الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَمَا فِي المقامات الحريرية وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة الشَّيْخ أرسلان قدس الله سره الْعَزِيز
بير مُحَمَّد الْمَعْرُوف بمفتي اسكوب كَانَ أَبوهُ مَمْلُوكا وَولد هُوَ بقسطمون والتحق أَولا بطَائفَة البكتاشية من الدراويش ثمَّ طلب الْعلم وبرع ولازم من ابْن جوى ثمَّ صَار مفتيا بِمَدِينَة زعرة ودرس بهَا بمدرسة إِبْرَاهِيم الْمَقْتُول ثمَّ أعْطى فَتْوَى اسكوب وَبَقِي بهَا مُدَّة مديدة واشتهر صيته وَكَانَ فَقِيها مطلعا وَقد جمع مَا وَقع فِي زمن إفتائه من الْمسَائِل وأضاف إِلَيْهَا نقولها ودونها ورتبها على أَبْوَاب الْفِقْه وَهِي موسومة بفتاوي الإسكوبي وَهِي مَشْهُورَة عِنْد الروميين يعتمدون عَلَيْهَا فِي المراجعات وَكَانَت وَفَاته صَاحب التَّرْجَمَة سنة عشْرين وَألف هَكَذَا ذكره ابْن نَوْعي فِي ذيله التركي
(حرف التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق)
تَاج الدّين بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن محَاسِن الدِّمَشْقِي المولد وَالدَّار الأديب الألمعي كَانَ أحد أَعْيَان التُّجَّار المياسير وَكَانَ مَعَ ثروته لَا يَنْفَكّ عَن المذاكرة وَقَرَأَ فِي مبدأ أمره كثيرا وَحصل ورحل إِلَى مصر والحجاز للتِّجَارَة وَكَانَ لَهُ وجاهة تَامَّة بَين ابناء نَوعه ورزق الْحَظ الْعَظِيم وَكَانَ ينظم الشّعْر وَله شعر مطبوع غير متكلف فَمِنْهُ مَا قَالَه بِالْقَاهِرَةِ متشوقا إِلَى دمشق
(مُنْذُ فَارَقت جلقا ورباها
…
لم تذق مقلتي لذيذ كراها)
(ولسكانها الْأَحِبَّة عِنْدِي
…
فرط شوق بحث لَا يتناهى)
(فسقى الله ربعهَا كل غيث
…
وَحمى الله أَهلهَا وحماها)
وَكتب إِلَى بعض أحبائه
(يَا أحباي والمحب ذُكُور
…
هَل لأيام وصلنا من رُجُوع)
(وَترى الْعين مِنْكُم جمع شَمل
…
مِثْلَمَا كَانَ حَالَة التوديع)
وَكتب لِابْنِهِ مُحَمَّد الْخَطِيب بِجَامِع بني أُميَّة فِي صدر مُكَاتبَة من مصر يَقُول
(أبدا إِلَيْك تشوقي يتزايد
…
ولديك من صدق الْمحبَّة شَاهد)
(والتيه إِن البعاد لمتلفي
…
إِن دَامَ مَا يُبْدِي النَّوَى وأكابد)
(كم ذَا أعلل حر قلبِي بالمنى
…
فيعيده من طول نأبك عَائِد)
(وجار الزَّمَان على فِي أَحْكَامه
…
ولطالما شكت الزَّمَان أساود)
(والدهر حاول أَن يصدع شملنا
…
فامتد مِنْهُ للتفرق ساعد)
(يَا لَيْت شعري هَل يرق وطالما
…
ألفيته لأولى الْكَمَال يعاند)
(اشكوه للْمولى الَّذِي الطافه
…
تزوي الخطوب إِذا أَتَت وتساعد)
وَكتب مَعَ سجادة أهداها لبَعض الْعلمَاء
(مولَايَ قد أرْسلت سجادة
…
هَدِيَّة من بعض أنعامكم)
(فلتقبلوها إِذْ مرادي بِأَن
…
تنوب فِي تَقْبِيل أقدامكم)
وَكتب على ديوَان أبي بكر الْجَوْهَرِي
(طالعت هَذَا السّفر فِي لَيْلَة
…
سامرت فِيهَا الْبَدْر والمشترى)
(رَأَيْته عقدا ثمينا وَلَا
…
يستنكر العقد على الْجَوْهَرِي)
وَوجدت فِي بعض المجاميع إِن نِسْبَة بني محَاسِن فِي الأَصْل لبني فِرْعَوْن وَكتب صَاحب ذَلِك الْمَجْمُوع وَمِمَّا يرشد إِلَى مَا قُلْنَا أَنه لما تزوج تَاج الدّين يَعْنِي صَاحب التَّرْجَمَة ابْنة الْحسن البوريني أنْشد أَبُو الْمَعَالِي درويش مُحَمَّد الطالوي لنَفسِهِ فِي ذَلِك قَوْله
(بَارك الله لِلْحسنِ
…
ولبورين بالختن)
(يَا ابْن فِرْعَوْن قد ظَفرت
…
وَلَكِن ببنت من)
وَالْأَصْل فِيهِ قَول مُحَمَّد بن حَازِم الْبَاهِلِيّ لما تزوج الْمَأْمُون بوران بنت الْحسن
(بَارك الله لِلْحسنِ
…
ولبوران بالختن)
(يَا ابْن هرون قد ظَفرت
…
وَلَكِن ببنت من)
فنقله الطالوي نقلا اسْتَحَقَّه بِهِ ويروي أَن قَول الْبَاهِلِيّ لما بلغ الْمَأْمُون قَالَ وَالله مَا نَدْرِي خيرا أَرَادَ أم شرا وقصة تزوج الْمَأْمُون بوران مستفيضة شائعة وَكَانَت ولادَة تَاج الدّين فِي سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لست بَقينَ من شعْبَان سنة سِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَسَيَأْتِي ابناه عبد الرَّحِيم وَمُحَمّد وَابْن أَخِيه يحيى
القاصي تَاج الدّين بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن تَاج الدّين بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن تَاج الدّين أبي نصر عبد الْوَهَّاب ابْن أقضى الْقُضَاة جمال الدّين مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن يحيى بن يحيى ابْن عبد الْوَهَّاب الْمَالِكِي الْمدنِي ثمَّ الْمَكِّيّ وَيعرف بِابْن يَعْقُوب كَذَا ذكر نسبه ابْن فَهد فِي ذيله القَاضِي الْفَاضِل والحبر الْكَامِل كَانَ بِمَكَّة من صُدُور الخطباء والمدرسين وَمن أكَابِر الْعلمَاء الْمُحَقِّقين وَمِمَّنْ شيد ربوع الْأَدَب وَكَانَ بهَا ترجمان
لِسَان الْعَرَب غذته الْفَضَائِل بدرها وكللت تاجه بدرها مَعَ طيب محاورة تسكر مِنْهَا الْعُقُول وتهزأ بالشمول وجاه عِنْد الدولة ظَاهر وَكلمَة مسموعة عِنْد البادي والحاضر ولد بِمَكَّة وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن أكَابِر شُيُوخ عصره كالعلامة عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ وَعبد الْملك العصامي وخَالِد الْمَالِكِي وَغَيرهم وَأَجَازَهُ عَامَّة شُيُوخه وتصدر للتدريس بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وطار صيته عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَكَانَ إِمَام الْإِنْشَاء فِي عصره ومفرد سمط المكاتبات فِي دهره فَلَا برح يتفجر ينبوع البلاغة من بنانه ويتلاعب بأساليب البراعة على طرف لِسَانه وَله ديوَان إنْشَاء جمع من المكاتبات أسماها وَمن المراسلات أسناها وفتاوى فقهية جمعهَا وَلَده أَحْمد فِي مَجْمُوع سَمَّاهُ تَاج المجاميع وَأما خطب الْجمع والعيد وَالِاسْتِسْقَاء فَجعله مجموعاً مُسْتقِلّا وَله رِسَالَة فِي شرح قصيدة الْعَفِيف التلمساني الَّتِي أَولهَا
(إِذا كنت بعد الصحو فِي المحو سيدا
…
)
سَمَّاهَا تطبيق المحو بعد الصحو على قَوَاعِد الشَّرِيعَة والنحو وَله رِسَالَة فِي الاسْتِغْفَار سَمَّاهَا فصوص الْأَدِلَّة المحققة فِي نُصُوص الاسْتِغْفَار الْمُطلقَة وَله رِسَالَة فِي الْكَلَام على الأسئلة الْوَارِدَة من بِلَاد جاوه فِيمَا يتَعَلَّق بالوحدانية سَمَّاهَا الجادة القويمة إِلَى تَحْقِيق مسئلة الْوُجُود وَتعلق الْقُدْرَة الْقَدِيمَة وَله رِسَالَة فِي العقائد سَمَّاهَا بَيَان التَّصْدِيق مفيدة جدا خُصُوصا للمبتدي وَله رسالتان كبرى وصغرى فِي شرح الْبَيْتَيْنِ اللَّذين هما
(من قصر اللَّيْل إِذا زرتني
…
أَشْكُو تشكين من الطول)
(عدوّ عَيْنَيْك وشانيهما
…
أصبح مَشْغُولًا بمشغول)
وَله أشعار كَثِيرَة فَمن ذَلِك قصيدته الَّتِي مدح بهَا الشريف مَسْعُود بن إِدْرِيس ومطلعها قَوْله
(غذيت در التصابي قبل ميلادي
…
فَلَا ترم يَا عذولي فِيهِ إرشادي)
(غي التصابي رشاد وَالْعَذَاب بِهِ
…
عذب لدي كبرد المَاء للصادي)
(وعاذل الصب فِي شرع الْهوى حرج
…
يروم تَبْدِيل إصْلَاح بإفساد)
(لَيْت العذول حوى قلبِي فيعذرني
…
أوليت قلب عذولي بَين أكبادي)
(لَو شام برق الثنايا والتثني من
…
تِلْكَ القدود ثنى عطفا لإسعادي)
(وَلَو رأى هادي الجيداء كَانَ درى
…
أَن اشتقاق الْهدى من ذَلِك الْهَادِي)
(كم بَات عقدا عَلَيْهِ ساعدي ويدي
…
نطاق مُجْتَمع المخفي والبادي)
(إِذْ أعين الغيد لَا تنفك ظامئة
…
لورد مَاء شَبَابِي دون أندادي)
(فيا زمَان الصِّبَا حييت من زمن
…
أوقاته لم نرع فِيهَا بإنكاد)
(وَيَا أحبتنا روى معاهدكم
…
من العهاد هتون رائح غاد)
(معاهد كنّ مصطافي ومرتبعي
…
وَكم بهَا طَال بل كم طَابَ تردادي)
(يَا راحلين وقلبي إِثْر ظعنهم
…
ونازحين وهم ذكري وأورادي)
(إِن تَطْلُبُوا شرح مَا أَيدي النَّوَى صنعت
…
بمغرم حلف إيحاش وإيحاد)
(فقابلوا الرّيح إِن هبت شآمية
…
تروي حَدِيثي لكم مَوْصُول إِسْنَاد)
