الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الرابع: الأحاديث التي أعلّها البخاري بمناقضة متوناه رأي من رواها ومذهبه
إن إعلال الحديث بهذه العلة قاعدة سار عليها كثير من الأئمة النقاد. قال ابن رجب: قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، قد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا. ثم ذكر أمثله هذه القاعدة (1).
وقد عمل البخاري بهذه القاعدة.
1 -
فقد روى في «التاريخ الأوسط» (2) قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني الليث عن يونس عن الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدّث عن سعيد بن المسيب يقول: سمعت أبا هريرة يقول: صلّي لنا النبي صلي الله عليه وسلم صلاة جهر فيها، قال:«ما لي أنازع القرآن» ، فانتهي الناس عن القراءة فيما جهر الإمام. قال البخاري: وقوله: «فانتهي» هو من كلام الزهري.
ثم روى من طريق الأوزاعي عن الزهري: فاتّعظ الناس بذلك، فلم يكونوا يقرؤون فيما جهر. قال البخاري: وأدرجوه في حديث النبي صلي الله عليه وسلم، وليس هو في حديث أبي هريرة. والمعروف عن أبي هريرة أنه كان يأمر
(1) شرح علل الترمذي (1/ 158).
(2)
(1/ 311) برقم 616.
بالقراءة. ثم ذكر البخاري قول أبي السائب: قال لي أبو هريرة: اقرأ بها في نفسك يا فارسي.
فالبخاري رجح الوجه الذي يفيد أن هذه الجملة مدرجة في الحديث، وليست منه، بمخالفتها مذهب أبي هريرة راوي الحديث (1)، فقد كان يري وجوب قراءة الفاتحة علي المأموم في الصلاة ولو كانت جهرية. فقد أخرج مسلم في صحيحه (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:«من صلّي صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثا - غير تمام» . فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام! فقال: اقرأ بها في نفسك.
ورواه ابن ماجة (3) من طريق أبي السائب عن أبي هريرة به، وفيه قول أبي السائب: فقلت: يا أبا هريرة، فإني أكون أحيانا وراء الإمام؟ فغمز ذراعي، وقال: يا فارسي اقرأ بها في نفسك.
فيستبعد أن يروي أبو هريرة رضي الله عنه أن الناس انتهوا عن القراءة خلف الإمام فيما جهر به، وهو يفتي بوجوبها. وهذا مما جعل البخاري يرجح الطريق الأخرى التي بيّنت أن تلك الجملة من كلام الزهري، لا أبي هريرة.
والحديث أخرجه مالك في «الموطأ» (4) عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال:«هل قرأ معي منكم أحد آنفا؟» . فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله.
(1) وقد عارض الترجيح بهذا جماعة من العلماء كابن التركماني في «الجوهر النقي» المطبوع في ذيل سنن البيهقي (7/ 159)، وابن القيم في «تهذيب السنن» (1/ 392).
وليس المقصود هنا التفصيل في هذه المسألة، وإنما المقصود معرفة حكم هذا الحديث عند البخاري وعلته، وبيان عناية البخاري بنقد المتن.
(2)
كتاب الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة: 740 ح 395.
(3)
في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - باب القراءة خلف الإمام: 2526 ح 838.
(4)
كتاب الصلاة - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه (1/ 94) ح 44.
قال: فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إني أقول ما لي أنازع القرآن» . فانتهي الناس عن القراءة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلي الله عليه وسلم. ومن طريق مالك أخرجه أبو داود (1)، والترمذي (2)، والنسائي (3).
وأما الرواية التي تبيّن الإدراج فقد أخرجها البيهقي في سننه (4) من طريق الأوزاعي: حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: قرأ ناس مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلما قضي رسول الله صلي الله عليه وسلم أقبل عليهم، فقال:«هل قرأ معي منكم أحد؟» . فقالوا: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إني أقول ما لي أنازع القرآن» ، قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرؤون.
قال ابن عبد البر: وأما قوله في هذا الحديث: «فانتهي الناس عن القراءة» إلي آخر الحديث فأكثر رواة ابن شهاب عنه لهذا الحديث يجعلونه كلام ابن شهاب، ومنهم من يجعله كلام أبي هريرة (5).
