الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب:
68 -
ولد في بلدة العُيينَة سنة 1115 هجرية ونشأ بها.
69 -
كان جده الشيخ سليمان بن محمد من كبار علماء نجد، المشهورين بالعلم والفضل، والورع والتقوى، وكرم الأخلاق، وكثرة البذل، وإكرام الفقراء من طلبة العلم وغيرهم من الوافدين إليه، وإليه تطمح أنظار طلاب العلم والفقه الحنبلي، ومنتجع السائلين والمستفتين من مختلف جهات نجد ونواحيها.
70 -
تولى وظيفة الفتوى في نجد، وتتلمذ له أكثر علماء نجد في علمي التفسير والحديث، والعلوم الدينية الأخرى المعروفة في هذه الأصقاع، وكان لشدة شغفه بنشر العلم وتعليمه: يؤوي طلاب العلم وفقراء التلاميذ في داره، وينفق عليهم من خالص ماله، وكان ذا هيبة ونفوذ لدى الولاة والأمراء في مختلف جهات نجد، فكان ملاذا وملجأ لكل المظلومين وما زال في حياته محطا للمتعافين واللاجئين حتى توفاه الله تعالى.
71 -
ثم خلفه في علمه ومنزلته وإقبال الناس عليه ولده الشيخ عبد الوهاب، فكان مثالا للعدل والفضل، وألف عدة رسائل في الفقه والتفسير، وكان مشهوراً عند الناس بالتواضع وسهولة الأخلاق، وكرم الطباع، ولين العريكة، ولي القضاء في العيينة، في إمرة عبد الله بن محمد بن معمر الذي كانت العيينة في زمنه على حال حسنة من العمران والرخاء، وكان يقرأ لطلاب العلم في مسجد العيينة دروسا في الفقه والتفسير والحديث.
72 -
ما كاد ولده محمد يشب عن الطوق، ويحسن الكلام حتى أخذ
في إقرائه القرآن الكريم وتعليمه القراءة والكتابة، فرأى الوالد من ولده ما أدهشه من سرعة حفظه، وحدة ذهنه وتوقد ذكائه، فأتم حفظ القرآن قبل بلوغه السنة العاشرة، وجلس في مجلس والده يتلقى علوم التفسير والفقه والحديث، فبزَّ تلاميذ والده الذين كانوا أكبر منه سناً وأسبقَ منه إلى الطلب، وكان فوق ما يتلقى على والده من الدروس يقرأ وحده فيما كانت تصل إليه يده من كتب العلم والدين، وقد جعل الله تعالى له من قوة ذكائه وحدَّة ذهنه عوناً كبيرا على تدبر القرآن الكريم، حين كان يقرؤه مجرداً عن التفسير ويتلوه للذكر والموعظة.
73 -
ففتح الله عليه من ذلك باباً في فقه كتابه عرف منه مقاصد القرآن الكريم، وغايته التي يرمي إليها من معرفة الله وإجلاله وإكباره وإخلاص الدين كله له وحده لا شريك له، وشرح الله صدره بمعرفة مبادئ التوحيد الصحيح ومعرفة نواقضه، وأخذ يقايس بين ما يراه في آيات القرآن من الدين والإيمان، وبين ما يرى عليه الناس من تعظيم القبور والأحجار والأشجار والتبرك بها والطواف حولها والنذر لها والاعتقادات السخيفة في المقبورين من الصالحين وغير الصالحين، ودعائهم في الشدائد، والاستشفاء بهم من الأمراض، وطلب كشف الكربات، وتفريج الضائقات، والحلف بهم أوثق الايمان، والاستعاذة بالجن، والذبح لهم، وصنع الطعام وجعله في زوايا الدور المظلمة والخربات بقصد شفاء المرضى، وجلب النفع ودفع الضر، وتعليق التمائم والتعاويذ والحجب والفتنة بالسحر لجذب قلوب المحبين وصرفها، وغير ذلك من الطلاسم
والكتابات التي فيها عبادة الشياطين والكواكب: الذي ينسبونه كذباً وزوراً إلى سليمان النبي عليه السلام، أو إلى جعفر الصادق من آل البيت رضي الله عنهم، أو إلى غير هؤلاء من الصالحين، وإنما هو من عمل اليهود وكفرهم الذين اتبعوه، وأعرضوا به عن الحق المنزل من عند الله على موسى وعيسى وخاتم الأنبياء.
74 -
نظر الشيخ إلى كل هذا، وقارن بينه وبين هداية القرآن، وما وضح من عقيدة وإيمان، فوجد الفرق بينهما كما بين السماء والأرض، وما بين الظلمات النور، والموت والحياة، والعمى البصر.
75 -
وقد كان أكثر هذه العقائد الزائفة والأعمال الضالة، وافدا ًعلى نجد وغير نجد من بلاد العجم: كربلاء والكاظمية والأهواز وغيرها من بلاد الشيعة الرافضة، التي هي معقل عبادة القبور، ومنبع العقائد الشركية في المقبورين وآثار الصالحين، ولقد كان سلف هؤلاء الأولون يضمرون في نقوسهم نزغات وثنية مجوسية، ونزعات سياسية فارسية، يحرصون على تحقيق كل منهما. ويعملون عليه، ويبذلون ما يستطيعون فيه، ويسلكون إلى أغراضهم من ذلك كل طريق، وكان الإسلام في أول نشأته قوى الشوكة، عظيم السلطان. صارم القضاء، لا يتهاون مع من يشم منه رائحة هذه النزعات الخبيثة، والنزعات الشيطانية، فكان أولئك الفرس- لهذا- يستخفون باسم الإسلام ويمهدون لتحقيق نزغاتهم باسم حب على بن أبي طالب وآل بيته وبنيه وعترته، وراج ذلك على بعض قصار العقول فشايعوهم على أعمالهم، ومالؤوهم على بغيهم، ورفعوا القبور التي سواها علي
رضي الله عنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وعلقوا عليها الستور، وزخرفوها بكل ما وصلت إليه أيديهم ليجذبوا قلوب العامة إلى تعظيمها، ويزخرفوا للجهال عبادتها، وسنُّوا لها أعياداً ومواسم يبالغون في الاحتفال بها، وما كان عملهم هذا إلا محاربة للإمام الشهيد على بن أبي طالب وولده الإمام الشهيد الحسين وعترتهم وآل بيتهم رضي الله عنهم، ومشاقة لله ورسوله، وإتباعا لغير سبيل المؤمنين.
76 -
وآية ذلك أن أظهر المبتدعين لهذه البدع والمؤسسين لها والمدافعين عنها والباذلين في سبيلها الأموال الوفيرة: هم العبيديون بنو عبيد الله القدَّاح اليهودي، المزورون نسبهم كذباً وتمويهاً إلى السيدة الطاهرة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها ليستروا أفعالهم الشنيعة، وجرائمهم المنكرة بهذا النسب المتبرئ منهم
77 -
ويدل أوضح الدلالة على كذبهم في هذا الانتساب: أن وزراءهم وقادة الرأي في دولتهم كانوا يهوداً أو نصارى، وأنهم أقصوا المسلمين من علماء وقواد، بل عذبوهم، ونكلوا بهم أشد التنكيل.
