الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ وَالسَّادِسِ وَالسَّابِعِ وَالْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ وَالْآحَادِ وَالشَّاذِّ وَالْمَوْضُوعِ وَالْمُدْرَجِ
اعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ جَلَالَ الدِّينِ الْبَلْقِينِيَّ قَالَ: الْقِرَاءَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى مُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ وَشَاذٍّ فَالْمُتَوَاتِرُ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعَةُ الْمَشْهُورَةُ وَالْآحَادُ قِرَاءَاتُ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ تَمَامُ الْعَشْرِ وَيَلْحَقُ بِهَا قِرَاءَةُ الصَّحَابَةِ وَالشَّاذُّ قِرَاءَاتُ التَّابِعِينَ كَالْأَعْمَشِ وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ وَابْنِ جُبَيْرٍ وَنَحْوِهِمْ.
وَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ نَظَرٌ يُعْرَفُ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ وَأَحْسَنُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا النَّوْعِ إِمَامُ الْقُرَّاءِ فِي زَمَانِهِ شَيْخُ شُيُوخِنَا أَبُو الْخَيْرِ بْنُ الْجَزَرِيِّ قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ النَّشْرِ: كُلُّ قِرَاءَةٍ وَافَقَتِ الْعَرَبِيَّةَ وَلَوْ بِوَجْهٍ وَوَافَقَتْ أَحَدَ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ وَلَوِ احْتِمَالًا وَصَحَّ سَنَدُهَا فَهِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ رَدُّهَا وَلَا يَحِلُّ إِنْكَارُهَا بَلْ هِيَ مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ قَبُولُهَا سَوَاءً كَانَتْ عَنِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ أَمْ عَنِ الْعَشْرَةِ أَمْ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ وَمَتَى اخْتَلَّ رُكْنٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أُطْلِقَ عَلَيْهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ شَاذَّةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ عَنِ السَّبْعَةِ أو عَمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمْ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ صَرَّحَ بِذَلِكَ الدَّانِيُّ وَمَكِّيٌّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَأَبُو شَامَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافُهُ.
قَالَ أَبُو شَامَةَ فِي الْمُرْشِدِ الْوَجِيزِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُغْتَرَّ بِكُلِّ قِرَاءَةٍ تُعْزَى
إِلَى أَحَدِ السَّبْعَةِ وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ الصِّحَّةِ وَأَنَّهَا أُنْزِلَتْ هَكَذَا إِلَّا إِذَا دَخَلَتْ فِي ذَلِكَ الضَّابِطِ وَحِينَئِذٍ لَا يَنْفَرِدُ بِنَقْلِهَا مُصَنِّفٌ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنَقْلِهَا عَنْهُمْ بَلْ إِنْ نُقِلَتْ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقُرَّاءِ فذلك لايخرجها عَنِ الصِّحَّةِ فَإِنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى اسْتِجْمَاعِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ لَا عَلَى مَنْ تُنْسَبُ إِلَيْهِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ الْمَنْسُوبَةَ إِلَى كُلِّ قَارِئٍ مِنَ السَّبْعَةِ وَغَيْرِهِمْ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَالشَّاذِّ غَيْرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةَ لِشُهْرَتِهِمْ وَكَثْرَةِ الصَّحِيحِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فِي قِرَاءَتِهِمْ تَرْكَنُ النَّفْسُ إِلَى مَا نُقِلَ عَنْهُمْ فَوْقَ مَا يُنْقَلُ عَنْ غَيْرِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: فَقَوْلُنَا فِي الضَّابِطِ: "وَلَوْ بِوَجْهٍ " نُرِيدُ بِهِ وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ النَّحْوِ سَوَاءٌ كَانَ أَفْصَحَ أَمْ فَصِيحًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَمْ مُخْتَلَفًا فِيهِ اخْتِلَافًا لَا يَضُرُّ مِثْلُهُ إِذَا كَانَتِ القراءة مِمَّا شَاعَ وَذَاعَ وَتَلَقَّاهُ الْأَئِمَّةُ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ الْأَعْظَمُ وَالرُّكْنُ الْأَقْوَمُ. وَكَمْ مِنْ قِرَاءَةٍ أَنْكَرَهَا بَعْضُ أَهْلِ النَّحْوِ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَلَمْ يُعْتَبَرْ إِنْكَارُهُمْ كَإِسْكَانِ: {بَارِئْكُمْ} و: {يَأْمُرْكُمْ} وخفض: {وَالأَرْحَامِ} ونصب {لِيُجْزَى قَوْماً} وَالْفَصْلِ بَيْنَ الْمُضَافَيْنِ فِي: {قَتْل أَوْلادِهِمْ شُرَكَائِهِمْ} وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ الدَّانِيُّ: وَأَئِمَّةُ الْقُرَّاءِ لَا تَعْمَلُ فِي شَيْءٍ مِنْ حُرُوفِ الْقُرْآنِ عَلَى الْأَفْشَى فِي اللُّغَةِ وَالْأَقْيَسِ فِي الْعَرَبِيَّةِ بَلْ عَلَى الْأَثْبَتِ فِي الْأَثَرِ وَالْأَصَحِّ فِي النَّقْلِ وَإِذَا ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ لَمْ يَرُدَّهَا قِيَاسُ عَرَبِيَّةٍ وَلَا فُشُوُّ لُغَةٍ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ يَلْزَمُ قَبُولُهَا وَالْمَصِيرُ إِلَيْهَا.
قُلْتُ: أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ. قال البيهقي: أراد اتِّبَاعَ مَنْ قَبْلَنَا فِي الْحُرُوفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ. لَا يَجُوزُ مُخَالَفَةُ الْمُصْحَفِ الَّذِي هُوَ إِمَامٌ وَلَا مُخَالَفَةُ الْقِرَاءَاتِ الَّتِي هِيَ مَشْهُورَةٌ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ سَائِغًا فِي اللُّغَةِ أَوْ أَظْهَرَ مِنْهَا.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: وَنَعْنِي بِمُوَافَقَةِ أَحَدِ الْمَصَاحِفِ مَا كَانَ ثَابِتًا فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ كقراءة ابن عامر: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ} في البقرة بغير واو، و:{بِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ} بِإِثْبَاتِ الْبَاءِ فِيهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الْمُصْحَفِ الشَّامَيِّ وَكَقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} فِي آخِرِ بَرَاءَةٍ بِزِيَادَةِ "مِنْ" فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْمُصْحَفِ الْمَكِّيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ فَشَاذٌّ لِمُخَالَفَتِهَا الرَّسْمَ الْمُجَمَعَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُنَا: "وَلَوِ احْتِمَالًا "، نَعْنِي بِهِ مَا وَافَقَهُ وَلَوْ تَقْدِيرًا: كَـ {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فَإِنَّهُ كُتِبَ فِي الْجَمِيعِ بِلَا أَلِفٍ فَقِرَاءَةُ الْحَذْفِ تَوَافِقُهُ تَحْقِيقًا وَقِرَاءَةُ الْأَلِفِ تَوَافِقُهُ تَقْدِيرًا لِحَذْفِهَا فِي الْخَطِّ اخْتِصَارًا كَمَا كُتِبَ: {مَلِكَ الْمُلْكِ} .
