المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القسم الثاني: الأحاديث التي أعلها البخاري بمناقضة متونها ما صح من رواية أصحابها أنفسهم - الأحاديث التي أعل الإمام البخاري متونها بالتناقض

[بسام العطاوي]

الفصل: ‌القسم الثاني: الأحاديث التي أعلها البخاري بمناقضة متونها ما صح من رواية أصحابها أنفسهم

‌القسم الثاني: الأحاديث التي أعلّها البخاري بمناقضة متونها ما صح من رواية أصحابها أنفسهم

وإعلال الحديث بهذه العلة من قواعد المحدثين. قال ابن رجب: قاعدة في تضعيف أحاديث رويت عن بعض الصحابة، والصحيح عنهم رواية ما يخالفها، ثم ذكر أمثلة علي هذه القاعدة (1).

وقد عمل البخاري بهذه القاعدة:

1 -

فقد روى في «التاريخ الكبير» (2) حديثا من طريق أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: «لا أحلّ المسجد لحائض ولا لجنب إلا لمحمد وآل محمد» .

ثم أشار إلي ضعف هذا الحديث لمخالفته حديث عائشة الآخر عن النبي صلي الله عليه وسلم، فقال: وقال عروة وعباد بن عبد الله عن عائشة عن النبي صلي الله عليه وسلم: «سدّوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر» .

ثم قال البخاري: وهذا أصح.

وحديث جسرة أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» (3) قال: أخبرنا أبو هشام المخزومي حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا أفلت بن خليفة قال:

(1) انظر: شرح علل الترمذي (2/ 802).

(2)

(2/ 67).

(3)

(3/ 1032) ح 1783.

ص: 193

حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت أم المؤمنين تقول: قام رسول الله صلي الله عليه وسلم فينا، ووجوه بيت أصحابه إلي المسجد فقال:«وجّهوا هذه البيوت عن المسجد» . قال: ثم دخل فمكث ما شاء الله أن يمكث فلم يوجّهوها؛ رجاء أن يقول لهم رخصا. قالت: ثم خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم فنادي بصوته: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنب إلا لمحمد وآل محمد صلي الله عليه وسلم» .

فالبخاري رأي حديث جسرة الذي يستثني محمدا صلي الله عليه وسلم وآله ولم يستثن أبا بكر مخالفا حديث عائشة الآخر الذي يستثني أبا بكر وحده. وكلا الحديثين مروي عن عائشة، فلو أنها روت الحديثين بالفعل لبينت حين ذكرت أحدهما المستثني الآخر الذي جاء في حديثها الآخر؛ لكنها لم تفعل فدلّ ذلك علي أنها لم ترو حديث جسرة.

فأما حديث عروة عن عائشة الذي ذكره البخاري فقد رواه الترمذي (1)، والدارمي (2)، وعبد الله بن أحمد (3) واللفظ له، وابن حبان في «صحيحه» (4)، وابن عساكر في «تاريخه» (5) من طرق عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:«سدّوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر» .

وأما حديث عباد بن عبد الله عن عائشة الذي ذكره البخاري هنا فقد ذكره البخاري بسنده ومتنه في ترجمة أيوب بن بشير الأنصاري في «التاريخ الكبير» (6) فقال: وقال إسحاق: حدثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن

(1) في كتاب المناقب - باب أمره صلي الله عليه وسلم بسد الأبواب إلا باب أبي بكر: 2030 ح 3678.

(2)

في كتاب علامات النبوة - باب في وفاة النبي صلي الله عليه وسلم (1/ 219) ح 82.

(3)

في فضائل الصحابة (1/ 82) ح 33.

(4)

الإحسان (15/ 272) ح 6857.

(5)

تاريخ دمشق (30/ 253).

(6)

(1/ 407).

ص: 194

سالم عن الزبيدي عن الزهري عن أيوب بن بشير الأنصاري عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال - واشتد وجعه -: «أهريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن؛ لعلّي أعهد إلي الناس. وسدّوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر» .

