المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه)) - شرح النووي على مسلم - جـ ١٧

[النووي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار)

- ‌(باب الحث على ذكر الله تعالى[2675]قَوْلُهُ عز وجل (أَنَا عِنْدَ

- ‌(باب فى اسماء الله تعالى وفضل من أحصاها[2677]قَوْلُهُ صَلَّى

- ‌(باب العزم فى الدعاء وَلَا يَقُلْ إِنْ شِئْتَ[2678]قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ

- ‌(باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى وحسن

- ‌(بَاب فَضْلِ مَجَالِسِ الذَّكَرِ[2689]قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم إِنَّ

- ‌(بَاب فَضْلِ الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي

- ‌(بَاب فَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَى الذِّكْرِ[2699]فيهِ

- ‌(بَاب اسْتِحْبَابِ الِاسْتِغْفَارِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ[2702]قَوْلُهُ صَلَّى

- ‌(باب التوبة قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم يَا أَيُّهَا النَّاسُ

- ‌(بَاب اسْتِحْبَابِ خَفْضِ الصَّوْتِ بالذكر إلافى المواضع التى

- ‌(باب فى الأدعية[2716]قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم اللَّهُمَّ إِنِّي

- ‌(باب التسبيح أول النهار وعند النوم[2726]قَوْلُهُ (وَهِيَ فِي

- ‌(باب استحباب الدعاء عند صياح الديك[2729]قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ

- ‌(بَاب دعاء الكرب[2730]فيه حديث بن عَبَّاسٍ وَهُوَ حَدِيثٌ جَلِيلٌ

- ‌(قَوْلُهُ (كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ زَايٍ

- ‌(بَاب فَضْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ[2731]قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ

- ‌(بَاب فَضْلِ الدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ)

- ‌(باب استحباب حمدالله تَعَالَى بَعْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ)

- ‌(بَاب بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ (فَيَقُولُ دَعَوْتُ

- ‌كتاب الرقاق)

- ‌(بَاب قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ

- ‌كتاب التوبة)

- ‌(باب سقوط الذنوب بالا ستغفار تَوْبَةً[2748]قَوْلُهُ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ

- ‌(باب فضل دوام الذكر والفكر فى أمور الآخرة

- ‌(باب سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه))

- ‌(بَاب قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْ الذُّنُوبِ وَإِنْ تَكَرَّرَتْ الذُّنُوبُ

- ‌(بَاب غَيْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ[2760]قَدْ سبق تفسير

- ‌(بَاب قَوْله تَعَالَى إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ[2763]قَوْلُهُ فِي

- ‌(باب قبول توبة القاتل وان كثرهم قَتْلُهُ)

- ‌(باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه)

- ‌(بَاب فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ)

- ‌(بَاب بَرَاءَةِ حَرَمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الرِّيبَةِ

- ‌(كِتَاب صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْكَامِهِمْ)

- ‌(كِتَاب صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ)

- ‌(باب ابتداء الخلق وخلق آدم عليه السلام[2789]قَوْلُهُ صَلَّى

- ‌(بَاب فِي الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَصِفَةِ الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[2790]قَوْلُهُ

- ‌(باب نزل أهل الجنة[2792]قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (تَكُونُ

- ‌(بَاب سُؤَالِ الْيَهُودِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الرُّوحِ

- ‌(باب قوله تعالى إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى

- ‌(بَاب الدُّخَانِ[2798]قَوْلُهُ (إِنَّ قَاصًّا عِنْدَ أَبْوَابِ كنودة) هُوَ بَابٌ

- ‌(بَابُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ[2800]قَالَ الْقَاضِي انْشِقَاقُ الْقَمَرِ مِنْ أُمَّهَاتِ

- ‌(باب فى الكفار[2804]قال صلى الله عليه وسلم (لاأحد أَصْبَرَ

- ‌(باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا[2805]قَوْلُهُ صَلَّى

- ‌(بَاب جَزَاءِ الْمُؤْمِنِ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَتَعْجِيلِ

- ‌(باب مثل المؤمن كالزرع والمنافق والكافر كالأرزة)

- ‌(باب مثل المؤمن مثل النخلة)

- ‌(بَاب تَحْرِيشِ الشَّيْطَانِ وَبَعْثِهِ سَرَايَاهُ لِفِتْنَةِ النَّاسِ وَأَنَّ مَعَ

- ‌(بَاب لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ بَلْ بِرَحْمَةِ اللَّهُ تَعَالَى)

