المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حال الحجاز في العهد السعودي وقبله وبعده: - أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمراني في جزيرة العرب وغيرها

[محمد حامد الفقي]

الفصل: ‌حال الحجاز في العهد السعودي وقبله وبعده:

‌حال الحجاز في العهد السعودي وقبله وبعده:

229 -

كانت الدولة العثمانية حين قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته، في غاية الخلل والانحلال، واضطراب حبل الأمن في ولاياتها ووهن عناصر القوة فيها: وكان من آثار هذا الوهن: أنها لا تولي – في الغالب- وظائف الدولة، وإمارة الولايات، إلا لمن يدفع الرشوة ثمن ذلك لمن بيده الأمر، وربما يكون الأمر في كثير من الأحيان بيد جهلة المتصوفة أو بعض أشياعهم الخاضعين لنفوذهم. فيكون من أثر هذا أن تسند الأمور إلى غير أهلها، فضلا عما كان عليه كثير منهم من انحلال الأخلاق بانحلال عروة الدين عن نفوسهم، فكان الوالي إذا حل في وظيفته لا همَّ له إلا إشباع نفسه الشرهة، من شهوات وملذات، ومن أموال ودور وعقار، يأخذها غصبا، ويدفع ثمنها لمن يطلبه سياطا على الظهور والجنوب، وكم أصيبت مصر وأهلها بالكثير من هذا الأذى، مما ألجأ المصريين إلى انتخاب محمد على باشا واليا على مصر، لما توسموا فيه من الخير لمصر والعقل والسياسة، والقوة، والحزم، وحب الإصلاح العمران.

230 -

فقامت الدولة وقعدت، وأرغت وأزبدت، فلم يعبأ محمد على بها، ولم يعرها المصريون اهتماما، وتمنوا لو أنهم تخلصوا مرة واحدة من هذه التبعية التي طالما جرت على مصر الدمار والخراب

231 -

وأخذ محمد على باشا سبيله في إصلاح مصر، وتنظيم جيشها، واستثمار أراضيها وخيراتها، وإعدادها لتكون دولة عظيمة كشأنها في الأعصر الماضية. وواتاه الحظ، بما وجد في نفوس المصريين من

ص: 91

التعطش لما يدعو إليه بعد ما احترقت قلوبهم من امتصاص الولاة الترك دماءهم وأموالهم

232 -

وسار محمد على باشا في سبيله بجد ونشاط لا يعرفان الكلل ولا السآمة، وقضى على كل مخلفات ولاة الأتراك من الرشوة، والاغتصاب والظلم وانتهاك الحرمات، فسارت مصر إلى الرقي المادي بخطى واسعة حتى تبوأت مكانة، خافتها الدولة العثمانية وخشيت من تقدم الوالى العظيم محمد على المطرد في سبيل المجد والعظمة.

233 -

وكان الحجاز أشقى من مصر، وأتعس حظا، إذ كانت الدولة تعتبره منفى لكل وال، أو موظف، أو ضابط، اشتهر من أعماله وأخلاقه ما يضج منه العباد والبلاد، فأين تذهب به؟ وأي البلاد ترميها بهذا الأثيم؟ الحجاز المسكين، البلاد المقدسة التي جعلها الله مثابة للناس وأمنا. فإذا ما حط رحله في الحجاز، وهو يعتقد أنه جيء به إلى المنفى للانتقام منه- أخذ يأتي من أنواع فساده وضروب شره، ما كان من نتائجه: الذي تسامع به الناس كلهم: أن مكة منتشر فيها الأمراض السرية: من السيلان والزهري وغيرها من ثمرات الفسق والفاحشة، مما أمسك قلمي ولساني عن الخوض فيه. وكان فيها من أنوع التهتك في الملاهي والخمور ما يدهش الإنسان عند ما يسمع حكايته ممن شهدوه في عهد الأتراك من كبار الأسنان.