وحديث سد الأبواب غير باب أبي بكر أخرجه البخاري في صحيحه (1) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وأخرجه بعده مباشرة من حديث ابن عباس، وكلّ من الحديثين أصح من حديث عائشة؛ لكنه لم يذكر هنا حديث أبي سعيد ولا حديث ابن عباس، وإنما ذكر حديث عائشة ليعلّ به حديث جسرة التي ترويه عن عائشة أيضًا بإظهار ما بينهما من تناقض لا يصدر عادة من الراوي الثقة.

وحديث جسرة مختلف في ثبوته، فضعّفه جمع من العلماء، ومن هؤلاء من ضعّفه لأجل أفلت بن خليفة راوية عن جسرة (2)، ومنهم من ضعّفه لأجل جسرة (3).

وقد روى البيهقي (4) أن البخاري قال في هذا الحديث: ولا يصح هذا عن النبي صلي الله عليه وسلم.

والذي يعنينا هنا هو حكم هذا الحديث عند البخاري، وسببه. ولم أجد أحدا من العلما أعلّ حديث جسرة من حيث المتن سوي البخاري. وهذا يدلّ دلالة واضحة علي عنايته الكبيرة بنقد المتن.

2 -

وروى البخاري في «التاريخ الكبير» (5) قال: حدثني محمد بن

(1) في كتاب الصلاة - باب الخوخة والممر في المسجد: 39 ح 466.

(2)

انظر: معالم السنن للخطابي (1/ 78).

(3)

انظر تفصيل هذا في كتاب الحيض والنفاس لدبيان الدبيان (2/ 700).

(4)

في سننه الكبرى (7/ 65).

(5)

(1/ 293).

ص: 195

عبد الله القطعي قال: حدثني إبراهيم بن صالح بن درهم عن مسلمة بن سالم - ثم لقيت مسلمة - عن صالح بن درهم عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم: «إذا قال المؤذن الله أكبر؛ فقلت: أنا أشهد أن محمدا رسول الله؛ حرمك الله علي النار» .

ثم قال البخاري: وفيه نظر. حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» . هذا أصح.

وهذا سند ضعيف أعني حديث صالح بن درهم عن أبي سعيد؛ فإبراهيم بن صالح بن درهم ضعيف (1)، ومسلمة بن سالم ضعيف (2).

وبيّن البخاري أن متن هذا الحديث يخالف حديث أبي سعيد الذي رواه في «صحيحه» (3) ففيه أمر سامع المؤذن بأن يقول مثل ما يقول، أما حديث صالح بن درهم عن أبي سعيد ففيه أن السامع يقول غير ما يقوله المؤذن، فإذا قال المؤذن: الله أكبر قال السامع: أنا أشهد أن محمدًا رسول الله. وكلا الحديثين مروي عن الصحابي نفسه، ولهذا أعلّ البخاري الحديث بمناقضة متنه متن الحديث الصحيح.

3 -

وذكر البخاري في «التاريخ الأوسط» (4) في ترجمة عبد الواحد بن ميمون أنه منكر الحديث يروي عن عائشة مرفوعا: «الغسل يوم الجمعة واجب» . قال البخاري: والمعروف عن عروة وعمرة عن عائشة: كان الناس عمّال أنفسهم، فقيل لهم:«لو اغتسلتم» .

(1) انظر: تهذيب التهذيب (1/ 111).

(2)

تقريب التهذيب: 938.

(3)

كتاب الأذان - باب ما يقول إذا سمع المنادي: 50 ح 611، ورواه مسلم في كتاب الصلاة - باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه: 738 ح 848.

(4)

(2/ 47).

ص: 196

وحديث عائشة أخرجه البزار (1) قال: حدثنا محمد بن المثني حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو حدثنا عبد الواحد بن ميمون - وهو رجل من أهل المدينة يكني أبا حمزة - عن عروة عن عائشة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «من أتي الجمعة فليغتسل» .