وقال النووي: الحفاظ من المتقدمين والمتأخرين يتفقون علي أن هذه الزيادة وهي قوله: «فانتهي الناس عن القراءة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما جهر فيه» ليست من كلام أبي هريرة بل هي من كلام الزهري مدرجة في الحديث. وهذا لا خلاف فيه بينهم. قال ذلك الأوزاعي ومحمد بن يحيى الذهلي شيخ البخاري وإمام أهل نيسابور، وقاله البخاري في تاريخه، وأبو داود في سننه، والخطابي، والبيهقي، وغير هم (6).
(1) في كتاب الصلاة - باب من رأي القراءة إذا لم يجهر: 1284 ح 826.
(2)
في كتاب الصلاة - باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر: 1670 ح 312.
(3)
في كتاب الافتتاح - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به: 2146 ح 920.
(4)
(2/ 158).
(5)
الاستذكار (1/ 464).
(6)
المجموع (3/ 368).
2 -
وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (1) حديث حسين بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر عن أبي ذر رفعه في صلاة الضحي. ثم قال معلاّ هذا الحديث: وقال الشعبي عن ابن عمر: صلاة الضحى بدعة، ونعمت البدعة. وهذا أصح.
وحديث حسين بن عطاء أخرجه البزار في مسنده (2) قال: حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى وإبراهيم بن هانيء قالوا: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر قال: حدثنا حسين بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: قلت لأبي ذر: يا عماه أوصني. قال: سألتني كما سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم، فقال:«إن صليت الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين، وإن صليت أربعا كنت من العابدين، وإن صليت ستا لم يلحقك ذنب، وإن صليت ثمانيا كتبت من القانتين، وإن صليت ثنتي عشرة بني لك بيتا في الجنة. وما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمنّ بها علي من يشاء من عباده، وما منّ على عبد بمثل أن يلهمه ذكره» .
قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي صلي الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى ابن عمر عن أبي ذر حديثا مسندا إلا هذا الحديث.
وهذا سند ضعيف جدا، فالحسين بن عطاء قال فيه أبو حاتم الرازي: شيخ منكر الحديث وهو قليل الحديث، وما حدّث به فمنكر (3). وقال أبو داود: ليس هو بشيء. وقال ابن الجارود: كذاب (4). وقد قال أبو حاتم الرازي حين سأله
(1)(2/ 392).
(2)
البحر الزخار (9/ 335).
(3)
الجرح والتعديل (3/ 61).
(4)
لسان الميزان (3/ 188).
ولده عن هذه الطريق وطريق أخري لهذا الحديث: أيهما أشبه؟ فقال: جميعا مضطربين ليس لهما في الرواية معني (1).
ومما يدلّ علي أن هذا الحديث ليس له أصل عن ابن عمر أن ابن عمر ثبت عنه أنه حين سئل عن صلاة الضحى أجاب بأنها بدعة، فلو كان روى عن أبي ذر هذا الحديث في صلاة الضحى لم يحكم عليها بأنها بدعة، وهذا ما نبّه عليه البخاري رحمه الله.
روى الشيخان في صحيحيهما (2) من طريق جرير عن منصور عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جالس إلي حجرة عائشة وإذا ناس يصلّون في المسجد صلاة الضحى. قال: فسألنا عن صلاتهم، فقال: بدعة.
وروى البخاري (3) من طريق توبة عن مورق قال: قلت لابن عمر رضي الله عنهما: أتصلّي الضحي؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا. قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي صلي الله عليه وسلم؟ قال: لا إخاله.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه (4) عن ابن علية عن الجريري عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى، وهو مسند ظهره إلي حجرة النبي صلي الله عليه وسلم، فقال: بدعة ونعمت البدعة.
وهذا سند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما، رجاله كلهم ثقات.
3 -
وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (5): وقال لي مسدد: حدثنا
(1) علل الحديث (1/ 134).
(2)
صحيح البخاري - كتاب العمرة - باب كم اعتمر النبي صلي الله عليه وسلم: 139 ح 1775، وصحيح مسلم - كتاب الحج - باب بيان عدد عمر النبي صلي الله عليه وسلم وزمانهن: 887 ح 3037.
(3)
في كتاب التهجد - باب صلاة الضحي في السفر: 91 ح 1175.
(4)
(3/ 413) ح 7851.
(5)
(1/ 91).
عيسي بن يونس عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «من استقاء فعليه القضاء» .
ثم قال البخاري: ولم يصح. ثم ذكر ما يؤيد عدم صحته، وهو ما رواه عمر بن حكم بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة قال: إذا قاء أحدكم فلا يفطر؛ فإنما يخرج ولا يولج.
