المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تواضع النبي صلى الله عليه وسلم - دلائل النبوة - السقار

[منقذ السقار]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌إخباره صلى الله عليه وسلم بغيوب تحققت في حياته

- ‌إخباره صلى الله عليه وسلم بالغيوب المستقبلة التي تحققت بعد وفاته

- ‌إخباره صلى الله عليه وسلم بكيفية ومكان وفاة بعض معاصريه

- ‌رابعاً: إخباره صلى الله عليه وسلم بأخبار الفتن

- ‌إخباره صلى الله عليه وسلم بفتوح أمته للبلدان

- ‌إخباره صلى الله عليه وسلم بأخبار آخر الزمان وعلامات الساعة

- ‌المعجزات الحسية للرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌تكثير الطعام والشراب والوضوء ببركة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌شفاء المرضى بنفْثِه وريقه صلى الله عليه وسلم

- ‌استجابة الله دعاءه صلى الله عليه وسلم

- ‌حماية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم

- ‌دلالة القرآن الكريم على نبوته صلى الله عليه وسلم

- ‌شهادات الكتب السابقة وأتباعها بالنبي صلى الله عليه وسلم

- ‌دلالة أخلاقه وأحواله صلى الله عليه وسلم على نبوته

- ‌كرم النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌حلم النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌زهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌تواضع النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌تعبده لربه وخوفه منه

- ‌خاتمة

- ‌قائمة المصادر والمراجع

الفصل: ‌تواضع النبي صلى الله عليه وسلم

‌تواضع النبي صلى الله عليه وسلم

-

ولقائل أن يقول: إن كثيرين قد يزهدون بالمال في سبيل الرفعة عند الناس، فما أعظمها من لذة أن يشير الناس إليه ببنانهم، وأن يستبقوا إلى إجلال الزاهد وخدمته، فيكون له في ذلك ما يدعوه على الصبر على الحرمان والفاقة.

وهذا كله صحيح، فتلك نفوس رتعت بالكبر، وأحبت من الدنيا العلو فيها.

أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد جمع إلى الزهد التواضع للناس، ولم يمنعه من ذلك جلالة قدره عند الله ورفعة مكانته عند مولاه وعند المسلمين.

ولنفتح هذ االسفر الخالد، ونقرأ فيه ما يحكيه لنا أبو رفاعة، فقد دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: يا رسول الله، رجل غريب، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه.

قال أبو رفاعة: فأقبل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك خطبته، حتى انتهى إلي، فأُتي بكرسي حسِبتُ قوائمَه حديداً قال: فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها. (1)

قال النووي: " وفيه تواضع النبي صلى الله عليه وسلم ورفقه بالمسلمين، وشفقتُه عليهم، وخَفْضُ جناحِه لهم". (2)

وحين تلاحقه صلى الله عليه وسلم نظرات الإعجاب من أصحابه، فتنساب على ألسنتهم عبارات الثناء الممزوجة بالحب، حينها كان صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن إطرائه والمبالغة في مدحه، فما فتئ لسانه يقول:((لا تطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه)). (3)

ودخل عليه رجل فقال: يا سيدَنا وابنَ سيدِنا، ويا خيرَنا وابنَ خيرِنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((يا أيها الناس عليكم بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بنُ عبدِ الله، عبدُ الله ورسولُه، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل). (4)

(1) رواه مسلم ح (876).

(2)

شرح النووي على صحيح مسلم (6/ 165).

(3)

رواه البخاري ح (3445).

(4)

رواه أحمد ح (12141).

ص: 141

وحين انطلق الصحابة إلى غزوة بدر، كانوا يتعاقبون، كلُّ ثلاثةِ نفرٍ على بعير، وكان صاحبا النبي صلى الله عليه وسلم في الركوب عليٌّ وأبو لبابة.