وَقَدْ يُوَافِقُ اخْتِلَافُ الْقِرَاءَاتِ الرَّسْمَ تَحْقِيقًا، نَحْوُ " تَعْلَمُونَ " بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ و" يغفر لَكُمْ " بِالْيَاءِ وَالنُّونِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ تَجَرُّدُهُ عَنِ النَّقْطِ وَالشَّكْلِ فِي حَذْفِهِ وَإِثْبَاتِهِ عَلَى فَضْلٍ عَظِيمٍ لِلصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فِي عِلْمِ الْهِجَاءِ خَاصَّةً وَفَهْمٍ ثَاقِبٍ فِي تَحْقِيقِ كُلِّ عِلْمٍ. وَانْظُرْ كَيْفَ كَتَبُوا " الصِّرَاطَ " بِالصَّادِّ الْمُبْدَلَةِ مِنَ السِّينِ وَعَدَلُوا عَنِ السِّينِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ لِتَكُونَ قِرَاءَةُ
السِّينِ - وَإِنْ خَالَفَتِ الرَّسْمَ مِنْ وَجْهٍ - قَدْ أَتَتْ عَلَى الْأَصْلِ فَيَعْتَدِلَانِ وَتَكُونُ قِرَاءَةُ الْإِشْمَامِ مُحْتَمِلَةٌ وَلَوْ كُتِبَ ذَلِكَ بِالسِّينِ عَلَى الْأَصْلِ لَفَاتَ ذَلِكَ.
وَعُدَّتْ قِرَاءَةُ غَيْرِ السِّينِ مُخَالِفَةً لِلرَّسْمِ وَالْأَصْلِ وَلِذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي: {بَصْْطَةً} الْأَعْرَافِ دون: {بَسْطَةً} الْبَقَرَةِ لِكَوْنِ حَرْفِ الْبَقَرَةِ كُتِبَ بِالسِّينِ وَالْأَعْرَافِ بِالصَّادِ عَلَى أَنَّ مُخَالِفَ صَرِيحِ الرَّسْمِ فِي حَرْفٍ مُدْغَمٍ أَوْ مُبْدَلٍ أَوْ ثَابِتٍ أَوْ مَحْذُوفٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ مُخَالِفًا إِذَا ثَبَتَتِ الْقِرَاءَةُ بِهِ وَوَرَدَتْ مَشْهُورَةً مُسْتَفَاضَةً وَلِذَا لَمْ يَعُدُّوا إِثْبَاتَ يَاءِ الزَّوَائِدِ وَحَذْفَ يَاءِ: {فَلا تَسْأَلْنِي} في الكهف وواو: {وَأَكُونَ مِنَ الصَّالِحِينَ} والظاء من: {بِضَنِينٍ} وَنَحْوَهُ مِنْ مُخَالَفَةِ الرَّسْمِ الْمَرْدُودَةِ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مُغْتَفَرٌ إِذْ هُوَ قَرِيبٌ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَتُمَشِّيهِ صِحَّةُ الْقِرَاءَةِ وَشُهْرَتُهَا وَتَلَقِّيهَا بِالْقَبُولِ بِخِلَافِ زِيَادَةِ كَلِمَةٍ وَنُقْصَانِهَا وَتَقْدِيمِهَا وَتَأْخِيرِهَا حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ حَرْفًا وَاحِدًا مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي فَإِنَّ حُكْمَهُ فِي حُكْمِ الْكَلِمَةِ لا تسوغ مُخَالَفَةُ الرَّسْمِ فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْحَدُّ الْفَاصِلُ فِي حَقِيقَةِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ وَمُخَالَفَتِهِ.
قَالَ: وَقَوْلُنَا: "وَصَحَّ مسندها " نَعْنِي بِهِ أَنْ يَرْوِيَ تِلْكَ الْقِرَاءَةَ الْعَدْلُ الضَّابِطُ عَنْ مِثْلِهِ وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ وَتَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مَشْهُورَةً عِنْدَ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ غَيْرَ مَعْدُودَةٍ عِنْدَهُمْ مِنَ الْغَلَطِ أَوْ مِمَّا شَذَّ بِهَا بَعْضُهُمْ.
قَالَ: وَقَدْ شَرَطَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّوَاتُرَ فِي هَذَا الرُّكْنِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِصِحَّةِ السَّنَدِ وَزَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ وَأَنَّ مَا جَاءَ مَجِيءَ الْآحَادِ لَا يَثْبُتُ بِهِ قُرْآنٌ.
قَالَ: وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْفَى مَا فِيهِ: فَإِنَّ التَّوَاتُرَ إِذَا ثَبَتَ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الرُّكْنَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنَ الرَّسْمِ وَغَيْرِهِ إِذْ مَا ثَبَتَ مِنْ أَحْرُفِ الْخِلَافِ مُتَوَاتِرًا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَبَ قَبُولُهُ وَقُطِعَ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا سَوَاءٌ وَافَقَ الرَّسْمَ أَمْ لَا وَإِذَا شَرَطْنَا التَّوَاتُرَ فِي كُلِّ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْخِلَافِ انْتَفَى كَثِيرٌ مِنْ أَحْرُفِ الْخِلَافِ الثَّابِتِ عَنِ السَّبْعَةِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو شَامَةَ: شَاعَ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُقْرِئِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ أَنَّ السَّبْعَ كُلَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ أَيْ كُلُّ فَرْدٍ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمْ.
قَالُوا: وَالْقَطْعُ بِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاجِبٌ وَنَحْنُ بِهَذَا نَقُولُ وَلَكِنْ فِيمَا اجْتَمَعَتْ عَلَى نَقْلِهِ عَنْهُمُ الطُّرُقُ وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْفِرَقُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ لَهُ فَلَا أَقَلَّ مِنِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَّفِقِ التَّوَاتُرُ فِي بَعْضِهَا.
وَقَالَ الْجَعْبَرِيُّ: الشَّرْطُ وَاحِدٌ وَهُوَ صِحَّةُ النَّقْلِ وَيَلْزَمُ الْآخَرَانِ فَمَنْ أَحْكَمَ مَعْرِفَةَ حَالِ النَّقَلَةِ وَأَمْعَنَ فِي العربية وأتقن الرسم انحلت لَهُ هَذِهِ الشُّبْهَةُ.
وَقَالَ مَكِّيٌّ: مَا رُوِيَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ يُقْرَأُ بِهِ وَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ وَوَافَقَ الْعَرَبِيَّةَ وَخَطَّ الْمُصْحَفِ.
وَقِسْمٌ صَحَّ نَقْلُهُ عَنِ الْآحَادِ وَصَحَّ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَخَالَفَ لَفْظُهُ الْخَطَّ فَيُقْبَلُ وَلَا يُقْرَأُ بِهِ لِأَمْرَيْنِ: مُخَالَفَتِهِ لِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ بِإِجْمَاعٍ بَلْ بِخَبَرِ الْآحَادِ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَلَبِئْسَ مَا صَنَعَ إِذْ جَحَدَهُ!