- ‌(باب إكثارالأعمال والاجتهاد فى العبادة[2819]قوله (ان صلى

- ‌(باب الاقتصاد فى الموعظة[2821]قوله (ما يمنعنى أن أخرج

- ‌كتاب الجنة وصفة نعيمها واهلها)

- ‌قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ

- ‌(بَاب جهنم أعاذنا الله منها[2842]قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ

- ‌(باب فناء الدنيا وبيان الحشر يَوْمَ الْقِيَامَةِ[2858]قَوْلُهُ صَلَّى

- ‌(بَاب فِي صِفَةِ يوم القيامة أعاننا الله على أهواله)

- ‌(باب الصفات التى يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة وأهل

- ‌(بَاب عَرْضِ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنْ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ عَلَيْهِ وَإِثْبَاتِ

- ‌(باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت[2877]قوله

الفصل: ‌(باب سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه))

(باب سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه))

[2751]

قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي) وَفِي رِوَايَةٍ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي قَالَ الْعُلَمَاءُ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى الْإِرَادَةِ فَإِرَادَتُهُ الْإِثَابَةَ لِلْمُطِيعِ وَمَنْفَعَةَ الْعَبْدِ تُسَمَّى رِضًا وَرَحْمَةً وَإِرَادَتُهُ عِقَابَ الْعَاصِي وَخِذْلَانَهُ تُسَمَّى غَضَبًا وَإِرَادَتُهُ سبحانه وتعالى صِفَةٌ لَهُ قَدِيمَةٌ يُرِيدُ بِهَا جَمِيعَ الْمُرَادَاتِ قَالُوا وَالْمُرَادُ بِالسَّبْقِ وَالْغَلَبَةِ هُنَا كَثْرَةُ الرَّحْمَةِ وَشُمُولُهَا كَمَا يُقَالُ غَلَبَ عَلَى فُلَانٍ الْكَرَمُ وَالشَّجَاعَةُ إِذَا كَثُرَا مِنْهُ

[2752]

قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ إِلَى آخِرِهِ) هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ أَحَادِيثِ الرَّجَاءِ وَالْبِشَارَةِ لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ الْعُلَمَاءُ لِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ الدَّارِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْأَكْدَارِ الْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ وَالصَّلَاةُ وَالرَّحْمَةُ فِي قَلْبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَكَيْفَ الظَّنُّ بمائة

ص: 68

رَحْمَةٍ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَهِيَ دَارُ الْقَرَارِ وَدَارُ الْجَزَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا جَمِيعًا جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي جَعَلَ اللَّهُ الرُّحْمَ بِحَذْفِ الْهَاءِ وَبِضَمِّ الرَّاءِ قَالَ وَرَوَيْنَاهُ بِضَمِّ الرَّاءِ

ص: 69

وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَمَعْنَاهُ الرَّحْمَةُ

[2754]

قَوْلُهُ (فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَبْتَغِي) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَبْتَغِي مِنَ الِابْتِغَاءِ وَهُوَ الطَّلَبُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهَذَا وَهَمٌ وَالصَّوَابُ مَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ تَسْعَى بِالسِّينِ مِنَ السعى قلت كلاهما صواب لاوهم فِيهِ فَهِي سَاعِيَةٌ وَطَالِبَةٌ مُبْتَغِيَةٌ لِابْنِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[2756]

قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (فِي الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً أَوْصَى بَنِيهِ أَنْ يُحَرِّقُوهُ وَيَذِرُّوهُ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ وَقَالَ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ

ص: 70

مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ فَغَفَرَ لَهُ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثُ فقالت طائفة لايصح حَمْلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ قُدْرَةِ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّاكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَافِرٌ وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ إِنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْكَافِرُ لَا يَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يُغْفَرَ لَهُ قَالَ هَؤُلَاءِ فَيَكُونُ لَهُ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ الْعَذَابَ أَيْ قَضَاهُ يُقَالُ مِنْهُ قَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ وَقَدَّرَ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالثَّانِي إِنَّ قَدَرَ هُنَا بِمَعْنَى ضَيَّقَ عَلَيَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدَرَ عَلَيْهِ رزقه وهوأحد الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَظَنَّ أَنْ لَنْ نقدر عليه وَقَالَتْ طَائِفَةٌ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَكِنْ قَالَهُ هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولاقاصد لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ وَمُعْتَقِدٍ لَهَا بَلْ قَالَهُ فِي حَالَةٍ غَلَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الدَّهْشُ وَالْخَوْفُ وَشِدَّةُ الْجَزَعِ بِحَيْثُ ذَهَبَ تَيَقُّظُهُ وَتَدَبُّرُ مَا يَقُولُهُ فَصَارَ فِي مَعْنَى الْغَافِلِ وَالنَّاسِي وَهَذِهِ الْحَالَةِ لايؤاخذ فِيهَا وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ الْآخَرِ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ الْفَرَحُ حِينَ وَجَدَ رَاحِلَتَهُ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ فَلَمْ يَكْفُرْ بِذَلِكَ الدَّهْشِ وَالْغَلَبَةِ وَالسَّهْوِ وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ فَلَعَلِّي أَضِلُّ اللَّهَ أَيْ أَغِيبُ عَنْهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هَذَا مِنْ مَجَازِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَبَدِيعِ اسْتِعْمَالِهَا يُسَمُّونَهُ مَزْجَ الشَّكِّ بِالْيَقِينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّا أواياكم لعلى هدى فَصُورَتُهُ صُورَةُ شَكٍّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْيَقِينِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هَذَا الرَّجُلُ جَهِلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِ جَاهِلِ الصِّفَةِ قَالَ الْقَاضِي وَمِمَّنْ كَفَّرَهُ بِذَلِكَ بن جرير الطبرى وقاله أبوالحسن الْأَشْعَرِيُّ أَوَّلًا وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَكْفُرُ بِجَهْلِ الصِّفَةِ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ عَنِ اسْمِ الْإِيمَانِ بخلاف حجدها وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ اعْتِقَادًا يَقْطَعُ بِصَوَابِهِ وَيَرَاهُ دِينًا وَشَرْعًا وَإِنَّمَا يَكْفُرُ مَنِ اعتقد أن

ص: 71

مَقَالَتَهُ حَقٌّ قَالَ هَؤُلَاءِ وَلَوْ سُئِلَ النَّاسُ عن الصفات لوجد العالم بها قليلاوقالت طَائِفَةٌ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ فِي زَمَنِ فَتْرَةٍ حِينَ يَنْفَعُ مُجَرَّدِ التَّوْحِيدِ وَلَا تَكْلِيفَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رسولا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَجُوزُ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنٍ شَرْعُهُمْ فِيهِ جَوَازُ الْعَفْوِ عَنِ الْكَافِرِ بِخِلَافِ شَرْعِنَا وَذَلِكَ مِنْ مُجَوَّزَاتِ الْعُقُولِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَإِنَّمَا مَنَعْنَاهُ فِي شَرْعِنَا بِالشَّرْعِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به) وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقِيلَ إِنَّمَا وَصَّى بِذَلِكَ تَحْقِيرًا لِنَفْسِهِ وَعُقُوبَةً لَهَا لِعِصْيَانِهَا وَإِسْرَافِهَا رَجَاءَ أَنْ يَرْحَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ بَالَغَ وَعَلَا فِي الْمَعَاصِي والسرف مجاوزة الحد قوله ان بن شِهَابٍ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْمَرْأَةِ الَّتِي دَخَلَتِ النَّارَ وَعُذِّبَتْ بِسَبَبِ هِرَّةٍ حبستها حتى ماتت جوعا ثم قال بن شِهَابٍ لِئَلَّا يَتَّكِلَ رَجُلٌ وَلَا يَيْأَسْ رَجُلٌ معناه أن

ص: 72

بن شِهَابٍ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ خَافَ أَنَّ سَامِعَهُ يَتَّكِلُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ سَعَةِ الرَّحْمَةِ وَعِظَمِ الرَّجَاءِ فَضَمَّ إِلَيْهِ حَدِيثَ الْهِرَّةِ الَّذِي فِيهِ مِنَ التَّخْوِيفِ ضِدَّ ذَلِكَ لِيَجْتَمِعَ الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِئَلَّا يَتَّكِلَ ولاييأس وَهَكَذَا مُعْظَمُ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ يَجْتَمِعُ فِيهَا الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَكَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ يُسْتَحَبُّ لِلْوَاعِظِ أَنْ يَجْمَعَ فِي مَوْعِظَتِهِ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ لئلا يقنط أحد ولايتكل قَالُوا وَلْيَكُنِ التَّخْوِيفُ أَكْثَرَ لِأَنَّ النُّفُوسَ إِلَيْهِ أَحْوَجُ لِمَيْلِهَا إِلَى الرَّجَاءِ وَالرَّاحَةِ وَالِاتِّكَالِ وَإِهْمَالِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْهِرَّةِ فَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي مَوْضِعِهِ

[2757]

قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (إِنَّ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَاشَهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا) هَذِهِ اللَّفْظَةُ رُوِيَتْ بِوَجْهَيْنِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَحَدُهُمَا رَاشَهُ بِأَلِفٍ سَاكِنَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ وَبِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَالثَّانِي رَأَسَهُ بِهَمْزَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ قَالَ الْقَاضِي وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ وَمَعْنَاهُ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا قَالَ وَلَا وَجْهَ لِلْمُهْمَلَةِ هُنَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ وَلَا وَجْهَ لَهُ هُنَا قَوْلُهُ (فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلِبَعْضِ الرُّوَاةِ أَبْتَئِرُ بِهَمْزَةٍ بعدالتاء وَفِي أَكْثَرِهَا لَمْ أَبْتَهِرْ بِالْهَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْهَاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْهَمْزَةِ وَمَعْنَاهُمَا لَمْ أُقَدِّمْ خَيْرًا وَلَمْ أَدَّخِرْهُ وَقَدْ فَسَّرَهَا قَتَادَةُ فِي الْكِتَابِ وَفِي رِوَايَةٍ لَمْ يَبْتَئِرْ هَكَذَا هُوَ فى جميع النسخ وفى رواية ماامتأر بِالْمِيمِ مَهْمُوزٌ أَيْضًا وَالْمِيمُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَوْلُهُ (وَإِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُعَذِّبَنِي) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ بِبِلَادِنَا وَنَقَلَ اتِّفَاقُ الرُّوَاةِ

ص: 73

وَالنُّسَخِ عَلَيْهِ هَكَذَا بِتَكْرِيرِ إِنْ وَسَقَطَتْ لَفْظَةَ أَنْ الثَّانِيَةَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ إِنِ الْأُولَى شَرْطِيَّةٌ وَتَقْدِيرُهُ إِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ عَذَّبَنِي وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ وَهِيَ إِثْبَاتُ أَنَّ الثَّانِيَةِ مَعَ الْأُولَى فَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِهِ فَقَالَ الْقَاضِي هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ تَلْفِيقٌ قَالَ فَإِنْ أُخِذَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَنَصَبَ اسْمَ اللَّهِ وجعل تقدير فِي مَوْضِعِ خَبَرِ إِنَّ اسْتَقَامَ اللَّفْظُ وَصَحَّ الْمَعْنَى لَكِنَّهُ يَصِيرُ مُخَالِفًا لِمَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِهِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الشَّكُّ فِي الْقُدْرَةِ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ صَوَابُهُ حَذْفُ أَنَّ الثَّانِيَةِ وَتَخْفِيفُ الْأُولَى وَرَفْعُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَنْ بَعْضِهِمْ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ بِإِثْبَاتِ إِنْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْأُولَى مُشَدَّدَةٌ وَمَعْنَاهُ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعَذِّبَنِي وَيَكُونُ هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ تأول الرواية الأولى على أنه أراد بقدر ضَيَّقَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ حَقِيقَةِ الْقُدْرَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا ذَكَرَ هَذَا الْقَائِلُ لَكِنْ يَكُونُ قَوْلُهُ هُنَا مَعْنَاهُ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعَذِّبَنِي إِنْ دَفَنْتُمُونِي بِهَيْئَتِي فَأَمَّا إِنْ سَحَقْتُمُونِي وَذَرَّيْتُمُونِي فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيَّ وَيَكُونُ جَوَابُهُ كَمَا سَبَقَ وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ وَرَبِّي) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَرَبِّي عَلَى الْقَسَمِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْقَسَمِ مِنَ الْمُخْبِرِ بِذَلِكَ عَنْهُمْ لِتَصْحِيحِ خَبَرِهِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا وَرَبِّي فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ الْقَاضِي بَلْ هُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى وَالْقَسَمِ قَالَ وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ لِأَحَدٍ مِنْ شيوخنا الا للتميمى من طريق بن الْحَذَّاءِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَذُرِّيَ قَالَ فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَهِي وَجْهَ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَذُرُّوهُ وَلَعَلَّ الذَّالَ سَقَطَتْ لِبَعْضِ النُّسَّاخِ وَتَابَعَهُ الْبَاقُونَ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ الْمَذْكُورَاتُ صَحِيحَاتُ الْمَعْنَى ظَاهِرَاتٌ فَلَا وَجْهَ لِتَغْلِيطِ شَيْءٍ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا) أَيْ مَا تَدَارَكُهُ

ص: 74