتَّى صَار أَمِير الْأُمَرَاء وتقاعد وَعمر مَسْجِدا بِالْقربِ من دَاره بمحلة القيمرية وَيعرف الْآن بِهِ ورتب لَهُ إِمَامًا ومؤذنا وأجزاء بِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من أَصْحَاب المروآت والوجاهة والمآثر الفائقة وَلم يسمع عَنهُ زلَّة وَبلغ من الْعُمر نَحْو تسعين سنة أَو قَارب الْمِائَة وَقتل فِي محاربة عَليّ بن جانبولاذ وَقد ذهب إِلَى الصالحية وزار بعض زيارتها ثمَّ ذهب إِلَى العراد وَكَانَت الْوَاقِعَة ثَانِي يَوْم ذَهَابه فَوجدَ مقتولا ودفنت جثته هُنَاكَ وَكَانَ ذَلِك فِي سنة خمس عشرَة وَألف رَحمَه الله تَعَالَى

الشَّيْخ بُسْتَان الرُّومِي الْوَاعِظ البورسوي الْحَنَفِيّ نزيل دمشق وَشَيخ مدرسة المرحوم أَحْمد باشا الْمَعْرُوف بشمسي وَكَانَ عَلَيْهِ الْوَعْظ فَوق الْكُرْسِيّ الرخام فِي مُقَابلَة مَزَار حَضْرَة النَّبِي يحيى عليه السلام وَكَذَا خطابة السليمية بالصالحية وَكَانَ عَالما عَاملا صَالحا طارحا للتكلف وَلِلنَّاسِ فِيهِ إعتقاد عَظِيم خُصُوصا الأتراك يحْضرُون مجْلِس وعظه ويتهافتون على فَوَائده وَكَانَت عمدته فِي إمْلَائِهِ على عبارَة القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ وَالْإِمَام الْبَغَوِيّ وَكَانَ يحط على المتكبرين ويحاكيهم فِي أفعالهم

ص: 451

ويبالغ فِي تقبيح أُمُورهم ويبذل الْجهد فِي نصائحهم وهم مَعَ ذَلِك يحبونه ويحترمونه وَكَانَ عفيفا قانعا مَيْمُون الْوَجْه مَأْمُون العائلة يتَرَدَّد إِلَى الْحُكَّام فَلَا يتَكَلَّم الأنجير وَيُحب الصَّالِحين ويعترف بِالْفَضْلِ لأَهله وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث بعد الْألف عَن نَيف وَخمسين سنة وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى

بشير بن مُحَمَّد الخليلي الْقُدسِي الأديب الشَّاعِر الْفَائِق وَكَانَ بالقدس أحد من تفرد بالشعر وَالْأَدب وَلم يكن فِي زَمَنه من أقرانه فِيهِ الْأَشْرَف الدّين العسيلي الْآتِي ذكره لَكِن شعر بشير أغزر رمادة وأجود تخييلا وقفت لَهُ على قصيدة أجَاب بهَا عَن قصيدة شيخ الْإِسْلَام خير الدّين الرَّمْلِيّ الَّتِي صنعها وَهُوَ بالقدس يمتدحها ويمتدح أَهلهَا حِين رجل إِلَيْهَا ومطلع قصيدة الشَّيْخ خير الدّين

(مَا كَانَ مرمى فُؤَادِي حَيْثُ هيئ لي

فِيهِ الْبناء بهند بعد مرتحلي)

وقصيدة بشير هِيَ هَذِه

(صوب من الْغَيْث وافي زَائِد الهطل

أَحْيَا رَبِّي الْقُدس عِنْد الجدب وَالْمحل)

(أم شمس فضل ترقت فِي مطالعها

أوج الفخار فَحلت ذرْوَة الْحمل)

(أم بدر أفق الْمَعَالِي قد تنقل فِي

بروجه وَكَانَ الْبَدْر فِي النَّقْل)

(لَا بل هُوَ الْجَامِع الْعرف الَّذِي ملكت

أَوْصَافه الْغرَر حب السهل والجبل)

(أَرَادَ رَبك فِي تحريكه حكما

وَرُبمَا صحت الْأَجْسَام الْعِلَل)

(فزين الْمَسْجِد الْأَقْصَى بحليته

وشوه الرملة الرملاء بالعطل)

(فاهتز من طرب هَذَا لزائره

وَارْتجَّ من حَرْب هَذَا المرتحل)