أما الحديث المرفوع فأخرجه أبو داود (1) قال: حدثنا مسدد حدثنا عيسي بن يونس حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء قليقض» .
وأخرجه الترمذي (2) عن علي بن حجر عن عيسي بن يونس به.
وأخرجه ابن ماجه (3) من طريق الحكم بن موسي عن عيسي عن هشام به، ومن طريق حفص بن غياث عن هشام به.
وسند هذا الحديث ظاهره الصحة لكن الأئمة ضعفوه، وعدّوه من أوهام هشام بن حسان.
قال عيسي بن يونس: زعم أهل البصرة أن هشاما وهم فيه (4).
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ليس من ذا شيء. قال الخطابي: يريد أن الحديث غير محفوظ (5).
ونقل الترمذي عن البخاري قوله في هذا الحديث: لا أراه محفوظا (6).
(1) في كتاب الصيام - باب الصائم يستقيء عامدا: 1399 ح 2380.
(2)
في كتاب الصوم - باب ما جاء فيمن استقاء عمدا: 1718 ح 720.
(3)
في كتاب الصيام - باب ما جاء في الصائم يقيء: 2577 ح 1676.
(4)
مسند الدارمي (2/ 1079).
(5)
معالم السنن (2/ 112).
(6)
علل الترمذي الكبير: 313.
وقال الترمذي: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم، ولا يصح إسناده (1).
ومما استدل به البخاري علي أن هذا الحديث ليس له أصل عن أبي هريرة أنه يخالف ما ثبت عنه من القول بعدم الفطر بالقيء، فقد روى البخاري في صحيحه (2) عن يحيى بن صالح قال: حدثنا معاوية بن سلام حدثنا يحيى عن عمر بن الحكم بن ثوبان سمع أبا هريرة رضي الله عنه: إذا قاء فلا يفطر؛ إنما يخرج ولا يولج. فلو كان أبو هريرة رضي الله عنه روى حديث «من استقاء فليقض» لم يفت بخلافه.
4 -
وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (3) بعض طرق حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» .
ثم ذكر أنه رواه ليث عن عطاء عن عائشة عن النبي صلي الله عليه وسلم. قال البخاري: ولا يصح.
ثم ذكر ما يؤيد عدم صحته عن عائشة فقال: حدثني يحيى بن سليمان قال: حدثنا ابن وهب أخبرنا مخرمة عن أبيه عن أم علقمة: كنا نحتجم عند عائشة ونحن صيام وبنو أخي عائشة فلا تنهاهم. يريد أنه لو كانت عائشة رضي الله عنها روت حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» لنهت من احتجم عندها عن ذلك أو ذكرت لهم الحديث. وسند هذا الأثر حسن، وقد علّقه البخاري في صحيحه (4) جازما به.
وحديث عائشة أخرجه أحمد في مسنده (5) قال: حدثنا أبو النضر
(1) سنن الترمذي: 1718.
(2)
في كتاب الصوم - باب الحجامة والقيء للصائم: 151.
(3)
(2/ 179).
(4)
في كتاب الصوم - باب الحجامة والقيء للصائم: 151.
(5)
(42/ 137) ح 25242.
حدثنا أبو معاوية يعني شيبان عن ليث عن عطاء عن عائشة قالت: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم» .
وهذا سند ضعيف؛ فليث هو ابن أبي سليم قال فيه ابن حجر: صدوق اختلط جدا، ولم يتميز حديثه فترك (1). وقد اضطرب في هذا الحديث فرواه علي أوجه مختلفة (2).
فالحديث لا يصح عن عائشة رضي الله عنها، وإن كان صحيحا من رواية جمع من الصحابة رضي الله عنهم، بل جزم السيوطي بأنه متواتر (3)، وكذلك قال غير واحد من الحفاظ (4).
5 -
وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (5) حديث كريب عن ابن عباس أن امرأة رفعت صبيا لها إلي النبي صلي الله عليه وسلم، فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر» ، وبعد أن ذكر طرق هذا الحديث قال: أخشي أن يكون هذا الحديث مرسلا في الأصل. قال أبو عبد الله (يعني نفسه): وقال أبو ظبيان وأبو السفر عن ابن عباس: «أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج» . وهذا المعروف عن ابن عباس.
وحديث كريب أخرجه مسلم في صحيحه (6) قال: حدثني محمد بن المثني حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن إبراهيم بن عقبة عن كريب أن امرأة رفعت صبيا، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال:«نعم، ولك أجر» .
(1) تقريب التهذيب: 818.