234 -

وكان هذا شأن ولاة الأتراك في الحجاز إلا القليل النادر جدا من بعض الولاة الصالحين الذين يعدهم الحجازيون على أصابع يد واحدة أو أكثر بقليل. وإلى جانب هؤلاء الولاة المفسدين من الأتراك يأتي الأشراف

ص: 92

الذين كان أكثرهم مُنشأ في الآستانة، أو ما شابهها في المدنية، والذين كان أكثرهم لا يحسن إلا التعاظم بالأنساب، والتفاخر بالآباء والأجداد، وينظرون إلى الناس كأنهم جميعا عبيد لهم، وكل ما ملكت أيديهم فهو حق للشريف يأخذ منه ما يشاء فكم كان لهؤلاء أيضا من أذى وفساد ونهب واغتصاب للأموال والأعراض، وانتهاك للحرمات، إلا من شاء الله من القليل الذي كان يخاف الله ويتقيه.

235 -

كان هذا في الحجاز سببا عظيما مهد الله به للسعوديين الموحدين العادلين في دخول الحجاز سنة 1218، كما مهدَّ أيضا لهم ظلم الحسين بن على، واستبداده وغطرسته وجهله في إدارة الشئون. في دخولهم إياه سنة 1343.

236 -

كتب الإمام سعود بعد دخوله مكة إلى السلطان سليم العثماني الكتاب الآتي: "من سعود إلى سليم. أما بعد فقد دخلت مكة في الرابع من المحرم سنة 1218، وأمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم، بعد أن هدمت ما هناك من أشباه الوثنية. وألغيت الضرائب، إلا ما كان منها حقا. وثبت القاضي الذي وليته أنت طبقا للشرع. فعليك أن تمنع، والي دمشق ووالى القاهرة من المجئ، بالمحمل والطبول والزمور إلي هذا البلد المقدس. فإن ذلك ليس من الدين في شيء. وعليك رحمة الله وبركاته".

237 -

ويقول المؤرخ النجدي ابن بشر رحمه الله "شهدت سعودا، وهو راكب مطيته محرما بالحج ونحن مجتمعون في نمرة لصلاة الظهر والعصر خطب قوق ظهرها خطبة بليغة وعظ الناس فيها وعلمهم المناسك، وذكرهم

ص: 93

ما أنعم الله عليهم من الاعتصام بكلمة لا إله إلا الله، وما أعطى الله في ضمنها من الاجتماع بعد التفرق، وأمان السبل، وكثرة الأموال، وانقياد عصاة الرجال، وأن أضعف ضعيف يأخذ حقه كاملا من أكبر كبير من مشايخ البوادي، أو عظم عظيم من رؤساء البلدان. ونادى وهو على ظهرها: لا يحمل في مكة سلاح، ولا تتبرج امرأة بزينة. وتوعد من فعل ذلك من جميع رعيته. وجعل في الأسواق وقت الصلاة رجالا يحضون الناس عليها فلا تجد فيها وقت الصلاة متخلفا إلا نادرا. ولا تجد في الأسواق من يشرب التنباك ولا غيره من المحظورات إلا مالا يرى ظاهرا".

238 -

هذا هو دستور آل سعود في حكمهم الأول للحجاز، وهو دستورهم أيضا في حكمهم الثاني، لم يتغير فإذا ما قارنا بين ولاية الأتراك والأشراف وبين ولاية السعوديين لظهر لنا ما كانت تجره الأولى وراءها من مظالم، وأكل لأموال الناس بالباطل وانتهاك لحرمات الأعراض، وما يتبع ذلك من تمرد العريان وانتشار قطاع الطرق في كل مكان. وقسوة بالغة في معاملة الحجاج واستهانة بأرواحهم ودمائهم. دع عنك شيوع الجاهلية، وعقائد الوثنية، وإضاعة الصلاة، ومنع الزكاة، وتعدى الحدود، وغير ذلك. مما قضى على كل البلاد بالدمار والخراب، ثم كان من ثمرته أن قضى أخيرا على الدولة نفسها.

