الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ورغم شهرته عند المؤرخين الأوائل واعتمادهم عليه فإنه لم يحظ بالاهتمام المرجعي في الدراسات التاريخية الحديثة.
ولهذا جاءت هذه الدر اسه في محاولة للفت أنظار الباحثين المحدثين في التاريخ إلى أهمية مؤلفات ابن أبي شيبة التاريخية وضرورة تأسيهم بأسلافهم الذين أدركوا تلك الأهمية والمنزلة السامية لمؤلفها في الاعتماد عليها في كثير من فروع التاريخ وأبواب التأليف فيه.
باب: ابن أبي شيبة
…
ابن أبي شيبة:
هو أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي، ولد بالكوفة سنه 159 هـ 1 ونشأ وتعلم بها، ثم رحل إلى البصرة وبغداد ومكة والمدينة2. وكان من بيت علم اشتهر منه أخواه عثمان والقاسم وابنه إبراهيم بن أبي بكر وابن أخيه محمد بن عثمان بن أبي شيبة3.
ومن أشهر من تلقى العلم وروى الحديث عنهم شريح بن عبد الله القاضي وعبد لله ابن المبارك ووكيع ابن الجراح وأخوه عثمان ابن أبي شيبة، وآخرون غيرهم4 أكثر من رواية التاريخ عنهم مثل عبد الله بن إدريس وأبي أسامة.
أما أشهر من تلقى عنه فهم الشيخان الإمام البخاري ومسلم، وأبو داود وابن ماجه، والإِمام أحمد وابنه عبد الله والإِمام إبراهيم الحربي وآخرون كثيرون5.
ووصفه الإِمام البخاري بأنه من أقران أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه
1 الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج10 ص66.
2 نفسه.
3 الذهبي: سير أعلامء النبلاء ج11 ص122-123.
4 الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج10 ص66.
5 البخاري: كتاب التاريخ الصغير ج2 ص333.
ويحيى بن معين وعلي بن المديني1، وقال الذهبي في السن والمولد والحفظ 2.
وقال يحي بن معين والإمام أحمد: إنه صدوق3. ووصفه الذهبي بالحافظ الكبير الحجة، وأن إليه المنتهى في الثقة4. نظراً لما عرف عنه من قوة الحفظ حتى كان فيه مضرب المثل.
عصره:
عاش ابن أبي شيبة ما بين منتصف القرن الثاني والثالث أي في العصر العباسي الأول، وأدرك من خلفائه الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق وبداية عهد المتوكل. وكان المتوكل يقربه ضمن من قرب من علماء الدولة، وفي سنه 234 هـ ندبه في الرد على المعتزلة في قولهم بخلق القرآن، فجلس ابن أبي شيبة يفند آراءهم في مسجد الرصافة ببغداد فاجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً5. ويدل ذلك على غزارة علمه ومكانته بين الناس حتى يحضر دروسه مثل هذا العدد.
وتوفي رحمه الله ببغداد سنة 235 هـ6.
كما عاش ابن أبي شيبة في هذا العصر، وهو عصر نضج التدوين والتأليف في مختلف العلوم الإسلامية، عاش فيه الأئمة الأربعة والإمام البخاري ومسلم وعبد الله بن المبارك.. وغيرهم كثير. وهو أيضاً عصر التأليف التاريخي وآخر مراحل اتصاله بعلم الحديث بعد أن كانا صنوي نشأة ومنهج وقتاً طويلاً.
1 البخاري. كتاب التاريخ الصغير ج2 ص332-333.
2 سير أعلام النبلاء ج11 ص- 122.
3 المصدر السابق: ج11 ص123-124.
4 الذهبي: ميزان الاعتدال ج2 ص490.
5 الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج10 ص67.
6 البخاري: كتاب التاريخ الصغير ج2 ص335.
ولهذا عاصر ابن أبي شيبة عدداً من المؤرخين الذين كانوا أعلاماً وقتذاك ولكنهم اشتهروا في التاريخ أكثر من غيره إلى جانب تبريز بعضهم في علوم أخرى مثل ابن إسحاق وابن هشام وابن سعد وخليفة بن خياط وعمر بن شبة ومصعب الزبيري.
وإذا كان عصره لا يزال يمثل اتصال التاريخ بعلم الحديث ولما كان ابن أبي شيبة من علماء الحديث، فإن كتابته للتاريخ كانت متأثرة بذلك منهجاًَ وغاية، فقد ضمن عدد من معاصريه من المحدثين كتبهم أبواباً في التاريخ حيث كانت المغازي باباً ثابتاً في مؤلفاتهم فجاءت مثلاً عند الصنعاني في مصنفه والبخاري ومسلم في صحيحيهما في الوقت الذي كثر فيه التأليف التاريخي المستقل، وظهر فيه الخروج على قواعد منهج المحدثين فيما يتعلق بالدقة والتحري، وبقي فيه بعض ضوابطه كالسند وهو منحى مهم يزيد في قيمة الكتابة التاريخية عندما تكون في هذا الوقت من مثل هذا العلم، وحسب التاريخ أن يكتب فيه مثله.
إن الإغراض في التأليف التاريخي والتساهل في السند كان حافزاً مهماً للمحدثين، ولبعض المؤرخين، لكتابة التاريخ على منهج تدوين الحديث والإبقاء عليه، مثلما فعل الطبري في تاريخه فيما بعد.
وعلى الرغم من استقرار منهج المحدثين رواية ودراية في علمهم وقتذاك، إلا أنه في تدوين التاريخ لم يكن بنفس القوة والتطبيق، فقد شاح عنه المؤرخون منذ ذلك الوقت وتحففوا منه ثم تركوه في العصور التالية.
ولكن بقي بعض المحدثين خلال القرن الثالث يعقلون به تدوين التاريخ وعلى رأسهم ابن أبي شيبة.
مؤلفاته:
ألف ابن أبي شيبة عدداً من الكتب، هي كتاب السنن في الفقه، وكتاب التفسير، وكتاب المسند في الحديث1.
ولم يذكر المتقدمون مثل النديم صاحب الفهرست والخطيب البغدادي أن له كتاباً اسمه المصنف في الحديث بينما ذكره المؤرخون كابن كثير 2 وحاجي خليفة3 وإسماعيل البغدادي4.
حتى أن النديم لم يذكر كتاباً لأي مؤلف بهذا الاسم، وأكثر من ذكر أسماء الكتب المتفقة مع مؤلفاته هذه في الاسم بما فيها المسند سواء لعلماء سبقوه أو عاصروه، ومناقشة ذلك خارج هذا الموضوع.
أما مؤلفاته التاريخية، فيذكر النديم إنها كتاب التاريخ، وكتاب الفتن، وكتاب صفين، وكتاب الجمل، وكتاب الفتوح. ولم يذكر الخطيب البغدادي شيئاً منها.
وكانت موضوعاته من أغراض التأليف المهمة في التاريخ، وقد ألف فيها الكثير مثل أبي مخنف (ت 157هـ) 5 والواقدي (ت 207 هـ) 6 ونصر بن مزاحم المنقري (ت 212 هـ) 7 وعلي بن محمد المدائني (ت 225 هـ) 8 وعمر بن شبة (ت 262 هـ)9.
1 النديم: الفهرست 285؛ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج10 ص66.
2 البداية النهاية: ج10 ص315. وزاد ابن كثير: "ولم يصنف أحد مثله قط لا قبله ولا بعده". ج10 ص356.
3 كشف الظنون ج2 ص1311.
4 هدية العارفين ج1 ص440.
5 النديم ص105.
6 المصدر السابق ص111.
7 ياقوت: معجم الأدباء ج7 ص210.
8 النديم ص114.
9 المصدر السابق ص125.
أما من المحدثين فقد ضمن كل من الصنعاني والبخاري ومسلم مؤلفاتهم أبواباً في التاريخ كالمغازي والسيرة النبوية ولكنها تقل عدداً عما ورد عند ابن أبي شيبه.
وقد اشتمل كتابه المصنف في الحديث على كتبه التاريخية السابقة1 أو هكذا وصلتنا والسؤال هل كان كل واحد منها كتاباً مستقلاً، ثم ضمت إلى المصنف وأصبح الرجوع إليها يتم من خلاله.
ولما كان عددها يبلغ خمسة كتب بعضها في حجم مجلد صغير وآخر متوسط فإنه يصعب قبول أن تكون أبواباً في المصنف لاسيما وأن النص واضح من قبل أن ابن أبي شيبة نفسه على تسميتها بالكتب وأن بعضها يتألف من عدة أبواب.
وإذا كان كتابا الفتن والمغازي هي ما تشتمل عليه كتب الحديث في الغالب على غرار مصنف الصنعاني والصحيحين مثلا، فإن كتب صفين والجمل والتاريخ والفتوح هي مما لم يألفه التأليف الحديثي ومن ثم عدم اشتماله على هذه المؤلفات كتباً أو أبواباً.
كذلك جاء في ترتيب كتاب التاريخ عند ابن أبي شيبة قبل كتاب المغازي، وهذا خلاف التسلسل الزمني والسياق الموضوعي للأحداث ولا أخال إلا أنه مقتحم بين كتاب الجهاد وكتاب المغازي. واتصال الكتابين يتطلب تتابعهما بدون فصل على غرار ورودهما كذلك عند الصنعاني في مصنفه، ولكن قد يكون ذلك ومن خطأ أحد النساخ، لكنه يدعم أن كتاب التاريخ كان مستقلاً عن المصنف ثم وضع إليه في أحد العصور.
كما أن إشارة النديم بأن له كتاباً اسمه الفتوح، وهو ما تؤكده دلالة كثرة
1 جاء كتاب التاريخ في ج12 ص547 وج13 ص5، وجاء كتاب المغازي في ج14 ص283، وجاء كتاب الفتن ج15 ص5، وجاء كتاب الجمل في ج15 ص248، أما كتاب صفين وسماه ما ذكر في صفين فجاء في ج15 ص288.
التأليف فيه خلال القرن الثالث ولم يصلنا باباً أو كتاباً مضموماً إلى المصنف مما يدعم أن كتبه التاريخية كانت مستقلة على الأرجح.
ويظهر أن كتاب الفتوح ليس الكتاب التاريخي الوحيد المفقود للمؤلف وإنما له مرويات من كتب أخرى مفقودة، فقد أورد البلاذري روايتين منقولة عن ابن أبي شيبة تتعلقان بوفاة فاطمة وسعد بن أبي وقاص- رضي الله عنهما-1 وسياقهما ما بين كتابين الفضائل والتاريخ له، إلا أنهما غير موجودتين في نسخة المصنف الحالية مما يشير إلى أن بعض رواياته التاريخية ضائعة.
ثم إن النديم عندما يذكر غير كتابي السنن والمسند لأحد المؤلفين اللذين شاع التأليف باسميهما كثيراً خلال القرن الثالث فمعنى ذلك أن بقية كتبه التي يذكرها ليست من أبواب أحدهما وإنما هي كتب مستقلة. فقد أورد لعبد الله بن المبارك كتاب السنن وكتاب التفسير وكتاب التاريخ2.
وذكر لإِسحاق بن راهويه (ت 238 هـ) كتاب السنن وكتاب المسند وكتاب التفسير3.
وذكر للإمام البخاري كتاب الصحيح وكتاب التاريخ الصغير والكبير.. الخ4. ولعلي المديني (ت 258 هـ) كتاب المسند وكتاب الضعفاء5.
وهذا ما يرجح عند الباحث أنها كتب أخرى له صمت لكتابه الكَبير المصنف في عصر من العصور حتى غدت كأنها أبواب منه، وسواء كانت كذلك أم مؤلفات مستقلة عنه فإنه ولله الحمد وصلتنا محتوياتها.
1 البلاذري: أنساب الأشراف ج1 ص404-405.
2 النديم ص284.
3 المصدر السابق.
4 نفسه.
5 نفسه.