(والهف نَفسِي على مغنى بِهِ سلفت
…
سَاعَات أنس لنا كَانَت كأعياد)
(كَأَنَّهَا وأدام الله مشبهها
…
أَيَّام دولة صدر الدست والنادي)
(ذُو الْجُود مَسْعُود المسعود طالعه
…
لَا زَالَ فِي برج إقبال وإسعاد)
(عَادَتْ بدولته الْأَيَّام مشرقة
…
تهز مختالة أعطاف مياد)
(وقلد الْملك لما أَن تقلده
…
فخراً على مرّ أزمان وآباد)
(وَقَامَ بِاللَّه فِي تَدْبيره فغدا
…
موفقاً حَال إصدار وإيراد)
(حق لَهُ الْحَمد بعد الله مفترض
…
فِي كل آونة من كل حَمَّاد)
(أنقذتهم من يَد الْأَعْدَاء متخذاً
…
عِنْد الْإِلَه يدا فيهم بإنجاد)
(داركتهم سهداً رمقي فعادلهم
…
غمضٌ لجفن وأرواح لأجساد)
(بِشِرَاك يَا دهر حَاز الْملك كافله
…
بِشِرَاك يَا دهر أُخْرَى بشرها باد)
(عَادَتْ نُجُوم بني الزهراء لَا أفلت
…
بعودة الدولة الزهرا لمعتاد)
(واخضل روض الْأَمَانِي
حِين أَصبَحت الأجواد
…
عقدا على أجياد أجياد)
(وَأصْبح الدّين وَالدُّنْيَا وأهلهما
…
فِي ظلّ ملك لظل الْعدْل مدّاد)
(يُبِيح هام الأعادي من صوارمه
…
مَا استحصدت بالتعاصي من كل حصاد)
(فهم أيادي أعاديه ونائله
…
على الورى أَصبَحت أطواق أجياد)
(يُفْضِي ميمم جدوى راحتيه إِلَى
…
طلق الْمحيا كريم الْكَفّ جواد)
(بذل الرغائب لَا يعتده كرماً
…
مَا لم يكن غير مَسْبُوق بميعاد)
(وَالْعَفو عَن قدرَة أشهى لمهجته
…
صينت وأشفى من اسْتِيفَاء إيعاد)
(مآثر كالدراري رفْعَة وسناً
…
وَكَثْرَة فَهِيَ لَا تحصى بإعداد)
(فَأَنت من معشر إِن غَارة عرضت
…
خفوا إِلَيْهَا وَفِي النادي كأطواد)
(كم هجمة لَك والأبطال محجمة
…
ووقفة أوقفت لَيْث الشرى العادي)
(بِكُل مُجْتَمع الْأَطْرَاف معتدل
…
لدن لعرق نجيع الْقرن فصاد)
(فَخر الْمُلُوك الألى تزهو مناقبهم
…
دم حائزاً ملك آبَاء وأجداد)
(وليهن حلته إِذْ رَاح يلبسهَا
…
فَأَصْبَحت خير أَثوَاب وأبراد)
(واستجل أبكار أفكار مخدرة
…
قد طَال تعنيسها من فقد أنداد)
(كم ردّ خطابها حَتَّى رأتك وَقد
…
أمّتك خاطبة يَا نسل أمجاد)
(أفرغت فِي قالب الْأَلْفَاظ جوهرها
…
سكباً بذهن وريّ الزند وقاد)
(وصاغها فِي معاليكم وأخلصها
…
ود ضميرك فِيهِ عَادل اشهاد)
(يَحْدُو بهَا العيس حاديها إِذا رزمت
…
من طول وخد وإرقال وآساد)
(كَأَنَّهَا الراح بالألباب لاعبة
…
إِذا شدا بَين سمار بهَا شادي)
(بفضلها فضلاء الْعَصْر شاهدة
…
وَالْفضل مَا كَانَ عَن تَسْلِيم أضداد)
(فَلَو غَدَتْ من حبيب فِي مسامعه
…
أَو الصفي استحلا بغض حساد)
(واستنزلا عَن مطايا الْقَوْم رحلهما
…
واستوقفا العيس لَا يَحْدُو بهَا الْحَادِي)
(وحسبها فِي التسامي والتقدم فِي
…
عد المفاخر إِذْ تعدو لتعداد)
(تقريضها عِنْدَمَا جَاءَت مُعَارضَة
…
عوجا قَلِيلا كَذَا عَن أَيمن الْوَادي)
وَهِي عرُوض قصيدة الأديب الْفَاضِل أَحْمد بن عِيسَى المرشدي الْمُقدم ذكره ومطلعها الَّذِي ذكره عوجا قَلِيلا وَقد ذكرتها برمتها فِي تَرْجَمَة المرشدي الْمُقدم ذكره وَمن فَوَائده أَنه سُئِلَ عَن قَول الصفي الْحلِيّ
(فلئن سطت أَيدي الْفِرَاق وأبعدت
…
بَدْرًا تحجب نصفه بنصيف)
(فَلَقَد نعمت بوصله فِي منزل
…
قد طَابَ فِيهِ مربعي ومصيفي)
فَأجَاب بقوله لَا يخفى أَن النصيف هُوَ الْخمار فَكَانَ الشَّاعِر تخيل أَن الجبين بدر تَامّ كَامِل الاستدارة ستر الْخمار نصفه الْأَعْلَى فَلَمَّا تخيل ذَلِك قَالَ بَدْرًا تحجب نصفه بنصيف ثمَّ ضمنه بقوله
(أفدى الَّتِي جلب الغرام جبينها
…
تَحت الْخمار لقلبي المشغوف)
(فصبا لَهُ لما تحقق أَنه
…
بدر تحجب نصفه بنصيف)
وَقد سُئِلَ عَنهُ الإِمَام زين العابدين الطَّبَرِيّ الْحُسَيْنِي إِمَام الْمقَام فَأجَاب بِمَا لَفظه النصيف الْخمار وكل مَا يُغطي بِهِ الرَّأْس وَالْوَجْه هُوَ الْبَدْر فِي التَّشْبِيه فمراد الشَّاعِر
أَنَّهَا تلثمت بِبَعْض النصيف الَّذِي على رَأسهَا فَصَارَت بذلك ساترة لنصف وَجههَا الْأَسْفَل الْمُشبه بالبد فَصَارَ نصيفاً ونقاباً والنقاب مَا تنقبت بِهِ الْمَرْأَة كَمَا فِي الْقَامُوس وَهُوَ شَامِل لما كَانَ مُسْتقِلّا وَبَعض شَيْء آخر كَمَا يُقَال مثله أَيْضا فِي النصيف فَهُوَ نصيف وَإِن غطى رَأس الرَّأْس مَعَ الرَّأْس وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ عَادَة غَالب النِّسَاء الحسان فِي قطر الْعَرَب فَإِن الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ تنتقب بفاضل خمارها فتفتن الْعُقُول بِمَا ظهر من لواحظها وأسحارها انْتهى وَكتب القَاضِي تَاج الدّين إِلَى القَاضِي أَحْمد بن عِيسَى المرشدي معتذراً عَن وُصُوله إِلَيْهِ بعد وعده لَهُ بِهِ لعروض مَانع عرض لَهُ بقوله بديها
(أَيهَا المعشر الَّذين إِلَيْهِم
…
وَاجِب أَن يكون سعياً براسي)
(لَا تظنوا تركي الْوُصُول إِلَيْكُم
…
لملالي ودادكم أَو تناسي)
(أَو تراخ عَنْكُم وَإِن كَانَ عُذْري
…
هُوَ أَنِّي ندبت خير اناس)
فَأَجَابَهُ بقوله
(قد أَتَانِي اعتذاركم بعد أَنِّي
…
بت من هجرك الْأَلِيم أقاسي)
(فتلقيته بصدر رحيب
…
ولصقت الْكتاب عزا براسي)
(غير أَنِّي لَا أرتضيه إِذا لم
…
تنعموا بالوصال والإيناس)
(وأقلني العثار فِي النّظم أَنِّي
…
قلته والفؤاد فِي وسواس)
وَكتب إِلَى شَيْخه عبد الْملك العصامي مسائلاً بقوله
(مَاذَا يَقُول إِمَام الْعَصْر سيدنَا
…
وَمن لَدَيْهِ ينَال الْقَصْد طَالبه)
(فِي الدَّار هَل جَائِز تذكير عائدها
…
فِي قَوْلنَا مثلا فِي الدَّار صَاحبه)
(وَمن إبانة همز ابْن أَرَادَ فَهَل
…
يكون موصوفه سما يُطَالِبهُ)
(أم كَونه علما كَاف وَلَو لقبا
…
أَو كنية إِن أَرَادَ الْحَذف كَاتبه)
(أفد فَمَا قد رَأينَا الْحق منخفضاً
…
إِلَّا وَأَنت على التَّمْيِيز ناصبه)
فَأَجَابَهُ بقوله
(يَا فَاضلا لم يزل يهدي الفرائد من
…
علومه وتروّينا سحائبه)
(تأنيثك الدَّار حتم لَا سَبِيل إِلَى التَّذْكِير
…
فامنع إِذا فِي الدَّار صَاحبه)
(وَالِابْن موصوفه عمم فَإِن لقبا
…
أَو كنية فارتكاب الْحَذف واجبه)
(هَذَا جوابي فاعذر أَن ترى خللاً
…
فمصدر الْعَجز وَالتَّقْصِير كَاتبه)
(لَا زلت تاجاً لهامات الْهدى علما
…
فِي الْعلم يحوي بك التَّحْقِيق طَالبه)
وَمن شعر التَّاج قَوْله
(غنيت بحليه حسنها
…
عَن لبس أَصْنَاف الْحلِيّ)
(وبذت بهيكلها البديع
…
تَقول شَاهد واجتلى)
(تَجِد المحاسن كلهَا
…
قد جمعت فِي هيكلي)
وَلما وقف عَلَيْهَا السَّيِّد أَحْمد بن مَسْعُود شيد كل بَيت من أبياته قصرا وابتز ذَلِك الْمَعْنى باستحقاقه قسرا فَقَالَ
(لله ظَبْي سربه
…
يزهو بِهِ فِي المحفل)
(قنص الْأسود بغالب
…
قيد إِلَّا وأبد هيكلي)
(وَله الْجَوَارِي الْمُنْشَآت
…
جوى الحشاشة للخلى)
(قد قَالَ فِي ظلمائه
…
يَا أَيهَا اللَّيْل انجلى)
وحذا حذرهما القَاضِي أَحْمد المرشدي الْمَذْكُور فَقَالَ
(يَا ربة الْحسن الْجَلِيّ
…
لمؤمل المستأمل)
(صَدْرِي ووجهي منية
…
للمجتني والمجتلى)
(فالحظ بديع محاسني
…
من تَحت أَنْوَاع الحلى)
(تَجِد الهياكل والحلي
…
جمَالهَا من هيكلي)
وَكتب إِلَى بعض أصدقائه قَوْله
(من كَانَ بالوادي الَّذِي هُوَ غير ذِي
…
زرع وَعز عَلَيْهِ مَا يهديه)
(فليهدين أَلْفَاظه الغر الَّتِي
…
تحلوفوا كهها لكل نبيه)
وَله مليحة اسْمهَا غربية
(خَالَفت أهل الْعِشْق لما شرقوا
…
فَجعلت نَحْو الغرب وحدي مذهبي)
(قَالُوا عدلت عَن الصَّوَاب وأنشدوا
…
شتان بَين مشرق ومغرب)
(فأجبتهم هَذَا دليلي فانظروا
…
للشمس هَل تسعي لغير الْمغرب)
وَكتب إِلَى صاحبين لَهُ استدعياه فَتعذر عَلَيْهِ الذّهاب إِلَيْهِمَا فَقَالَ
(يَا خليلي دمتما فِي سرُور
…
ونعيم وَلَذَّة وتصافي)
(لم يكن تركي الْإِجَابَة لما
…
أَن أَتَانِي رَسُولكُم عَن تجافي)
(كَيفَ والشوق فِي الحشاشة يقْضِي
…
إِنَّنِي نحوكم أجوب الفيافي)
(غير أَن الزَّمَان للحظ مني
…
لم يزل مُولَعا بِحكم خلافي)
(عَارض الْمُقْتَضى من شوق بالمانع
…
وَالْحكم عَنْكُم لَيْسَ خافي)
