المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الخامس: الفتنة - عثمان بن عفان ذو النورين

[محمد رضا]

الفصل: ‌الفصل الخامس: الفتنة

‌الفصل الخامس: الفتنة

.

ص: 123

- تسيير أهل الفتنة في العراق إلى معاوية في الشام (1) :

اختار سعيد بن العاص والي الكوفة بعد الوليد بن عقبة وجوه الناس، وأهل القادسية، وقراء أهل البصرة دخلته إذا خلا، فأما إذا جلس الناس فإنه يدخل عليه كل أحد. فجلس للناس يوماً فدخلوا عليه فبينا هم جلوس يتحدثون قال خنيس بن فلان الأسدي: ما أجود طلحة بن عبيد اللَّه! (2) . فقال سعيد بن العاص::إن من له مثل النشاستج (3) لحقيق أن يكون جواداً. واللَّه لو أن ليِّ مثله لأعاشكم اللَّه عيشاً رغداً"

⦗ص: 128⦘

.

فقال عبد الرحمن بن خنيس، وهو حدث: واللَّه لوددت أن هذا الملطاط (4) لك يعني ما كان لكسرى على جانب الفرات الذي يلي الكوفة.

قالوا: فضَّ اللَّه فاك. واللَّه لقد هممنا بك. فقال خنيس: غلام فلا تجاوزوه. فقالوا: يتمنى له من سوادنا. قال: ويتمنى لكم أضعافه. قالوا: لا يتمنى لنا ولا له. قال: ما هذا بكم. قالوا: أنت واللَّه أمرته بها.

فثار إليه الأشتر، وابن ذي الحبكة، وجندب، وصعصعة، وابن الكواء، وكميل، وعمير بن ضابئ فأخذوه. فذهب أبوه ليمنع عنه، فضربوهما حتى غشي عليهما، وجعل سعد يناشدهم ويأبون، حتى قضوا منهما وطراً.

فسمعت بذلك بنو أسد فجاءوا وفيهم طليحة (5) ، فأحاطوا بالقصر، وركبت القبائل، فعادوا بسعيد، فخرج سعيد إلى الناس فقال: أيها الناس. قوم تنازعوا وتهاووا وقد رزق اللَّه العافية. ثم قعدوا وعادوا في حديثهم وتراجعوا. وأفاق الرجلان فقال: أبكما حياة؟ قالا: قتلتنا غاشيتك (6) قال: لا يغشوني واللَّه أبداً فاحفظا عليَّ ألسنتكما ولا تجرَّئا عليَّ الناس، ففعلا (7) .

ولما انقطع أولئك النفر من ذلك، قعدوا في بيوتهم وأقبلوا على الإذاعة حتى لامه أهل

⦗ص: 129⦘

الكوفة في أمرهم. فقال: هذا أميركم وقد نهاني أن أحرك شيئاً فمن أراد أن يحرك شيئاً فليحركه، إن هؤلاء النفر لما قعدوا في بيوتهم تكلموا في حق الخليفة عثمان وشتموه.

وقيل: بل كان السبب في ذلك أنه كان يسمر (8) عند سعيد بن العاص وجوه أهل الكوفة منهم مالك بن كعب والأسود بن يزيد (9) ، وعلقمة بن قيس، ومالك الأشتر (10) وغيرهم. فقال سعيد: إنما هذا السواد بستان قريش فقال الأشتر: أتزعم أن السواد الذي أفاءه اللَّه علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك، وتكلم القوم معه. فقال عبد الرحمن الأسدي وكان على شرطة سعيد -: أتردون على الأمير مقالته؟ وأغلظ عليهم. فقال الأشتر: مَنْ ههنا؟ لا يفوتنكم الرجل، فوثبوا عليه، فوطأوه وطأً شديداً حتى غشي عليه. ثم جرّوه برجله فنضح بماء فأفاق. فقال: قتلتني من انتخبت. فقال: واللَّه لا يسمر عندي أحد أبداً فجعلوا يجلسون في مجالسهم يشتمون عثمان وسعيداً. واجتمع إليهم الناس حتى كثروا، فكتب سعيد وأشراف أهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم.

ومن هنا يتضح أن الفتنة قد بلغت عندئذٍ حداً عظيماً في الكوفة فضعف مركز الوالي، ولم

⦗ص: 130⦘

يقدر أن يؤدبهم، حتى اجترأوا أن يضربوا من رد عليهم ضرباً مبرحاً من غير أن يستطيع أن يبدي حراكاً ولما منع الاجتماع أخذوا يشتمونه ويشتمون الخليفة.

كتب أشراف أهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم فكتب: إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية. وكتب عثمان إلى معاوية: "إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفراً خلقوا للفتنة فرعهم وقم عليهم فإن آنست منهم رشداً فاقبل منهم، وإن أعيوك فاردد عليهم".

فلما قدموا على معاوية رحب بهم، وأنزلهم كنيسة تسمى "مريم"، وأجرى عليهم بأمر عثمان ما كان يجري عليهم بالعراق، وجعل يتغدى ويتعشى معهم فقال لهم يوماً:

"إنكم قوم من العرب، لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفاً، وغلبتم الأمم، وحويتم مراتبهم ومواريثهم. وقد بلغني أنكم نقمتم قريشاً، وإن قريشاً لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم، إن أئمتكم لكم إلى اليوم جنة فلا تسدوا عن جنتكم. وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور ويحتملون منكم المؤونة. واللَّه لتنتهن أو ليبتلينكم اللَّه بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، لم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعيَّة في حياتكم وبعد موتكم".

فقال رجل من القوم، وهو صعصعة:

"أما ما ذكرت من قريش، فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا. وأما ما ذكرت من الجنة فإن الجنة إذا اختُرقت خُلص إلينا".

فقال معاوية: "عرفتكم الآن. علمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، وأنت خطيب القوم ولا أرى لك عقلاً، أعظم عليك أمر الإسلام، وأذكرك به وتذكرني الجاهلية، وقد وعظتك، وتزعم لما يجنك أنه يخترق إليك ولا ينسب ما يخترق إلى الجنة. أخزى اللَّه أقواماً أعظموا أمركم ورفعوا إلى خليفتكم افقهوا ولا أظنكم تفقهون. إن قريشاً لم تعز في جاهلية ولا إسلام إلا باللَّه عز وجل، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحساباً، ومحضهم أنساباً وأعظمهم أخطاراً وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضاً إلا باللَّه الذي لا يُستذل من أعز، ولا يوضع من رفع، فبوَّأهم حَرَماً آمناً يُتَخَطف الناس من حولهم. هل تعرفون عرباً أو عجماً أو سوداً أو حمراً إلا قد أصابهم الدهر في بلدهم وحُرْمتهم بدولة إلا ما كان من قريش فإنه لم يُردهم أحد من الناس بكيد إلا جعل اللَّه خده الأسفل حتى أراد اللَّه أن ينتقذ من أكرم واتبع دينه من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحاباً فكان خيارهم قريشاً، ثم بُنيَ هذا الملك عليهم وجعل هذه الخلافة فيهم. ولا يصلح ذلك إلا عليهم، فكان اللَّه يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم باللَّه، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه، وقد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم. أف لك ولأصحابك. ولو أن

⦗ص: 131⦘

متكلماً غيرك تكلم، ولكنك ابتدأت. فأما أنت يا صعصعة فإن قريتك شر قرى عربية، وأنتها نبتاً، وأعمقها وادياً، وأعرفها بالشر، وألأمها جيراناً. لم يسكنها شريف قط، ولا وضيع إلا سُبَ بها وكانت عليه هُجْنَة (11) ثم كانوا أقبح العرب ألقاباً، وألأمهم أصهاراً، نُزَّاع الأمم، وأنتم جيران الخط وفَعَلة فارس حتى أصابتكم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ونكبتك دعوته، وأنت نزيع شطير في عمان لم تسكن البحرين، فتشركهم في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. فأنت شر قومك حتى إذا أبرزك الإسلام وخلطك بالناس وحملك على الأمم التي كانت عليك، أقبلت تبغي دين اللَّه عِوَجاً وتنزع إلى اللامة والذلة ولا يضع ذلك قريشاً، ولن يضرهم ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم. إن الشيطان عنكم غير غافل. قد عرفكم بالشر من بين أمتكم فأغرى بكم الناس، وهو صارعكم، لقد علم أنه لا يستطيع أن يرد بكم قضاء قضاه اللَّه ولا أمراً أراده اللَّه، ولا تدركون بالشر أمراً إلا فتح عليكم شراً منه وأخزى".

أرسل هؤلاء النفر الذين أحدثوا الشغب واللغط في الكوفة، وعابوا على سعيد بن العاص وعثمان إلى معاوية بالشام. وفي نظرنا أن سبب هذه الفتنة كما أورده الطبري وابن الأثير (12) تافه لا يدعو إلى كل ما حدث. فقد ذكر أن عبد الرحمن بن خنيس وهو شاب قال:"واللَّه لوددت أن هذا الملطاط لك" يعني لسعيد أي ما كان لكسرى على جانب الفرات. فهذا الذي أثار ثائرتهم. شاب يتمنى أن تكون لسعيد بن العاص هذه الناحية من الفرات حتى يجود بمثل ما كان يجود به طلحة بن عبيد اللَّه. وقد كان سعيد كما ذكرنا في ترجمته كريماً يقيم الولائم، ويتصدق على المصلين. غاظ هؤلاء القوم الذين كانوا يحضرون مجلس سعيد، وكان يخصهم بسمره أن يتمنى هذا الشاب ذلك. ولو أنه مجرد تمنٍ ومع هذا تعدوا عليه وضربوه وضربوا أباه. وقد توسَّل إليهم الوالي بجلالة قدره أن يتركوهما فلم يفد فأشبعوهما ضرباً. وكل ما قدر عليه سعيد أنه منع أن يتسامروا عنده بعد ذلك.

وذُكر سبب غير ذلك وهو قول سعيد: "إنما هذا السواد بستان قريش". فأغلظوا عليه القول، فغضب صاحب شرطته (13) ولامهم على ما كان منهم، فأوسعوه ضرباً حتى غشي عليه. فلا بد أن هؤلاء الذين قربهم سعيد كانوا يحقدون عليه ويتحيَّنون الفرص للانتقام منه، لكنه حسب حسابهم، ولم يعاقبهم بنفسه على تهوّرهم واعتدائهم ومخالفتهم أمره خشية اتساع الخرق واشتداد الفتنة، فكتب إلى الخليفة في شأنهم وفوَّض إليه الأمر. فلما ذهبوا إلى معاوية وهو كما

⦗ص: 132⦘

نعلم قويٌّ في حكومته، ماهر في سياسته، وجدوا أنفسهم بمعزل عن أعوانهم، فأراد أن يكبح جماحهم ويوقفهم عند حدهم ويظهر لهم حقيقة أمرهم وماضيهم وحاضرهم بخطبته البليغة التي نشرناها. فوصفهم بقلة العقول وحقر من اتبعهم وعظمهم، لأنهم لا يستحقون التعظيم، وذلك فضل قريش في الجاهلية والإسلام على سائر القبائل العربية وفضل الإسلام عليهم، ثم وجه الخطاب إلى صعصعة، فقال: إن قريته شر القرى إلى آخر ما قال حتى أفرغ ما في جعبته، وأروى غُلته من غير خوف ولا وجل، ثم بالغ في الاحتقار بهم فإن قام بعد أن ألقى خطبته وتركهم فتقاصرت إليهم أنفسهم. فلما كان بعد ذلك أتاهم فقال:"إني أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم لا ينفع اللَّه بكم أحداً أبداً ولا يضره. ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرة، فإن أرتم النجاة فالزموا جماعتكم ولا يبطرنكم الإنعام، فإن البطر لا يعتري الخيار اذهبوا حيث شئتم فسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم".

فلما خرجوا دعاهم وقال لهم:

"إني معيد عليكم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان معصوماً فولَاّني وأدخلني في أمره، ثم استخلف أبو بكر فولَاّني. ثم استخلف عمر فولَاّني. ثم استخلف عثمان فولَاّني. فلم يولني أحد إلا وهو عني راضٍ".

وإنما طلب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم للأعمال أهل الجزاء من المسلمين والغنى، وأن اللَّه ذو سطوات ونقمات يمكر بمن مكر به، فلا تتعرضوا للأمر وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون، فإن اللَّه غير تارككم حتى يختبركم، ويبدي للناس سرائركم، وقد قال عز وجل:{الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 1، 2] .

وكتب معاوية إلى عثمان:

"إنه قدم عليَّ أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، أضجرهم العدل، لا يريدون اللَّه بشيء ولا يتكلمون بحجة. إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، واللَّه مبتليهم ومختبرهم. ثم فاضحهم وليسوا بالذين ينكون أحداً إلا مع غيرهم، فإنه سعيد ومن قبله عنهم فإنهم ليسوا الأكثر من شغب أو تكبر".

وخرج القوم من دمشق فقالوا: لا ترجعوا إلى الكوفة فإنهم يشتمون بكم وميلوا بنا إلى الجزيرة ودعوا العراق والشام فأووا إلى الجزيرة وسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكان معاوية قد ولَاّه حمص وولَّى عامل الجزيرة حَرّان والرقَّة فدعا بهم فقال: "يا آلة الشيطان لا مرحباً بكم ولا أهلاً، قد رجع الشيطان محسوراً وأنتم بعدُ نٍشَاط، خسَّر اللَّه عبد الرحمن إن لم يؤدبكم حتى يحسركم، يا معشر من لا أدري أعرب أم عجم لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم تقولون

⦗ص: 133⦘

لمعاوية: أنا ابن خالد بن الوليد. أنا ابن مَنْ عجمته العاجمات. أنا ابن فاقئ الردة. واللَّه لئن بلغني يا صعصعة بن ذُل أن أحداً ممن دق أنفك، ثم أمصّك لأطيرن بك طَيْرة بعيدة المهوى".

فأقامهم أشهراً كلما ركب أمشاهم، فإذا مرَّ به صعصعة قال:"يا ابن الحطيئة (14) أعلمت أن من لم يُصلحه الخير أصلحه الشر. ما لك لا تقول كما كان يبلغني أنك تقول لسعيد ومعاوية! ".

فيقولون: نتوب إلى اللَّه أقلنا أقالك اللَّه. فما زالوا به حتى قال: تاب اللَّه عليكم وسرح الأشتر إلى عثمان وقال لهم: ما شئتم، إن شئتم فاخرجوا، وإن شئتم فأقيموا.

وخرج الأشتر فأتى عثمان بالتوبة والندم والنزوع عنه، وعن أصحابه فقال: سلمكم اللَّه. وقدم سعيد بن العاص فقال عثمان للأشتر: احلل حيث شئت. فقال مع عبد الرحمن بن خالد، وذكر من فضله فقال: ذلك إليكم، فرجع إلى عبد الرحمن.

قد كان عبد الرحمن بن خالد أشد عليهم من معاوية، وقد تابوا على يديه.

وفي الطبري رواية أخرى، وهي أن معاوية بعد أن ألقى عليهم الخطبة السابقة عاد وقال لهم (15) :

"إني واللَّه ما آمركم بشيء إلا قد بدأت فيه بنفسي وأهل بيتي وخاصتي، وقد عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها، إلا ما جعل اللَّه لنبيه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم. فإن اللَّه انتخبه وأكرمه، فلم يخلق في أحد من الأخلاق الصالحة شيئاً إلا أصفاه اللَّه بأكرمها وأحسنها. ولم يخلق من الأخلاق السيئة شيئاً في أحد إلا أكرمه اللَّه عنها ونزهه. وإني لا أطن أن أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازماً".

وهنا نرى أن معاوية أطرى نفسه فقال صعصعة:

"كذبت وقد ولدهم خير من أبي سفيان، من خلقه اللَّه بيده ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له فكان فيهم البرَّ والفاجر والأحمق والكيَّس".

فخرج معاوية تلك الليلة من عندهم، ثم أتاهم القابلة فتحدث عندهم طويلاً ثم قال:

"أيها القوم ردوا عليَّ خيراً، أو اسكتوا، وتفكَّروا وانظروا فيما ينفعكم وينفع أهليكم، وينفع عشائركم، وينفع جماعة المؤمنين فاطلبوه تعيشوا ونعش بكم"

⦗ص: 134⦘

.

فقال صعصعة: "لست بأهل ذلك ولا كرامة لك أن تطاع في معصية اللَّه".

فقال معاوية: "أوَليس ما ابتدأتكم به أن أمرتكم بتقوى اللَّه وطاعته وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم أن تعتصموا بحبله جميعاً ولا تفرقوا".

قالوا: "بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم".

قال: "فإني آمركم الآن إن كنتُ فعلتُ فأتوب إلى اللَّه وآمركم بتقواه وطاعته وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولزوم الجماعة، وكراهة الفرقة، وأن توقروا أئمتكم وتدلوهم على كل حسن ما قدرتم، وتعظوهم في لين ولطف في شيء إن كان منهم".

