الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أثر آل سعود الكرام في خدمة الإسلام وإحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم:
165 -
انتقل الشيخ إلى الدرعية في خلال سنة 1158، وكان له من العمر إذا ذك اثنتان وأربعون سنه، قضاها كلها في طلب العلم والرحلات مابين نجد والحجاز والبصرة واليمن، وكان حاضر البديهة متوقد الذكاء، دقيق الحس، لا يترك شيئاً يقع تحت حسه إلا درسه من جميع نواحيه الدينية والاجتماعية، ثم خلص من درسه هذا بنتيجة عملية كان لها بعدُ أثرها في الدعوة وتنظيمها.
166 -
فكان إذن قد تهيأت له كل أسباب القوة: علم واسع، وخبرة بأساليب نشر هذا العلم وإذاعته، وسيف آل سعود الذي كان بريقه يخطف أبصار ورؤس المجادلين بالباطل عن الباطل، فيبطل كيد الشيطان ويتجلى للناس ما في دعوة التوحيد، وهداية القرآن من سعادة ورحمة.
167 -
ما أسرع ما شاع خبر هذه البيعة-بيعة الأمير محمد بن سعود على نصرة التوحيد، والجهاد في سبيل الله وعلم ذلك أتباع الشيخ وأحبابه الذين استجابوا لله وللرسول في العيينة وحريملا وغيرها، وقد كانوا من قبل هذه البيعة يستخفون، حذراً من شوكة الجهلاء القائمة، وسلطانهم النافذ:
168 -
فما كاد خبر هذه البيعة يصل إلى مسامعهم حتى بادروا إلى الدرعية، ووفدوا من كل البلاد والنواحي يحتمون براية ابن سعود وسيفه، ويكرعون من علم الشيخ ويزدادون من هداية الله ورحمته.
169 -
عضَّ ابن معمر يده ندما على ما ضيع من فرصة هذا الشيخ الذي تحل البركة أين يكون، إذ سمع ما آل إليه أمر الدرعية من العظمة؛ فبادر في وفد من صحبه يستغفر الشيخ من زلته ويرجوه أن يعود إلى بلده العيينة. ويعطيه العهد والميثاق أن ينصره وينصر دعوته بكل ما يملك من نفس وولد ومال.
170 -
فقال الشيخ له: ليس هذا إليََّ، إنما هو إلى محمد بن سعود. فإن أذن ذهبت معك، وأن أبى إلا أن أقيم عنده أقمت. ولا أستبدل برجل تلقاني بالقبول والمعاهدة على نصرة التوحيد رجلا أخرجني من بلده.
171 -
فأتى عثمان إلى الأمير محمد، وأخذ يستعطفه؛ ويلحُّ في الاستعطاف أن يأذن برجوع الشيخ إلى العيينة. فأبى عليه ابن سعود كل الإباء. وكيف يرضى ذلك وقد أخذ على الشيخ العهد أن المحيا محياهم والممات مماتهم؟ فرجع ابن معمر كاسف البال حزينا.
172 -
كان شأن أهل الدرعية كغيرهم في الجهالة أو أشد، لا يعرفون من الدين إلا ما هو شائع عند الجمهور والدهماء في نجد وغيرها، فشمر الشيخ عن ساعد الجد في تعليمهم أولا أصول الإسلام من التوحيد الصحيح الذي بعث الله به رسله والتسليم لشرع الله وحكمه بالطاعة والإتباع في أعمال
الدين والدنيا. فلا شرع إلا شرعه ولا طاعة إلا له ولرسوله ولا عبادة إلا بالذي بين في كتابه وعلى لسان رسوله، لا بالقياس والاستحسان.
173 -
فتبين للناس من قول الشيخ وتعليمه الرشد من الغي، والهدى من الضلال، والعلم من الجاهلية. وأيقنوا أن هذه نعمة تفضل بها الله عليهم، لا يحصون شكره عليها، وقام الأمير محمد بن سعود وإخوانه: مشاري وثنيان وفرحان بالوفاء بما عاهدوا الله عليه وأظهروا من الحفاوة بالشيخ والخضوع التام لقوله ونصحه، ما شاع أمره في البلاد.
174 -
فقصد الناس إلى الدرعية، وأمست تعجُّ بالوافدين عليها؛ والمنتجعين لعلم الشيخ من كل فج، وأخذ ينفر من كل بلد إليها طائفة ليتفقوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، فقويت شوكة الدعوة، وكثر أنصارها، وسلك طريقها أغلب أهالي البلاد المجاورة للدرعية.
175 -
وكان ممن استجاب لدعوة التوحيد أهالي بلدة المنفوحة. فبلغ ذلك دَهام بن دواس أمير الرياض، وصنيعة الأمير محمد بن سعود، فاعتدى على أهلها محاولا بذلك فتنتهم عن دينهم، وإرجاعهم عن صراط الله المستقيم.