ورواه العقيلي (2) من طريق أحمد بن سعيد الدارمي عن أبي عامر العقدي به بلفظ: «الغسل يوم الجمعة علي من شهد الجمعة» ، وقال العقيلي عقبه: لا يحفظ هذا اللفظ إلا في هذا الحديث. وفي غسل الجمعة أحاديث ثابتة صحاح بألفاظ مختلفة.

ورواه أبو نعيم (3) من طريق العباس بن يزيد عن أبي عامر العقدي به بلفظ: «من لزمته الجمعة فليغتسل. والجمعة علي من آواه الليل» .

وهذا الحديث ضعيف جدا لأجل عبد الواحد بن ميمون فإنه شديد الضعف. قال ابن حبان (4): يروي الموضوعات عن الأثبات، يحدث عن عروة بن الزبير بما ليس من حديثه فبطل الاحتجاج بروايته. وقال الدارقطني: متروك، صاحب مناكير (5).

وهذا الحديث من مناكيره. ومما يدل علي أن هذا الحديث ليس له أصل عن عائشة رضي الله عنها أنه يخالف ما ثبت من روايتها عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في ذلك ما لا يدلّ علي الوجوب كما بيّن البخاري رحمه الله.

ففي الصحيحين (6) من طريق عروة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: كان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم

(1) كما في مختصر زوائد مسند البزار لا بن حجر (1/ 289) ح 436.

(2)

في الضعفاء الكبير (3/ 51).

(3)

في ذكر أخبار أصبهان (2/ 140).

(4)

في المجروحين (2/ 155).

(5)

سؤالات البرقاني للدارقطني: 45.

(6)

صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب كسب الرجل وعمله بيده: 162 ح 2071، وصحيح مسلم - كتاب الجمعة - باب وجوب غسل الجمعة: 810 ح 1658.

ص: 197

عمال أنفسهم، وكان يكون لهم أرواح (1) فقيل لهم:«لو اغتسلتم» .

وفي الصحيحين (2) أيضا من طريق يحيى بن سعيد أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة، فقالت: قالت عائشة رضي الله عنها: كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلي الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم:«لو اغتسلتم» .

4 -

وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (3) حديث محمد بن سعد الأنصاري عن أبيه أنه رأي أنسا يمسح علي خفيه، وقال: خدمت النبي صلي الله عليه وسلم تسع سنين، ففعله. ثم أعلّ البخاري هذا الحديث بحديث يحيى بن أبي إسحاق أنه سمع أنسا يقول: لم أر النبي صلي الله عليه وسلم يمسح، حدّثوني عنه. قال البخاري: وهذا أصح.

أما حديث الأنصاري فأخرجه ابن أبي شيبة (4) قال: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا زهير حدثنا وهب بن عقبة عن محمد بن سعد الأنصاري عن أبيه عن أنس رضي الله عنه أنه أتي المهراس (5)، فبال قائما، ثم توضّأ ومسح علي خفّيه، ثم توجّه إلي المسجد. فقلت له: لقد فعلت شيئا يكره!. فقال: خدمت رسول الله تسع سنين يفعل ذلك.

وأخرجه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (6) من طريق سمويه عن مالك به.

وهذا سند ضعيف لجهالة الراوي عن أنس. وهو يخالف ما ثبت عن أنس أنه لم ير النبي صلي الله عليه وسلم يمسح علي خفيه، وأن أصحابه هم الذين أخبروه بذلك كما بيّن البخاري.

(1) أرواح، جمع ريح. النهاية:380.

(2)

صحيح البخاري - كتاب الجمعة - باب وقت الجمعة: 71 ح 903، وصحيح مسلم - كتاب الجمعة - باب وجوب غسل الجمعة 810 ح 1659.

(3)

(4/ 67).

(4)

كما في المطالب العالية (2/ 175) ح 43.

(5)

صخرة منقورة تسع كثيرا من الماء، وقد يعمل منه حياض للماء. النهاية 1006.

(6)

(6/ 144) ح 2139.