فقال صعصعة: "فإنا نأمرك أن تعتزل عملك، فإن في المسلمين مَن هو أحق به منك".

فقال: "مَن هو؟ ".

قال: "مَن كان أبوه أحسن قدماً من أبيك، وهو بنفسه أحسن قدماً منك في الإسلام".

فقال معاوية: "واللَّه إن لي في الإسلام قدماً ولغيري كان أحسن قدماً مني، ولكنه ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه مني. ولقد رأى ذلك عمر بن الخطاب. فلو كان غيري أقوى مني لم يكن لي عند عمر هوادة ولا لغيري. ولم أحدث من الحدث ما ينبغي لي أن أعتزل عملي. ولو رأى ذلك أمير المؤمنين وجماعة المسلمين لكتب إليَّ بخط يده فاعتزلت عمله، ولو قضى اللَّه أن يفعل ذلك لرجوتُ أن لا يعزم له على ذلك إلا وهو خير. فمهلاً فإن في ذلك وأشباهه ما يتمنى الشيطان ويأمر. ولعمري لو كانت الأمور تقضي على رأيكم وأمانيكم ما استقامت الأمور لأهل الإسلام يوماً ولا ليلة. ولكن اللَّه يقضيها ويدبرها وهو بالغ أمره. فعاودوا الخير وقولوه".

فقالوا: "لست لذلك أهلاً"....

فقال: "أما واللَّه إن للَّه لسطوات ونقمات، وإني لخائف عليكم أن تتابعوا في مطاوعة الشيطان حتى تحلكم مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن دار الهوان من نقم اللَّه في عاجل الأمر والخزي الدائم في الآجل".

فوثبوا عليه فأخذوا برأسه ولحيته فقال:

"مهَ، إن هذه ليست بأرض الكوفة. واللَّه لو رأى أهل الشام ما صنعتم بي وأنا إمامهم ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم. فلعمري إن صنيعكم ليشبه بعضه بعضاً، ثم قام من عندهم فقال: "واللَّه لا أدخل عليكم ما بقيت" (16)

⦗ص: 135⦘

.

ثم كتب إلى عثمان:

"بسم اللَّه الرحمن الرحيم. لعبد اللَّه عثمان أمير المؤمنين، من معاوية بن أبي سفيان. أما بعد يا أمير المؤمنين، فإنك بعثت إليَّ أقواماً يتكلمون بألسنة الشياطين وما يملون عليهم، ويأتون الناس، زعموا من قبل القرآن فيشبهون على الناس وليس كل الناس يعلم ما يريدون، وإنما يريدون فرقة، ويقربون فتنة.

قد أثقلهم الإسلام وأضجرهم، وتمكنت رقي الشيطان من قلوبهم. فقد أفسدوا كثيراً من الناس ممن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشام أن يغروهم بسحرهم وفجورهم فارددهم إلى مصرهم فلتكن دارهم في مصرهم الذي جمَّ فيه نفاقهم والسلام".

فكتب إليه عثمان يأمره أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة فردهم إليه. فلم يكونوا إلا أطلق ألسنة منهم حين رجعوا. وكتب سعيد إلى عثمان يضجّ منهم. فكتب عثمان إلى سعيد أن سيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.، وكان أميراً على حمص. وكتب إلى الأشتر وأصحابه:

"أما بعد، فإني قد سيرتكم إلى حمص، فإذا أتاكم كتابي هذا فاخرجوا إليها فإنكم لستم تألون الإسلام وأهله شراً والسلام".

فلما قرأ الأشتر الكتاب قال: "اللَّهم أسوأنا نظراً للرعية وأعملنا فيهم بالمعصية، فعجل له النقمة". فكتب بذلك سعيد إلى عثمان.

وسار الأشتر وأصحابه إلى حمص فأنزلهم عبد الرحمن بن خالد الساحل وأجرى لهم رزقاً.

لقد تطاول هؤلاء على معاوية وأمروه أن يتخلى عن مركزه لأن من المسلمين من هو أصلح منه، كما تطاولوا على سعيد من قبل وطعنوا على عثمان. وهم وإن كانوا من أشراف أهل العراق إلا أنهم أهل فتنة.

وقد تسامح معهم معاوية كما تسامح معهم سعيد. ومن هذا يتبين مقدار الحرية التي كانت ممنوحة للرعية في ذلك الوقت فلم يؤخذوا ويحاكموا على أقوالهم ومطاعنهم إنما اكتفى بتسييرهم من بلد إلى آخر وأجرى عليهم عبد الرحمن بن خالد رزقاً.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 634، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 30.

(2)

هو طلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان التيمي، القرشي المدني، أبو محمد، صحابي، شجاع، من الأجواد، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، ولد سنة 28 هـ، قال ابن عساكر: كان من دهاة قريش ومن علمائهم، وكان يقال له ولأبي بكر: القرينان، وذلك لأن نوفل بن حارث وكان أشد قريش رأى طلحة وقد أسلم خارجاً مع أبي بكر من عند النبي صلى الله عليه وسلم فأمسكهما وشدَّهما في حبل. ويقال له: طلحة الجود، وطلحة الخير، وطلحة الفياض، وكل ذلك لقبه به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في مناسبات مختلفة، ودعاه مرة: الصبيح المليح الفصيح. شهد أُحداً وثبت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبايعه على الموت، وأصيب بأربعة وعشرين جرحاً، وسَلِمَ، شهد الخندق وسائر المشاهد. كانت له تجارة وافرة مع العراق، ولم يكن يدع أحداً من بني تيم عائلاً إلا كفاه مؤونته ومؤونة عياله، ووفى دينه، قتل يوم الجمل وهو بجانب عائشة سنة 36 هـ، ودفن في البصرة. للاستزادة راجع: ابن سعد ج 3/ص 152، تهذيب التهذيب ج 5/ص 20، البدء والتاريخ ج 5/ص 82، الجمع بين رجال الصحيحين ص 230، غاية النهاية ج 1/ص 342، الرياض النضرة ج 2/ص 249، صفة الصفوة ج 1/ص 130، حلية الأولياء ج 1/ص 87، ذيل المذيل ص 11، تهذيب ابن عساكر ج 7/ص 71، المحبّر ص 355.

(3)

نشاستج: ضيعة بالكوفة كانت لطلحة بن عبيد اللَّه التميمي. أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكانت عظيمة الدخل اشتراها من أهل الكوفة المقيمين بالحجاز بمال كان له بخيبر وعمرها فعظم دخلها. قال الواقدي: أول من أقطع بالعراق عثمان بن عفان رضي الله عنه قطائع مما كان من صوافي آل كسرى ومما جلا عنه أهله فقطع لطلحة بن عبيد اللَّه النشاستج. وقيل بل أعطاه إياها عوضاً عن مال كان له بحضرموت.

(4)

قال ابن النجار في كتاب الكوفة: وكان يقال لظهر الكوفة: اللسان، وما ولى الفرات منه الملطاط.

(5)

هو طُلَيْحة بن خويلد الأسدي، من أسد خزيمة، متنبّئ، شجاع، من الفصحاء، متوفى سنة 21 هـ. يقال له: طُلَيْحة الكذاب، كان من أشجع العرب، يُعَدُّ بألف فارس كما يقول النووي، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد بني أسد سنة 9 هـ، وأسلموا، ولما رجعوا ارتد طُلَيْحة، وادَّعى النبوة في حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فوجَّه إليه ضرار بن الأزور، فضربه ضرار بسيف يريد قتله، فنبا السيف، فشاع بين الناس أن السلاح لا يؤثر فيه. ومات النبي صلى الله عليه وسلم فكثر أتباع طُلَيْحة من أسد وغطفان وطيئ وكان يقول: إن جبريل يأتيه، وتلا على الناس أسجاعاً أمرهم فيها بترك السجود في الصلاة وكانت رايته حمراء. طمع بامتلاك المدينة، فهاجر بعض أشياعه، فردهم أهلها، غزاه أبو بكر وسيَّر إليه خالد بن الوليد فانهزم طُلَيْحة وفرَّ إلى الشام، ثم أسلم بعد أن أسلمت أسد وغطفان كافة، وفد على عمر وبايعه في المدينة، وخرج إلى العراق، فَحَسن بلاؤه في الفتوح، واستشهد بنهاوند. للاستزادة راجع: الكامل في التاريخ ج 2 أحداث سنة 11، معجم البلدان مادة: بزاخة، تهذيب ابن عساكر ج 7/ص 300، تاريخ الخميس ج 2/ص 187، الإصابة ترجمة 4283، تهذيب الأسماء واللغات ج 1/ص 201.

(6)

غاشيتك: أي الذين يترددون عليك. [القاموس المحيط، مادة: غشي] .

(7)

ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 31.

(8)

يسمر: يتحدَّث ليلاً. [القاموس المحيط، مادة: سمر] .

(9)

هو الأسود بن يزيد بن قيس، النخعي، الكوفي، أبو عمرو، المتوفى سنة 75 هـ، تابعي فقيه من الحفاظ، كان عالم الكوفة في عصره، ثقة، مكثر. للاستزادة راجع: تذكرة الحُفَّاظ ج 1/ص 85، حلية الأولياء ج 2/ص 108، تهذيب الكمال ج 1/ص 301، تهذيب التهذيب ج 1/ص 66، تقريب التهذيب ج 1/ص 178، خلاصة تهذيب الكمال ج 1/ص 188، الكاشف ج 1/ص 200، تاريخ البخاري الكبير ج 1/ص 105، تاريخ البخاري الصغير ج 1/ص 207، الجرح والتعديل ج 2/ص 178، الثقات ج 4/ص 310، الوافي بالوفيات ج 9/ص 222، طبقات الحفاظ ص 125، شذرات الذهب ج 1/ص 180، سير الأعلام ج 4/ص 118، البداية والنهاية ج 9/ص 205، نسيم الرياض ج 2/ص 236، أعيان الشيعة ج 3/ص 287، طبقات ابن سعد ج 9/ص 188.

(10)

هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي، المعروف بالأشتر، أمير من كبار الشجعان، كان رئيس قومه، أدرك الإسلام، أول من عرف عنه أنه حضر خطبة عمر في الجابية، سكن الكوفة، وكان له نسل فيها، كان ممن ألَّبَ على عثمان وحضر حصره في المدينة، شهد يوم الجمل، وأيام صفِّين مع علي، وولَاّه على مصر فقصدها، فمات في الطريق سنة 37 هـ، فقال علي: رحم اللَّه مالكاً، فلقد كان لي كما كنت لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وله شعر جيد، يُعد من الشجعان الأجواد، العلماء الفصحاء، الفصحاء. للاستزادة راجع: الإصابة ترجمة 8343، التهذيب ج 10/ص 11، الولاة والقضاة 23، سمط الآلي 277، المؤتلف والمختلف 28، المرزباني 362، التبريزي ج 1/ص 75، دائرة المعارف الإسلامية ج 2/ص 210، المحبّر 233.

(11)

الهُجْنَة من الكلام: ما يلزمك منه العيب، تقول:"لا تفعل كذا فيكون عليك هجنة".

(12)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 634، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 30.

(13)

هو عبد الرحمن الأسدي.

(14)

ورد في ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 34:"بابن الخطيئة".

(15)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 636.

(16)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 638، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 35، إن هذا الأمر يستدعي الوقوف عنده وقفة شك، فكيف لهؤلاء الرهط أن يتطاولوا على عامل الخليفة وهو موكل بتأديبهم، لا سيما أن المعني بالأمر هو معاوية بن أبي سفيان.

ص: 127

- خلو الكوفة من الرؤساء (1) :

⦗ص: 136⦘

أذن معاوية لأهل الفتنة الذين أمر عثمان بتسييرهم إلى الشام أن يذهبوا أنى شاءوا، فتحدثوا فيما بينهم فقالوا: إن العراق والشام ليسَا لنا بدار فعليكم بالجزيرة فأتوها اختياراً، فغدا عليهم عبد الرحمن بن خالد فسامهم الشدة كما ذكرناه وتابعوه وتابوا، وسرح الأشتر إلى عثمان فدعا به وقال: اذهب حيث شئت. فقال: أرجع إلى عبد الرحمن، فرجع.

ووفد سعيد بن العاص إلى عثمان سنة إحدى عشرة من خلافة عثمان. وكان سعيد قد ولي قبل مخرجه إلى عثمان بسنة وبعض أخرى:

-1- الأشعث بن قيس (2) : أذربيجان.

-2- سعيد بن قيس (3) : الري.

-3- النُّسيَر العجلي (4) : همذان.

⦗ص: 137⦘

-4- السائب بن الأقرع: أصبهان.

-5- مالك بن حبيب: ماه.

-6- حكيم بن سلام الخزامي: الموصل.

-7- جرير بن عبد اللَّه: قرقيسيا.

-8- سلمان بن ربيعة: الباب.

-9- عتيبة بن النهاس: حُلوان.

-10- القعقاع بن عمرو (5) : جعله على الحرب.

هؤلاء عشرة من الكبار أُرسلوا إلى جهات متعددة. ولو أنهم بقوا بالكوفة لكان لهم تأثير في منع ما عساه أن يحدث من الشغب والفتنة، ولكن سعيد بن العاص لم يكن يتوقع انتشار الفتنة فأرسلهم إلى هذه المراكز لأغراض حربية. وبذلك خلت الكوفة من الرؤساء.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 634 639.

(2)

الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي، أبو محمد، ولد سنة 23 ق. هـ. أمير كندة في الجاهلية والإسلام، كانت إقامته في حضرموت، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ظهور الإسلام، في جمع من قومه، أسلم وشهد اليرموك، فأصيبت عينه، ولما ولي أبو بكر الخلافة امتنع الأشعث وبعض بطون كندة عن تأدية الزكاة، فتنحى والي حضرموت بمن بقي على الطاعة من كندة، وجاءته النجدة فحاصر حضرموت فاستسلم الأشعث وفتحت حضرموت عنوة، وأرسل الأشعث موثوقاً إلى أبي بكر المدينة ليرى فيه رأيه، فأطلقه أبو بكر وزوَّجه أخته أم فروة، فأقام في المدينة وشهد الوقائع وأبلى البلاء الحسن، ثم كان مع سعد بن أبي وقاص في حروب العراق، ولما آل الأمر إلى علي كان الأشعث معه يوم صفِّين، على راية كندة، وحضر معه وقعة النهروان، وورد المدائن، ثم عاد إلى الكوفة فتوفي فيها سنة 40 هـ على أثر اتفاق الحسن ومعاوية، كان من ذوي الرأي والإقدام، موصوفاً بالهيبة، هو أول راكب في الإسلام مشت معه الرجال يحملون الأعمدة بين يديه ومن خلفه. للاستزادة راجع: ابن عساكر ج 3/ص 64، الآمدي 45، تاريخ الخميس ج 2/ص 289، ثمار القلوب 69، ذيل المذيل 34، خزانة الأدب للبغدادي ج 2/ص 465، تاريخ بغداد ج 1/ص 196.

(3)

هو سعيد بن قيس بن زيد، من بني زيد بن مريب، من همدان، فارس من الأجواد الدهاة، من سلالة ملوك همدان، كان خاصاً بالإمام علي، قاتل معه يوم صفِّين، كان إليه أمر همدان بالعراق، وإليه ينسب السعيدين في بيت زُود باليمن. للاستزادة راجع: الإكليل ج 10/ص 46 50.

(4)

هو النُّسَيْر بن ديسم بن ثور بن عريجة بن ملحم بن هلال بن ربيعة، العجلي، من بني عجل بن لجيم، قائد، فاتح، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، شهد في عهد عمر الفتوح كلها والقادسية، وهو من تُنسب إليه قلعة النُسير قرب نهاوند، كانت من قلاع الفرس فاعتصم بها قوم منهم، أيام زحف العرب، حاصرها وفتحها فعرفت باسمه سنة 21 هـ، توفي سنة 35 هـ. للاستزادة راجع: التاج ج 3/ص 564، جَمْهرة الأنساب ص 295، الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3/7، ياقوت في معجم البلدان ج 8/ص 287 288، الإصابة ترجمة 8810، الآمدي، المؤتلف والمختلف ص 61.

(5)

هو القعقاع بن عمرو التميمي، أحد فرسان العرب وأبطالهم في الجاهلية والإسلام، له صحبة، شهد اليرموك وفتح دمشق وأكثر وقائع أهل العراق مع الفرس، سكن الكوفة، وأدرك وقعة صفِّين مع علي بن أبي طالب، وكان يتقلَّد في أوقات الزينة سيف هرقل (ملك الروم) ويلبس درع بهرام (ملك الفرس) وهما مما أصابه من الغنائم في حروب فارس، وكان شاعراً فحلاً، قال أبو بكر:"صوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل"، توفي سنة 58 هـ. للاستزادة راجع: الكامل في التاريخ حوادث سنة 16 هـ، الإصابة ترجمة 7129.