239 -

أين هذا من حكم السعوديين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإقامتهم لحدود الله بلا تهادن ولاتراخ، ونشرهم نور الله وبثهم المعارف في كل مكان يحلون فيه، حتى البادية، وإيقاف كل واحد

ص: 94

عند حده لا يتعدى على غيره في مال ولا نفس ولا عرض، والضرب على أيدي المفسدين بعصا الإسلام الرادعة الزاجرة، حتى أصبح الحجاز مضرب المثل في الأمن. والاستقامة على صراط الله القويم، ودبت فيه روح الحياة القوية بنشر العلوم والمعارف، وأخذ أهله في ظل هذا الاطمئنان يفكرون في الأعمال المثمرة، من صناعات وغيرها؟

240 -

حكي الأستاذ أمين الريحاني عن "بركهارت السويسري" الذي دخل مكة يوم كان الأمير محمد على باشا بها سنة 1230 أنه قال "ما شعرت في مكان آخر بمثل الطمأنينة التي كنت أشعر بها وأنافي مكة"ولكنه لم يجهل أو يتجاهل ما اشتهر به المكيون والترك يومئذ من قبيح العادات والتقاليد، فذكرها في كتابه كلها وقد قال في كلامه عن الوهابيين "إنهم حقا جاءوا يطهرون الحجاز" ثم قال "وما الوهابية إذا جئنا نصفها: غير الإسلام في طهارته الأولى، وإذا ما جئنا نبين الفرق بين الوهابيين وبين الترك مثلا، فما لنا إلا أن نعد الخبائث التي اشتهر هؤلاء الترك بها".

241 -

جاء الوهابيون يطهرون الحجاز، نعم، إنهم طهروه مما كان قد لوثه به ولاة الأتراك المنفيون إليه، ولكن شاء الله أن لا يطول عهد السعوديين في المرة الأولى في الحجاز، فخرجوا منه في سنة1228. وكان عليهم من الكائنات، والأحداث ما عزاه كثير من علمائهم، ومنهم ابن بشر:- إلى افتتانهم بالدنيا حين اتسعت عليهم. ودرت عليهم المال الكثير؛ وتراخيهم في تعليم الرعية الدين الصحيح، من القرآن والسنة، وانشغالهم

ص: 95

عن ذلك بما فتنوا به، وحين اختلطوا بالحواضر وامتزجوا بأهل المدن، فسرى إليهم من عدواهم. فانتقم الله منهم لذلك بما صار عليهم من الدمار والنكال. ونسأل الله لنا ولهم العافية من ذلك.

242 -

وصل سعود بجيوشه إلى الجوف ثم إلى بصري، وحوران فأصبح على حدود الشام، أغنى ولايات الدولة العثمانية، وقويت شوكة الأمير محمد على باشا في مصر، واشتهر صيته في الإصلاح والعمران. وهو رجل طموح إلى العلى لا يرضى إلا به، فماذا عليه لو نادى بنفسه ملكا على مصر، وكل المصريين يحبونه يسمعون له ويطيعون، وقد أصبح عنده جيش لا يستهان به؟ ثم ماذا يكون حال الدولة بعد هذه الكوارث: الحرمان الشريفان ضاعا بيد الوهابيين، والشام على وشك الضياع، ومصر كذلك؟ وأوروبا تنظر إلى محمد علي باشا، وقيامه ببناء هذه الدولة المصرية العظيمة بعين الحقد والخوف، أن يؤول ذلك إلى دولة إسلامية ضخمة ترجع إلى الإسلام مجده، وتخيب آمالهم التي كانوا يبنون قصورها من أنقاض الدولة العثمانية الظاهر وهنها وتحللها وفساد أمرها. فقاموا ينصحون للدولة أن تصدر أمرها إلى الأمير محمد على أن يذهب بجيوشه لحر ب الوهابيين، فتكون قد أصابت عصفورين بحجر واحد. وإما أن لا يظفر أحدهما بالآخر، فتبقى أمام عدو واحد. وإما أن لا يظفر أحدهما بصاحبه، فيكون ذلك إنهاكا لقواهما جميعاً، وشغلا لهما عنها، حتى تتفرغ لكليهما ولو بعد حين.