78 -
وهل رأيت أغرب من أن يكون يعقوب بن كلس اليهودي إماما من أئمة الخلافة ومؤلفا، وزعيما للعلماء والمدرسين، في الأزهر، بل مبتدع فكرة التدريس، ليتعلم فيه دعاة ضلالهم وكفرهم ما ينشرونه على الناس. ولكن الله رد كيدهم في نحورهم، وجعل الأزهر بعد أكبر حصن للإسلام يدفع عادياتهم ويتخرج فيه علماء السنة، وأئمة الدين الحق في القديم والحديث.
79 -
ولقد كان من سابق قضاء الله الذي لا مرد له: أن راجت تعاليم أولئك الأعاجم وشيعتهم من اليهود على كثير من العامة، ونفق سوقها في البيئات التي لم يتمكن من قلبها نور الإسلام وهدايته. فكان من آثارها توهين العقيد الإسلامية، التي أساسها إخلاص العبادة لله، التي يقول الله فيها {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن:18]{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]
80 -
كانت نجد في ذلك الحين مباءة للأوثان والطواغيت التي لا يحصيها العد، كغيرها من الأمصار الإسلامية- وكان للقلوب تعلق شديد بهذه الطواغيت؛ لطول الأمد عليها، إذ نشأ فيها الصغير، وشاب فيها الكبير، وتلقاها الخالفون عن السالفين من آبائهم، وأخذوها بالوراثة التي امتزجت بنفوسهم في جميع أدوار حياتهم. وليس في الناس من يقوم بالإنكار على هذه المبتدعات، ولا من يرد الناس عنها إلى الدين الصحيح، إما لتعلق بها وحرص عليها، لأنها مورد رزق، وسبيل رياسة، وذلك شأن متصوفة الزمن، وسدنة المقابر، والموظفين في خدمتها وترويج عبادتها، وهؤلاء أضر خلق الله على الناس.
81 -
وإما لجهل بحقيقة الإسلام، وما بعث به الرسول عليه والصلاة والسلام، وتعوضهم عن ذلك بما حفظوا أو قرؤوا من بعض الكتب المحشوة بما يزيد هذه البلايا رواجا. والرؤساء والأمراء لا هَمَّ لهم إلا جمع الدنيا وتحصيل لذاتها ومتاعها من كل طريق وبكل وسيلة. فكان المسلم
السليم القلب، العارف لربه وعبادته، ولنبيه وهديه وسنته إذا تأمل في هذه الحال تفطر فلبه حسرة.
82 -
وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد فتح الله له إلى الهداية الإسلامية بابا من تدبر آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي صلى الله عليه ويسلم، وعرف ما يدعو إليه الإسلام من إخلاص الدين لله، وأن أهل العيينة وما جاورها، وما بعد عنها من البلاد النجدية وغيرها منغمسون في هذه البدع والخرافات الشركية، فأخذته عليهم الشفقة والرحمة، وذهب يدعو إلى الله سرا، ويعظ أصدقاءه وإخوانه، فاستمع بعض من أراد الله هدايتهم لكلام الشيخ وقبل نصيحته. وكان للشيخ من الأخلاق والسجايا الكريمة والعزوف عن زينة الدنيا ومتاعها، والإقبال على العبادة، وكثرة مدارسة العلم وإكرام طلابه، ما حببه إلى كثير من الناس.
83 -
لكنه أدار نظره فإذا الميدان واسع المدى، وإذا جند الباطل كثير، وأنصاره أشداء، وتوغل هذه العقائد في النفوس جعل انتزاعها منها أمرا عسيرا، ثم ذكر أن هذه الجاهلية الثانية قد لا تقل عن الجاهلية الأولى في العناد، والعصبية، والحرص على تراث الآباء والأجداد، والفتنة بالمترأسين بالباطل في الدين، والمتعالمين فيه بالجهل والرياء، وأن النبي صلى لله عليه وسلم لقي من الجاهلية الأولى ألوان الأذى، وصنوف الشدائد، وما تغلب عليها وهدم أركانها وقوض دعائمها إلا بالعلم الصحيح الكثير الطيب، والذي كان ينزل به الروح الأمين على قلبه صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، وبجانب هذا العلم الحديد، فيه بأس شديد، ومنافع للناس الذين
لا يلين الكلم الطيب، والنصح الخالص قلوبهم ورءوسهم. ولا تستطيع الموعظة الحسنة أن تستخرج من رءوسهم شياطين الفتنة وطواغيت الشرك والوثنية، فلصوت الحديد عندئذ وبريقه النفع الكثير في تنفير تلك الشياطين من عشها، وطردها من أو كارها.
84 -
وأين للشيخ هذا العلم، والحديد؟ فأما العيينة فما فيها من العلم لا يساوى شيئا، ولا يغنى شيئا، وها هو ذا قد استوعبه كله؛ فلم يبق فيها شيء من العلم إلا وهو في صدره وعلى لسانه. وأما الحديد فأين يجده، وأمير العيينة كغيره من عبيد الشهوات والدنيا؟ فليبحث أولا عن العلم، ثم ليكن من فضل الله بعدُ أن يهيئ للعلم أميرا يؤيده، وسيفا يقوم بجانبه يحرسه. لا بد من انتجاع العلم في غير بلده، ولا بد من الرحلة سعيا وراءه حيث يكون.
85 -
تجهز للرحلة إلى البلاد المقدسة ليؤدى فريضة الحج أولا، ثم ليغترف من بحر العلم في الحرمين فوصلها وأدى نسكه وقضى تفثه، وأشبع روحه من مناسك الحج ومشاعره، ثم انقلب يشبع نفسه من العلم، فجلس إلى علماء الحرم المكي، وسمع لحديثهم في العلوم الدينية، والظاهر أنه لم يرقه ما يقولون. ولم يجد من نفسه إقبالا على دروسهم وعلومهم. إذ خرج من مكة مبادراً يقصد شطر طيبة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيمم مسجدها أول مسجد أسس على التقوى، وصلى فيه، ثم سلم بعد على المصطفى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. ثم ذهب يطلب العلم.
فلقي الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف رؤساء بلد المجمعة، من قرى سدير أحد أقاليم نجد- فأنس بهذا الشيخ واطمأنت نفسه إليه، وأخذ نفسه بملازمته. فانتفع به كثيرا، وأحس الشيخ عبد الله بن إبراهيم بمثل ذلك فأحب الشيخ محمدا وكان به حفيا، وبذل جهدا كثيرا في تثقيفه وتعليمه. وتلازما في المسجد والدار، وكل مكان.
86 -
ولقد كان من أكبر عوامل توثيق الروابط بينهما وتمكين المحبة: أن كان الشيخ عبد لله بن إبراهيم آل سيف يشارك الشيخ محمدا أفكاره ومبدأه في عقيدة التوحيد، والتألم مما عليه أهل نجد وغيرهم من عقائد وأعمال باطلة؛ ويود لو يجد عنده من القوة ما يجاهدهم به.
87 -
يدلنا على هذا قول الشيخ "كنت عند الشيخ عبد الله يوما، فقال لي: أتريد أن أريَك سلاحا أعددته للمجمعة؟ قلت: نعم. فأدخلني منزلا عنده فيه كتب كثيرة، وقال: هذا الذي أعددنا لها".
