المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌التكليف بما يستطاع - شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد

[ابن دقيق العيد]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌إنما الأعمال بالنيّات

- ‌بيان الإسلام والإيمان والإحسان

- ‌أركان الإسلام

- ‌الأعمال بخواتيمها

- ‌إبطال المنكرات والبدع

- ‌الحلال بيّن والحرام بيّن

- ‌الدين النصيحة

- ‌حرمة المسلم

- ‌التكليف بما يستطاع

- ‌الاقتصار على الحلال الطيب

- ‌التورع عن الشبهات

- ‌ترك ما لا يعني المسلم

- ‌كمال الإيمان

- ‌حرمة دم المسلم وأسباب إهداره

- ‌آداب إسلامية

- ‌النهي عن الغضب

- ‌الأمر بإحسان الذبح والقتل

- ‌حسن الخلق

- ‌احفظ الله يحفظك

- ‌الحياء من الإيمان

- ‌قل آمنت بالله ثم استقم

- ‌الاقتصار على الفرائض يدخل الجنة

- ‌الإسراع في الخير

- ‌تحريم الظلم

- ‌ذهب أهل الدثور بالأجور

- ‌فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم وإعانتهم

- ‌البر حسن الخلق

- ‌وجوب لزوم السنة

- ‌ما يدخل الجنة

- ‌حقوق الله تعالى

- ‌الزهد الحقيقي

- ‌لا ضرر ولا ضرار

- ‌البينة على المدعي واليمين على من أنكر

- ‌النهي عن المنكر من الإيمان

- ‌أخوة الإسلام

- ‌فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر

- ‌فضل الله تعالى ورحمته

- ‌العبادة لله وسيلة القرب والمحبة

- ‌التجاوز عن المخطئ والناسي والمكره

- ‌الدنيا وسيلة ومزرعة للآخرة

- ‌علامة الإيمان

- ‌سعة مغفرة الله تعالى

الفصل: ‌التكليف بما يستطاع

‌التكليف بما يستطاع

.

9 -

عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مانهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" رواه البخاري ومسلم.

ــ

لفظ هذا الحديث في كتاب مسلم عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس قد فرض الله الحج عليكم فحجوا" فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" ثم قال: "ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" والرجل الذي سأله هو الأقرع بن حابس: كذا جاء مبينا في غير هذه الرواية.

واختلف الأصوليون في الأمر هل يقتضي التكرار؟ فاختار أكثر الفقهاء والمتكلمين أنه لا يقتضي التكرار وقال آخرون: لا يحكم باقتضائه ولا منعه بل يتوقف فيما زاد على مرة على البيان وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف: فإنه سأل فقال: أكل عام؟ ولو

ص: 56

كانت مطلقة يقتضي التكرار أو عدمه لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" بل ولم يكن حاجة إلى السؤال بل مطلقه محمول على كذا. وأجمعت الأمة على أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بأصل الشرع.

وأما قوله: "ذروني ما تركتكم" فهو ظاهر في أن الأمر لا يقتضي التكرار ويدل هذا اللفظ أيضاً على أن الأصل عدم الوجوب وأنه لا حكم قبل ورود الشرع وهو الصحيح عند كثير من الأصوليين.

وقوله: "لو قلت نعم لوجبت" دليل للمذهب الصحيح في أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يجتهد في الأحكام وأنه لا يشترط في حكمه أن يكون بوحي.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" هذا من قواعد الإسلام المهمة ومما أوتيه صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة إذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي وإذا عجز عن غسل بعض أعضاء الوضوء غسل الممكن وكذلك إذا وجبت فطرة جماعة ممن يلزمه نفقتهم وكذلك أيضاً في إزالة المنكرات إذا لم يمكنه إزالة جميعها فعل الممكن وأشباه ذلك مما لا ينحصر وهو مشهور في كتب الفقه. وهذا الحديث كقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} 1. وأما قوله تعالى: {يا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} 2. فقيل منسوخة بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . قال بعضهم: والصحيح أنها ليست

1 سورة التغابن: الآية 16.

2 سورة آل عمران: الآية 102.

ص: 57

منسوخة بها، بل هي مفسرة لها، ومبينة للمراد منها قالوا: وحق تقاته هو امتثال أمره واجتناب نواهيه، والله سبحانه لم يأمر إلا بالمستطاع، فإن الله تعالى قال:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} 1. وقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} 2.

وأما قوله عليه الصلاة والسلام: "وما نهيتكم عنه فاجتنبوه" فهذا على إطلاقه لكن إن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة ونحوه فهذا لا يكون منهياً عنه في هذا الحال. وأما في غير حال العذر فلا يكون ممتثلاً لمقتضى النهي حتى يترك كل ما نهى عنه ولا يخرج عنه بترك فعل واحد بخلاف الأمر. وهذا الأصل إذا فهم فهو مسألة مطلق الأمر: هل يحمل على الفور أو على التراخى على المرة الواحدة أو التكرار، ففي هذا الحديث أبواب من الفقه والله أعلم.

وقوله: "فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" وذكر ذلك بعد قوله: "ذرونى ما تركتكم" أراد: لا تكثروا السؤال فربما يكثر الجواب عليه فيضاهي ذلك قصة بني إسرائيل لما قيل لهم: "اذبحوا بقرة" فإنهم لو اقتصروا على ما يصدق عليه اللفظ وبادروا إلى ذبح أي بقرة كانت أجزأت عنهم لكن لما أكثروا السؤال وشددوا شدد عليهم وذموا على ذلك فخاف النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك على أمته.

1 سورة البقرة: الآية 286.

2 سورة الحج: الآية 78.

ص: 58