(فسلام عَلَيْكُم وعَلى من
…
فزتما من ثماره باقتطاف)
وَله فِي الْمُفَاخَرَة بَين الإبرة المقص
(فاخرت إبرة مقصا فَقَالَت
…
لي فضل عَلَيْك باد مُسلم)
(شَأْنك الْقطع يَا مقص وشأني
…
وصل قطع شتان إِن كنت تعلم)
وَأَصله قَول بَعضهم
(إِن شَأْن المقص قطع وصال
…
فَلهَذَا يضيع بَين الْجُلُوس)
(وَترى الإبرة الَّتِي توصل الْقطع
…
بعز مغروسة فِي الرؤس)
وَكتب إِلَى الْفَاضِل مُحَمَّد بن درار يستدعيه
(رق النسميم وذيل الْغَيْم منسدل
…
على الْوُجُود وطرف الدَّهْر قد طرفا)
(فاغنم معاقرة الْآدَاب واغن بهَا
…
عَن المدام وَخذ من صفوها طرفا)
(وانزع إِلَيْنَا لتجني من خمائلها
…
وردا ونجذب من مرط الوفا طرفا)
وَله أَيْضا يصف بركَة مَاء
(أَلا فانظروا هَذَا الصفاء لبركة
…
تَقول لمن قد غَابَ عَنْهَا من الصحب)
(لَئِن غبت عَن عَيْني وكدرت مشربي
…
تَأمل تَجِد تِمْثَال شخصك فِي قلبِي)
وَمثله قَول الإِمَام عَليّ الطَّبَرِيّ
(وبركة مَاء قد صفا سلسبيلها
…
وَمن حولهَا روض تكلل بالزهر)
(تخال إِذا مَا لَاحَ رونق حسنها
…
كبدر سَمَاء حف بالأنجم الزهر)
وَله فِي الفوارة
(وفوارة من مروة قَامَ مَاؤُهَا
…
كبزبوز إبريق وَلَيْسَ لَهُ عروه)
(بدالي لما أَن وَردت صفاؤها
…
وَلَا غرو أَن يَبْدُو الصفاء من المروه)
وَمثله قَول الْفَخر الخاتوني الْآتِي ذكره
(أَلا مل إِلَى روض بِهِ بركَة زهت
…
بفوارة فِيهَا كفص مَا الماس)
(إِذا مَا أَتَاهَا زائر قَامَ مَاؤُهَا
…
فأجلسه مِنْهَا على الْعين والراس)
وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَول ابْن المعتز
(وقاذفه للْمَاء فِي وسط جنَّة
…
قد التحفت كَمَا من الطل سجسجا)
(إِذا انبعثت بِالْمَاءِ ردته منصلا
…
وعَلى عَلَيْهَا ذَلِك النصل هودجا)
(تحاول إِدْرَاك النُّجُوم بقذفها
…
كَأَن لَهَا قلبا على الجو محرجا)
(لَدَى رَوْضَة جاد السَّحَاب ربوعها
…
فزخرفها بَين الرياض ودبجا)
(على نرجس غض يُلَاحظ سوسنا
…
وآس ربيعي يناغي بنفسجا)
(كَانَ غصون الأقحوان زمرد
…
تعمم بالكافور ثمَّ تتوجا)
(ونوار نسرين كَانَ شميمه
…
من الْمسك فِي جو السَّمَاء تأرجا)
وَكَانَت وَفَاة التَّاج بِمَكَّة ثامن شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف وأرخ وَفَاته الشَّيْخ محب الدّين بن منلا جامي بقوله
(لتاج الدّين أصبح كل حر
…
حَزِين الْقلب باكي الطّرف أَواه)
(أَقَامَ يسوح بَاب الله حَتَّى
…
دَعَاهُ إِلَيْهِ أقبل ثمَّ لباه)
(فتاريخ اللقا لما أناه
…
جنان الْخلد منزلَة ومأواه)
الشَّيْخ تَاج الدّين بن زَكَرِيَّا بن سُلْطَان العثماني النقشبندي الْهِنْدِيّ شيخ الطَّرِيقَة النقشبندية ورابطة الْإِرْشَاد إِلَى الْمنَازل للسالكين فِي السلوك وواسطة الْإِمْدَاد للمواهب الرحمانية من ملك الْمُلُوك كَانَ شَيخا كَبِيرا مهابا حسن التربية وَالدّلَالَة على الْوُصُول إِلَى الله تَعَالَى صَحبه خلق كثير من المريدين وَمِمَّنْ صَحبه ولازمه الْأُسْتَاذ أَحْمد أَبُو الْوَفَاء الْعجل العجيل الْمُقدم ذكره وَولد أَحْمد الْمَذْكُور الشَّيْخ مُوسَى وَالشَّيْخ مُحَمَّد ميرزا والأمير يحيى بن عَليّ باشا وَغَيرهم وَألف كتبا مِنْهَا تعريب النفحات للعارف عبد الرَّحْمَن الجامي وتعريب الرشحات ورسالة فِي طَرِيق السَّادة النقشبندية جمع فِيهَا الْكَلِمَات القدسية المآثورة المروية عَن حَضْرَة الخوجه عبد الْخَالِق الغجدواني المبنى عَلَيْهَا الطَّرِيق وَشَرحهَا بِأَحْسَن بَيَان والصراط الْمُسْتَقيم والنفخات الإلهية فِي موعظة النَّفس الزكية وجامع الْفَوَائِد وَقد افرد تَرْجَمته تلميذة السَّيِّد مَحْمُود بن أسرف الحسني فِي رِسَالَة سَمَّاهَا تحفة السالكين فِي ذكر تَاج العارفين وَقَالَ فِيهَا سمعته يَقُول أَنه قبل أَن يصل إِلَى الشَّيْخ إِلَه بخش فِي بداية أمره فِي غَلَبَة الجذبات بعد توفيق التَّوْبَة بِوَاسِطَة الْخضر عليه السلام كَانَ إشتغاله غَالِبا بالسياحة فِي طلب الشَّيْخ وَكَانَ ألزم نَفسه الْأُمُور المقررة فِي كتب الْمَشَايِخ أَنه يَنْبَغِي للمريد أَن يَجْعَلهَا على نَفسه قبل وُصُوله إِلَى الشَّيْخ ثمَّ بعد وُصُوله إِلَيْهِ لَا يخْتَار إِلَّا مَا احتاره وَكَانَ تحضر لَهُ أَرْوَاح الْمَشَايِخ وَحصل لَهُ الْكَشْف فَلَمَّا وصل إِلَى بَلْدَة أجمير الَّتِي فِيهَا قبر قطب وقته الشَّيْخ معِين الدّين الجشني
حضرت لَهُ روحه وَعلمه طَرِيق النَّفْي والاثبات على كَيْفيَّة مَخْصُوصَة فِي طَرِيق الجشتية يسمونها حفظ الأنفاس وَأمره أَن يجلس وَيسْتَعْمل الذّكر بِهَذِهِ الطَّرِيقَة فِي بَلْدَة باكور الَّتِي فِيهَا قبر الشَّيْخ حميد الدّين الباكوري وَهُوَ من أجل أَصْحَابه وَقَالَ أَنِّي مَا جِئْت إِلَّا الْيَوْم بعد مُدَّة مديدة لِأَجلِك وَإِلَّا فَأَنا بِمَكَّة لِكَثْرَة الْبدع الَّتِي يعملونها على قَبره فسافر بِمُوجب أمره إِلَى باكور وَجلسَ بهَا يشْتَغل بِالذكر الْمَذْكُور ويزور أَحْيَانًا قبر الشَّيْخ حميد الدّين ويعلمه آدَاب الطَّرِيق فَكَانَ تظهر عَلَيْهِ الْأَنْوَار والتجليات وَالْأَحْوَال على طبق سلوك الجشتية وَقَالَ إِنِّي فِي تِلْكَ السّنة كنت أَدخل فِي خلْوَة كَانَت دَاخل ثَلَاث بيُوت فِي لَيْلَة مظْلمَة وأصك الْأَبْوَاب كلهَا فَكَانَ يظْهر لي نور مثل الشَّمْس ثمَّ يزِيد ثمَّ يُحِيط بِالْبَيْتِ وَيصير ضوءه مثل ضوء النَّهَار فَكنت أَقرَأ الْقُرْآن فِي ذَلِك الضَّوْء فَحصل لي الْأنس بذلك النُّور حَتَّى أَنِّي يَوْمًا من الْأَيَّام كنت أَمر بِبَعْض الطّرق فَإِذا رجل عِنْده رِسَالَة مَكْتُوب فِيهَا أَن بعض النَّاس يحصل لَهُم فِي أَوَان الذّكر نور فيغترون بِهِ وَأخذ الرسَالَة وَغَابَ وَمَا رَأَيْته بعد فانتبهت وَزَاد تعلقي بِهِ ثمَّ يَوْمًا كنت جَالِسا عِنْد قبر الشَّيْخ حميد الدّين فَحَضَرت روحه وَأَرَادَ أَن يعطيني خرقَة الْإِجَازَة وَكَانَ مُرَاده أَن يَأْمر فِي النّوم والواقعة لبَعض من كَانُوا على سَنَده من الْخُلَفَاء ليعطيني الْخِرْقَة فَقلت لَا أُرِيد أَن تُعْطِينِي إِلَّا بِيَدِك فَقَالَ الشَّيْخ هَذَا خلاف سنة الله فاطلب مِنْهُ فاستأذنت مِنْهُ وَخرجت فِي طلب الشَّيْخ وَكنت أسيح فِي الْجبَال والبراري والأغوار والأنجاد وَكنت أصل إِلَى الْمَشَايِخ كثيرا فَلم يحصل إِلَى الِاعْتِقَاد لأحد مِنْهُم وَكَانَ وصل فِي هَذِه الْمدَّة إِلَى الشَّيْخ نظام الدّين الباكوري وَكَانَ من الْمَشَايِخ الجشتية فَأَرَادَ الشَّيْخ كثيرا أَن يجلس عِنْده فَمَا جلس عِنْده وَرَأى كثيرا من مَشَايِخ الْوَقْت حَتَّى وصل إِلَى الشَّيْخ اله بخش فَلَمَّا رَآهُ حصل لَهُ فِيهِ أقْصَى مَا يكون من الِاعْتِقَاد وَالشَّيْخ رضي الله عنه تَلقاهُ بِحسن الْقبُول وَأظْهر لَهُ أَنه كَانَ منتظرا لَهُ وَكَانَ من طَريقَة الشَّيْخ أَن لَا يلقن أحدا إِلَّا بعد إِدْخَاله فِي الخدمات والرياضيات الشاقة الَّتِي تنكسر بهَا النَّفس وَتحصل بهَا التَّزْكِيَة فن التَّزْكِيَة مُقَدّمَة على التصفية عِنْد أَكثر الْمَشَايِخ بِخِلَاف النقشبندية فَإِن طريقتهم على الْعَكْس قَالُوا بَعْدَمَا يتَوَجَّه الانسان إِلَى التصفية والتوجه الْحق بِالصّدقِ فَيحصل لَهُ من التَّزْكِيَة بإمداد جذبة من جذبات الرَّحْمَن فِي سَاعَة مَا لَا يحصل لغيره من الرياضات والسياسات