(2)
انظر هذه الأوجه في حاشية تحقيق المسند (42/ 138).
(3)
انظر: الجامع الصغير (1/ 282) ح 1309.
(4)
انظر: تنقيح التحقيق (2/ 327، 481)، وحاشية تحقيق المسند (14/ 373).
(5)
(1/ 198).
(6)
كتاب الحج - باب صحة حج الصبي: 901 ح 3253.
وقد اختلف الرواة في رواية هذا الحديث، فمنهم من رواه موصولا: عن كرب عن ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم، كما رواه مسلم في صحيحه، ومنهم من رواه مرسلا: عن كريب عن النبي صلي الله عليه وسلم. والراجح الوصل كما ذهب إليه أحمد، ومسلم، وغيرهما (1).
قال ابن عبد البر: ومن وصل هذا الحديث وأسنده فقوله أولي. والحديث صحيح مسند ثابت الاتصال، لا يضرّه تقصير من قصر به؛ لأن الذين أسندوه حفاظ ثقات (2).
والبخاري ذكر هنا ما يؤيد الوجه المرسل، وهو ما رواه ابن أبي شيبة (3) قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: «احفظوا عني - ولا تقولوا قال ابن عباس - أيما عبد حج به أهله ثم أعتق؛ فعليه الحج. وأيما صبي حج به أهله صبيا ثم أدرك؛ فعليه حجة الرجل. وأيما أعرابي حج أعرابيا ثم هاجر فعليه حجة المهاجرين» .
وهذا سند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما. أبو ظبيان هو حصين بن جندب الجنبي الكوفي ثقة من رجال الجماعة (4).
وما رواه الشافعي في «الأم» (5) قال: أخبرنا سعيد عن مالك بن مغول عن أبي السفر قال: قال ابن عباس: «أيها الناس أسمعوني ما تقولون، وافهموا ما أقول لكم: أيما مملوك حج به أهله فمات قبل أن يعتق؛ فقد
(1) انظر بين الإمامين مسلم والدارقطني: 247، التتبع للدارقطني: 482، بيان من أخطأ علي الشافعي:227.
(2)
التمهيد لا بن عبد البر (1/ 100).
(3)
في مصنفه (5/ 520) ح 15088.
(4)
انظر: تقريب التهذيب: 253.
(5)
الأم (2/ 177).
قضى حجه، وإن عتق قبل أن يموت فليحجج. وأيما غلام حج به أهله، فمات قبل أن يدرك فقد قضى عنه حجه، وإن بلغ فليحجج».
وهذا سند حسن. سالم هو ابن سعيد القداح صدوق حسن الحديث (1). ومالك بن مغول ثقة ثبت (2)، وأبو السفر هو سعيد بن يحمد الهمداني ثقة (3).
فرأي البخاري أن حديث ابن عباس المرفوع الذي فيه أن للصبي حجا يخالف ما أفتى به من أن على الصبي الذي حج حجة أخرى إذا بلغ، فلو كان ابن عباس قد روى ذلك الحديث ما أفتى بخلافه.
وقد ذكر ابن رجب أن البخاري رد حديث ابن عباس المرفوع بأن ابن عباس كان يقول: «أيما صبي حج به ثم أدرك فعليه الحج» (4).
والصواب أنه يمكن الجمع بين الحديثين بلا أدني تكلف. قال الطحاوي: هذا الحديث إنما فيه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم أخبر أن للصبي حجا وهذا مما قد أجمع الناس جميعا عليه، ولم يختلفوا أن للصبي حجا كما أن له صلاة، وليست تلك الصلاة بفريضة عليه، فكذلك أيضا قد يجوز أن يكون له حج، وليس ذلك الحج بفريضة عليه، وإنما هذا الحديث حجة علي من زعم أنه لا حج للصبي، فأما من يقول: إن له حجا وإنه غير فريضة فلم يخالف شيئا من هذا الحديث .... وهذا ابن عباس رضي الله عنهما هو الذي روى هذا الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم قد صرف هو حج الصبي إلي غير الفريضة، وأنه لا يجزيه بعد بلوغه من حجة الإسلام. ثم ذكر ما هو مقرر عند أهل العلم من أن راوي الحديث أعلم بتأويله (5).
(1) انظر: تهذيب الكمال (10/ 456)، تحرير تقريب التهذيب (2/ 30).
(2)
تقريب التهذيب: 917.
(3)
المصدر السابق: 390.
(4)
شرح علل الترمذي (2/ 891).