ص: 198

فقد روى ابن أبي شيبة (1) قال: حدثنا ابن علية عن يحيى بن أبي إسحاق أنه سمع أنس بن مالك سئل عن المسح علي الخفين، فقال: امسح عليهما. فقالوا له: أسمعته من النبي صلي الله عليه وسلم؟ قال: لا، ولكني سمعته ممن لا يتهم من أصحابنا، يقولون: المسح علي الخفين وإن صنع كذا وكذا، لا يكني.

وأخرجه أحمد بن منيع في مسنده (2) عن ابن علية به بنحوه.

وهذا سند صحيح عن أنس رضي الله عنه، فابن علية هو إسماعيل بن إبراهيم ثقة حافظ (3)، ويحيى ابن أبي إسحاق هو النحوي الحضرمي ثقة صاحب قرآن وعربية (4).

وبهذا الحديث الثابت عن أنس أعلّ البخاري أيضا حديث زياد بن عبيدة أنه سمع أنسا يقول: رأيت النبي صلي الله عليه وسلم يمسح. قال البخاري عقبه: ولا يصح؛ قال يحيى بن أبي إسحاق عن أنس: لم أر النبي صلي الله عليه وسلم يمسح (5).

وحديث زياد أخرجه أحمد بن منيع في مسنده (6) قال: حدثنا مروان بن معاوية حدثنا زياد بن عبيدة أو عبيدة - شك أحمد بن منيع - أخبرنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في مسير فقام بالغلس، وقال:«يا أنس، في إداوتك ماء؟» . قلت: نعم. قال: فتنحي فبال، وصببت عليه الماء فتوضأ، فلما أراد أن يمسح طأطأت ظهري لأنظر ما يصنع، فقال:«هو ما تري» ، ومسح علي خفيه.

(1) في مصنفه (1/ 332) ح 1924.

(2)

كما في المطالب العالية (2/ 324).

(3)

تقريب التهذيب: 136.

(4)

الكاشف: 361.

(5)

التاريخ الكبير (3/ 361).

(6)

كما في المطالب العالية (2/ 325).

ص: 199

وهذا سند ضعيف لأجل زياد بن عبيدة؛ فإنه مجهول. قال أبو حاتم الرازي: هو مجهول والحديث الذي رواه باطل (1).

وبذلك الحديث الثابت عن أنس أعلّ البخاري أيضا حديث عبد العزيز بن مسلم فقد ذكر في ترجمته في «التاريخ الكبير» (2) ما حدث به ابن وهب عن معاوية عن عبد العزيز بن مسلم عن أبي معقل عن أنس رضي الله عنه: رأيت النبي صلي الله عليه وسلم مسح.

قال البخاري: وقال يحيى بن أبي إسحاق عن أنس رضي الله عنه: لم أر النبي صلي الله عليه وسلم مسح. وهذا أصح.

ثم قال البخاري في الترجمة التي تلي السابقة (3): قال نعيم حدثنا ابن وهب عن معاوية بن صالح عن عبد العزيز بن مسلم عن أبي معقل عن أنس رضي الله عنه: رأيت النبي صلي الله عليه وسلم مسح علي خفيه. ولم يصح.

ولم أجد من أخرج رواية أبي معقل عن أنس في المسح علي الخفين، وإنما وجدت من أخرج من هذه الطريق نفسها حديث مسح مقدم الرأس من تحت العمامة.

وهذا الحديث أخرجه أبو داود (4) قال: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن عبد العزيز بن مسلم عن أبي معقل عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يتوضأ، وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة.

وأخرجه ابن ماجه (5) عن أحمد بن عمرو بن السرح عن عبد الله بن وهب به.

(1) الجرح والتعديل (3/ 539).

(2)

(6/ 27).

(3)

التاريخ الكبير (6/ 28) برقم 1580.

(4)

في كتاب الطهارة - باب المسح علي العمامة: 1232 ح 147.

(5)

في كتاب الطهارة - باب ما جاء في المسح علي العمامة: 2510 ح 564.