243 -

انتهزها محمد على باشا فرصة لتوسيع سلطانه ومد جناحيه

ص: 96

على الحرمين الشريفين، وذلك ما كان يرجوه ويصبو إليه من كل نفسه.

244 -

وبلغ محمد على ما أراد من الحجاز ونجد، فأراد ضمهما إلى مصر، لكن أوربا لم تمكن له، فأغرت به الدولة العثمانية، وكان هو من جانبه يصانعها حرصا على كيانها أمام أوربا، وخوفا على الخلافة أن تضيع، فعاد الحجاز إلى الدولة العثمانية في ربيع الأول سنة 1243هـ، وعاد الفساد والفسق، وعبادة القبور وانتهاك الحرمات واضطراب الأمن، وفساد لأحوال، وعادت الجاهلية قريبا مما كانت.

245 -

توالت على نجد، وعلى آل سعود الكوارث بعد الحرب التركية التي انتهت باستيلاء إبراهيم باشا على الدرعية، وتخريبها، والقبض على كل آل سعود وآل الشيخ، وإرسالهم أسرى إلى مصر، إلا من أفلت من أيديهم، وهرب في البادية فلم يقدروا عليه، وإرسال الإمام عبد الله بن سعود إلى الآستانة، ثم قتله بها، بعد إعطائه العهود الوثيقة بالأمان على نفسه وولده وماله. وعادت إليها القلاقل والفساد، لكن بعد مدة وجيرة، عاد كثير من آل سعود إليها، وعملوا على إرجاع ملكهم المضاع، وإصلاح ما فسد، ثم وقعت بين أفراد الأسرة السعودية فتن أخرجت الرياض من أيديهم في سنين عدة إلى آل الرشيد، من قبيلة شمر أمراء حايل.

246 -

كانت الدولة العثمانية لا تفتأ تغري آل الرشيد بآل سعود وتمدهم دائما بالسلاح والمال للقضاء عليهم، وبعد حروب وفتن وقلاقل انتهى الأمر إلى استيلاء عبد الرحمن بن الرشيد على الرياض وإخراج الإمام عبد الرحمن بن فيصل بن تركي، والد جلالة الملك عبد العزيز، إلى

ص: 97

الكويت، وكان الإمام عبد العزيز إذ ذاك في العاشرة من عمره، فأقاموا ضيوفا على مبارك الصباح أمير الكويت إلى رمضان سنة 1319، إذخرج الملك عبد العزيز على رأس 40 بطلا من آل سعود، مصمما على دخول الرياض وانتزاعها من آل الرشيد وقتل عجلان أميرها من قبلهم أو الموت، فانه أهنا من حياة الذل بعيدا عن ملكه ووطنه.

247 -

وكان السعد له رفيقا، فقد بلغ الرياض في اليوم الرابع من ذي القعدة، وأعمل الفكر في الاحتيال لدخول البلد، التي كانت مسورة بسور حصين تغلق أبوابه عند الغروب من كل يوم، فوفق الله، ودخل البلد، وتسلق الجدار حتى دخل القصر، وأخذ يبحث عن عجلان، في قصر الإمارة فوجده عند إحدى زوجاته في مكان آخر، فادخل رفقاءه وجلسوا يأكلون ويشربون إلى الصباح، ولبث حتى خرج عجلان من منزله، ثم هجم عليه هو ورفقاؤه وبعد محاولات، تمَّ قتل عجلان، وتسليم الرياض إلى البطل الفاتح عبد العزيز.

248 -

وفرح بذلك أهل الرياض كل الفرح، فان آل سعود- وخصوصا الإمام عبد الرحمن وبنيه- كان لهم في قلوب أهالي الرياض الذين كانوا مخلصين في إيمانهم وحبهم منزلة لا تدانيها منزلة، وذلك لما كان مشهورا عنه من الإيمان الصادق، والتقوى، والعدل والشفقة التامة بالرعية، والحظ الوافر في نصر عقيدة التوحيد. وقد كان العلماء من آل الشيخ يحبونه كل المحبة، ويعتبرونه كوالد للجميع. لما كان ينالهم من بره بهم، وعطفه عليهم.