(وَكم على الْمَسْجِد الأقدسي من فَرح

وَكم على السَّاحِل البحري من خبل)

(وَكَيف لَا وَهُوَ خير أَن أَقَامَ على

أَرض تسامت وَأَن يرحل فَلَا تسل)

(تجمعت فِيهِ أَوْصَاف الْكَمَال كَمَا

تجمعت قسم التَّفْصِيل فِي الْجمل)

(أَحْيَا الدُّرُوس وَقد أحفى الدُّرُوس بهَا

وجاد وإبلها الظمآن بالنهل)

(معالم لَو رأى الرَّازِيّ حقائقها

لبات بِالريِّ يشكو برح الغلل)

(بجود كف لَو الطَّائِي شَاهده

لقَالَ لَا نَاقَتي فِيهَا وَلَا جمل)

(ومنطق يتْرك الْأَلْبَاب ذاهله

والكامل الْعقل مثل الشَّارِب الثمل)

(كم أنشدت لِذَوي الْفَتْوَى براعته

أَصَالَة الرَّأْي صانتني عَن الخطل)

ص: 452

(قلدت جيداها إِلَى الْقُدس عقد ثَنَا

من درّ ألفاظك الْخَالِي عَن الْخلَل)

(قصيدة مَا لَهَا مثل يناظرها

سَارَتْ بلاغتها فِي الْكَوْن كالمثل)

(لَو أنصفوا لم يكن موجودهم بَدَلا

عَنْهَا وَهل ليتيم الدّرّ من بدل)

(من أعجب الْأَمر تعريضي لَهَا هذراً

وَلَو سترت عواري كَانَ أصلح لي)

(فَمَا نظامي لما أَن يُقَاس بهَا

إِلَّا نَظِير قِيَاس الشَّمْس مَعَ زحل)

(لَكِن رَأَيْت انتظامي مَعَ قُصُور يَدي

فِي سلك مدحكم عفوا من الزلل)

(فرمته فَأتى يسْعَى على عجل

فاعجب لَهُ من بسيط جَاءَ فِي رمل)

(ولذ لي وصفك الزاكي فأذهلني

عَن الْبدَاءَة بالتشبيب والغزل)

(أَنا البشير وكل اسْم لصَاحبه

مِنْهُ نصيب بنجح الْقَصْد والأمل)

(فدم فَمَا زلت نورا يستضاء بِهِ

إِلَى الْهدى وبعون الله لم تزل)

(تَحْمِي حمى مِلَّة الْمُخْتَار أشرف من

نَالَ الفخار من الْأَمْلَاك وَالرسل)

(صلى عَلَيْهِ إلهي دَائِما أبدا

والآل والصحب أهل الْعلم وَالْعَمَل)

(مَا أنشدت فاستمالت قلب سامعها

مَا كَانَ مرمى فُؤَادِي حَيْثُ هيىء لي)

وَسمعت خبر فضائله كثيرا من أهل الْقُدس وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ من الشُّعَرَاء البلغاء وَكَانَت وَفَاته سنة سِتِّينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى

بعث الله الْمصْرِيّ الْحَنَفِيّ نزيل دمشق وَرُبمَا قيل فِي اسْمه بعث وَهُوَ مَنْقُول عَن الْفِعْل الْمَاضِي وَالْأول مَنْقُول عَن الْجُمْلَة شيخ المولد السوي وَأحد المؤذنين بِجَامِع بني أُميَّة وَكَانَ أعمى وَحفظ الْقُرْآن على كبر بعد مَجِيئه إِلَى دمشق وجوده على الشَّيْخ أَحْمد الضَّرِير وَكَانَ أعرف أهل زَمَانه بالموسيقى وَأَحْسَنهمْ صَوتا وَأَقْوَاهُمْ ملكة لَهُ تصرف عَجِيب فِي صَوته مَعَ جهارته ونداوته وَكَانَ يَقُول إِن الَّذِي بِهِ من حسن الصَّوْت بِدُعَاء أستاذ كَانَ لَهُ بِمصْر من الصَّالِحين وَأَنه لما أَرَادَ السّفر من مصر ذهب إِلَى وداعه فَقَالَ إِن شِئْت فتحت فَاك وَإِن شِئْت فتحت يدك قَالَ فَقلت لَهُ افْتَحْ فمي قَالَ وظننت أَنه يطعمني شَيْئا قَالَ افْتَحْ ففتحته فَوضع يَده على فمي وَقَالَ بسط الله لَك الشُّهْرَة فِي الْآفَاق فرزق الْحَظ الْعَظِيم وَكَانَ لَا ينشد شعرًا إِلَّا معرباً فصيحاً وَكَانَ آدم اللَّوْن وَفِيه يوقل مامية الرُّومِي الشَّاعِر مُشِيرا إِلَى فظاظته إِذا طلب للمولد

