المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[4] كفارة اليمين وتحريم الخمر والميسر - روائع البيان تفسير آيات الأحكام - جـ ١

[محمد علي الصابوني]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الفاتحة

- ‌ سورة البقرة

- ‌[1] موقف الشريعة من السحر

- ‌[2] النسخ في القرآن

- ‌[3] التوجه إلى الكعبة في الصلاة

- ‌[4] السعي بين الصفا والمروة

- ‌[5] كتمان العلم الشرعي

- ‌[6] إباحة الطيبات وتحريم الخبائث

- ‌[7] في القصاص حياة النفوس

- ‌[8] فريضة الصيام على المسلمين

- ‌[9] مشروعية القتال في الإسلام

- ‌[10] إتمام الحج والعمرة

- ‌[11] القتال في الأشهر الحرام

- ‌[12] تحريم الخمر والميسر

- ‌[13] نكاح المشركات

- ‌[14] اعتزال النساء في الحيض

- ‌[15] النهي عن كثرة الحلف

- ‌[16] مشروعية الطلاق في الإسلام

- ‌[17] أحكام الرضاع

- ‌[19] خطبة المرأة واستحقاق المهر

- ‌[20] الربا جريمة اجتماعية خطيرة

- ‌سورة آل عمران

- ‌[1] النهي عن موالاة الكافرين

- ‌سورة النساء

- ‌[1] تعدد الزوجات وحكمته في الإسلام

- ‌[3] المحرمات من النساء

- ‌[4] وسائل معالجة الشقاق بين الزوجين

- ‌[5] حرمة الصلاة على السكران والجنب

- ‌[6] جريمة القتل وجزاؤها في الإسلام

- ‌[7] صلاة الخوف

- ‌سورة المائدة

- ‌[2] أحكام الوضوء والتيمم

- ‌[3] حد السرقة وقطع الطريق

- ‌[4] كفارة اليمين وتحريم الخمر والميسر

- ‌ سورة الأنفال

- ‌[1] حكم الأنفال في الإسلام

- ‌[2] الفرار من الزحف

- ‌[3] كيفية قسمة الغنائم

- ‌سورة التوبة

- ‌[1] عمارة المساجد

- ‌[2] منع المشركين دخول المسجد الحرام

- ‌ سورة الحج

- ‌[1] التقرب إلى الله بالهدي الأضاحي

الفصل: ‌[4] كفارة اليمين وتحريم الخمر والميسر

[4] كفارة اليمين وتحريم الخمر والميسر

ص: 559

التحليل اللفظي

{عَقَّدتُّمُ} : عقّدتم من العقد وهو على ضربين: حسّي كعقد الحبل، ومعنوي كعقد البيع، فاليمين المنعقدة هي اليمن التي انعقد عليها العزم بالفعل أو الترك.

ومعنى عقدّتم الأيمان أي وكّدتموها ووثقّتموها بذكر اسم الله تعالى.

{تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} : التحرير الإخراج من الرق، ويستعمل في الأسر، والمشقات، وتعب الدنيا ونحوها ومنه قول مريم {نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} [آل عمران: 35] وقال الفرزدق:

أبني غُدانة إنني حرّرتكم

فوهبتكم لعطيّة بن جِعَال

أي حررتكم من الهجاء، وخصّ الرقبة من الإنسان لأنها موضع الملك فأضيف التحرير إليها.

{رِجْسٌ} : أي قذر تعافه العقول قال الزجاج: الرجس اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال رَجُسَ الرجل يرجُس إذا عمل عملاً قبيحاً. ويقال للنتن والعذِرة والأقذار رجسٌ لأنها قذارة ونجس.

{فاجتنبوه} : يعني أبعدوه واجعلوه في ناحية، فالاجتناب في اللغة: الابتعاد وقد أمر تعالى باجتناب هذه الأمور المحرمة، واقترنت بصيغة الأمر فكان ذلك على جهة التحريم القطعي.

{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} : أي راجين الفوز والفلاح بهذا الاجتناب.

ص: 560

المعنى الإجمالي

يقول الله جل ثناؤه ما معناه: لا يؤاخذكم الله - أيها المؤمنون - بما جرى على ألسنتكم من لغو اليمين، الذي لم تتقصدوا فيه الكذب، أو لم تتعمد قلوبكم العزم على الحلف به، ولكن يؤاخذكم بما وثّقتموه من الأيمان فكفارة هذا النوع من الأيمان أن تطعموا عشرة مساكين من الطعام الوسط الذي تُطعمون منه أهليكم، أو تكسوهم بكسوة وسط، أو تعتقوا عبداً مملوكاً أو أمة لوجه الله، فإذا لم يقدر الشخص على الإطعام أو الكسوة أو الإعتاق، فليصم ثلاثة أيام متتابعة، ذلك كفارة أيمانكم أيها المؤمنون فاحفظوا أيمانكم عن الابتذال وأقلوا من الحلف لغير الضرورة.

ثم أخبر تعالى في الآية الثانية بأن الخمر، والقمار، والذبح للأصنام، والاستقسام بالأزلام (الأقداح) كل ذلك رجسٌ مستقذر لا يليق بالمؤمن فعله وهو من تزيين الشيطان للإنسان، فيجب اجتنابه والبعد عنه، لأن غرض الشيطان أن يوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، ويمنعهم عن ذكر الله وأداء الصلاة، بسبب هذه المنكرات والفواحش التي يزينها للناس، فانتهوا أيها المؤمنون عن ذلك. ثم ختم تعالى الآيات بالأمر بطاعته وطاعة رسوله، والحذر من مخالفة أوامر الله تعالى، فإذا لم ينته الإنسان عن مقارفة المعاصي فقد استحق الوعيد والعذاب الشديد يوم القيامة.