176 -
فبلغ ذلك الشيخ والأمير محمدا، فغضب لذلك الشيخ، وجند الله. وقام الأمير محمد لفوره، ومعه إخوانه وجنده وتوجهوا إلى دهام، وكانت بينهم موقعة انتصر فيها حزب الله، صبيان التوحيد، إخوان من أطاع الله، وجرح دهام وقتلت فرسه.
177 -
وكانت هذه شرارة إيقاد نار العداوة والبغضاء وتسعيرها في قلب دهام الخبيث للتوحيد وأنصاره، وفاتحة الجهاد في سبيل الله، الذي لم يكن في كل أدواره إلا دفعاً لعدوان ابن دواس وعريعر بن نجيد رئيس بنى خالد بالأحساء وابنه سعدون وغيرهم من حزب الشيطان، ورداً لكيدهم الذي حاولوا به أن يفتنوا المؤمنين {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] .
178 -
فلما رأى جيش التوحيد ما آتاه من النصر، قوى بأسه، واشتد ساعده ورغَّبَ ذلك النصر الكثير من أهالي البلاد المجاورة في الانضواء تحت راية التوحيد، فقامت رءوس الفتنة في الحريملا، والعيينة، والجبيلة وما جاورها من وادي حنيفة، وكانت بينهم وبين جيش التوحيد مواقع عقد فيها لواء الظفر والنصر على رأس الموحدين.
179 -
وكان كلما أعطى الله النصر لأتباع الشيخ محمد كلما كثر أنصاره، وكلما غاظ ذلك حزب الشيطان، ونكأ في صدورهم وقلوبهم، فيؤلبون من ناحية أخرى، فيذهب إليها الموحدون، فيخرجون من معمعتها ظافرين منصورين.
180 -
كان دهام عنيداً عاتياً صمد لحرب التوحيد سنين عدة، وهو يأخذ بعض البلاد، ثم لا يلبث أن يخرج منها مذؤوماً مدحوراً، ومع هذا لم يفتر ولم ينِ عن متابعة الحرب، بالسنان والسيف، وبالفتنة.
181 -
فكان يعمل لإغراء ضعاف العقول والعلم بالارتداد إلى الجاهلية، ثم يجعل من هؤلاء شعلة يحاول بها إيقاد الفتنة بين أتباع الشيخ، فيرد الله كيده في نحره.
182 -
وطالما خادع وأظهر الانضمام إلى جيش الموحدين وأتباع الدين الحق، لكنه لا يلبث أن يكشف الله عن خبث نفسه، ولؤم طبعه ومازال هذا شأنه ثلاثين سنة كاملة حتى دحره الإمام عبد العزيز بن محمد في موقعة سنة 1178. واستولى فيها على الرياض. وفرَّ دهام إلى بلاد الخرج، بأهله وماله، حتى وافته المنية فيها وحيداً شريداً مرذولا.
183 -
وكان العلماء المزورون والمتصوفون والمتزهدون الفرحون بما لم يؤتوا الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا – عددا كثيرا، وجما غفيرا- تحالفوا على مناوأة الشيخ وتعاهدوا على حربه، وإماتة دعوته، جاهدين صابرين، مصرين على أن لا ينهزموا ما بقي فيهم رمق من الحياة. شأنهم معه يشبه كثيرا شأن قريش وأهل الكتاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم الذين حكى الله عنهم في سورة ص قوله:{وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ} [صّ:4-7]
184 -
وبجانب هؤلاء المتعالمين وإخوانهم المتزهدين، والمتصوفين تأتى جماعة الأمراء والزعماء الذين حنقوا على الأمير محمد بن سعود، وحسدوه: أن رفع الله ذكره، ومدَّ في ظل سلطانه، إذ قام ينصر هذه الدعوة ويشد أزرها، ويرفع رايتها.
185 -
اجتمع هؤلاء وأولئك على غاية واحدة، وتوافقوا على مقصد واحد: هو القضاء على العالم الكبير محمد بن عبد الوهاب والأمير
الجليل محمد بن سعود، وعلى هذه الدعوة المنسوبة إليهما والمنسوبان إليها، مهما كلفهم ذلك من مال ورجال، ومهما كان من نتائج ذلك وعواقبه من صلاح في البلاد أو فساد.
186 -
لكن دعوة الشيخ صمدت أمام هذه الجموع الحاشدة المتكاثرة من الخصوم الأشداء. بفضل بساطة هذه الدعوة، وسرعة وصولها إلى القلوب، لأنها لم تكن قلوبا قاسية بالفلسفات والعلوم الجافة التي كانت منتشرة في غير نجد من البلاد التي كثرت فيها المدارس والتعليم على غير النهج الإسلامي الصحيح، وبفضل تفاني آل سعود: محمد، ومشاري، وثنيان، وفرحان أولاد سعود، وعبد الله وعبد العزيز ابنا محمد، وسعود بن عبد العزيز بن محمد، وأنصارهم وأتباعهم.