(بعث الله ضريراً

أورث الْقلب عذَابا)

(قلت لما طيروه

بعث الله غرابا)

ص: 453

وَكَانَ فِي أول أمره يعْمل الْقَصْد إِذا دخل مجْلِس الأكابر فَلَمَّا حفظ الْقُرْآن صَار يَقُول لأهل الْمجْلس الَّذِي يدْخل إِلَيْهِ أسمعكم آيَات أم أَبْيَات وهم لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يختاروا فِي ظَاهر الْحَال على كتاب الله غَيره وَإِن كَانَت خواطرهم فِي غير ذَلِك فَلَا يكون جوابهم إِلَّا طلب الْقُرْآن وَحج فِي سنة ثَمَان بعد الْألف فَلم ينشد شَيْئا فِي الْمَسْجِد إِلَّا أَنه قَرَأَ شَيْئا من الْقُرْآن وسافر قَدِيما إِلَى قسطنطينية وَقَرَأَ المولد فِي حَضْرَة السُّلْطَان مُرَاد ثمَّ عَاد إِلَى دمشق وسافر إِلَى طرابلس وَاسْتقر آخرا بِدِمَشْق وَكَانَت مُدَّة إِقَامَته بهَا أَرْبَعِينَ سنة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من محَاسِن وقته وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْإِثْنَيْنِ رَابِع شهر رَمَضَان سنة سِتّ عشرَة والف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى

الشَّيْخ بكار بن عمرَان الرحيبي المولد الدِّمَشْقِي الْوَلِيّ الْعُرْيَان الْمُسْتَغْرق صَاحب الْحَال الباهر والكشف الصَّرِيح الَّذِي لَا يتَخَلَّف وَاتفقَ أهل عصره على ولَايَته وتفوقه وَله كرامات كَثِيرَة حدث بعض الثِّقَات قَالَ أَخْبرنِي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه مُحَمَّد القشاشي نزيل مَكَّة وَنحن بهَا فِي سَابِع ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف أَن الشَّيْخ بكارا كَانَ عِنْده فِي ذَلِك الْيَوْم وَأخْبرهُ أَن الْوَزير الْأَعْظَم قره مصطفى باشا قتل وَجَاء خَاتم الوزارة إِلَى نَائِب الشَّام مُحَمَّد باشا سبط رستم باشا قَالَ فشككت فِي هَذَا الْخَبَر فَلَمَّا وافيت دمشق تحققته فَظهر لي أَن ختم الوزارة كَانَ وصل إِلَى الشَّام فِي الْيَوْم الَّذِي أخبرتي فِيهِ القشاشي بالْخبر وَسَأَلت عَن الشَّيْخ بكار هَل فَارق الشَّام فَقيل لي لم نره فَارقهَا مُنْذُ زمَان طَوِيل وَكَانَ كثير من الْحجَّاج يشاهدونه فِي الْموقف وَاقِفًا بِعَرَفَة وَذكر عَنهُ أَنه لما قدم الْمولى مُحَمَّد الْمَعْرُوف بقره جلبي زَاده إِلَى دمشق قَاضِيا لمَكَّة زَارَهُ الشَّيْخ بكار بِمَنْزِلَة الَّذِي نزل فِيهِ وَلبس صوفه وَوضع لَهُ الوسادة وَأمره بِالنَّوْمِ وَأخذ يُورد كلَاما مضمونه صَرِيح فِي تَوليته قَضَاء دمشق وَأَنه لَا يذهب مَكَّة فاتفق فِي ذَلِك الْيَوْم أَنه جَاءَهُ الْأَمر بتوليته قَضَاء دمشق وَصَرفه عَن مَكَّة وعَلى كل حَال فصلاحة وولايته مِمَّا أطبقت عَلَيْهَا أهل دمشق وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس الْمَعْرُوفَة بتربة الغرباء وَكَانَت جنَازَته حافلة جدا لم يتَخَلَّف عَنْهَا أحد وقبره الْآن مَعْرُوف يزار ويتبرك بِهِ وَمِمَّا قيل فِي تَارِيخ وَفَاته