لطائف التفسير

اللطيفة الأولى: التعبير بقوله تعالى: {فاجتنبو} أبلغ في النهي والتحريم من لفظ (حُرّم) لأن معناه البعد عنه بالكلية فهو مثل قوله تعالى: {وَلَا

ص: 561

تَقْرَبُواْ الزنى} [الإسراء: 32] لأن القرب منه إذا كان حراماً فيكون الفعل محرماً من باب أولى فقوله {فاجتنبو} معناه كونوا في جانبٍ آخر منه، وكلّما كانت الحرمة شديدة جاء التعبير بلفظ الاجتناب كما قال تعالى:

{فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30] ومعلوم أنه ليس هناك ذنب أعظم من الإشراك بالله فتنبه له فإنه دقيق.

اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} ؟ استفهام ومعناه الأمر أي انتهوا، فقد خرج عن صيغته الأصلية إلى معنى الأمر أي انتهوا عن ذلك.

قال الفرّاء: ردّد عليّ أعرابي: هل أنتَ ساكتٌ؟ وهو يريد: اسكت، اسكت. أقول: ومما يدل على ذلك قول عمر رضي الله عنه لما سمع الآية: انتهينا ربنا، انتهينا ربنا.

اللطيفة الثانية: لم يُذكر في القرآن الكريم تعليلُ الأحكام إلاّ بالإيجاز، أمّا هنا فقد ذكر بالإطناب والتفصيل، وذكرت فيه الأسباب لتحريم الخمر والميسر بالإسهاب، منها: إلقاء العداوة والبغضاء بين المؤمنين، والصدّ عن ذكر الله، وشغل المؤمنين عن الصلاة، كما وصفت الخمر والميسر بأنها رجس، وأنها من عمل الشيطان إلخ وكل ذلك ليشير إلى الضرر العظيم، والخطر الجسيم، من جراء اقتراف هاتين الرذيلتين (جريمة القمار) و (جريمة تناول المسكرات) استمع إلى قوله تعالى:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} ؟

اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين} ظاهر اللفظ الإخبار، وحقيقته الوعيد والتهديد، فكأنه تعالى يقول: ليس على رسولي إلا أن يبلّغكم وحسابكم عليّ يوم الدين {إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية: 25 - 26] .

ص: 562

الأحكام الشرعية

الحكم الأول: ما هي أنواع اليمين؟

قسم العلماء اليمين إلى ثلاثة أقسام: (لغو، ومنعقدة، وغموس) .

فأما اللغو: فهي اليمين التي لا يتعلق بها حكم، وقد ورد عن عائشة أنها قالت: اللغو هو كلام الرجل: لا والله، وبلى والله، روي ذلك عنها مرفوعاً.

وروي عن ابن عباس في لغو اليمين أن تحلف على الأمر أنه كذلك وليس كذلك، أي أن يحلف على ظنه واعتقاده فيتبيّن الأمر خلافه، وقد تقدم هذا في سورة البقرة.

وأمّا المنعقدة: فهي أن يحلف على أمرٍ في المستقبل بأن يفعله أو لا يفعله ثم يحنث في يمينه، فهذه يجب فيها الكفارة كما فصّلها القرآن الكريم.

وأما الغموس: فهي اليمين التي يتعمد فيها الإنسان الكذب كقوله: والله ما فعلت كذا وقد فعله، أو والله لقد فعلتُ كذا ولم يفعله، وسمّي غموساً لأنه يغمس صاحبه في نار جهنم، وذنبه أعظم من أن يكفّر؛ لأنه استهان بعظمة الله جلّ وعلا حين حلف كاذباً. روى الدارقطني في «سننه» عن علقمة عن عبد الله أنه قال: الأيمان أربعة: يمينان يُكفّران، ويمينان لا يُكفّران، فاليمينان اللذان يُكفّران فالرجلُ الذي يحلف والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل، والرجل الذي يقول: والله لأفعلنّ كذا وكذا فلا يفعل، واليمينان اللذان لا يُكفّران فالرجل يحلف والله ما فعلتُ كذا وكذا وقد فعل، والرجل يحلف لقد فعلتُ كذا وكذا ولم يفعله.

قال القرطبي: وقد اختلف في اليمين الغموس، فالذي عليه الجمهور

ص: 563

أنها يمين مكرٍ وخديعةٍ وكذب فلا تنعقد، ولا كفارة فيها.

وقال الشافعي: هي يمين منعقدة لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى وفيها الكفارة. والصحيح الأول، قال ابن المنذر: وهذا قول مالك ومن تبعه من أهل المدينة، وبه قال أحمد: وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة.

أخرج البخاري في «صحيحه» «أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم َ ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: عقوق الوالدين، قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: التي يقتطع بها مال امرئ مسلمٍ هو فيها كاذب» .

الحكم الثاني: هل تصح الكفارة قبل الحنث في اليمين؟

ذهب الشافعية إلى جواز إخراج الكفارة قبل الحنث إذا كانت مالاً، وأمّا إذا كانت صوماً فلا يجوز حتى يتحقق السبب بالحنث، واستدلوا بظاهر هذه الآية {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ

} حيث ذكر الكفارة مرتبة على اليمين من غير ذكر الحنث، واستدلوا كذلك بقوله تعالى:{ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} وقاسوها أيضاً على إخراج الزكاة قبل الحول.