ص: 200

وهذا سند ضعيف؛ فأبو معقل مجهول (1)، وكذلك الرواي عنه (2).

5 -

وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (3) في ترجمة صالح بن محمد بن زائدة: منكر الحديث يروي عن سالم عن ابن عمر عن عمر رفعه: «من غلّ فأحرقوا متاعه» . وقال ابن عباس عن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم في الغلول، ولم يحرق.

وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، وهو أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث. قال محمد يعني البخاري: وقد روي في غير حديث عن النبي صلي الله عليه وسلم في الغالّ، فلم يأمر فيه بحرق متاعه.

فالبخاري أعلّ حديث صالح الذي فيه الأمر بتحريق الغال بمخالفته الحديث الصحيح في تحريم الغلول وبيان شدة قبحه؛ إذ ليس فيه ذكر تحريق متاع الغال، وهو من رواية عمر رضي الله عنه نفسه الذي روي عنه حديث التحريق.

وحديث عمر الذي أشار إليه البخاري رواه مسلم (4) من طريق أبي زميل الحنفي قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي صلي الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتي مروا علي رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «كلا، إني رأيته في النار؛ في بردة غلّها أو عباءة» . ثم قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «يا ابن الخطاب، اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» . قال: فخرجت، فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.

(1) تقريب التهذيب: 1208.

(2)

انظر: ميزان الاعتدال (2/ 635).

(3)

(4/ 291)، ونحوه في التاريخ الأوسط (2/ 81).

(4)

في كتاب الإيمان - باب غلظ تحريم الغلول: 697 ح 309.

ص: 201

وأما حديث صالح الذي أعلّه البخاري هنا فقد رواه أبو داود (1)، والترمذي (2) واللفظ له من طريق عبد العزيز بن محمد عن صالح بن محمد بن زائدة عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن عمر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:«من وجدتموه غلّ في سبيل الله فأحرقوا متاعه» . قال صالح: فدخلت علي مسلمة، ومعه سالم بن عبد الله، فوجد رجلا قد غلّ فحدّث سالم بهذا الحديث، فأمر به فأحرق متاعه، فوجد في متاعه مصحف، فقال سالم: بع هذا، وتصدق بثمنه.

وهذا سند ضعيف لأجل صالح بن محمد بن زائدة فإنه ضعيف (3)، وعدّ العلماء هذا الحديث من منكراته، ومنهم البخاري كما تقدم. قال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث علي صالح بن محمد، وهذا حديث لم يتابع عليه، ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم (4).

6 -

وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (5) حديث الزبير بن الشعشاع عن أبيه أنه سمع عليا يقول: كل لحوم الحمر الأهلية.

ثم قال البخاري: ولا يصح؛ لأن عليا روى أن النبي صلي الله عليه وسلم نهي عنه.

وقد روى حديث الزبير بن الشعشاع العقيلي (6) فقال: حدثنا بهذا الحديث محمد بن إسماعيل الصايغ قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا طلحة بن الحسين العبدي قال: حدثنا الزبير بن الشعشاع أبو خثرم الشني عن أبيه قال: سألت عليا عن أكل لحوم الحمر الأهلية فقال علي: كلها، هكذا وهكذا وهكذا.

(1) في كتاب الجهاد - باب في عقوبة الغال: 1425 ح 2713.

(2)

في كتاب الحدود - باب ما جاء في الغال ما يصنع به: 1801 ح 1461.

(3)

انظر: تهذيب الكمال (13/ 86).

(4)

التحقيق لا بن الجوزي (2/ 349). وانظر: تاريخ دمشق (23/ 373).

(5)

(3/ 417).

(6)

في الضعفاء الكبير (2/ 90).

ص: 202

وهذا سند ضعيف، فالزبير بن الشعشاع مجهول الحال، ذكر البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا (1)، وذكره العقيلي في ضعفائه (2). وأبوه مجهول أيضا.