(5)
شرح معاني الآثار (2/ 256).
6 -
وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (1) حديث سالم البراد عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم في أجر الصلاة على الجنازة. وقال البخاري عقبه: وهذا لا يصح؛ لأن الزهري قال: عن سالم أن ابن عمر أنكر على أبي هريرة حتي سأل عائشة.
وقال الترمذي: سألت محمدا عن حديث سالم البراد عن ابن عمر فقال: رواه عبد الملك بن عمير عن سالم البراد عن أبي هريرة، وهو الصحيح. وحديث ابن عمر ليس بشيء؛ ابن عمر أنكر على أبي هريرة حديثه (2).
وقال ابن حجر بعد أن ذكر أن البخاري أعلّ هذا الحديث: وقد راج هذا السند علي الحافظ الضياء فأخرج هذا الحديث في «المختارة» ، وهو معلول كما تري (3).
أما حديث البراد فأخرجه أحمد في مسنده (4) قال: حدثنا يحيى عن إسماعيل حدثني سالم أبو عبد الله عن ابن عمر عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «من تبع جنازة حتي يصلّى عليها؛ فإنّ له قيراطا» ، فسئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن القيراط، فقال:«مثل أحد» .
وهذا سند ظاهره الصحة فرجاله ثقات من رجال الشيخين سوي سالم البراد؛ فمن رجال أبي داود والنسائي، وهو ثقة (5)؛ لكن البخاري أعلّه بما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما من أنه لم يكن يعرف فضل الصلاة على الجنازة واتباعها حتي أخبره أبو هريرة، ووافقته عائشة، ولو كان ابن عمر روى عن النبي صلي الله عليه وسلم ذلك ما أنكره على أبي هريرة أولا.
(1)(2/ 274).
(2)
علل الترمذي الكبير: 149.
(3)
أطراف مسند الإمام أحمد لابن حجر (3/ 397).
(4)
(8/ 273) ح 4650.
(5)
تفريب التهذيب: 361.
ففي الصحيحين (1) من طريق جرير بن حازم قال: سمعت نافعا يقول: حُدّث ابن عمر أن أبا هريرة رضي الله عنهم يقول: «من تبع جنازة فله قيراط» فقال: أكثر أبو هريرة علينا. فصدقت - يعني عائشة - أبا هريرة، وقالت: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقوله. فقال ابن عمر رضي الله عنهما: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.
وفي لفظ مسلم أن ابن عمر بعث إلي عائشة فسألها، فصدقت أبا هريرة.
وروى مسلم (2) عن ابن شهاب الزهري أنه قال: قال سالم بن عبد الله بن عمر: وكان ابن عمر يصلّي عليها ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة قال: لقد ضيّعنا قراريط كثيرة.
وحديث إسماعيل بن أبي خالد عن سالم البراد عن ابن عمر الذي أعلّه البخاري رواه عبد الملك بن عمير والقاسم بن أبي بزة عن سالم البراد عن أبي هريرة. وهذا الوجه هو الذي صححه البخاري كما تقدم في كلام الترمذي، وذكر الدارقطني أنه المعروف (3).
وهذا الوجه أخرجه أحمد في مسنده (4) قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن عبد الملك بن عمير قال: سمعت سالما البراد أبا عبد الله قال: سمعت أبا هريرة قال: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول: «من تبع جنازة فصلّي عليها - أو قال: من صلّي عليها. شُعبة شك - فله قيراط. فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط مثل أحد» .
(1) صحيح البخاري - كتاب الجنائز - باب فضل اتباع الجنائز: 103 ح 1323، وصحيح مسلم - كتاب الجنائز - باب فضل الصلاة علي الجنازة واتباعها: 826 ح 2193.
(2)
في كتاب الجنائز - باب فضل الصلاة علي الجنازة وابتاعها: 826 ح 2189.
(3)
العلل للدارقطني (11/ 16).
(4)
(16/ 8) ح 9904.
وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (1) عن وهب بن جرير عن شعبة به بنحوه.
وهذا إسناد صحيح.
وقد سئل الدارقطني عن حديث إسماعيل بن أبي خالد الذي أعلّه البخاري هنا فقال: هو محفوظ (2). فيبدو أن الوهم من سالم البراد، وليس من الرواة عنه.
وذهب بعض العلماء إلي تصحيح الوجهين، وأن البراد سمعه من ابن عمر، ومن أبي هريرة، وأن ابن عمر بعد أن أخذ الحديث من أبي هريرة وعائشة صار يرويه عن النبي صلي الله عليه وسلم مباشرة بلا ذكر للواسطة، فيكون من مراسيل الصحابة، وهي مقبولة عند العلماء (3).
