الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بلاغة القصر في قوله تعالى
(فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)
في عطف هذه الجملة بـ "الفاء" إشارة إلى تفرعها عمَّا قبلها، وفيها معنى التسبيب، فكانَّ هذا الاستفهام الإنكاري التوبيخي منسول منه هذه الحقيقة المقررة المؤكدة قلة متاع الحياة الدنيا نظرا إلى متاع الاخرة
وفي قوله " الحياة الدنيا" إظهار في موضع الإضمار، فإنَّ مقتضى الظاهر أن يقال في غير القرآن الكريم: فما متاعها في الآخرة إلا قليل، غير أنه أظهر ليستحضر في قلبك هذا الوصف " الدنيا" ولتكون منه على ذُكْرٍ دائم، فإذا ما اقترن به قوله" متاع" ازدادت المفارقة بين الحياتين، فالحياة الدنيا ليست متاعًا صرفا لايشوبه بلاء بل إنَّ بلاء الدنيا لأضعاف أضعاف متاعها مقدارًا وزمانا وآثارًا
وفي البيان هنا بقوله " متاع " مايزيد المفارقة بين الحياتين، فإنَّ المتاع ما كان إلى زوال، فهو انتفاع منقطع غيرخالد وغير كامل
وفي قوله " في الآخرة" حذف لمتعلق " في" أي محسوبًا في نعيم الآخرة، وهو حال من " متاع"(11)
والعلماء يذهبون إلى أنّ حرف (في) هنا دالٌ على معنى المقايسة، يقول:" ابن هشام"(12) في معانى " في":
" (الثامن) المقايسة، وهي الداخلة على مفضول سابق وفاضل لاحق نحو: فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (13)
وقد نقد " الطاهر بن عاشور " ذلك قائلا:
" جعلوا المقايسة من معانى (في) كما في التسهيل والمغنى واستشهدوا بهذه الآية أخذا من " الكشاف"، ولم يتكلم على هذا
(11) البحر المحيط لأبي حيان: 5/42، والفتوحات الإلهية للجمل:2/283
(12)
جمال الدين عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري الخزرجي (7.8- 761) من آثاره: مغنى اللبيب، وقطر الندى، وشذور الذهب.....
(13)
مغنى اللبيب: 1/146
المعنى شارحوهما، ولا شارحو الكشاف، وقد تكرر نظيره في القرآن، كقوله في سورة" الرعد ":"وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع" وقوله صلى الله عليه وسلم: في حديث "مسلم":" ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل مايجعل أحدكم أصبعه في الْيَمِّ، فلينظر بم يرجع " وهو في التحقيق من الظرفية المجازية: أي متاع الحياة الدنيا إذا أقحم في خيرات الآخرة كان قليلا بالنسبة إلى كثرة خيرات الآخرة، فلزم أنَّه ما ظهرت قلته إلا عندما قيس بخيرات عظيمة تنسب إليها، فالتحقيق أنَّ المقايسة معنى حاصلٌ لاستعمال حرف الظرفية، وليس معنى موضوعا له حرف في " (14)
الطاهر هنا يعمد إلى تحرير وجه دلالة " في" على المقايسة، وليس ما نعًا من إفادة "في" سياقًا معنى المقايسة، وهذا من تدقيقاته، فلينتبه طالب العلم، فلا يظن أن الشيخ لايقول بمعنى المقايسة في الآية. إنه يقول به، ولكنه لايراه من المعانى التى هي موضوع لها " في"، فهو من باب الإفادة، لامن باب الدلالة.
وهذه الحقيقة القرآنية مازجة بين أمرين: تسفيه شأن المفتون بمتاع دنيا ناقص زائل، وإغراء بنعيم الاخرة المقيم متربص
وقد جاء البيا ن عنها في اسلوب تخصيص حصري على سبيل قصر الموصوف على صفة قصرًا تحقيقيا، فالمعنى على أن متاع الدنيا في حساب نعيم الآخرة مقصور على صفة القلة، وهي صفة عامة،
فليست القلة هنا قلة عديدية بل قلة تَعُمُّ كلَّ شأن من شئون متاع الدنيا في حساب نعيم الآخرة
والقرآن الكريم لم يصرح بما يقابل متاع الدنيا من شان الآخرة، فلم يقل: فما متاع الحياة الدنيا في نعيم الحياة الاخرة إلا قليل،إشارة إلى أمرين:
الأول: أن الدنيا ليست كلها متاعًا بل بعض من أبعاضها العديدة متاع
(14) التحرير والتنوير: 1./ 198