ص: 135

- عزل سعيد بن العاص (1) وتولية أبي موسى الأشعري:

خرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان، ومعه الذين كان يكاتبهم ابن السوداء (2) فقال القعقاع بن عمرو: إنما نستعفي من سعيد: فقال يزيد: أما هذا فنعم، وكاتب المسيرين (3)

⦗ص: 138⦘

ليقدموا عليه. فسار الأشتر والذين عند عبد الرحمن بن خالد فسبقهم الأشتر فلم يفجأ الناس إلا والأشتر على باب المسجد مسجد الكوفة يقول: جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان وتركت سعيداً يريد علي نقصان نسائكم على مائة درهم ورد أولي البلاء منكم إلى ألفين ويزعم أن فيئكم بستان قريش فاستخف الناس. وجعل أهل الرأي ينهونهم فلا يسمع منهم.

فخرج يزيد وأمر منادياً ينادي: من شاء أن يلحق بيزيد لرد سعيد فليفعل، فبقي أشرافهم وحلماؤهم في المسجد، وعمرو بن حُرَيث (4) يومئذٍ خليفة سعيد، فصعد المنبر، فحمد اللَّه وأثنى عليه وأمرهم بالاستماع والطاعة. فقال له القعقاع:"أترد السيل عن أدراجه؟ هيهات، لا واللَّه لا يسكن الغوغاء إلا المشرفية، ويوشك أن تنتضي ويعجون هجيج العيدان، ويتمنون ما هم فيه اليوم فلا يرده اللَّه عليهم أبداً فاصبر". قال: أصبر، وتحوَّل إلى منزله.

وخرج يزيد بن قيس، فنزل الجرَعة وهي قريب من القادسية ومعه الأشتر فوصل إليهم سعيد بن العاص. فقالوا: لا حاجة لنا بك. قال: إنما يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلاً وإليَّ رجلاً. وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل واحد.

وجاء في الطبري نص الخطبة التي ألقاها عليهم عمرو بن حُرَيث نائب سعيد وهي كما يلي (5) :

"اذكروا نعمة اللَّه عليكم إذا كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً، بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. فلا تعودوا في شر قد استنقذكم منه اللَّه عز وجل. أبعد الإسلام وهديه وسنته لا تعرفون حقاً وتصيبون بابه! ".

ولما انصرف عنهم سعيد أحسوا بمولى لهم على بعير قد حسر. فقال: واللَّه ما كان ينبغي لسعيد أن يرجع فقتله الأشتر، ومضى سعيد حتى قدم على عثمان فأخبره بما فعلوا وأنهم يريدون البدل. وأنهم يختارون أبا موسى. قال:"أثبتنا أبا موسى عليهم وواللَّه لا نجعل لأحد عذراً ولا نترك لهم حجة، ولنصبرن كما أمرنا حتى نبلغ ما يريدون".

وقد أراد عثمان بخلع سعيد وتنصيب أبي موسى أن تهدأ الفتنة ولا يكون لأحد بعد ذلك عذر أو شكوى. وكتب إليهم:

⦗ص: 139⦘

"أما بعد، فقد أمّرت عليكم من اخترتم وأعفيتكم من سعيد، وواللَّه لأقرضنكم عرضي ولأبذلن لكم صبري ولأستصلحنكم بجهدي فلا تدعوا شيئاً أحببتموه لا يُعصى اللَّه فيه إلا سألتموه، ولا شيئاً كرهتموه لا يعصى اللَّه فيه إلا استعفيتم منه. أنزل فيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم على اللَّه حجة كما أمرنا حتى تبلغوا ما تريدون".

ورجع من الأمراء من قرب عمله من الكوفة فرجع جرير من قرقيسياء. وعتيبة من حُلوان.

وقام أبو موسى الأشعري فتكلم بالكوفة فقال:

"أيها الناس لا تنفروا في مثل هذا ولا تعودوا لمثله. ألزموا جماعتكم الطاعة وإياكم والعجلة. فأجابوه إلى ذلك. وقالوا: فصلِّ بنا، قال لا. إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان. قالوا: السمع والطاعة لعثمان.

(1) المسعودي مروج الذهب ج 2/ص 346.

(2)

هو عبد اللَّه بن سبأ، وكان يهودياً من جنوب بلاد العرب فأسلم واستفسد الناس على عثمان وبثَّ دعايته في الآفاق وتنقل في الحجاز والبصرة والكوفة والشام ومصر يدعو الناس للثورة.

(3)

وهم الذين سيَّرهم عثمان إلى معاوية ومنهم الأشتر وصعصعة.

(4)

عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم القرشي، يكنى أبا سعيد، رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنه أول قرشي اتخذ بالكوفة داراً وكان من أغنى أهل الكوفة وولي لبني أمية بالكوفة.

(5)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 642.

ص: 137

- رسول أهل الكوفة إلى عثمان (1) :

اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلاً يكلمه ويخبره بأحداثه فأرسلوا إليه عامر بن عبد اللَّه التميمي، وهو الذي يدعى عامر بن عبد قيس فدخل عليه فقال: إن ناساً من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أموراً عظاماً، فاتق اللَّه عز وجل، وتب إليه، وانزع عنها.

فقال عثمان: انظروا إلى هذا، فإن الناس يزعمون أنه قارئ، ثم هو يجيء فيكلمني في المحقَّرات، فواللَّه ما يدري أين اللَّه. قال عامر: أنا لا أدري أين اللَّه؟ قال: نعم، واللَّه ما تدري أين اللَّه. قال عامر: بلى واللَّه إني لأدري أن اللَّه بالمرصاد لك.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 643 645، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 39 42.

ص: 139

- عثمان يجمع أهل الرأي ليشاورهم في الأمر (1) :

أرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان، وإلى عبد اللَّه بن سعد بن أبي سُرح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص، وإلى عبد اللَّه بن عامر فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طلب إليه وما بلغه عنهم، فلما اجتمعوا عنده قال لهم:

⦗ص: 140⦘

"إن لكل امرئ وزراء ونصحاء، وإنكم وزرائي ونصحائي، وأهل ثقتي، ولقد صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إليَّ أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليَّ".

فقال له عبد اللَّه بن عامر: "رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمهرهم في المغازي حتى يذلوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دَبَرة دابته وقمل فروه".

فقال عثمان: (إن هذا الرأي لولا ما فيه) خشي عثمان أن ينفذ رأي ابن عامر الذي يقضي بقطع دابر قادة الفتنة للخلاص من شرهم ودسائسهم.

ثم أقبل عثمان على معاوية فقال: ما رأيك؟

قال: "أرى لك يا أمير المؤمنين أن ترد عُمالك على الكفاية لما قِبَلهم وأنا ضامن لك قِبَلي".

ثم أقبل على عبد اللَّه بن سعد فقال: ما رأيك؟

قال: "أرى يا أمير المؤمنين أن الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليهم قلوبهم".

ثم أقبل على عمرو بن العاص فقال له: ما رأيك؟.

قال: "أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعدل، فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزماً وامض قُدماً".

فرأى عمرو أن عثمان لا يعدل فطلب إليه أن يعتزل أو يعدل ولا يتردد فقال عثمان:

"ما لك قِملَ فروك. أهذا الجد منك؟ ".

فسكت عمرو حتى إذا تفرَّقوا قال: "لا واللَّه يا أمير المؤمنين لأنت أعز عليَّ من ذلك. ولكني قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيراً أو أدفع عنك شراً".

لكن كلام عمرو هذا من شأنه أن يزيد نار الفتنة والنقمة على عثمان اشتعالاً، لأنه قال بصريح العبارة ـ:"فاعتزم أن تعدل". ومعنى هذا أنه لا يعدل، فكيف يستطيع عمرو بعد ذلك أن يقود إلى عثمان خيراً أو يدفع عنه شراً؟!. ومعلوم أن عمراً كان ساخطاً على الخليفة، لأنه عزله عن ولاية مصر بعد أن فتحها. ولما أحس عمرو بأنه كدَّر عثمان بقوله أمام هؤلاء النفر أراد أن يسترضيه على حدة فقال ما قال

⦗ص: 141⦘

.

رد عثمان بعد ذلك عماله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وأمرهما بتجمير الناس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 643 645، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 39- 42.

ص: 139

- علي بن أبي طالب يحادث عثمان في أمر الفتنة (1) :

لما كانت سنة 34 هـ كتب أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض أن أقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد، وكثر الناس على عثمان، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى، ولا يذبُّ إلا زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فاجتمع الناس وكلموا عليّ بن أبي طالب، فدخل على عثمان فقال:

"الناس ورائي وقد كلَّموني فيك. واللَّه ما أدري ما أقول لك. وما أعرف شيئاً تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم. ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغكه وما خُصصنا بأمر دونك وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونلت صهره، وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الخير منك ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك. وإنك أقرب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رَحِماً. ولقد نلت من صهر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما لم ينالا. ولا سبقناك إلى شيء. فاللَّه اللَّه في نفسك فإنك واللَّه ما تُبصَّر من عمَى ولا تُعَلَّم من جهل، وإن الطريق لواضح بيَّن، وإن أعلام الدين لقائمة. تَعلَّم يا عثمان أن أفضل عباد اللَّه عند اللَّه إمام عادل هُدِي وهَدَى فأقام سنة معلومة وأمات بدعة متروكة. فواللَّه إن كُلَاّ لبيَّن، وإن السنن لقائمة لها أعلام، وإن البدع لقائمة لها أعلام، وإن شرَّ الناس عند اللَّه إمام جائر ضَلَّ وضُلَّ به فأمات سُنة معلومة وأحيا بدعة متروكة. وإني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم، فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم يرتطم في غمرة جهنم" (2) . وإني أحذرك اللَّه وأحذرك سطوته ونقماته فإن عذابه شديد أليم، وأحذرك أن تكون إمام هذه الأمة المقتول، فإن يقال يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة وتُلْبَس أمورها عليها، ويتركهم شِيَعاً فلا يبصرون لحق لعلو الباطل، يموجون فيها موجاً ويمرحون مَرَحاً".

فقال عثمان: (3) "قد واللَّه علمت ليقولُنّ الذي قلتَ. أما واللَّه لو كنت مكاني ما عنفتك ولا

⦗ص: 142⦘

أسلمتك ولا عبتُ عليك، ولا جئتُ منكراً إن وصلتُ رَحماً، وسددتُ خَلة، وآويت ضائعاً، ووليت شبيهاً بمن كان عمر يولي. أنشدك اللَّه يا عليُّ هل تعلم أن المغيرة بن شُعبة ليس هناك؟ قال: نعم. قال: فتعلم أن عمر ولاه؟ قال: نعم. قال: فَلِمَ تلومني أن وليت ابن عامر في رَحمه وقرابته. قال عليُّ: سأخبرك، إن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل. ضعفت ورفقت على أقربائك. قال عثمان: هم أقرباؤك أيضاً. فقال علي: لعمري إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرها. قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها؟ فقد وليته. فقال عليُّ: أنشدك اللَّه هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يَرفْأ غلام عمر منه. قال: نعم. قال عليّ: فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها. فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تُغير على معاوية.

ثم خرج عليُّ من عند عثمان، وخرج عثمان على أثره، فجلس على المنبر فقال:

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 644، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 43.

(2)

رواه ابن كثير في البداية والنهاية (7: 168) .

(3)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 645، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 44.

ص: 141

- خطبة عثمان في المسجد (1) :

"أما بعد، فإن لكل شيء آفة، ولكل أمر عاهة، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة: عيَّابون، طعَّانون، يرونكم ما تحبون ويُسرون ما تكرهون يقولون لكم ويقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق. أحب مواردها إليها البعيد لا يشربون إلا نَغصاً ولا يَرِدون إلا عكراً، لا (2) يقوم لهم رائد وقد أعيتهم الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب. ألا فقد واللَّه عبتم عليَّ بما أقررتم لابن الخطاب بمثله ولكنه وطئكم برجله؟ وضربكم بيده وقمعكم بلسانه فدِنْتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولِنْتُ لكم وأوطأت لكم كففي [؟؟] ، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليّ. أما واللَّه لأنا أعز نفراً وأقرب ناصراً وأكثراً عدداً وأقمن إن قلت هَلُم. أُتِيَ إليّ. ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولاً، وكشرت لكم عن نابي. وأخرجتم مني خُلُقاً لم أكن أحسنه، ومنطقاً لم أنطق به، فكفوا عليكم ألسنتكم، وطعنكم، وعيبكم على ولاتكم، فإني قد كففت عنكم مَن لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا، ألا فما تفقدون من حقكم. واللَّه ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ مَن قبلي. ومَن لم تكونوا تختلفون عليه فضلَ فضْلٍ من مال. فما لي لا أصنع في الفضل ما أريد. فَلِمَ كنت إماماً"(3)

⦗ص: 143⦘

.

فقام مروان بن الحكم فقال: إن شئتم حكَّمنا واللَّه بيننا وبينكم السيف. نحن واللَّه وأنتم كما قال الشاعر:

فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم

معارسكم تبنون في دِمن الثرى

فقال عثمان: اسكت لا سُكِّتّ. دعني وأصحابي. ما منطقك في هذا؟ ألم أتقدم إليك ألا تنطق؟ فسكت مروان ونزل عثمان.

قال عثمان لعليٍّ: إنه عيَّن من عينَّهم عمر بن الخطاب، ومع ذلك لم يؤاخذه أحد. فعيَّن المغيرة ومعاوية، فكان ردُّ عليٍّ أن عمر كان لا يتسامح مع من ولَاّه إذا ارتكب شيئاً، وأن عثمان يعامل أقاربه بالرفق ولا يعاقبهم. هذا ملخص ما دار بينهما -. أما الخطبة التي ألقاها عثمان فلم يكن لها تأثير في تهدئة الفتنة، بل اشتد قوله على الناس وعظم وزاد تألبهم عليه. ويلاحظ أن مروان يتداخل ويهدد الناس بالحرب بالرغم من أن عثمان كان قد أمره بلزوم الصمت.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 645، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 44.

(2)

"لا" مثبتة في الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 645، وزيدت اعتماداً على نص الطبري في ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 44.

(3)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 645، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 44.

ص: 142

- كيف بدأ السخط على عثمان (1) وكيف تدرجت الفتنة؟:

ذكرنا في كتابنا "عمر بن الخطاب" أن عمرو بن العاص هو الذي أشار عليه بفتح مصر، فتردد ثم جهزه بجيش، ثم صار يمده من آن لآخر حسب الضرورة إلى أن تمكَّن عمرو من غزو مصر وضمَّها إلى الخلافة العربية. فإليه يرجع الفضل في فتحها. وكان عمر رضي الله عنه يستبطئ عمراً في جباية الخراج، ويستقل ما يجبيه منها، وقد كاتبه في ذلك إلا أن عمراً لم يشأ إرهاق المصريين، فوضع عنهم كثيراً من الضرائب التي أثقلت كواهلهم، وكانت موضع شكواهم من الحكم الروماني. ومات عمر وعلى مصر عمرو بن العاص وعلى قضائها خارجة بن حذافة (2) . فلما ولي عثمان أقرهما سنتين، وقيل: أكثر، ثم عزل عمراً واستعمل عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة، فكان سبباً في سخط عمرو على عثمان، فأخذ يطعن عليه سراً وعلانية. وهذا أمر طبيعي

⦗ص: 144⦘

.

أولاً: لأن عمراً كان يرى أنه صاحب الفضل في فتح مصر، وأنه لم يرتكب وزراً يستحق عليه العزل (3) .

ثانياً: لأن الذي خلفه هو عبد اللَّه بن سعد وسيرته معلومة للصحابة فهو الذي ارتد مشركاً زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثم أذاع أنه كان يصرف رسول اللَّه حيث أراد عندما كان يملي عليه القرآن فكان يملي عليه "عزيز حكيم" فيقول: أو "عليم حكيم" فيقول: نعم. كل صواب. فلما كان يوم فتح مكة أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقتله، فتشفع له عثمان. تحدَّث الناس في سيرة الوالي الجديد على مصر واستاء كثير من هذا التعيين، ووجد عمرو سلاحاً للطعن على عثمان.

وروى الواقدي أنه لما نزع عثمان عمرو بن العاص من مصر غضب عمرو غضباً شديداً وحقد على عثمان. وقد أراد عثمان أن يظهر لعمرو أن عبد اللَّه بن سعد جدَّ واجتهد، وحصَّل من مصر أكثر مما كان يحصله عمرو. فلما بعث عبد اللَّه بن سعد إلى عثمان بمال من مصر قال: يا عمرو، هل تعلم أن تلك اللقاح درَّت بعدك؟ فقال عمرو: وإن فصالها هلكت.