فِي سِنِين بِنَاء على تقدم الجذبة عِنْدهم على السلوك فَإِن سلوكهم مستدير لَا مستطيل وَأَن أول قدمهم فِي الْحيرَة والفناء كَمَا قَالَه الخوجة بهاء الدّين النقشبندي بدايتنا نِهَايَة الطّرق الآخر وَقَالَ أَيْضا معرفَة الْحق حرَام على بهاء الدّين إِن لم تكن بدايته نِهَايَة أبي يزِيد البسطامي وَقَالَ الخوجة عبيد الله أَحْرَار أَن اعْتِقَاد السّلف قد يذهب بِالْبَعْضِ إِلَى إِنْكَار هَذَا الْكَلَام مَعَ أَنه لَا يُنَافِي أمرا من أُمُور الشَّرْع بل حَدِيث مثل امتي مثل الْمَطَر لَا يدْرِي أَوله خير أم آخِره يدل على خلاف ذَلِك رَجَعَ إِلَى تَتِمَّة الْكَلَام السَّابِق قَالَ تِلْمِيذه فِي رسَالَته فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ اله بخش فِي الْوَاقِعَة يَا شيخ تَاج طريقنا أَن لَا نلقن الذّكر أحدا حَتَّى يحمل الْحَطب وَالْمَاء فاشتغل أَنْت بِحمْل المَاء إِلَى المطبخ ثَلَاثَة أَيَّام قَالَ فَكَانَ يحمل فَوق طاقته وَكَانَ تظهر مِنْهُ الخوارق فِي تِلْكَ الْأَيَّام وأخبرت أَن أهل تِلْكَ الْبَلدة يَقُولُونَ أَن الشَّيْخ حِين كَانَ يحمل الجرة على رَأسه وَيَمْشي كُنَّا نرى الجرة مُنْفَصِلَة عَن رَأسه مِقْدَار ذِرَاع إِلَّا أنني سمعته يَقُول مَالِي علم بِهَذَا الْأَمر فبعدما تمّ لَهُ ثَلَاثَة أشهر قَالَ لَهُ الشَّيْخ آله بخش الْيَوْم قد تمّ أَمرك بِسم الله اشْتغل بِالذكر وَكَانَ أمره بِالْخدمَةِ الْمَذْكُورَة بالباطن وَقَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَام بِالظَّاهِرِ فلقنه ذكر العشقية فاشتغل بهَا وَلَا زَالَ فِي خدمته حَتَّى وصل إِلَى الْكَمَال والتكميل ثمَّ قَالَ إِن سَيِّدي الشَّيْخ تَاج خدم سَيِّدي الشَّيْخ آله بخش عشر سِنِين خدمَة خَارِجَة عَن طوق الْبشر وَأَجَازَهُ بإرشاد المريدين وَمَا كَانَ يُنَادِيه إِلَّا بقوله يَا تَاج الدّين قَالَ سَيِّدي الشَّيْخ تَاج الدّين وَحصل لي مَا كَانَ بشرني بِهِ الشَّيْخ آله بخش إِلَّا أَن حُصُوله بالتدريج وَبعد أُمُور منتظرة قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين وَكَانَ خدمته أَنْفَع لي من الذّكر وَإِنِّي كلما وجدته من الْأَحْوَال وجدته من الْخدمَة ثمَّ قَالَ فصل فِي ذكر نبذة من خوارقه ومعارفه سَمِعت من غير وَاحِد من أَصْحَاب الشَّيْخ أَن سَيِّدي الشَّيْخ كَانَ جَالِسا يَوْمًا فِي بلدنا أمروهه بالمراقب فَرفع رَأسه فانفصل مِنْهُ نور وَقع على شَجَرَة زمَان فَبعد ذَلِك الْيَوْم كَانَت تِلْكَ الشَّجَرَة كلهَا ثَمَرهَا وورقها وخشبها درياقا مجربا للنَّاس يستشفون بِهِ وَكَانَت هَذِه الْكَرَامَة ظَاهِرَة حَتَّى فنيت تِلْكَ الشَّجَرَة وَسمعت أَيْضا مِنْهُم أَن الشَّيْخ دخل يَوْمًا فِي بَيت وَقت القيلولة فرقد على سَرِيره وَخرج الْأَصْحَاب ثمَّ رجعُوا وَلم يَجدوا الشَّيْخ مَكَانَهُ فتحيروا ثمَّ ظهر الشَّيْخ مَكَانَهُ على السرير وَقَامَ واشتغل بِالصَّلَاةِ وَمَا اسْتَطَاعَ أحد أَن يسْأَله عَن ذَلِك وَسمعت أَيْضا أَن بِنْتا صَغِيرَة للشَّيْخ كَانَت مَرِيضَة وَكَانَ
الشَّيْخ يتَوَضَّأ فألهمها الله أَن شربت من غسالة رجلَيْهِ عِنْد الْوضُوء فشفيت بِإِذن الله وَسمعت أَيْضا وَاحِدًا من أَصْحَابنَا الصَّالِحين يذكر أَن الشَّيْخ كَانَ يَوْمًا جَالِسا فِي مَكَان يتَكَلَّم فِي المعارف والحقائق وَفِي أثْنَاء ذَلِك الْكَلَام يمزح مَعَ أَصْحَابه ويضحك فخطر لبَعْضهِم أَن مقَام المشيخة لَا يُنَاسب المزاح أَو نَحْو ذَلِك فَاطلع على خاطره وَقَالَ أَن المزاح من سنة سيد الْمُرْسلين فَإِنَّهُ كَانَ يمزح مَعَ أَصْحَابه وَلَا يَقُول إِلَّا حَقًا وَذكر قصَّة وُقُوع ابْن أم مَكْتُوم فِي حَضرته وَضحك الْأَصْحَاب فِي الصَّلَاة وَمِنْهَا أَن وَاحِدًا من المكاشفين كَانَ بشر بعض أَصْحَاب سَيِّدي الشَّيْخ بأَشْيَاء فَلَمَّا وصل إِلَى مَكَّة كَانَ مَعَ الشَّيْخ فخطر لَهُ أَن الْأُمُور الَّتِي كَانَ بشره بهَا ذَلِك المكاشف مَا ظَهرت أَسبَابهَا وَكَانَ يختلج فِي سره أَن لَيْسَ لقَوْل ذَلِك المكاشف أثر وَإِلَّا كَيفَ الْحَال ثمَّ توجه إِلَى نَحْو الشَّيْخ فَقَالَ لَهُ قبل أَن يظْهر شَيْئا أَن أحدا من أَوْلِيَاء الله لَو بشر أحدا بِشَيْء لَا بُد أَن يظْهر وَلَو بعد عشر سِنِين أَو اثْنَتَيْ عشرَة سنة ففهم وَحصل لَهُ السّكُون وَسمعت من الشَّيْخ أَنه خرج إِلَى سفر وَوصل إِلَى بَلْدَة وَكَانَ جَالِسا فِيهَا مَعَ أَصْحَابه بالمراقبة فَحَضَرَ فِي حلقته رجل لَا يعرفهُ فَقرب الرجل وَقبل يَده وَرجله وَقَالَ أَنِّي من الْجِنّ وَهَذَا مَكَان سكنانا وَأَنا بَعْدَمَا رَأينَا طريقتكم أحببناكم فَأُرِيد أَن آخذ مِنْكُم الطَّرِيق فلقنه الطَّرِيقَة النقشبندية وَكَانَ يحضر عِنْده فِي الْحلقَة وَكَانَ يرَاهُ وَلَا يرَاهُ أحد غَيره وَقَالَ للشَّيْخ كل وَقت أردتم أَن أحضر عنْدكُمْ فَاكْتُبُوا اسْمِي على ورقة وضعوها تَحت أَرْجُلكُم أحضر عنْدكُمْ تِلْكَ السَّاعَة وَسمعت أَيْضا مِنْهُ أَنه حِين سَافر إِلَى كشمير حضر عِنْده وَاحِد من الْجِنّ وَأخذ عَنهُ الطَّرِيقَة وَأَرَادَ أَن يعرض على الشَّيْخ كثيرا من خَواص النباتات فَلم يقبل الشَّيْخ مِنْهُ ذَلِك وَكَانَ يلازم صُحْبَة الشَّيْخ إِلَّا أَن الشَّيْخ قَالَ أَنه كَانَ يحصل لي النفرة من صحبته فَإِن الْجُزْء الناري غَالب على مزاجهم فَيحصل من صحبتهم الْأَوْصَاف الْغَيْر المرضية الَّتِي نشأت من الْجُزْء الناري من الْغَضَب وَالْكبر فَأَرَدْت أَن أفعل بِهِ حِيلَة تنفره مني فَسَأَلته أَن يزوجني بِوَاحِدَة مِنْهُم فَقَالَ إِن لي أُخْتا بديعة الْجمال عديمة الْمِثَال إِلَّا أَنِّي أعرض عَلَيْكُم أَولا حِكَايَة ثمَّ الرَّأْي رَأْيكُمْ فَإِن الألفة والأنس بَين الجني والإنسي متعسر فَإِن الْجِنّ يصدر مِنْهُم كَثِيره من الحركات الَّتِي لَا تعرف الانس حَقِيقَتهَا فَلَا يَسْتَطِيع الصَّبْر عَلَيْهَا قَالَ إِنَّه كَانَ هُنَا وَاحِد من الصَّالِحين زوجناه وَاحِدَة منا فولد لَهَا مِنْهُ ولد وَكَانَ يُوقد نَارا فرمت الجنية وَلَدهَا فِي النَّار فَصَبر الرجل
ثمَّ ولد لَهَا ولد فَأَعْطَتْهُ الكلبة فأكلته فَصَبر الرجل ونسيت الثَّالِثَة فتعب الرجل وَمَا اسْتَطَاعَ الصَّبْر وَغَضب عَلَيْهَا وَقَالَ لَهَا أهلكت الْأَوْلَاد الثَّلَاثَة فأحضرت الثَّلَاثَة وَقَالَت كنت أَعطيتهم للتربية لإِخْوَانِنَا فَخذ أولادك من بعد الْيَوْم وَلَا أَجْلِس عنْدك وطارت من عِنْده ثمَّ سَافر الشَّيْخ من تِلْكَ الْبَلدة وَسمعت أَن الشَّيْخ كَانَ فِي أمروهة فمرضت امْرَأَة صَالِحَة من الْمشرق وَكَانَت معتقدة لَهُ فالتجأت إِلَيْهِ فَذهب إِلَيْهَا الشَّيْخ يعودها فَلَمَّا رأى حَالهَا أَخَذته الشَّفَقَة عَلَيْهَا وَالرَّحْمَة لَهَا وَكَانَت قد أشرفت على الْمَوْت فَأَخذهَا فِي ضمنه فبرأت كَأَن لم يكن بهَا شَيْء فَإِن الْأَخْذ فِي الضمن شَيْء مُقَرر عِنْد الأكابر النقشبندية إِلَّا أَنه لَا يتَصَوَّر إِلَّا قبل نزُول ملك الْمَوْت فَبعد نُزُوله لَا بُد من بدل كم أَن الخوجة الخاموش قدس الله سره كَانَ أَخذ وَاحِدًا من الْعلمَاء فِي ضمنه فشفي ساعتئذ وَقَالَ إِنِّي دَعَوْت الله سُبْحَانَهُ فِي وَقت لَا يرد بِثَلَاثَة أَشْيَاء وَقد استحببت أولاها أَن لَا يصل إِلَى أحد ضَرَر مني وَإِن غضِبت بِمُقْتَضى البشرية وَالثَّانِي أَن يَزُول مني الْكَشْف وَالثَّالِث أَن كل من اخذ الطَّرِيق مني تكون خاتمته خيرا أَو يَجعله الله مُنْكرا عَليّ ومعرضا عني ثمَّ يفعل الله بِهِ مَا يَشَاء انْتهى وَاعْلَم أَنه وَإِن دَعَا بِزَوَال الْكَشْف وَكَذَلِكَ يظْهر من كَلَامه فَإِنَّهُ يَقُول كثيرا للأصحاب أَن الشَّيْخ إِمَّا أَن يكون صَاحب كشف فَلَا يَنْبَغِي للمريد أَن يعرض عَلَيْهِ حَاله بل الْعرض عَلَيْهِ حِينَئِذٍ سوء أدب أَولا يكون صَاحب كشف فَيَنْبَغِي أَن يعرض عَلَيْهِ فيهم بسؤال احوال المريدين فيفهم مِنْهُ أَن يظْهر أَنه لَيْسَ يصاحب كشف إِلَّا أَن الظَّاهِر أَن لَهُ اطلاعا تَاما وإشراقا عَظِيما على الخواطر وَالْأَحْوَال فقد جرى لنا مَعَه أَحْوَال وَأُمُور كَثِيرَة وَكَانَ هَذَا من قسم الفراسة الَّتِي هِيَ أقوى وَأَرْفَع منزلَة من الْكَشْف وانْتهى وَاعْلَم أَنه قَرَأَ فِي فنون الْعلم كتبا كَثِيرَة كالكافية وَنَحْوهَا ثمَّ غلب عَلَيْهِ الجذب حَتَّى لم يبْق مِنْهُ أثر والآن لَيْسَ فن من فنون الْعلم إِلَّا وَهُوَ وَاقِف على دقائقه الَّتِي يتحير أَرْبَاب ذَلِك الْفَنّ فِي ادراكها وَلَيْسَ قسم من أَقسَام المدركات إِلَّا أدْركهُ على الْوَجْه الأتم والألطف وَله رِسَالَة فِي أَنْوَاع الْأَطْعِمَة وَكَيْفِيَّة طبخها ورسالة فِي كَيْفيَّة غرس الْأَشْجَار وَأُخْرَى فِي أَنْوَاع الطِّبّ وَدخل تَامّ فِي معرفَة أوضاع الْكِتَابَة وَغير ذَلِك وَدخل إِلَيْهِ أحد الأفاضل وَكَانَ لَهُ وقُوف تَامّ فِي الطِّبّ فَتكلم مَعَه بدقائق الْمنطق وَغَيره من الْعُلُوم حَتَّى صَار متحيرا وَكَانَ ذَلِك سَبَب سعادته ودخوله فِي الطَّرِيق وَمن مشايخه السَّيِّد عَليّ بن قوام الْهِنْدِيّ النقشبندي مولده ومسكنه ومدفنه
