الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) سورة آل عمران الآية 102.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) سورة النساء الآية 1.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) سورة الأحزاب الآيتان 70 - 71.
وبعد
فقد اطلعت على كتاب بعنوان (حمل الدعوة الإسلامية واجبات وصفات)، لكاتبه محمود عبد اللطيف عويضة، نشرته دار الأمة
وهو من منشورات حزب التحرير، كما جاء على صفحة العنوان الداخلي، وقرأت الكتاب فوجدت فيه فصلاً بعنوان (الطائفة الظاهرة)، وقد هالني وأفزعني، تلاعب الكاتب بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وتحريفه الكلم عن مواضعه، وتعصبه البغيض لحزبه، حيث إنه قد زعم أن المقصود بالطائفة الظاهرة - التي ورد ذكرها في الأحاديث النبوية - حزب التحرير، وقد أوَّل النصوص تأويلاً باطلاً لتحقيق ما زعمه وادعاه.
وقد عزمت على بيان فساد ما ذهب إليه الكاتب، من تلاعبٍ بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، قياماً بواجب الدفاع عن السنة النبوية، سائلاً المولى عز وجل، أن يجعلني ممن شملهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم:(يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)، صححه الحافظ ابن عبد البر وحسنه الحافظ العلائي.
وسأذكر أولاً مجموعة عطرة من الأحاديث النبوية الواردة في الطائفة الظاهرة، ثم أذكر كلام الكاتب الذي حرَّف فيه كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثَمَّ أبين فساد كلامه، وشدة تعصبه لحزبه، هذا التعصب الذي أعماه عن رؤية الحقيقة الساطعة كالشمس في رابعة النهار.
وينبغي أن يعلم أن التعصب صفة ذميمة، تحمل الإنسان على اتباع الهوى، وتدفعه إلى الميل عن جادة الصواب، وتحجب عينيه عن رؤية الحق، فيخبط خبط عشواء، وقد ذمَّ العلماء التعصب وحاربوه، وهذه بعض عباراتهم في ذلك:
قال أبو نُعيم: (قاتل الله التعصب ما أشنع إخساره في الميزان)، حلية الأولياء 9/ 11.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأما التعصب لأمر من الأمور بلا هدى من الله، فهو من عمل الجاهلية، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله] مجموع الفتاوى 11/ 28.
وقال الشوكاني: [والمتعصب وإن كان بصره صحيحاً، فبصيرته عمياء وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق، وهو يظن أنه ما دفع غير الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق، غفلة منه وجهلاً بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح، وتلقي ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم، وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع، فإنه صار بها باب الحق مرتجاً، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه والهداية منه
يأبى الفتى إلا اتباع الهوى
…
ومنهج الحق له واضح]
…
تفسير فتح القدير 2/ 243.
وقال الشوكاني أيضاً: [فعليك أيها العامل بالكتاب والسنة، المبرأ من التعصب والتعسف، أن تورد عليهم حجج الله، وتقيم عليهم براهينه، فإنه ربما انقاد لك منهم، من لم يستحكم داء التقليد في قلبه، وأما من قد استحكم في قلبه هذا الداء، فلو أوردت عليه كل حجة، وأقمت عليه كل برهان، لما أعارك إلا أذناً صماء، وعيناً عمياء، ولكنك قد قمت بواجب البيان الذي أوجبه عليك القرآن، والهداية بيد الخلَّاق العليم: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، سورة القصص الآية 56] تفسير فتح القدير 4/ 104.
وقال العلامة ابن القيم: [ومنها الدعاء بدعوى الجاهلية، والتعزي بعزائهم، كالدعاء إلى القبائل والعصبية لها وللأنساب، ومثله التعصب للمذاهب والطرائق والمشايخ، وتفضيل بعضها على بعض، بالهوى والعصبية، وكونه منتسباً إليه، فيدعو إلى ذلك ويوالي عليه ويعادي عليه، ويزن الناس به، كل هذا من دعوى الجاهلية] زاد المعاد في هدي خير العباد 2/ 471.
وقال الزرقاني: [واعلم أن هناك أفراداً، بل أقواماً تعصبوا لآرائهم ومذاهبهم، وزعموا أن من خالف هذه الآراء والمذاهب، كان مبتدعاً
متبعاً لهواه، ولو كان متأولاً تأويلاً سائغاً، يتسع له الدليل والبرهان كان رأيهم ومذهبهم هو المقياس والميزان، أو كأنه الكتاب والسنة والإسلام، وهكذا استزلهم الشيطان، وأعماهم الغرور، ولقد نجم عن هذه الغلطة الشنيعة، أن تفرق كثير من المسلمين شيعاً وأحزاباً، وكانوا حرباً على بعضهم وأعداءً، وغاب عنهم أن الكتاب والسنة والإسلام، أوسع من مذاهبهم وآرائهم، وأن مذاهبهم وآرائهم أضيق من الكتاب والسنة والإسلام، وأن في ميدان الحنيفية السمحة، متسعاً لحرية الأفكار، واختلاف الأنظار، ما دام الجميع معتصماً بحبل من الله، ثم غاب عنهم أن الله تعالى يقول:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) سورة آل عمران، الآية 103. ويقول جل ذكره:(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) سورة الأنعام الآية 159. ويقول تقدست أسماؤه:
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) سورة آل عمران الآيات 105 - 106. لمثل هذا أربأ بنفسي وبك أن نتهم مسلماً
بالكفر أو البدعة والهوى، لمجرد أنه خالفنا في رأي إسلامي نظري، فإن الترامي بالكفر والبدعة من أشنع الأمور، ولقد قرر علماؤنا أن الكلمة إذا احتملت الكفر من تسعة وتسعين وجهاً، ثم احتملت الإيمان من وجه واحد، حملت على أحسن المحامل، وهو الإيمان وهذا موضوع مفروغ منه، ومن التدليل عليه، لكن يفت في عضدنا غفلة كثير من إخواننا المسلمين، عن هذا الأدب الإسلامي العظيم الذي يحفظ الوحدة، ويحمي الأخوة، ويظهر الإسلام بصورته الحسنة، ووجهه الجميل من السماحة واليسر، واتساعه لكافة الاختلافات الفكرية، والمنازع المذهبية والمصالح البشرية، ما دامت معتصمة بالكتاب والسنة، على وجه من الوجوه الصحيحة التي يحتملها النظر السديد، والتأويل الرشيد، ولقد حدث مثل هذا الاختلاف على عهد رسول الله بين أصحابه، فما تنازعوا من أجله، بل أخذ كل برأيه، وهو يحترم الآخر ورأيه، وأقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم يُعِبْ أحداً منهم على رغم أنه يترتب على بعض هذه الاختلافات أن ترك بعضهم الصلاة في وقتها اجتهاداً منه
…
] مناهل العرفان 2/ 27.
وقال الإمام ابن عبد الهادي الحنبلي: (وما تحلى طالب العلم بأحسن من الإنصاف وترك التعصب) نصب الراية 1/ 355، وانظر أدب الاختلاف لمحمد عوامة ص 83.
وقال العلامة ابن القيم في نونيته:
وتعرَّ من ثوبين من يلبسهما
…
يلقى الردى بمذمةٍ وهوان
ثوب من الجهل المركب فوقه
…
ثوب التعصب بئست الثوبان
وتحلَّ بالإنصاف أفخر حلة
…
زينت بها الأعطاف والكتفان
واجعل شعارك خشية الرحمن مع
…
نصح الرسول فحبذ الأمران
شرح قصيدة ابن القيم 1/ 124.
وقد جعلت هذه الدراسة في مقدمة وأربعة مباحث وخاتمة:
فالمقدمة ما قرأت.
وأما المبحث الأول فذكرت فيه الأحاديث الواردة في الطائفة الظاهرة.
وأما المبحث الثاني فبينت فيه تحريف الكاتب للمراد بأحاديث الطائفة الظاهرة.
وأما المبحث الثالث فبينت فيه محل الطائفة الظاهرة حسب الروايات الواردة، وذكرت أقوال العلماء في ذلك.
وفي المبحث الرابع أبطلتُ دعوى الكاتب في تحريفه لقول النبي صلى الله عليه وسلم -
(فطوبى للغرباء).
وأما الخاتمة فقد ذكرت فيها منهاج الطائفة الظاهرة.
وختاماً أسأل الله أن يلهمنا أن نسلك طريق الحق والصواب، وأن يجنبنا التعصب واتباع الهوى، ويبعدنا عن التكبر والتعالي على عباد الله، إنه خير مسؤول، وصلى الله وسلم على الرسول وعلى آله وصحبه أجمعين.
ضحى يوم الأحد الخامس والعشرين من محرم الحرام سنة 1423 هـ وفق السابع من نيسان 2002 م.
كتبه الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه
أبوديس / بيت المقدس