وأما الصوم فلا ينتقل إليه إلا بعد العجز عن الخصال الثلاثة قبله، ولا يتحقق العجز إلاّ بعد الحنث ووجوب التكفير، واستدلوا بحديث «لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفّرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خير» وهذا القول هو مشهور مذهب مالك رحمه الله.

وذهب الحنفية إلى عدم جواز إخراج الكفارة قبل الحنث، وقالوا: إن

ص: 564

في الآية إضمار الحنث فكأنه تعالى يقول: فكفارته إذا حنثتم، وهو على حد قوله تعالى:{فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] أي إذا أفطر في رمضان، واستدلوا بما روي عنه صلى الله عليه وسلم َ أنه قال:«من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» .

واستدلوا أيضاً بالمعقول فقالوا: إن الكفارة إنما تجب لرفع الإثم، وإذا لم يحنث لم يكن هناك إثم حتى يرفع فلا معنى للكفارة.

واستدلوا أيضاً بأن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصحّ اعتباراً بالصلوات وسائر العبادات، وهذا القول في رواية أشهب عن مالك رحمه الله.

الحكم الثالث: هل يشترط التتابع في صيام كفارة اليمين؟

نصت الآية الكريمة على جواز الصيام عند العجز عن الإطعام، وقد اختلف الفقهاء في الصيام هل يشترط فيه التتابع أم يجزئه التفريق؟

أ - فذهب الحنفية إلى اشتراط التتابع لقراءة ابن مسعود (فصيامُ ثلاثة أيام متتابعات) وهو مروي عن عباس ومجاهد.

ب - وذهب الشافعية إلى عدم اشتراط التتابع، وأنه يجزئ التفريق فيها وهو قول مالك.

قال القرطبي: «فإذا لم يجد الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة صيام لقوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} قرأها ابن مسعود (متتابعات) فيقيّد بها المطلق، وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهو أحد قولي الشافعي. واختاره المزني قياساً على الصوم في (كفارة الظهار) .

وقال مالك والشافعي في قوله الآخر: يجزئه التفريقُ، لأن التتابع صفة لا تجب إلاّ بنص، أو قياس منصوص وقد عُدما» .

ص: 565

الحكم الرابع: هل الخمر تتناول جميع المسكرات.

الخمر اسم لما خامر العقل وغطّاه من الأشربة هذا رأي جمهور الفقهاء، وقال الحنفية: الخمر خاصٌ بما كان من ماء العنب النِّيء إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، فالخمر عندهم اسم لهذا النوع فقط، وما وجد فيه مخامرة للعقل من غير هذا النوع لا يسمى خمراً وإن كان حراماً. والجمهور على أن الخمر ليست خاصة بعصير العنب، فغير ماء العنب حرام بالنص، وكل مسكر خمر لما روي عن أنس أنه قال:«حرمت الخمر وهي من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذرة» والجميع متفقون على حرمة كل مسكر والخلاف يكاد يكون شكلياً وقد تقدم في سورة البقرة.

الحكم الخامس: هل الخمر نجسة أم أنها حرام فقط؟

فهم العلماء من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها، وخالفهم في ذلك (المزني) صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من فقهاء الحنفية فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرّم إنما هو شربها، وقالوا لا يلزم من كون الشيء محرماً أن يكون نجساً، فكم من محرم في الشرع ليس بنجس!

والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لأن قوله تعالى:{رِجْسٌ} يدل على نجاستها، فإن الرجس في اللغة القذر والنجاسة، وقد دلّ على نجاستها أيضاً ما روي أن بعض الصحابة قالوا يا رسول الله: إنّا نمر في سفرنا على أهل كتاب يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر فماذا نصنع؟ فأمرهم عليه السلام بعدم الأكل أو الشرب منها، فإن لم يجدوا غيرها غسلوها ثم استعملوها.

فالأمر بالغسل يدل على عدم الطهارت إذ لو كانت طاهرة غير متنجسة لما أمرهم بغسلها.

ص: 566

ما ترشد إليه الآيات الكريمة

1 -

اليمين اللغو لا كفارة فيها وإنما تجب في اليمين المنعقدة.

2 -

لا تصح الكفارة بالصيام إلا عند العجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق.

3 -

الخمر والميسر من أخطر الجرائم الإجتماعية ولهذا قرنا بالأنصاب والأزلام.

4 -

العداوة والبغضاء تتولدان من جريمتي (الخمر) و (القمار) .

5 -

القمار مرض اجتماعي خطير يهدّم البيوت ويخرّب الأسر ويقضي على الاقتصاد.

6 -

وجوب الابتعاد عن كل ما حرّمه الله عز وجل وخاصة الكبائر كالخمر والميسر.

خاتمة البحث:

حكمة التشريع

شدّد المولى جل وعلا في الآية الكريمة النكير على أمر (الخمر) و (الميسر) تشديداً بالغاً يضرف النفوس عنهما إلى غير عودة، وقرنهما بالأنصاب والأزلام - وهما من أشنع المنكرات، وأقبح الفواحش في نظر الإسلام - ليشير إلى ما في الخمر والميسر من ضررٍ بالغ، وخطورة عظيمة، تهدّد الأمة والمجتمع، وتقوّض دعائم الحياة.

أما الخمر فإنها تذهب العقل، وتُنهك الصحة، وتُضيع المال، ومتى

ص: 567

ذهب العقل جاء الإجرام، وكانت العربدة، وأفعال الطيش والجنون، وحسبُ السكران ألاّ يفرّق بين النافع والضار، ولا يميّز بين الجواهر والأقذار، لفقدان العقل.

وأما الميسر (القمار) فإنه يفقد الإنسان الإحساس والشعور حال انشغاله باللعب، حتى لا يبالي بالمال يخرج من يده إلى غير رجعة، طمعاً في أن ينال أكثر منه، فإذا رجع خاسراً أكل قلبَه الحسدُ، وامتلأت نفسه حقداً وغيظاً على من سلبه المال، وربما أداه ذلك إلى قتل من كان سبباً في خسارته، أو عزم على قتل نفسه بطريق الانتحار، وكم من أسرةٍ تهدّمت، وكم من عائلةٍ تشرّدت، بسبب (القمار) وأصبحت في ذل وفاقة، بعد أن كانت في عزّ ورفاهية، والحوادث التي نسمعها كل يوم أصدق شاهد على ما يجره (القمار) من ويلاتٍ ونكبات على الأشخاص والأسر التي بليت في بعض أفرادها بأناسٍ مقامرين. . دعْ ما يتخذه المقامرون من وسائل خسيسة وأيمان كاذبة يستعملونها في سبيل تحقيق أطماعهم وصدق الله حيث يقول:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} ؟

ص: 568

‌سورة التوبة

[1] عمارة المساجد

التحليل اللفظي

{أَن يَعْمُرُواْ} : عمارة المسجد تطلق على بنائه وإصلاحه، وتطلق على لزومه والإقامة فيه لعبادة الله، فالعمارة قسمان: حسيّة ومعنوية، وكلاهما مراد في الآية.

{شَاهِدِينَ} : أي مقرين ومعترفين به، وذلك بإظهار آثار الشرك والوثنية.

{حَبِطَتْ} : ضاعت وذهب ثوابها.

ص: 569

{وَأَقَامَ الصلاة} : إقامة الصلاة: الإتيان بها على الوجه الأكمل، معتدلة مقوّمة بسائر شروطها وأركانها.

{وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ الله} : أي لم يخف إلا الله، والخشية في اللغة معناها الخوف.

المعنى الإجمالي

يقول الله جل ثناؤه ما معناه: لا ينبغي للمشركين ولا يليق بهم، وليس من شأنهم أن يعمروا بيوت الله، وهم في حالة الكفر والإشراك بالله، لأن عمارة المساجد تقتضي الإيمان بالله والحبّ له، وهؤلاء كفروا بالله شهدت بذلك أقوالهم وأفعالهم، فكيف يليق بهم أن يعمروا بيوت الله!!

هؤلاء المشركون ضاعت أعمالهم وذهب ثوابها، وهم في جهنم مخلّدون في العذاب، لا يخرجون من النار، ولا يخفف عنهم من عذابها بسبب الكفر والإشراك.

ثم أخبر تعالى أنّ عمارة المساجد إنما تحصل من المؤمنين بالله، المطيعين له، المصدّقين باليوم الآخر، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويخشون الله حق خشيته، فهؤلاء المتقون لله جديرون بعمارة بيوت الله، وهم أهل لأن يكونوا من المهتدين، الفائزين بسعادة الدارين، المستحقين لرضوان الله.

سبب النزول

روي أن جماعة من رؤساء قريش أُسروا يوم بدر فيهم العباس بن عبد المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحار رسول الله صلى الله عليه وسلم َ فعيّروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبّخُ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ وقطيعة الرحم،

ص: 570

فقال العباس: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: وهل لكم من محاسن؟ قالوا: نعم، إنّا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني فنزلت {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} الآية.

وجوه القراءات

1 -

قرأ الجمهور {أَن يَعْمُرُواْ} وقرأ ابن السميقع (أن يُعْمِروا) بضم الياء وكسر الميم من (أعمر) الرباعي بمعنى أن يعينوا على عمارته.

2 -

قرأ الجمهور {مَسَاجِدَ الله} بالجمع وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (مسجد الله) بالإفراد.

وجوه الإعراب

1 -

قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ} أن المصدرية وما بعدها في موضع رفع اسم كان و (للمشركين) خبرها مقدم، و (شاهدين) حال من الواو في (يعمروا) .

2 -

قوله تعالى: {فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين} عسى من أخوات (كان) وجملة (أن يكونوا) خبرها، واسم الإشارة اسمها، والخبر يكون فعلاً مضارعاً في الغالب كما قال ابن مالك:

ككان «كاد» و «عسى» لكنْ ندر

غير مضارع لهذين خَبَرْ

ص: 571

وجه المناسبة بين الآيات الكريمة

مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر البراءة من المشركين، وأنواعاً من قبائحهم وجرائمهم التي توجب البراءة منهم، ذكروا أنهم موصوفون بصفات حميدة تعلي مقامهم وترفع مكانتهم، منها سقايتهم للحاج وعمارتهم للمسجد الحرام فردّ الله عليهم بهذه الآيات الكريمة.

لطائف التفسير

اللطيفة الأولى: أطلق المساجد وأراد به المسجد الحرام على رأي بعض المحققين، وعبّر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد وإمامها، فهو من باب إطلاق العموم وإرادة الخصوص.

اللطيفة الثانية: العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله، هي نفس الكفر لا الشهادة به، ونكتة تقييده بها أنه كفر صريح لا تمكن المكابرة به، لأنه كفرٌ مقرون بالإقرار، وهو قولهم في الطواف:(لبيّك لا شريك لك، إلاّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) ونصبهم الأوثان والأصنام حول البيت العتيق.

اللطيفة الثالثة: قال أبو حيان: أمرُ المؤمنين بعمارة المساجد، يتناول عمارتها، ورمّ ما تهدم منها، وتنظيفها، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر - ومن الذكر دراسة العلم - وصونها عمّا لم تبنَ له من الخوض في أحوال الدنيا، وفي الحديث الشريف:«إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» .

ص: 572

اللطيفة الرابعة: التعبير بقوله تعالى: {فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين} في جانب المؤمنين، يؤخذ منه قطع طماعية المشركين في الانتفاع بأعمالهم التي استعموها وافتخروا بها، حيث بيّن تعالى أن حصول الإهتداء لمن آمنوا بالله ولم يخشوا غيره دائرٌ بين (لعلّ) و (عسى) وإذا كان هذا حال المؤمنين، فكيف يطمع المشركون بالهداية والفوز وهم على ما هم عليه من كفر وإشراك؟!

الأحكام الشرعية

الحكم الأول: ما المراد بعمارة المساجد في الآية الكريمة؟

ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بعمارة المساجد هو بناؤها وتشييدها وترميم ما تهدم منها، وهذه هي (العمارة الحسية) ويدل عليه قوله عليه السلام:«من بنى الله مسجداً ولو كمِفْحَص قطاة بني الله له بيتاً في الجنة» .

وقال بعضهم: المراد عمارتها بالصلاة والعبادة وأنواع القربات كما قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه} [النور: 36] وهي هي (العمارة المعنوية) التي هي الغرض الأسمي من بناء المساجد، ولا مانع أن يكون المراد بالآية النوعين (الحسية) و (المعنوية) وهو اختيار جمهور العلماء لأن اللفظ يدل عليه، والمقام يقتضيه.

قال أبو بكر الجصاص: «وعمارة المسجد تكون بمعنيين: أحدهما: زيارته والمكث فيه، والآخر: بناؤه وتجديد ما استرم منه، وذلك لأنه يقال: اعتمر إذا زار، ومنه العمرة لأنها زيارة البيت، وفلان من عُمّار المساجد إذا كان كثير المضيّ إليها، فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد،

ص: 573

ومن بنائها، وتولّي مصالحها، والقيام بها لانتظام اللفظ للأمرين» .

الحكم الثاني: ما المراد بالمساجد في الآية الكريمة؟

1 -

قال بعض العلماء: المراد به المسجد الحرام لأنه المفرد العلم، الأكمل الأفضل وهو قبلة المساجد، وسبب النزول يؤيد هذا القول وهو مروي عن عكرمة، واختاره بعض المحققين لقراءة الإفراد (أن يعمروا مسجد الله) .

ب - وقال آخرون: المراد به جميع المساجد، لأنه جمع مضاف فيعم، ويدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أوّلياً، كما إذا قلنا: فلان لا يقرأ كتب الله، يدخل فيه القرآن بطريق أوكد.

أقول: هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، لأن الصيغة تفيد عموم الحكم، فلا يليق بالمشركين أن يعمروا أي مسجد من مساجد الله بأنواع العمارة، لأن الكفر ينافي ذلك، كما لا يصح لهم دخول هذه الأماكن الطاهرة المقدسة، كما قال الإمام مالك رحمه الله، وسيأتي حكم دخول المشركين للمساجد في الآيات التالية.

الحكم الثالث: هل يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد؟

أخذ بعض العلماء من الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يستخدم المسلم الكافر في بناء المسجد، لأنه من العمارة الحسيّة، وقد نهى تعالى عن تمكين المشركين من عمارة بيوت الله.

والظاهر جواز استخدامه لأن الممنوع منها إنما هو (الولاية) عليها، والاستقلال بتصريف شؤونها، كأن يكون ناظر المسجد، أو المتصرف بالوقف كافراً، وأما استخدام الكافر في عمل لا ولاية فيه، كنحت الحجارة والبناء والنجارة، فلا يظهر دخوله في المنع، وهذا قول جمهور الفقهاء.

ص: 574

ما ترشد إليه الآيات الكريمة

1 -

أعمال البر الصادرة من المشركين لا ثواب فيها بسبب الكفر والإشراك لقوله تعالى: {وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} [الفرقان: 23] .

2 -

عمارة المساجد جديرٌ بها أهل الإيمان الذين يعظّمون حرمات الله.

3 -

وجوب الإخلاص لله في القول والعمل.

4 -

ينبغي أن يكون الغرض من بناء المسجد رضوان الله لا الرياء والسمعة.

ص: 575

[2] منع المشركين دخول المسجد الحرام

التحليل اللفظي

{نَجَسٌ} : أي قذر، قال الزجاج: يقال لكل شيء مستقذر: نجسٌ.

وقال الفراء: لا تكاد العرب تقول: نَجِسٌ إلا وقبلها رجسٌ، فإذا أفردوها قالوا: نجس.

{عَيْلَةً} : العيلة: الفقر والفاقة، يقال: عال يعيل عيلةً إذا افتقر، وأعال فهو

ص: 576

مُعيل إذا صار صاحب عيال، وقال أبو عبيدة: العيلة مصدر عال بمعنى افتقر وأنشد:

وما يَدْري الفقيرُ متى غِناه

وما يدري الغنيّ متى يَعيل

{يَدِينُونَ} : من دان الرجل يدين إذا اتخذ الأمر له عقيدة والتزمه تقول: فلان يدين بكذا أي يلتزمه ويعتنقه، والمراد في الآية أنهم لا يلتزمون بدين الحق وهو دين الإسلام.

{الجزية} : اسم لما يعطيه المعاهد على عهده. قال ابن الأنباري: هي الخراج المجعول عليهم، سميت جزية لأنها قضاء ما وجب عليهم من قولهم: جزى يجزي إذا قضى.

قال أبو حيان: سميت جزية من جزى يجزي إذا كافأ عما أسدى عليه، فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن، ومن هذا المعنى قول الشاعر:

نجزيكَ أو نُثْني عليكَ وإنّ من

أثنَى عليكَ ما فعلت فقد جزى

{عَن يَدٍ} : أي يؤدون الجزية عن قهر وذل وطاعة يقال: أعطى يده إذا انقاد، ونزع يده إذا خرج عن الطاعة.

{صَاغِرُونَ} : الصاغر: الذليل الحقير، والصّغار الذل.

ومعنى الآية: حتى يدفعوا الجزية منقادين طائعين في حال الذل والهوان.

ص: 577

المعنى الإجمالي

يقول الله جل ثناؤه ما معناه: يا أيها المؤمنون المصدّقون بالله ورسوله، إنما المشركون قذر ورجس لخبث بواطنهم، وفساد عقائدهم، فهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات، فلا تمكنوهم من دخول المسجد الحرام، بعد هذا العام، وإن خفتم - أيها المؤمنون - فقراً أو فاقة بسبب منعكم إياهم من الحج ودخول الحرم، فسوف يغنيكم الله من فضله، ويوسع عليكم من رزقه، حتى لا يدعكم بحاجة إلى أحد وذلك راجع إلى مشيئته جل وعلا إن الله عليم حكيم.

قاتلوا أيها المؤمنون الذين لا يؤمنون بالله ولا برسوله من أهل الكتاب، ولا يصدقون باليوم الآخر على الوجه الذي جاء به رسول الله، ولا يدخلون في دين الإسلام دين الحق، ولا يحرمون ما حرّمه الله ورسوله، من (اليهود والنصارى) حتى يدفعوا لكم الجزية، عن انقياد وطاعة، وذل خضوع، وهم صاغرون مهينون.

وجوه القراءات

1 -

قرأ الجمهور {إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ} بفتح الجيم، وقرأ أبو علي حيوة (نِجْسٌ) على وزن رجس، وقرأ ابن السميقع (أنجاسٌ) على صيغة الجمع.

2 -

قرأ الجمهور {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} وقرئ (عائلة) و (عايلة) .

ص: 578

سبب النزول

لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم َ علياً أن يقرأ على مشركي مكة أول سورة براءة، ويَنْبِذَ إليهم عهدهم، وأن يخبرهم أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولهُ، قال أناسٌ: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقون من الشدّة وانقطاع السبُل وفقد الحمولات فنزلت الآية الكريمة {إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا.

. .} الآية.

لطائف التفسير

اللطيفة الأولى: أطلق القرآن الكريم على المشركين أنهم نجس، والإخبار عنهم بصيغة المصدر فيه مبالغة كأنهم صاروا عين النجاسة، وأصل التعبير (إنما المشركون كالنجس) لكنه حذفت منه أداة الشبه، ووجه الشبه، فأصبح (تشبيهاً بليغاً) .

وقال بعض العلماء: المراد أنهم ذوو نجس أي أصحاب نجس فالكلام على (حذف مضاف) وإنما عبّر عنهم أصحاب نجس لخبث بواطنهم، وفساد عقائدهم، وإشراكهم بالله، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون.

اللطيفة الثانية: النهي عن قربان المسجد الحرام جاء بطريق المبالغة لأن الغرض نهيهم عن دخول المسجد الحرام، فإذا نهوا عن قربانه كان النهي عن دخوله من باب أولى، كما في قوله تعالى:{وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم} [الأنعام: 152] وقوله {وَلَا تَقْرَبُواْ الزنى} [الإسراء: 32] فيكون النهي عن أكل مال اليتيم، وارتكاب الزنى محرماً من باب أولى.

ص: 579

اللطيفة الثالثة: تعليق الإغناء بالمشيئة في قوله جل وعلا: {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ} لتعليم رعاية الأدب مع الله تعالى كما في قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ} [الفتح: 27] وللإشارة إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على أن المطلوب سيحصل حتماً، بل لا بدّ من التضرع إلى الله تعالى في طلب الخير، وفي دفع الآفات.

اللطيفة الرابعة: في التعبير في ختام الآية {إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} إشارة لطيفة إلى أن الغنى والفقر بيد الله تعالى، وأن الرزق لا يأتي بالحيلة والاجتهاد، بل هو راجع إلى الحكمة والمصلحة، فإن شاء الله أغنى، وإن شاء أفقر، فهو تعالى لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة ومصلحة، وممّا يروى للإمام الشافعي قدّس الله روحه قوله:

لو كانَ بالحيَلِ الغِنَى لوجدتني

بنجوم أقطارِ السّماءِ تعلّقي

لكنّ من رَزَقَ الحجا حَرَم الغِنَى

ضدّان مفترقان أيّ تفرق

ومن الدليل على القضاء وكونه

بؤسُ اللبيبِ وطيبُ عيشِ الأحمقِ

اللطيفة الخامسة: نفى الله تعالى الإيمان عن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) لأن إيمانهم مغشوش مدخول، وليس إيماناً كما يجب، لأنهم جعلوا لله ولداً، وزوجة، وبدّلوا كتابهم، وحرّموا ما لم يحرّم الله، وأحلّوا ما لم يُحلّه، ووصفوا المولى جل وعلا بما لا يليق، فهم وإن زعموا الإيمان غير مؤمنين إيماناً صحيحاً، وهذا هو السرّ في التعبير القرآن بنفي الإيمان عنهم.

قال الكرماني: نفيُ الإيمان بالله عنهم لأن سبيلهم سبيل من لا يؤمن بالله، إذ يصفونه بما لا يليق أن يوصف به جل وعلا.

ص: 580

الأحكام الشرعية

الحكم الأول: ما المراد بالمشركين في الآية الكريمة؟

ذهب جمهور المفسرين إلى أن لفظ المشركين خاص بعبّاد الأوثان والأصنام، لأن لفظ المشرك يتناول من اتخذ مع الله إلهاً آخر، وأن أهل الكتاب وإن كانوا كفاراً إلا أن لفظ (المشركين) لا يتناولهم، لأنه خاص بمن عبد الأوثان والأصنام.

وقال بعض العلماء إن لفظ المشركين يتناول جميع الكفار، سواء منهم عُبّاد الأوثان أو أهل الكتاب لقوله تعالى:{إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48] أن يكفر به فأطلق لفظ الإشراك على الكفر.

أقول: هذا هو الصحيح وهو أن اللفظ يشمل كل كافر، وأن النهي عن دخول المسجد الحرام عام لكل كافر، فلا فرق بين الوثني واليهودي أو النصراني في الحكم.

الحكم الثاني: هل أعيان المشركين نجسة؟

دلّ ظاهر قوله تعالى: {إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ} على نجاسة المشركين. وقد تقدم معنا أن المراد من اللفظ (النجاسة المعنوية) أي أن معهم الشرك المنزّل منزلة النجس الذي يجب اجتنابه، أو أنهم كالأنجاس لتركهم ما يجب عليهم من غسل الجناية والطهارة، وعدم اجتنابهم النجاسات وقد نقل صاحب «الكشاف» : عن ابن عباس أن أعيان المشركين نجسة كالكلاب والخنازير تمسكاً بظاهر الآية. وروى ابن جرير عن الحسن البصري أنه قال: من صافحهم فليتوضأ.

ص: 581

ولكنّ الفقهاء على خلاف ذلك فقد ذهبوا إلى أن أبدانهم طاهرة، لأنهم لو أسلموا كانت أجسامهم طاهرة بالإجماع، مع أنه لم يوجد ما يطهرها من الماء أو النار أو التراب أو ما شابه ذلك، والآية لا تدل على نجاسة الظاهر وإنما يدل على نجاسة الباطن، ولا شك أنهم لا يتطهرون، ولا يغتسلون، ولا يجتنبون النجاسات، فجعلوا نجساً مبالغة في وصفهم بالنجاسة.

الترجيح: الصحيح رأي الجمهور لأن المسلم له أن يتعامل معهم، وقد كان عليه السلام يشرب من أواني المشركين، ويصافح غير المسلمين والله أعلم.

الحكم الثالث: هل يمنع المشرك من دخول المسجد؟

دلّ قوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُواْ المسجد الحرام} على منع المشركين من دخول المسجد الحرام، وقد اختلف العلماء في المراد من لفظ (المسجد الحرام) على أقوال عديدة:

أ - المراد خصوص المسجد الحرام أخذاً بظاهر الآية وهو مذهب الشافعية.

ب - المراد الحرم كلّه (مكة) وما حولها من الحرم وهو قول عطاء ومذهب الحنابلة.

ج - المراد المساجد جميعاً المسجد الحرام بالنص وبقية المساجد بالقياس وهو مذهب المالكلية.

د - المراد النهي عن تمكينهم من الحج والعمرة وهو مذهب الحنفية.

دليل الشافعي: احتج الشافعي رحمه الله بظاهر الآية {فَلَا يَقْرَبُواْ المسجد الحرام} فقال: الآية خاصة في المسجد الحرام. عامة في الكفار. فأباح دخول غير المسلمين سائر المساجد. ومنع جميع الكفار من دخول المسجد الحرام.

دليل أحمد: واستدل الإمام أحمد رحمه الله بأن لفظ (المسجد الحرام)

ص: 582

قد يطلق ويراد به الحرم كله كما في قوله تعالى: {هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام}

[الفتح: 25] وقوله: {لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ} [الفتح: 27] وقد كان الصد عن دخول مكة، وأخبر تعالى بأنهم سيدخلونها آمنين.

دليل مالك: واستدل مالك رحمه الله بأن العلة وهي (النجاسة) موجودة في المشركين. والحرمة ثابتة لكل المساجد، فلا يجوز تمكينهم من دخول المسجد الحرام والمساجد كلها. فقاس مالك جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم على المشركين، وقاس سائر المساجد على المسجد الحرام ومنع من دخول الجميع في جميع المساجد.

دليل أبي حنيفة: واستدل أبو حنيفة رحمه الله على أن المراد النهي عن تمكينهم من الحج والعمرة بما يلي:

أولاً: قوله تعالى: {بَعْدَ عَامِهِمْ هذا} فإن تقييد الني بذلك يدل على اختصاص المنهي عنه بوقت من أوقات العام، أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد هذا العام.

ثانياً: قول علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه حين أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم َ ينادي بسورة براءة: «وألاّ يحجّ بعد هذا العام مشرك» .

ثالثاً: قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} فإن خشية الفقر إنما تكون بسبب انقطاع تلك المواسم ومنع المشركين من الحج والعمرة حيث كانوا يتاجرون في مواسم الحج، فإن ذلك يضر بمصالحهم المالية، فأخبرهم تعالى بأن الله يغنيهم من فضله.

رابعاً: إجماع المسلمين على وجوب منع المشركين من الحج، والوقوف بعرفة، ومزدلفة، وسائر أعمال الحج وإن لم تكن هذه الأفعال في المسجد الحرام.

قال صاحب «الكشاف» : «إن معنى قوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُواْ المسجد

ص: 583

الحرام} أي لا يحجوا ولا يعتمروا، ويدل عليه قول علي:» وألاّ يحج بعد عامنا هذا مشرك «فلا يمنعون من دخول الحرم، والمسجد الحرام، وسائر المساجد عند أبي حنيفة» .

الحكم الرابع: ما هي الجزية، وما هو مقدارها وممن تؤخذ؟

الجزية: ما يدفعه أهل الكتاب للمسلمين لقاء حمايتهم ونصرتهم، سميت جزية لأنها من الجزاء، جزاء الكفر وعدم الدخول في الإسلام، أو جزاء الحماية والدفاع عنهم.

وقد اختلف الفقهاء في الذين تؤخذ منهم الجزية، فالمشهور عن أحمد: أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى والمجوس، وبه قال الشافعي.

وقال الأوزاعي: تؤخذ من كل مشرك عابد وثنٍ، أو نارٍ، أو جاحدٍ مكذب.

وقال أبو حنيفة ومالك: الجزية تؤخذ من الكل إلاّ من عابدي الأوثان من العرب فقط.

فأما الذين تؤخذ منهم الجزية فهم الرجال البالغون، فأما الزمنى، والعمي، والشيوخ المسنون، والنساء، والصبيان، والرهبان المنقطعون في الصوامع فلا تؤخذ منهم الجزية.

وأما مقدارها فعلى الموسر ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهماً، وعلى الفقير القادر على العمل إثنا عشر درهماً في السنة، وهو قول أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى.

وقال مالك: على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الفضّة أربعون درهماً، وسواءٌ في ذلك الغني والفقير.

ص: 584

وقال الشافعي: على كل رأسٍ دينار سواءٌ فيه الغني والفقير.

الترجيح أقول: ما روي عن مالك رحمه الله هو ما فرضه عمر رضي الله عنه، وقد رويت عن عمر ضرائب مختلفة أخد كل مجتهد بما بلغه، وأظن أن ذلك كان بحسب الاجتهاد، وبحسب اليسر والعسر، وقد روي أن عمر ورضع الجزية عن شيخ يهودي طعن في السن رآه يسأل الناس، وأعاله من بيت مال المسلمين، فالأمر فيه سعة، والله أعلم.

خاتمة البحث:

حكمة التشريع

أوجبت الشريعة الإسلامية الغراء على المسلمين قتال أهل الكفر والعدوان، ممن أبوا أن يدخلوا في دين الله، وأن ينعموا بظلال الإسلام الوارفة، وأحكامه العادلة، ويستجيبوا لدعوة الحق التي فيها الخير والسعادة لني الإنسانية جمعاء.

وقد استثنى الباري جل وعلا من قتال الكفار أهل الكتاب، فأمر بدعوتهم إلى الدخول في الإسلام فإن أبوا دفعوا الجزية، وإلاّ وجب قتالهم حتى يفيئوا إلى دين الله، ويرضوا بحكم الله جل وعلا {حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] والجزية هي - في الحقيقة - رمزٌ للخضوع والإذغان، رمزٌ لقبول غير المسلم بالعيش في ظل نظام الإسلام، رمزٌ لإظهار الطاعة والرضى والانقياد للدولة الإسلامية، وهي بعد ذلك تعبيرٌ عن مبدأ التعاون، بين الذميين والدولة الإسلامية ممثلة في خليفة المسلمين، بحيث لا يكون هناك خروجٌ عن الطاعة، ولا تمرد على نظام الإسلام، أو بتعبير آخر: الاستسلام لحكم الإسلام، والرضى بكل تشريعاته وأحكامه.

وإذا كان المسلم يدفع زكاة ماله كل عام لتنفق في مصارفها التي حدّدها

ص: 585

القرآن الكريم، فإن هذا الذمي المعاهد (اليهودي أو النصراني) لا يكلف بدفع الزكاة، وإنما يكلف بدفع الجزية وهي مبلغ يسير زهيد، لا يزيد على ثمانية وأربعين درهماً في العام مقابل الدفاع عنه، وحمايته ونصرته، ومقابل استمتاعه بالمرافق العامة للدولة التي يعيش في كنفها، وتحت ظل حكمها، فليس الهدف إذاً من الجزية الجباية وسلب الأموال، وإنما الهدف الاطمئنان إلى رضى أهل الكتاب بالعيش في ظلال حكم الإسلام، والانقياد، والطاعة لأحكامه وأوامره، وصدق من قال:«إنّ الله لم يبعث المسلمين ليكونوا جباة وإنما بعثهم ليكونوا هداة» !!

ص: 586