جانبور من بِلَاد الْهِنْد شَرْقي دهلي على مسيرَة شهر مِنْهُ كَانَ من أكَابِر أَوْلِيَاء الله تَعَالَى صَاحب تَصَرُّفَات عَجِيبَة وجذب قوي قَالَ بعض الصَّالِحين مَا ظهر فِي الْأمة المحمدية على نبيها أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام من أحد بعد القطب الرباني الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني رضي الله عنه من الخوارق والكرامات والتصرفات مثل مَا ظهر مِنْهُ حَدثنَا شَيخنَا قَالَ حَدثنِي رجل أَنه كَانَ من طَريقَة السَّيِّد أَن لَا يدْخل عَلَيْهِ أحد إِلَى وَقت الضُّحَى وَكَانَ فِي هَذَا الْوَقْت يغلب عَلَيْهِ الجذب وَالنَّاس كلهم قد عرفُوا هَذَا الْأَمر فَمَا كَانَ يدْخل عَلَيْهِ فِي هَذَا الْوَقْت أحد فجَاء وَاحِد من الْأَعْرَاب كَأَنَّهُ كَانَ من أَوْلَاد شيخ السَّيِّد قدس الله سره فَمَنعه الْخَادِم من الدُّخُول عَلَيْهِ فَلم يقبل قَوْله وَأَرَادَ أَن يدْخل فَلَمَّا قرب وَسمع السَّيِّد صَوته قَالَ من أَنْت قَالَ أَنا فلَان قَالَ اهرب إِلَى وَرَاء الشَّجَرَة وَكَانَ هُنَاكَ شَجَرَة كَبِيرَة وَإِلَّا احترقت فهرب الرجل واستتر بِالشَّجَرَةِ فَخرجت نَار من بَاطِن السَّيِّد أخذت الشَّجَرَة كلهَا فأحرقتها وَبَقِي أَصْلهَا وَسلم الرجل وَكفى بِهَذِهِ إِشَارَة إِلَى كَمَال تَصَرُّفَاته ثمَّ قَالَ صَاحب التَّرْجَمَة اعْلَم أَن شَيخنَا مجَاز من الشَّيْخ اله بخش بالطريقة العشقية وبالطريقة القادرية وبالجشية والدارية وَله بِحَسب الْبَاطِن اجازة من رَئِيس كل طَرِيق وَكَذَلِكَ سَمِعت مِنْهُ أَنه سلك طَرِيق الكبروية من روحانية الشَّيْخ نجم الدّين الْكُبْرَى فِي ربع النَّهَار وَأَجَازَهُ وَله رِسَالَة فِي بَيَان سلوكهم ذكر فِيهَا أَن سلوكهم يتم بِتمَام الأطوار السَّبْعَة فِي كل طور يطوى عشرَة آلَاف حجاب حَتَّى يطوي فِي تَمام الأطوار السَّبْعَة تَمام السّبْعين ويصل إِلَى الله تَعَالَى وَلِهَذَا تَفْصِيل إِلَّا أَنه لَيْسَ مُقَيّدا إِلَّا بالتسليك بسلوك النقشبندية فَإِنِّي رَأَيْت فِي مَكْتُوب لَهُ إِلَى بعض أَصْحَابه ينصحه أَن الأكابر النقشبندية هم أَرْبَاب الْغيرَة ثمَّ ذكر أَنِّي بعد مَا أجازني الخوجة وَرخّص لي واشتغلت بالتربية على طَرِيق الأكابر النقشبندية لَو كَانَ يأتيني طَالب يُرِيد الطَّرِيقَة العشقية أَو غَيرهَا ألقنه فِيهَا وأربيه حَتَّى أَن يَوْمًا حضرت روحانية الْغَوْث الْأَعْظَم الخوجة عبيد الله أَحْرَار للخوجة مُحَمَّد الْبَاقِي وَقَالَ لَهُ أَن الشَّيْخ تَاج يَأْكُل من مطبخنا ويشكر غَيرنَا فأخرجناه من النِّسْبَة فَقَالَ الخوجة مُحَمَّد الْبَاقِي اعْفُ عَنهُ هَذِه الْمرة حَتَّى أخبرهُ فَكتب إِلَى الخوجة مُحَمَّد الْبَاقِي هَذِه الْوَاقِعَة فَتركت كل مَا كَانَ غير هَذِه السلسلة وحصرت التربية والتلقين فِيهَا انْتهى كَلَامه فَلهُ طَرِيق النقشبندية من الخوجة مُحَمَّد الْبَاقِي وَله من الخوجة إِلَّا ملتكن وَله من مَوْلَانَا درويش مُحَمَّد وَله من مَوْلَانَا مُحَمَّد زاهد وَله من الْغَوْث الاعظم عبيد الله أَحْرَار وَله من الشَّيْخ يَعْقُوب الجرخي وَله من حَضْرَة الخوجة الْكَبِير بهاء الْحق وَالدّين الْمَعْرُوف بنقشبند وَله من أَمِير سيد كلال وَله من الخوجة عبد الْخَالِق الغجد وَإِنِّي وَله من قطب الاقطاب الخوجة مُحَمَّد بَابا السماسي وَله من حَضْرَة الخوجة على الرامتيني وَله من حَضْرَة الخوجة مُحَمَّد الجرنفوري وَله من الخوجة عَارِف ويوكري وَله من الشَّيْخ يَعْقُوب بن أَيُّوب الْهَمدَانِي وَله من الشَّيْخ أبي على الفارمدي وَله من الشَّيْخ أبي الْحسن الخرقاني وَمن سُلْطَان العارفين أبي يزِيد البسطامي وَله من الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق وَله من قَاسم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رضي الله عنه وَمن سلمَان الْفَارِسِي وَمن أبي بكر الصّديق رضي الله عنه وَمن سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم وَالنِّسْبَة إِلَى الإِمَام جَعْفَر عَن أَبِيه إِلَى عَليّ كرم الله وَجهه وَكَانَت وَفَاته قبل غرُوب يَوْم الاربعاء ثامن عشر جُمَادَى الأولى سنة خمسين وَألف وَدفن صبح يَوْم الْخَمِيس فِي تربته الَّتِي أعدهَا لَهُ فِي حَيَاته فِي سفح جبل قعيقان وضريحه ظَاهر يقْصد للزيارة وقعيقان كزعيفران جبل بِمَكَّة وَجهه إِلَى أبي قبيس لِأَن جرهم كَانَت تضع فِيهِ أسلحتها فتقعقع فِيهِ أَو لأَنهم لما تَحَارَبُوا قعقعوا بِالسِّلَاحِ وَالله تَعَالَى أعلم
الشَّيْخ تَاج العارفين بن أَحْمد بن أَمِين الدّين بن عبد العال الْحَنَفِيّ الْمصْرِيّ الْعَلامَة الْمُفِيد الْمجِيد كَانَ بِمصْر صدر المدرسين رَئِيسا نبيلا روى عَن وَالِده ووالده روى عَن وَالِده وَهُوَ عَن وَالِده وَهُوَ عَن الْحَافِظ بن حجر الْعَسْقَلَانِي وَأَجَازَهُ شُيُوخ عصره بالافتاء والتدريس وتصدر للاقراء بِجَامِع الْأَزْهَر وَأفَاد الطّلبَة وأجاد وَألف مؤلفات عديدة ورسائل شهيرة فِي فقه الْحَنَفِيَّة وَلما سقط من الْبَيْت الشريف الْجِدَار الشَّامي بوجهيه وانجبذ مَعَه من الْجِدَار الشَّرْقِي إِلَى حد الْبَاب الشَّامي وَلم يبْقى سواهُ وَعَلِيهِ قوام الْبَاب من الْجِدَار الغربي من الْوَجْهَيْنِ نَحْو السُّدس وَمن الْوَجْه الظَّاهِر سقط مِنْهُ نَحْو الثُّلثَيْنِ وَبَعض السّقف وَهُوَ محاذ للجدار الشَّامي وَسَقَطت دَرَجَة السَّطْح وَكَانَ سُقُوطه كَذَلِك بعد عصر الْخَمِيس لعشرين من شعْبَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَنقل مَا فِيهَا من الْقَنَادِيل إِلَى بَيت السادن وعلق بَاقِي أخشاب سقفه خوفًا عَلَيْهِ من السُّقُوط جمع الشريف مَكَّة الشريف مَسْعُود عُلَمَاء الْبَلَد الْحَرَام وسألهم عَن حكم عمَارَة السَّاقِط وَلمن هِيَ وَمن أَي مَال تكون فَوَقع الْجَواب مِنْهُم بِأَنَّهَا تكون فرض كِفَايَة على سَائِر الْمُسلمين ولشريف الْبِلَاد النَّائِب عَن السُّلْطَان
الْأَعْظَم ذَلِك وَأَنه يعمرها بِمَال حَلَال وَمِنْه مَال الْقَنَادِيل الَّتِي بهَا مِمَّا لم يعلم أَنَّهَا عينت من واقفها لغير الْعِمَارَة وَوَافَقَهُمْ على ذَلِك الْعَلامَة مُحَمَّد بن عَلان الْمَكِّيّ وَأفْتى بِهِ وَألف رسائل حافلة فِي شَأْن ذَلِك ثمَّ ورد السُّؤَال من الديار المكية إِلَى الديار المصرية عَن ذَلِك وَعَلِيهِ خطوط السَّادة المكيين بِالْجَوَابِ عَن ذَلِك ليعرض على حَضْرَة السُّلْطَان ينظر قَاضِي مصر إِذْ ذَاك الْمولى أَحْمد المعيد الْمُقدم ذكره فَسَأَلَهُ أَن يكْتب أَيْضا رِسَالَة فِي شَأْن ذَلِك لتعرض مَعَ أجوبة المكيين تَقْوِيَة لَهُم فَأَجَابَهُ لذَلِك وَألف رِسَالَة سَمَّاهَا الزلف والقربه فِي تعمير مَا سقط من الْكَعْبَة وَقد أحسن فِيهَا كل الاحسان وأجاد كل الإجادة وَكَانَ ينظم الشّعْر فَمن شعره مَا كتبه إِلَى الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي مفتي مَكَّة
(أذكرت ربعا من أُمَيْمَة أقفرا
…