قال ابن حجر منتقدا الذهبي في عدم ذكره الشعشاع في «ميزانه» : ذكر الشعشاع في الضعفاء أولي (3) يعني من ذكر ابنه. وطلحة بن الحسين العبدي لم أجد له ترجمة.

وقد أعلّ البخاري الحديث بمخالفته ما ثبت عن علي رضي الله عنه من روايته تحريم لحوم الحمر الأهلية عن النبي صلي الله عليه وسلم، وما كان علي ليخالف نهي النبي صلي الله عليه وسلم عنها ويفتي بخلافه.

ففي الصحيحين (4) من طريق محمد بن علي أن عليا رضي الله عنه قال لابن عباس: إن النبي صلي الله عليه وسلم نهي عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر.

7 -

وأعلّ البخاري حديث مجاهد عن ابن عمر الذي أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (5) فقال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد قال: ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح.

وهذا سند ضعيف؛ لأن أبا بكر بن عياش راويه ساء حفظه بأخرة كما قال ابن حجر (6).

(1) انظر: التاريخ الكبير (3/ 417)، والجرح والتعديل (3/ 538).

(2)

الضعفاء الكبير (2/ 90).

(3)

لسان الميزان (3/ 493).

(4)

صحيح البخاري - كتاب النكاح - باب نهي النبي صلي الله عليه وسلم عن نكاح المتعة أخيرا: 442 ح 5112، وصحيح مسلم - كتاب النكاح - باب نكاح المتعة: 912 ح 3434.

(5)

(2/ 66) ح 2464.

(6)

فتح الباري (2/ 220).

ص: 203

وقد ضعّف الحديث بهذه العلة صدقة بن الفضل شيخ البخاري فيما نقله عنه البخاري موافقا إياه فيه (1).

وممن ضعّف هذا الحديث البيهقي: وذكر أن أبا بكر بن عياش كان يرويه في القديم عن حصين عن إبراهيم عن ابن مسعود مرسلا وموقوفا، ثم اختلط عليه حين ساء حفظه فصار يرويه عن حصين عن مجاهد عن ابن عمر مخالفا فيه الصواب (2).

قال البخاري في جزء رفع اليدين في الصلاة (3) بعد أن روى عن نافع أن ابن عمر كان إذا رأي رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصي قال: ألا تري أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يرمي من لا يرفع يديه بالحصي، فكيف يترك ابن عمر شيئا يأمر به غيره وقد رأي النبي صلي الله عليه وسلم فعله. ثم نقل البخاري عن يحيى بن معين قوله: حديث أبي بكر عن حصين إنما هو توهم لا أصل له.

وقال البخاري أيضا: ولو تحقق حديث مجاهد أنه لم ير ابن عمر رفع يديه لكان حديث طاوس، وسالم، ونافع، ومحارب بن دثار، وأبي الزبير حين رأوه أولي؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما رواه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، فلم يكن يخالف الرسول صلي الله عليه وسلم مع ما رواه أهل مكة والمدينة واليمن والعراق أنه كان يرفع يديه (4).

فمما أعلّ به البخاري حديث مجاهد عن ابن عمر مناقضة متنه ما ثبت عن ابن عمر من وجوه كثيرة صحيحة تثبت عن ابن عمر ما نفاه حديث مجاهد عنه.

وهو أيضا يخالف ما رواه ابن عمر نفسه عن النبي صلي الله عليه وسلم في ذلك، وما كان ابن عمر ليخالف سنة النبي صلي الله عليه وسلم، وهو الذي يرويها ويأمر بها.

(1) انظر: رفع اليدين في الصلاة للبخاري: 150.

(2)

انظر: معرفة السنن والآثار (1/ 556).

(3)

ص 54.

(4)

رفع اليدين في الصلاة: 75.

ص: 204

ففي الصحيحين (1) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. وكان لا يفعل ذلك في السجود.

(1) صحيح البخاري - كتاب الأذان - باب رفع اليدين: 58 ح 735، وصحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب استحباب رفع اليدين: 739 ح 861.

ص: 205