وقسم نَقَلَهُ ثِقَةٌ وَلَا وَجْهَ لَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَوْ نَقَلَهُ غَيْرُ ثِقَةٍ فَلَا يُقْبَلُ وَإِنْ وَافَقَ الْخَطَّ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: مِثَالُ الْأَوَّلِ كَثِيرٌ كَـ" مَالِكِ " وَ " مَلِكَ " وَ " يَخْدَعُونَ " وَ " يُخَادِعُونَ " وَمِثَالُ الثَّانِي قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ " وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى " وَقِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ "وَنَحْوَ ذَلِكَ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْمَنْعِ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَوَاتَرْ وَإِنْ ثَبَتَتْ بِالنَّقْلِ فَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ أَوْ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ.
وَمِثَالُ مَا نَقَلَهُ غَيْرُ ثِقَةٍ كَثِيرٌ مِمَّا فِي كُتُبِ الشَّوَاذِّ مِمَّا غَالِبُ إِسْنَادِهِ ضَعِيفٌ وَكَالْقِرَاءَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّتِي جَمَعَهَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ وَنَقَلَهَا عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ وَمِنْهَا {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ} بِرَفْعِ " اللَّهُ " وَنَصْبِ " الْعُلَمَاءَ " وَقَدْ كَتَبَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَجَمَاعَةٌ بِأَنَّ هَذَا الْكِتَابَ مَوْضُوعٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
وَمِثَالُ مَا نَقَلَهُ ثِقَةٌ وَلَا وَجْهَ لَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ قَلِيلٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ رِوَايَةَ خَارِجَةَ عَنْ نَافِعٍ " معائش " بالهمز.
قَالَ: وَبَقِيَ قِسْمٌ رَابِعٌ مَرْدُودٌ أَيْضًا وَهُوَ مَا وَافَقَ الْعَرَبِيَّةَ وَالرَّسْمَ وَلَمْ يُنْقَلِ الْبَتَّةَ فَهَذَا رَدُّهُ أَحَقُّ وَمَنْعُهُ أَشَدُّ وَمُرْتَكِبُهُ مُرْتَكِبٌ لِعَظِيمٍ مِنَ الْكَبَائِرِ وَقَدْ ذُكِرَ جَوَازُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مِقْسَمٍ وَعُقِدَ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَجْلِسٌ وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِهِ وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَتِ الْقِرَاءَةُ بِالْقِيَاسِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا أَصْلَ له يُرْجَعُ إِلَيْهِ وَلَا رُكْنَ يُعْتَمَدُ فِي الْأَدَاءِ عَلَيْهِ.
قَالَ: أَمَّا مَا لَهُ أَصْلٌ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مِمَّا يُصَارُ إِلَى قَبُولِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ كَقِيَاسِ إِدْغَامِ"قال رجلان" على " قال رب " وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُخَالِفُ نَصًّا وَلَا أَصْلًا وَلَا يَرُدُّ إِجْمَاعًا مَعَ أَنَّهُ قَلِيلٌ جِدًّا.
قُلْتُ: أَتْقَنَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ هَذَا الْفَصْلَ جِدًّا وَقَدْ تَحَرَّرَ لِي مِنْهُ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ أَنْوَاعٌ:
الْأَوَّلُ: الْمُتَوَاتِرُ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ جَمْعٌ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَنْ مِثْلِهِمْ إِلَى مُنْتَهَاهُ وَغَالِبُ الْقِرَاءَاتِ كَذَلِكَ.
الثَّانِي: الْمَشْهُورُ وَهُوَ مَا صَحَّ سَنَدُهُ وَلَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّوَاتُرِ وَوَافَقَ الْعَرَبِيَّةَ وَالرَّسْمَ واشتهر عن القراء فلم يعده مِنَ الْغَلَطِ وَلَا مِنَ الشُّذُوذِ وَيُقْرَأُ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ وَيُفْهِمُهُ كَلَامُ أَبِي شَامَةَ السَّابِقُ وَمِثَالُهُ مَا اخْتَلَفَتِ الطُّرُقُ فِي نَقْلِهِ عَنِ السَّبْعَةِ فَرَوَاهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُمْ دُونَ بَعْضٍ وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي فَرْشِ الْحُرُوفِ مِنْ كُتُبِ الْقِرَاءَاتِ كَالَّذِي قَبْلَهُ وَمِنْ أَشْهَرِ مَا صُنِّفَ فِي ذَلِكَ التَّيْسِيرُ لِلدَّانِيِّ وقصيدة الشاطبي وأوعية النَّشْرُ فِي الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ وَتَقْرِيبِ النَّشْرِ كِلَاهُمَا لِابْنِ الْجَزَرِيِّ.
الثَّالِثُ: الْآحَادُ وَهُوَ مَا صَحَّ سَنَدُهُ وَخَالَفَ الرَّسْمَ أَوِ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ لَمْ يَشْتَهِرْ الِاشْتِهَارَ الْمَذْكُورَ وَلَا يُقْرَأُ بِهِ وَقَدْ عَقَدَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ لِذَلِكَ بَابًا أَخْرَجَا فِيهِ شَيْئًا كَثِيرًا صَحِيحَ الإسناد من ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْجَحْدَرَيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ: "مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفَارِفَ خضر وعبقري حِسَانٍ".
وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه قَرَأَ: "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّاتِ أَعْيُنٍ".
وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفَسِكُمْ" بِفَتْحِ الْفَاءِ. وَأَخْرَجَ عَنْ عائشة أنه قَرَأَ: "فَرُوحٌ وَرَيْحَانٌ" يَعْنِي بِضَمِّ الرَّاءِ.
الرَّابِعُ: الشَّاذُّ وَهُوَ مَا لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهُ وَفِيهِ كُتُبٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ ذَلِكَ قِرَاءَةُ: "مَلَكَ يَوْمَ الدِّينِ" بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَنَصْبِ " يَوْمَ " وَ" إِيَّاكَ يُعْبَدُ "بِبِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ.
الْخَامِسُ: الْمَوْضُوعُ كَقِرَاءَاتِ الْخُزَاعِيِّ.
وَظَهَرَ لِي سَادِسٌ يُشْبِهُهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ الْمُدْرَجِ وَهُوَ مَا زِيدَ فِي الْقِرَاءَاتِ عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ كَقِرَاءَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: "وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ " أَخْرَجَهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
وَقِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ ". أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ.
وَقِرَاءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَسْتَعِينُونَ بِاللَّهِ عَلَى مَا أصابهم " قال عمر: فَمَا أَدْرِي: أَكَانَتْ قِرَاءَتَهُ أَمْ فَسَّرَ؟ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وأخرجه ابن الأنبا ري وَجَزَمَ بِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ.
وَأَخْرَجَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: "وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا"الْوُرُودُ الدُّخُولُ. قَالَ ابْنُ الأنبا ري: قَوْلُهُ: "الْوُرُودُ الدُّخُولُ "، تَفْسِيرٌ مِنَ الْحَسَنِ لِمَعْنَى الْوُرُودِ وَغَلِطَ فِيهِ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَأَلْحَقَهُ بِالْقُرْآنِ.
قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: وَرُبَّمَا كَانُوا يُدْخِلُونَ التَّفْسِيرَ فِي الْقِرَاءَةِ إِيضَاحًا وَبَيَانًا لِأَنَّهُمْ مُحَقِّقُونَ لِمَا تَلَقَّوْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قُرْآنًا فَهُمْ آمِنُونَ مِنَ الِالْتِبَاسِ وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ يَكْتُبُهُ مَعَهُ.
وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إِنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانَ يُجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِالْمَعْنَى فَقَدْ كَذَبَ. انْتَهَى.
وَسَأُفْرِدُ فِي هَذَا النَّوْعِ - أَعْنِي الْمُدَرَجَ - تَأْلِيفًا مُسْتَقِلًّا.
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: لَا خِلَافَ أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا فِي أَصْلِهِ وَأَجْزَائِهِ وَأَمَّا فِي مَحَلِّهِ وَوَضْعِهِ وَتَرْتِيبِهِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَهْلِ السُّنَّةِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِالتَّوَاتُرِ فِي تَفَاصِيلِ مِثْلِهِ لِأَنَّ هَذَا الْمُعْجِزَ الْعَظِيمَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ جُمَلِهِ وَتَفَاصِيلِهِ فَمَا نُقِلَ آحَادًا وَلَمْ يَتَوَاتَرْ يُقْطَعُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ قَطْعًا.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّ التَّوَاتُرَ شَرْطٌ فِي ثُبُوتِ مَا هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ بِحَسَبِ أَصْلِهِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي مَحَلِّهِ وَوَضْعِهِ وَتَرْتِيبِهِ بَلْ يَكْثُرُ فِيهَا نَقْلُ الْآحَادِ. قِيلَ: وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ صُنْعُ الشَّافِعِيِّ فِي إِثْبَاتِ الْبَسْمَلَةِ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ.
وَرُدَّ هَذَا الْمَذْهَبُ بِأَنَّ الدَّلِيلَ السَّابِقَ يَقْتَضِي التَّوَاتُرَ فِي الْجَمِيعِ ولأنه ولم يُشْتَرَطْ لَجَازَ سُقُوطُ كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُكَرَّرِ وَثُبُوتُ كَثِيرٍ مِمَّا لَيْسَ بِقُرْآنٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نَشْتَرِطِ التَّوَاتُرَ فِي الْمَحَلِّ جاز ألا يتواتر كثير من المتكررات الْوَاقِعَةِ فِي الْقُرْآنِ مِثْلِ: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَوَاتَرْ بَعْضُ الْقُرْآنِ بِحَسَبِ الْمَحَلِّ جَازَ إِثْبَاتُ ذَلِكَ الْبَعْضِ فِي الْمَوْضِعِ بِنَقْلِ الْآحَادِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي الِانْتِصَارِ: ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى إِثْبَاتِ قُرْآنٍ حُكْمًا لَا عِلْمًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ دُونَ الِاسْتِفَاضَةِ وَكَرِهَ ذَلِكَ أَهْلُ الْحَقِّ وَامْتَنَعُوا مِنْهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ: إِنَّهُ يَسُوغُ إِعْمَالُ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فِي إِثْبَاتِ قِرَاءَةٍ وَأَوْجُهٍ وَأَحْرُفٍ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَوْجُهُ صَوَابًا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ بِهَا وَأَبَى ذَلِكَ أَهْلُ الحق وأنكروه وخطؤوا مَنْ قَالَ بِهِ. انْتَهَى.
وَقَدْ بَنَى الْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ قَالَ بِإِنْكَارِ الْبَسْمَلَةِ قَوْلَهُمْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَقَرَّرُوهُ بِأَنَّهَا لَمْ تَتَوَاتَرْ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ وَمَا لَمْ يَتَوَاتَرْ فَلَيْسَ بِقُرْآنٍ.
وَأُجِيبُ مِنْ قِبَلِنَا بِمَنْعِ كَوْنِهَا لَمْ تَتَوَاتَرْ فَرُبَّ مُتَوَاتِرٍ عِنْدَ قَوْمٍ دُونَ آخَرِينَ وَفِي وَقْتٍ دُونَ آخَرَ وَيَكْفِي فِي تَوَاتُرِهَا إِثْبَاتُهَا فِي مَصَاحِفِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ بِخَطِّ الْمُصْحَفِ مَعَ مَنْعِهِمْ أَنْ يُكْتَبَ فِي الْمُصْحَفِ مَا لَيْسَ مِنْهُ كَأَسْمَاءِ السُّوَرِ وَآمِينَ وَالْأَعْشَارِ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا لَمَا اسْتَجَازُوا إِثْبَاتَهَا بِخَطِّهِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى اعْتِقَادِهَا فَيَكُونُونَ مُغَرِّرِينَ بِالْمُسْلِمِينَ حَامِلِينَ لَهُمْ عَلَى اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ قُرْآنًا وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ فِي الصَّحَابَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهَا أُثْبِتَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّورِ أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا فِيهِ تَغْرِيرٌ وَلَا يَجُوزُ ارْتِكَابُهُ لِمُجَرَّدِ الْفَصْلِ وَلَوْ كَانَتْ لَهُ لَكُتِبَتْ بَيْنَ بَرَاءَةٌ وَالْأَنْفَالِ.
وَيَدُلُّ لِكَوْنِهَا قُرْآنًا مُنَزَّلًا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
…
الْحَدِيثِ، وَفِيهِ وَعَدَّ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آيَةً وَلَمْ يَعُدَّ: {عَلَيْهِمْ} .
وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ سعيد ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اسْتَرَقَ الشَّيْطَانُ مِنَ النَّاسِ أَعْظَمَ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ".
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وابن مروديه بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَغْفَلَ النَّاسُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى أَحَدٍ سِوَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ".
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَا أَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى أُخْبِرَكَ بِآيَةٍ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى نَبِيٍّ بَعْدَ سُلَيْمَانَ غَيْرِي " ثُمَّ قَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَفْتَتِحُ الْقُرْآنَ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ؟، قُلْتُ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ: "هِيَ هِيَ ".
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى تَنْزِلَ عَلَيْهِ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} زاده الْبَزَّارُ: "فَإِذَا نَزَلَتْ عَرَفَ أَنَّ السُّورَةَ قَدْ خُتِمَتْ وَاسْتَقْبَلَتْ أَوِ ابْتُدِئَتْ سُورَةٌ أُخْرَى ".
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَعْلَمُونَ انْقِضَاءَ السُّورَةِ حَتَّى تَنْزِلَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، فَإِذَا نَزَلَتْ عَلِمُوا أَنَّ السُّورَةَ قَدِ انْقَضَتْ" إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَرَأَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} عَلِمَ أَنَّهَا سُورَةٌ. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَعْلَمُ فَصْلًا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ حَتَّى تَنْزِلَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
قَالَ أَبُو شَامَةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وقت عرضه عَلَى جِبْرِيلَ كَانَ لَا يَزَالُ يَقْرَأُ فِي السُّورَةِ إِلَى أَنْ يَأْمُرَهُ جِبْرِيلُ بِالتَّسْمِيَةِ فَيَعْلَمُ أَنَّ السورة قد انقضت. وعبر بِلَفْظِ النُّزُولِ إِشْعَارًا بِأَنَّهَا قُرْآنٌ فِي جَمِيعِ أَوَائِلِ السُّوَرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ جَمِيعَ آيَاتِ كُلِّ سُورَةٍ كَانَتْ تَنْزِلُ قَبْلَ نُزُولِ الْبَسْمَلَةِ فَإِذَا كَمُلَتْ آيَاتُهَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْبَسْمَلَةِ وَاسْتَعْرَضَ السُّورَةَ فَيَعْلَمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَدْ خُتِمَتْ وَلَا يُلْحَقُ بِهَا شَيْءٌ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، قِيلَ: فَأَيْنَ السَّابِعَةُ قَالَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ السَّبْعِ الْمَثَانِي،
فَقَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا هِيَ سِتُّ آيَاتٍ فَقَالَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آيَةٌ.
