الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لنظرائه ثمَّ عمِلُوا بذلك الْأَقْوَى من غير نَكِير على أحد مِمَّن أَخذ بالْقَوْل الآخر فَإِن لم يَجدوا فِي الْمَسْأَلَة حَدِيثا من تينك الطبقتين أجالوا قداح نظرهم فِي شَوَاهِد أَقْوَالهم من آثَار الطَّبَقَة الثَّالِثَة من كتب الحَدِيث وَإِلَى مَا يفهم من كَلَامهم من الدَّلِيل وَالتَّعْلِيل فَإِذا اطْمَأَن الخاطر بِشَيْء أخذُوا بِهِ فَإِن لم يطمئن بِشَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ وَاطْمَأَنَّ بِغَيْرِهِ وَكَانَت الْمَسْأَلَة مِمَّا ينفذ فِيهِ اجْتِهَاد الْمُجْتَهد وَلم يسْبق فِيهِ إِجْمَاع وَقَامَ عِنْدهم الدَّلِيل الصَّرِيح قَالُوا بِهِ مستعينين بِاللَّه متوكلين عَلَيْهِ وَهَذَا بَاب نَادِر الْوُقُوع صَعب المرتقى يجتنبون مزالقة أَشد اجْتِنَاب وَإِن لم يقم عِنْدهم دَلِيل صَرِيح اتبعُوا السوَاد الْأَعْظَم وَأي مَسْأَلَة لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيح أَو تَعْلِيل صَحِيح من السّلف استفرغوا الْجهد فِي طلب نَص أَو إِشَارَة أَو إِيمَاء من الْكتاب وَالسّنة أَو أثر من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَإِن وجدوا قَالُوا بِهِ وَلَيْسَ عِنْدهم أَن يقلدوا عَالما وَاحِدًا فِي كل مَا قَالَ اطمأنت بِهِ نُفُوسهم أَو لَا وَإِن كنت فِي ريب مِمَّا ذكرنَا فَعَلَيْك بكتب الْبَيْهَقِيّ وَكتاب معالم السّنَن وَشرح السّنة لِلْبَغوِيِّ فَهَذِهِ طَريقَة الْمُحَقِّقين من فُقَهَاء الْمُحدثين وَقَلِيل مَا هم وهم غير الظَّاهِرِيَّة من أهل الحَدِيث الَّذين لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ وَلَا الْإِجْمَاع وَغير الْمُتَقَدِّمين من أَصْحَاب الحَدِيث مِمَّن لم يلتفتوا إِلَى أَقْوَال الْمُجْتَهدين أصلا وَلَكنهُمْ أشبه النَّاس بأصحاب الحَدِيث لأَنهم صَنَعُوا فِي أَقْوَال الْمُجْتَهدين مَا صنع أُولَئِكَ فِي مسَائِل الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ
فصل فِي الْمُجْتَهد فِي الْمَذْهَب وَفِيه مسَائِل
مَسْأَلَة اعْلَم أَن الْوَاجِب على الْمُجْتَهد فِي الْمَذْهَب أَن يحصل من السّنَن والْآثَار مَا يحْتَرز بِهِ من مُخَالفَة الحَدِيث الصَّحِيح واتفاق السّلف وَمن دَلَائِل الْفِقْه مَا يقتدر بِهِ على معرفَة مَأْخَذ أَصْحَابه فِي أَقْوَالهم وَهُوَ معنى مَا فِي الفتاوي السِّرَاجِيَّة لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يُفْتِي إِلَّا أَن يعرف أقاويل الْعلمَاء وَيعلم من أَيْن قَالُوا وَيعرف معاملات النَّاس فَإِن عرف أقاويل الْعلمَاء وَلم يعرف مذاهبهم فَإِن سُئِلَ عَن مَسْأَلَة يعلم أَن الْعلمَاء الَّذين يتَّخذ مَذْهَبهم قد اتَّفقُوا عَلَيْهَا فَلَا بَأْس بِأَن يَقُول هَذَا جَائِز وَهَذَا لَا يجوز وَيكون قَوْله على سَبِيل الْحِكَايَة وَإِن كَانَت مَسْأَلَة قد اخْتلفُوا فِيهَا فَلَا بَأْس بِأَن يَقُول هَذَا جَائِز فِي قَول فلَان وَفِي قَول فلَان لَا يجوز وَلَيْسَ لَهُ أَن يخْتَار