فأسلت دمعا ذَا شُعَاع أحمرا)
(أم شاقك الغادون عَنْك بسحرة
…
لما سروا وتيمموا أم الْقرى)
(زموا الْمطِي وأعنقوا فِي سيرهم
…
لله دمعي خَلفهم ياما جرى)
(مَا قطرت للسير أجمال لَهُم
…
إِلَّا ودمعي فِي الركاب تقطرا)
(فَكَانَ ظهر الْبيض بطن صحيفَة
…
وقطارها فِيهِ يحاكي الأسطرا)
(وَكَأَنَّهَا بهوادج قد رفعت
…
سفن ودمع الصب يَحْكِي الأبحرا)
(رحلوا وَمَا عَادوا على مضناهم
…
واها لحظي لَيْت كنت مُؤَخرا)
(أَن كَانَ جسمي فِي الديار مخلفا
…
فالقلب مِنْهُم حَيْثُ قَالُوا اهجرا)
(أظهرت صبري عَنْهُم متجلدا
…
وكتمت وجدي فيهم متسترا)
(وَغدا العذول يَقُول لي من بعدهمْ
…
باد هَوَاك صبرت أم لم تصبرا)
(أَقْسَمت أَن جاد الزَّمَان بمطلبي
…
وسلكت ربعا بالمناسك عمرا)
(وَشهِدت بدر الْحَيّ بعد أفوله
…
مذلاح من أفق السَّعَادَة مقمرا)
(أدبت خدمَة سيد سَنَد غَدا
…
مفتي الْأَنَام وراثة بَين الورى)
(هُوَ عَابِد الرَّحْمَن وَاحِد عصره
…
فاسأل بذلك إِن شَككت مخبرا)
(هَذَا إِمَام عرفه فِينَا حكى
…
عرف الرياض إِذا سرى متعطرا)
(ذُو همة تسمو على نسر السما
…
فيشيف منهاها وَيَا متحدرا)
(وسكينة تَلقاهُ فِيهَا مُفردا
…
مَعَ لطف جسم بالفضائل عمرا)
(وقريحة منقادة وقادة
…
شبت كنار ثمَّ سَالَتْ أنهرا)
(كم حلبة فِي الْبَحْث أظلم نقعها
…
يمشي جواد الْفِكر فِيهَا الْقَهْقَرَى)
(آيَات فضلك مثل مجدك أحكمت
…
وسنا سنائك نَفعه قد نورا)
(وجياد فكرك كالرياح كواعب
…
وضيا كمالك نور قد أزهرا)
(من كنت أَنْت لَهُ ملاذا كَيفَ لَا
…
يزهو بمدحك رفْعَة وتكبرا)
(فَاسْلَمْ وَدم فِي ظلّ عَيْش أرغد
…
مَا اهتز غُصْن فِي الرياض ونورا)
وَكتب إِلَيْهِ فِي سنة ثَلَاثِينَ وَألف كتابا صورته
(الْيَوْم مثل الدَّهْر حَتَّى أرى
…
وَجهك والساعة كالشهر)
إِن أبهى مَا تجملت بِهِ السطور والطروس وأشهى مَا استعذبته الألسن وطلبته النُّفُوس دُعَاء على ممر والدهور لَا يَنْقَضِي وابتهال بأكف الضراعة للإجابة مُقْتَضى أَن يديم على صفحات خدود الْوُجُود شامة دهرها وَوَاحِد وَقتهَا وعالم عصرها خَاتِمَة الْعلمَاء المتنوهين مَالك أزمة البراعة بفضله المتين شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين المستجمع لمكارم الْأَخْلَاق والشيم وَالْمُنْفَرد بمزاياها عِنْد الْخلق والأمم المشتهر عِنْد الْعَرَب والعجم بِأَنَّهُ ملك من الْعلم زمامه وَجعل العكوف عَلَيْهِ لزامه فانقاد إِلَيْهِ انقياد الْجواد وَجرى فِي ميدانه بِحسن السَّبق والفكر الْوَقَّاد عَالم الغرب والشرق ومزيل مَا تعَارض من الْمسَائِل بِحسن الحمع وَالْفرق الْجَامِع بَين رياستي الْعلم وَالْعَمَل وَالْمَانِع بإخلاص السريرة من لُحُوق عوارض الْعِلَل كنز الْعُلُوم والكشف بَحر الْهِدَايَة الَّذِي ارتوى مِنْهُ بالعب والرشف صرد الشَّرِيعَة الغرا وَشَيخ حرم الله بالإفتاء والأقرا من لَا يُمكن حصر وَصفه بالتفصيل فَإِن الْأَطْنَاب فِيهِ طَوِيل وَإِنَّمَا أُحِيل على مَا قيل
(أَنْت الَّذِي يقف الثَّنَاء بسوقه
…
وَجرى الندى بعروقه قبل الدَّم)
فَالله سُبْحَانَهُ يمتع الْمُسلمين بِهَذِهِ الْأَخْلَاق ويديم فخار أهل الْجُود بِبَقَاء صَاحب هَذَا الِاسْتِحْقَاق وَلَا زَالَ مَذْهَب النُّعْمَان متحليا بعقوده متوشحا بطارفه وبروده هَذَا وَإِن الْتفت خاطره لتذكار ودوده والمخلص فِي دُعَائِهِ حَال رُكُوعه وَسُجُوده فَهُوَ بِخَير وعافية ونعمة وافرة وافيه نرجو من الله دوامها بدوام دعائكم إِذْ لَا شكّ أَنا من جملَة منسوبيكم وأنسابكم فَإنَّك الأَصْل فِي زكاء هَذَا الْفَرْع ونموه وَالسَّبَب الدَّاعِي إِلَى اعتلائه وسموه بامور يشْهد بهَا الخاطر فَتشهد بِالْإِقْرَارِ بنعم الله فِي الْبَاطِن وَالظَّاهِر غير أَن الخاطر كُله عنْدكُمْ وَفِي التألم لبعدكم وَمَا حصل لَهُ الْعَام من فقدكم
(رَوْضَة الْعلم قطبي بعد ضحك
…
والبسي من بنفسج جلبابا)
(وهبي النائحات منثور دمع
…
فشقيق النُّعْمَان بَان وغابا)
فَالله سبحانه وتعالى يجزل لكم الثَّوَاب ويعوضكم خيرا فِيمَا بقى من الأحباب وَالسَّلَام وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف
(ملكت سُورَة الرحيل عناني
…
وأهاجت سواكن الأشجان)
(أَتَمَنَّى أسرى وَهل يملك السّير
…
طريح الندى أَسِير التداني)
(يَا خليلي وَقْفَة بالمصلى
…
عِنْد حمد السرى ودرك الْأَمَانِي)
(فاعطفا وانزلا وبثا سلامي
…
لوجيه الْعلَا فريد الْمعَانِي)
(مرشد الْفضل وَابْنه من يضاهي
…
عَالم الدّين عَابِد الرَّحْمَن)
(أناما بَين لوعة علم الله
…
وشوق لَهُ بطول الزَّمَان)
(لَو تطِيق النياق شوقي لما
…
جَفتْ خضوعا من تربها أجفاني)
(وبقلبي من الوجيب إِلَيْهِ
…
مثل مَا بالنياق من ثهلان)
(فوعيش الصِّبَا وعهد التصابي
…
وليالي الرِّضَا وَأنس التداني)
(إِن قصدي لقياك لَكِن قيادي
…
بيد لَيْسَ لي بهَا من يدان)
فَرَاجعه
(يَا خليلي بالصفا أسعداني
…
وبوصل من الْإِيَاس عداني)
بقوله
(واحملا بعض مَا أُلَاقِي وبثا
…
حَال صب متيم الْقلب عاني)
(جِسْمه فِي جِيَاد وَالْقلب مِنْهُ
…
فِي قرى مصر دَائِم الخفقان)
(لم يزل شيقا ولوعا دواما
…
شاخص الطّرف ساهر الأجفان)
(يرقب النَّجْم ليله وَإِذا
…
أصبح أضحى مناشد الركْبَان)
(هَل رَأَيْتُمْ وَهل سَمِعْتُمْ حَدِيثا
…
عَن قديم الأخا عَظِيم الْمعَانِي)
(هُوَ تَاج للعارفين الَّذِي قد
…
نَالَ ارثا عوارف الْعرْفَان)
(من غَدا مُفردا بِمصْر بل الْعَصْر
…
فَلَا يسمح الزَّمَان بثاني)
(خص بِالْعلمِ والرياسة والود
…
وهذي مواهب الرَّحْمَن)
(فَهُوَ كنز وجامع لعلوم
…
قد حواها بغاية الإتقان)
(دَامَ فِينَا مبلغا مَا يُرْجَى
…
من مُرَاد ورفعة وأماني)
(مَا تغنى على الرياض هزار
…
وأجابته أَلفه بالأغاني)
وَله غير ذَلِك من الْآثَار وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود الْأَرْبَعين بعد الْألف
السَّيِّد تَاج العارفين بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي القادري أحد صُدُور المشايح ورؤساء المحافل بِدِمَشْق وَكَانَ شَيخا موقرا عالي الهمة مَبْسُوط الْكَفّ حمولا صبورا مداوما على الْعِبَادَة لَا يفتر عَنْهَا وَلزِمَ مُدَّة حَيَاته التَّرَدُّد إِلَى الْجَامِع الْأمَوِي فِي السحر وَله نوبَة مَعَ أَخَوَيْهِ الاستاذ الْكَبِير الشَّيْخ صَالح والعالم الْعلم الشَّيْخ سلمَان فِي خدمَة مَزَار سَيِّدي الشَّيْخ أرسلان قدس الله سره وَكَانَ هُوَ الْقَائِم بأعباء أُمُور أَخِيه ومتعلقاتهم وَله تصرف عَجِيب وعقل وافر وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من الرؤساء الأخيار وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع وَعشْرين وَألف ووفاته فِي منتصف شهر ربيع الأول سنة تسع وَتِسْعين وَألف وَدفن بزاويتهم عِنْد أَبِيه وجده رحمه الله