قال أحمد شاكر: هذا الحديث من مراسيل الصحابة يقينا؛ فإن عبد الله بن عمر إنما سمعه من أبي هريرة، ومن عائشة حين صدقت أبا هريرة، وكانوا يصدق بعضهم بعضا فيروي أحدهم ما سمع من أخيه، ثقة به وتصديقا (4).
وما ذكره احتمال يردّه أو يبعده أنه لم يرو هذا الحديث عن ابن عمر غير سالم البراد دون سائر أصحاب ابن عمر المعروفين بالرواية عنه. وسالم البراد ليس له عن ابن عمر في الكتب التسعة سوى هذا الحديث، وهو مقل من الحديث فأحاديثه في الكتب التسعة ثلاثة هذا أحدها، والآخر عن أبي هريرة الذي هو الوجه الآخر من وجهي هذا الحديث. وهذا يؤيد أن ذكر ابن عمر وهم من سالم، وأن الحديث حديث أبي هريرة كما صححه البخاري.
(1)(1/ 396) ح 434.
(2)
العلل (11/ 16).
(3)
انظر: حاشية تحقيق شرح علل الترمذي (2/ 800)، وحاشية تحقيق المسند (8/ 274).
(4)
من تعليقه علي المسند (6/ 296) ح 4650.
قال ابن المديني: والحديث عندي حديث أبي هريرة، وحديث ابن أبي خالد وهم (1).
7 -
وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (2) حديث سالم بن رزين عن سالم بن عبد الله عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحلّ له حتي يذوق العسيلة» . ثم ذكر الاختلاف في إسناده ثم قال: وقال لي إبراهيم بن المنذر: حدثنا أنس بن عياض سمع موسي بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: لو فعله أحد، وعمر حي؛ لرجمهما.
قال البخاري عقبه: وهذا أشهر. ولا تقوم الحجة بسالم بن رزين، ولا برزين؛ لأنه لا يدري سماعه من سالم، ولا من ابن عمر.
وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث، فذكر البخاري الاختلاف فيه ثم قال: ويروى عن سعيد بن المسيب خلاف هذا (3).
والحديث أخرجه النسائي (4) أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد قال: سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم في الرجل تكون له المرأة يطلقها، ثم يتزوجها رجل آخر فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلي زوجها الأول، قال:«لا، حتي تذوق العسيلة» .
وأخرجه ابن ماجه (5) عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر به بنحوه.
(1) العلل لا بن المديني: 167.
(2)
(4/ 13).
(3)
علل الترمذي الكبير: 160.
(4)
في كتاب الطلاق - باب إحلال المطلقة ثلاثا والنكاح الذي يحلها به: 2311 ح 3443.
(5)
في كتاب النكاح - باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا: 2592 ح 1932.
وهذا سند ضعيف، فسالم بن رزين، ويقال: رزين بن سالم مجهول (1).
ومما يؤيد أن هذا الحديث ليس له أصل عن سعيد بن المسيب أنه يخالف مذهبه في هذه المسألة. فقد روى سعيد بن منصور في «سننه» (2) قال: حدثنا هشيم أخبرنا داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب قال: أما الناس فيقولون: حتي يجامعها، وأما أنا فإني أقول: إذا تزوجها تزويجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالا لها فلا بأس أن يتزوجها الأول.
وهذا سند صحيح عن سعيد بن المسيب. وقد ذكر ابن حجر أن ابن المنذر أخرجه بسند صحيح. ثم قال: وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور. وفيه تعقب علي من استبعد صحته عن سعيد. وفيه دلالة علي ضعف الخبر الوارد في ذلك، ثم ذكر هذا الحديث حديث سالم بن رزين، وقال: الحديث لو كان عند سعيد بن المسيب عن ابن عمر مرفوعا ما نسبه إلي مقالة الناس الذين خالفهم (3).
ومما يؤيد أن هذا الحديث ليس له أصل عن ابن عمر الأثر الذي ذكره البخاري عن ابن عمر، وهو ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (4) عن ابن جريح عن موسي بن عقبة عن نافع أن ابن عمر قال: لو أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، ثم نكحها رجل بعده، ثم طلقها قبل أن يجامعها، ثم ينكحها زوجها الأول، فيفعل ذلك، وعمر حي؛ إذن لرجمها (5).