قال ابن مسعود: وكان إذا كانت عُقْبَة النبي صلى الله عليه وسلم[أي إذا انتهت مرحلة النبي في الركوب] قالا له: اركب حتى نمشي عنك. فيقول لهما صلى الله عليه وسلم: ((ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكُما)). (1)

وحين شرع الصحابة في حفر الخندق لم يركن النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزلته بين أصحابه، ولم يترفع النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل معهم في الحفرِ ونقلِ التراب، يقول البراء بن مالك: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، ولقد رأيته وارى الترابُ بياضَ بطنه يقول:

والله لولا أنت ما اهتدينا

ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزِلَنْ سكينة علينا

وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأعداء قد بغوا علينا

إذا أرادوا فتنة أبَينا (2)

وكان صلى الله عليه وسلم يمقت كل مظاهر الكِبْر والتميز عن الناس، ومنه كراهيته أن يقوم له أصحابُه، فقد كان يكره ذلك ويمنعهم منه، يقول أنس:(ما كان شخصٌ أحبَّ إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لِما يعلمون من كراهيته لذلك). (3)

ومن كان هذا نعته فجدير أن يبغض وقوف أحد فوق رأسه كما يُفعل للملوك، وهاهو صلى الله عليه وسلم يصلي في مرض وفاته قاعداً، وصلى أصحابه وراءه قياماً ..

يقول جابر: فالتفت إلينا، فرآنا قياماً، فأشار إلينا، فقعدنا، فصلينا بصلاته قعوداً، فلما سلم قال:((إن كدتم آنفاً لتفعلون فِعل فارسَ والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا؛ ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً)). (4)

(1) رواه أحمد ح (3769).

(2)

رواه البخاري ح (3034)، ومسلم (1803).

(3)

رواه أحمد ح (11936)، والترمذي ح (2754)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(4)

رواه مسلم ح (413).

ص: 142

وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة الداعي، كائناً ما كان طعامُه، يقول صلى الله عليه وسلم:(لو دعيتُ إلى كُراع لأجبتُ، ولو أهدي إليّ كُراعٌ لقبِلتُ). (1) والكُراع ما دون كعب الدابة.

قال ابن حجر: "وفي الحديث دليل على حُسنِ خلُقِه صلى الله عليه وسلم، وتواضُعِه وجبرِه لقلوب الناس". (2)

ورغم ازدحام وقته وشرف منزلته؛ فإنه صلى الله عليه وسلم ما كان يأنف من كثير مما يأنف منه دهماء الناس، فضلاً عن أكابرهم، فما كان صلى الله عليه وسلم يجد حرجاً أن يمشي في حاجة الضعفاء ويسعى في قضاء أمورهم، يقول عبد الله بن أبي أوفى قال:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثِر الذكر، ويُقِل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصِّر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضيَ له الحاجة). (3)

ويحكي خادمه أنس بن مالك أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة فقال:((يا أم فلان، انظري أيّ السكك شئت حتى أقضيَ لك حاجتَكِ)). قال أنس: فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها. (4)

لكن تواضعه صلى الله عليه وسلم ما كان ليمنع هيبته في صدور الناس وهم يقفون بين يديه صلى الله عليه وسلم، فقد أتاه رجل، فكلمه، فجعل الرجل ترْعَد فرائصُه، فقال له صلى الله عليه وسلم:((هون عليك، فإني لست بملكٍ، إنما أنا ابن امرأةٍ تأكل القديد)) [اللحم المجفف]. (5)

وتواضعه صلى الله عليه وسلم ليس خلقاً يتزين به أمام الناس، بل هو خُلَّة شريفة لم تفارقه حتى وهو في بيته وبين أهله، فقد سُئلت عائشة: ما كان صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: (كان يكون في مهنة أهله - تعني: خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة)، وفي رواية لأحمد:(كان بشراً من البشر، يَفْلي ثوبه، ويحلِب شاته، ويخدِمُ نفسَه). (6)

(1) رواه البخاري ح (5178).

(2)

فتح الباري (9/ 154).

(3)

رواه النسائي ح (1414)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (5833).

(4)

رواه مسلم ح (4293).

(5)

رواه ابن ماجه ح (3312)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (2677).

(6)

رواه البخاري ح (676)، وأحمد ح (25662).

ص: 143