187 -
فلقد كان لإخلاص هؤلاء الأمجاد، وشجاعتهم وثباتهم، وسياستهم الحكيمة. أطيب الأثر في ظفر هذه الدعوة أو لا ثم امتداد سلطانها، وثباتها وتوطد دعائمها، حتى لم تستطع أحداث الحروب، وما زلزلت به نجد، وأهلها من غارات الترك وأشياعهم أعوانهم-: أن تجتث شجرتها الطيبة من الجذور، وأن تأتى على بنيانها العالي من القواعد.
188 -
فإنها وأن استطاعت أن تضعف من صوتها حيناً من الدهر وأن تطوى من سلطانها أياما إلا أنها تقدر بكل ما فعلت من ضروب الجور والعسف والظلم، وإحراق الدور، وهدم القصور، وسفك دماء من أعطتهم الأمان غدراً وخيانة. لم تقدر بكل هذا الإرهاب أن تميت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لأنها دعوة الحق والإصلاح والعمران
ولأنها دعوة التوحيد التي من أجلها قامت السموات والأرض، وخلق الجن والأنس، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون.
189 -
كانت الدرعية معهد التربية الدينية والعلمية، والحربية. وكانت حركتها نشيطة عنيفة في كل هذه النواحي من التربية، لا تني ولا تفتر.
19 0- تجد أهلها: ما بين مكبِّ على لوح من القرآن يحفظه، أو أصل من أصول الإسلام يتعلمه، أو كتاب من كتب الشيخ في شرح التوحيد وما يحققه، وبيان ما يهدمه، أو يبين شروط الصلاة، أو غير ذلك يستظهره. أو نبل يبريه، أو سيف يصقله، أو رمح يقوَّمه، أو فرس يمرِّنه، أو درع يَسْرُده، أو فن من فنون الجلاد والنزال يتقنه، كانت هذه الدرعية على هذه الحركة الدائمة. وكان هذا السر في انتشار دعوة الشيخ وامتداد سلطانها وثباتها أمام العواصف الهوج، والزلازل العنيفة
191 -
ومن فضل الله أن بارك في عمر الشيخ، ورزقه من الأبناء والتلاميذ رجالا أشداء في العلم والسيف، يحاربون بالحجة القوية، ويجالدون بالسيف البتار، ويهدمون بكليهما جحور الشرك، ومعاهد الوثنية، والشيخ يجني من ثمار غرسه سرورا وغبطة، فيزداد لله شكرا، ويزيده الله من نعمائه، حتى رأى من تلاميذه من غير بنيه وأحفاده وغيرهم-: دعاة من الرجال، وداعيات من النساء غرس الشيخ فيهم وفيهن هذه الشجرة المباركة الطيبة الأصل والثمر.
192 -
ولقد كان الشيخ رحمه الله يبعث دعاة التوحيد ممن ثقَّفهم بيده
حتى خالطت حلاوة التوحيد بشاشة قلوبهم، كما كان يعقد بيده الألوية للغزاة والمجاهدين ويزودهم بنصائحه الصادقة وينفخ فيهم من روحه القوية، وشجاعته النادرة، حتى لقد كانوا يخوضون غمار الحرب وهم واثقون من فضل الله: إما بالنصر، أو بشهادة تعجل بهم إلى الجنة.
193 -
وطال عمر ابن سعود كذلك، حتى ربى بنيه على ما أُشربه قلبه من إيمان وشجاعة، وإخلاص في نصرة الحق. وأسس للتوحيد جيشاً قويا من رجال أشداء لا يرهبون الموت ولا يحرصون على الحياة، وجنى هو كذلك من ثمرة غرسه سروراً بما كان يترامى إلى سمعه من انتصارات ابنيه عبد الله وعبد العزيز وحفيده سعود، ويشكر الله على ذلك فيزيده الله من أسباب سروره، ويزيده عزة وتمكينا وبسطة في الملك والمال، حتى مات سنة 1179 قرير العين بما رأى من عز التوحيد وانتشاره رحمة الله عليه ورضوانه.
194 -
بهذه الروح القوية من الشيخ وآله من آل سعود طار صيت الدعوة، وتعدى حدود نجد إلي الحجاز والعراق واليمن والشام، بل ومصر أيضا.
195 -
وحين وصل صوت الدعوة إلي اليمن، أخذ علماؤها يتحدثون عن شأن الشيخ وشأن دعوته، وقد كان باليمن الإمام العلامة الشيخ محمد الأمير الصنعاني، صاحب كتاب سبل السلام شرح بلوغ المرام، وكتاب تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد. وهو من أنفس الكتب في الدعوة إلى توحيد العبادة، وتطهير القلوب والعقيدة من عبادة الموتى ودعائهم
والتوسل بهم إلي الله تعالى.
