المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القسم السادس: الآثار التي أعلها البخاري بمناقضة متونها ما ثبت عن أصحابها - الأحاديث التي أعل الإمام البخاري متونها بالتناقض

[بسام العطاوي]

الفصل: ‌القسم السادس: الآثار التي أعلها البخاري بمناقضة متونها ما ثبت عن أصحابها

‌القسم السادس: الآثار التي أعلّها البخاري بمناقضة متونها ما ثبت عن أصحابها

وهي ثلاثة آثار رويت عن ابن عمر رضي الله عنهما، وأعلّها البخاري بمخالفتها الثابت عن ابن عمر في المسألة نفسها. وهذا يدل علي أن عناية البخاري بنقد متون الأخبار لم تقتصر علي الأحاديث المرفوعة، وإنما شملت غيرها من الموقوفات.

1 -

فقد روى البخاري في «التاريخ الأوسط» (1) عن عمرو بن علي أنه سمع يحيى يسأل عن حديث عريف بن درهم الجمال فتمنع به، ثم حدثنا به ثم قال: روى حديثا منكرًا عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر: «الجزور والبقرة عن سبعة» .

ثم روى البخاري ما يدل علي نكارة حديث عريف فقال: حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر قال: لا تذبح البقرة والبدنة والشاة إلا عن إنسان واحد. قال البخاري: وهذا أصح من ذلك.

فقد أيّد البخاري استنكار القطان لحديث عريف الذي فيه أن ابن عمر رضي الله عنهما يرى إجزاء الجزور والبقرة عن سبعة، لمخالفته ما هو ثابت عن ابن عمر من قوله بعدم الإجزاء.

(1)(2/ 97) برقم 1234.

ص: 243

أما حديث عريف فرواه العقيلي في «الضعفاء الكبير» (1) من طريق وكيع عن عريف بن درهم عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر قال: «الجزور والبقرة عن سبعة» .

ومن طريق العقيلي رواه ابن حزم في «المحلى» (2).

وهذا سند ضعيف لأجل عريف بن درهم فإنه ضعيف (3) وقد عدّ العلماء هذا الحديث من منكراته، منهم يحيى القطان كما تقدم في كلام البخاري، وأيّده البخاري علي ذلك.

وأما قول ابن عمر بعدم الإجزاء والذي رواه البخاري عنه بالسند المتقدم، وهو سند صحيح فلم أجد من رواه غير البخاري. وقد ذكره ابن حزم من طريق أخرى بمعناه فقال: وروينا من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: «البدنة عن واحد، والبقرة عن واحد، والشاة عن واحد، لا أعلم شركا» .

وروى أحمد في «مسنده» (4) من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي أنه قال: سألت ابن عمر قلت: الجزور والبقرة تجزئ عن سبعة؟ قال: يا شعبي، ولها سبعة أنفس؟!. قال: قلت: إن أصحاب محمد يزعمون أن رسول الله صلي الله عليه وسلم سنّ الجزور والبقرة عن سبعة. قال: فقال ابن عمر لرجل: أكذاك يا فلان؟ قال: نعم. قال: ما شعرت بهذا.

وهذا سند ضعيف؛ لضعف مجالد بن سعيد (5).

(1)(3/ 428).

(2)

(7/ 151).

(3)

انظر: كتاب المجروحين لا بن حبان (2/ 193)، ميزان الاعتدال (3/ 65).

(4)

(38/ 460) ح 23478.

(5)

انظر: تهذيب الكمال (27/ 219).

ص: 244

2 -

وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (1) حديث أيفع أو أيمع عن ابن عمر أنه قال: لا أبالي أعانني رجل علي طهوري أو ركوعي. ثم قال البخاري: وهذا منكر؛ لأن مجاهدا وعباية قالا: وضأنا ابن عمر.

وحديث أيفع لم أقف علي من ذكر إسناده لكن ابن حجر ذكر أن أبا جعفر الطبري روى عن ابن عمر أنه كان يقول: ما أبالي من أعانني علي طهوري أو علي ركوعي وسجودي (2). وذكر ابن بطال عن الطبري أن راوي هذا عن ابن عمر هو أيفع، وهو مجهول (3). فالأثر ضعيف، وقد أعلّه البخاري بمخالفته ما ثبت عن ابن عمر في هذا الباب؛ فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه (4) قال: حدثنا يعلي قال: حدثنا أبو حيان عن عباية قال: وضأت ابن عمر، فقمت عن يمينه أفرغ عليه الماء، فلما فرغ صعّد فيّ بصره فقال: من أين أخذت هذا الأدب؟ فقلت: من جدي رافع. قال: هنالك.

ورواه ابن المنذر في «الأوسط» (5) من طريق الثوري عن أبي حيان به بنحوه.

وهذا سند صحيح. يعلي هو ابن عبيد الطنافسي، وأبو حيان هو يحيى بن سعيد بن حيان، وعباية هو ابن رفاعة بن رافع بن خديج، وكلهم ثقات (6).

وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» (7) قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان

(1)(2/ 63).

(2)

فتح الباري (1/ 286).

(3)

شرح صحيح البخاري لا بن بطال (1/ 278).

(4)

(8/ 617) ح 27051.

(5)

(1/ 362).

(6)

انظر: تقريب التهذيب: 1091، 1055، 489.

(7)

(1/ 35) ح 175.