الشَّيْخ تَاج العارفين بن مُحَمَّد بن عَليّ أَبُو الْوَفَاء الْمصْرِيّ الشَّافِعِي أكبر أَوْلَاد الْأُسْتَاذ مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْبكْرِيّ الصديقي سبط آل الْحسن كَانَ أَكْثَرهم مَالا وأوفرهم نعْمَة ذكره الْبكْرِيّ فِي تَارِيخه الَّذِي أَلفه فِي وُلَاة مصر فَقَالَ اشغل على أَبِيه وَغَيره من جَمَاهِير الْعلمَاء وتبحر فِي الْعَرَبيَّة وَالتَّفْسِير وَالْأُصُول حَتَّى ألف تَفْسِير الْقُرْآن فِي أَربع مجلدات لم تبيض وَتَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام فِي مجلدين وَتَفْسِير سُورَة الْكَهْف فِي مُجَلد كَبِير وَتَفْسِير سُورَة الْفَتْح فِي مُجَلد مثله وَله رسائل عديدة وَشعر وَكَانَ فَاضلا كَامِلا وَله الْقدَم الراسخ فِي التصوف وَهُوَ أول من لقب بإفتاء السلطنة بِالْقَاهِرَةِ وَرَأَيْت لَهُ تَرْجَمَة فِي ذيل النَّجْم قَالَ عِنْدَمَا ذكره رَأَيْته بِمَكَّة سنة سبع وَألف فَرَأَيْت ملكا وحاله حَالَة الْمُلُوك لَا حَالَة الشُّيُوخ وسمته سمت الْأُمَرَاء لَا سمت الْعلمَاء وَإِن كَانَ فِي زيهم ومنخرطا فِي سلكهم فَإِنِّي رَأَيْته فِي حجرَة ينزلها أَهله عِنْد بَاب إِبْرَاهِيم وَرَأَيْت جدرانها مستورة بالرخوت المفضضة المطلية بِالذَّهَب وَالسُّيُوف المحلاة والتروس المكلفة وَرَأَيْت غلمانه الْحَبَش وَالتّرْك وكل وَاحِد عَلَيْهِ مَا يُسَاوِي المئات من الدَّنَانِير من لِبَاس الْحَرِير وَغَيره وَبَلغنِي أَن دائرته الَّتِي مَعَه فِي سفرته مائَة بعير وَمَا عَلَيْهَا ملكه غير الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير وَكَانَ مَعَه أَخُوهُ أَبُو الْمَوَاهِب وَهُوَ يُقَارِبه فِي سمته وَأَخُوهُ عبد الرَّحِيم وَهُوَ رجل مجذوب مَاتَ بِمَكَّة فِي تِلْكَ السّنة قَالَ وَرجع تَاج العارفين من سفرته تِلْكَ فَأَدْرَكته الْمنية قبل وُصُول الْحَاج الْمصْرِيّ إِلَى مصر بيومين وَحمل إِلَى الْقَاهِرَة مَيتا فِي أَوَائِل صفر سنة ثَمَان وَألف هَكَذَا ذكره النَّجْم والبكري ذكر أَن وَفَاته لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثامن شهر ربيع الثَّانِي سنة سبع وَألف عَن
سِتّ وَثَلَاثِينَ وَالله تَعَالَى أعلم أَي الْقَوْلَيْنِ الصَّوَاب
القَاضِي تَقِيّ الدّين بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي الصَّالِحِي الْمَعْرُوف بِالْقَاضِي التقى أصل وَالِده من مَدِينَة حمص وَولد هُوَ وَنَشَأ بصالحية دمشق وَكَانَ من ذَوي المروآت والفضائل كَامِل الإداة سخي النَّفس دمث الْأَخْلَاق حسن المطارحة لَهُ حسن أدب ومداراة لزم فِي مبدأ أمره أَبَا الْبَقَاء الصَّالِحِي الْمُقدم ذكره ثمَّ صَار من طلبة حسام الدّين مفتي الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق وسافر إِلَى الْحَج فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَلم يَتَيَسَّر لَهُ الْحَج بل أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ المنورة ثمَّ صَار شيخ الطَّعَام بالعمارة السُّلْطَانِيَّة السليمانية وَكَانَ لَهُ خدمَة بالسليمية أَيْضا وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى الْأَعْيَان ويتعهدهم بالهدية وَولي النِّيَابَة بالصالحية زَمَانا طَويلا ثمَّ سلك طَرِيق عُلَمَاء الرّوم ولازم ودرس بِأَرْبَعِينَ عثمانيا على قاعدتهم وَحج فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين ثمَّ ولي قَضَاء الركب الشَّامي وَسَار إِلَى الْحَج فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَصَارَ قسام الْعَسْكَر بِدِمَشْق وناب فِي الْقَضَاء بمحكمة الْبَاب وبالمحكمة الْكُبْرَى والميدان وَصَارَ محاسب الْأَوْقَاف وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من أَعْيَان أهل عصره وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع بعد الْألف وَتُوفِّي نَهَار الْأَرْبَعَاء ثامن شهر ربيع الأول سنة تسع وَخمسين وَألف وَدفن بسفح قاسيون وَكَانَ سَبَب مَوته التُّخمَة صَحبه قَاضِي دمشق الْمولى مصطفى بن جشمي قبل مَوته بِيَوْم إِلَى المنتزه الْمَعْرُوف بالسهرابية بالشرف القبلي من الْوَادي الْأَخْضَر فثقل من الطَّعَام وَفِي غَد ذَلِك الْيَوْم دخل إِلَى حمام الْمُقدم بالصالحية فَمَاتَ فِي دَاخله رَحمَه الله تَعَالَى
تَقِيّ الدّين بن يحيى بن اسماعيل بن عبد الرَّحْمَن بن مصطفى السنجاري الْمَكِّيّ الْحَنَفِيّ الْفَاضِل الأديب النَّبِيل النبيه تَرْجَمَة السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي سلافته فَقَالَ فِي وَصفه أديب قَامَ بِهِ أدبه المكتسب إِذْ قعد بِهِ موروث الْحسب وَالنّسب فَهُوَ ابْن نَفسه العصامية إِذْ عدت الْآبَاء والجدود والمنشد لِسَان حَاله عِنْد افتخار السَّيِّد على المسود
(مَا بقومي شرفت بل شرفوا بِي
…
وبنفسي فخرت لَا بجدودي)
سمع قَول بعض الأدباء
(كن ابْن من شِئْت واكتسب أدبا
…
يُغْنِيك مرورثه عَن الْحسب)
فأجهد نَفسه فِي تَحْصِيل الْأَدَب واكتسابه وغنى عَن شرف النّسَب بانتمائه إِلَيْهِ
وانتسابه فتمثل فحرا على كل معرق غبي
(إِن الْفَتى من يَقُول هَا أَنا ذَا
…
لَيْسَ الْفَتى من يَقُول كَانَ أبي)
قلت وَهَذِه التَّرْجَمَة كَانَت أعظم أَسبَاب التَّعَرُّض لسب السلافة وصاحبها فَإِن حفيد صَاحب التَّرْجَمَة صاحبنا الْفَاضِل الأديب عَليّ بن تَاج الدّين السنجاري لما رَآهَا استشاط غيظا وَعمل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما
(هَات اقر لي رَيْحَانَة ابْن خفاجة
…
لأعطر بعد عروس لفظ مُحكم)
(واترك سلافة رَافِضِي مبعد
…
إِن السلافة لَا تحل لمُسلم)
وَقَالَ أَيْضا
(قولا لنجل ابْن مَعْصُوم إِذا نظرت
…
إِلَيْهِ عيناكما عني وَلَا تخفا)
(المزر أحسن من هذي السلافة إِذْ
…
تديرها الْحَبَش فِي حيشانها غرفا)
(مَا زِدْت عَن إِن أفدت النَّاس قاطبة
…
يَا رَافِضِي بِمَا أضمرت للخلفا)
وَقَالَ أَيْضا
(مَا أحسن الْحق حِين يَبْدُو
…
رغما على من يرى خِلَافه)
(فَإِن للاسم والمسمى
…
تنَاسبا عِنْد ذِي الظرافه)
(مَجْمُوعَة ابْن النظام لما
…
حوت من الرجس كل آفه)
(وضمنت مدح قوم سوء
…
روافض جاحدي الخلافه)
(مَا سهل الله أَن تسمى
…
لما حوته غير السلافه)
وَمن ذَلِك كثر فِيهَا اللاغي والقادح وأهملت عَن الاعتناء بشأنها مَعَ أَنَّهَا أَحْرَى من كل حرى بِالْقبُولِ وَأَنت إِن اختبرتها عرفت لمؤلفها أغراضا قديمَة أَرَادَ بِهَذَا التَّأْلِيف تقييدها وَمن جملَة أغراضه أَنه إِذا ترْجم شِيعِيًّا يغالي فِي مدحه ويبالغ فِي تَعْظِيمه وَالْإِشَارَة إِلَيْهِ وَإِذ إِذْ كرسنيا لَا يُعْطِيهِ حَقه بل ينكت عَلَيْهِ حَتَّى أَنه لما ترْجم السَّيِّد الْجَلِيل الْمجمع على جلالته وَكَمَال علمه عمر بن عبد الرَّحِيم الْبَصْرِيّ رَمَاه بسنان لِسَانه وَتكلم عَلَيْهِ بزوره وبهتانه وَبِالْجُمْلَةِ فَالله يسامحه على مَا ارْتَكَبهُ من الازدراء والامتهان فِيمَن تَرْجمهُ من الْفُضَلَاء والأعيان عود الْخَبَر صَاحب التَّرْجَمَة وَرَأَيْت لَهُ تَرْجَمَة فِي مَجْمُوع بِخَط الْأَخ الْفَاضِل الأديب مصطفى بن فتح الله وأغلب الِاحْتِمَال أَنَّهَا لَهُ قَالَ فِيهَا سَابق فرسَان الْإِحْسَان وَعين أَعْيَان الْبَيَان والتبيان رفع للعلوم رايه وَجمع فِيهَا بَين الرِّوَايَة والدراية وغاص فِي بَحر الْأَدَب فاستخرج درره وسما إِلَى مطالعه فاستجلى غرره فنظم اللآلئ والدراري ونثر وجدد مَا درس من مغاني الْمعَانِي ودثر ثمَّ أنْشد لَهُ من شعره قَوْله ملغزا فِي نَخْلَة وَكتب بهَا إِلَى القَاضِي
تَاج الدّين الْمَالِكِي الْمُقدم ذكره
(أَيهَا المصقع الَّذِي شرف
…
الدَّهْر وَأَحْيَا دوارس الْآدَاب)
(والهمام الَّذِي تسامى فخارا
…
وتناهى فِي الْعلم والأحساب)
(والخطيب الَّذِي إِذا قَالَ أما
…
بعد أشفى بوعظه المستطاب)
(وَالْإِمَام الَّذِي تهذب طفْلا
…
وذكا فِي الْعُلُوم والأنساب)
(جِئْت أَرْجُو كشفا لشَيْء تناهى
…
فِي العلى وَاكْتفى عَن الْحجاب)
(إِن تصحفه كَانَ فِيهِ شِفَاء
…
وَبِه النَّص جَاءَنَا فِي الْكتاب)
(وَلَك الْفضل إِن تصحفه أَيْضا
…
بالعطا لَا بَرحت سامي الرحاب)
(مُفْرد إِن حذفت مِنْهُ أخيرا
…
صَار جمعاجنسا بِغَيْر ارتياب)
(أَو وصلت الْأَخير مِنْهُ بصدر
…
كَانَ عدا بِرَأْي أهل الْحساب)
(أَو بثان إِن ضم تال إِلَيْهِ
…
فَهُوَ خل من أعظم الْأَصْحَاب)
(وَإِذا مَا صحفته لذ للنَّفس
…
مذاقا فِي مطعم وشراب)
(خل نصفا يحل عَنهُ وبادر
…
قلع عين مَا إِن لَهَا من حِسَاب)
(قلع الله عين شانيك يَا من
…
قدره قد سما عَن الأسهاب)
(وابق فِي نعْمَة وَعز منيع
…
مَا حدا بالحجاز حادي الركاب)
فَأَجَابَهُ بقوله
(يَا إِمَامًا صلي وَسلم كل
…
خَلفه من أَئِمَّة الْآدَاب)
(وخطيبا رقي فضمخ طيبا
…
مِنْبَر الْوَعْظ مِنْهُ فصل الْخطاب)
(لم ينافس لدي التَّقَدُّم إِلَّا
…