وهذا سند صحيح عن ابن عمر. قال البخاري: وهذا أشهر. يريد أن
(1) تقريب التهذيب: 326.
(2)
(2/ 45) ح 1989.
(3)
فتح الباري (9/ 467).
(4)
(6/ 348) ح 11138.
(5)
كذا في المطبوع: والصواب لرجمهما كما في رواية البخاري التي سبق ذكرها.
الذي ثبت عن ابن عمر في هذه المسألة هو هذا الحديث الموقوف. وابن عمر هنا علّل الأمر بمخالفة عمر، فلو كان روى الحديث المرفوع لعلّله بمخالفة أمر النبي صلي الله عليه وسلم.
8 -
وروى البخاري في «التاريخ الكبير» (1) قال: حدثني بشر بن آدم قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا عثمان بن غياث عن برد بن عرين عن عمته زينب بنت منجل: سألنا عائشة عن الجراد فقالت: زجر النبي صلي الله عليه وسلم صبياننا، وكانوا يأكلونه.
ثم روى البخاري بعده ما يدل علي ضعفه فقال: حدثني عبد الأعلي قال: حدثنا أبو عوانة عن السدي عن عبد الله البهي: رأيت عائشة تأكل الجراد.
تابعه عبيد الله عن إسرائيل عن السدي نحوه.
حدثني محمود قال: حدثنا أبو النضر قال: حدثنا شيبان عن زياد عن حسان بن أنس الثعلبي: كنت عند ابن أخت عائشة، فأرسلت إليه بجراد.
ثم قال البخاري: وهذا أكثر، وهذا أصح. حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة عن أبي يعفور قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: غزوت مع النبي صلي الله عليه وسلم سبع غزوات أو ست غزوات نأكل الجراد.
وحديث زينب بنت منجل عن عائشة في النهي عن الجراد ضعيف؛ فبرد بن عرين وعمته مجهولان. وهو حديث منكر كما قال الذهبي (2)؛ لمخالفته الأحاديث الثابتة في هذا الباب عن عائشة، وعن غيرها كما بيّن البخاري.
(1)(2/ 135).
(2)
في ميزان الاعتدال (1/ 303).
وحديث ابن أبي أوفى أخرجه البخاري في «صحيحه» (1) قال: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن أبي يعفور قال: سمعت ابن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: غزونا مع النبي صلي الله عليه وسلم سبع غزوات أو ستا، كنا نأكل معه الجراد.
وأخرجه مسلم (2) من طريق أبي عوانة وابن عيينة وشعبة عن أبي يعفور به بنحوه.
9 -
وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (3) حديث أبي سفيان طريف بن شهاب عن أبي نضرة عن أبي سعيد أنه قال: أمرنا النبي صلي الله عليه وسلم أن نقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر.
ثم روى ما أعلّ به هذا الحديث فقال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن العوام بن حمزة حدثنا أبو نضرة: سألت أبا سعيد عن القراءة خلف الإمام، قال: فاتحة الكتاب.
ثم قال البخاري: وهذا أولي؛ لأن أبا هريرة وغيره واحد ذكروا عن النبي صلي الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» ، وقال أبو هريرة: إن زدت فهو خير، وإن لم تفعل أجزأك.
وحديث أبي سفيان أخرجه ابن ماجه (4) قال: حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن الفضيل ح وحدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر جميعا عن أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها» .
وأخرجه الترمذي (5) عن سفيان بن وكيع عن محمد بن الفضيل به بزيادة في أوله.
(1) كتاب الذبائح والصيد - باب أكل الجراد: 473 ح 5495.
(2)
في كتاب الصيد - باب إباحة الجراد: 1026 ح 5045 - 5047.
(3)
(4/ 357).
(4)
في كتاب إقامة الصلوات - باب القراءة خلف الإمام: 2526 ح 839.
(5)
في كتاب الصلاة - باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها: 1661 ح 238.
وهذا سند ضعيف؛ لأجل طريف بن شهاب فإنه ضعيف (1). ومتنه يخالف ما ثبت عن أبي نضرة أنه سأل أبا سعيد عن القراءة خلف الإمام، قال: فاتحة الكتاب. وقد رواه البخاري كما تقدم بسند حسن. ورواه في جزء القراءة خلف الإمام (2) بالإسناد نفسه.
ورواه البيهقي (3) من طريق محمد بن عبد الله بن المثني عن العوام بن حمزة به.