195 -
وكان الشيخ الصنعانى رحمه الله يلقى من أهل اليمن كل الأذى في دعوته إياهم إلي التوحيد، ومحاربته الشرك وأهله، وأهل اليمن ينتسبون إلى آل البيت، وعندهم من قبورهم، وقبابها المعظمة، الشيء العظيم المدهش. فحين سمع الشيخ الصنعانى بالشيخ محمد بن عبد الوهاب فرح به كل الفرح وأنس به كل الأنس، وكتب إليه بقصيدة عظيمة يقول فيها:-
سلامى على نجد ومن حل في نجد
…
وإن كان تسليمي على العبد لا جدي
وقد صدرت من سفح صنعا، سقى الحيا
…
رباُها وحيَّاها بقهقهة الرعد
سرت من أسير ينشد الريح إن سرت:
…
ألا يا صبا نجد، متى هجت من نجد؟
قفي واسألي عن عالم حلَّ سوحها
…
به يهتدي من ضل عن منهج الرشد
محمد الهادي لسنة أحمد
…
فيا حبذا الهادي، ويا حبذا المهدى
لقد أنكرت كل الطوائف قوله
…
بلا صَدَرٍ في الحق منهم ولا الوِرد
وما كل قول بالقبول مقابل
…
وما كل قول واجب الطرد والرد
سوى ما أتى عن ربنا ورسوله
…
فذلك قول، جل، يا ذا، عن الرد
وأما أقاويل الرجال فإنها
…
تدور على حسب الأدلة عن النقد
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه
…
يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرا ما طوى كل جاهل
…
ومبتدع منه. فوافق ما عندي
ويعمر أركان الشريعة هادماً
…
مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد
أعادوا بها معنى سُواعَ ومثله
…
يغوث ووَداَّ، ليس ذلك من وُدي
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها
…
كما يهتف المضطر بالواحد الفرد
وكم عقروا في سُوحها من عقيرة
…
أُهلَّت لغير الله جهرا على عمد
وكم طائف حول القبور مقبِّل
…
ومستلم الأركان منهن باليد
لقد سرني ما جاءني من طريقه
…
وكنت أرى هذى الطريقة لي وحدي
يُصب عليه سوط ذم وغيبة
…
ويجفوه من كان يهواه عن بعد
ويُعزى إليه كل ما لا يقوله
…
لتنقيصه عند التهامي والنجدي
فيرميه أهل الرفض بالنصب فِرية
…
ويرميه أهل النصب بالرفض والجحد
وليس له ذنب سوى أنه أتى
…
بتحكيم قول الله في الحل والعقد
ويتبع أقوال النبي محمد
…
وهل غيره بالله في الشرع من يهدي؟
لئن عده الجهال ذنبا فحبذا
…
به حبذا يوم انفرادي في لحدي
سلامى على أهل الحديث فإننى
…
نشأت على حب الأحاديث من مهدي
هم بذلوا في حفظ سنة أحمد
…
وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد
..........................................
…
..........................................
أأنتم أهدى من صحابة أحمد
…
وأهل الكسا؟ هيهات ما الشوك كالورد
أولئك أهدى في الطريقة منكم
…
فهم قدوتي حتى أوسد في لحدي
وشتان ما بين المقلد في الهدى
…
ومن يقتدي. والضد يعرف بالضد
فمقتديا كن في الهدى لا مقلدا
…
وخَلِّ أخا التقليد في الأسر بالِقِدِّ
وأكفر من في الأرض من قال: إنه
…
إله، فإن الله جل عن الند
ثم وصف الاتحادية وعقيدة ابن عربي في فصوصه وأنه يقول: إن في كل شيء إلهه: من الكلب والخنزير، وأن عذاب النار عذاب لأهلها مثل نعيم أهل الجنة، ثم قال:
يلذون عند العجز بالذوق ليتهم
…
يذوقون طعم الحق. فالحق كالشهد
نقول لهم: ما الذوق؟ قالوا: مثاله
…
عزيز. فلا بالاسم يدرك والحد
ففشرهم بالكشف والذوق مشعر
…
بأنهم عن مطلب الحق في بعد
وهيهات كل في الديانات تابع
…
أباه. كأن الحق في الأب والجد
وهذا اغتراب الدين فاصبر فانني
…
غريب، وأصحابي كثير بلا عد
وإذا ما رأوني عظموني وإن أغب
…
فكم أكلوا لحمي وكم مزقوا جلدي
فدونكها تحوى علوما جليلة
…
منزهة عن وصف خد ولا قد
وهى طويلة قد تركنا بعض أبيات منها اختصارا.
169 -
وقد كان من أثر بلوغ صوت الدعوة إلى الحجاز أن بعث في سنة 1185 شريف مكة أحمد بن سعيد بكتاب إلى الشيخ وإلى الإمام عبد العزيز، ومعه تحف وهدايا سنية يطلب إليهما أن يبعثا بعالم من علماء نجد إلى الحجاز يبين له ولأهل الحجاز حقيقة ما يدعو إليه الشيخ محمد من الدين فبعثوا إليه الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل حصين فما كاد هذا الشيخ يبلغ مكة ويقرأ على الناس بعض رسائل الشيخ محمد ويبين لهم ما فيها من عقيدة التوحيد الصحيحة، حتى ثار آل مساعد على عمهم أحمد الشريف وانتزعوا من يده ولاية مكة بالقوة، وأخرجوه منها، جزاء استقدامه هذا العالم النجدي. ووضعوا مكانه على مكة شريفا آخر.
197 -
والذي يغلب على الظن كثيراً أن ليد علماء السوء أثراً في هذه الثورة على الشريف أحمد، فإنهم لا بد خافوا أن تنتشر في الحجاز هذه
العقيدة، وأن يهدم الشريف معالم الشرك التي في مقبرة المعلاة وجدة وكل بلاد الحجاز، وأهل مكة وغيرها كانت معيشة كثير منهم في ذلك الحين على الدجل والتمويه على عامة الحجاج بهذه المآثر، وابتزاز الأموال منهم باسمها. فإذا ذهبت دهب معها مورد عظيم كانوا يستفيدون به مالا كثيراً، ورياسة ضخمة، ومنزلة في العامة رفيعة، وعند الله وضيعة.
198 – ومن يومئذ بدأ أهل مكة وأشرافها يرهبون النجديين، ويخافون صولتهم، ويحسبون كل ساعة حسابا لغزوتهم التي كانت متوقعة.
199 – فحاولوا مرارا أن يأخذوهم قبل أن يكفروا هم في ذلك. وطالما بعثوا بالجيوش الكثيفة مزودة بأقصى ما تصل إليه يدهم مما تمدهم به الدولة العثمانية من عتاد وسلاح-:إلى أطراف نجد فتفشل، ثم يعيدون الكرة، وتتوغل هذه الجيوش الحجازية التركية في قلب نجد، ثم لا يكون حظها إلا كسابقاتها من الفشل والخيبة، فعمدوا إلى الصلح والمهادنة فعقدوا بينهم وبين الإمام عبد العزيز صلحا، جاء بعده الإمام عبد العزيز يجمع كثير من علماء نجد وأعيانها للحج، ثم جاء في السنة التالية أيضا بجمع أكثر فحجوا وعادوا. ولم يلقوا إلا سلاما وأمنا.
2 00- فوجه النجديون جهودهم وجيوشهم إلى ناحية الحسا لقطع دابر مثيري الفتنة فيها، وكانت مواقع عنيفة دحر النجديون فيها عريعرا، وابنه سعدون، وغنموا مدافعهم التركية التي جاءوا بها إلى الدرعية محملة على الجمال.
2 0 1 – وما زال الإمام سعود يتابع غزواته لنبى خالد حتى أنهك قواهم، وأضعفهم عن أن يقفوا مرة أخرى في وجه جيشه الظافر.
2 0 2 - وبينما كان الإمام عبد العزيز في غزواته تلك مات الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه ورضوانه في سنة 1206عن احدى وتسعين سنة قضاها في الجهاد، وتغذية روح التوحيد بالقوة والعلم، حتى بلغت أقصى ما كان يرجو ويحب.
2 0 3 - ولاقي ربه قرير العين بما قام به في إعلاء كلمة الله، وهدم طواغيت الشرك وتطهير نجد من آثار الجاهلية، وبما نشر من العلوم والمعارف التي نور بها بصائرهم، وطهر أخلاقهم، وزكى أرواحهم، فأمنت البلاد بعد الخوف، واطمأنت النفوس بعد طول الاضطراب، وقام ميزان العدل والقسط، فعرف كل واحد حدَّه فوقف عنده ولم يتعداه وبسط الأمن رواقه، فأصبح المسافر يقطع البلاد من أقصاها إلى أقصاها ومعه المال الوفير، والمتاع الكثير لا يخاف أحدا، ولا يخشى إلا الله. وانصرف الذين كانوا بالأمس قطاع طريق، وسفاَّكي دماء إلى قراءة الكتب ومدارسة العلم، واستثمار الأرض بالحرث والزرع وأنواع المكاسب الطيبة الحلال، فعمت البركة أهل نجد، وشملهم الله بالخير والرحمة.
2 0 4 - مات الشيخ قرير العين آمنا على شجرة التوحيد الزكية التي غرسها، إذا جعل الله له من ذريته رجالا أشداء في الحق أمناء على العلم مخلصين لله دينهم، صادقين مع الله عهدهم. فان والدهم قد نشَّأهم أطيب نشأة وأزكاها، وأعدهم لهذه التركة ليقوموا على حفظها وصيانتها، أولئك هم: الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، والشيخ على، والشيخ إبراهيم، وغير هؤلاء من أحفاد الشيخ وذوى قرباه، ومن تلاميذه الذين كانت تعج
بهم الدرعية وغيرها من بلاد نجد وقراها يعلمون الناس الدين الحق ويخرجهم الله بهم من الظلمات إلى النور.
2 0 5 - ومات قرير العين مطمئن القلب بأولئك الفرسان الأشداء من آل سعود الذين يحمي الله بهم جانب التوحيد. ومات قرير العين بما ترك وراءه لخلفائه على تركته من كتب ومصنفات كانت ولا تزال نبراس الهداية لكل داع إلى الله والى سبيله. فنرجو من الله الذي لا يضيع أجر المحسنين أن يجزى الشيخ أحسن الجزاء، وأن يبوئه برحمته دار كرامته مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
2 0 6 - وحين بلغت وفاته إلى الشيخ الإمام المصلح العلامة محمد بن على الشوكانى الزبيدي اليمني، صاحب كتب نيل الأوطار، والدر النضير في إخلاص كلمة التوحيد، وشرح الصدور بتحريم رفع القبور، والقول المفيد في إبطال التقيلد، وغيرها من الكتب النافعة رثاه بقصيدة عظيمة يقول فيها-:
مصاب دها قلبي فأذكى غلائلي
…
وأصمى بسهم الافتجاع مقاتلي
وخطب به أعشار أحشاى صدعت
…
فأمست بفرط الوجد أي تواكل
ورزء تقاضانى صفاء معيشتي
…
وأنهلني قسرا أمرَّ المناهل
مصاب به ذابت حشاشة مهجتي
…
وعن حمله قد كلَّ متني وكاهلي
مصاب به الدنيا قد اغبر وجهها
…
وقد شمخت أعلام قوم أسافل
به هدَّ ركن الدين وانبتَّ حبله
…
وشد بناءُ الغي مع كل باطل
وقام على الإسلام جهرا وأهله
…
نعيق غراب بالمذلة هائل
وسيمم منار الاتباع لأحمد
…
هوان انهدام جاء من كل جاهل
فقد مات طود العلم قطب رحَى العلا
…
ومركز أدوار الفحول الأفاضل
وماتت علوم الدين طرا بموته
…
وغُيِّبَ وجه الحق تحت الجنادل
إمام الهدى ماحي الردى، قامع العدى
…
ومروى الصدى من فيض علم ونائل
إمام الورى علامة العصر قدوتى
…
وشيخ الشيوخ الجد فرد الفضائل
"محمد" ذو المجد الذي عز دركه
…
وجل مقاما عن لحوق المطاول
إلى عابد الوهاب يعزى وأنه
…
سلالة أنجاب زكى الخصائل
عليه من الرحمن أعظم رحمة
…
تبلُّ ثراه بالضحى والأصائل
لقد أشرقت نجد بنور ضيائه
…
وقام مقامات الهدى بالدلائل
ومن شأنه قمع الضلال ونصره
…
لمن كان مظلوما وليس بخاذل
وكم كان في الدين الحنيف مجاهدا
…
بماضي سنان دامغ للأباطل
وكم ذبَّ عن سامي حماه وذاد من
…
مضل وبدعيٍّ ومغوٍ وفائل
ففيم استباح أهل الضلال لعرضه
…
وما نكست أعلامه بالأراذل
فلولاه لم تحرز رحى الدين مركزا
…
ولا اشتد للإسلام ركن المعاقل
ولا كان للتوحيد واضح لاحب
…
يقيم اعوجاج السير من كل عادل
فما هو إلا قائم في زمانه
…
مقام نبي في إماتة باطل
ستبكيه أجفاني حياتي وإن أمت
…
سيبكيه عني جفن طَل ووابل
أفق يا معيب الشيخ ماذا تعيبه
…
لقد عبت حقا وارتحلت بباطل
نعم ذنبه التقليد قد جدَّ حبله
…
وفَلَّ التعصب بالسيوف الصياقل
ولما دعا لله في الخلق صارخا
…
صرختم له بالقذف مثل الزواجل
أفيقوا أفيقوا إنه ليس داعيا
…
إلى دين آباء له وقبائل
دعا لكتاب الله والسنة التي
…
أتانا بها طه النبي خير قائل
ثم عزَّى آل الشيخ بأبيات طويلة، وعطف على آل سعود، فقال:
وأضعافها للمقرنيين كلهم
…
هداة الورى من محتدى فرع وائل
هم الناس أهل البأس يعرف فضلهم
…
جميع بني الدنيا فما للمجادل؟
لقد جاهدوا في الله حق جهاده
…
إلى أن أقاموا بالظبى كل مائل
لقد نصروا دين الآله وحزبه
…
كما دفعوا داعي الهوى بالقنابل
وهي قصيدة طويلة تركت منها أبياتا كثيرة اكتفاء بما يدل على المراد من ذيوع صيت الشيخ محمد وحب العلماء المخلصين أنصار الحق له.
2 0 7 - كان الإمام عبد العزيز قد نزل عن الأمارة لابنه سعود في سنة 1203 فأصبح سعود من ذلك الحين إمام الوهابيين وزعيمهم الأكبر، ولم تشغله إدارة هذا الملك الواسع، والقيام بشئون هذه الدولة الضخمة عن فتح البلاد، وغزو أعداء التوحيد.
2 0 8 - فقد توجه في ذي القعدة من سنة 1216 بجموع كثيرة وقوة عظيمة إلى العراق، والتقى في "كربلاء" بجموع كثيفة من الأعاجم ورجال الشيعة الذين استماتوا في الدفاع عن معاقل عزهم، ومحط آمالهم قبة الإمام الشهيد الحسين رضي الله عنه، وغيرها من القباب والمشاهد.
2 0 9 - ولكن جيش التوحيد قد تغلب بقوة إيمانهم، وصدق
عزيمتهم في الجهاد لهدم كل نُصُب، وطاغوت اتُّخِذَ مع الله شريكا في العبادات وجُعل لله ندا في القربات، وشأن مشاهد كربلاء، والكاظمية والنجف، ومعصومة قوم، وموسى الرضا: عند الشيعة وتعظيمهم لها معلوم للقاصي والداني.
21 0- فكانت موقعة هائلة، وكانت مذبحة عظيمة، سالت فيها الدماء أنهارا، خرج منها سعود وجيشه ظافرين، ودخل كربلاء وهدم القبة العظيمة، بل الوثن الأكبر المنصوب على ما يزعمون من قبر الإمام الحسين بن على رضي الله عنهما، وأقر الله تعالى بهدمها عين الإمام الحسين وعيون الموحدين الذين يتبعون شرعة جد الحسين أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن الحسين وآله الطاهرين.
211 -
ويعلم الله كم تتأذى روح الحسين وروح الطيبين من آل البيت بهذه القباب التي حورب بها الله ورسوله، وكيد بها للإسلام وأهله، وقُصد بها إحياء ما أمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعليٌّ وعترته وبنوه رضي الله عنهم، وتشبه فاعلوها باليهود والنصارى الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حياته وقبل موته بخمس، كما روى البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتمَّ كشفها فقال، وهو كذلك:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، قالت عائشة رضي الله عنها: يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأُبرز قبره وروى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي "أن عليا رضي الله عنه قال له: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن: أن لاتجد قبرا مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طَمَسْتَه".
212 -
وروى سعيد بن منصور عن سهيل ين أبى سهيل قال: رآني الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء فقلت: لا أريده فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: لذا دخلت المسجد؟ ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: "لاتتخذوا بيتي عيدا. ولا تتخذوا بيوتكم مقابر. لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وصلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني. ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء". وروى الضياء المقدسي في المختارة عن على بن الحسين "أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى لله عليه سلم فيدخل فيها، فيدعو. فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبى عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم مقابر، فان تسليمكم يبلغني أينما كنتم" فهدان إمامان جليلان من أئمة آل البيت الأطهار يحذران أشد التحذير من اتخاذ قبر رسول الله صلى الله عليه سلم الذي هو أشرف القبور على وجه الأرض-: عيداً، ويعنيان بالعيد: مجتمع الناس. واعتيادهم ذلك في زمن معين، كما يصنع الناس في الرجبية وفي ربيع الأول للنبي صلى الله عليه سلم، ولغيره من الصالحين والمتقين. فانظر هده السنة التي خرجت من عند آل البيت الأطهار، وأعجب إذ ينسب الرافضة وفروخهم في مختلف البلاد: أعياد القبور وعبادتها والعكوف عندها إلى آل البيت الأطهار الأبرار، وهم بريئون من ذلك رضي الله عنهم براءة عيسى وأمه من عابديهما وعابدي الخشبة التي زعموه صلب عليها- وحاشاه- وكذلك كل من اتخذ معبودا غير الله فإنهم يوم
القيامة يكفرون بشركههم، كما قال تعالى {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} . وقال {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} .
123 -
قال العلامة ابن القيم في اغاثة اللهفان "ص102" فمن مفاسد اتخاذها أعياداً الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا- مثل الشيعة في العراق-وقدنزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبلوا الأرض، وكشفوا الرءوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج. فاستغاثوا بمن لا يبدى ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، وإذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين. ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين. فتراهم حول القبر ركعا سجدا، يبتغون فضلا من الميت ورضوانا. وقد ملؤا أكفهم خيبة وخسرانا فلغير الله بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات ويرتفع من الأصوات. ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى للعالمين. ثم أخذوا في التقبيل. والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟
ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود، التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود. ثم كملوا مناسك القبر بالتقصير هنالك والحلاق. واستمتعوا بخلافهم من الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق. وقربوا لذلك الوثن القرابين. وكانت صلاتهم ونسكهم وقرباتهم لغير الله رب العالمين فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضا، ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجرا وافر وحظا. فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام. فيقول: لا، ولو بحجتك كل عام. هذا ولم نتجاوز فيما حكينا عنهم، ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم، إذ هي فوق ما يخطر بالبال ويدور بالخيال" اهـ
214 -
رجع المسلمون في العجم إلى نجد فرحين بما آتاهم الله من النصر والغنائم ثم كان أن عثمان العراقي الرافضي ذهب متنكراً في زي الدراويش إلى الرياض، ونزل ضيفا على الإمام عبد العزيز وأظهر التنسك والطاعة وتعلم شيئا من القرآن، فأكرمه عبد العزيز وكساه ورتب له من يعلمه أركان الإسلام، وأقام ينتهز الفرصة لاغتيال الإمام سعود أو الإمام عبد العزيز. فحانت له في 10 رجب سنة 1218 حين كان قائماً يتظاهر بصلاة العصر في الصف الثالث وراء الإمام عبد العزيز فلما أهوى الإمام عبد العزيز للسجود انتزع الخبيث من داخل ثيابه خنجرا قد أعده لفعلته الشنعاء وطعنه به في خاصرته فضج الناس وتألبوا عليه، فحاول طعن غير الإمام، فلم يمكنوه من ذلك، وقبضوا عليه. فقتلوه ضرباً بالسيوف وحملوا الإمام إلى داره، فمات من هذه الطعنة رحمه الله.
وراح ضحية دسائس الأعاجم المفسدين، كما راح من قبله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بطعنة أبى لؤلؤة الذي كان موفداً من قبل قومه أعداء الإسلام والمسلمين-كما أوفد هذا الدرويش الخبيث-انتقاماً منه لأنه نكس راية المجوسية، وقوض دعائم عزِّ النار آلهتهم التي كانت قد مضى عليها آلاف السنين وهي شامخة الذرى والبنيان. فحسبنا. الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
215 -
كان الإمام عبد العزيز رحمه الله كثير الخوف من الله كثير الذكر له، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ينفذ الحق ولو على أهل بيته وعشيرته، لا يتعاظم عظيما، إذا ظلم فيقمعه عن الظلم، وينفذ الحق فيه. ولا يتصاغر حقيرا ظُلم. فيأخذ الحق له، ولو كان بعيد الوطن. وكان لا يكترث في لباسه ولا سلاحه؛ بحيث كان بنوه وبنو بنيه سيوفهم محلاة بالذهب والفضة، وليس في سيفه هو شئ من ذلك إلا القليل. وكان لا يخرج من المسجد بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس ويصلى صلاة الضحى. وكان كثير الرأفة والرحمة بالرعية، وخصوصا أهل البلدان بإعطائهم الأموال، وبعث الصدقة لفقرائهم، والدعاء لهم والتفحص عن أحو الهم. كان يكثر الدعاء لهم في ورده:"اللهم أبق فيهم كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، حتى يستقيموا عليها ولا يحيدوا عنها".
216 -
وكانت الرعية في زمنه آمنة مطمئنة في عيشة هنية. كان الشخص الواحد يسافر بالأموال العظيمة في أي وقت شاء من ليل أو نهار، شرقا أو غربا لا يخشى أحدا إلا الله، لا سارقا ولا مكابرا.
وكانت جميع بلدان نجد وغيرها من النواحي يسيبون جميع مواشيهم في البراري ليس لها راع ولا مرعى، وربما تلقح وتلد ولا يدري أهلها إلا إذا جاءت وولدها معها، لا يتعرض لها أحد من غير أهلها. وكان رحمه الله شديدا على الجناة وقطاع الطرق والسرَّاق شدة ليس معها تهاون.
217 -
وكان أهالي نجد من جميع نواحيها في غاية الاستقامة والخوف من الله أو من عقاب عبد العزيز، وكانت الزكاة والأخماس والغنائم التي تجبى إلى الدرعية لا يحصيها العد. وكان رحمه الله تعالى يوزعها كلها على ضعفة المسلمين وفقرائهم وفي وشراء السلاح والعتاد والخيل.
218 -
وكان رحمه الله تعالى كثير العطاء والصدقات، جاءه يوما خمسة وعشرون حملا من الريالات فمر عليها وهي مطروحة، فنخسها بسيفه وقال: اللهم سلطني عليها ولا تسلطها على؛ ثم فرقها.
219 -
وكان رحمه الله مع هذه الشفقة شديد الهيبة في النفوس. إذا أراد هو، أو أحد أولاده الخروج إلى غزو وواعد الناس يوما معينا على مكان معين، لا يتخلف منهم أحد من بوادي الحجاز ولا العراق ولا الجنوب ومن تخلف بعث إليه واحدا من عنده فيؤدبه بالضرب، أو أخذ المال. ويعذب المجرم بأنواع العذاب ولا يستطيع أحد أن يتعرض له، أو يعين المجرم، بل كلهم مطيعون خاضعون. وكل هذا إنما كان لإقامته حدود الله تعالى، وإجراء العدل على نهجه، فلا ينال البريء شيء من السوء أو الأذى، بل ينتظر الكرامة والعطايا.
22 0- وكان حريصا كل الحرص على نشر العلم، وتعليم الناس