قَالَ محرابه هُوَ الأحرى بِي)
(أشرقت شمس فَضله لَا تَوَارَتْ
…
عينهَا عَن عياننا بحجاب)
(وأتى روض فكره بعروس
…
قد أمدت أنهارها من عباب)
(تَقْتَضِي مني الْجَواب وعذرى
…
فِي جوابي حوشيت أَن الجوى بِي)
(شبه فِي حشاي فقد فتاة
…
رحلت تمتطي متون الرّقاب)
(وانطوت بعد بَينهَا بسط بسطي
…
وَانْقَضَت دولة الصِّبَا والتصابي)
(لَيْت شعري بِمن أهيم وشمسي
…
مَا لَهَا فِي أفولها من أياب)
(كَيفَ أصبو ووردة كَانَ روض الْأنس
…
يزهو بهَا ثوث فِي التُّرَاب)
(لَا وعيش مضى بهَا فِي نعيم
…
لست أصبو من بعْدهَا لكعاب)
(هَات قل لي يَا ملعب السرب مَالِي
…
لَا أرى فِيك ظَبْيَة الأتراب)
(قَالَ سل حاسب الْكَوَاكِب عَمَّا
…
حَار فِي دَفعه أولو الْأَلْبَاب)
(أَصبَحت من بَنَات نعش وَكَانَت
…
بدر تمّ فَهَل ترى من جَوَاب)
(فابسط الْعذر يَا أَخا الْفضل فضلا
…
أَن تجدني أَخْطَأت صوب الصَّوَاب)
(أتصيب الصَّوَاب فكرة صب
…
يحتسي كأس فرقة الأحباب)
(وتطول وأسبل السّتْر صفحا
…
فَهُوَ شَأْن الْخلّ الْمُحب المحابي)
(فِي جَوَاب عَن نَخْلَة قد أتتنا
…
بجني النَّحْل فِي سطور الْكتاب)
(أتحفتنا باللغز فِي اسْم لاخت
…
لَا بَينا خصت بذا الانتساب)
(وَكَسَاهَا الْمَرْوِيّ من شبه الْمُؤمن
…
فضلا فِي سَائِر الأحقاب)
(وَهِي ترقي من غير سوء فطورا
…
يسْتَحق الْجَانِي أَلِيم الْعَذَاب)
(ثمَّ طورا وَهُوَ الْكثير يرى
…
الْجَانِي عَلَيْهَا من أفضل الْأَصْحَاب)
(وَلها أَن تشأ تصاحيف مِنْهَا
…
مُفْرد فِيهِ غَايَة الأغراب)
(جَاءَ قلب اسْم جنسه وَهُوَ لحن
…
لَا تنافيه صَنْعَة الْأَعْرَاب)
(ومسمى التَّصْحِيف هَذَا إِلَيْهِ الله
…
أوحى سُبْحَانَهُ فِي الْكتاب)
(وهوذ شَوْكَة وجند عَظِيم
…
خلف يعسو بِهِ بِغَيْر حِسَاب)
(ذُو دوِي فِي جحفل يمْلَأ الجو
…
كرعد فِي مكفهر السَّحَاب)
(حَيَوَان وَإِن يصحف جماد
…
مفصح عَن مُرَاد سامي الجناب)
(يَا خليلي بل يَا أَنا فِي اتِّحَاد
…
بك عَيْني بدا بِغَيْر ارتياب)
(إِن صنعي فِي حلي اللغز
…
باللغز بديع فَلَا تفه بعتابي)
(وابق فِي نعْمَة وَفِي جمع شَمل
…
ببنيك الأفاضل الإنجاب)
(مَا سرت نفحة الأزاهر تروي
…
ضحك الرَّوْض من بكاء السَّحَاب)
وأعقب ذَلِك بنثر صورته الْمولى الَّذِي إِذا أَخذ الْقَلَم وشي وَأرى غباره أَرْبَاب البلاغة والإنشا لَا يرى من رَمَاه الدَّهْر بسهمه ولعبت صوالج الأحزان بكرَة فهمه فمزج الْمَدْح بالرثاء وقابل النَّضر بالغثاء فقد بَان عذره واتضح فعل الزَّمَان بِهِ وغدره وَقد كنت قبل إدراج هَذَا الرثاء فِي اثناء الْجَواب أرقت ذَات لَيْلَة من تجرع صاب ذَلِك الْمُصَاب فنفثت القريحة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي كَاد أَن لَا يكون لَهَا صَبِيحَة
(لقد كَانَ روض الْأنس يزهو بوردة
…
شذا كل عطر بعد نفحة طيبها)
(فَمد إِلَيْهَا الْبَين كف اقتطافه
…
وأمحل ذَاك الرَّوْض بعد مغيبها)
(وَلم يصف لي من بعْدهَا كأس لَذَّة
…
وَكَيف تلذ النَّفس بعد حبيبها)
(فروى ثراها يَا سحائب أدمعي
…
وَمن لي بِأَن تروى بسح صبيبها)
فقصدت أَن أثبتها فِي ذيل الْجَواب وأخرياته لما عَسى أَن تكون من محفوظات مَوْلَانَا ومروياته وَقد طَال هَذَا إلهذا وطغى الْقَلَم بِمَا هُوَ للعين قذا فلنحبس عنانه ونرح سمع الْمولى وعيانه وَكَانَت ولادَة صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة عشر بعد الْألف بِمَكَّة وَتُوفِّي بهَا فِي سنة سبع وَخمسين وَألف وَدفن بالمعلاة والسنجاري بِكَسْر السِّين نِسْبَة إِلَى الْبَلدة الْمَعْرُوفَة
القَاضِي تَقِيّ الدّين التَّمِيمِي الْغَزِّي الْحَنَفِيّ صَاحب الطَّبَقَات الْعَالم الْعلم الْفَاضِل الأديب لجم الْفَائِدَة المفنن أَخذ عَن عُلَمَاء كثيرين وجال فِي الْبِلَاد وَدخل الرّوم وَألف وصنف وَأحسن مَاله من التآليف طَبَقَات الْحَنَفِيَّة وقفت على حِصَّة مِنْهَا وَقد جمع فِيهَا جملَة من عُلَمَاء الرّوم وعظمائها وأكابر سارتها ورؤسائها وَذكره الخفاجي فِي ريحانته وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَذكر أَنه كَانَ فِي مبدأ أمره وإقبال طلائع عمره حرفته الزهاده وحانوته السجادة ثمَّ سَاقه الْقدر والقضا فَرضِي بِمَا قدره الله وَقضى بَعْدَمَا كَانَ يَقُول
(من تمنى القضا فَلَا تعطينه
…
وَاجعَل الْمَوْت سَابِقًا للْقَضَاء)
وَقد قَالُوا أَن من تولى الْقَضَاء وَلم يفْتَقر فَهُوَ لص والآن قد افْتَقَرت اللُّصُوص لما سرقت الْأُمَرَاء من الْخَوَاتِم الفصوص وَالسَّارِق إِذا سرق من سَارِق فقد عَامله بِرَأْس مَاله وَقَالَ الرِّبْح والفائدة السَّلامَة من خسران وباله وَمَا يسلب قَاطع الطَّرِيق الْعُرْيَان بل يهديه للسبيل وَيُعْطِيه الْأمان وَأورد من شعره قَوْله وَقد لبس من الْقَضَاء خلع المذلة وحاكت لَهُ الأطماع من نصب المناصب حلّه
(أحبابنا نوب الزَّمَان كَثِيرَة
…
وَأمر مِنْهَا رفْعَة السُّفَهَاء)
(فَمَتَى يفِيق الدَّهْر من سكراته
…
وَأرى الْيَهُود بذلة الْفُقَهَاء)
وَله أَيْضا
(مَا أَبْصرت عين امْرِئ
…
فِي الدَّهْر يَوْمًا مثلنَا)
(عشق وحرمان بِهِ
…
أبدا تَرَانَا فِي عَنَّا)
(الدون لَا نرضى بِهِ
…
والعال لَا يرضى بِنَا)
والعال بِمَعْنى العالي إِلَّا أَنَّهَا عامية مبتذلة وَقيل لِابْنِ المقفع لم لَا تَقول الشّعْر فَقَالَ
لَا يَجِيء مَا نرضاه وَمَا نرضاه لَا يحيء وَله أَيْضا
(إِذا أَكثر العَبْد الذُّنُوب وَلم يكن
…
لَهُ شَافِع من حسنه يُوجب العذرا)
(وأبصرت مَعَ مَوْلَاهُ الذَّنب ممهلا
…
عَلَيْهِ فحقق أَن بَينهمَا أمرا)
وَله
(وَإِذا أَسَاءَ إِلَيْك خَادِم سيد
…
وَأقرهُ فارحل وَلَا تتَوَقَّف)
(وَاعْلَم بأنك قد ثقلت وَأَنه
…
أَعْطَاك إِذْنا بالرحيل فَخفف)
وَله
(لنا صديق لَهُ بالغانيات هوى
…
وابره لَا يزَال الدَّهْر طراقا)
(كَأَنَّمَا هُوَ حرباء الهجير ضحى
…
لَا يُرْسل السَّاق لَا ممسكا ساقا)
وَقد سبقه لهَذَا ابْن الْأَنْبَارِي الْمصْرِيّ فَقَالَ
(لَا يشغلنك شَيْء فِي زَمَانك عَن
…
وصل الملاح وحاذر كل مَا عاقا)
(وَكن كَمَا قيل فِي الحرباء من فطن
…
لَا يُرْسل السَّاق إِلَّا ممسكا ساقا)
وَهُوَ تضمين من قَول بعض شعراء الْجَاهِلِيَّة
(إِنِّي يتيح لَهُ حرباء تنضبة
…
لَا يُرْسل السَّاق إِلَّا ممسكا ساقا)
والساق فِيهِ غُصْن الشَّجَرَة وَمن الْإِنْسَان مَعْرُوف وَبِه قَامَت التورية وضربه بعض الْعَرَب مثلا بألد الْخِصَام الَّذِي كلما انْقَضتْ حجَّة أَقَامَ لَهُ أُخْرَى والحرباء دويبة تسمى أم حبيرة تتلون ألوانا مَعَ الشَّمْس وتكنى أباقرة وَيُقَال حرباء تنضب كَمَا يُقَال ذِئْب غضا وَهُوَ شجر تتَّخذ مِنْهُ السِّهَام جمع تنضبة ويف الْمثل أحزم من حرباء لِأَنَّهُ مَعَ تقلبه مَعَ الشَّمْس لَا يُرْسل يَده من غُصْن حَتَّى يمسك آخر وَهُوَ الَّذِي عناه الشَّاعِر وضربه ابْن الرُّومِي مثلا للقبح فِي كَثْرَة التقلب انْتهى وَكَانَت وَفَاة التَّمِيمِي بِمصْر يَوْم السبت خَامِس جُمَادَى الْآخِرَة سنة عشر وَألف وَهُوَ فِي سنّ الكهولة رَحمَه الله تَعَالَى
المنلا توفيق بن مُحَمَّد الكيلاني نزيل قسطنطينية وَأحد الْمُحَقِّقين الْمَشْهُورين بِالْفَضْلِ الباهر والحذق التَّام والمعرفة فِي الْفُنُون الغربية كالحكميات والإلهيات والرياضيات حصل ودأب ببلاده ثمَّ قدم إِلَى آمد وَأقَام بهَا مُدَّة يدرس ويفيد فِي الْعُلُوم وَكَانَ إِذْ ذَاك المنلا عماد الْآمِدِيّ بهَا وَكَانَ يَقع بَينهمَا مناظرات ومحاورات وَلما ولي حسن باشا بن مُحَمَّد باشا حُكُومَة الشَّام سَافر فِي صحبته إِلَيْهَا وَأَقَامَا بهَا مُدَّة ثمَّ رَحل المنلا توفيق إِلَى الرّوم وانحاز إِلَى الْمولى سعد الدّين بن حسن جَان معلم السُّلْطَان فعينه معلما لأولاده واتخذه نديما ومصاحبا وبسببه طَنَّتْ صحاة فَضله واشتهر وَأعْطى مدرسة حرزي قَاسم باشا الَّتِي بِأَيُّوب على طَرِيق التقاعد