فيجيب بقول بَعضهم مَا لم يعرف حجتهم وَفِي الْفُصُول الْعمادِيَّة فِي الْفَصْل الأول وَإِن لم يكن من أهل الإجتهاد لَا يحل لَهُ أَن يُفْتِي إِلَّا بطرِيق الْحِكَايَة فيحكي مَا يحفظ من أَقْوَال الْفُقَهَاء وَعَن أبي يُوسُف وَزفر وعافية بن زيد أَنهم قَالُوا لَا يحل لأحد أَن يُفْتِي بقولنَا مَا لم يعلم من أَيْن قُلْنَا وفيهَا أَيْضا عَن بَعضهم قَالُوا لَو أَن الرجل حفظ جَمِيع كتب أَصْحَابنَا لَا بُد أَن يتلمذ للْفَتْوَى حَتَّى يَهْتَدِي إِلَيْهِ لِأَن كثيرا من الْمسَائِل أجَاب عَنْهَا أَصْحَابنَا على عَادَة أهل بلدهم ومعاملاتهم فَيَنْبَغِي لكل مفت أَن ينظر إِلَى عَادَة أهل بَلَده وزمانه فِيمَا لَا يُخَالف الشَّرِيعَة فِي عُمْدَة الْأَحْكَام من الْمُحِيط فَأَما أهل الِاجْتِهَاد فَهُوَ من يكون عَالما بِالْكتاب وَالسّنة والْآثَار ووجوه الْفِقْه وَمن الْخَانِية نقل عَن بَعضهم لَا بُد للإجتهاد من حفظ الْمَبْسُوط وَمَعْرِفَة النَّاسِخ والمنسوخ والمحكم والمؤول وَالْعلم بعادات النَّاس وعرفهم فِي السِّرَاجِيَّة قيل أدنى الشُّرُوط للإجتهاد حفظ الْمَبْسُوط ذكر هَذِه الرِّوَايَة فِي خزانَة الْمُفْتِينَ أَقُول هَذِه الْعبارَات مَعْنَاهَا الْفرق بَين الْمُفْتِي الَّذِي هُوَ صَاحب تَخْرِيج وَبَين الْمُفْتِي الَّذِي هُوَ متبحر فِي مَذْهَب أَصْحَابه يُفْتِي على سَبِيل الْحِكَايَة لَا على سَبِيل الِاجْتِهَاد
مَسْأَلَة اعْلَم أَن الْقَاعِدَة عِنْد محققي الْفُقَهَاء ان الْمسَائِل على أَرْبَعَة أَقسَام قسم تقرر فِي ظَاهر الْمَذْهَب وَحكمه أَن يقبلوه على كل حَال وَافَقت الْأُصُول أَو خَالَفت وَلذَلِك ترى صَاحب الْهِدَايَة وَغَيره يتكلفون بَيَان الْفرق فِي مسَائِل التَّجْنِيس وَقسم هُوَ رِوَايَة شَاذَّة عَن أبي حنيفَة رحمه الله وصاحبيه وَحكمه أَن لَا يقبلوه إِلَّا إِذا وَافق الْأُصُول وَكم فِي الْهِدَايَة وَنَحْوهَا من تَصْحِيح لبَعض الرِّوَايَات الشاذة بِحَال الدَّلِيل وَقسم هُوَ تَخْرِيج من الْمُتَأَخِّرين اتّفق عَلَيْهِ جُمْهُور الْأَصْحَاب وَحكمه أَنهم يفتون بِهِ على كل حَال وَقسم هُوَ تَخْرِيج مِنْهُم لم يتَّفق عَلَيْهِ جُمْهُور الْأَصْحَاب وَحكمه أَن يعرضه الْمُفْتِي على الْأُصُول والنظائر من كَلَام السّلف فَإِن وجده مُوَافقا لَهَا أَخذ بِهِ وَإِلَّا تَركه فِي خزانَة الرِّوَايَات نقلا عَن بُسْتَان الْفَقِيه أبي اللَّيْث فِي بَاب الْأَخْذ عَن الثِّقَات وَلَو أَن رجلا سمع حَدِيثا أَو سمع مقَالَة فَإِن لم يكن الْقَائِل ثِقَة فَلَا يَسعهُ أَن يقبل مِنْهُ إِلَّا أَن يكون قولا يُوَافق الْأُصُول فَيجوز الْعَمَل بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَكَذَا لَو وجد حَدِيثا مَكْتُوبًا أَو مَسْأَلَة فَإِن كَانَ مُوَافقا
لِلْأُصُولِ جَازَ أَن يعْمل بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَفِي الْبَحْر الرَّائِق عَن أبي اللَّيْث قَالَ سُئِلَ أَبُو نصر عَن مَسْأَلَة وَردت عَلَيْهِ مَا تَقول رَحِمك الله وَقعت عندنَا كتب أَرْبَعَة كتاب إِبْرَاهِيم بن رستم وآداب القَاضِي عَن الْخصاف وَكتاب الْمُجَرّد وَكتاب النَّوَادِر من جِهَة هِشَام هَل يجوز لنا أَن نفتي مِنْهَا أَو لَا وَهَذِه الْكتب محمودة عنْدك فَقَالَ مَا صَحَّ عَن أَصْحَابنَا فَذَلِك علم مَحْبُوب مَرْغُوب فِيهِ مرضى بِهِ وَأما الْفتيا فَإِنِّي لَا أرى لأحد أَن يُفْتِي بِشَيْء لَا يفهمهُ وَلَا يحْتَمل أثقال النَّاس فَإِن كَانَت مسَائِل قد اشتهرت وَظَهَرت وانجلت عَن أَصْحَابنَا رَجَوْت أَن يسع لي الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا فِي النَّوَازِل
مَسْأَلَة اعْلَم أَن الْمَسْأَلَة إِذا كَانَت ذَات اخْتِلَاف بَين أبي حنيفَة وصاحبيه فَحكمهَا أَن الْمُجْتَهد فِي الْمَذْهَب يخْتَار من أَقْوَالهم مَا هُوَ أقوى دَلِيلا وأقيس تعليلا وأرفق بِالنَّاسِ وَلذَلِك أفتى جماعات من عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة على قَول مُحَمَّد رحمه الله فِي طَهَارَة المَاء للمستعمل وعَلى قَوْلهمَا فِي أول وَقت الْعَصْر وَالْعشَاء وَفِي جَوَاز الْمُزَارعَة وكتبهم مشحونة بذلك لَا يحْتَاج إِلَى إِيرَاد النقول وَكَذَلِكَ الْحَال فِي مَذْهَب الشَّافِعِي رحمه الله فِي الْمِنْهَاج وَغَيره فِي الْفَرَائِض أَن أصل الْمَذْهَب عدم تَوْرِيث ذَوي الْأَرْحَام وَقد أفتى الْمُتَأَخّرُونَ عِنْد عدم انتظام بَيت المَال بتوريثهم وَقد نقل فَقِيه الْيمن ابْن زِيَاد فِي فَتَاوَاهُ مسَائِل أفتى الْمُتَأَخّرُونَ فِيهَا بِخِلَاف الْمَذْهَب مِنْهَا إِخْرَاج الْفُلُوس من الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة من النَّقْدَيْنِ وعروض التِّجَارَة أفتى البُلْقِينِيّ بِجَوَازِهِ وَقَالَ أعتقد جَوَازه وَلكنه مُخَالف لمَذْهَب الشَّافِعِي رحمه الله وَتبع البُلْقِينِيّ فِي ذَلِك البُخَارِيّ وَمِنْهَا دفع الزَّكَاة إِلَى الْأَشْرَاف العلويين أفتى الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ بِجَوَازِهِ فِي هَذِه الْأَزْمِنَة حِين منعُوا سهمهم من بَيت المَال وأضر بهم الْفقر وَمِنْهَا بيع النَّحْل فِي الكوارات مَعَ مَا فِيهَا من شمع وَغَيره اجاب البُلْقِينِيّ بِالْجَوَازِ وَنقل ابْن زِيَاد عَن الإِمَام ابْن عجيل أَنه قَالَ ثَلَاث مسَائِل فِي الزَّكَاة يُفْتِي فِيهَا بِخِلَاف الْمَذْهَب نقل الزَّكَاة وَدفع الزَّكَاة إِلَى وَاحِد وَدفعهَا إِلَى أحد الْأَصْنَاف أَقُول وَعِنْدِي فِي ذَلِك رَأْي وَهُوَ أَن الْمُفْتِي فِي مَذْهَب الشَّافِعِي سَوَاء كَانَ مُجْتَهدا فِي الْمَذْهَب أَو متبحرا فِيهِ إِذا احْتَاجَ فِي مَسْأَلَة إِلَى غير مذْهبه فَعَلَيهِ بِمذهب أَحْمد رحمه الله فَإِنَّهُ أجل أَصْحَاب الشَّافِعِي