88 -
أخذ الشيخ كثيرا من العلم عن الشيخ عبد الله واستفاد من مصاحبته فوائد عظيمة. فقد أجازه الشيخ عبد الله من طريقين: أحدهما من طريق ابن مفلح عن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية عن شمس الدين ابن أبي عمر عن عمه موفق الدين بن قدامة عن الشيخ عبد القادر الجيلاني عن القاضي أبي يعلى المرداوي عن ابن حامد، عن الخلال، عن الإمام أحمد رحمة الله عليه ورضوانه.
89 -
والثاني: من طريق عبد الرحمن بن رجب عن العلامة أبي شمس الدين
أبي بكر محمد بن قيم الجوزية عن شيخه شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية عن شمس الدين نجل ابن أبي عمر عن عمه موفق الدين عن الشيخ عبد القادر الجيلانى عن أبي الوفاء بن عقيل عن القاضي أبى يعلى عن ابن حامد عن أبى بكر المروزي عن الخلال عن الأثرم عن الإمام أحمد.
90 -
وأجازه الشيخ عبد الله أيضا بكل ما في ثبت الشيخ عبد الباقي الحنبلي شيخ مشايخ وقته. قراءة، وتعلما وتعليما-: صحيح البخاري بسنده إلى مؤلفه، وصحيح مسلم كذلك وشروح كل منهما وسنن الترمذي، والنسائي وأبى داوود وابن ماجه، ومؤلفات الدارمي كلها. كل ذلك بسنده المتصل إلى مؤلفه. ومسند الإمام الشافعي، وموطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد ومسند أبى داود الطيالسي ومعاجم الطبراني وبسلسلة العربية بسندها إلى أبى الأسود الدؤلى عن على بن أبى طالب رضي الله عنه، وبكتب النووي كلها، وفي المصطلح ألفية العراقي، والترغيب والترهيب، والخلاصة في النحو لابن مالك، وسيرة ابن هشام وسائر كتبه، ومؤلفات الحافظ ابن حجر العسقلاني، وكتب القاضي عياض، وكتب القراءات، وكتاب الغنية للشيخ عبد القادر الجيلاني. وكتاب القاموس في اللغة بالسند إلى مؤلفه وكتب السيوطي، وكتب فقه الحنابلة وأصوله بسلسلتها.
91 -
ثم وصل الشيخ عبد الله بن سيف حبل الشيخ محمد بحبل المحدث المحقق الشيخ محمد حياة السندي، وعرفه به، وبما هو عليه من عقيدة صافية، وبما تجيش به نفسه من مقت الأعمال الشائعة في كل مكان من
البدع والشرك الأكبر والأصغر. وأنه إنما خرج من نجد للرحلة في طلب العلم، وسعياً إلى الاستزادة من السلاح الديني القوى الذي يعينه على ما هو مصمم عليه من الجهاد في سبيل الله.
92 -
كان الشيخ محمد حياة السندي عالما عاملا، تقيا فاضلا، يكره التقليد للمشايخ، والتعصب للمذاهب، ويصرح أن ذلك من إتباع الطاغوت الذي صرح الله تعالى بالنهي عن التحاكم إليه، وأن كل المصائب التي حلت بالمسلمين إنما هي ثمرة هذا التقليد الخبيث
93 -
فهو الذي فرقهم في دينهم شيعا وأحزابا، وطرائق قددا: من نقشبندية، وشاذلية، ورفاعية وخلوتية، ومولوية، وغير ذلك من أسماء لا تحصى، ومسارب إلى الباطل والزندقة، واتباع الهوى في عبادة الله، وتشريع عبادات وأعمال وأقوال ما أذن الله بها ولا رسوله، زينها الشيطان موهما لفاعليها أنها أقوم الطرق إلى الله، وضل سعيهم في كل ذلك. فما الطريق الأقوم إلا الصراط المستقيم الذي سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأئمة من بعده رضي الله عنهم أجمعين: مما يتلى في القرآن الكريم وفي كتب السنة النبوية الصحيحة.
94 -
والتقليد الأعمى هو الذي مكن للشيطان في قلوب الجاهلين والمشركين في كل وقت. فأطاعوه فيما زين لهم من عبادته باسم الأولياء والصالحين {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ
يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً} [النساء:117-120]
95 -
وكلما قام الداعي إلى الله، لينقذهم من مخالب الشيطان، تدرعوا بالتقليد الأعمى وتحصنوا به، فقالوا:{قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء:74] ، وهذا الذي عليه المشايخ كلهم، كم لنا من سنين طويلة ونحن نرى الناس على هذا العلم والدين؟ فكل هؤلاء ضلال. وأنت المهتدى وحدك؟.
96 -
فانظر أيها المنصف إلى تلك الحجج الداحضة ولا تعجب من شيوخ هذا الضلال، ورؤساء هذا الشرك فإنهم يربون المريدين على قاعدة "إذا كان شيخك جحشاً أمسك في ذيله، إذا رأيت أهل البلد يعبدون حماراً أو عجلا حش وارمي له، شيخك جاسوس قلبك، يدخل ويخرج من حيث لا تشعر. كن بين يدي شيخك كالميت بين يدي المغسل، لا إرادة لك ولا عقل ولا تفكير: فإذا قال لك السماء تحت، والأرض فوق. قل آمنت وصدقت. وإياك ثم إياك أن تعترض على شيخك في أي قول يقوله، أو أي فعل يفعله، أو أي أمر يأمرك به: مهما كان مخالفاً للكتاب والسنة والقياس والإجماع فإن المعترض مغلوقة دونه أبواب السموات والجنات".
97 -
التقليد الأعمى هو الذي قتل في الأمة الإسلامية التفكير الجدي الذي يثمر الثمرات الصالحة، وقتل فيها روح الاستقلال، فأصبحت خاملة خامدة أطفأ فيها جذوة النشاط وجعلها ذيلا لغيرها في كل أمر وعمل فأصبحت كالخرقة البالية، وقتل كل خلق حميد، وصفة جميلة. ومهد للمدنية الأوربية الفاجرة، ولدولها من ورائها، فاستعمرت الدور والقلوب.
كل ذلك من ثمرات شجرة التقليد الخبيثة لعنها الله.
98 -
وأنا مؤمن كل الإيمان أن مقلدة زمننا لا يقلدون الأئمة الأربعة: مالكا، وأبا حنيفة، والشافعي وأحمد رضي الله عنهم. بل ولا يقلدون تلاميذهم، ولا الطبقة الثانية من تلاميذهم. وإنما يقلدون الشروح والمتون والحواشي التي هي حُثالة آراء المتأخرين التي ليس فيها بعد التمحيص إلا سواداً في بياض فحسب. ويا حبذا ألف مرة لو أنهم تركوا هذه الكتب ورجعوا إلى الأمهات والأصول التي هي من قول الأئمة أنفسهم، أو من كلام تلاميذهم، إذن لبثت فيهم هذه الكتب روح الفقه والتدبر مستقلين وكوَّنت فيهم ملكة العلم الصحيح لا العلم التقليدي الذي هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
99 -
من أجل هذا كان من أعظم ما يعنى به الأنبياء وورثتهم هو محاربة هذا التقليد وتحرير العقول من سلاسله. والمأثور عن الأمة الأربعة وغيرهم من علماء السلف الصالح من ذلك شيء كثير.