(مذ غَدا بكار فَرد الواصلين

نازلا فِي ظلّ رب الْعَالمين)

ص: 454

(فجنان الْخلد نادت فرحة

مرْحَبًا أَهلا بفخر القادمين)

(طبت بكارا بهَا أرمخ وَقل

ادخلوها بِسَلام آمِنين)

والرحيبي بِضَم الرَّاء وَفتح الْحَاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ بعْدهَا بَاء مُوَحدَة نِسْبَة إِلَى قريب الرحيبة من ضواحي دمشق بِالْقربِ من منزلَة القطيفة

بكر الْبَغْدَادِيّ تقدم ذكره ضمن تَرْجَمَة الْحَافِظ أَحْمد الْوَزير وعلينا هُنَا أَن نَعْرِف أَصله فَنَقُول هُوَ رومي الأَصْل سكن بَغْدَاد وَصَارَ من اكابر عسكرها وتغلب عَلَيْهَا وانبسطت يَده على مملكتها حَتَّى صَار إِذا جَاءَت وزراؤها من قبل السلاطين آل عُثْمَان متولين عَلَيْهَا مَا ينفذ من حكمهم إِلَّا مَا نفذه وَهُوَ الَّذِي أَدخل الشاه بَغْدَاد كَمَا ذكرته مفصلا فِي تَرْجَمَة الْحَافِظ وَقَتله الشاه وَولده مُحَمَّد شَرّ قتلة وَكَانَ قَتلهمَا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف

برهَان الدّين بن مُحَمَّد البهنسي الدِّمَشْقِي الْمَشْهُور بشقلبها من ذَوي الْبيُوت بِدِمَشْق الَّذين خرج مِنْهُم عُلَمَاء وفضلاء وَتقدم ابْن عَمه أَحْمد الْخَطِيب وَسَيَأْتِي أَبُو أَحْمد يحيى وَهَذَا برهَان الدّين نَشأ فِي مبدا أمره يَبِيع الْحَرِير بحانوت قرب بَاب العنبرانيين من أَبْوَاب جَامع بني أُميَّة ثمَّ نما حَاله وأثرى فَرَحل إِلَى الرّوم وَعَاد مدرسا بِالْمَدْرَسَةِ السليمية وعد ذَلِك من الْعَجَائِب وَلم يطلّ أمره بهَا وَأَخذهَا عَنهُ الْمولى يُوسُف ابْن أبي الْفَتْح إِمَام السُّلْطَان فَتوجه إِلَى الرّوم ثَانِيًا وَولي قَضَاء صيدا وَلما عزل عَنْهَا اسْتَقر بِدِمَشْق وبقى يُعَامل الفلاحين واشتهر بالربا وَبلغ فِيهِ مبلغا لَيْسَ وَرَاء غَايَة وَكَانَ إِذا اسْتحق مَا لَهُ على الدَّائِن يغلظ عَلَيْهِ فِي طلبه وَيَقُول لَا سَبِيل إِلَّا أَن تُعْطِينِي مَالِي أَو تشقلبه وَهَذِه عبارَة جَارِيَة على السن الْعَوام يَقُولُونَ شقلب مَاله أَي رابح فِيهِ مرّة ثَانِيَة فَكَانَ مِنْهُم من يُعْطِيهِ مَاله وَمِنْهُم من يرابحه وَبِذَلِك عرف بشقلبها وَجمع كتا نفيسة وأملاكا وعقارات وامتحن مَرَّات فَكَانَ قَضَاء دمشق يهينونه كثيرا وَهُوَ لَا يعبأ بذلك وَكَانَ قرب دره قناة مَاء فأخرجها إِلَى الشَّارِع وعمرها وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف فَقَالَ الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي مؤرخا بناءها وَهُوَ من التواريخ العجيبة وَهُوَ قَوْله

(لبرهان قناة قد بناها

وشقلبها فَتلك لَهُ سمات)

(فشقلب وَاحِدًا فِي الْعَدو احسب

وأرخها مشقلبة قناة)

قلت قد اعْتبر التَّاء المربوطة فِي قناة هَاء وَهِي مستعملة عِنْد الأدباء كَذَلِك

ص: 455