ص: 98

249 -

ولقد كان يستحق هذا الحب وأكثر منه من آل الشيخ وطلبة العلم، وكل الناس، لأنه قد كان فيه من الخصال الحميدة، وصفات المؤمنين الأتقياء ما لا يكاد يوجد إلا في ولده جلالة الإمام عبد العزيز.

250 -

وقد رأيت يوم كنت بمكة كبار العلماء من آل الشيخ يبكون مرَّ البكاء يوم جاء الخبر بوفاة الإمام عبد الرحمن حتى لترى الواحد منهم كأنه يبكي أباه بل أكثر، وكنت تسمع من تفجعهم عليه، ومن حزنهم أمرا عجبا، وكانوا يقصون علينا من جلائل أعمال الإمام، وحبه لأهل العلم ما يعذرهم السامع له في ذلك الحزن ويشاركهم البكاء.

251 -

أخذ ابن الرشيد يشن الغارة ويؤجج نار الحرب على الإمام عبد العزيز سنين طويلة تمده فيها الدولة العثمانية بكل ما تستطيع حتى انتهى الأمر باستيلاء الإمام عبد العزيز على حائل سنة 1940، وأخذ آل الرشيد إلى الرياض ولا يزالون عنده إلى الآن في غاية الكرامة والإعزاز.

252 -

ثم كان شريف مكة الحسين ين على قد أعلن التمرد على الدولة العثمانية وقتل من ضباط الأتراك والموظفين في الحجاز منهم عددا كثيرا، ومثَّل بهم تمثيلا تتفطر لهَوْله القلوب، فإنه كان يأتي بجثة الضابط أو الموظف ويجرها من رجلها أمام زوجه وأطفاله والناس، وأخذ نساءهم وأطفالهم وسلمهم للانكليز، بعد أن سلط عبيده، وخدمه على أولئك المساكين يفعلون معهن ومع أطفالهن من المنكر ما يشمئز المسلم من ذكره وحكايته وما تسمع فواجعه المفتتة للقلوب من الحجازيين الذين شهدوا هذه المآسي

ص: 99

بأنفسهم، وجمع أقصى ما استطاع من عربان الحجاز وباديتها وجيشهم بقيادة والده الملك فيصل انتصاراً للانكليز على الأتراك في الجزيرة والشام وانتهى الأمر بانهزام الأتراك وخروجهم من الشام بعد أن أذاقوا أهله الأمرَّين من ظلمهم. ولقد كان لجيش فيصل هذا في الميدان الشرقي أعظم الأثر في انتصار الحلفاء في الحرب العامة، فإنه حفظ لهم طريق الهند، واستراليا، اللتين كانت ترد منهما الجيوش بكثرة هائلة.

253 -

وكان الحسين يفعل ذلك لاطفاء ما كان في نفسه من نار العداوة المتأججة على الأتراك، ويبتغى إرضاء الانكليز الذين منُّوه الأماني الكاذبة، وخدعوه بإمبراطورية عربية يكون حضرة الشريف على رأسها ملكا وخليفة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. وما لبثت أحلامه أن طلع عليها صبح الحقيقة، فتبددت وعجز أن يشفى غيظه من الإنكليز إذ خدعوه. فوجه نار حقده إلى ألد أعدائه وأعظم خصومه الإمام عبد العزيز، لأنه هو الأمير العربي الوحيد الذي كان يخافه لقوته وسطوته، والذي كان مع هذا الخوف يعتقد كفره لعقيدته السلفية التي كان الحسين يحاربها في الحجاز بكل ما استطاع، حتى منع دخول كتب شيخ الإسلام بن تيمية، وابن القيم ومؤلفات غيرهم من علماء السلف، الداعين إلى خلع الأوثان وإخلاص العبادة الله، وكان إذا سمع عن واحد من الحجازيين عنده كتاب من هذه الكتب زج به في غيابات سجن القبو، وقد فعل ذلك بالمرحوم الشيخ أبى بكر خوقير مؤلف فصل المقال، وإرشاد الضال في توسل الجهال، وولده الذي كان ضابطا بالجيش التركي حتى مات هذا الولد