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "كَانَ جِبْرِيلُ إِذَا جَاءَنِي بِالْوَحْيِ أَوَّلُ مَا يُلْقِي عَلَيَّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ".
وَأَخْرَجَ الْوَاحِدِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ نَزَلَتْ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فِي كُلِّ سُورَةٍ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ ثَالِثٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وَإِذَا خَتَمَ السُّورَةَ قَرَأَهَا وَيَقُولُ مَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ إِلَّا لِتُقْرَأَ.
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا قَرَأْتُمِ الْحَمْدُ فاقرؤوا: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ المثاني وبسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِحْدَى آيَاتِهَا ".
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إذا أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}
…
الْحَدِيثَ.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُعْطِي التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ بِكَوْنِهَا قُرْآنًا مُنَزَّلًا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ.
وَمِنَ الْمُشْكِلِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخَرُ الدِّينِ قَالَ: نُقِلَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُنْكِرُ كَوْنَ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ وَالْمُعَوِّذِتَيْنِ
مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ لِأَنَّا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ النَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ كَانَ حَاصِلًا فِي عصر الصحابة بكون ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِنْكَارُهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ وَإِنْ قُلْنَا: لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَيَلْزَمُ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ فِي الْأَصْلِ. قَالَ: وَإِلَّا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ نَقْلَ هَذَا الْمَذْهَبِ عن ابن مسعود نَقْلٌ بَاطِلٌ وَبِهِ يَحْصُلُ الْخَلَاصُ عَنْ هَذِهِ الْعُقْدَةِ. وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا حُفِظَ عَنْهُ. إِنَّمَا حَكَّهَا وَأَسْقَطَهَا مِنْ مُصْحَفِهِ إِنْكَارًا لِكِتَابَتِهَا لَا جَحْدًا لِكَوْنِهَا قُرْآنًا لِأَنَّهُ كَانَتِ السُّنَّةُ عِنْدَهُ أَلَّا يُكْتَبَ فِي الْمُصْحَفِ إِلَّا مَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِثْبَاتِهِ فِيهِ وَلَمْ يَجِدْهُ كَتَبَ ذَلِكَ وَلَا سَمِعَهُ أَمَرَ بِهِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالْفَاتِحَةَ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَنَّ مَنْ جَحَدَ مِنْهَا شَيْئًا كَفَرَ وَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَاطِلٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى: هَذَا كَذِبٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَمَوْضُوعٌ وَإِنَّمَا صَحَّ عَنْهُ قِرَاءَةُ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْهُ وَفِيهَا الْمُعَوِّذَتَانِ وَالْفَاتِحَةُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: قَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنْكَارُ ذَلِكَ فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفِهِ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْمُصْحَفِ وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُتَعَوَّذَ بهما وكان لَا يَقْرَأُ بِهِمَا أَسَانِيدُهُ صَحِيحَةٌ.
قال البزار: لم يُتَابِعِ ابْنَ مَسْعُودٍ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ بِهِمَا فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَقَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ كَذِبٌ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ وَالطَّعْنُ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ لَا يُقْبَلُ بَلِ الرِّوَايَاتُ صَحِيحَةٌ وَالتَّأْوِيلُ مُحْتَمَلٌ.
قَالَ: وَقَدْ أَوَّلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى إِنْكَارِ الْكِتَابَةِ كَمَا سَبَقَ. قَالَ: وَهُوَ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّرِيحَةَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا تَدْفَعُ ذَلِكَ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا: "وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ " قَالَ: وَيُمْكِنُ حَمْلُ لَفْظِ " كِتَابِ اللَّهِ " عَلَى الْمُصْحَفِ فَيَتِمُّ التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ. قَالَ: لَكِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ سِيَاقَ الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ اسْتَبْعَدَ هَذَا الْجَمْعَ.
قَالَ: وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ الصَّبَّاغِ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ الْقَطْعُ بِذَلِكَ ثُمَّ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمَا كَانَتَا مُتَوَاتِرَتَيْنِ فِي عَصْرِهِ لَكِنَّهُمَا لَمْ يَتَوَاتَرَا عِنْدَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةُ فِي مُشَكِلِ الْقُرْآنِ: ظَنَّ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ لَيْسَتَا مِنَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُعَوِّذُ بِهِمَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَأَقَامَ عَلَى ظَنِّهِ وَلَا يقول: إِنَّهُ أَصَابَ فِي ذَلِكَ وَأَخْطَأَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ قَالَ: وَأَمَّا إِسْقَاطُهُ الْفَاتِحَةَ مِنْ مُصْحَفِهِ فَلَيْسَ لِظَنِّهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ مَعَاذَ اللَّهِ! وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا كُتِبَ وَجُمِعَ بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ مَخَافَةَ الشَّكِّ وَالنِّسْيَانِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مَأْمُونٌ فِي سُورَةِ الْحَمْدُ لِقِصَرِهَا وَوُجُوبِ تَعَلُّمِهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ.
قُلْتُ وَإِسْقَاطُهُ الْفَاتِحَةَ مِنْ مُصْحَفِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ النَّوْعِ التَّاسِعَ عَشَرَ.
التَّنْبِيهُ الثَّانِي
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبُرْهَانِ: الْقُرْآنُ وَالْقِرَاءَاتُ حَقِيقَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ فَالْقُرْآنُ هُوَ الْوَحْيُ المنزل على محمد لِلْبَيَانِ وَالْإِعْجَازِ وَالْقِرَاءَاتُ اخْتِلَافُ أَلْفَاظِ الْوَحْيِ الْمَذْكُورِ فِي الْحُرُوفِ أَوْ كَيْفِيَّتِهَا مِنْ تَخْفِيفٍ وَتَشْدِيدٍ وَغَيْرِهِمَا وَالْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: بَلْ مَشْهُورَةٌ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ عَنِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ أَمَّا تَوَاتُرُهَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ إِسْنَادَهُمْ بِهَذِهِ الْقِرَاءَاتِ السبعة مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْقِرَاءَاتِ وَهِيَ نَقْلُ الْوَاحِدِ عَنِ الْوَاحِدِ.
قُلْتُ: فِي ذَلِكَ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي وَاسْتَثْنَى أَبُو شَامَةَ - كَمَا تَقَدَّمَ الْأَلْفَاظَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا عَنِ الْقُرَّاءِ.
وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْحَاجِبِ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ كَالْمَدِّ وَالْإِمَالَةِ وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَقُّ أَنَّ أَصْلَ الْمَدِّ وَالْإِمَالَةِ مُتَوَاتِرٌ وَلَكِنَّ التَّقْدِيرَ غَيْرُ مُتَوَاتِرٍ لِلِاخْتِلَافِ فِي كَيْفِيَّتِهِ. كَذَا قَالَ: الزَّرْكَشِيُّ، قَالَ: وَأَمَّا أَنْوَاعُ تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ فَكُلُّهَا مُتَوَاتِرَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَقَدَّمَ ابْنَ الْحَاجِبِ إِلَى ذَلِكَ وَقَدْ نَصَّ عَلَى تَوَاتُرِ ذَلِكَ كُلِّهِ أَئِمَّةُ الأصول كالقاضي أبو بَكْرٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ تَوَاتُرُ اللَّفْظِ ثَبَتَ تَوَاتُرُ هَيْئَةِ أَدَائِهِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَقُومُ إِلَّا بِهِ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِوُجُودِهِ
التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ
قَالَ أَبُو شَامَةَ: ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ الْمَوْجُودَةُ الْآنَ هِيَ الَّتِي أُرِيدَتْ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَاطِبَةً وَإِنَّمَا يَظُنُّ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَهْلِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَمَّارٍ: لَقَدْ نَقَلَ مُسَبِّعٌ هَذِهِ السَّبْعَةَ مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ وَأَشْكَلَ الْأَمْرَ عَلَى الْعَامَّةِ بِإِيهَامِهِ كُلَّ مَنْ قَلَّ نَظَرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْخَبَرِ وَلَيْتَهُ إِذَا اقْتَصَرَ نَقَصَ عَنِ السَّبْعَةِ أَوْ زَادَ لِيُزِيلَ الشُّبْهَةَ.
وَوَقْعَ لَهُ أَيْضًا فِي اقْتِصَارِهِ عَنْ كُلِّ إِمَامٍ عَلَى رَاوِيَيْنِ أَنَّهُ صَارَ مَنْ سَمِعَ قِرَاءَةَ رَاوٍ ثَالِثٍ غَيْرِهِمَا أَبْطَلَهَا وَقَدْ تَكُونُ هِيَ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ وَأَظْهَرُ وَرُبَّمَا بَالَغَ مَنْ لَا يَفْهَمُ فَخَطَّأَ أَوْ كَفَّرَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: لَيْسَتْ هَذِهِ السَّبْعَةُ مُتَعَيِّنَةً لِلْجَوَازِ حَتَّى لَا يَجُوزَ غَيْرُهَا كَقِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ وَشَيْبَةَ وَالْأَعْمَشِ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِثْلُهُمْ أَوْ فَوْقَهُمْ.
وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَكِّيٌّ وأبو الْعَلَاءِ الْهَمَذَانِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: لَيْسَ فِي كِتَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ إِلَّا النَّزْرُ الْيَسِيرُ فَهَذَا أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ اشْتُهِرَ عَنْهُ سَبْعَةُ عَشَرَ رَاوِيًا ثُمَّ سَاقَ أَسْمَاءَهُمْ وَاقْتَصَرَ فِي كِتَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَلَى الْيَزِيدِيِّ وَاشْتُهِرَ عَنِ الْيَزِيدِيِّ عَشْرَةُ أَنْفُسٍ فَكَيْفَ يَقْتَصِرُ عَلَى السُّوسِيِّ وَالدُّورِيِّ وَلَيْسَ لَهُمَا مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِمَا! لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَشْتَرِكُونَ فِي الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي الْأَخْذِ.
قَالَ: وَلَا أَعْرِفُ لِهَذَا سَبَبًا إِلَّا مَا قُضِيَ مِنْ نَقْصِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ مَكِّيٌّ: مَنْ ظَنَّ أَنَّ قِرَاءَةَ هَؤُلَاءِ الْقُرَّاءِ كَنَافِعٍ وَعَاصِمٍ هِيَ الْأَحْرُفُ
السَّبْعَةُ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا عَظِيمًا قَالَ: وَيَلْزَمُ من هذا أَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ مِمَّا ثَبَتَ عَنِ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَوَافَقَ خَطَّ الْمُصْحَفِ أَلَّا يَكُونَ قُرْآنًا وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ فَإِنَّ الَّذِينَ صَنَّفُوا الْقِرَاءَاتِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ وَأَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَإِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي قَدْ ذَكَرُوا أَضْعَافَ هَؤُلَاءِ وَكَانَ النَّاسُ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ عَلَى قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو وَيَعْقُوبَ وَبِالْكُوفَةِ عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَعَاصِمٍ وَبِالشَّامِ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وَبِمَكَّةَ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وَبِالْمَدِينَةِ عَلَى قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ عَلَى رَأْسِ الثَّلَاثِمِائَةِ أَثْبَتَ ابْنُ مُجَاهِدٍ اسْمَ الْكِسَائِيَّ وَحَذَفَ يَعْقُوبَ. قَالَ: وَالسَّبَبُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى السَّبْعَةِ - مَعَ أَنَّ فِي أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْهُمْ قدرا ومثلهم أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِهِمْ - أَنَّ الرُّوَاةَ عَنِ الْأَئِمَّةِ كَانُوا كَثِيرًا جِدًا فَلَمَّا تَقَاصَرَتِ الْهِمَمُ اقْتَصَرُوا مِمَّا يُوَافِقُ خَطَّ الْمُصْحَفِ عَلَى مَا يَسْهُلُ حِفْظُهُ وَتَنْضَبِطُ الْقِرَاءَةُ بِهِ فَنَظَرُوا إِلَى مَنِ اشْتُهِرَ بِالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ وَطُولِ الْعُمُرِ فِي مُلَازَمَةِ القراءة وَالِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَخْذِ عَنْهُ فَأَفْرَدُوا مِنْ كُلِّ مِصْرٍ إِمَامًا وَاحِدًا وَلَمْ يَتْرُكُوا مَعَ ذَلِكَ نَقْلَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْقِرَاءَاتِ وَلَا الْقِرَاءَةَ بِهِ كَقِرَاءَةِ يَعْقُوبَ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَشَيْبَةَ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ: وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ جُبَيْرٍ الْمَكِّيُّ قَبْلَ ابْنِ مُجَاهِدٍ كِتَابًا فِي الْقِرَاءَاتِ فَاقْتَصَرَ عَلَى خَمْسَةٍ اخْتَارَ مِنْ كُلِّ مِصْرٍ إِمَامًا وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَصَاحِفَ الَّتِي أَرْسَلَهَا عُثْمَانُ كَانَتْ خَمْسَةً إِلَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ وَيُقَالُ: إِنَّهُ وَجَّهَ بِسَبْعَةٍ: هَذِهِ الْخَمْسَةَ وَمُصْحَفًا إِلَى الْيَمَنِ وَمُصْحَفًا إِلَى الْبَحْرَيْنِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يُسْمَعْ لِهَذَيْنِ الْمُصْحَفَيْنِ خَبَرٌ وَأَرَادَ ابْنُ مُجَاهِدٍ وَغَيْرُهُ مُرَاعَاةَ عَدَدِ المصاحف استبدلوا من مصحف الْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَنِ قَارِئَيْنِ كَمُلَ بِهِمَا الْعَدَدُ فَصَادَفَ ذَلِكَ مُوَافَقَةَ الْعَدَدِ الَّذِي وَرَدَ الْخَبَرُ بِهِ فَوَقَعَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِطْنَةٌ،
فَظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ. وَالْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ صِحَّةُ السَّنَدِ فِي السَّمَاعِ وَاسْتِقَامَةُ الْوَجْهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَمُوَافَقَةُ الرَّسْمِ وَأَصَحُّ الْقِرَاءَاتِ سَنَدًا نَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَأَفْصَحُهَا أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ.