1 00-واقرأ أن شئت مقدمة المزنى لمختصره لكتاب الأم، وكتاب جامع العلم لابن عبد البر، ورسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام لشيخ الإسلام ابن تيمية، وإعلام الموقعين لابن القيم، والرد على من أخلد إلى الأرض وأنكر أن الاجتهاد في كل عصر فرض، للجلال السيوطي، ومحاورات المصلح والمقلد، لأستاذنا زعيم السلفيين السيد رشيد رضا رحمة الله عليهم جميعاً وتفسيره الذي هو أنفع التفاسير.
1 0 1 - وتلك سنة العلماء المخلصين في حرب التقليد. فهذا شيخ الإسلام
ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وجهادهما المشهور، وهذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهذا الأستاذ الإمام زعيم نهضة مصر وموقظها الشيخ محمد عبده، وهذا السائر على نهجه والرافع لرايته السيد رشيد رضا، وهذا خليفتهم في عصرنا الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي يسلك طريقهم وينهج نهجهم في الرجوع بالعقل إلى فطرته وبالعلم إلى منابعه الأصلية من الكتاب والسنة الصحيحة ومحاربة البدع المضلة والخرافات المفسدة للفطر والعقول وهذا فضيلة المفتي الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم ينهج في دروسه التي يلقيها في كلية الشريعة منهج شيخه الأستاذ الإمام، بل لا أكون مغاليا إذا أنا قلت إن أكثر علماء الأزهر اليوم على هذا إن شاء الله.
1 0 2 - ولسنا بهذا ندعو إلى الفوضى العلمية، وأن يقول كل واحد في الدين والقرآن بما يمليه عليه عقله الجاهل وقلبه المريض، فذلك لا يقل في الفساد والشر عن الأول، لكننا ندعو طلاب العلم المخلصين، ذوي القلوب السليمة أن يبذلوا الجهد في الاستعداد لفهم القرآن، وتدبر نصوص الدين بمؤهلات ذلك، معتقدين أنهم مع بذل الجهد وصدق النية واصلون إن شاء الله، خصوصا في عصرنا الذي تهيأ فيه من أسباب العلم بالمطابع وغيرها ما لم يكن مهيئاً للأولين.
1 0 3 - لقد كان الشيخ محمد حياة السندي من أولئك العلماء الذين عرفوا عن التقليد هذه الحقائق فأبغضه وعاداه، وحاربه بنفسه ودعا أهل العلم إلى حربه.
1 0 4 - ورأى في الشيخ محمد بن عبد الوهاب قوة ذكاء، ومضاء عزيمة،
وعلو نفس: صفات تهيئ صاحبها للزعامة، فأعطاه من وقته وعنايته الحظ الأوفر. ورسم له طريق العلم الصحيح، وعلمه كيف يسير في طريق الدعوة إلى الله، إذا هو استقل وحده بالجهاد. فنفع الله تعالى الشيخ محمد بن عبد الوهاب بهذا أعظم النفع، في مستقبل حياته.
1 0 6 - وقد كان الشيخ حياة يغذي روح الثورة الدينية في نفسه تغذية قوية جداً.
1 0 7 - فمن ذلك أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقف يوما على الحجرة النبوية، ويكاد مرجل غيظه ينفجر مما يرى ويسمع من الاستغاثات برسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائه والضراعة إليه. فرآه الشيخ حياة على تلك الحال. فجاءه يسعى فلما رآه الشيخ محمد بادر بسؤاله: ما تقول يا شيخ في هؤلاء؟ فقال السندي على الفور {إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [لأعراف:139]
1 0 8 - بمثل هذه الروح تغذَّى الشيخ محمد من الشيخ حياة ومن معارفه.
1 0 9 - وممن أخذ عنهم أيضا وانتفع بمصاحبته: الشيخ علي أفندي الداغستاني، والشيخ إسماعيل العجلوني، والشيخ عبد اللطيف العفالقي الأحسائي، والشيخ محمد العفالقي الأحسائي، وقد أجازه الشيخان الداغستاني والأحسائي بمثل ما أجازه الشيخ عبد الله بن إبراهيم آل سيف بما في ثبت الشيخ أبي المواهب وغيره كما تقدم ذلك.
11 0- ومكث الشيخ محمد بالمدينة على قدر ما أيقن أنه قد أخذ من
علمائها وشيوخها أكثر ما يستطيع أن ينتفع به في حربه التي يتهيأ لها.
وانطبع في نفسه أيضا صورة لما اعتقد أن عليه أغلب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها: مما رأى من وفودهم التي كانت تأتي المدينة لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم، حين تدعو رسول صلى الله عليه وسلم، وتطلب منه تفريج الكربات وقضاء الحاجات، وتصيح بأمثال قول شاعرهم:
يا أشرف الرسل ما لي من ألوذ به
…
سواك عند حدوث الحادث العمم
وما كانوا يخاطبون به أبا بكر الصديق، وعمر وحمزة، وغيرهم رضي الله عنهم من الاستغاثات والتضرعات التي لا تكون إلا لله وحده، مثل قولهم: يا سيدنا أبابكر الصديق يا مفرج كل هم وغم وضيق. وغير ذلك مما وضعت له الكتب يحفظها المزورون ويلقنونها لهم، كما يحفظ المطوف أدعية الطواف ويلقنها للحاج.
111 -
رأى الشيخ كل هذا وأمثاله وسمعه من أولئك الوافدين من مختلف البلدان، فكان عنده من ذلك يقين: أن هؤلاء إنما يحكون ما عليه جمهور أقطارهم من عقائد، وما يدينون به من تقاليد فزاد ذلك في نار ألمه ضراما
112 -
خرج الشيخ من المدينة موليا وجهه شطر نجد، ليعلن الحرب الشعواء على تلك الآلهة الباطلة، والعادات الضالة، وعلى مروِّجيها، والقائمين بشأنها، لعله يؤتى من عند الله النصر العزيز، فتصبح كلمة الذين كفروا هي السلفي وكلمة الله هي العليا. والله عزيز حكيم.
113 -
لكنه أحسَّ في نفسه بعض الحاجة إلى ما عند علماء الشام، مما لعله لم يظفر به في المدينة المنورة، فتوجه يريدها عن طريق البصرة. فلما وصل البصرة أخذ يستقصى أخبار من فيها من أهل العلم، حتى دُلَّ على من عُرِفَ فيها بذلك، فجلس إليهم، وأخذ عنهم حاجته.
114 -
فمن أولئك: الشيخ محمد المجموعي، قرأ عليه الكثير من كتب اللغة والحديث. ثم ما لبث أن رأى في البصرة وسمع مثل ما رأى في غيرها وسمع من البدع والخرافات فأخذ ينكر ذلك، وينهى عنه أشد النهي، ويغلظ القول على فاعليه ومعتقديه.