ص: 100

الضابط وبقيت جثته أمام والده أياما كثيرة حتى تعفنت وظهر عفنها وما خرج الشيخ خوقير عليه رحمة الله من سجن القبر إلا بعد دخول السعوديين إلى مكة، بعد أن أصيب بأمراض مزمنة مما لقي من أهوال هذا القبو

254 -

ولطالما حاول إيصال الأذى لكبير أعيان الحجاز السيد محمد حسين نصيف أفندى، لأنه سلفي العقيدة، وما عصمه منه إلا الله ثم نفوذ هذا السيد، وغناه ومركزه المادي والأدبي في العالم الإسلامي كله

255 -

ولقد منع الحاج النجدي من أداء مناسكه سنين عدة وحال بينهم وبين المسجد الحرام الذي جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد. وهذا زيادة على ما كان يبثه دائما ضد الإمام ابن سعود والنجديين وعقيدتهم السلفية. ثم أخذ يوقد نار الفتنة في إمارة عسير بواسطة جواسيسه، ويكتب في جريدة القبلة المقالات المثيرة لها، حتى إذا كانت سنة 1920 بعث حملة عظيمة مسلحة بكل ما كان عنده من مدافع ورشاشات وبنادق حديثة كان بعث بها إليه الانكليز في ثورته على الأتراك، ولم يبق في مخازنه سلاحا إلا أخرجه مع هذا الحملة. وكانت بقيادة ولده الأمير عبد الله، وما وصلت إلى تربه حتى بيتها جند الأخوان فافناها عن آخرها، ولم يسلم الأمير عبد الله إلا باعجوبة: إذ شق الخيمة من الخلف وخرج وعبده يعدو به فرسه حتى دخل على أبيه الحسين بمكة على شر حال. وقد كان هو وأبوه من غرورهما يزعمان أن حملتهم هذه ستواصل زحفها حتى تكتسح الرياض في أيام قلائل، ولكن الله غالب على أمره

ص: 101

256 -

ولقد كان من السهل اليسير جدا على جيش الإخوان أن يتابعوا زحفهم حتى يدخلوا الحجاز في ذلك الحين، ولكن أوامر الملك ابن السعود ردتهم عن ذلك؛ واكتفى بهذه الضربة لعل الحسين يرعوى، ويستيقظ من حماقته، وغطرسته.

257 -

لكن الحسين كان عنيداً، ضيق التفكير معجبا بنفسه. كتب إليه ابن السعود يخطب وده، ويرجوه أن يعمل على جمع كلمة أمراء العرب، ولمِّ شملهم، بعقد مؤتمر منهم يعمل على إطفاء نار الفتن من بينهم حتى لا يكونوا لقمة للعدو الذي يتربص بهم الوهن والضعف من وراء تناحرهم فكتب إليه الحسين كتابا لا. يليق أن يصدر من رجل عادى فضلا عن شريف عظيم يريد أن يكون خليفة للمسلمين. وأخذ مع هذا يبث جواسيسه ودعاته لإشعال نار الفتنة في عسير حتى قامت فيها ثورة أطفاها الملك ابن السعود قبل استفحالها.

258 -

فلما رأى السعوديون أن الحسين لا يكف شره، ولا يترك فرصة في الكيد لهم إلا انتهزها، أمر جلالة عبد العزيز الشريف البطل، خالد بن لؤى أن يهجم برجاله على الطائف، فتقدم إليها ووصلها في أول صفر سنة 1343، وفر من كان فيها من جند الهاشميين واستولى عليها في السادس من صفر.

259 -

فجمع الشريف الحسين جيشاً مهلهلا استأجر رجاله من أهالي مكة والأغراب المقيمين فيها والاعراب حولها، فالتقى بهم جيش الإخوان في لهدا، فما هي إلا جولة تمزق فيها الجيش الحسيني وولى منهزما إلى مكة، وتابع

ص: 102

الإخوان زحفهم إلى مكة، فقام عقلاء الحجازيين على الحسين وأرغموه على الخروج من مكة حتى لا يقع فيها حرب، ويدخلها الإخوان آمنين. فجمع أمواله ومتاعه، وخرج إلى جدة، ودخلها الشريف خالد والأخوان محرمين معتمرين، في نصف ربيع الأول سنة 1343 ونادوا في الناس بالأمان وأن لا يخاف أحد على نفسه، مادام متبعا لأحكام الإسلام.

260 -

واضطر الحسين تحت ضغط الحجازيين على النزول عن الملك لولده الأكبر علي بن الحسين في يوم 6 ربيع الأول سنة 1343، ثم رحل بما جمع من أموال الحجازيين وغيرهم ظلما، إلى العقبة، ثم بعد أيام رحل على بارجة انجليزية إلى قبرص، حيث مات بها في سنة 1352 ونقلت جثته إلى القدس فدفن فيها، وجاء الملك عبد العزيز إلى الحجاز، في جمادي الأولى وأبى رحمةً بالحجاز وأهله وضيوفه إلا إخراج الهاشميين من الحجاز مرة واحدة ثم يحكمِّ المسلمين في مصير الحجاز، لأنه لا غاية له فيه ولا مطمع. وزحف على جدة في جمادى الآخرة. فحاصر الملك علياً في جدة أحد عشر شهرا انتهت بتسليم الملك على وسفره من الحجاز إلى بغداد في 24 ديسمبر سنة 1925 وبذلك دخل الحجاز كله تحت الراية السعودية الإسلامية السعيدة.

261 -

وكتب الإمام عبد العزيز إلى العالم الإسلامي أن تبعث كل حكومة وهيئة إسلامية مندوبين من قبلها لتقرير مصير الحجاز وحكومته، فلم يرد عليه إلا جمعية الخلافة الإسلامية في الهند. وتبين بعدُ أنه كان لمندوبيها غرض لا يتفق مع الشرف الإسلامي ولا مع قداسة الحجاز.

262 -

لما طال الحصار على جدة اشتد الضيق على أهلها، وعرف

ص: 103

العقلاء أن جيش الملك على الذي كان مؤلفا من مرتزقة الآفاقيين والضعفاء، والبدو القليلين: لا فائدة منه، ومحال أن يتغلب على الإخوان الاشداء المتحمسين – ارغمو الملك عليا علي التسليم، فوسط قنصل انكلترا في جدة أن يسعى لدى الملك ابن السعود في الصلح والاتفاق على شروط التسليم

فكتب القنصل إلى الملك ابن السعود:

263 -

"بعد الاحترام، مراعاة للإنسانية، ولأجل تسهيل عودة السلام والرفاهية إلى الحجاز: أكون مسرورا إذا تفضلتم عظمتكم بالموافقة على مقابلتي بالرغامة غدا يوم الخميس 17 ديسمبر سنة 925 قبل الظهر، أو بعد ذلك بأسرع ما يمكن" فارسل إليه الرد بالموافقة. فاجتمعا، وتم الاتفاق على شروط تسليم جدة، وهى تتلخص فيما يأتي "أن يسلم الملك على ما يكون عنده من الأسرى وأن يسلم كل الضباط والعساكر بأسلحتهم ومهماتهم الحربية إلى الملك عبد العزيز، بشرط أن لا يخربوا شيئاً منها، وأن تكون جميع ممتلكات الحكومة من دور وأبنية وأثاث وبواخر ومنشئات وسنابيك ملكا للملك عبد العزيز، ويتعهد الملك عبد العزيز أن يضمن سلامة جميع السكان والموظفين، وأن يمنحهم العفو العام، وأن يرحل الضباط العساكر الذين يرغبون العودة إلى أوطانهم، وأن يوزع عليهم خمسة آلاف جنيه، وأن يبقي الصالح من موطفي الحكومة في وظائفهم، وأن يسمح للملك على أن يأخذ أمتعته الشخصية، وأن يمنح أسرة الحسين ممتلكاتهم الموروثة، بخلاف ما يكون أصله وقفا أو أنشأه

ص: 104

الحسين أثناء حكمه. وأن يمنح سكان وأهالي ينبع كل ما منح لأهالي جدة. فان خالف الملك علي أو رجاله أو قصروا في تنفيذ أي شرط من هذه الشروط فيكون الملك عبد العزيز غير مسئول عما عليه في هذا الاتفاق".

264 -

بعد التسليم انتخب أعيان الحجاز وفدا من بينهم قابل ابن السعود، وطلب إليه أن يترك لهم حق تقرير مصيرهم، فأجابهم إلى ذلك، وأصدر: بيانا هذا نصه:

265 -

"أما بعد فقد بلغ القاصي والداني ما كان من أمر الحسين وأمرنا إلى أن اضطررنا لامتشاق الحسام دفاعا عن أرواحنا وأوطاننا، ودفاعا عن حرمات الله ومحارمه. ولقد بذلت النفس والنفيس في سبيل هذه الديار إلى أن يسر الله الكريم بفضله فتحها واستتباب الأمن فيها. ولقد كانت عزيمتي منذ باشرت العمل في هذه الديار أن أنزل على حكم العالم الإسلامي- وأهل الحجاز ركن منه-في مستقبل هذه الديار المقدسة. ولقد أذعت الدعوة للمسلمين عامة غير مرة أدعوهم لعقد مؤتمر إسلامي يقرر في مصير الحجاز ما يرى فيه المصلحة ثم عززت ذلك بدعوة عامة وخاصة. فأرسلت كتابا للحكومات والشعوب الإسلامية في 10 ربيع الآخر سنة 1342. وقد نشر ذلك الكتاب في سائر صحف العالم. ومضى عليه ما يزيد عن الشهرين لم أتلق على دعوتي جوابا من أحد، ما عدا جمعية الخلافة في الهند، فإنها -بارك الله فيها- عملت وتعمل كل ما في وسعها لراحة الحجاز وهنائه. ولما انتهى الأمر في الحجاز إلى هذه النتيجة التي نحمد الله

ص: 105

عليها جاء أهله جماعات ووحدانا يطلبون منى أن أمنحهم حريتهم التي وعدتهم بها في تقرير مصيرهم، فلم يسعني أمام طلباتهم المتكررة إلا أن أمنحهم هذه الحرية ليقرروا في شأن بلادهم ما يشتهون. بعد ما ظهر من العالم الإسلامي هذا الصد والإعراض عن مثل هذه القضية الهامة".

266 -

ثم رفع الحجازيون بعد هذا كتابا إلى الإمام ابن سعود ضمنوه نص بيعتهم له علي الملك، إذا قالوا:

267 -

"بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: نبايعك يا عظمة السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود على أن تكون ملكا على الحجاز على كتاب الله وسنة رسوله صلى لله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح والأئمة الأربعة رحمهم الله. وأن يكون الحجاز للحجازيين، وأن أهله هم الذين يقومون بإدارة شئونه. وأن تكون مكة المكرمة عاصمة الحجاز وأن يكون الحجاز جميعه تحت رعاية الله ثم رعايتكم" - ووقعه العلماء، والاعيان، ورؤساء التجار، والموظفون فأجابهم:

268 -

"بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى أخواننا الحجازيين الموقعين أسماءهم:سلام عليكم. وبعد فقد أجبناكم إلى ما طلبتم ونسال الله تعالى المعونة والتوفيق للجميع".

269 -

ثم كانت البيعة في الكعبة المشرفة، في 22جمادى الثانية سنة 1344، ألقى الملك بعدها خطبة بليغة دعا فيها إلى الاعتصام بكتاب الله وإلى التوحيد الخالص. ثم قال:"إني أحمد الله الذي جمع الشمل وأمَّن الاوطان.

ص: 106