ص: 245

عن إسماعيل بن أبي خالد عن عثمان - قال: وكان من غلمة ابن الزبير - قال: وضأت ابن عمر، فرأيته يمسح ظاهر أذنيه.

وهذا سند رجاله ثقات إلا عثمان مولي آل الزبير، فقد ذكره البخاري (1) وابن أبي حاتم (2) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وقد ذكره ابن حبان في الثقات (3).

قال الطبري: وثبت عن ابن عمر خلاف ما ذكر عنه (يعني من كراهة أن يعان في الوضوء)، فروى شعبة عن أبي بشر عن مجاهد أنه كان يسكب علي ابن عمر الماء، فيغسل رجليه. وهذا أصح عن ابن عمر (4).

3 -

وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (5): قال لنا مالك بن إسماعيل عن شريك عن ابن أبي ليلي عن محمد بن بيان عن ابن عمر: كره أخذ الدنانير عن الدراهم في القرض، ولم ير في البيع بأسا.

ثم أعلّه البخاري فقال: وقال سعيد بن المسيب وغيره عن ابن عمر: لا بأس به. وهذا أصح.

ثم ذكر حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر: كنت أبيع، فقال النبي صلي الله عليه وسلم:«لا بأس به» .

قال البخاري: وروى داود عن سعيد عن ابن عمر قوله.

وحديث محمد بن بيان عن ابن عمر ضعيف، ففي إسناده شريك، وهو ابن عبد الله النخعي، وهو سييء الحفظ (6)، وابن أبي ليلي، وهو محمد بن عبد الرحمن، وهو سييء الحفظ جدًا (7)، ومحمد بن بيان وهو مجهول الحال،

(1) في التاريخ الكبير (6/ 257).

(2)

في الجرح والتعديل (6/ 173).

(3)

(5/ 156).

(4)

شرح صحيح البخاري لا بن بطال (1/ 278).

(5)

(1/ 45).

(6)

انظر: تهذيب الكمال (12/ 471).

(7)

انظر: تقريب التهذيب: 871.

ص: 246

ذكره البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا (1). وقد نبه البخاري أنه يناقض ما روي عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا في هذه المسألة.

أما الرفوع فرواه أبو داود (2) قال: حدثنا موسي بن إسماعيل ومحمد بن محبوب المعنى واحد قالا: حدثنا حماد عن سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم:«لا بأس أن تأخذها بسعر يومها؛ ما لم تفترقا وبينكما شيء» .

ورواه الترمذي (3) من طريق يزيد بن هارون عن حماد به بنحوه.

والنسائي (4) من طريق المعافى عن حماد به بنحوه.

وابن ماجه (5) من طريق يعقوب بن إسحاق عن حماد به بنحوه، ومن طريق عمر بن عبيد الطنافسي عن سماك به بنحوه.

وأما الموقوف فرواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (6) قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن داود بن أبي هند عن سعيد بن جبير قال: رأيت ابن عمر يكون عليه الورق، فيعطي قيمتها دنانير إذا قامت علي سعر، ويكون عليه الدنانير، فيعطي الورق بقيمتها.

(1) انظر: التاريخ الكبير (1/ 45)، الجرح والتعديل (7/ 213).

(2)

في كتاب البيوع - باب في اقتضاء الذهب من الورق: 1474 ح 3354.

(3)

في كتاب البيوع - باب ما جاء في الصرف: 1776 ح 1242.

(4)

في كتاب البيوع - باب أخذ الورق من الذهب: 2384 ح 4593.

(5)

في كتاب التجارات - باب اقتضاء الذهب من الورق 2612 ح 2262.

(6)

(7/ 369) ح 21499.

ص: 247

والراجح أن هذا الحديث لا يصح إلا موقوفا علي ابن عمر رضي الله عنهما.

قال أبو داود الطيالسي: سمعت خالد بن طليق يسأل شعبة فقال: يا أبا بسطام حدثني حديث سماك بن حرب في اقتضاء الورق من الذهب حديث ابن عمر، فقال: أصلحك الله، هذا حديث ليس يرفعه أحد إلا سماك. قال: فترهب أن أروي عنك؟ قال: لا، ولكن حدثنيه قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ولم يرفعه، وأخبرنيه أيوب عن نافع عن ابن عمر، ولم يرفعه، وحدثني داود بن أبي هند عن سعيد بن جبير ولم يرفعه، ورفعه سماك، فأنا أفرقه (1).

وقال الترمذي عقبه: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. وروى داود بن أبي هند هذا الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عمر موقوفا.

وقال الدارقطني: اختلف في رفعه علي سعيد بن جبير، فرواه سماك بن حرب عن سعيد بن جبير مرفوعا ..... وخالفه داود بن أبي هند فرواه عن سعيد بن جبير عن ابن عمر موقوفا، وكذلك رواه سعيد بن المسيب ونافع عن ابن عمر موقوفا، ولم يرفعه غير سماك وسماك سيء الحفظ (2).

وقال البيهقي: والحديث يتفرد برفعه سماك بن حرب عن سعيد بن جبير من بين أصحاب ابن عمر (3).

(1) الجرح والتعديل (1/ 158)، معرفة السنن والآثار للبيهقي (4/ 352)، التلخيص الحبير (3/ 26).

(2)

العلل للدارقطني - المجلد الرابع 73.

(3)

السنن الكبرى (5/ 284).

ص: 248