وهذا يدل علي أن حديث أبي سفيان طريف بن شهاب ليس له أصل عن أبي سعيد؛ إذ لو كان أبو سعيد رواه ما خالفه بفتواه.
ونبّه البخاري أن حديث طريف يخالف الأحاديث الصحيحة التي فيها أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولم توجب زيادة عليها.
ففي الصحيحين (4) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .
وفي الصحيحين (5) أيضا من حديث عطاء أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: في كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفي عنا أخفينا عنكم. وإن لم تزد علي أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير.
وفي إحدى روايات مسلم أن رجلا قال لأبي هريرة: إن لم أزد علي أم القرآن؟ فقال: إن زدت عليها فهو خير، وإن انتهيت إليها أجزأت عنك.
10 -
وروى البخاري في «التاريخ الأوسط» (6) حديثا فقال: حدثنا
(1) تقريب التهذيب: 463.
(2)
ص 29 ح 106.
(3)
في السنن الكبرى (2/ 170).
(4)
صحيح البخاري - كتاب الأذان - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم: 60، وصحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة: 740 ح 874.
(5)
صحيح البخاري - كتاب الأذان - باب القراءة في الفجر: 61 ح 772، وصحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة: 740 ح 882.
(6)
(2/ 80) برقم 1198.
أبو عاصم عن ابن جريح عن مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة رفعه: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان» قال أبو عاصم: ثم لقيت مظاهرا فحدثني به. وكان أبو عاصم يضعف مظاهرا.
ثم روى البخاري ما أعلّ به حديث مظاهر فقال: حدثني يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب قال: حدثني أسامة بن زيد عن أبيه عن القاسم وسالم: عدة الأمة حيضتان وطلاق الحر الأمة ثلاث، وطلاق العبد الحرة تطليقتان. وقالا: ليس هذا في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولكن عمل بها المسلمون. قال البخاري: وهذا يردّ حديث مظاهر.
ففي حديث مظاهر عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم جعل عدة الأمة حيضتين، وهذا يخالف ما ثبت عن القاسم أنه نفي أن يكون هذا الحكم قد نص عليه في الكتاب أو السنة، وهذا يدل علي أنه لم يرو الحديث الذي حدّث به عنه مظاهر. ولهذا أعلّ البخاري الحديث.
وحديث مظاهر أخرجه أبو داود (1)، والترمذي (2)، وابن ماجه (3) كلهم من طريق أبي عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:«طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» ، وهذا لفظ الترمذي.
وهذا سند ضعيف؛ لأجل مظاهر بن أسلم؛ فإنه ضعيف (4)، وعدّ العلماء هذا الحديث من منكراته (5). قال أبو عاصم النبيل راوي الحديث عن مظاهر: ليس بالبصرة حديث أنكر من حديث مظاهر هذا (6).
(1) في كتاب الطلاق - باب في سنة طلاق العبد: 1384 ح 2181.
(2)
في كتاب الطلاق واللعان - باب ما جاء أن طلاق الأمة تطليقتان: 1769 ح 1182.
(3)
في كتاب الطلاق - باب في طلاق الأمة وعدتها: 2601 ح 2080.
(4)
انظر: تهذيب الكمال (28/ 96).
(5)
انظر: الضعفاء الكبير للعقيلي (2/ 141)، الكامل لابن عدي (6/ 449).
(6)
سنن الدارقطني (5/ 72).
وأما الروايات التي تفيد أن القاسم نفي أن تكون هذه المسألة قد نص علي حكمها الكتاب أو السنة، فقد ذكر البخاري إحداها، وهي رواية أسامة بن زيد بن أسلم عن القاسم بذلك.
وروى الدارقطني في «سننه» (1) من طريق الليث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: سئل القاسم عن الأمة كم تطلق؟ قال: طلاقها اثنتان، وعدتها حيضتان. قال: فقيل له: أبلغك عن النبي صلي الله عليه وسلم في هذا؟ قال: لا.
وروى عقبه من طريق أبي عامر عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: سئل القاسم عن عدة الأمة، فقال: الناس يقولون: حيضتان. وإنا لا نعلم ذلك، أو قال: لا نجد ذلك في كتاب الله تعالي، ولا في سنة نبيّة صلي الله عليه وسلم. قال ابن حجر: إسناده صحيح (2).
وممن صحح هذا الخبر عن القاسم أبو بكر النيسابوري (3).
(1)(5/ 72).
(2)
الدراية (2/ 70).
(3)
انظر: سنن الدارقطني (5/ 72).