لم ينقطع عمرو عن الطعن على عثمان، ومع ذلك نرى عثمان يستشيره في جملة من استشارهم في أمر الفتنة، فأظهر له أنه لا يزال ساخطاً عليه ودعاه إلى الاعتزال ورماه بالجور، وهو الوحيد الذي دعاه إلى الاعتزال من بين من استشارهم إذ قال له:"أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزماً وامض قدماً" ولا عبرة بما قاله له بعد انصراف القوم "لا واللَّه يا أمير المؤمنين لأنت أعز عليَّ من ذلك الخ".

وقد عاب على عثمان محمد بن أبي حذيفة بعد غزوة الصواري وقال: لقد تركنا خلفنا الجهاد، فيقول الرجل: وأي جهاد! فيقول: عثمان بن عفان فعل كذا وكذا حتى أفسد على الناس فقدموا بلدهم. وقد أفسدهم وأظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به واشترك مع محمد بن حذيفة في الطعن على عثمان محمد بن أبي بكر، واستحلَاّ دمه وقالا: استعمل عبد اللَّه بن سعد، رجلاً كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أباح دمه ونزل القرآن بكفره، واستعمل سعيد بن العاص وعبد اللَّه بن عامر، وهو ابن خال عثمان، فانتشرت هذه المطاعن في مصر وغيرها.

أما في الكوفة فإن عثمان عزل سعد بن أبي وقاص لما حدث بينه وبين ابن مسعود من المشادة التي تقدَّم ذكرها وكان ابن مسعود على بيت المال لكنه لم يعزله، بل أقره وسعد بن أبي وقاص كما نعلم من سيرته أحد المبشرين بالجنة وأحد الستة الذين رشَّحهم عمر بن

⦗ص: 145⦘

الخطاب للخلافة، وأول من أراق دماً في سبيل اللَّه وكان يقال له:"فارس الإسلام". واستعمله عمر على الجيوش التي بعثها إلى بلاد الفرس، وكان أمير الجيش الذي هزم الفرس بالقادسية وبجلولاء وفتح المدائن، وولاه عمر العراق. هذا هو سعد بن أبي وقاص الذي عزله عثمان عن الكوفة فمن هو الذي ولَاّه خلفاً له؟ لقد ولَّى الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه وهو الذي نزل في حقه قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الذَّينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبأٍ فَتَبَيَّنُوا} . [الحجرات: 6] .

نعم، إن الوليد كان شاعراً شجاعاً، وكان أحب إلى الناس وأرفقهم بهم لكنهم مع ذلك طعنوا عليه لقرابته من عثمان واتهموه بشرب الخمر فأقام عليه الخليفة الحدَّ، وعزله وولَّى سعيد بن العاص مكانه، وهو أمويٌّ من أشراف قريش، قتل أبوه العاص يوم بدر كافراً قتله علي ابن أبي طالب لكن الفتنة لم تخمد بل اشتدت، فتطاول عليه نفر من أشراف الكوفة، وضربوا أحد أتباعه ضرباً مبرحاً، فسيَّرهم إلى الشام بأمر عثمان، وكان بينهم وبين معاوية ما كان مما ذكرناه في موضعه ولما عادوا أخيراً بثوا الفتنة وطلبوا عزل سعيد، فأجاب عثمان لطلبهم لئلا يكون لهم حجة عليه وولَّى أبا موسى الأشعري كما أرادوا.

غير أن الفتنة كان قد استفحل خطبها واندلع لهيبها، فكاتب أصحاب رسول اللَّه بعضهم بعضاً وكذبوا علياً رضي الله عنه وكان غير راضٍ عن تصرفات عثمان، ومحاباته لأقاربه. وبالطبع كان لعليّ أتباع يرون رأيه فدخل عليه وذكر له أنه يجلُّ قدره لصحبته لرسول اللَّه وما نال من صهره. وذكَّره بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الإمام الجائر، لكن عثمان كان يرى أنه ولَّى من ولَاّهم عمر ومع ذلك لم يجرؤ أحد أن يعتب عليه، فردَّ عليه عليّ أن عمر كان شديداً لا يتسامح مع أحد إذا هفا، أو أخطأ. ومعاوية يفعل ما يشاء باسم عثمان الذي ضعف ورقَّ على أقاربه، ثم صعد عثمان إلى المنبر وخطب خطبته التي نشرناها، فاشتد سخط الناس عليه لعدم تحوَّله عن خطته وانتحال المعاذير لنفسه وتهديدهم باستعمال الشدة معهم.

وقد حدث في سنة 30 هـ أن سقط خاتم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من إصبع عثمان في بئر أريس، ثم ضاع، فتشاءم المسلمون لضياع هذا الخاتم وقالوا: إن عثمان لما مال عن سيرة من كان قبله كان أول ما عوقب به ذهاب خاتم رسول اللَّه من يده. وهذا الحادث من سوء حظ عثمان. وفي السنة نفسها قام أبو ذر الغفاري الصحابي المعروف بزهده ونسكه في وجه معاوية، وعاب عليه جمع المال وقال:"يا معشر الأغنياء وأسواء الفقراء بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللَّه بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم".

فلما ثار الفقراء على الأغنياء شكا الأغنياء إلى معاوية ما يلقون من الناس، فخشي معاوية الفتنة، وكتب إلى عثمان بما فعله أبو ذر، فاستدعاه إلى المدينة، فاختار أبو ذر الخروج إلى

⦗ص: 146⦘

الربذة، وأقام بها إلى أن مات. وادعى بعضهم أن عثمان نفاه، وكان الذي حرَّض أبا ذر على القيام في وجه معاوية ابن السوداء الذي يدعى عبد اللَّه بن سبأ.

(1) راجع كتاب عمر بن الخطاب للمؤلف، تحقيق محمد أمين الضنَّاوي، طبعة سنة 1997، دار الكتب العلمية بيروت.

(2)

هو خارجة بن حُذافة بن غانم، من بني كعب بن لؤي، صحابي من الشجعان، كان يُعدُّ بألف فارس، أمدَّ به عمر بن الخطاب عمرو بن العاص، فشهد معه فتح مصر وولي شرطتها، واتفق أن عمراً اشتكى بطنه ليلة الائتمار بقتله وقتل علي ومعاوية، فاستخلف خارجة على الصلاة بالناس، فقتله عمرو بن بكر الذي انتدب لقتل عمرو بن العاص، وقال قاتله لما علم خطأه: أردت عمر وأراد اللَّه خارجة. للاستزادة راجع: الإصابة ج 1/ص 399، ابن الأثير، الكامل في التاريخ فقتل علي.

(3)

قال الأستاذ واشنطون إيرفنج في كتابه "محمد وخلفاؤه": إن من أعظم الأخطاء التي ارتكبها عثمان عزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر وتولية عبد اللَّه بن سعد أخيه من الرضاعة مكانه.

ص: 143

- عبد اللَّه بن سبأ (1) ودعايته ضد عثمان:

كان عبد اللَّه بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء أمه سوداء. أسلم زمن عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم بالبصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فقال لهم: العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع ويكذب أن محمداً يرجع فوضع لهم الرجعة - رجعة محمد رسول اللَّه آخر الزمان - فقبلت منه (2)، ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يُجز وصية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق. وهذا وصي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فانهضوا في هذا الأمر، فحركوه، وابدأوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس. وادعوهم إلى هذا الأمر. وبثَّ دعاته، وكاتب من استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرؤه أولئك في أمصارهم، وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرون غير ما يبدون فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس.

وإنا لا ندري السبب الذي حمل ابن السوداء على نشر هذه الدعاية ضد عثمان وتحزُّبه لعلي بن أبي طالب، وإن الإنسان ليعجب من ارتحال هذا الرجل من مصر إلى مصر، واحتماله المشقَّات، واختلاقه المذاهب وحضّ الناس على بثِّ الدعوة إلا إذا كان قد أراد بذلك هدم الإسلام وحدوث الفتن والثورات، ولو أن عثمان استعمل الشدة مع

⦗ص: 147⦘

أمثال عبد اللَّه بن سبأ، وأدبهم لما اجترأوا على بثِّ بذور الفتن، لكنه لَان لهم فلم يخشوا بأسه.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 647، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 46.

(2)

واستشهد بقوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} . وهذا تضليل، لأن المعاد هنا مكة، فكان اللَّه تعالى وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أن يهاجر منها ويعيده إليها ظاهراً ظافراً، فتأمل!.

ص: 146

- إرسال مندوبين إلى الأمصار لاستطلاع الأخبار (1) :

أتى الناس عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ فقال: ما جاءني إلا السلامة، وأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي (2) . قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم، فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد اللَّه بن عمر إلى الشام، وفرق رجالاً سواهم، فرجعوا جميعاً قبل عمار. فقالوا: ما أنكرنا شيئاً أيها الناس، ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم.

تأخر عمار حتى ظنوا أنه قد اغتيل فوصل كتاب من عبد اللَّه بن أبي سرح يذكر أن عماراً قد استماله قومه، وانقطعوا إليه منهم عبد اللَّه ابن السوداء وخالد بن مُلجم وسودان بن حُمران وكنانة بن بشر فثبطوا عماراً عن المسير إلى المدينة.

فكتب عثمان إلى أهل الأمصار:

"إني آخذ العمال بموافاتي كل موسم وقد سلطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يرفع علي شيء ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته، وليس لي ولعيالي حق قبل الرعية إلا وهو متروك لهم، وقد رفع إليَّ أهل المدينة أن أقواماً يُشتمون ويضربون، فمن ادعى شيئاً من ذلك فليواف الموسم يأخذ حقه حيث كان مني أو عمالي. أو تصدقوا فإن اللَّه يجزي المتصدقين".

فلما قرئ هذا الكتاب في الأمصار بكى الناس ودعوا لعثمان وقالوا: إن الأمة لتتمخض بشر.

(1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 47.

(2)

ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 47.

ص: 147

- عثمان يستشير عمال الأمصار (1)

لم يطمئن عثمان إلى الأخبار التي تلقاها ممن بعثهم فأرسل إلى عمال الأمصار فقدموا في الموسم وهم:

⦗ص: 148⦘

-1- عبد اللَّه بن عامر.

-2- وعبد اللَّه بن سعد.

-3- ومعاوية. وأدخل معهم في المشورة سعيد بن العاص وعمرو بن العاص. فلما اجتمعوا عنده قال:

"ويحكم ما هذه الشكاية وما هذه الإذاعة؟ إني واللَّه لخائف أن تكونوا مصدوقاً عليكم وما يُعصب هذا إلا بي".

فقالوا له: ألم تبعث؟ ألم يرجع إليك الخبر عن القوم؟ ألم يرجع رسلك ولم يشافههم أحد بشيء؟ لا واللَّه ما صدقوا ولا بروا. ولا نعم لهذا الأمر أصلاً وما كنت لتأخذ به أحداً فيقيمك على شيء. وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها ولا الانتهاء إليها.

قال: فأشيروا عليَّ. فقال سعيد بن العاص: "هذا أمر مصنوع يصنع في السر فيلقى به غير ذي المعرفة فيخبر به فيتحدث به في مجالسهم".

قال: فما دواء ذلك؟.

قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم. وقال عبد اللَّه بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم. فإنه خير من أن تدعهم.

وقال معاوية: قد وليتني فوليت قوماً لا يأتيك عنهم إلا الخير والرجلان أعلم بناحيتهما.

قال: فما الرأي؟.

قال: حسن الأدب.

قال: فما ترى يا عمرو؟.

قال: أرى أنك قد لنت لهم وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين، إن الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شراً، واللين لمن يخلف الناس بالنصح، وقد فرشتهما جميعاً. فقام عثمان فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال:

"كل ما أشرتم به عليَّ قد سمعت. ولكل أمر باب يؤتى منه، إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن، وإن بابه الذي يغلق عليه فيكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة إلا في حدود اللَّه تعالى ذكره التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها، فإن سدَّه شيء فرفق، فذاك ليفتحن، وليست لأحد عليَّ حجة حق، وقد علم اللَّه أني لم آل الناس خيراً ولا نفسي، وواللَّه إن رحى الفتنة لدائرة فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها، كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم، وإذا تعوطِيتْ حقوق اللَّه، فلا تدهنوا فيها".

وهذا لم يبلغنا ماذا فعل عثمان في أمر عمار الذي أرسل إلى مصر ولم يعد. وكتب بشأنه

⦗ص: 149⦘

عبد اللَّه بن أبي سرح أن قوماً استمالوه وانقطعوا إليه، وذكرهم بالاسم. إن في عدم عودة عمار وانقطاعه إلى من استمالوه دليلاً على اشتداد الفتنة في مصر، وكان الواجب يقضي استدعاء عمار بأي وسيلة، وسؤاله عن الحالة في مصر وماذا قالوا له؟ ولماذا لم يعد كغيره؟ إلى غير ذلك، فإذا ثبت أن هناك مؤامرة ودسيسة، وعرف من هم رؤساء الفتنة حقق معهم، وعندئذ يُجازي كل بما يستحق. أما تركهم ينقلون أحاديث السوء ويذيعون الفتنة، ويحرضون على الجهاد، ويبيحون دم الخليفة فذلك مما يزيد الفتنة.

ثم إن عثمان رضي الله عنه كان أعطى عبد اللَّه بن خالد بن أسيد خمسين ألفاً، وأعطى مروان خمسة عشر ألفاً فردَّ ذلك منهما منعاً للقيل والقال.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 648، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 47.

ص: 147

- معاوية يدعو عثمان إلى الشام (1) :

كان معاوية قد قال لعثمان غداة ودَّعه وخرج (2) :

"يا أمير المؤمنين انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قِبَل لك به. فإن أهل الشام على الأمر لم يزالوا".

فقال: "لا أبيع جوار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بشيء، وإن كان فيه قطع خيط عنقي".

فقال معاوية: "فأبعث إليك جنداً منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة، أو إياك".

قال: "لا أضيق على جيران رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم".

فقال: "واللَّه لَتُغْتَلنَّ أو لَتُغْزَيَنّ".

قال: "حسبي اللَّه ونعم الوكيل".

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 650، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 50.

(2)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 650.

ص: 149

- عثمان يرد على منتقديه (1) :

أرسل عثمان إلى الكوفيين والبصريين الذين وفدوا المدينة بدعوى أنهم يريدون أن يسألوا عثمان عن أشياء، ثم يرجعون ويزعمون أنهم قرروه بها، فلم يخرج منها ولم يتب، ثم يخرجون كأنهم حجاج، وعندئذٍ يحيطون به ويخلعونه، فإن أبى قتلوه. فلما بلغ عثمان عزمهم هذا ضحك وقال: اللَّهم سلِّم هؤلاء فإنك إن لم تسلمهم شقوا. ونادى: الصلاة جامعة وهم عندهم في أصل

⦗ص: 150⦘

المنبر فأقبل أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى أحاطوا به فحمد اللَّه وأثنى عليه فقالوا جميعاً: اقتلهم فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من دعا إلى نفسه، أو إلى أحد وعلى الناس إمام، فعليه لعنة اللَّه فاقتلوه" وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا أحِل لكم إلا ما قتلتموه وأنا شريككم، فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا، ولا نحاد أحداً حتى يركب حداً أو يُبدي كفراً. إن هؤلاء ذكروا أموراً قد علموا منها مثل الذي علمتم إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها عليَّ عند من لا يعلم، وقالوا: أتم الصلاة في السفر، وكانت لا تُتم. إلا وإني قدمت بلداً فيه أهلي فأتممت لهذين الأمرين. أو كذلك؟ قالوا: اللَّهم نعم. وقالوا: وحميتَ حِمىً، وإني واللَّه ما حميتُ حِمى حُمى، قبلي، واللَّه ما حموا شيئاً لأحد، ما حموا إلا ما غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعيه أحداً، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحَّوا منها أحداً إلا من ساق درهماً. وما لي من بعير غير راحلتي. وما لي ثاغية ولا راغية (2)، وإني قد وُليت وإني أكثر العرب بعيراً وشاة فما لي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي. أكذلك؟ قالوا: اللَّهم نعم.

وقالوا: كان القرآن كتباً فتركتها إلا واحداً. ألا وإن القرآن واحد جاء من عند واحد. وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أكذلك؟ قالوا: نعم. وسألوه أن يقتلهم. وقالوا: إني رددت الحكم (3) وقد سيَّره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والحكم مكي سيَّره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف، ثم ردَّه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سيَّره، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ردَّه، أكذلك؟ قالوا: نعم.

وقالوا: استعملت الأحداث، ولم أستعمل إلا مجتمِعاً محتمِلاً مرضيَّاً. وهؤلاء أهل عَمَلهم فسلوهم عنه وهؤلاء أهل بلده. ولَقَد ولَّى من قبلي أحدثَ منهم وقيل في ذلك لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أشد مما قيل لي في استعماله أسامة، أكذلك؟ قالوا: اللَّهم نعم. يعيبون للناس ما لا يفسرون.

وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء اللَّه عليه، وإني إنما نفلته الخُمس ما أفاء اللَّه عليه من الخُمس، فكان مائة ألف وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك فرددته عليهم وليس ذاك لهم. أكذلك؟ قالوا: نعم

⦗ص: 151⦘

.

وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيهم. فأما حبي فإنه لم يمِل معهم على جَوْر. بل أحمل الحقوق عليهم. وأما إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من مالي ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأنا يومئذٍ شحيح حريص، أفحين أتيتُ على أسنان أهل بيتي وفَنِي عمري وودعتُ الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا! وإني واللَّه ما حملت على مصر من الأمصار فضلاً فيجوز ذلك لمن قاله. ولقد رددته عليهم وما قدم عليَّ إلا الأخماس ولا يحل لي منها شيء فولَّى المسلمون وضعها في أهلها دوني ولا يُتلفت من مال اللَّه بفلس فما فوقه، وما أتبلغُ منه ما آكل إلا من مالي.

وقالوا: أعطيتَ الأرض رجالاً. وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتُتحت، فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أُسوُة أهله، ومن رجع إلى أهله لم يُذهب ذلك ما حوى اللَّه له. فنظرتُ في الذي يُصيبهم مما أفاء اللَّه عليهم فبعتُه لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب، فنقلت إليهم نصيبهم فهو في أيديهم دوني".

ثم تركهم عثمان، فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 651.

(2)

ما لي ثاغية ولا راغية: ما لي شاة ولا بعير.

(3)

الحكم المذكور هنا هو الحكم بن أبي العاص بن أمية عمُّ عثمان، أسلم يوم الفتح، وهو طريد رسول اللَّه، نفاه من المدينة إلى الطائف وخرج معه ابنه مروان. قيل: نفاه رسول اللَّه لأنه كان يتسمع سر رسول اللَّه ويطلع عليه في بابه، وكان يحكي رسول اللَّه في مشيته وبعض حركاته. ومرَّ الحكم يوماً فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"ويل لأمتي مما في صلب هذا".

ص: 149

- حصر عثمان (1)(شوال سنة 35 هـ/ 656 م) :

كان بمصر محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة يحرِّضان على عثمان، فلما خرج المصريون خرج فيهم عبد الرحمن بن عُدَيْس البَلَويّ (2) في خمسمائة (3) فكان أمير الجيش القادم من مصر لحصر عثمان، وفيهم كنانة بن بشر الليثي، وسودان بن حمران السكوني وقُتَيرة بن فلان السكوبيّ، وعليهم جميعاً الغافقي بن حرس العَكِّي وخرج أهل الكوفة وفيهم زيد بن صوحان العبد، والأشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد اللَّه بن الأصم العامري وهم في عدد أهل مصر. وخرج أهل البصرة فيهم حُكَيم بن جَبَلة العبدي (4) ، وذُرَيح بن عباد،

⦗ص: 152⦘

وبِشر بن شُريح القيسي، وابن المحرَّش، وهم بعدد أهل مصر وأميرهم حرقوص بن زُهَيْر السعدي (5) .

خرج هؤلاء كالحجاج، وذكر الطبري (6) أن ابن السوداء خرج من خرَّج من أهل مصر.

أما أهل مصر فإنهم كانوا يشتهون "علياً". وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون "طلحة". وأما أهل الكوفة كانوا يشتهون "الزبير"، فلما كانوا من المدينة على ثلاث، تقدَّم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشُب، وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعْوَص، وجاءهم ناس من أهل مصر، وتركوا عامتهم بذي المَرْوة، ومشى فيما بين مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد اللَّه بن الأصم وقالا: لا تعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه بلغنا أنهم عسكروا لنا. فواللَّه إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا قتالنا، ولم يعلموا علمنا، فهم إذا علموا علمنا أشد وإن أمرنا هذا لباطل. وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلاً لنرجعن إليكم بالخبر. قالوا: اذهبا، فدخل الرجلان، فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعلياً، وطلحة، والزبير. وقالا: إنما نأتمّ هذا البيت ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا ما جئنا إلا لذلك، واستأذناهم للناس بالدخول، فكلهم أبى ونهى، وقال: بيض ما يفرخن، فرجعا إليهم فاجتمع نفر من أهل مصر فأتوا علياً، ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير. وقال كل فريق منهم: بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم، ثم كررنا عليهم نبغتهم فأتى المصريون علياً وهو في عسكر عند أحجار الزيت متقلداً سيفه، وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمعوا إليه، فسلموا عليه وعرضوا عليه، فصاح بهم وطردهم وقال:

"لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة، وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم" فانصرفوا عنه.

وجيش ذي المروة هم المصريون. أما جيش ذي خُشُب فهم أهل البصرة. وأما جيش الأعوص فهم أهل الكوفة. وهذه أماكن بالقرب من المدينة

⦗ص: 153⦘

.

وأتى البصريون طلحة، وهو في جماعة أخرى إلى جنب عليّ وقد أرسل ابنه إلى عثمان، فسلم البصريون عليه وعرضوا عليه، فصاح بهم وطردهم وقال لهم مثل ذلك.

وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى، وقد سرح ابنه عبد اللَّه إلى عثمان، فسلموا عليه وعرضوا عليه، فصاح بهم وطردهم وقال لهم مثل ذلك.

فرجعوا وتفرقوا عن ذي المروة وذي خشب والأعوص إلى عسكرهم ليتفرق أهل المدينة، ثم رجعوا إليهم، فلما بلغوا عسكرهم تفرَّق أهل المدينة، فرجعوا بهم فلم يشعر أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها ونزلوها وأحاطوا بعثمان. وقالوا من كفَّ يده فهو آمن.

وصلى عثمان بالناس أياماً ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحداً من كلام فأتاهم الناس فكلموهم وفيهم علي. فقال: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ فقالوا: أخذنا مع بريد كتاباً بقتلنا. وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك. وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك. وقال الكوفيون والبصريون: نحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعاً كأنما كانوا على ميعاد.

فقال لهم علي: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بملقى أهل مصر؟ وقد سرتم مراحل، ثم طويتم نحونا هذا الأمر. واللَّه إنه أمر أبرم بالمدينة. قالوا: فضعوه على ما شئتم، ولا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا وهو في ذلك يصلي بهم، وهم يصلون خلفه، ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدق من التراب، وكانوا لا يمنعون أحداً من الكلام، وكانوا يمنعون الناس من الاجتماع.

يلاحظ أن الذين خرجوا لحصر عثمان من الأمصار الثلاثة: مصر والكوفة والبصرة يتراوح عددهم بين 1500 و 3000 على أكثر تقدير. فهو ليس جيشاً يصعب على أهل المدينة صده. نقول ذلك وليس لدينا إحصاء عن سكان المدينة في ذلك الوقت نستطيع به أن نعرف منه قدرتها على الدفاع عن الخليفة. كما أننا لم نقف على أمر من عثمان إلى أهل المدينة بالاستعداد للدفاع عنه وردّ هؤلاء المهاجمين. غير أنا وجدنا نص كتابه الذي أرسله إلى الأمصار يستنجدهم فيه، وهو الذي سننشره، ويلاحظ كذلك أن الشاميين لم يرسلوا جيشاً كغيرهم من الأمصار لحصر عثمان، وذلك راجع إلى ما كان من تأثير معاوية في تلك البلاد.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 650، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 53.

(2)

هو عبد الرحمن بن عُدَيْس البَلَوي بن عمرو بن البَلَوي، شجاع، صحابي، ممن بايع تحت الشجرة، شهد فتح مصر، ثم كان قائد الجيش الذي بعثه ابن أبي حذيفة والي مصر إلى المدينة لخلع عثمان، ولما قتل عثمان عاد إلى مصر، فطلبه معاوية بن أبي سفيان وقبض عليه وسجنه في لدّ بفلسطين ففر، فأدركه صاحب فلسطين فقتله. للاستزادة راجع: حسن المحاضرة ج 1/ص 91. ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3، حوادث سنة 36، الإصابة ترجمة 5155.

(3)

وقيل في ألف.

(4)

هو حُكيم بن جَبَلَة العبدي، من بني عبد القيس صحابي، كان شريفاً مطاعاً، من أشجع الناس، ولَاّه عثمان إمرة السند، ولم يستطع دخولها فعاد إلى البصرة، اشترك في الفتنة أيام عثمان، لما كان يوم الجمل أقبل في ثلاثمائة من بني عبد القيس وربيعة، فقاتل مع أصحاب علي، قطعت رجله فأخذها وضرب بها الذي قطعها له، فقتله بها، وبقي يقاتل، ونزف دمه، فجلس متكئاً على المقتول الذي قطع رجله، فمرَّ به فارس، فقال: من قطع رجلك؟ قال: وِسادي! وقُتل في هذه الوقعة سنة 36 هـ.

(5)

هو حُرقوص بن زهير السعدي، الملقب بذي الخويصرة، صحابي من بني تميم، خاصم الزبير فأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستيفاء حقه منه، أمره عمر بن الخطاب بقتال الهرمزان، فاستولى على سوق الأهواز ونزل بها، ثم شهد صفين مع علي بعد الحكمين صار من أشد الخوارج على علي، قتل فيمن قُتل في النهروان سنة 37 هـ. للاستزادة راجع: الإصابة ترجمة 1661، الذريعة ج 10/ص 193، ياقوت ج 1/ص 412، الكامل للمبرد ص 595.

(6)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 652.

ص: 151

- كتاب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم (1) :

⦗ص: 155⦘

"بسم اللَّه الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن اللَّه عز وجل بعث محمداً بالحق بشيراً ونذيراً فبلغ عن اللَّه ما أمر به، ثم مضى وقد قضى الذي عليه، وخلف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيَّن الأمور التي قدَّر، فأمضاها على ما أحب العباد، وكرهوا فكان الخليفة أبو بكر رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه، ثم أُدخلتُ في الشورى على غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة، ثم أجمع أهل الشورى على ملأ منهم ومن الناس على غير طلب مني ولا محبة. فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، تابعاً غير مستتبع، متبعاً غير مبتدع، مقدياً غير متكلف، فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب. فطلبوا أمراً وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر، فعابوا عليَّ أشياء مما كانوا يرغبون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها، فصبرتُ لهم نفسي، وكففتُها عنهم منذ سنين، وأنا أرى وأسمع، فازدادوا على اللَّه عز وجل جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وحَرَمَه، وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب، فهم كالأحزاب أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحُد إلا ما يُظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق". يستنجد عثمان بهذا الكتاب أهل الأمصار، ويحثهم للمنع عنه ويعرفهم ما الناس فيه.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 653.

ص: 153

- قدوم عبد اللَّه بن أبي سرح إلى عثمان (1) :

لما تكلَّم الناس بخلع عثمان، وفد عبد اللَّه على عثمان سنة 35 هـ واستخلف على مصر عقبة بن عامر الجهني، وقيل: بل استخلف السائب ابن هشام العامري فظهر عليه محمد بن أبي حذيفة بن عتبة الأموي، فأزال عنها السائب وتأمَّر على مصر، فرجع عبد اللَّه بن أبي سرح، فمنعه محمد بن أبي حذيفة من دخول الفسطاط فمضى إلى عسقلان، فأقام بها حتى قتل عثمان، وقيل: بل أقام بالرملة حتى مات فارّاً من الفتنة، فتوفي ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية، وكانت وفاته سنة 37 هـ.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 654.

ص: 155

- خطبة معاوية:

ذكروا أن ابن عباس قال: خرجت إلى المسجد فإني لجالس فيه مع علي حين صليت العصر، إذ جاء رسول عثمان يدعو علياً. فقال علي: نعم. فلما أن ولى الرسول

⦗ص: 156⦘

أقبل علي فقال: لِمَ تراه دعاني؟ فقلت له: دعاك ليكلمك. فقال: انطلق معي. فأقبلت فإذا طلحة والزبير وسعد وأناس من المهاجرين، فجلسنا، فإذا عثمان عليه ثوبان أبيضان. فسكت القوم ونظر بعضهم إلى بعض فحمد اللَّه عثمان ثم قال:

"أما بعد، فإن ابن عمي معاوية هذا قد كان غائباً عنكم وعما نلتم مني وما عاتبتكم عليه وعاتبتموني. وقد سألني أن يكلِّمكم وأن يكلِّمه من أراد". فقال سعد بن أبي وقاص: وما عسى أن يقال لمعاوية أو يقول إلا ما قلت أو قيل لك! فقال: على ذلكم، تكلم يا معاوية فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال:

"أما بعد، يا معشر المهاجرين وبقية الشورى فإياكم أعني، وإياكم أريد فمن أجابني بشيء فمنكم واحد، فإني لم أرد غيركم. توفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فبايع الناس أحد المهاجرين التسعة، ثم دفنوا نبيهم فأصبحوا سالماً أمرهم كأن نبيهم بين أظهرهم. فلما أيس الرجل من نفسه بايع رجلاً من بعده أحد المهاجرين، فلما احتضر ذلك الرجل شك في واحد أن يختاره، فجعلها في ستة نفر بقية المهاجرين فأخذوا رجلاً منهم لا يألون عن الخير فيه فبايعوه وهم ينظرون إلى الذي هو كائن من بعده لا يشكون ولا يمترون. مهلاً مهلاً أيها المهاجرون. فإن وراءكم من إن دفعتموه اليوم اندفع عنكم، ومن إن فعلتم الذي أنتم فاعلوه دفعكم بأشد من ركنكم وأعدّ من جمعكم، ثم استن عليكم بسنتكم، ورأى أن دم الباقي ليس بممتنع بعد دم الماضي. فسددوا وارفقوا لا يغلبكم على أمركم من حدتكم".

فقال علي بن أبي طالب: "كأنك تريد نفسك يا ابن اللخناء لست هنالك".

فقال معاوية: مهلاً عن بنت عمك. فإنها ليست بشر نسائك. يا معشر المهاجرين وولاة هذا الأمر. ولَاّكم اللَّه إياه فأنتم أهله. وهذان البلدان مكة والمدينة مأوى الحق ومنتهاه. وإنما ينظر التابعون إلى السابقين والبلدان إلى البلدين، فإن استقاموا استقاموا وأيم اللَّه الذي لا إله إلا هو لئن صفقت إحدى اليدين على الأخرى لا يقوم السابقون للتابعين ولا البلدان للبلدين وليسلبن أمركم، ولينقلن المُلك من بين أظهركم. وما أنتم في الناس إلا كالشامة السوداء في الثور الأبيض. فإني رأيتكم نشبتم في الطعن على خليفتكم وبطرتم معيشتكم وسفهتم أحلامكم. وما كل نصيحة مقبولة. والصبر على بعض المكروه خير من تحمله كله".

ثم خرج القوم وأمسك عثمان ابن عباس، فقال له:"يا ابن عمي ويا ابن خالتي. فإنه لم يبلغني عنك في أمر شيء أحبه ولا أكرهه عَلَيَّ ولا لِيَ. وقد علمت أنك رأيت بعض ما رأى الناس فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا، وقد أحببت أن تعلمني رأيك فيما بيني وبينك فأعتذر".

ص: 155

- رأي ابن عباس:

⦗ص: 157⦘

قال ابن عباس فقلت:

"يا أمير المؤمنين، إنك قد ابتليتني بعد العافية، وأدخلتني في الضيق بعد السعة. وواللَّه إن رأيي لك أن يجلُّ سنك ويعرف قدرك وسابقتك. وواللَّه لوددت أنك لم تفعل ما فعلت مما ترك الخليفتان قبلك. فإن كان شيئاً تركاه لما رأيا أنه ليس لهما، علمت أنه ليس لك كما لم يكن لهما وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن ينال منهما مثل الذي نيل منك تركته لما تركاه له ولم يكونا أحق بإكرام أنفسهما منك بإكرام نفسك".

قال: فما منعك أن تشير عليَّ بهما قبل أن أفعل ما فعلت؟ قال: وعلمي أنك تفعل ذلك قبل أن تفعل. قال: فهب لي صمتاً حتى ترى رأيي.

ص: 157

- حملة معاوية على المهاجرين:

لما خرج ابن عباس قال عثمان لمعاوية:

"ما ترى، فإن المهاجرين قد استعجلوا القدر ولا يد لهم مما في أنفسهم؟.

فقال معاوية: الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم.

قال: من؟.

قال: عليٌّ، وطلحة، والزبير.

قال عثمان: سبحان اللَّه، أقتل أصحاب رسول اللَّه بلا حدث أحدثوه ولا ذنب ركبوه!.

قال معاوية: فإن لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك.

قال عثمان: لا أكون أول من خلف رسول اللَّه في أمته بإهراق الدماء.

قال معاوية: فاختر مني إحدى ثلاث خصال.

قال عثمان: وما هي؟.

قال معاوية: أرتب لك ههنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام يكونون لك رداء وبين يديك يداً.

قال عثمان: أرزقهم من أين؟.

قال معاوية: من بيت المال.

قال عثمان: أرزق أربعة آلاف من الجند من بيت مال المسلمين لحرز دمي لا فعلت هذا!.

قال: فثانية.

قال: وما هي؟

قال: فرّقهم عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد، واضرب عليهم البعوث والندب حتى يكون دبر بعير أحدهم أهم عليه من صلاته.

قال عثمان: سبحان اللَّه. شيوخ المهاجرين، وكبار أصحاب رسول اللَّه، وبقية الشورى، أخرجهم من ديارهم وأفرق بينهم وبين أهلهم وأبنائهم؟ لا أفعل هذا

⦗ص: 158⦘

.

قال معاوية: فثالثة.

قال: وما هي؟ اجعل لي الأمر الطلب بدمك إن قتلت.

قال عثمان: نعم. هذه لك إن قتلت فلا يطل دمي (1) .

هذا ما جرى من المناقشة بين معاوية وعثمان ولم يوافقه عثمان على التنكيل بالمهاجرين بالقتل أو النفي، إنما وافقه على المطالبة بدمه، فلما قتل عثمان طالب معاوية علياً بدم عثمان رضي الله عنه وحاربه.

إن هذه الآراء التي أبداها معاوية لعثمان رضي الله عنه بشأن التنكيل بالمهاجرين قد وجدناها مسطورة في كتاب "الإمامة والسياسة" لابن قتيبة لكنا لا نصدق أن معاوية أشار بقتل عليّ وطلحة والزبير أو نفيهم وقد بحثنا عن هذا الخبر في الطبري فلم نجد له أثراً.

أما كتاب الإمامة والسياسة المشار إليه فمشكوك في صحة نسبته إلى ابن قتيبة. ويرجح الأستاذ "ده غوي" أن هذا المصنف كتبه رجل مصري أو مغربي في حياة ابن قتيبة.

(1) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة.

ص: 157

- خروج أهل الأمصار لنجدة عثمان

بعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري. وبعث عبد اللَّه بن سعد معاوية ابن حُديج، وخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو، وقام بالكوفة نفر يحضون على إعانة أهل المدينة منهم: عقبة بن عامر، وعبد اللَّه بن أبي أوفى، وحنظلة الكاتب وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ومن التابعين: مسروق والأسود وشريح وعبد اللَّه بن حكيم وغيرهم. وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك وهشام بن عامر وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين كعب بن سوار وهرم بن حيان وغيرهما. وقام بالشام جماعة من الصحابة والتابعين وكذلك بمصر. أما جيش الشام فقد تأخر، فلما بلغهم خبر مقتل الخليفة عند منتصف الطريق بين الشام والمدينة قفلوا راجعين. وقيل: إن معاوية تعمَّد تأخير المدد.

ص: 158

- خطبة عثمان ورجمه بالحصباء (1) :

ولما جاءت الجمعة التي على أثر نزول المصريين المدينة خرج عثمان فصلى بالناس، ثم قام على المنبر فقال:

"يا هؤلاء العِدى: اللَّه اللَّه، فواللَّه إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فامحوا الخطايا بالصواب فإن اللَّه عز وجل لا يمحو السيئ إلا بالحسن".

⦗ص: 159⦘

فقام محمد بن مسلمة فقال: أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة (من جيش البصرة) فأقعده. فقام زيد بن ثابت فأقعده محمد ابن أبي قتيرة. وثار القوم بأجمعهم، فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرع على المنبر مغشياً عليه، فاحتمل، فأدخل داره، واستقل نفر من أهل المدينة مع عثمان منهم سعد بن مالك، والحسن بن علي، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم بالانصراف فانصرفوا.

وأقبل عليّ وطلحة والزبير فدخلوا على عثمان بعودته من صرعته، ويشكون بثهم، ثم رجعوا إلى منازلهم.

وصلى عثمان بالناس بعد ما نزل به في المسجد ثلاثين يوماً، ثم منعوه الصلاة، وصلى بالناس أميرهم الغافقي، وتفرَّق أهل المدينة في حيطانهم، وأُلزموا بيوتهم، لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه يمتنع به، وكان الحصار أربعين يوماً ومن تعرَّض لهم وضعوا فيه السلاح.

وقيل: إن عثمان رضي الله عنه خطب الناس وقال لهم:

"إنهم قد أسرعوا الفتنة، واستطالوا عمري، واللَّه لئن فارقتهم ليتمنون أن عمري كان عليهم مكان كل يوم سنة، يرون من قدماء المسفوكة والإحن والأثرة الظاهرة والأحكام المغيرة".

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 654، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 52.

ص: 158

- زيارة عثمان لعلي في بيته ورجوع المصريين (1) :

جاء عثمان إلى عليٍّ فدخل عليه بيته فقال له: يا ابن عم، إن قرابتي قريبة ولي عليك حق عظيم، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي، ولك عند الناس قدر، وهم يسمعون منك، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عنِّي، فإن في دخولهم عليَّ توهيناً لأمري وجراءة عليَّ.

فقال علي: على أيِّ شيء أردهم عنك؟.

قال: على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي.

فقال عليٌّ: إني قد كلمتك مرة بعد أخرى فكل ذلك تخرج وتقول، ثم ترجع عنه، وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبد اللَّه بن سعد. فإنك أطعتهم وعصيتني.

قال عثمان: فأنا أعصيهم وأطيعك.

فأمر عليٌّ الناس، فركب ومعه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلاً فيهم سعيد بن زيد، وأبو جهم العدوي وجُبير بن مطعم (2) ، وحكيم بن حزام، ومروان، وسعيد بن العاص، وعبد

⦗ص: 160⦘

الرحمن بن عتاب بن أسيد. ومن الأنصار أبو أسيد الساعدي وأبو حميد، وزيد بن ثابت، وحسان بن ثابت وكعب بن مالك (3) ، ومن العرب نيار بن مكرز (4) ، فأتوا المصريين بذي خشب فكلموهم، وكان الذي يكلمهم علياً ومحمد بن مسلمة. فسمعوا كلامهما ورجعوا إلى مصر.

فقال ابن عديس لمحمد بن سلمة: أتوصينا بحاجة؟ قال: نعم. تتقي اللَّه وترد من قِبلك عن إمامهم، فإنه قد وعدنا أن يرجع وينزع. قال ابن عديس: أفعل إن شاء اللَّه.

ورجع عليّ ومن معه إلى المدينة فدخل على عثمان فأخبره برجوعهم وكلمه بما في نفسه وخرج من عنده. فمكث عثمان ذلك اليوم وجاءه مروان، بكر الغد. فقال له: تكلَّم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا، وأن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم، ويأتيك ما لا تستطيع دفعه. ففعل عثمان. فلما خطب الناس قال له عمرو بن العاص: اتق اللَّه يا عثمان فإنك قد ركبت أموراً وركبناها معك فتب إلى اللَّه نتب. فناداه عثمان: وإنك هنا يا ابن النابغة قَملت واللَّه جبتك منذ عزلتك عن العمل. فنودي من ناحية أخرى: تب إلى اللَّه. فرفع يديه واستقبل القبلة وقال: "اللَّهم إني أول تائب".

وخرج عمرو بن العاص إلى فلسطين. وكان يقول: واللَّه إني كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 657، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 54.

(2)

هو جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، أبو سعيد، القرشي، المتوفى، سنة 58 هـ. للاستزادة راجع: تهذيب الكمال ج 1/ص 184، تهذيب التهذيب ج 2/ص 63، تقريب التهذيب ج 1/ص 125، خلاصة تهذيب الكمال ج 1/ص 161، الكاشف ج 1/ص 180، تاريخ البخاري الكبير ج 2/ص 225، تاريخ البخاري الصغير ج 1/ص 6، الجرح والتعديل ج 2/ص 113، تجريد أسماء الصحابة ج 1/ص 78، أسد الغابة ج 1/ص 322، الإصابة ج 1/ص 462، الاستيعاب ج 1/ص 432، شذرات الذهب ج 1/ص 59، الوافي بالوفيات ج 11/ص 58، البداية والنهاية ج 8/ص 46، سير أعلام النبلاء ج 3، ص 95، الثقات ج 3/ص 50، أسماء الصحابة الرواة ترجمة 57، نقعة الصديان ترجمة 83.

(3)

هو كعب بن مالك بن عمرو بن القين، الأنصاري، السلمي (بفتح السين واللام) ، الخزرجي، صحابي من أكابر الشعراء من أهل المدينة، اشتهر في الجاهلية، كان في الإسلام من شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم، شهد أكثر الوقائع، ثم كان من أصحاب عثمان، وأنجده يوم الثورة، وحرَّض الأنصار على نصرته، ولما قُتل عثمان قعد عن نصرة علي، فلم يشهد حروبه، عُمي في آخر عمره وعاش سبعاً وسبعين سنة، توفي سنة 50 هـ. للاستزادة راجع: الأغاني ج 15/ص 29، الإصابة 7433، نكت الهميان 231، خلاصة تهذيب الكمال ج 2/ص 273، رغبة الأمل ج 2/ص 73، المرزباني 342، حُسن الصحابة ص 43، خزانة الأدب للبغدادي ج 1/ص 200.

(4)

في الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 658:"نيار بن مِكْرم".

ص: 159

- توبة عثمان (1) :

⦗ص: 161⦘

تاب عثمان بناء على طلب عمرو بن العاص، وقيل: إن علياً جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: تكلَّم كلاماً يسمعه الناس منك ويشهدون عليه ويشهد اللَّه على ما في قلبك من النزوع والإنابة. فإن البلاد قد تمخضت عليك فلا آمن ركباً آخرين يقدمون من الكوفة فتقول: يا علي اركب إليهم، ولا أقدر أن أركب إليهم، ولا أسمع عذراً، ويقدم ركب آخرون من البصرة فتقول: يا عليّ اركب إليهم، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك، واستخففت بحقك. فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه التوبة، فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:

"أما بعد، أيها الناس فواللَّه ما عاب من عاب منكم شيئاً أجهله، وما جئت شيئاً إلا وأنا أعرفه، ولكني منتني نفسي وكذبتني وضلَّ عني رشدي. ولقد سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن زلَّ فليتب ومَن أخطأ فليتب ولا يتمادى في الهلكة (2) . إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريف فأنا أول من اتعظ. أستغفر اللَّه مما فعلت وأتوب إليه. فمثلي نزع وتاب. فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم لئن ردني الحق عبداً لأستنن بسنة العبد، ولأذلنَّ ذل العبد ولأكوننَّ كالمرقوق (3) إن مُلك صبر، وإن عُتِق شكر، وما عن اللَّه مذهب إلا إليه فلا يعجزن منكم خياركم أن يدنوا إليَّ لئن أبت يميني لتتابعني شمالي".

فرقَّ الناس له يومئذٍ، وبكى من بكى منهم، وقام إليه سعيد بن زيد فقال: يا أمير المؤمنين ليس بواصل لك من ليس معك. اللَّه اللَّه في نفسك فأتمم على ما قلت.

أورد الطبري (4) هذه الخطبة بنصها، وأتى على ملخصها ابن الأثير (5) وقد تاب فيها أمام الناس واستغفر اللَّه.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 658، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 54.

(2)

ابن كثير في البداية والنهاية (7: 172) .

(3)

المرقوق: الرقيق.

(4)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 658.

(5)

ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 54.

ص: 161

- مروان يفسد توبة عثمان (1) :

كان عثمان رضي الله عنه مستسلماً لمروان ولأقاربه، وهذا ما لاحظه عليٌّ رضي الله عنه،

⦗ص: 162⦘

فكان لهم تأثير شديد فيه. فلما تاب هذه التوبة وخطب تلك الخطبة التي رقَّت لها قلوب الناس ودخل بيته، دخل عليه مروان وقيل: إنه وجد مروان وسعيداً ونفراً من بني أمية ولم يكونوا شهدوا الخطبة، (لكن لا بدَّ أنهم سمعوا بها إن لم يكونوا شهدوها)، فلما جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت؟ فقالت نائلة ابنة الفرافصة، امرأة عثمان -: لا، بل اصمت. فإنهم واللَّه قاتلوه ومؤثموه. إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها مروان فقال: ما أنت وذاك، فواللَّه لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ. فقالت له: مهلاً يا مروان عن ذكر الآباء، تخبَّر عن أبي وهو غائب تكذب عليه، وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه. أما واللَّه لولا أنه عمَّه، وأنه يناله غمّه أخبرتك عنه ما لن أكذب عليه. فأعرض عنها مروان.

ثم قال: يا أمير المؤمنين أتكلَّم أم أصمت؟ قال: بل تكلَّم. فقال مروان: بأبي أنت وأمي واللَّه لوددت أن مقاتلتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أول من رضي بها وأعلن عليها. ولكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطُّبْيَيْن (2) وخلف السيل الزُّبَى (3) ، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل. واللَّه لإقامة على خطيئة تستغفر اللَّه منها أجمل من توبة تخوَّف عليها، وإنك إن شئت تقرَّبت بالتوبة، ولم تقرر بالخطيئة وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس.

فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلِّمهم فإني أستحي أن أكلمهم. فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضاً. فقال: "ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب. شاهت الوجوه. كل إنسان آخذ بإُذُن صاحبه إلا من أريدَ. جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا. اخرجوا عنا لئن رميتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غِبَّ رأيكم. ارجعوا إلى منازلكم، فإنا واللَّه ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا".

فرجع الناس وخرج بعضهم حتى أتى علياَ فأخبره الخبر. فجاء علي رضي الله عنه مغضباً حتى دخل على عثمان. فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرّفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به واللَّه ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه. وأيم اللَّه إني لأراه سيوردك، ثم لا يصدرك. وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك. أذهبت شرفك وغُلبت على أمرك.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 658، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 56.

(2)

الطُّيْبَيْن: حملة الضَّرْع للحيوان، أو الضَّرْع نفسه.

(3)

الزُّبَى: الرابية لا يعلوها الماء، مفردها: زُبية. [القاموس المحيط، مادة: زبي] .

ص: 161

- نائلة زوجة عثمان تنصحه وتحذره مروان (1) :

⦗ص: 163⦘

لما خرج عليّ دخلت عليه نائلة زوجته، وقالت: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلمي. فقالت: سمعت قول عليّ لك، وأنه ليس يعاودك، وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء. قال: فما أصنع؟. قالت: تتقي اللَّه وحده لا شريك له، وتتبع سنة صاحبيك من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك. ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة، وإنما تركك الناس لمكان مروان. فأرسل إلى عليّ فاستصلحه فإن له قرابة منك فهو لا يعصيك. فأرسل إلى عليّ فأبى أن يأتيه وقال: قد أعلمته أني لست بعائد.

فبلغ مروان مقالة نائلة فيه، فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه. فقال: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلم. فقال: إن بنت الفرافصة. فقال عثمان: لا تذكرنَّها بحرف فَأُسَوِّدُ (2) وجهك، فهي واللَّه أنصح لي منك. فكفَّ مروان.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 659، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 57.

(2)

ورد في الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 660:"فَأُسَوِّئ لك وجهك"، وفي ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 57:"فَأُسَوَّد وجهك".

ص: 162

- ما خشيه مروان من توبة عثمان:

لقد تاب عثمان عمَّا فعله باستشارة مروان وأمثاله من بني أمية، لأن علياً أراد منه أن يذيع التوبة حتى ينصرف الأعداء عنه ولا يعودوا إلى التألب عليه. فلما تاب رضي الناس عنه. ونعتقد أن عثمان لو ترك وشأنه من غير تدخل هؤلاء المستشارين من أقاربه، لما فعل شيئاً مما استوجب سخط الناس عليه. لكنهم ما كانوا يتركونه يتصرف في الأمور. كانوا يملون عليه إرادتهم ويصرفونه حيث شاءوا، وكان لا يخالفهم لما ركب في طبعه من اللين ورقة الجانب للأقارب ولكبر سنه.

فلما استاء الناس منه وضايقوه وكلَّمه عليّ الذي استنجد به لردهم عنه، تاب وأذاع توبته على الملأ حتى بكى من سمعه، إلا أن هذه التوبة أسخطت مروان وأقارب عثمان، لأن فيها رجوعاً عن الخطة التي اتبعها فيما مضى، إذ التوبة تقضي عليه أن ينظر في شكاوى الناس فيولِّي من يصلح بغض الطرف عن القرابة، كما كان يفعل أبو بكر وعمر. وهذا ما خشيه مروان. ويدل على ذلك قوله للناس بعد خطبة عثمان:(تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا) .

هذا ما كان يخشاه مروان. أما حياة عثمان الذي أغدق عليهم النعم، تلك الحياة التي كانت مهددة، فلم تكن تهمه، لأن مشورته هي التي بغضت الناس في عثمان. انصرف الناس راضين

⦗ص: 164⦘

وقالوا: قد تاب الرجل، وما كاد علي يطمئن ويظن أنه قد أطاعه، حتى خرج عليهم مروان وهدم هذه السياسة الحميدة فغضب علي غضباً شديداً وغضب الناس.

وكان الأجدر بعثمان والحالة هذه أن يدع التردد بعد أن تبين له الحق والصواب ويمنع مروان من الكلام بما يخالف توبته، ويعلن تمسَّكه بما قال حتى لا يقال: إن مروان يصرفه ويتحكم فيه، وأن ما يبرمه ويقرره الخليفة ينقضه مروان.

ص: 163

- غضب علي رضي الله عنه (1) :

أتى عثمان إلى عليّ بمنزله ليلاً فقال له: إني غير عائد وإني فاعل. فقال له عليٌّ: بعد ما تكلَّمت على منبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأعطيت من نفسك، ثم دخلت بيتك فخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك ويؤذيهم. فخرج عثمان من عنده وهو يقول: خذلتني وجرأت الناس عليَّ. فقال عليٌّ: واللَّه إني لأكثر الناس ذبَّاً عنك، ولكني كلما جئت بشيء أظنه لك رضا جاء مروان بأخرى فسمعت قوله وتركت قولي ولم يعد علي يعمل كما كان يعمل (2) .

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 660، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 57.

(2)

ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 57.

ص: 164

- الجرأة على عثمان (1) :

قيل: إن إبلاً من إبل الصدقة قدم بها على عثمان فوهبها لبعض بني الحكم، فبلغ ذلك عبد الرحمن ببن عوف فأرسل إلى المِسْوَر بن مَخْرَمَة (2) وإلى عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، فأخذها فقسمها عبد الرحمن في الناس وعثمان في الدار ولا بدَّ أن هذه الحادثة التي رواها الطبري وابن الأثير كانت قبل سنة 35 هـ، لأن عبد الرحمن بن عوف توفي في سنة 32 هـ.

وقيل: كان أول من اجترأ على عثمان بالقول جَبَلة بن عمرو الساعدي، مرَّ به عثمان وهو

⦗ص: 165⦘

في نادي قومه وبيده جامعة (3) ، فسلم، فرد القوم. فقال جبلة: لمَ تردون على رجل فعل كذا وكذا. ثم قال لعثمان: واللَّه لأطرحن هذه الجامعة في عنقك، أو لتتركن بطانتك هذه الخبيثة: مروان وابن عامر وابن سعد. منهم من نزل القرآن بذمه وأباح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دمه. فاجترأ الناس عليه.

وقد تقدَّم قول عمرو بن العاص له في خطبته. قيل: وخطب يوماً وبيده عصا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يخطبون عليها فأخذها جهجهاه الغفاري من يده وكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة في ركبته.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 660، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 58.

(2)

هو المِسْوَر بن مَخْرَمَة بن نوفل بن أهيب، القرشي، الزهري، أبو عبد الرحمن، من فضلاء الصحابة وفقهائهم، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير وسمع منه، كان مع خاله عبد الرحمن بن عوف ليالي الشورى، حفظ عنه أشياء، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من أكابر الصحابة، شهد فتح أفريقية مع عبد اللَّه بن سعد، هو الذي حرَّض عثمان على غزوها، ثم كان مع ابن الزبير فأصابه حجر من حجارة المنجنيق في الحصار بمكة فقُتل. للاستزادة راجع: الإصابة ترجمة 7995، معالم الإيمان ج 1/ص 107، ذيل المذيل 20، السالمي ج 2/ص 181، نسب قريش 262، التاج ج 3/ص 284.

(3)

الجامعة: الغل، لأنها تجمع اليدين إلى العنق. [القاموس المحيط، مادة: جمع] .

ص: 164

- طلب المهلة ثلاثة أيام (1) :

عاد المصريون إلى عثمان وكتبوا له:

"بسم اللَّه الرحمن الرحيم. أما بعد، فاعلم أن اللَّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فاللَّه اللَّه، ثم اللَّه اللَّه فإنك على دنيا فاستتم إليها معها آخرة، ولا تنس نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدنيا. واعلم إنا واللَّه، للَّه نغضب وفي اللَّه نرضى. وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى يأتينا توبة مصرَّحة، أو ضلالة مجلحة مبلّجة. فهذه مقالتنا لك وقضيتنا إليك واللَّه عذيرنا منك والسلام".

وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويحتجون ويقسمون له باللَّه لا يمسكون عنه أبداً حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حق اللَّه. فلما خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته. فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج؟. فأشاروا عليه أن يرسل إلى عليِّ بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه أمداده، لأنه كان كتب إلى معاوية كتاباً قال له فيه:"فابعث إليَّ من قبلك من مقاتلة أهل الشام".

فقال عثمان: إن القوم لن يقبلوا التعليل، وقد كان مني في قدمتهم الأولى ما كان، فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به.

فقال مروان بن الحكم: يا أمير المؤمنين مقاربتهم حتى تقوى طاولوك. فإنما بغوا عليك فأرسل إلى عليّ فلما جاء قال: يا أبا الحسن إنه قد كان من الناس ما قد رأيت، وكان مني ما قد علمت، ولست آمنهم على قتلي فارددهم عني، فإن لهم اللَّه عز وجل أن أعتبهم من كل ما يكرهون، وأن أعطيهم الحق من نفسي ومن غيري، وإن كان في ذلك سفك دمي

⦗ص: 166⦘

.

فقال له عليّ: الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك. وإني لأرى أقواماً لا يرضون إلا بالرضى وقد أعطيتهم في قدمتهم عهداً من اللَّه لترجعن عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك، ثم لم تف لهم بشيء من ذلك، فلا تغرني هذه المرة من شيء، فإني معطيهم عليك الحق. قال: نعم فأعطهم، فواللَّه لأوفين لهم. فخرج علي إلى الناس فقال:

"أيها الناس إنكم إنما طلبتم الحق فقد أعطيتموه. إن عثمان قد زعم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره وراجع عن جميع ما تكرهون. فاقبلوا منه ووكدوا عليه".

قال الناس: قد قبلنا فاستوثق منه، فإنا واللَّه لا نرضى بقول دون فعل. فقال لهم عليّ: ذلك لكم. ثم دخل عليه فأخبره الخبر. فقال عثمان: اضرب بيني وبينهم أجلاً يكون لي فيه مهلة فإني لا أقدر على ردِّ ما كرهوا في يوم واحد. قال له عليّ: ما حضر بالمدينة فلا أجل له. وما غاب فأجله وصول أمرك. قال: نعم، ولكن أجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام (2) . قال عليّ: نعم. فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك، وكتب بينهم وبين عثمان كتاباً أجَّله فيه ثلاثاً على أن يرد كل مظلمة، ويعزل كل عامل كرهوه. ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ اللَّه على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه أناساً من وجوه المهاجرين والأنصار. فكفَّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه.

هذه الرواية تدل على أن عثمان إنما طلب المهلة حتى يأتيه المدد، وفي الطبري (3) عدا ذلك أنه كان يستعد للقتال بالسلاح وقد كان اتخذ جنداً عظيماً من رقيق الخُمس.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 663، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 61.

(2)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 664، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 61.

(3)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 664.

ص: 165

- كتاب عثمان إلى عامله بمصر (1) بقتل محمد بن أبي بكر:

جاء المصريون يشكون من ابن أبي سرح، فكتب إليه عثمان كتاباً يتهدده فيه، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر فقتله، فخرج من أهل مصر جماعة فنزلوا المسجد وشكوا إلى الصحابة في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم فقال طلحة بن عبيد اللَّه، فكلم عثمان بكلام شديد وأرسلت عائشة رضي الله عنها إليه فقالت: تقدم إليك أصحاب رسول اللَّه وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت، فهذا قد قتل منهم رجلاً فأنصفهم من عاملك، ودخل عليه عليّ بن أبي طالب فقال: إنما يسألونك رجلاً مكان رجل وقد ادعوا قِبَلَه دماً، فاعزله عنهم، واقض بينهم فإن وجب عليه حق فأنصفهم منه. فقال لهم: اختاروا

⦗ص: 167⦘

رجلاً أوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر. فقالوا: استعمل علينا محمد بن أبي بكر فكتب عهده وولَاّه.

ويقال: إن بعض أهل المدينة من مبغضي عثمان حرَّض مروان بن الحكم أن يكتب عن لسانه كتاباً إلى والي مصر بقتل محمد ورفاقه وأرسلوا الكتاب مع غلام لعثمان. فسار الغلام على بعير يسرع في مشيه. فلما خرج من المدينة وبلغهم سألوه عن وجهته، فقال: أنا غلام أمير المؤمنين. قالوا: أمعك كتاب؟. قال: لا. ففتشوه، فوجدوا الكتاب في أنبوبة من الرصاص، ففتحوه، فإذا فيه:"إذا أتاك محمد بن أبي بكر وفلان وفلان فاحتل في قتلهم، وأبطل كتابه، وقرّ على عملك حتى يأتيك رأيي في ذلك إن شاء اللَّه تعالى".

فلما قرأ محمد الكتاب رجع إلى المدينة مع من معه والغلام، ودخل على عثمان ومعه عليّ بن أبي طالب. فقال عليّ: هذا الغلام غلامك؟. قال: نعم، والبعير بعيرك؟ قال: نعم. قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟. قال: لا واللَّه ما كتبت هذا الكتاب، ولا أمرت به، ولا علم لي به. قال عليّ: والخاتم خاتمك؟. قال: نعم. قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم؟. فحلف أنه لا يعلم شيئاً من ذلك. فقال عليّ: لا يحلف عثمان إلا صادقاً فهو بريء من هذا الأمر. ولكنهم عرفوا أن الخط خط كاتبه مروان بن الحكم، وكان عنده في الدار فسألوه أن يدفعه إليهم فأبى خوفاً عليه أن يقتل. فطلب إليه المصريون أن يخلع نفسه فأبى، فارتفعت الأصوات. فقام عليّ وأخرج المصريين وخرج معهم، ثم رجع المصريون، وانضم إليهم أشياعهم، فحاصروه في داره ومنعوه الماء.

وجاء في الطبري (2) أنهم وجدوا في الكتاب: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم. أما بعد، فإذا قدم عليك عبد الرحمن بن عديس فاجلده مائة جلدة، واحلق رأسه ولحيته، وأطل حبسه حتى يأتيك أمري، وعمرو بن الحمق فافعل به مثل، وسودان بن حمران مثل ذلك، وعروة بن النباع الليثي مثل ذلك".

فلما كلمه المصريون في ذلك قال:

"واللَّه ما كتبت، ولا أمرت، ولا شوورت، ولا علمت". فقال المصريون: فمن كتبه؟. قال: لا أدري. قال: أَفَيُجترأ عليك فيُبعث غلامك، وجمل من صدقات المسلمين، ويُنقش على خاتمك، ويُكتب إلى عاملك بهذه الأمور العظام وأنت لا تعلم؟! قالوا: فليس مثلك بوَلي. اخلع نفسك من هذا الأمر كما خلعك اللَّه منه، قال: لا أخلع قيمصاً ألبسنيه اللَّه عز وجل (3)

⦗ص: 168⦘

.

وعلى كل حال أنكر عثمان علمه بالكتاب، وتبرأ منه، وحلف أنه لا يعلم شيئاً عنه، ولا بدَّ أنه صادق، وأن الكتاب مفتعل.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 662، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 59.

(2)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 665.

(3)

روى ابن ماجه في (حديث 112) عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "يا عثمان إن ولَاّك اللَّه هذا الأمر يوماً، فأرادك المنافقون أن تخلع قيمصك الذي قَمَّصَك اللَّه فلا تخلعه". يقول ذلك ثلاث مرات. قال النعمان: فقلت لعائشة: ما منعك أن تُعْلِمِي الناس بهذا؟. قالت: أُنْسِيتُهُ.

كما أورد البلاذري في أنساب الأشراف ج 5/ص 76، من حديث نافع عن ابن عمر، أنه دخل على عثمان فقال له عثمان: انظر ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلع نفسك أو نقتلك. فقال له ابن عمر: أَمُخَلَّدٌ أنت في الدنيا؟. قال: لا. قال: هل يزيدون على أن يقتلوك؟. قال: لا. قال: لا. قال: هل يملكون لك جنة أو نار؟. قال: لا. قال: فلا تخلع قميص اللَّه عنك، فتكون سُنَّة كلما كره قومٌ خليفتهم خلعوه أو قتلوه.

ص: 166

- اتهام عليٍّ بتزوير الكتاب رواية غريبة!!

جاء في دائرة المعارف الإسلامية، النسخة الإنجليزية (1) ، "إن البلاذري روى دون غيره من المؤرخين أن عثمان اتهم علياً بتزوير الكتاب، وهذا ما ظنه كيتاني في حولياته (2) من غير أن يطَّلع على رواية البلاذري".

لم يتمكن كيتاني من الإطلاع على رواية البلاذري، لأنها مذكورة في كتاب "أنساب الأشراف" الذي لا يزال تحت الطبع ببيت المقدس، وقد عثرت على الجزء الحادي عشر منه بمكتبة الجامعة المصرية، وهو مطبوع على الحجر بمدينة غريفز ولد سنة 1883، وليس فيه ذكر لهذه الرواية، لأن هذا الجزء يبدأ بذكر مصعب بن الزبير في أيام عبد الملك.

إن دائرة المعارف الإسلامية لم تبد رأيها في توجيه هذه التهمة إلى عليّ، بل أوردت ذلك كي يعلم أن هناك رواية أخرى غير ما أجمع عليه المؤرخون من اتهام مروان. وأن كيتاني تبادر إلى ظنه أن عثمان اتهم علياً فطابق ظنه هذا رواية البلاذري التي نأسف لعدم تمكننا من الإطلاع عليها مثل كيتاني. وكان الأجدر بدائرة المعارف أن لا تترك المسألة معلقة هكذا من غير أن نناقشها ونشير إلى عدم صحة هذه الرواية وبعدها عن الصواب.

وإنا نقول: إنه لم يدر بخلد عثمان أن يتهم علياً، ولا يمكن أن يدور بخلده ذلك، لأن الغلام الذي خرج يحمل الكتاب لتوصيله إلى والي مصر هو غلام عثمان، والبعير بعيره، والخاتم خاتمه، وهذا الخاتم لا يتوصل إليه علي، بل يتوصل إليه مروان كاتب عثمان، ومستشاره، وملازمه في داره. أضف إلى ذلك أنهم عرفوا أن الخط خط مروان هذا من جهة. ومن جهة أخرى

⦗ص: 169⦘

فإنه لا حظَّ لعلي في تزوير الكتاب، فإنه إذا لم يضبط ووصل إلى يد الوالي نفذ أمر عثمان القاضي بإعدام محمد بن أبي بكر، أو إعدام غيره ممن قدموا المدينة وعادوا إلى مصر، أو تعذيبهم وهم ليسوا أعداء لعليّ، بل من محبيه، وعلى عكس ذلك كان مروان، فإن من مصلحته القضاء على محمد بن أبي بكر، أو غيره من المتآمرين على الخليفة المعارضين لحكم ابن أبي سرح.

(1) دائرة المعارف الإسلامية، النسخة الإنكليزية، (م 3/ص 1010) .

(2)

حوليات كيتاني ج 8/ص 159.

ص: 168

- اشتداد الحصار (1) :

لما اشتد الحصار على عثمان رضي الله عنه أرسل إلى عليٍّ، وطلحة، والزبير، فحضروا فأشرف عليهم فقال:

"يا أيها الناس. اجلسوا فجلسوا يا أهل المدينة أستودعكم اللَّه وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي. أنشدكم اللَّه هل تعلمون أنكم دعوتم اللَّه عند مصاب عمر أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم. أتقولون: إن اللَّه لم يستجب لكم وهنتم عليه، وأنتم أهل حقه. أم تقولون: هان على اللَّه دينه فلم يبال من ولى، والدين لم يتفرق أهله يومئذٍ، أم تقولون: لم يكن أخذ عن مشورة إنما كان لمكابرة فوكل اللَّه الأمة إذا عصته ولم يشاوروا في الإمامة، أم تقولون: إن اللَّه لم يعلم عاقبة أمري. وأنشدكم باللَّه أتعلمون لي من سابقة خير وقدم خير قدمه اللَّه لي يحق على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها، فمهلاً لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إيمانه، أو قتل نفساً بغير حق. فإنكم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لم يرفع اللَّه عنكم الاختلاف أبداً"(2) .

قالوا: أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر، ثم ولوك فإن كل ما صنع اللَّه خيرة، ولكن اللَّه جعلك بلية ابتلى بها عباده. وأما ما ذكرت من قدمك وسلفك مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقد كنت كذلك، وكنت أهلاً للولاية، ولكن أحدثت ما علمته، ولا نترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاماً قابلاً. وأما قولك إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة، فإنا نجد في كتاب اللَّه قتل غير الثلاثة الذين سميت: قتل من سعى في الأرض فساداً، وقتل من بغى، ثم قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحق ومنعه وقاتل دونه، وقد بغيت ومنعت وحلت دونه وكابرت عليه، ولم تقد من نفسك من ظلمت، وقد تمسكت بالإمارة علينا. فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليها فإن الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون لتمسكك بالإمارة، فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال معك.

فسكت عثمان، ولزم الدار، وأمر أهل المدينة بالرجوع، وأقسم عليهم فرجعوا إلا

⦗ص: 170⦘

الحسن بن علي، وابن عباس، ومحمد بن طلحة، وعبد اللَّه بن الزبير، وأشباهاً لهم، واجتمع إليهم أناس كثير.

لم يردّ عليهم عثمان، بل سكت. فهل اقتنع بأقوالهم وحججهم؟ إنه لو اقتنع لتنازل عن الخلافة. فإذا لم يقتنع. فلماذا لم يقرع الحجة بالحجة؟. لكنه على كل حال أصر على عدم التنازل كما أصر على التمسك بسياسته، فلم يعزل أحداً ممن كرهوه، ولم يجب مطالبهم التي كان قد علم بها من قبل، فلا بدَّ أنه كان يرى أنهم مخطئون فيما يطلبون.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 670، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 62.

(2)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 672، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 62.

ص: 169

- المحاصرون يمنعون عنه الماء (1) :

كانت مدة الحصار أربعين يوماً (2) ، أو ما يقرب من ذلك، فلما مضت ثمان عشرة ليلة قدم ركبان من الأمصار فأخبروا بخير من تهيأ إليهم من الجنود وشجعوا الناس، فعندئذٍ حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شيء حتى الماء، فأرسل عثمان إلى عليٍّ سراً، وإلى طلحة، والزبير، وأزواج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إنهم قد منعوني حتى الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا الماء فافعلوا"(3) .

فكان أولهم إجابة عليٌّ وأم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء عليّ في الغلس (4) فقال:

"يا أيها الناس، إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين، ولا أمر الكافرين فلا تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة، فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي".

فقالوا: لا واللَّه ولا نعمة عين. فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت ورجعت، وجاءت أم حبيبة على بغلة لها مشتملة على إداوة. فضربوا وجه بغلتها فقالت: إن وصايا بني أمية عند هذا الرجل. فأحببت أن أسأله عنها لئلا تهلك أموال الأيتام والأرامل. فقالوا: كاذبة، وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فنفرت وكادت تسقط عنها، فتلقاها الناس، فأخذوها وذهبوا بها إلى بيتها.

وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة واستتبعت أخاها، فأبى، فقالت:

"أمَ واللَّه لئن استطعت أن يحرمهم اللَّه ما يحاولون لأفعلن"(5) . وجاء حنظلة الكاتب حتى

⦗ص: 171⦘

قام على محمد بن أبي بكر فقال: يا محمد، تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها، وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحل فتتبعهم؟!. فقال: ما أنت وذاك يا ابن التميمية؟. فقال: يا ابن الخثعمية إن هذا الأمر إن صار إلى التغلب غلبتك عليه بنو عبد مناف وانصرف وهو يقول:

عجبت لما يخوض الناس فيه

يرومون الخلافة أن تزولا

ولو زالت لزال الخير عنهم

ولاقوا بعدها ذلاً ذليلاً

وكانوا كاليهود أو النصارى (6)

سواء كلهم ضلوا السبيلا

ولحق بالكوفة. وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظاً على أهل مصر وجاءها مروان بن الحكم فقال: يا أم المؤمنين، لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل. فقالت: أتريد أن يصنعوا بي كما صنع بأم حبيبة. ثم لا أجد من يمنعني لا واللَّه ولا أُعيّرُ ولا أدري إلى ما يسلم أمر هؤلاء.

وبلغ طلحة والزبير ما لقي عليّ، وأم حبيبة، فلزموا بيوتهم، وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات. عليهم الرقباء. فأشرف عثمان على الناس فاستدعى ابن عباس، فأمره أن يحج بالناس وكان ممن لزم الباب. فقال: جهاد هؤلاء أحب عليَّ من الحج، فأقسم عليه فانطلق.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 672، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 63.

(2)

ورد في الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 668: (فأقاموا على حصاره تسعة وأربعين يوماً".

(3)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 672، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 63.

(4)

الغلس: ظلمة آخر الليل. [القاموس المحيط، مادة: غلس] .

(5)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 673، ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 64.

(6)

ورد في ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 64:"وكالنصارى".

ص: 170

- حجُّ ابن عباس بالناس وكتاب عثمان إلى أهل مكة (1)(سنة 35 هـ/ 656 م) :

قال عثمان رضي الله عنه وهو محصور: يا ابن عباس، اذهب إلى خالد بن العاص (2) وهو بمكة فقل له: يقرأ عليك أمير المؤمنين السلام ويقول لك: إني محصور منذ كذا وكذا يوماً لا أشرب إلا من الأجاج (3) ، وقد مُنعت بئراً اشتريتها من صلب مالي رومه، فإنما يشربها الناس ولا أشرب منها شيئاً، ولا آكل إلا مما في بيتي، مُنعت أن آكل مما في السوق شيئاً، وأنا محصور كما ترى، فأمره، وقل له فليحج بالناس وليس بفاعل. فإن أبى فاحجج أنت بالناس. قال ابن عباس: فقدمت الحج في العشر، فجئت خالد بن العاص فقلت له ما قال لي عثمان. فقال لي: هل لي طاقة بعداوة من ترى، وهذا الأمر لا يقضى إلا إليه يعني علياً وأنت أحق أن تحمل له ذلك، فحججت بالناس. ثم قفلت في آخر الشهر فقدمت المدينة، وإذا عثمان قد قتل، وإذا الناس يتواثبون على رقبة عليّ بن أبي طالب، فلما رآني عليّ ترك الناس وأقبل عَلَيَّ فانتجاني فقال: ما

⦗ص: 172⦘

ترى فيما وقع، فإنه قد وقع أمر عظيم كما ترى لا طاقة لأحد به. فقلت: أرى أنه لا بدَّ للناس منك اليوم فأرى أنه لا يبايع اليوم أحد إلا اتهم بدم هذا الرجل. فأبى إلا أن يبايع فاتّهم بدمه.

لما خرج ابن عباس يريد الحج مرَّ بعائشة رضي الله عنها في الصّلصُل بنواحي المدينة على سبعة أميال منها فقالت: يا ابن عباس، أنشدك اللَّه فإنك قد أعطيت لساناً إزعيلاً (4) أن تخذل عن هذا الرجل، وأن تشكك فيه الناس فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت، ورُفعت لهم المنار، وتحلبوا من البلدان لأمر قد جمّ. وقد رأيت طلحة ابن عبيد اللَّه قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح فإن يَلٍ يَسر بسيرة ابن عمه أبي بكر رضي الله عنه.

فأجابها ابن عباس: يا أمة لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا يعني علياً فقال: إيهاً عنك إني لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك.

هذا يبين لنا موقف عائشة ورأيها، فإنها أرادت من ابن عباس أن يقوم بالدعوة ضد عثمان في مكة، وأن يشكك الناس فيه، وكانت تريد أن يتولى الخلافة بعد عثمان طلحة بن عبيد اللَّه، لا عليّ. وطلحة أسلم بدعوة أبي بكر الصدِّيق، وقد أبلى يوم أحد بلاءً عظيماً، ووقى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بنفسه، واتقى عنه النبل حتى شلُّت إصبعه، وضرب ضربة على رأسه، وحمل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على ظهره حتى صعد معه الصخرة، وكان شديداً على عثمان، وقتل يوم الجمل، وكان شهد ذلك اليوم محارباً لعليِّ بن أبي طالب. وقال طلحة يوم الجمل:

ندمت ندامة الكسعيّ لما

شربت رضى بني جرم برغمي

اللَّهم خذ لعثمان حتى يرضى.

وقد كان أهل البصرة يريدون طلحة، كما كان أهل مصر يريدون عليّاً. أما أهل الكوفة فكانوا يشتهون الزبير.

فعائشة كانت تريد طلحة، ولا ترغب في عليّ رضي الله عنه، ويرجع السبب في نفورها منه إلى حديث الإفك (5) فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لما استشار علياً في شأن عائشة قبل أن ينزل الوحي ببراءتها قال:"يا رسول اللَّه لم يضيِّق اللَّه عليك والنساء سواها كثير".

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 684.

(2)

هو خالد بن العاص ابن أخي الحارث وأبي جهل ابن هشام، قُتل أبو العاص يوم بدر كافراً، واستعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على مكة لما عزل عنها نافع بن عبد الحارث، واستعمله عليها عثمان بن عفان رضي الله عنه.

(3)

الأجاج: الماء الشديد الملوحة.

(4)

إزعيلاً: نشيطاً.

(5)

راجع كتاب "محمد رسول اللَّه" للمؤلف.

ص: 171

- كتاب عثمان إلى أهل مكة (1) :

كتب عثمان كتاباً إلى أهل مكة يسألهم أن يأخذوا له بالحق ممن حصروه، وأعطاه لابن

⦗ص: 173⦘

عباس. قال ابن عباس: فقرأت هذا الكتاب عليهم قبل التروية (2) بمكة بيوم ثم قدمت المدينة.

وهذا نص الكتاب كما نسخه عبد المجيد بن سُهَيْل بن عكرمة (3) :

"بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عبد اللَّه عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين. سلام عليكم. فإني أحمد اللَّه إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإني أذكركم باللَّه عز وجل الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البينات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمته. فإن اللَّه عز وجل يقول وقوله الحق:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} إلى قوله {لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 102- 105] وقال وقوله الحق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إلى قوله {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [المائدة: 6- 7] وقال وقوله الحق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} إلى قوله {فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: 6- 8] وقوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] وقال وقوله الحق: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} إلى قوله {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16] وقال وقوله الحق: {وَلَا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} إلى قوله {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 91- 96] وقال وقوله الحق: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ} إلى قوله {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59] وقال وقوله الحق: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} إلى قوله {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} [النور: 55] وقال وقوله الحق: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهُ} إلى قوله {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [الفتح: 10] .

أما بعد، فإن اللَّه عز وجل رضي لكم السمع والطاعة والجماعة، وحذركم المعصية والفرقة والاختلاف، ونبَّأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدم إليكم فيه ليكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة اللَّه عز وجل واحذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعاً وسُلط عليكم عدوُّكم ويستحل بعضكم حُرم بعض، ومتى يفعل ذلك لا يُقم للَّه سبحانه دين، وتكونوا شيعاً، وقد قال اللَّه عز وجل لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ

⦗ص: 174⦘

ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159] وإني أوصيكم بما أوصاكم اللَّه، وأحذركم عذابه، فإن شعيباً صلى الله عليه وسلم قال لقومه:{وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيَبكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ} إلى قوله {رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 89- 90](4) .

أما بعد، فإن أقواماً ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس إنما يدعون إلى كتاب اللَّه عز وجل والحق، ولا يريدون الدنيا ولا المنازعة فيها. فلما عُرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحقٍ ونازعٌ عنه حين يُعطاه، ومنهم تارك للحقٍ ونازل عنه في الأمر يريد أن يبتزه بغير الحق. طال عليهم عمري، ورَاث عليهم أملهم إلا مرة فاستعجلوا القدر، وقد كتبوا إليكم أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهُم، ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئاً كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود فقلت: أقيموها على من علمتم تعداها. أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد قالوا: كتابُ اللَّه يتلى. فقلت: فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل اللَّه في الكتاب، وقالوا: المحروم يرزق والمال يُوفى ليُستن فيه السنة الحسنة ولا يُعتدى في الخُمس، ولا في الصدقة، ويؤمر ذو القوة والأمانة، وتُرَدّ مظالم الناس إلى أهلها فرضيتُ بذلك واصطبرت له وجئت نسوة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى كلمتهن فقلت: ما تأمرنني؟. فقلن: تؤمر عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن قيس، وتدع معاوية، فإنما أمَّره أمير قبلك فإنه مصلح لأرضه راضٍ به جنده، واردد عمراً فإن جنده راضون به وأمره فليصلح أرضه فكل ذلك فعلت. وأنه اعتديَّ علي بعد ذلك وعدا على الحق.

كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر استعجلوا القدر ومنعوا مني الصلاة وحالوا بيني وبين الصلاة وابتزوا مما قدروا عليه بالمدينة كتبت إليكم كتابي هذا وهم يخبرونني إحدى ثلاث: إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو صواباً غير متروك منه شيء، وإما أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإما يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من الذي جعل اللَّه سبحانه لي عليهم من السمع والطاعة، أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يُستقد من أحد منهم، وقد علمت إنما يريدون نفسي. وأما أن أتبرأ من الإمارة فإن يكلبوني أحبُّ إليَّ من أن أتبرأ من عمل اللَّه عز وجل وخلافته.

وأما قولكم يُرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة. ولكن أتوها طائعين يبتغون مرضاة اللَّه عز وجل، وإصلاح ذات البين. ومن يكن منكم إنما يبتغي الدنيا فليس بنائل منها إلا ما كتب اللَّه عز وجل، ومن يكن إنما يريد وجه اللَّه والدار الآخرة وصلاح الأمة وابتغاء مرضاة اللَّه عز وجل والسنة

⦗ص: 175⦘

الحسنة التي استن بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والخليفتان من بعده رضي الله عنهما فإنما يجزي بذلكم اللَّه. وليس بيدي جزاؤكم ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم ولم يغنٍ عنكم شيئاً. فاتقوا اللَّه واحتسبوا ما عنده فمن يرضى بالنكث منكم فإني لا أرضاه له ولا يرضى اللَّه سبحانه أن تنكثوا عهده. وأما الذي يخبرونني فإنما كله النزع والتأمير فملكت نفسي ومن معي ونظرت حكم اللَّه وتغيير النعمة من اللَّه سبحانه وتعالى وكرهتُ سُنة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء فإني أنشدكم باللَّه والإسلام ألا تأخذوا إلا الحق وتعطوه مني، وتركَ البغي على أهله وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم اللَّه عز وجل، فإني أنشدكم اللَّه سبحانه وتعالى الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في أمر اللَّه فإن اللَّه سبحانه قال وقوله الحق:{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} [الإسراء: 34] فإن هذه معذرة إلى اللَّه ولعلكم تذكرون.

أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم. وإن عاقبتُ أقواماً فما أبتغي بذلك إلا الخير، وإني أتوب إلى اللَّه عز وجل من كل عمل عملته وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلا هو. إن رحمة ربي وسعت كل شيء إنه لا يقنط من رحمة اللَّه إلا القوم الضالون، وإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. وأنا أسأل اللَّه عز وجل أن يغفر لي ولكم وأن يؤلف قلوب هذه الأمة على الخير ويكرّه إليها الفسق.

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أيها المؤمنون والمسلمون.

هذا كتاب طويل كتبه عثمان رضي الله عنه، وقرأه ابن عباس على أهل مكة في موسم الحج. وقد استشهد بكثير من آيات القرآن الكريم لأنه كان يحفظ القرآن، ويكثر من تلاوته ويتعبَّد به. وهذه الآيات التي استشهد بها كان غرضه من إيرادها حض المؤمنين على طاعة اللَّه والاعتصام بحبله، والتخويف من عذاب اللَّه وعاقبة نقض الأيمان بعد توكيدها، ووجوب طاعة اللَّه والرسول وأولي الأمر ولزوم الجماعة والتحذير من الاختلاف والتفريق.

ثم أمر بإقامة الحدود ورد المظالم وشكا إليهم ما يلقاه من الحصر ومنع الماء والزاد عنه وقال: إنه لا يعتزل ولا يتخلى عن واجبه، ولم يكره أحداً على اختياره خليفة، بل اختاروه طائعين، وذكر أنه تجنب سفك الدماء والشقاق. ثم تاب إلى اللَّه واستغفره ولم يبرئ نفسه، فإن النفس أمارة بالسوء وسأل اللَّه أن يؤلف بين قلوب الأمة.

إلا أن هذا الكتاب لم يأت بالغرض الذي رمى إليه عثمان من تحريره وتلاوته، لأن المحاصرين كانوا قد شددوا عليه الحصار فإن ابن عباس لما عاد إلى المدينة بعد تأدية فريضة الحج وجد عثمان قد قتل.

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 685.

(2)

التروية: اليوم الثامن من ذي الحجة.

(3)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 685.

(4)

الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 660.

ص: 172