115 -
قال الشيخ "كان ناس من مشركي البصرة يأتون إليَّ بشبهات يلقونها عليَّ. فأقول، وهم قعود: لا تصلح العبادة إلا لله فيبهت كل منهم ولا ينطق فاه".
116 -
فاستحسن منه ذلك الشيخ محمد المجموعي، وأعانه عليه وأيَّده، وزاد في حماسه. ثم ذاع أمر الشيخ وأمر إنكاره لما يفعله الناس عند القبور من تمسح وطواف بها ونذر لها، وما يقولونه من دعائها والتوسل بها والالتجاء إليها. فخشي سَدَنة هذه المقابر والمتأكلون بها، ومن لفَّ لَفَّهم، من المنتسبين إلى العلم ظاهراً: على ما يربحون من مال، وما ينالون من جاه عند العامة والدَّهماء، في ظل هذه القبور وببركة سر أهلها. وخافوا أن يظهر للناس جهلهم وضلالهم فتنهار من القلوب مكانتهم، فكادوا للشيخ وشوهوا دعوته، وأغروا به الرؤساء الجاهلين، والسفهاء المقلدين، فاجتمع عليه هؤلاء وهؤلاء ونالوه بأشد الأذى، وما زالوا به حتى أخرجوه من البصرة خائفا يترقب
117 -
فأخذ طريقه إلى الزبير سيرا على الأقدام، ولم يكن معه لذلك الطريق رفيق ولا زاد ولا ماء، فناله من الظمأ ما أشرف معه على الهلاك، لولا أن أدركه الله تعالى وأغاثه برجل يقال له: أبو حمدان من أهل الزبير، فأخذه من هيبة الشيخ والشفقة عليه ما حمله على التطوع لخدمته، وكان معه ماء فسقاه ونزل له عن حماره فأركبه، حتى وصل إلى بلدة الزبير.
118 -
فلم يلبث بالزبير إلا يسيرا ثم خرج منها ميمما الأحساء، فنزل فيها ضيفا على الشيخ العالم: عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف، وكان شيخا شافعيَّ المذهب ذا شهرة في الفقه، لكنه لم يكن في حرية الفكر وقوة العلم كالشيخ المجموعي أو الشيخ حياة السندي، فلم يرُقْ عند الشيخ –فيما يغلب على الظن- الإقامة عنده كثيرا، فخرج من الأحساء، ووليَّ وجهه شطر بلدة حريملاء، وكان والده الشيخ عبد الوهاب قد انتقل إليها في سنة1139، فلما وصل الشيخ محمد إلى حريملاء أخذ يقرأ على الناس ما وعى من العلوم، ويقرر لهم التوحيد الصحيح، وينكر ما أحدث الناس من البدع والشرك والأقوال والأفعال التي عرف أنها لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في القرون الفاضلة، وأخذ يشتد في ذلك ولا يُداجِِي أحدا.
119 -
كان والده كشيوخ بلاده، إنما يحيط علما بما في كتب الفقه التي ألفها المتأخرون من متون وشروح وحواشٍ، وما في كتب الكلام العقيمة التي ليس فيها إلا جدل فارغ، وحكاية كلام معقَّد يسمونه علم التوحيد، فسمع من ابنه علما جديدا، وكلاما لا عهد له بمثله، فخشي على ولده أن يرى عند العامة بالكفر، وأن يوصف من الدهماء بالمروق من الدين، ولعله نصح حينئذ
لابنه أن يعدل عن ذلك الطريق، وأن يسلك ما يسلك الجمهور والسواد الأعظم من الناس وشيوخهم وآبائهم.
12 0- فلم يقبل الشيخ نصح والده، بل رده عليه مبينا له أن النصيحة الخالصة هي أن يقوم معه بإعلان كلمة التوحيد خالصة، وأن يعملا معا على غسلها مما علق بها من تلك الخرافات ليعرف الناس حقيقتها، وتذوق قلوبهم حلاوتها فيعبدوا ربهم وحده {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]
121 -
وقامت المنازعات، والخصومات الكلامية بين الشيخ محمد وبين أهل العلم في حريملاء، فكانت كالزند يقدح عليها شرر الدعوة فيشتعل، كالريح ينفخ في ضرامها فيشتعل، ويمتد نوره قليلا قليلا، وهكذا كلما كانت الدعوة عنيفة في حكمة، وأغرت خصومها بمناهضتها بالمجادلات والمنازعات حتى تكون شغل الناس، وحديثهم في مجالسهم، كان ذلك أعون على انتشارها وأجدى عليها بكثرة الأنصار والأتباع، فإن ذلك يلفت الأنظار التي كانت محرومة من نور هذه الآيات، ويفتح القلوب المغلقة فتفهمها، وهذا كان في الحريملاء، فإن الشيخ لم يلبث أن ذكر اسمه، والتفَّ حوله أنصار يقولون بقوله ويؤيدون دعوته، ويذهبون في التوحيد مذهبه، ووقف والده منه موقف الحياد، فلا هو من أنصاره وحزبه، ولا هو من أعدائه ومناوئيه. حتى مات سنة 1153 رحمه الله.
122 -
جلس الشيخ محمد بن عبد الوهاب في حلقة أبيه، وحلَّ من نفوس أهل البلد ما كان يَحُلُّ أبوه، وارتفع مكانه عندهم، فانتهزها فرصة هيأها
الله تعالى لأن يأخذ في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأشد من ذي قبل، وأن يِجْبه بها الكبير والصغير، والمأمور والأمير.
123 -
وأساس دعوة الإسلام أن يخلص القلب لله وحده وإذا خلص القلب لله زكت الروح وصفت النفس من كل خلق ذميم، وصفة قبيحة، فعرفت الحق لله، والحق لعباده، فلم تعتد على حق الله فتجعله لأحد غيره، ولم تعتد على حق العباد، فتظلمهم إياه.
124 -
قد كان في حريملاء رؤساء على سنة رؤساء عصرهم بكل بلد وقبيلة في نجد: ظلم ظاهر، وقسوة شنيعة، وانتهاك لحرمات الأعراض والدماء لا حدُّ له، وكان لكل رئيس أتباع، هم شر منه في كل ما تقدم، لأنهم في الغالب من العبيد ذوي النفوس المنحطة، والعقول المظلمة، والقلوب السوداء.
125 -
فلما اشتد جانب الشيخ، بمن اتبعه، وقوي ظهره بمن ناصر مذهبه القويم، من أهل حريملاء، فكَّر أن يقطع على هؤلاء العبيد طريق الفساد، وأن يكف من شرهم، فأخذ يتأتى لذلك، ويُعْمِل الحيلة على تنفيذه، لكن السادة والعبيد أحسوا بما يريد الشيخ بهم: من ردهم إلى طريق العقل، وهم أعداؤه وارجاعهم إلى الإنسانية، وهم خصومها، فغضبوا غضبتهم، وذهبوا يتسورون عليه داره ليلا محاولين قتله، وكادوا أن يبلغوا ما أرادوا، لولا أن سبقت رحمة الله بأهل نجد، فعصمه منهم، وكفَّ أيديهم عنه، فولوا مدبرين، ولكنه أيقن أنهم إن لم يظفروا به الليلة، فهم لا بد محاولون ذلك مرارا حتى يظفروا به وهم واجدون من الفوضى وظلم رؤساء البلدة، ما يعينهم على ذلك ويمكنهم منه.
126 -
فخرج من الحريملاء، وذهب ناجيا بنفسه إلى العيينة مسقط رأسه، ووطنه الأصلي، علَّه يلقى فيها من الأمن على حياته، والعون على تبليغ دعوته مالم يجده في حريملاء، وكان رئيسها يومئذ: عثمان بن معمر.
127 -
فما كاد يحطُّ رحله بها حتى أعلن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقرير التوحيد الصحيح، والدعاء إلى هدم القباب وقطع الأشجار المعظمة فيها، وأخذ يحرض الناس عليها ويغريهم بها، حتى اجتمع عليه ناس كثير، فبعث سرا من هدم بعضها على جُعل من المال،
128 -
وفي البلدة شجرة هي أعظم هذه الأشجار تدعى شجرة الذئب، يؤمها العوانس لطلب الزوج الحبيب خرج إليها بنفسه، فوجد عندها راعي غنم أراد منعه والتشويش عليه فاشترى سكوته ببعض ثيابه خلعها عليه ليخلِّي بينه وبينها، فقطعها، وأصبح الناس وقد طاحت بالشجرة المعظمة المحترمة فأس الشيخ، فأخذهم من الدهش لذلك والفزع شيء كثير، فاشتهر أمره عند الناس وزاد أتباعه.
129 -
وكان بقرب بلدة جُبيلة قُبة عظيمة، ينسبونها لزيد بن الخطاب، ويحتفلون لها الاحتفال العظيم، ويعلقون عليها الأستار الغالية، ويجلبون إليها النذور من طعام وأنعام، من قصى البلاد ودانيها فعمل الشيخ على هدمها ودبر الحيلة لذلك، وأفضى بما في نفسه إلى عثمان بن معمر قائلا له: دعنا نهدم هذه القبة التي وضعت على الباطل؟ وضل بها الناس عن الهدى، فقال له: دونكها فاهدمها، فقال: الشيخ نخشى أن يخرج علينا أهل الجبيلة، فلا بد أن تكون معي، فخرج عثمان معه في ستمائة رجل بالسلاح، فحين قربوا
من الجبيلة خرج أهلها يريدون منعهم بالقوة، فتأهب لهم عثمان برجاله. فلما رأى أهل الجبيلة ذلك خلوا بينهم وبين القبة، وقام الشيخ عليها بفأسه، وهدمها بيده، حتى سوَّاها بالأرض، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد بهدم العزى، وكما صنع علي بن أبي طالب حين بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي.
13 0- فعظم ذلك في نفوس العامة والسفهاء وهالتهم هذه الجرأة العجيبة على الآثار المعتقدة والقبور المباركة التي تقصد لقضاء الحاجات ودفع البليات، ووقع في نفوسهم أن ستظهر هذه القبة كرامتها وسرها الباتع في الشيخ الذي تجرأ على إزالتها وهدمها، ولا بد أن يصيب الشيخ من ذلك شر، ولكن الله أراهم إياه في عافية وقوة نشاط {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} [الزمر:36، 37]
131 -
تسامع الناس بهذا الحادث، وتناقله الركبان، فتحدث الناس عن الشيخ، ووقع في قلوبهم له من الهيبة والرهبة أمر عظيم، ووقر في نفوسهم أن الله قد أتى به في هذا الزمان ليجدد للناس عهد الخلفاء الراشدين، في إقامة الحدود الشرعية، وإحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم ونشر راية الإسلام المطويَّة.
132 -
فوفدوا عليه يغترفون من بحر علمه، ويستشفون من أمراض قلوبهم ببليغ وعظه ونصحه.
133 -
وجاءته امرأة، قد زنت، واعترفت لدية بالزنا، وطلبت إليه أن يُطَهِّرها بإقامة الحدِّ عليها، وكان الرجم، لأنها محصنة، وذلك كما
فعلت المرأة الجهنية التي اعترفت للنبي صلى الله عليه وسلم بالزنى فأقام عليها الحدَّ، وصلى عليها، وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه "إنها تابت توبة لو وزعت على سبعين لو سعتهم" رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. فلما جاءت هذه المرأة وعرضت أمرها على الشيخ، وأقرت بين يديه بالزنى سأل عن عقلها، فقيل له: هي صحيحة العقل. فقال لها: لعلك غصبت، فأقرت أن ذلك كان عن رضا منها ورغبة، فكرر عليها القول أربع مرات، وهي مصممة على قولها، ثم أمر بها فشُدَّت عليها ثيابها، وأخرجت إلى الساحة، وقام الناس يرجمونها بالحجارة حتى ماتت. وكان أول من بدا بإقامة ذلك الحد وتنفيذه عثمان بن معمر، أمير البلدة.
134 -
فسار خبر هذا الحادث الأعظم في الوديان والبوادي سير البرق، ووقع على القلوب الأثيمة وقع الصاعقة، وارتجفت له نفوس كانت راتعة في الآثام والشرور: أن يَحُلَّ بهم ما حلَّ بهذه المرأة الزانية، إذا نالتهم يد الشيخ محمد ووقعوا تحت طائلة سلطانه، وفرح بذلك المؤمنون الذين يعلمون أن الرحمة والبركة والخير تنزلان من عند الله تعالى عند إقامة الحدود. ويتنزل الغضب وترفع البركة والخير، ويعم الفساد إذا عُطِّلت الحدود، وتركت النفوس المجرمة سائمة ترتع حيث شاءت، وتأتي من المنكرات ما هويت.
135 -
وبلغ هذا النبأ العظيم أهل الحساء – وأميرهم: سليمان آل محمد رئيس بني خالد الذي كان سلطانه يمتد على الحسا والقطيف حتى العارض وكان ابن معمر عاملا له على العيينة، فقام العلماء من أهل الحسا يشوهون
عمل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويرجفون على الأمير سليمان بذلك وبما قام به ابن معمر من معاونته على إقامة الحد على الزانية فأعظم ذلك جدا وأخذه منه ما قرب وما بعد، وأقامه هذا الحدث وأقعده، وصورت له نفسه ما يكون من عظائم الأمور، إذا هو أرخى لهذا الشيخ ومعينه ابن معمر العنان في هذه الأمور، التي لا عهد لهم بها. فكتب إلى الشيخ يتوعده ويتهدده بالقتل إذا هو لم يرجع عن "تخريب قلوب المسلمين وإفساد دينهم".
136 -
طبعا لم يعبأ الشيخ بهذا الوعيد والتهديد، ولم يعره التفاتا، ثقة بالله، ثم بمساعدة ومعاونة الأمير عثمان بن معمر. فنشط في دعوته. واستمر في جهاده. وطارت الأنباء بذاك إلى سليمان في الحساء، فثارت حميته وأخذته العزة أن شيخا من أولئك المطاوعة الذين كان يستخدمهم الأمراء لأهوائهم وأغراضهم بقليل من متاع الدنيا لا يعبأ بقوله، ولا يسمع لأمره؟! بل ويسخر منه أيضا؟! هذا كثير جدا، وما سمع بهذه الجرأة على الأمراء طول حياته.
137 -
فكتب إلى ابن معمر يشدد عليه الأمر بقتل الشيخ محمد، ويتوعده إذا هو لم يفعل: أن يقطع عنه الألف والمائتي أحمر وما يتبعها من الكسوة والطعام التي يرسلها إليه من الحساء كل عام، فاستعظم ابن معمر ذلك وهاله هذا الوعيد، فكلم الشيخ وأظهر له السآمة والتبرم به والانخزال عنه لأنه لا طاقة له بحرب سليمان وإغضابه، وإنما كان ذلك لأن ابن معمر إنما كان يناصر الشيخ رغبة في الدنيا، وحرصا على
أن يتسع من وراء ذلك جاهه ونفوذه، ولم يكن لأجل العقيدة الصحيحة والدين الحق الذي يدعو إليه الشيخ، فإنه لم يكن قد نفذ إلى قلبه، ولا وصل إلى قرارة نفسه.
138 -
فحين جاءه كتاب سليمان طارت نفسه هلعا، وأقبل عليه الشيطان بجنده يخيفه فوات ما يؤمل من الدنيا مستقبلا، وما بيده منها حالا {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:175]
139 -
ورأى الشيخ من ابن معمر ذلك الخوف مجسما، فحاول أن يثنيه فقال له:"إن هذا الذي أدعوا إليه كلمة لا إله إلا الله، وأركان الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أنت تمسكت به ونصرته فإن الله سبحانه يظهرك على عدوك، فلا يزعجك سليمان، ولا يفزعك تهديده، فإني أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك به بلاده وما وراءها وما دونها إن شاء الله".
14 0- فوقع ذلك من نفس عثمان، وأغضى عن تهديد سليمان، وسكت عن الشيخ، ولكنه لم يلبث أن عاوده الشيطان يثير مخاوفه، ويوسوس له بغضب سليمان، وضياع المال والرياسة من يده، فعاود الكلام مع الشيخ قائلا له: إن سليمان أمرنا بقتلك، ولا نقدر على غضبه ولا مخالفة أمره، وليس من المروءة ولا كرم الأخلاق أن نقتلك، وأنت جارنا، فشأنك ونفسك وارحل عن بلادنا، وقرن الفعل بالقول، وفأنفذ في الحال من جنده الخيالة من أخرجه من البلد قسرا، وأوعز إليهم سرا أن يقتلوه إذا هم
وصلوا غار يعقوب، فذهب الجند إلى الشيخ، وسأله رئيسهم عن وجهته.
141 -
وكان الشيخ قد فكر في أي البلاد تجد الدعوة مأمنا، ومنبتا طيبا، فوقع طائر فكره على الدرعية، لأنه كان له بها تلاميذ ومحبون، أظهرهم محمد بن سويلم العريني، فقال الشيخ لهم: أريد الدرعية، فقالوا له: سر إليها، فخرج من العيينة كسيرا حزينا، خاشع البصر، يكاد ينوء بما أصابه في مخرجه هذا من أرزاء وبلاء.
142 -
ولعله ذكر حينئذ مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف حين طرده أهلها، وقد جاء يدعوهم إلى الفلاح والسعادة، وعزَّ الدنيا والآخرة، فأبى عليهم شيطانهم هذه النعمة المساقة إليهم، وأغروا به سفهاءهم يشتمونه بمقذع القول، ويرمونه بالحجارة، وهو يقول:"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهوَاني على الناس، يا أرحم الراحمين".
143 -
خرج الشيخ ذلك المخرج من العيينة يسير على رجليه، ووراءه أولئك الجند القساة يسوقونه أمامهم، ويرهقونه بخيلهم، ويتربصون به المكان الذي تواعدوا عنده على قتله، كأمر سيدهم ابن معمر، ولكن الله غالب على أمره، ولا حول ولا قوة إ، لا بالله العلى العظيم.
144 -
سار الشيخ في يوم قائظ تحت وهج الشمس المحرق، وليس معه إلا مروحته، والفرسان من ورائه يجهدونه متعجلين، والشيخ لا يلتفت إليهم لأنه في شبه غيبوبة من تأثره، وكلما استحكمت الشدة، وألحت الكوارث كلما ألجأ ذلك المؤمنين إلى ربهم، فصدقوا قلوبهم معه، ووثَّقوا توكلهم
عليه، فيريهم من آيات رحمته بهم ما يفرج كربهم ويكبت عدوهم.
145 -
أخذ الشيخ يتلو {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} الآية [الطلاق: 2،3] وغيرها من التسبيح والحمد لله، حتى إذا حاذوا المكان الموعود إذا بالله سبحانه يلقي الرعب في قلبهم حتى لم يستطع أحد أن ينقل قدما، فلووا عنان أفرسهم وولوا راجعين إلى ابن معمر يقصون عليه كيف إن الله كف أيديهم عن الشيخ فلم يستطيعوا أن يمسوه بسوء
146 -
أخذ الشيخ طريقه إلى الدرعية وحده، يحمد الله على حفظه، وكف يد الظالم عنه، ومازال يجدُّ في السير حتى وصلها من أعلاها وقت العصر، وتوجه من فوره،إلى دار تلميذه محمد بن سويلم، فتحرَّج ابن سويلم من وفود الشيخ عليه، وخاف على نفسه من أمير البلدة: محمد بن سعود، وكان شأن الأمراء، وحاشيتهم، والعامة، كما قدمنا لك: على الجاهلية، والعنجهية الهوجاء، والظلم البين، وكان النفر القليل الذين أجابوا إلى دعوة الشيخ لا طاقة لهم بأحد هؤلاء، ولا قبل لهم بحربهم، لأنهم في قلة وذِّلة.
147 -
فسكن الشيخ جأش ابن سويلم، وهوَّن عليه الأمر بتلاوة آيات من القرآن والحديث في الثناء على المؤمنين الصابرين، وأن سنة الله تعالى: أن العاقبة للمتقين.
148 -
فتسامع الناس بالشيخ، ووفد على دار ابن سويلم بعض الخاصة ينظرون من هذا الذي بلغهم عنه ما كان من أحداث العيينة من هدم
القباب وقطع الأشجار المعظمة، ورجم الزانية، فسمعوا منه ما لا عهد لهم به من العلم الصحيح والدين الحق ودعاهم إلى التوحيد، وإخلاص الدين لله.
149 -
وكان من فضل الله على آل سعود: أن حضر مجلس الشيخ، وسمع وعظه ونصحه ثنيان ومشاري ابنا سعود، أخوا الأمير محمد، فألقى الله حب الشيخ في قلبهما، وسلك الإيمان الصحيح والتوحيد الحق سبيله إلى نفسيهما الطيبتين، وذهبا إلى أخيهما يدعوانه إلى لقاء الشيخ، وإجارته وأتباعه على ما يدعوا إليه من الهدى.
15 0- لكن الأمير كان قد وصل إلى مسامعه أخبار ما كان من الشيخ في العيينة مشوهة، وزاد في تشويشهها ما هَوَّل به ناقلوها: من إخراج ابن معمر للشيخ على تلك الصفة الشنيعة، طاعة لأمر رئيس بني خالد سليمان أمير الحساء، فتوقف عن قبول نصح أخويه، وتردد في الأمر، يَزِنه من ناحيتيه: ماذا عليه من الغرم وماذا له من الغنم؟ إذا هو أصبح لهذا الشيخ معينا وناصرا، وهذه دعوته تظهر جلية: أن لا بد لها من الثورة، ولا بد لها من الحرب والجهاد.
151 -
وكان موقفه حينئذ موقف وفد الأنصار مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ليلة العقبة "إذ أرادوا أن يبايعوه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقولوا في الله لا يخافون لومة لائم، وعلى النصرة، فيمنعوه إذا قدم عليهم مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم، وأبناءهم
ولهم الجنة" فقام أسعد بن زرارة فقال: "إن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة، فذروه فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله. فقالوا: أمِطْ عنا يا أسعد، فو الله لا ندع هذه البيعة ولا نستقيلها أبداً".
152 -
قد كان موقف الأمير محمد مماثلا لهذا الموقف، لأنه بنصرته للشيخ سيتعرض لأهل نجد، وسيرميه هؤلاء وأولئك جميعا عن قوس واحدة، لأنه قام يهدم معبوداتهم الباطلة ويندد بجاهليتهم، ويقضي على عقائدهم الخرافية التي تمكنت من قلوبه، مع الزمان الطويل والتقيد للآباء
153 -
فاستمهل أخويه: أن يراجع نفسه، وينظر في أمره فاستعانا عليه بزوجه الصالحة المؤمنة العاقلة الحازمة "موضى بنت أبي وهطان" وشرحا لها أمر الشيخ، وما يدعو إليه، وما طارده أهل العيينة وغيرها من أجله
154 -
فما لبثت المرأة الصالحة أن أدركت بفراستها أن مثل هذه الدعوة لا بد أن ينصرها الله، وينصر من قام بها مخلصا صادقا، لا يرجو إلا وجه ربه، وسرعان ما انضمت إلى أخوي زوجها تؤيدهما.
155 -
وأخذت حين رأت زوجها تعزم عليه أن يستجيب لأخويه فيما دعواه إليه من الخير، وتبين له أن هذا الشيخ نعمة عجلها الله له، وعز في الدنيا والآخرة خصه الله به، فبادرْ إلى إكرامه والحفاوة به، واغتنم هذه الفرصة وقم بنصره فيما يدعو إليه ولينصرن الله من ينصره.
156 -
فشرح الله صدره، وألقى محبة الشيخ في قلبه، وسار إليه في دار ابن سويلم، وحياه أجمل تحية، وقال له:"أبشر يا شيخ ببلاد خير من بلادك، بلاد فيها العز والمنعة، فيها الصدق والإخلاص لما تدعو إليه من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به أشرف المرسلين عليه الصلاة والسلام".
157 -
فامتلأ قلب الشيخ سرورا، واطمأنت نفسه المضطربة، وأحسَّ بالظفر والقوة على حمل ذلك الأمر الذي كان يراه منذ أمد قريب ثقيلا عسيرا إذ عوضه الله داراً خيرا من داره، فيها أنصار أقوياء أشداء مخلصون صادقون جزاء صبره، وثمرة يقينه، وحسن توكله على الله الذي لا يضيع أجر من أحسن التوكل عليه في كل أمره، واعتمد عليه وحده في جميع شأنه {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} [الطلاق: 4] .
158 -
أخذ الشيخ يشرح للأمير محمد حقيقة الإسلام الذي بعث الله تعالى به رسله، وأوحاه إلى أنبيائه، وأخذ عليهم العهد به من نوح عليه السلام إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، والذي أجمله الله في قوله:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25] وشرح له حال المشركين، ودينهم الذي كانوا يحرصون عليه، ويعادون النبي صلى الله عليه وسلم من أجله، ويزعمون أنه دين إبراهيم وأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالهم والغلظة عليهم، ووعده النصر عليهم، ووعد أصحابه إحدى الحسنين: النصر، أو الشهادة التي يبوؤهم بها {غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} [الزمر: 20] وأن قلة المؤمنين دائما إلى كثرة، وفقرهم إلى غنى، وذلتهم إلى عزة، إذا هم أخلصوا
دينهم لله، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69] {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [لأنفال:26] وعلى عكس هذا، فكثرة المشركين إلى قلة، وعزتهم إلى ذلة، وقوتهم إلى وهَنُ، وغناهم إلى فقر {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [لأنفال: 36،37]
159 -
وجلَّي له حقيقة ما عليه أهل نجد وغيرها من العقائد، وأنه عكس الإسلام ونقيضه، وأنهم إنما يشاقون الله ورسوله، ويتبعون غير سيبل المؤمنين.
16 0- وأن إنقاذهم مما تورطوا فيه بجهلهم يسير هين إن شاء الله، مع الصبر والتقوى، وابتغاء وجه الله، إذ ليس الإسلام، في حاجة إلى جديد، بعد أن حفظ الله كتابه، ووفق العلماء والمخلصين لحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فما في الأمر أكثر من أن يوجد عالم يعرف حقيقة الإسلام من منابعه الصافية، يقوم بلسان فصيح، وقلب لا يخاف إلا الله، ويقوم بجانبه سيف عادل يجعل له في الصدور رهبة، وقد يَزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وأن يصبر هذان القائمان على ما ينالهما من الابتلاء والأذى في سبيل ذلك، فإنه لا يذكر شيئا بجانب ما وعد الله من الحسنى للمتقين {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران:186]
161 -
ما كاد الأمير يسمع مقالة الشيخ حتى وقر في نفسه صدقها، وأن أوجب الواجبات عليه أن يضع سيفه وماله وولده تحت أمره.
162 -
أخذ الأمير يفكر في مستقبل هذه الدعوة، وما ستجر وراءها من حروب سيشعل نارها عبدة الطاغوت. فإذا ما عزَّ جانب الشيخ، وقوي حزبه. فلعل أهل العيينة أو غيرهم يحتالون على خروج الشيخ إلى بلدتهم فيحرم هو وإخوانه من علم الشيخ، وشرف الجهاد معه لإعلاء كلمة الله. فقال له:"يا شيخ، هذا دين الله ورسوله، لا شك، وأبشر بالنصرة والجهاد لمن خالف التوحيد. ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين "الأولى" إذا قمنا في نصرتك والجهاد معك في سبيل الله وفتح الله البلدان، أخاف أن ترحل عنا، وتستبدل بنا غيرنا. "والثانية": لي على الدرعية قانون آخذه منهم في وقت الثمار، وأخاف أن تقول: لا تأخذ شيئا منهم".
163 -
فقال له الشيخ: "أما الأولى فابسط يدك الهدم الهدم، والدم الدم. وأما "الثانية" فلعل الله أن يفتح لك الفتوح، فيعوضك من الغنائم خيراً منها" فبايع الشيخ على ذلك، وعلى إقامته شعائر الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وسُرَّ الشيخ والناس بذلك أعظم سرور.
164 -
ولما تمت هذه البيعة، ووثَّق صفقتها، وأشهد الله عليها قام ودخل مع الأمير إلى الدرعية. في حفل حاشد وجمع عظيم وكان يوماً في الدرعية مشهوداً.