وَقَالَ الْقَرَّابُ فِي الشَّافِي: التَّمَسُّكُ بِقِرَاءَةِ سَبْعَةٍ مِنَ الْقُرَّاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ لَيْسَ فِيهِ أَثَرٌ وَلَا سُنَّةٌ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جَمْعِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَانْتَشَرَ وَأَوْهَمَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
وَقَالَ الْكَوَاشِيُّ: كُلُّ مَا صَحَّ سَنَدُهُ وَاسْتَقَامَ وَجْهُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَوَافَقَ خَطَّ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ فَهُوَ مِنَ السَّبْعَةِ الْمَنْصُوصَةِ وَمَتَى فُقِدَ شَرْطٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ الشَّاذُّ.
وَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ عَلَى مَنْ ظَنَّ انْحِصَارَ الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِي مِثْلِ مَا فِي التيسير والشاطبية وَآخِرُ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: قَالَ الْأَصْحَابُ: تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ ولا تجوز بالشاذة وَظَاهِرُ هَذَا يُوهِمُ أَنَّ غَيْرَ السَّبْعِ الْمَشْهُورَةِ مِنَ الشَّوَاذِّ وَقَدْ نَقَلَ الْبَغَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِقِرَاءَةِ يَعْقُوبَ وَأَبِي جَعْفَرٍ مَعَ السَّبْعِ الْمَشْهُورَةِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ.
قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَارِجَ عَنِ السَّبْعِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهُ مَا يُخَالِفُ رَسْمَ الْمُصْحَفِ فَهَذَا لَا شك فيه أَنَّهُ لَا تَجُوزُ قِرَاءَتُهُ لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا.
وَمِنْهُ مَا لَا يُخَالِفُ رَسْمَ الْمُصْحَفِ وَلَمْ تَشْتَهِرِ الْقِرَاءَةُ بِهِ وَإِنَّمَا وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ غَرِيبٍ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا وَهَذَا يَظْهَرُ الْمَنْعُ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِهِ أَيْضًا. ومنه ما اشتهر
عند أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ الْقِرَاءَةُ بِهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَهَذَا لَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ مِنْهُ وَمِنْ ذَلِكَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ وَغَيْرُهُ.
قَالَ وَالْبَغَوِيُّ: أَوْلَى مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُقْرِئٌ فَقِيهٌ جَامِعٌ لِلْعُلُومِ قَالَ: وَهَكَذَا التَّفْصِيلُ فِي شَوَاذِّ السَّبْعَةِ فَإِنَّ عَنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا شَاذًّا. انْتَهَى.
وَقَالَ وَلَدُهُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ: إِنَّمَا قُلْنَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَالسَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ ثُمَّ قُلْنَا فِي الشَّاذِّ وَالصَّحِيحِ: إِنَّهُ مَا وَرَاءَ الْعَشَرَةِ وَلَمْ نَقُلْ: وَالْعَشْرُ مُتَوَاتِرَةٌ لِأَنَّ السَّبْعَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي تَوَاتُرِهَا فَذَكَرْنَا أَوَّلًا مَوْضِعَ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ عَطَفْنَا عَلَيْهِ مَوْضِعَ الْخِلَافِ. قَالَ: عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثَ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ وَلَا يَصِحُّ الْقَوْلَ بِهِ عَمَّنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي الدِّينِ وَهِيَ لَا تُخَالِفُ رَسْمَ الْمُصْحَفِ. قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ أَبِي يُشَدِّدُ النَّكِيرَ عَلَى بَعْضِ الْقُضَاةِ وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّهُ مَنَعَ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِهَا وَاسْتَأْذَنَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَرَّةً فِي إِقْرَاءِ السَّبْعِ فَقَالَ أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تقرئ الْعَشْرَ. انْتَهَى.
وَقَالَ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ سَأَلَهُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الشَّاطِبِيُّ وَالثُّلَاثُ الَّتِي هِيَ قِرَاءَةُ أَبِي جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبَ وَخَلَفٍ مُتَوَاتِرَةٌ مَعْلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَكُلُّ حَرْفٍ انْفَرَدَ بِهِ وَاحِدٌ مِنَ الْعَشَرَةِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُكَابِرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا جَاهِلٌ.
التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ
بِاخْتِلَافِ الْقِرَاءَاتِ يَظْهَرُ الِاخْتِلَافُ فِي الْأَحْكَامِ وَلِهَذَا بَنَى الْفُقَهَاءُ نَقْضَ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ وَعَدَمِهِ عَلَى اخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِي: "لَمَسْتُمُ "وَ: "لامستم ".
وَجَوَازَ وَطْءِ الْحَائِضِ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ قَبْلَ الْغُسْلِ وَعَدَمِهِ عَلَى الِاخْتِلَافِ في: "يطهرن"وَقَدْ حَكَوْا خِلَافًا غَرِيبًا فِي الْآيَةِ إِذَا قرأت بقراءتين فَحَكَى أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي كِتَابِ الْبُسْتَانِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّهَ قَالَ بِهِمَا جَمِيعًا وَالثَّانِي أَنَّ اللَّهَ قَالَ بِقِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا أَنَّهُ أَذِنَ أَنْ نَقْرَأَ بِقِرَاءَتَيْنِ. ثُمَّ اخْتَارَ تَوَسُّطًا وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِكُلِّ قِرَاءَةٍ تَفْسِيرٌ يُغَايِرُ الْآخَرَ فَقَدْ قَالَ بِهِمَا جَمِيعًا وَتَصِيرُ الْقِرَاءَتَانِ بِمَنْزِلَةِ آيَتَيْنِ، مِثْلُ:"حَتَّى يَطْهُرْنَ " وَإِنْ كان تفسيرهما واحدا كـ"البيوت" و " البيوت " فإنما قال بإحداهما، وَأَجَازَ الْقِرَاءَةَ بِهِمَا لِكُلِّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَا تَعَوَّدَ لِسَانُهُمْ.
قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: إِذَا قُلْتُمْ إِنَّهُ قَالَ بِإِحْدَاهُمَا فَأَيُّ الْقِرَاءَتَيْنِ هِيَ؟ قُلْنَا: الَّتِي بِلُغَةِ قُرَيْشٍ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: لِاخْتِلَافِ الْقِرَاءَاتِ وَتَنَوُّعِهَا فَوَائِدٌ:
مِنْهَا: التَّهْوِينُ وَالتَّسْهِيلُ وَالتَّخْفِيفُ عَلَى الْأُمَّةِ.
وَمِنْهَا: إِظْهَارُ فَضْلِهَا وَشَرَفِهَا عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ إِذْ لَمْ يَنْزِلُ كِتَابُ غَيْرِهِمْ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ.
وَمِنْهَا: إِعْظَامُ أَجْرِهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ يُفْرِغُونَ جُهْدَهُمْ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ وَضَبْطِهِ لَفْظَةً لَفْظَةً حَتَّى مَقَادِيرِ الْمَدَّاتِ وَتَفَاوُتِ الْإِمَالَاتِ ثُمَّ فِي تَتَبُّعِ مَعَانِي ذَلِكَ وَاسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ وَالْأَحْكَامِ مِنْ دَلَالَةِ كُلِّ لَفْظٍ وَإِمْعَانِهِمُ الْكَشْفَ عَنِ التَّوْجِيهِ وَالتَّعْلِيلِ وَالتَّرْجِيحِ.
وَمِنْهَا: إِظْهَارُ سِرِّ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ وَصِيَانَتُهُ لَهُ عَنِ التَّبْدِيلِ وَالِاخْتِلَافِ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْكَثِيرَةِ.
وَمِنْهَا: الْمُبَالَغَةُ فِي إِعْجَازِهِ بِإِيجَازِهِ إِذْ تَنَوُّعُ الْقِرَاءَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْآيَاتِ وَلَوْ جُعِلَتْ دَلَالَةُ كُلِّ لَفْظٍ آيَةً عَلَى حِدَةٍ لَمْ يَخْفَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ التَّطْوِيلِ وَلِهَذَا كان قوله: {وَأَرْجُلَِكُمْ} مُنَزَّلًا لِغَسْلِ الرِّجْلِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَاللَّفْظُ الواحد لَكِنْ بِاخْتِلَافِ إِعْرَابِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ بَعْضَ الْقِرَاءَاتِ يُبَيِّنُ مَا لَعَلَّهُ يجهل في القراءة الْأُخْرَى فَقِرَاءَةُ: "يَطَّهَّرْنَ " بِالتَّشْدِيدِ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنَى قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ وَقِرَاءَةُ: "فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ " تُبَيِّنُ أَنَّ المراد بقراءة: "فاسعوا "الذَّهَابُ لَا الْمَشْيُ السَّرِيعُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ: الْمَقْصِدُ مِنَ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ تَفْسِيرُ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ وَتَبْيِينُ مَعَانِيهَا كَقِرَاءَةِ عَائِشَةَ وحفصة " والصلاة الوسطى صَلَاةِ الْعَصْرِ "،وَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ:"فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا " وَقِرَاءَةِ جَابِرٍ: "فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ " قَالَ: فَهَذِهِ الْحُرُوفُ وَمَا شَاكَلَهَا قَدْ صَارَتْ مُفَسِّرَةً لِلْقُرْآنِ وَقَدْ كَانَ يُرْوَى مِثْلُ هَذَا عَنِ التَّابِعِينَ
فِي التَّفْسِيرِ فَيُسْتَحْسَنُ فَكَيْفَ إِذَا رُوِيَ عَنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ صَارَ فِي نَفْسِ الْقِرَاءَةِ فَهُوَ أَكْثَرُ مِنَ التَّفْسِيرِ وَأَقْوَى فَأَدْنَى مَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ مَعْرِفَةُ صِحَّةِ التَّأْوِيلِ. انْتَهَى.
وَقَدِ اعتنيت في كتاب أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ بِبَيَانِ كُلِّ قِرَاءَةٍ أَفَادَتْ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ.
التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ
اخْتُلِفَ فِي الْعَمَلِ بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ فَنَقَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ عَنْ ظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَتَبِعَهُ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ نَقَلَهُ عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ وَلَمْ يَثْبُتْ. وَذَكَرَ الْقَاضِيَانِ: أَبُو الطَّيِّبِ وَالْحُسَيْنُ وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ الْعَمَلَ بِهَا تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَةَ خَبَرِ الْآحَادِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السُّبْكِيِّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وشرح الْمُخْتَصَرِ. وَقَدِ احْتَجَّ الْأَصْحَابُ عَلَى قَطْعِ يَمِينِ السَّارِقِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا. وَاحْتَجَّ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِقِرَاءَتِهِ: "مُتَتَابِعَاتٍ "وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهَا أَصْحَابُنَا لِثُبُوتِ نَسْخِهَا كَمَا سَيَأْتِي.
التَّنْبِيهُ السَّادِسُ
مِنَ الْمُهِمِّ مَعْرِفَةُ تَوْجِيهِ الْقِرَاءَاتِ وَقَدِ اعْتَنَى بِهِ الْأَئِمَّةُ وَأَفْرَدُوا فِيهِ
كُتُبًا مِنْهَا الْحُجَّةُ لِأَبِي عَلِيٍّ الفارسي والكشف لمكي والهداية للمهدوي والمحتسب فِي تَوْجِيهِ الشَّوَاذِّ لِابْنِ جِنِّيٍّ قَالَ الْكَوَاشِيُّ وفائدته أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى حَسَبِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ أَوْ مُرَجِّحًا إِلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ تُرَجَّحُ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى تَرْجِيحًا يَكَادُ يُسْقِطُهَا وَهَذَا غَيْرُ مَرَضِيٍّ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَوَاتِرٌ.
وَقَدْ حَكَى أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتِ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا اخْتَلَفَ الْإِعْرَابَانِ فِي القرآن لَمْ أُفَضِّلْ إِعْرَابًا عَلَى إِعْرَابٍ فَإِذَا خَرَجْتُ إِلَى كَلَامِ النَّاسِ فَضَّلْتُ الْأَقْوَى.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: السَّلَامَةُ عِنْدَ أَهْلِ الدِّينِ إِذَا صَحَّتِ الْقِرَاءَتَانِ أَلَّا يُقَالَ: إِحْدَاهُمَا أَجْوَدُ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيَأْثَمُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَكَانَ رُؤَسَاءُ الصَّحَابَةِ يُنْكِرُونَ مِثْلَ هَذَا.
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: أَكْثَرَ الْمُصَنِّفُونَ مِنَ التَّرْجِيحِ بَيْنَ قِرَاءَةِ " مَالِكِ " وَ " مَلِكَ " حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ يبالغ إِلَى حَدٍّ يَكَادُ يُسْقِطُ وَجْهَ الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى وَلَيْسَ هَذَا بِمَحْمُودٍ بَعْدَ ثُبُوتِ الْقِرَاءَتَيْنِ. انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ تَوْجِيهُ الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ أَقْوَى فِي الصِّنَاعَةِ مِنْ تَوْجِيهِ الْمَشْهُورَةِ.
خَاتِمَةٌ
قَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَقُولُوا: قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وَقِرَاءَةُ سَالِمٍ وَقِرَاءَةُ أُبَيٍّ وَقِرَاءَةَ زَيْدٍ بَلْ يُقَالُ فُلَانٌ كَانَ يَقْرَأُ بِوَجْهِ كَذَا وَفُلَانٌ يَقْرَأُ بِوَجْهِ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ.