الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مدخل
…
1-
الوهابية: نسبة إلى الإمام المصلح، شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر، وهي نسبة على غير القياس العربي فلقد كان الصحيح أن يقال:"المحمدية" إذ أن اسم صاحب هذه الدعوة، والقائم بها هو "محمد" لا "عبد الوهاب" على أننا نتجاوز عن هذا الخطأ العربي، ونماشي العامة الآن، لننظر كيف، ولماذا أطلق هذا اللقب على هذه الدعوة، والقائمين بها؟ علّنا نقف بالقارئ على بعض السر الذي دعا إلى استعماله، ثم إلى شيوعه في الأقطار العربية وغيرها، إلا نجدا، وما يتصل بها. فإن من أعجب العجب أنك لا تجد لهذا اللقب أثرا فيها، ولا عند النجديين النازحين عنها إلى غيرها للتجارة، أو الإقامة والاستيطان، لا بل الأعجب من هذا أنهم يستنكرون ذلك ممن يخاطبهم به، أو ينسبهم إليه وأنهم جميعا من ملكهم، وأمرائهم، ومشايخهم- الذين أكثرهم من آل الشيخ محمد، وتجارهم وعامتهم يطلقون على أنفسهم، من حيث الوطن والقطر "نجديين" ومن حيث المذهب والعقيدة "حنابلة".
2-
وإنهم لحنابلة متعصبون لمذهب الإمام أحمد في فروعه، ككل أتباع المذاهب الأخرى، فهم لا يدّعون – لا بالقول، ولا بالكتابة-: أن الشيخ ابن عبد الوهاب أتى بمذهب جديد، ولا اخترع علما غير ما كان عند السلف الصالح، وإنما كان عمله وجهاده لإحياء العمل بالدين الصحيح، وإرجاع الناس إلى ما قرره القرآن في توحيد الآلهية والعبادة لله وحده: ذلاً وخضوعا، ودعاء ونذرا، وحلفا وتوكلا، وطاعة لشرائعه، وفي توحيد الأسماء والصفات، فيؤمن بآياتها كما وردت، لا يحرف ولا يؤول، ولا
يشبه ولا يمثل، على ما ورد في لفظ القرآن العربي المبين وما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الصحابة وتابعوهم والأئمة المهتدون من السلف والخلف رضوان الله عليهم في كل ذلك، وأن تحقيق شهادة "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" لا يتم على وجهه الصحيح إلا بهذا.
3-
اجلس إلى أي نجدي في أي مكان يكون. مهما كان مركزه، ومهما بلغت معلوماته: من الملك إلى أقل تاجر، ومن شيخ القضاة إلى أبسط عامي، فإنك لا تكاد تجلس إليه حتى يبدأ في الحديث عن الشيخ محمد، وعن مؤلفات الشيخ محمد، وجهاد الشيخ محمد، وما قام به من إصلاح، وما أنقذ الناس به من الشرك والوثنية إلى التوحيد والهداية الإسلامية. وهم في كل هذا لا يجري على ألسنتهم إلا "شيخ الإسلام محمد" أو "الشيخ" فقط، أو "آل الشيخ" وقَل أن تسمع باسم والده "عبد الوهاب".
4-
من هذا نعلم أن منبت هذا اللقب وشيوعه كان ولا بد بعيداً عن البيئات والأوساط النجدية قديما وحديثا
5-
إذن فمن أين نشأ هذا اللقب. وأين نبت، وكيف شاع هذا الشيوع؟
6 -
يغلب على ظني أنه نشأ في الأقطار والأوساط التي كانت تبذل أقصى جهدها لحرب هذه الدعوة والقضاء عليها، في أيام حروبها الأولى، حين كان الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، وحين كان ولده سعود الكبير ينشران من جناحي هذه الدعوة، ويبسطان من نفوذها على الجزيرة وما حولها، إلى أطراف العراق والشام. كما سيجئ بيان ذلك إن شاء الله.
7-
فبدهي أنه كان من أعظم الأسلحة، وأنكى ما يستخدمه قادة هذه الحروب والمضرمون لنارها: الدعاية السياسية بالصاق أشنع التهم، وأقبح الجرائم زورا وبهتانا- بمؤسسها وشيعته فلو أنهم أطلقوا عليها "المحمدية" لكان ذلك لقبا جميلا مشوقا. فعمدوا إلى إطلاق لقب "وهابي" لتنفير الناس من هذه الجماعة، وتشويه سمعتهم الطيبة، حتى يكثر أعداؤهم، ويقل أنصارهم وبذلك يظفر أولئك المحاربون بهم، ويتقلص ظل دعوتهم التي بهرت بجمالها عقول الناس، وأخذت تمتد بسرعة عظيمة، حتى أصبح لها من الاتباع والأنصار من لا يحصون كثرة. وكانوا في القوة بحيث هزموا جيوش الدولة العثمانية العظيمة في مواقع عدة. وما زالوا بها حتى أزالوا سلطانها عن الحرمين الشريفين.
8 -
والسر في هذا الامتداد، وهذه القوة يرجع إلى جمال هذه الدعوة، وبساطتها، وأنها في غير حاجة إلى أدلة جديدة ولا براهين مخترعة، فإنها تعتمد على صريح القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية الكريمة. والقرآن بين أظهر الناس –محفوظا ومكتوبا- قائم بحمد الله لم يذهب، ولكن العقول هي التي ذهبت عنه، فحين وُجهت إليه توجهت، وحين كشف لها عن نوره أقبلت عليه تقتبس منه الهداية والرحمة.
9-
وكان من أهم ما خدم به الشيخ ابن عبد الوهاب الناس: أن رفع عن قلوبهم غشاوة الجهل، وكابوس التقليد الأعمى لكل ناعق على غير هدى ولا بصيرة.
10 -
فحارب الأمية بكل ما استطاع من قوة، وكان يلزم كل أتباعه
تعلم القراءة والكتابة مهما كانت سنه، ومهما كانت منزلته، حتى كان الأمراء يقرؤون مثل بقية الناس. فصار منهم العلماء المدرسون كالإمام سعود الكبير، فإنه كان له درس يلقيه في التوحيد، فوق أعمال الإمارة.
11 -
وكان تعليمه إياهم الكتابة في القرآن وحفظه، كما يصنع مع صبية المكاتب، ثم وضع الرسائل السهلة العبارة، القريبة إلى عقول البسطاء في بيان التوحيد وما يحققه ويقويه، وما يهدمه وينقضه: من الاعتقاد والقول والعمل، وكان كل اعتماده في مؤلفاته- في الرسائل الصغيرة، والكتب الكبيرة، في عقيدة التوحيد وغيرها-: على الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، وكان يلزم الناس أن يحفظوا القرآن ثم يطالعوا هذه الرسائل ويحفظوها، فكان ذلك من أقوى الأسباب لانتشار هذه الدعوة وسرعة انتقالها إلى ما وصلت إليه من بقاع الأرض، وذلك طبعا كان يستند إلى سيف آل سعود ونصرتهم.
12 -
وإني أسوق إليك نبذا بسيطة من كلام الشيخ رحمه الله لترى فيها تلك الروح القوية والطريقة البسيطة السهلة التي كانت من أنجع الطرق في نشر التوحيد الصحيح.
13 -
إذ يقول في رسالة الثلاثة الأصول: "اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل"الأولى" العلم وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة "الثانية" العمل به "الثالثة" الدعوة إليه "الرابعة" الصبر على الأذى فيه. والدليل قوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {وَالْعَصْر إِنَّ الْإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3] إلى أن قال: "اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم: أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين. وبذلك أمر الله جميع الناس. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] ومعنى "يعبدوني" يوحدوني. وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة. وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غير الله معه. والدليل قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} [النساء: 36] فإذا قيل لك: ما الأصول التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن قال: وأنواع العبادة التي أمر الله بها: مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان. ومنه الدعاء والخوف والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من العبادة التي أمر الله بها، كلها لله"
14 -
ثم ساق الأدلة من القرآن والسنة على كل نوع من هذه الأنواع، ثم بين الأصلين الآخرين: معرفة حقيقة الإسلام، ثم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بنبذة لطيفة، تصور النبي صلى الله عليه وسلم عند العامي صورة تملأ نفسه بحبه وتعظيمه وطاعته، وهذه الرسالة يحرص عليها أهل نجد جد الحرص، ولا تلقى نجديا كبيرا ولا صغيرا إلا وهو يحفظها عن ظهر قلب، ومن النقص الكبير عدم حفظها
15 -
وقال الشيخ في رسالة القواعد الأربعة "اعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة فإذا دخل
الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة. فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار عرفت أن أهم ما عليك هو معرفة ذلك، لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة. وذلك بمعرفة أربع قواعد، ذكرها الله في كتابه:"الأولى" أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مقرين بأن الله تعالى هو الخالق الرزاق المدبر، وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام – ثم ساق الدليل على ذلك من القرآن "القاعدة الثانية" أنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة عند الله، ثم ذكر الدليل على كل من الشفاعة والتقرب من آيات القرآن "القاعدة الثالثة" أن النبي صلى الله عليه وسلم ظهر على أناس متفرقين في عباداتهم: منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين. ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار. ومنهم من يعبد الشمس والقمر. فقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفرق بينهم، ثم ساق الدليل أيضا على ذلك من القرآن الكريم "القاعدة الرابعة" أن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين، لأن الأولين كانوا يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة. والدليل قوله تعالى:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت:65]
"الأصل الأول" إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى بكلام يفهمه أبلد العامة، ثم صار على أكثر الأمة ما صار: أظهر الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في
حقوقهم. وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين وأتباعهم
"الأصل الثاني" أمر الله بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق، وبين الله هذا بيانا شافيا تفهمه العوام، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم، فهلكوا، ويزيده وضوحا ما وردت به السنة في ذلك، ثم صار الأمر بالناس إلى أن أصبح الافتراق في الدين هو أهدى السبل إلى الله، وأعظمها عنده ثوابا، وصار الأمر بالرجوع إلى الكتاب والسنة والاجتماع على ذلك لا يقوله إلا زنديق أو مجنون.
"الأصل الثالث" من تمام الاجتماع: السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدا حبشيا، فبين النبي صلى الله عليه وسلم هذا بكل نوع من البيان شرعا وقدرا، ثم صار هذا الأمر مجهولا عند أكثر من يدعي العلم، فكيف العمل به؟
"الأصل الرابع" بيان العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، وبيان من تشبه بهم، وليس منهم، وقد بين الله تعالى هذا الأصل بحكاية ما كان عليه بنو إسرائيل في صورة التشنيع والتوبيخ في أول سورة البقرة من قوله تعالى:{يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة:40] إلى الآية 133، وغير هذا من الآيات في ذم الجهل والجهلاء، ومدح العلم والعلماء، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بكلام كثير في ذلك يفهمه العامي البليد، فضلا عن أهل العلم، ثم صار هذا من أغرب الأشياء، وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات والآراء
والاختلافات، وخيار ما عندهم لَبس الحق بالباطل، وصار العلم الذي فرضه الله على الخلق ومدحه وأثنى على أهله، وهو معرفة الله بأسمائه وصفاته وحقوقه الخالصة، ومعرفة دينه، وأنبيائه، ورسله وثوابه، وعقابه وجنته، وناره، لا يتفوه به إلا من يصفونه بأنه زنديق أو مجنون، وصار كل من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه هو العالم الفقيه.
"الأصل الخامس" بيان الله سبحانه وتعالى لأوليائه. وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار، ويكفي في هذا آيات آل عمران:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31] وفي سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 54، 55] وفي سورة يونس: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس:62] . ثم صار الأمر عند أكثر من يدعي العلم وهداية الخلق وحفظ الشرع: أن الأولياء لا يكونون إلا من المهابيل والمجاذيب، التاركين للصلاة، المضيعين لحدود الله، ومن كان على شاكلتهم من الطبَّالين والزمارين، والرقاصين الذين اتخذوا آيات الله هزواً، واتخذوا دينهم لعبا ولهواً، واحتفالا بموالد الموتى وأعيادهم الجاهلية مما أصبح معلوما لكل ذي عينين
"الأصل السادس" رد السنة السيئة التي وضعها الشيطان في ترك
القرآن والسنة، واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة بدعوى أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، ثم اخترعوا للمجتهد شروطا وأوصافا لعلها لا توجد في أبي بكر وعمر. وإذا لم يجتمع في الإنسان هذه الأوصاف المستحيلة كان فرضا عليه حتما الإعراض عن القرآن والحديث، وأخذ دينه من المتون والشروح والحواشي، ومن طلب الهدى من القرآن والحديث فهو إما زنديق أو مجنون، سبحانك هذا بهتان عظيم، والأمر برد هذه الشبهة الملعونة، وبيان وجوه ردها لا يكاد يحصى من القرآن الكريم والسنة النبوية، حتى أصبح من ضروريات الدين {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: من الآية26] {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يّس:7-11]
18 -
وفي رسالة أخرى يقول الشيخ رحمه الله:-
"اعلم أن نواقض الإسلام عشرة "الأول" الشرك في عبادة الله تعالى. قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً} [النساء:116] وقال {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: من الآية72] ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر، أو لنحو ذلك
"الثاني" من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة
ويستغيث بهم، ويستمد مددهم ويتوكل عليهم
"الثالث" من لم يكفر المشركين الذين يفعلون ما تقدم، أو يشك في كفرهم أو صحح مذهبهم.
"الرابع" من اعتقد أن هدى غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكم الله ورسوله. وقوانين البشر على ما أنزل الله.
"الخامس" من أبغض شيئا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. ولو عمل به.
"السادس" من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم وما ذكر من ثواب أو عقاب. والدليل قوله تعالى {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66]
"السابع" السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر والدليل قوله تعالى {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} [البقرة: 102]
"الثامن" مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]
"التاسع" من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، للعمل بمنام أو ما يدّعونه من مكاشفة أو غير ذلك. فهو كافر
"العاشر" الإعراض عن دين الله تعالى: لا يتعلمه ولا يعمل به. والدليل قوله تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة:22]
ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره
وكلها من أعظم ما يكون خطرا، وأكثر ما يكون وقوعا، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم.
18-
وقال في كتاب كشف الشبهات:-
"اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم إلى عباده، فأولهم نوح عليه السلام، أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين وَدًَّا، وسُواعَ، وَيغُوث، وَيَعُوق، ونَسْرًا.
وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين أرسله الله إلى قوم يتعبدون، ويحجون، ويتصدقون، ويذكرون الله، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، ويقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده: مثل الملائكة وعيسى وأمه مريم، وأناس غيرهم من الصالحين وغير الصالحين، فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد، وهو محض حق الله، لا يصلح منه شيء لغير الله.
19-
ثم أخذ الشيخ يشرح هذه القاعدة ويبسطها بذكر الآيات القرآنية التي فيها حكاية اعتراف المشركين بأن الله هو خالقهم ورازقهم وحده، وأنه سبحانه لم يقبل ذلك منهم حتى يكون مقرونا بتوحيد الالهية الذي هو إفراد العبادة والدعاء، والذبح، والنذر، والحلف لله وحده، وضرب الأمثال لذلك بما عليه أكثر الناس اليوم، وذكر اعتراضاتهم وأجاب عنها واحدا واحدا، بعبارة سهلة لطيفة، قريبة إلى عقل العامي وفكره.
20-
ثم وضع كتاب التوحيد أبسط من هذه وأوسع، ذكر فيه أنواع التوحيد بقسميه: توحيد العلم والمعرفة، وتوحيد الإرادة والمحبة والتعظيم والعبادة، وذكر في توحيد الأسماء والصفات جملا قيمة مؤيدة بآيات الذكر الحكيم والأحاديث النبوية والصريحة في استواء الله على عرشه، وعلوه على خلقه وأمثال هذه الصفات على ما يليق به سبحانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] وذكر في هذا الكتاب نواقض التوحيد من السحر، والتمائم وعبادة الجن، وغير ذلك.
21-
ثم وضع لبيان أنواع الشرك حتى يحذرها المؤمن-: كتاب مسائل الجاهلية، ذكر فيه مائة وثمانية وعشرين مسألة، مما كان معروفا من أعمال أهل الجاهلية، وهدمه الإسلام، ثم رجع الناس إليه، معرضين عما في القرآن والسنة من آيات التحذير منه، لكنهم أحيوه بأسماء أخرى اخترعتها لهم الشياطين، ليلبسوا عليهم دينهم، ويفتنوهم عن عقيدتهم الصحيحة، التي نزل بها القرآن وشرحها النبي عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك من الكتب والرسائل التي كان يبعث بها إلى الأمراء والعلماء، إما ابتداء، وإما جوابا على أسئلة كانوا يوردونها عليه.
22-
من هذا يتبين واضحا حقيقة هذه الدعوة، وأنها أولى أن تسمى الدعوة "السلفية المحمدية" لأنها لم تخرج في جملتها وتفصيلها عن الإسلام الصحيح الذي بعث به جميع الأنبياء، وخصوصا خاتمهم وأشرفهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
23-
وإن أهم ما كان يعنى به الشيخ محمد في دعوته هو توحيد الآلهية والعبادة الذي هو حق الله تعالى على عباده شكراً منهم لله سبحانه وتعالى على
ما أنعم عليهم بصفة ربوبيته، فإنه ربهم وحده باعتقادهم وفي الواقع، فالواجب أن يكون هو معبودهم وحده، كما قال {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذريات:56-58] .
24-
ولقد خلق الله عباده على الفطرة حنفاء يعرفون ربهم فيعبدونه، فمازالت بهم الشياطين حتى أفسدت عليهم فطرهم بالأهواء والفتن، ووضعت في طريق معرفتهم لله عقبات حجبت عن قلوبهم نور المعرفة الصحيحة، فاتخذوا من دونه أنداداً يحبونهم كحب الله، ويطيعونهم في غير ما أمر الله باسم المشايخ والعلماء، وآلهة يعبدونهم ويدعونهم في شدائدهم، ويلجأون إليهم في مهماتهم، باسم الأولياء، والشفعاء، والوسائط والوسائل من أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وما عندهم بها من علم {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} [لنجم: 28] ولقد لبس عليهم الشياطين حتى زعموا أن هذه الظنون التي يمليها سدنة أولئك الأنداد والأولياء، ويتأكلون منها-: علوما يقينية، وأخبارا حقيقية، يشكون في كل شيء ثبت بالعيان ولا يشكون فيها، وذلك لأن الشياطين قد أفسدت عليهم فطرهم وحجبت بصائرهم بغشاوات من العمه والغي والفساد، فكل ما جاء على خلاف معتقدهم هذا نبذوه، وعادوه، وأبغضوا القائم به، وحاربوه بكل ما عندهم من قوة، ولو قد تبين لهم الحق وقامت عليهم الحجة! فهم محجوبون على عقولهم، لا يقدرون على فكّها من الأغلال والقيود، فلو جاءتهم كل آية لا يؤمنون {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ
يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنعام:25]
25-
فوظيفة الرسل صلوات الله تعالى عليهم، ووظيفة أتباعهم السالكين لسبيلهم الوارثين لعلومهم وهديهم، هي كسر هذه الأغلال عن القلوب وإرجاعها إلى حالتها الفطرية، سليمة صافية ترى كل شيء على حقيقته فترى الحق حقا والباطل باطلا، وسلاحهم لذلك ما يوحي الله تعالى من علوم، وما ينزِّل من هداية ورحمة، وما يصف نفسه به من صفات حسنى بأسلوب ونظام يملأ القلوب إجلالا له، وحبا خالصا، ليعبدوه مخلصين له الدين حنفاء.
26-
كذلك قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري، ومن قبله قام بهذه الوظيفة علماء مخلصون صادقون، ولا تزال في هذه الأمة طائفة قائمة على الحق لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى يأتي أمر الله، كما أخبر بذلك الرسول الصادق صلى الله عليه وسلم.
27 -
ومن أبرز هؤلاء وأظهرهم في القرنين السابع والثامن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله، فإن هذين الإمامين الجليلين قاما في وقتهما بجهاد ما كان مستوليا على الأمة من الجبت الطاغوت، فقام عباد هذه الطواغيت يدفعون عن أنفسهم وعن طواغيتهم بكل ما استطاعوا: تلك الصواعق التي كان يرسلها هذان الإمامان من سماء علمهما، وما زالت الحرب بين حزب الرحمن وحزب الشيطان على أشدها حتى اخترمت المنية شيخ الإسلام ابن تيمية حبيسا في قلعة دمشق التي كانت
تحاول يد الظلم القاسية تقييد علمه، وإطفاء نوره، ولكن الله غالب على أمره، فكان يبعث علمه، من طاقات السجن، وكان التلاميذ، ورواد منهله العذب يجلسون تحتها بمحابرهم وأوراقهم وهو يملي عليهم من حفظه، ثم قام من بعده ذلك التلميذ البار، وخلفه في جهاده حتى ملأوا الدنيا علما، وكبت الله حزب عدوه، وأذلهم في مواطن عدة.
28-
وما انقضى القرن الثامن الهجري حتى كان الجو العلمي مكهربا بنظريات ابن تيمية وابن القيم، ولم يستطع حزب الطواغيت أن يحط من قدر هذين المجاهدين، ولا أن يفل من سلاحهما على كثرة ما بذل من أنواع الجهود وما اتخذ من أسباب الأذى.
29-
ولقد كان من أضعف سلاحهم: الكذب والافتراء، الدال على نذالة في النفوس وحقارة، وأنه لم يبق عندهم من صفات الرجولة شيء، فقد قالوا عن شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه مجسم ومشبه الله بخلقه، إذ قالوا كذباً أنه قال: إن الله ينزل كنزولي هذا –ونزل درجتين من المنبر- كما اتهموه هو وتلميذه ابن القيم بأنهما يحقران عباد الله الصالحين وآل بيت النبي الطاهرين، وينكران كرامات الأولياء المتقين، وقالوا غير ذلك من الأكاذيب والمفتريات التي لا تروج إلا على من فقد كل شيء من الذوق والإحساس، أما من كمله الله بالعقل والتمييز فإنه يرجع إلى كتبهم المنتشرة في كل البلاد، فلا يجد فيها إلا تنزيها لله تعالى بما نزه هو نفسه، وتوضيحا لما في القرآن والسنة النبوية من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وصواعق مرسلة على الجهمية والمعطلة، ويرى فيها جموع الجيوش الإسلامية حشدت
لغزو أولئك المعطلة والجهمية، تسمهم بميسم الصغار والهوان، وتقطع لسنتهم الكاذبة، التي تقول على الله وفي الله بالهوى والرأي لا بالعلم والبرهان.
30-
ومهما حاول أولئك الطواغيت وعبادهم، زعزعة العقلاء الأحرار، والمفكرين الصادقين عن حب شيخ الإسلام ابن تيمية ومن تبعه قديما وحديثا، فلن يفلحوا أبدا، بل كل يوم يزداد حقهم ظهورا، وعلمهم نورا، لأنهم يستمدون ذلك من نور القرآن والسنة، ولا يخرجون عنهما قيد شعرة، ولأنهم مع الحق، والحق لا يفنى ولا يزول.
31 -
وعلى نهج شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم سلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، لكنه كان قد هيئ له من الظروف ما لم يتهيأ للشيخين، فبلاد نجد البدوية غير مصر والشام التي كانت تعج بالملوك والأمراء والجيوش والقواد، والمدارس، والحضارات، وتكايا المتصوفة المختلفة، والقضاة، والعلماء المدرسين في جميع المذاهب، وما كان باقيا من آثار عقيدة العبيديين وعلومهم الزائفة، والنجديون كانوا –ولا يزالون- يعظمون أهل العلم، ويوقرونهم، ولا يصدر الأمير إلا عن ما يقول العالم، فكان مقام العلماء في نفوس الناس يحمل الأمراء على الرغبة في الاعتزاز بهم، ومن أجل هذا وجد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب من بين أمراء نجد من يرحب به، ويؤيه، وينصره، ويضع سيفه وملكه تحت تصرفه.
32-
فكان أن قوي ساعد الشيخ، وارتفع صوته، وعلا ذكره وجاء إليه الناس أفواجا، وكان أن امتد سلطان دعوة التوحيد حتى خفقت راية
الإسلام في ظلها في كل نواحي نجد وأغرى ذلك البلاد المجاورة فقامت تخطب وُدَّ هذه الراية، وتتطلع بشوق عظيم إليها، ورفع الإسلام طرفة الكسير إليها في رجاء وضراعة، يستمد من قوتها أن تتداركه، لتقيله من عثرته، وترفع عن ظهره كابوس البدع والضلالات التي ناء بها، فسرعان ما لبى السعوديون السلفيون ضراعته، وذهبوا يكسرون تلك الأغلال الشركية عنه، ويهدمون هذه الطواغيت والأنصاب التي كادت تقضي عليه، واستخلصوا الإسلام في هذه البلاد والنواحي من براثن أعدائه، فما لبث أن قام أعداء الأنبياء من شياطين الجن والإنس يتصايحون بالويل والثبور، ويتنادون:{وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68]
33-
لكنهم أضعف ناصراً وأقل عدداً، فلجأوا إلى الدولة العثمانية يستنصرون بقوتها وبجيشها، ويستفزون ملوكها وقوادها بأساليب الخدع وأنواع الإغراء: بأنها حامية الإسلام، وأن أولئك النجديين يفسدون قلوب الناس، ويغيرون عقائدهم، ويريدون تحويلهم عن الطريق الموروثة، والسبل التي وجدوا عليها الآباء والأجداد، ويحقرون شعائر الدين بهدم قباب المشايخ والأولياء الكبار، التي أطبقت الأجيال على تعظيمها والتبرك بها، وأن قعود الدولة عن رد هؤلاء المعتدين يذهب بهيبتها من نفوس المسلمين، ويحقر من شأنها عندهم، فلا تبقى صاحبة الحق في دعوى الخلافة عليهم.
34-
وما زالوا بالعثمانيين يتوسلون إلى ملوكهم وقضاتهم وشيوخ إسلامهم وقواد جيشهم ووزرائهم حتى بعثت جيشا لمحاربة السعوديين، فما لبث أن
أوقع الله الرعب في قلوبهم فولوا الأدبار، ثم أعادت الكرة فكان نصيب هذه الحملة كالأولى، وهكذا دَحر جيش الموحدين جيش العثمانيين في مواقع عدة، حتى انتهى الأمر بهم إلى دخول الحجاز آمنين، محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون، وأزالوا ما كان به من آثار، وهدموا ما كان على قبور آل البيت وغيرهم في مقبرة المعلاة من قباب، وأبطلوا ما كان في مكة من شرور ومظالم، فكان دخولهم الحجاز أكبر صاعقة على رؤوس عباد القبور، ودعاة الموتى، وأئمة البدعة والمتأكلين بهذه الآثار، فضاعفوا جهودهم في الكيد للموحدين، ورأت الدولة العثمانية من ناحيتها أن ذلك قضاء تام على سلطانها ونفوذها، وأن هؤلاء النجديين الموحدين لا يقفون عند هذا الحد؛ فإنهم لا يزالون يرسلون بعض السرايا لأطراف الشام؛ ويبعثون بالكتب والرسائل إلى ولاة الشام والعراق وزعمائها وعلمائها يدعونهم فيها إلى تحقيق كلمة الإخلاص، وتحقيق أتباع الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم علما وعملا؛ وأن هذه الدعاية التي يقومون بها معقولة مقبولة؛ وأنها لا بد واجدة من كثير من الناس تحبيذاً لها، وإقبالا على اعتناق ما تدعوا إليه من عقائد وأعمال؛ وهاهم قد وضعوا أيديهم على الحرمين الشريفين قبلة العالم الإسلامي، ومحط آماله، ومجتمع وفوده كل عام لأداء مناسك الحج، فهما كمنبر عام يتلقى المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ما يلقى من فوقه بالقبول الحسن؛ وينظرون إليه بعين الإجلال والاحترام، بل هما بمثابة مفتاح لقلوب المسلمين؛ من أمسك به فقد أخذ بمجامع هذه القلوب، وتمكنت فيها هيبته والطاعة له والانضواء تحت رايته حقيقة أو تقليداً.
35-
وملوك العثمانيين إنما كانت خلافتهم الوهمية تعتمد على هذين الحرمين؛ وفخرهم إنما هو بحمايتهما وخدمتهما؛ وأعذب الألقاب في أسماعهم وأضخمها "سلطان البرين والبحرين، وخادم الحرمين الشريفين" ويعتقدون أن جمهور المسلمين لا يقر لهم بهذه السلطة الوهمية في الخلافة إلا بهذه الحماية والخدمة.
36-
أما وقد بسط السعوديون سلطانهم على هذه البقاع المقدسة، وقبضوا بأيديهم على مفتاح قلوب المسلمين؛ فهم بهذا يريدون ولا بد منازعة العثمانيين هذه الخلافة، سناد عزهم، وعماد ملكهم؛ وهم لا بد ساعون إليها إما قريباً أو بعيدا، وتمكن هذا الوهم.
37-
وما كانت هذه الخلافة العثمانية الضعيفة إلا نكبة على الإسلام والمسلمين؛ لأنها لم تكن في وقت من أوقاتها تعمل على تدعيم بناء الصرح الإسلامي، ولا على تقوية الوشيجة الإسلامية بين المسلمين، بل ما كانت تعمل إلا لإرضاء نعرات سلاطينها وزعمائها، وقضاء مآربهم من الرياسة أو الشهوات، وما كانت فتوحها لأجل نشر الإسلام وتعميم نوره في البلاد التي تفتحها، وإلا لبقي لذلك آثار خالدة كبقية آثار الفتوح الإٍسلامية الأخرى؛ وإنما كانت حروبها في أغلب الأحوال للملك والرياسة فقط، ولذلك فإننا نراها صمّت آذانها عن صراخ المسلمين بالأندلس الذين كانت تصبُّ على رءوسهم صواعق العذاب من المسيحية الظالمة، وما كان نصر الإسلام ودفع المسيحية عن محقه في الأندلس يكلف العثمانيين في ذلك الحين كبير مجهود، لأن دولتهم كانت في أوج قوتها وعزتها، وأنت إذا تتبعت أحداث العثمانيين وأعمالهم
في الدولة الإسلامية لوجدته على ما ذكرت لك، إلا قليلا لا يذكر بجانب إساءاتهم إلى الإسلام.
38-
على أنه يغلب على ظني أنهم ما كانوا يعمدون إلى هذه الإساءات ولا يقصدونها، وإنما كان يقع منهم ذلك عن جهل، وعدم معرفة لنتائجه، فقد كان أكثر علمائهم لا يعرفون من الإسلام إلا قشوراً لاخير فيها، ولا يفقهون من الدين إلا بعض كتب الخلاف والجدل، وما يسمونه بعلم الكلام وفلسفته اليونانية، وكانت عنايتهم بالدين منصرفة إلى زخرفة المساجد وتزويق المصاحف، وتجويد كتابة الدلائل والبردة ونحو ذلك، وكانت فئة أهل الطرق البكتاشية والمولوية والنقشبدنية والرفاعية وغيرها صاحبة السلطان التام النافذ على الملوك فمن دونهم، وحسبك بأبي الهدى الصيادي وسلطانه على السلطان عبد الحميد – دليلا على ذلك، وما تمكنت هذه الطائفة المدعية التصوف من دولة أو بلد أو جماعة إلا ألقت بها في مهاوي التهلكة السيحقة، وقضت على سلطان الإسلام والقرآن فيها بالفناء.
39-
وما ظنك بعقلية تعتقد أن سلطانها لا تشتد أواصره، ولا تقوى دعائمه إلا إذا كان شيخ الطريقة البكتاشية أو المولوية هو الذي يتفضل بالباس الملك الجديد والخليفة ما يزعمونه البردة في حفل حاشد من الجمهور والدهماء؟ أي عقلية هذه العقلية؟ وأي تأثير في نفوس الجمهور ينطبع لهذا الشيخ الذي لا يعرف من الدين إلا إتقان رقصة المولوية على الناى والمزمار؟ وأي خلافة هذه الخلافة التي تسمد سلطانها ونفوذها من أولئك المشايخ
الذين هم أبعد الناس عن هداية القرآن، وسنن النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام!!.
40 -
لقد خدع أولئك الشيوخُ ملوك آل عثمان شر خديعة، وغشوهم ِأعظم غش، إذ أوغروا صدورهم على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وشوهوا وجهها الجميل بما كذبوه عليها، وألصقوه بها من الفِرى والبهتان، حتى قامت هذه الدولة التي تدعي الخلافة الإسلامية تحارب الدعوة الإسلامية!!
41 -
ولو أن ملوك العثمانيين قبلوا في ذلك الحين دعوة الحق، واستجابوا لصوت القرآن وداعي التوحيد، وأحيوا العمل والحكم بما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لعادت خلافتهم إسلامية حقيقية، والتفَّ المسلمون بقلوبهم وأرواحهم حولها، وسرت فيها روح العظمة والقوة، وتوطدت دعائمها، فما كانت تستطيع أن تنال منها ما نالت تلك المعاول التي سلطها عليها أعداء الإسلام أخيراً فقوضوا بناءها المتداعي، وذهبوا بخيالها الذي كان كالعهن المنفوش، وأصبح المسلمون بعد هذه الأحداث بلا خلافة يعتزون بها، حتى ولو كانت صورية، وقرَّت عيون دول الفرنج التي كانت هذه الخلافة غصة في حلوقها، وقذى في عيونها.
42 -
ولعل الله سبحانه وتعالى يهيئ للمسلمين ملكا عادلا مسلما صحيح الإسلام، عظيم النفوذ واسع السلطان يرجع للإسلام خلافته ومجده في ظله، والله بعباده رءوف رحيم.
43 -
استجاب العثمانيون لدعاة السوء الخادعين الغاشين، فقاموا يحاربون دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، واستنصروا عليهم بالسيف والقلم، والمدفع
واللسان، واستخدموا لذلك كل من يقدرون على استخدامه؛ فقام كل بما وظف له.
44 -
فأما رجال اللسان والقلم فأخذوا يشوهون سمعة هذه الدعوة وشيوخها وأتباعها، ويصمونهم بأقبح الصفات، وينبزونهم بأشنع الألقاب، وينسبون إليهم أعظم الجرائم.
45 -
فمرة يصفون شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب بأنه مدع الاجتهاد والإمامة في الدين، ومحدثٌ مذهباً جديدا غير المذاهب المعروفة، وأنه بهذا يحتقر الأئمة ولا يعترف لهم بالإمامة، ويدعي أنه أعلم منهم وأولى بالإمامة والفضل.
46 -
وليت شعري: ماذا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أو غيره من أهل العلم الأكفاء، أن يسلك إلى العلم طريق الأئمة المجتهدين، ويرجع في كل الأحكام إلى الكتاب والسنة، وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم؟ وما فائدة القرآن الكريم والحديث النبوي إذا لم يكن بقاؤهما ليتعلم الناس في كل عصر منهما الإسلام الصحيح والدين الحق؟ وما قيمة ما ثبت عن علماء السلف جميعاً رضي الله عنهم من شديد النهي والتحذير عن التقليد الأعمى لأقوال الرجال والعصبية لفلان على فلان؟ أمن المعقول أن نتبعهم في القول الفلاني، ورأيهم في الحكم الفلاني ونخالفهم في هذا النهي والتحذير الشديد عن التقليد؟ لا، بل إنهم ليكفرون من اتبعه وعمل به وحققه.
47 -
فإن كانوا يزعمون أن الله تعالى قد أغلق أبواب الهداية من القرآن والحديث فليأتونا بدليل على ذلك، وإن كانوا يزعمون أن الله لم يشأ خلق العقول التي تفهم دينه الذي حفظه وأبقاه إلى قيام الساعة محجة واضحة للمؤمنين،
وحجة قائمة على الكافرين، فقد ضيقوا فضل الله الواسع، وما يجترئ على هذه المقالة إلا جاحد أو غبي، وإن كانوا يزعمون أن القرآن أصعب على الأفهام وأبعد عن عقول أهل هذا الزمان، فذلك والله أبطل الباطل، فأين عذوبة القرآن وسلاسة معانية؟ وسهولة ألفاظه وإعجاز مبانيه، من الكتب التي زعموا أنها الدين والتوحيد في كلامها المعقد، وعباراتها المشوشة، ومعانيها المظلمة، التي يصرف طلابها فيها السنين ولا يخلصون منها بطائل؟!!
48 -
وإن زعموا أن الفِطَر قد فسدت، والقلوب قد تغيرت، والأفهام قد صدأت، فنقول لهم: نعم، في هذا صدقتم، ولكن ما أفسد الفطر إلا علومكم العقيمة، وكتبكم المشوشة وطرائقكم الملتوية، ومذاهبكم المعقدة، وأحزابكم وأذكاركم المبتدعة، ومخادعتكم الناس: بأن الله قد فرق الإسلام شيعاً ومذاهب، فرضٌ واجب تقليد واحد بعينه منها والتعصب له، والحمية الجاهلية في الدفاع عن حقه وباطله، وصوابه وخطأه!!؟
49 -
نعم فسدت الفطر بما تغرسون في نفوس النشء من أن هذه الآية الظاهرة المعنى الواضحة الدلالة، ليست على مذهب فلان، ولا على طريقة فلان، وهذا الحديث الصحيح الثابت المحكم، لم يأخذ به فلان، وأخذ به فلان، فجعلتم القرآن والسنة عِضِين، آمنتم بما وافق أهواءكم منها ورددتم ما خالفه، وألزمتم الناس ذلك، ففسدت الفِطَر والعقول، وصدأت الأفهام والقرائح، وكيف لا تفسد الفطر ولا تسود القلوب من كل هذا، وقد حلتم بينها وبين غذائها النافع، وروحها وريحانها الذي لا تجده إلا في أصدق الحديث وأطيبه، وأنفعه وأوضحه وأبينه: من قول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم
50 -
فليس القرآن ببعيد المعنى، وليست السنة بمستعصية على طالبيها، وإن كل ذلك لسهل ويسير {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [قّ: 37]
51 -
فاغسلوا أيها الجامدون قلوبكم وعقولكم من هذه الزبالات، ونقوها من هذه الوساخات، واطردوا ما فيها من الظلمات بنور القرآن والسنة تروا العجب من آيات الله وهدايته {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:17] {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا؟} [محمد:24]
52 -
بلى، يارب إنه على القلوب أقفالها من طاغوت التقليد الأعمى، والعصبية الجهلاء، فاكسر اللهم بفضلك تلك الأقفال، وطهر القلوب من هذه العصبية، واهد قومي فإنهم لا يعلمون.
53 -
شنع عبدة الطواغيت على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بدعوى الاجتهاد، وهي المحمدة كل المحمدة، التي حقٌ على كل مسلم أن يسلك سبيلها بالعلم الصحيح مع الإخلاص واللجأ إلى الله مالك القلوب أن يهدي قلبه، ويشرح صدره، وكذلك صنع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويصنع غيره من المؤمنين المخلصين في كل عصر ومصر.
54 -
لم تلق هذه التهمة رواجا عند الناس، ولم يأبه لها الجمهور، وعدها العقلاء حسنة لا سيئة، فقام دعاة الفتنة وعبدة الطاغوت يرمونه وشيعته بشنيعة أفظع، وفرية أدخل في البهتان، إذ قالوا: إنه يبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه وشيعته يحرمون قول:"أشهد أن محمداً رسول الله" ويمنعون من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون: عصا أحدنا خير منه صلى الله عليه وسلم، وأنهم يبغضون الأولياء والصالحين، ويحقرون آل بيت النبي، ويحرمون زيارة
المقابر، ويخربون المساجد، ويهينون شعائر الإسلام، بهدم القباب والقبور، ويكفرون المسلمين، إلى غير ذلك مما سودوا به الصحف.
55 -
والله يعلم: أن أشد الناس حبا للرسول صلى الله عليه وسلم، وتعظيما له وتوقيراً لآل بيته الطاهرين، وإحياء لسنته، تمسكا بدينه وشريعته: هم أولئك النجديون أتباع الشيخ محمد، بل لا أرى أحداً من أهل الأرض اليوم أحرص على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم منهم.
56 -
اقرأ كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، صغيرها وكبيرها، وكتب أولاده وأحفاده، وكتب العلماء الآخرين من النجديين، ومنشورات الأمراء، فلا يمكن أن يمر بك فيها ذكر النبي إلا وتجد الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، محال أن تجد في أحدها لفظ "محمد" مجردة جافة، تقرع أذن المسلم وقلبه فتؤلمه، بل تجد فيها من تبجيل النبي صلى الله عليه وسلم ما ينبئ عن حب خالص وتعظيم حقيقي تقر به عيون أحباب الرسول صلى الله عليه وسلم.
57 -
لقد كنت ألقي في محطات الإذاعة الأهلية بمصر من سنتين مضتا محاضرات في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكنت كلما ذكرت اسمه صليت عليه طبعا، اتباعا لما أمر به الله ورسوله، وكنت كلما لقيت واحدا من سامعي هذه المحاضرات يظهر لي الضجر والسِأم من كثرة ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وينصح لي باختصار ذلك، وطبعا كنت أحاول إقناعه بوجهة نظري، فكان القليل هو الذي يقتنع، والكثير يصر على قوله، وما كنت ألتفت إليه، بل أود لو يكون كل حديثي في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أكثر قولي صلاة عليه.
58 -
هذا وقد حضرت مجالس لا تحصى لجلالة الملك عبد العزيز آل سعود، ولسمو ولي عهده الأمير سعود، ولسمو نائبه على الحجاز الأمير فيصل، ولغيرهم من علماء وعامة، وكنت شديد الملاحظة، فما كان أكثر ذكرهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أبدا أن يذكر أحد منهم اسمه الشريف مجرداً عن الصلاة والسلام عليه، وما حفظت أبداً على واحد منهم أنه تركه ولو سهواً.
59 -
ولقد كتب الأستاذ المرحوم أمين الرافعي بك مثل هذه الملاحظة في جريدة الأخبار بعد عوده من الحج في إحدى السنين، وحضوره مجلس جلالة الملك، والأمراء، فانظر بالله، أمثل هؤلاء يقال عنهم: إنهم يكرهون النبي صلى الله عليه وسلم، ويحرمون الصلاة عليه؟ اللهم إن هذا بهتان عظيم من أعداء رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم تنبه لما سيتلى عليك من خطب الملك ابن السعود وكتبه في القسم الثاني إن شاء الله.
60 -
أما دعوى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، فليس عليها من حجة ولا برهان، وما هي إلا دعوى مجردة، نطقت به ألسنة الفساد، مثل ما اتهم المشركون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بانتهاك الأشهر الحرم وما كانت حروب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا دفعاً لشرورهم، وتعظيما لحرمات الله. كذلك ما كان قتال النجديين إلا جهادا في سيبل الله، وهدما لآثار الوثنية. فمن وقف في سبيل تنفيذ ذلك حاربوه. فمن خلى بينهم وبين هذه الطواغيت لم يتعرضوا له، كما سيأتيك من أخبار حروبهم وجهادهم ما فيه أوضح الأدلة على ذلك ثم هذا إمامهم، والذي هو أعظم ملك قام
بنصر هذه الدعوة الإسلامية، وأيدها حتى امتد سلطانها، جلالة الملك عبد العزيز آل سعود، وهذا موقفه بالأمس في الحرب اليمنية. وكل العالم يشهد أنه طالما صبر على الأذى، ودفعه بالحسنى، محاولا حقن الدماء الإسلامية، واتقاء الفتن، ومازال كذلك حتى أرغم على خوض غمارها، فكان النصر حليف جيشه، رغم كل الجهود التى بذلت، ثم كان أن لجأ الإمام يحيى إلى طلب الصلح. وشرط الإمام يحيى من شروط جائرة، منها أن يرجع الجيش السعودي إلى بلاده، ويخلى كل بلد وبقعة احتلها بلا مقابل، ولا غرامة مالية، فقبل جلالة الملك ذلك، وأرغم جيشه على التقهقر والعودة، فعادوا وهم يبكون على ترك ما أخذوه بحد سيوفهم، ولكن طاعة الملك عندهم كانت أعز من كل شيء فهذه مواقف هذا الملك العظيم كلها سلم إلا إذا اضطر وأكره على دفع الأذى. فبعد هذا يقال: إنهم يستحلون الدماء والأموال الإسلامية؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
61 -
لم يكن شيء من هذه الحقائق يغيب عن عقول الناس وأذهانهم بعد أن انتشرت كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأولاده، وأقبل كثير من الناس عليها يقرؤونها بشغف وإخلاص، ولكن عبدة الطاغوت هم الذين أقض مضاجعهم، وأوقد نار الغيظ في قلوبهم ما رأوا من سرعة انتشار هذا الدعوة، وأنها كادت أن تطهر الجزيرة من زيفهم الكاذب ودجلهم الباطل، وتقضى على سلطانهم الوهمى، فقاموا يجلبون عليها بكل ما أوتوا من قوة، وينفثون سمومهم في العقول لإبقائها على مرضها وفسادها،
واستغلوا جهل ملوك الأستانة ونعرتهم وخلافتهم، وأخذوا يهولون من شأن هذه الحركة الإسلامية الإصلاحية، ويخوفونهم عاقبة انتشارها: أن تقضي على دولتهم، وتأتى على ملكهم من الأساس، وكان ضعف عقولهم وخمود فكرهم في البحث في علوم الدين، وانقيادهم الأعمى لمدعى التصوف قد هيأ مرتعاً خصباً لدعاة السوء، ونافخي بوق الفتنة. فقام كثير من أدعياء العلم في مصر والحجاز والآستانة ينصرون هذه الدعاية السياسية ضد حركة الإصلاح الوهابية السلفية.
62 -
وكان لأولئك الأدعياء من سلطان آل عثمان وأنصارهم وشيعتهم ما استعانوا به فأعانهم، على طبع الآلاف المؤلفة من هذه الكتب والرسائل، وتوزيعها على الناس ونشرها في الأمصار الإسلامية، وبذلوا كل جهد في ترويجها بما أوتوا من قوة وسلطان، فلم يلبث العامة الذين لا يعلمون من الدين شيئا إلا تقاليد لا قيمة لها، ولا يعرفون العلم إلا إذا كان من كتاب مطبوع، ولا يقيمون وزنا للقول إلا إذا كان مقدماً له بمقدمة "تأليف العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة، القطب الرباني، والفرد الصمداني". وما إلى ذلك من تهاويل تدهش العامي فيخر لها عقله وقلبه ساجدا وهو لا يدري.
63 -
ثم ما زالت هذه الدعاية السيئة بالكتب والخطب والدروس: تفعل فعلها وبجانبها قوة السيف والمدفع تحصد في جند السعوديين حصداً، وتطاردهم من بلد ومن واد إلى واد حتى كان من قضاء الله أن خمدت جذوة هذه الدعوة حينا من الدهر
64 -
هذه هي العوامل الحقيقية –فيما أعلم وأعتقد- التي شوهت دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وجعلت هذا اللقب عند العامة مماثلا ليهودي أونصراني، لا بل لقد سمعت بأذني من يقول: أن النصراني واليهودي خير من الوهابي، وسمعته من بعض من ينتسب إلى العلم، ومنهم من لفت نظره إلى ما في هذه المقالة من خطر، فإن قائلها لا علم له بأصول هذه الدعوة ولا معرفة عنده لحقيقتها، فمنهم من أنصف من نفسه، وطلب الكتب، فحين قرأها صار من أشد الدعاة إليها ومن أقوى أنصارها.
65 -
ذلك يدلكم يا إخواني على مقدار تأثير هذه الدعاية السياسية وبلوغها بأساليبها الشيطانية في افتراء الكذب وإلصاق التهم الشنيعة بهذه الدعوة أن وقر في وهم الجمهور الإسلامي الكره الشديد والمقت لهذه الدعوة وكل من يمت إليها بسبب، بل لقد جعلوه سبة لكل مطعون عليه في دينه عندهم.
66 -
والدليل على أن الكره إنما كان عن وهم لا حقيقة له في الواقع ودعاوى باطل لا تعتمد على حجة ولا برهان: أنه بمجرد أن قامت دولة التوحيد على ساعد الإمام الكبير، والبطل العظيم عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي آل سعود، وامتد سلطانها على شبه الجزيرة وانبعث منها نور العدل الإسلامي في البلاد، وقامت حدود الله، وظهر الهدى والرحمة في العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونشر الهدية السنية والتحفة النجدية بالعربية في مصر وما حولها، وبالأردية في الهند وبالملايو في جاوه، وغيرها من كتب التوحيد للشيخ وآله ما لبث الجمهور
الإسلامي أن عدل رأيه وبدأ ينظر إلى ما كان يلقى على سمعه من المنابر وما يَقرأ في الكتب والصحف عن هذه الدعوة بحذر، ولا يأخذه على علاّته، ثم ما لبث أن تبين العقلاء ما في هذه الكتب من الباطل والكذب والبهتان، وازدادوا إيمانا بهذه الحقيقة حين فتحت أبواب الحجاز، وذهبت الوفود الإسلامية وهم يرتجفون من هول ما قد كانوا يتوهمون أنه سيرونه في الحجاز من المنكرات والشنائع التي قيل، إن الحكومة السعودية أحدثتها، فإذا بهم يرون بلادا عمها الأمن بكل مظاهره، وشملها الخير من جميع نواحيه، ويرون قوما مؤمنين يبذلون أقصى ما في وسعهم للترحيب بوفد الله وضيوفه، ويرون ملكا ديمقراطياً مسلما، كواحد من رعيته في لباسه ومظهره وتواضعه وأخلاقه، ويجلسون إليه فيسمعون منه عن الإسلام والمسلمين وعن الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة، والكتب الدينية، وغير ذلك من الشئون الإسلامية، في فصاحة نادرة، وقوة بيان، وحجة واضحة، وجلال الملك، وأبهة الدولة، ما تأخذهم روعته ويجذبهم بحلاوته، فينصرفون من مجلس جلالته وكلهم إيمان بأن كل ما سمعوا على منابر الفتنة، وما قرأوا في كتب الدجل والبهتان كذب صراح، وباطل محقق، وإن من أظلم الظلم أن تؤخذ هذه الجماعة الموحدة الداعية إلى التوحيد بذلك الإفك الذي سودت به هذه الصحائف.
67 -
ثم رجعوا إلى بلادهم وكلهم ألسنة بالحمد والثناء على ما رأوا في الحجاز من حكومته وشعبه وملكه، بردّ هذه المفتريات التي ملأت أوهام العامة والدهماء، وها أنا ذا أسوق إليك ترجمة الإمام العظيم، المجاهد الكبير،:الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتعرف مكانته العلمية، ومنزلته الدينية: