المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ - فتح البيان في مقاصد القرآن - جـ ٥

[صديق حسن خان]

الفصل: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ‌

(143)

(ولما جاء موسى لميقاتنا) اللام للاختصاص أي كان مجيئه مختصاً بالميقات المذكور بمعنى أنه جاء في الوقت الموعود، وكان يوم الخميس وكان يوم عرفة وأعطاه التوراة صبيحة يوم الجمعة يوم النحر (وكلمه ربه) أي اسمعه كلامه من غير واسطة ولا كيفية وأزال الحجاب بين موسى وبين كلامه فسمعه وليس المراد أنه أنشأ كلاماً سمعه لأن كلام الله قديم ولم نر في التفاسير هنا بيان ما فهمه موسى من ذلك الكلام.

أخرج البزار وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء.

والصفات من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لما كلم الله موسى يوم الطور كلّمه بغير الكلام الذي كلمه به يوم ناداه فقال له موسى: يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا يا موسى صف لنا كلام الرحمن فقال لا تستطيعونه ألم تروا إلى أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموه فذاك قريب منه ولبس به "، وفيه دليل على كلام الله مع موسى.

قال الزمخشري: تكليمه أن يخلق الكلام منطوقاً به في بعض الأجرام كما خلقه محفوظاً في الألواح انتهى وإليه ذهب المعتزلة وهو مذهب فاسد يرده الكتاب والسنة وأين للشجر وذلك الجرم أن يقول إنني أنا الله الآية.

ص: 8

وذهب الحنابلة ومن وافقهم من أهل الحديث أن كلامه تعالى حروف وأصوات مقطعة وأنه قديم وهو الحق وقد نطق به السنة المطهرة، وقال جمهور المتكلمين: إن كلامه صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات وأرادوا به الكلام النفسي. ولا توجد له رائحة في السنة المطهرة، وكذا ما ذكره الشيخ في التأويلات: أن موسى سمع صوتاً دالاً على كلام الله وهو ظاهر البطلان لمخالفة نص القرآن.

وقد سكت جمع من السلف والخلف عن الخوض في تأويل صفة كلام الله تعالى. وقالوا إنه متكلم بكلام قديم يليق بذاته بحرف وصوت لا يشبه كلام المخلوق ليس كمثله شيء وله المثل الأعلى.

ولما سمع موسى كلام ربه عز وجل اشتاق إلى رؤيته وسأله بقوله (قال ربي أرني) أي أرني نفسك قاله الزجاج وقال ابن عباس: أعطني وأرني فعل أمر مبني على حذف الياء، والمعنى مكني من رؤيتك وهيئني لها فإن فعلت بي ذلك (أنظر إليك) فتغاير الشرط والجزاء، وبالجملة فقد سأله النظر إليه اشتياقاً إلى رؤيته لما أسمعه كلامه. وسؤال موسى للرؤية يدل على أنها جائزة عنده في الجملة، ولو كانت مستحيلة عنده لما سألها.

(قال لن تراني) جملة مستأنفة لكونها جواباً لسؤال مقدر كأنه قيل فما قال الله؟ والمعنى: لن تراني بعين فانية بالسؤال بل بعين باقية بالعطاء والنوال أو أنه لا يراه هذا الوقت الذي طلب رؤيته فيه أو أنه لا يرى ما دام الرائي حياً في دار الدنيا، وأما رؤيته في الآخرة فقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواتراً لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة، والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي بفائدة.

ومنهج الحق واضح، ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه وأدرك عليه أباه وأهل بلده مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة

ص: 9

المطهرة يوقع في التعصب، والمتعصب وإن كان بصره صحيحاً فبصيرته عمياء وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق وهو يظن أنه ما دفع غير الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق غفلة منه وجهلاً بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح، وتلقّي ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم.

وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع، فإنه صار بها باب الحق مرتجاً وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه والهداية منه.

يأبى الفتى إلا اتباع الهوى

ومنهج الحق له واضح

ولم يقل لن أُرى ليكون نفياً للجواز ولو لم يكن مرئياً لأخبر بأنه ليس بمرئي، إذ الحالة حالة الحاجة إلى البيان، وقد تمسك أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة بظاهر هذه الآية وقالوا لن للتأبيد والدوام، وهذا غلط إذ ليس يشهد لما قالوه نص عن أهل اللغة العربية ولم يقل به أحد منهم.

والكتاب والسنة على خلاف ذلك فقد قال تعالى في حق اليهود (ولن يتمنوه أبداً) مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة كما قال تعالى (ونادوا يا مالك لِيقْض علينا ربك) وقوله (يا ليتها كانت القاضية) والسنة أكثر من أن تحمى وعبّر بلن تراني دون لن تنظر إليَّ مع أنه المطابق لقوله (أنظر إليك) لأن الرؤية هي المقصودة والنظر مقدمتها وقد يحصل دونها.

وأما المطابقة في الاستدراك بقوله (ولكن انظر إلى الجبل) فواضحة لأن المقصود منه تعظيم أمر الرؤية. ومعناه أنك لا تثبت لرؤيتي ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرماً وصلابة وقوة وهو الجبل فانظر إليه (فإن استقر مكانه) وبقي على حاله ولم يتزلزل عند رؤيتي له (فسوف تراني) أي تثبت لرؤيتي، وإن ضعف عن ذلك فأنت منه أضعف، ولا طاقة لك، فهذا الكلام بمنزلة

ص: 10

ضرب المثل لموسى عليه السلام بالجبل، وقيل هو من باب التعليق بالمحال، وعلى تسليم هذا فهو في الرؤية في الدنيا لما قدمنا.

وقد تمسك بهذه الآية كلا طائفتي المعتزلة والأشعرية، فالمعتزلة استدلوا بقوله لن تراني كما تقدم وبأمره بأن ينظر إلى الجبل. والأشعرية قالوا: إن تعليق الرؤية باستقرار الجبل يدل على أنها جائزة غير ممتنعة، ولا يخفاك أن الرؤية الأخروية هي بمعزل عن هذا كله والخلاف بينهم هو فيها لا في الرؤية في الدنيا فقد كان الخلاف فيها في زمن الصحابة وكلامهم فيها معروف.

(فلما تجلّى ربّه) تجلى معناه ظهر من قولك جلوت العروس أي أبرزتها وجلوت السيف: خلّصته من الصّدأ. وتجلى الشيء: انكشف، والمعنى فلما ظهر ربه، وقيل المتجلي هو أمره وقدرته، قاله قطرب وغيره (للجبل جعله دكاً) الدك مصدر بمعنى المفعول أي جعله مدكوكاً مدقوقاً فصار تراباً، هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة والدك والدق أخوان وهو تفتيت الشيء وسحقه، وقيل تسويته بالأرض.

وقرأ أهل الكوفة دكاء على التأنيث والجمع دكّاوات كحمراء وحمراوات وهي اسم للرابية الناشزة من الأرض أو للأرض المستوية. فالمعنى أن الجبل صار صغيراً كالرابية أو أرضاً مستوية.

قال الكسائي: الدوك الجبال العراض واحدها أدك والدكاوات جمع دكاء وهي روابٍ من طين ليست بالغلاظ، والدكادك ما التبد من الأرض فلم يرتفع وناقة دكّاء لا سنام لها، قال سهل بن سعد الساعدي: دكاً يعني مستوياً بالأرض وقيل تراباً، وقيل ساخ حتى وقع في البحر.

وقال عطية العوفي: صار رملاً هائلاً، وقال الكلبي: يعني كسر جبالاً صغاراً، قيل واسم الجبل زبير، قال الضحاك: أظهر الله من نوره مثل منخر

ص: 11

الثور، وقال ابن سلام وكعب: ما تجلى إلا مثل سم الخياط، وقال السدي: إلا قدر الخنصر.

وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وغيرهم عن أنس ابن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية جعله دكاً قال: " هكذا وأشار بأصبعيه ووضع إبهامه على أنملة الخنصر، وفي لفظ على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل وخر موسى صعقاً، وفي لفظ فساخ الجبل في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة (1).

وهذا الحديث صحيح على شرط مسلم، وقال ابن عباس: هذا الجبل هو الطور وما تجلى منه إلا قدر الخنصر جعله تراباً، وقال سهل بن سعد: أظهر نوراً قدر الدرهم من سبعين ألف حجاب، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:" لما تجلى الله للجبل صارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، بالمدينة أحد وورقان ورضوى، وبمكة حراء وثبير وثور "(2)، أخرجه أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية وابن أبي حاتم وغيرهم وفي لفظ سبعة أجبل في اليمن اثنان حضور وصبر.

(وخرَّ موسى) أي سقط، والخرور السقوط وقيده الراغب بسقوط يسمع له خرير، والخرير يقال لصوت الماء والريح وغير ذلك مما يسقط من علو (صعقاً) أي مغشياً عليه لهول ما رأى، مأخوذ من الصاعقة، والمعنى أنه صار حاله لما غشي عليه كحال من يغشى عليه عند إصابة الصاعقة له، يقال صعق الرجل فهو صعق ومصعوق إذا أصابته الصاعقة.

قال الكلبي: صعق موسى يوم الخميس وهو يوم عرفة وأعطى التوراة

(1) ابن كثير 2/ 244.

(2)

ابن كثير 2/ 245.

ص: 12

يوم الجمعة يوم النحر، قال ابن عباس: فلم يزل صعقاً ما شاء الله، وقال قتادة: ميتاً والأول أولى لقوله (فلما أفاق) والميت لا إفاقة له، إنما يقال أفاق من غشيته والإفاقة رجوع الفهم والعقل إلى الإنسان بعد جنون أو سكر أو نحوهما ومنه إفاقة المريض وهي رجوع قوته وإفاقة الحلب هي رجوع الدر إلى الضّرْع.

قال الواقدي: لما خر موسى صعقاً قالت الملائكة ما لابن عمران وسؤال الرؤية فلما أفاق وعرف أنه سأل أمراً عظيماً لا ينبغي له (قال سبحانك) أي أنزهك تنزيهاً من أن أسأل شيئاً لم تأذن لي به أو عن أن تُرى في الدنيا أو من النقائص كلها (تبت إليك) عن العود إلى مثل هذا السؤال.

قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية فإن الأنبياء معصومون وقيل هي توبته من قتله للقبطي، ذكره القشيري ولا وجه له في مثل هذا المقام، وقيل لما كانت الرؤية مخصوصة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فمنعها قال تبت إليك يعني من سؤال ما ليس لي، وما أبعده والأول أولى (1).

(وأنا أول المؤمنين) بك قبل قومي الموجودين في هذا العصر المعترفين بعظمتك وجلالك وبأنك لا ترى في الدنيا مع جوازها (1).

(1) وفي الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تُخَيِّروا بين الأنبياء فإن الناس يَصعَقون يوم القيامة فأرفع رأسي فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أصعق فيمن صعق فأفاق قبلي أو حُوسب بصعقته الأولى ". أو قال " كفته صعقته الأولى ". وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن كعب قال: إن الله تبارك وتعالى قسّم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى صلى الله وسلم عليهما. ذكره القرطبي 7/ 280.

ص: 13

قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)

ص: 14

(قال يا موسى إني اصطفيتك) جملة مستأنفة والتي قبلها متضمنة لإكرام موسى واختصاصه بما اختصه الله به، والاصطفاء الاختيار والاجتباء أي اخترتك (على الناس) المعاصرين لك (برسالاتي) كأنه نظر إلى أن الرسالة هي على ضروب فجمع لاختلاف الأنواع وقرئ بالإفراد (وبكلامي) المراد به هنا التكليم، امتن الله سبحانه عليه بهذين النوعين العظيمين من أنواع الإكرام وهما الرسالة والتكليم من غير واسطة.

(فخذ ما آتيتك) أمره بأن يأخذ ما آتاه أي أعطاه من هذا الشرف الكريم والفضل الجسيم (وكن) أمره بأن يكون (من الشاكرين) على هذا العطاء العظيم والإكرام الجليل.

ص: 14

(وكتبنا له في الألواح من كل شيء) مما يحتاج إليه بنو إسرائيل في دينهم ودنياهم، وقال السدي: من كل شيء أمروا به ونهوا عنه، وعن مجاهد مثله.

وقد اختلف السلف في المكتوب في الألواح اختلافاً كثيراً، ولا مانع من حمل المكتوب على جميع ذلك لعدم التنافي، وهذه الألواح هي التوراة قيل كانت من زمردة خضراء، وقيل من ياقوتة حمراء، وقيل من زبرجدة خضراء وقيل من صخرة صماء، وقيل من خشب نزلت من السماء.

وقد اختلف في عدد الألواح وفي مقدار طولها وعرضها، والألواح جمع

ص: 14

لوح وسمي لوحاً لكونه تلوح فيه المعاني، وأسند الله سبحانه الكتابة إلى نفسه تشريفاً للمكتوب في الألواح وهي مكتوبة بأمره سبحانه، وقيل هي كتابة خلقها الله في الألواح.

وفي الحديث " خلق الله تعالى آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده وفي لفظ غرس الفردوس بيده "، رواه الدارمي وابن النجار وغيرهما عن عبد الله بن الحرث والمحفوظ أنه موقوف وفيه أبو معشر متكلم فيه.

قال ابن عمر: خلق الله أربعة أشياء بيده العرش والقلم وعدن وآدم، وعن ميسرة أن الله لم يمس شيئاً من خلقه غير ثلاث خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده ونحوه عن كعب، رواهما الدارمي، وعن علي بن أبي طالب قال: كتب الله الألواح لموسى وهو يسمع صريف الأقلام في اللوح، وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة كان طول اللوح اثني عشر ذراعاً " أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه.

وعن سعيد بن جبير قال: كانوا يقولون كانت الألواح من ياقوتة حمراء، وأنا أقول إنما كانت من زمرد وكتابتها الذهب كتبها الله بيده فسمع أهل السموات صريف الأقلام.

أقول: رحم الله سعيداً ما كان أغناه عن هذا الذي قاله من جهة نفسه فمثله لا يقال بالرأي ولا بالحدس، والذي يغلب به الظن: أن كثيراً من السلف رحمهم الله كانوا يسألون اليهود عن هذه الأمور فلهذا اختلفت واضطربت الأقوال فيها فهذا يقول من خشب، وهذا يقول من ياقوت وهذا

ص: 15

يقول من زمرد، وهذا يقول من زبرجد، وهذا يقول من برد وهذا يقول من حجر (1).

(موعظة) لمن يتعظ بها من بني إسرائيل وغيرهم، وحقيقة الموعظة التذكير والتحذير مما يخاف عاقبته (وتفصيلاً لكل شيء) أي للأحكام المحتاجة إلى التفصيل وتبياناً لكل شيء من الأمر والنهي والحلال والحرام، قيل أنزل التوراة وهي سبعون وقر بعير لم يقرأها كلها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى.

(فخذها) أي الألواح وقيل: الضمير عائد إلى الرسالات أو إلى كل شيء أو إلى التوراة قيل: وهذا الأمر على إضمار القول أي قلنا له خذها (بقّوة) أي بجد ونشاط وقال ابن عباس: بحزم، وقال الربيع بن أنس: بطاعة وقال السدي: باجتهاد وقيل: بقوة قلب وصحة عزيمة ونية صادقة.

(وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) أي بأحسن ما فيها مما أجره أكثر من غيره وهو مثل قوله تعالى (اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) وقوله (فيتبعون أحسنه) ومن الأحسن الصبر على الغير والعفو عنه والعمل بالعزيمة دون الرخصة وبالفريضة دون النافلة وفعل المأمور وترك المنهى عنه وقال ابن عباس: يحلُّوا حلالها ويحرِّموا حرامها ويتدبروا أمثالها ويقفوا عند متشابهها وكان موسى أشدَّ عبادة من قومه فأمر بما لم يؤمروا به.

وقيل: الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح والأحسن الأخذ بالأشد والأشق على النفس، وقيل: أحسن بمعنى حسن وكلها حسن.

(1) وأسند أبو نعيم الحافظ عن عمرو بن دينار قال: بلغني أن موسى بن عمران نبي الله صلى الله عليه وسلم صام أربعين ليلة فلما ألقى الألواح تكسرت، فصام مثلها فردت إليه.

ص: 16

(سأريكم دار الفاسقين) أي الكفار قاله ابن عباس وهي أرض مصر التي كانت لفرعون وقومه قاله عطية العوفي وقيل منازل عاد وثمود قال الكلبي: قيل هي جهنم قاله الحسن، وعطاء وقيل منازل الكفار من الجبابرة والعمالقة ليعتبروا بها قاله السدي، وقال قتادة: سأدخلكم الشام فأريكم منازل القرون الماضية، وقيل الدار الهلاك والمعنى سأريكم هلاك الفاسقين، وقد تقدم تحقيق معنى الفسق، وقال مجاهد: سأريكم مصيرهم في الآخرة وقال قتادة: منازلهم في الدنيا.

ومعنى الإراءة: الإدخال بطريق الإرث، ويؤيده قراءة من قرأ (سأورثكم) بالثاء المثلثة كما في قوله (وأورثنا) القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها، قاله أبو السعود، وهذه القراءة ترد القول بأنها جهنم.

والعجب من السيوطي بعد هذا الخلاف المقرر كيف يرده بدعوى التصحيف والتحريف فإنه قد ذكر في حسن المحاضرة ما نصه:

اشتهر على ألسنة كثير من الناس أنها مصر، وقد أخرج ابن الصلاح وغيره من الحفاظ أن ذلك خلط نشأ عن تصحيف، وإنما الوارد عن مجاهد وغيره من مفسري السلف في قوله تعالى (سأريكم) الخ قال مصيرهم فصحفت انتهى، وجمهور المفسرين على أن بني إسرائيل بعد ذهابهم إلى الشام رجعوا إلى مصر وملكوا أرض القبط وأموالهم وبه قال القرطبي والكرخي وهو قول الحسن وقيل إنهم لم يعودوا إلى مصر، وهو قول ضعيف جداً.

ص: 17

سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)

ص: 18

(سأصرف عن آياتي الذين يتكبَّرون في الأرض) قيل معناه سأمنعهم فهم كتابي أي أنزع عنهم فهم القرآن، قاله سفيان بن عيينة، وقال السدي: عن أن يتفكروا في آياتي، وقال ابن جريج عن التفكر في خلق السموات والأرض والآيات التي فيهما، وقيل سأصرفهم عن الإيمان بها والتصديق بما فيها وقيل عن نفعها مجازاة على تكبرهم كما في قوله (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) وقيل سأطبع على قلوبهم حتى لا يتفكروا فيها ولا يعتبروا بها.

واختلف في تفسير الآيات فقيل هي المعجزات التسع التي أعطاها الله لموسى. وقيل: الكتب المنزلة وقيل خلق العالم ولا مانع من حمل الآيات على جميع ذلك، وحمل الصرف على جميع المعاني المذكورة، والتكبر: إظهار كبر النفس على غيرها فهو صفة ذم في حق العباد أي يفتعلون الكبر ويرون أنهّم أفضل من غيرهم فلذلك قال (بغير الحق) أي يتكبرون بما ليس بحق أو متلبسين بغير الحق.

(وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) أي سأصرف عن آياتي المتكبرين التاركين للإيمان بما يرونه من الآيات ويدخل تحت كل آية الآيات المنزلة والآيات التكوينية والمعجزات أي لا يؤمنون بآية من الآيات كائنة ما كانت.

(وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً) معطوفة على ما قبلها داخلة

ص: 18

في حكمه وكذلك (وإن يروا سبيل الغي يتَّخذوه سبيلاً) والمعنى: أنهم إذا وجدوا سبيلاً من سبل الرشد يعني طريق الحق والهدى والسداد والصواب تركوه وتجنبوه، وإن رأوا سبيلاً من سبل الغي والضلال سلكوه واختاروه لأنفسهم.

قال أبو عبيدة: فرق أبو عمرو بين الرُّشد والرَّشد فقال الرشد الصلاح والرَّشد في الدين وقال النحاس: سيبويه يذهب إلى أن الرُّشد والرَّشد كالسُّخط والسَّخط وهما لغتان وأصل الرُّشْد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد وهو ضد الخيبة.

(ذلك) إشارة إلى ما ذكر من تكبرهم وعدم الإيمان بالآيات وتجنب سبيل الرشد وسلوك سبيل الغي وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه (بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) أي بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها.

ص: 19

(والذين كذبوا بآياتنا ولقاء) الدار (الآخرة) يعني لقاءهم لها أو لقاءهم ما وعدوا به فيها ذكرهما الزمخشري (حبطت أعمالهم) الحباط البطلان أي بطل ما عملوه في الدنيا مما صورته صورة الطاعة كالصدقة والصلة وإن كانوا في حال كفرهم لا طاعات لهم كأن لم تكن، ويحتمل أن يراد: أنها تبطل بعد ما كانت مرجوة النفع على تقدير إسلامهم لما في الحديث الصحيح [أسلمت على ما أسلفت من خير].

(هل يجزون إلا ما) أي بما (كانوا يعملون) أو على ما كانوا أو جزاء ما كانوا، قدره الواحدي وقال هنا: لا بد منه قال السمين وهو واضح، لأن نفس ما كانوا يعملونه لا يجزونه إنما يجزون بمقابلة أعمالهم من الكفر بالله والتكذيب بآياته وتنكب سبيل الحق وسلوك سبيل الغي.

ص: 19

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)

ص: 20

(واتخذ قوم موسى من بعده) أي من بعد خروجه إلى الطور وذهابه إلى المناجاة (من) للتبعيض أو للابتداء أو للبيان (حليّهم) التي استعاروها من قوم فرعون للعيد ليتزينوا به حين هموا بالخروج من مصر، وإضافتها إليهم لأنها كانت في أيديهم أو لأنها بقيت عندهم إلى أن هلك فرعون وقومه فصارت ملكاً لهم، والحلي بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حلى وبه قرأ أهل المدينة وأهل البصرة.

وقرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي إلا عاصماً بكسر الحاء بالاتباع أي باتباع الحاء للام كدلي وهو ظاهر، وقرأ يعقوب بفتح الحاء وتخفيف الياء قال النحاس: جمع حَلي وحَليّ وحُلى مثل ثَدي وثَديّ وثُدى.

(عجلاً) أي اتخذوا عجلاً إلهاً و (جسداً) بدل من عجلاً أو وصف له يعني: اتخذوا من ذلك الحلي وهو الذهب والفضة عجلاً (له خُوار) أي صوت البقر، هذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة وجمهور المفسرين، والخوار: الصياح يقال: خار يخور خواراً إذا صاح، وكذلك خار يخار ونسب اتخاذ العجل إلى القوم جميعاً مع أنه اتخذه السامري وحده لكونه واحداً منهم وهم راضون بفعله.

روي أنه لما وعد موسى قومه ثلاثين ليلة فأبطأ عليهم في العشر المزيدة قال السامري لبني إسرائيل وكان مطاعاً فيهم: إن معكم حلياً من حلى آل فرعون الذي استعرتموه منهم لتتزينوا به في العيد وخرجتم وهو معكم، وقد

ص: 20

أغرق الله أهله من القبط فهاتوه فدفعوه إليه فاتخذ منه العجل المذكور.

قال قتادة: فجعله جسداً لحماً ودماً له خوار قال عكرمة: صوت، وقيل كان جسداً لا روح فيه وكان يسمع منه صوت من خفق الريح والأول أولى لأنه كان يخور قال وهب: كان يسمع منه الحوار ولا يتحرك، وقال السدي: كان يخور ويمشي وقرأ علي وأبو السماك له جؤار بالجيم والهمزة وهو الصوت الشديد.

(ألم يروا أنه لا يكلمهم) الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي: ألم يعتبروا بأن هذا الذي اتخذوه إلهاً لا يقدر على تكليمهم فضلاً عن أن يقدر على جلب نفع لهم أو دفع ضر عنهم (ولا يهديهم سبيلاً) أي طريقاً واضحة يسلكونها وعلى كلا التقديرين لا يصلح لأن يعبد (اتخذوه) إلهاً، وأعيد تأكيداً (وكانوا ظالمين) لأنفسهم في اتخاذه إلهاً أو في كل شيء ومن جملة ذلك الاتخاذ.

ص: 21

(ولماَّ سقط في أيديهم) أي ندموا وتحيروا بعد عود موسى من الميقات، يقال للنادم المتحير: قد سقط في يده قال الأخفش: يقال سقط وأسقط، ونقله أيضاً الفراء والزجاج إلا أن الفراء قال: سقط أي الثلاثي أكثر وأجود.

وهذه اللفظة تستعمل في الندم والتحير، وقد اضطربت أقوال أهل اللغة في أصلها، قال الواحدي: قد بان من أقوال المفسرين وأهل اللغة أن سقط في يده ندم وأنه يستعمل في صفة النادم، فأما القول في أصله ومأخذه فلم أر لأحد من أئمة اللغة شيئاً أرتضيه فيه إلا ما ذكره الزجاج فإنه قال: إنه بمعنى ندموا.

وقال أبو عبيدة: يقال لمن ندم على أمر وعجز عنه سقط في يده، وقال الزمخشري: معناه لما اشتد ندمهم، ومن قال: سقط على البناء للفاعل فالمعنى عنده: سقط الندم وأصله أن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غماً

ص: 21

فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه قد وقع فيها، وفي الجمل سقط فعل ماض مبني للمجهول وأصله سقطت أفواههم على أيديهم، فـ (في) بمعنى (على) وذلك من شدة الندم فإن العادة أن الإنسان إذا ندم بقلبه على شيء عض بفمه على أصابعه فسقوط الأفواه على الأيدي لازم للندم فأطلق اسم اللازم وأريد الملزوم على سبيل الكناية.

وهذا التركيب لم تعرفه العرب إلا بعد نزول القرآن، ولم يوجد ذلك في أشعارهم والسقوط: عبارة عن النزول من أعلى إلى أسفل، وقال الأزهري والزجاج والنحاس وغيرهم: معنى سقط في أيديهم أي في قلوبهم وأنفسهم كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان محالاً أن يكون في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب والنفس بما يحصل في اليد لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد، قال تعالى (ذلك بما قدمت يداك).

وأيضاً الندم وإن حلَّ القلب فأثره يظهر في اليد لأن النادم يعض يده ويضرب إحدى يديه على الأخرى، قال تعالى (فأصبح يقلب كفّيه على ما أنفق فيها) ومنه:(ويوم يعض الظالم على يديه) أي من الندم وأيضاً النادم يضع ذقنه في يده.

(ورأوا) أي تبينوا وتيقنوا (أنهم قد ضلوا) باتخاذهم العجل وأنهم قد ابتلوا بمعصية الله سبحانه في عبادتهم العجل (قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكوننَّ من الخاسرين) وفي هذا الكلام منهم ما يفيد الاستغاثة بالله والتضرع والابتهال في السؤال والاعتراف بعظم ما أقدموا عليه من الذنب، والندم على ما صدر منهم والرَّغب إلى الله في إقالة عثرتهم واعترافهم على أنفسهم بالخسران إن لم يغفر لهم ربهم ويتب عليهم ويتجاوز عنهم ويرحمهم، وسيأتي في سورة طه إن شاء الله ما يدل على أن هذا الكلام المحكي عنهم هنا وقع بعد رجوع موسى، وإنما قدم هنا على رجوعه لقصد حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل في موضع واحد.

ص: 22

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)

ص: 23

(ولماّ رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً) هذا بيان لما وقع من موسى بعد رجوعه، والأسف: شديد الغضب قاله محمد بن كعب، وقيل هو منزلة وراء الغضب أشد منه، قاله أبو الدرداء، وقال ابن عباس والسدي: الأسف الحزن والأسيف الحزين، قال الواحدي: والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ما تكره ممن هو فوقك حزنت فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزناً والأخرى غضباً يقال: هو أسف وأسيف وأسفان وأسوف.

قال ابن جرير الطبري: أخبره الله قبل رجوعه بأنهم قد فتنوا، وأن السّامري قد أضلهم فلذلك رجع وهو غضبان أسفاً.

(قال بئسما خلفتموني من بعدي) هذ ذم من موسى لقومه أي بئس العمل ما عملتموه من بعد غيبتي عنكم وفراقي إياكم، يقال: خلفه بخير، وخلفه بشر، استنكر عليهم ما فعلوه وذمهم لكونهم قد شاهدوا من الآيات ما يوجب بعضه الإنزجار، والإيمان بالله وحده، ولكن هذا شأن بني إسرائيل في تلوُّن حالهم واضطراب أفعالهم.

ثم قال منكراً عليهم (أعجلتم أمر ربكم) العجلة التقدم بالشيء قبل وقته يقال: عجلت الشيء سبقته وأعجلت الرجل حملته على العجلة، ولذلك صارت مذمومة والسرعة غير مذمومة لأن معناها عمل الشيء في أول وقته،

ص: 23

والمعنى أعجلتم عن انتظار أمر ربكم أي ميعاده الذي وعدنيه وهو الأربعون ففعلتم ما فعلتم، قاله الحسن وقيل معناه تعجلتم سخط ربكم وقيل معناه أعجلتم وأسبقتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم، قاله الكلبي، وقيل معنى أعجلتم تركتم والأول أولى.

(وألقى الألواح) التي فيها التوراة أي طرحها لما اعتراه من شدة الغضب والأسف وفرط الزجر حمية للدين حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل، قال ابن عباس: لما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفعت إلا سدسها.

وعنه كما أخرج أبو الشيخ رفع الله منها ستة أسباعها وبقي سبع، وقال مجاهد: لما ألقاها موسى ذهب التفصيل يعني أخبار الغيب، وبقي الهدى أي ما فيه المواعظ والأحكام، عن ابن جريج قال: كانت تسعة رفع منها لوحان وبقي سبعة وفي زاده: المراد بإلقائها أنه وضعها في موضع ليتفرغ لما قصده من مكالمة قومه لا رغبة عنها فلما عاد إليها أخذها بعينها.

(وأخذ برأس أخيه) هارون أو بشعر رأسه ولحيته حال كونه (يجره) إليه من شدة غضبه لا هواناً به قال ابن الأنباري: مد يده إلى رأسه لشدة وجده عليه وفعل به ذلك لكونه لم ينكر على السامري ولا غير ما رآه من عبادة بني إسرائيل للعجل.

(قال) هارون معتذراً منه يا (ابن أم) إنما قال هذا مع كونه أخاه لأبيه وأمه لأنها كلمة لين ورفق وعطف، ولأن حق الأم أعظم وأحق بالمراعاة وقد قاست فيه المخاوف والشدائد مع أنها كما قيل كانت مؤمنة، وقال الزجاج: قيل كان هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه، قال أبو السعود: وكان أكبر منه بثلاث سنين وكان حمولاً ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل.

ص: 24

(إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) أي إني لم أطق تغيير ما فعلوه لهذين الأمرين استضعافهم لي ومقاربتهم لقتلي، مع إني لم آل جهداً في كفهم بالوعظ والإنذار.

(فلا تشمت بي الأعداء) الشماتة: أصلها الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك يقال: شمت فلان بفلان إذا سر بمكروه نزل به، والمعنى لا تسر الأعداء بما تفعل بي من المكروه، وفي المصباح شمت به يشمت من باب سلم إذا فرح بمصيبة نزلت به، والاسم الشماتة وأشمت الله العدو به ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:" اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وجهد البلاء وشماتة الأعداء "، وهو في الصحيح (1).

قيل: والمعنى لا تفعل بي ما يكون سبباً للشماتة منهم، وقال مجاهد ومالك ابن دينار: لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله بي، وقال ابن جني: والمعنى فلا تشمت بي أنت يارب، وما أبعد هذا المعنى عن الصواب، وأبعد تأويلها عن وجوه الإعراب.

(ولا تجعلني مع القوم الظَّالمين) أي لا تجعلني بغضبك في عداد القوم الذين عبدوا العجل أو لا تعتقد أني منهم مع براءتي منهم ومن ظلمهم.

(1) مسلم 2707 - البخاري 2401.

ص: 25

(قال رب اغفر لي ولأخي) طلب المغفرة له أولاً ولأخيه ثانياً ليزيل عن أخيه ما خافه من الشماتة فكأنه قد ندم مما فعله بأخيه، وأظهر أنه لا وجه له وطلب المغفرة من الله مما فرط منه في جانبه ثم طلب المغفرة لأخيه إن كان قد وقع منه تقصير فيما يجب عليه من الإنكار عليهم وتغيير ما وقع منهم (وأدخلنا في رحمتك) التي وسعت كل شيء (وأنت أرحم الراحمين) فيه ترغيب في الدعاء لأن من هو أرحم الراحمين تؤمل منه الرحمة، وفيه تقوية لطمع الداعي في نجاح طلبته.

ص: 25

إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)

ص: 26

(إن الذين اتَّخذوا العجل) إلهاً عبدوه من دون الله (سينالهم غضب من ربهم) الغضب ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا بقتل أنفسهم، وما سينزل بهم في الآخرة من العذاب (وذلَّة في الحياة الدنيا) الذلة هي التي ضربها الله عليهم بقوله:(ضربت عليهم الذّلة) وقيل هي إخراجهم من ديارهم، والأولى أن يقيدَّ الغضب والذلة بالدنيا لقوله:(في الحياة الدنيا) وإن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلهاً لا لمن بعدهم من ذراريهم، ومجرد ما أمروا به من قتل أنفسهم هو غضب من الله عليهم وبه يصيرون أذلاء وكذلك خروجهم من ديارهم هو من غضب الله عليهم وبه يصيرون أذلاء.

وأما ما نال ذراريهم من الذل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قال ابن عباس وعطية العوفي فلا يصح تفسير ما في الآية به إلا إذا تعذر حمل الآية على المعنى الحقيقي، وهو لم يتعذر هنا، وقال ابن جريج: إن هذا الغضب والذلة لمن مات منهم على عبادة العجل ولمن فر من القتل، وهذا الذي قاله وإن كان له وجه لكن جميع المفسرين على خلاف ذلك.

(وكذلك) أي مثل ما فعلنا بهؤلاء (نجزي المفترين) أن نفعل بهم، عن أيوب قال هو جزاء كل مفتر يكون إلى يوم القيامة أن يذله الله، وقال سفيان بن عيينة: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة، وقال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وهو يجد ما فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية قال: والمبتدع مفتر في دين الله اهـ.

ص: 26

والافتراء الكذب، فمن افترى على الله سيناله غضب وذلة في الحياة الدنيا وإن لم يكن بنفس ما عوقب به هؤلاء، بل المراد ما يصدق عليه أنه من غضب الله سبحانه وإن فيه ذلة بأي نوع كان، ولا فرية أعظم من قول السامري: هذا إلهكم وإله موسى.

ص: 27

(والذين عملوا السَّيئات) أي سيئة كانت حتى الكفر وما دونه ومن جملتها عبادة العجل (ثم تابوا من بعدها) أي من بعد عملها (وآمنوا) بالله (إن ربك) أيها التائب أو يا محمد (من بعدها) أي من بعد هذه التوبة أو من بعد عمل هذه السيئات التي قد تاب عنها فاعلها وآمن بالله (لغفور رحيم) أي كثير الغفران لذنوب عباده وكثير الرحمة لهم.

وفي الآية دليل على أن السيئات بأسرها صغيرها وكبيرها مشتركة في التوبة وأن الله تعالى يغفرها جميعاً بفضله ورحمته، وهذا من أعظم البشائر للمذنبين التائبين.

ص: 27

(ولما سكت) وقرئ أسكت (عن موسى الغضب) أصل السكوت السكون والإمساك عن الشيء يقال جرى الوادي ثلاثاً ثم سكت أي مسك وسكن عن الجري، وقيل هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له قل لقومك كذا وألق الألواح وجر برأس أخيك فترك الإغراء وسكت.

وقيل هذا الكلام فيه قلب، والأصل سكت موسى عن الغضب كقولهم أدخلت الأصبع الخاتم والخاتم الأصبع، وأدخلت القلنسوة رأسي، ورأسي القلنسوة، والأول أولى، وبه قال أهل اللغة والتفسير وفيه مبالغة وبلاغة من حيث إنه جعل الغضب الحامل له على ما فعل كالآمر به والمغري عليه، حتى عبر عن سكونه بالسكوت.

(أخذ الألواح) التي ألقاها عند الغضب، قال الرازي: وظاهر هذا

ص: 27

يدل على أن الألواح لم تتكسر ولم يرفع من التوراة شيء (وفي نسختها) فعله بمعنى مفعولة كالخطبة، والنسخ: نقل ما في كتاب إلى كتاب آخر، ويقال للأصل الذي كان النقل منه نسخة وللمنقول نسخة أيضاً، قال القشيري: والمعنى أي فيما نسخ من الألواح المتكسرة ونقل إلى الألواح الجديدة، وقيل المعنى وفيما نسخ له منها أي من اللوح المحفوظ وقيل المعنى وفيما كتب له فيها فلا يحتاج إلى أصل ينقل عنه، وهذا كما يقال انسخ ما يقول فلان أي اثبته في كتابك.

(هدى) أي ما يهتدون به من الأحكام (ورحمة) أي ما يحصل لهم من الله عند عملهم بما فيها من الرحمة الواسعة، قال مجاهد: ولم يذكر التفصيل ههنا وقال ابن عباس: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب (للَّذين هم) أي كائنة لهم أو لأجلهم واللام في (لربهم) للتقوية للفعل، وقد صرح الكسائي بأنها زائدة وقال الأخفش: هي لام الأجل، وقال المبرد: التقدير للذين هم رهبتهم لربهم (يرهبون) أي يخافون منه سبحانه (1).

(1) قيل: هذا من تمام كلام موسى عليه السلام؛ أخبر الله عز وجل به عنه، وتمّ الكلام. ثم قال الله تعالى:" وَكَذَلِكَ نجْزِي اْلمُفْتَرينَ "، وكان هذا القول من موسى عليه السلام قبل أن يتوب القوم بقتلهم أنفسهم، فإنهم لما تابوا وعفا الله عنهم بعد أن جرى القتل العظيم- كما تقدم بيانه في " البقرة " أجرهم أن من مات قتيلاً فهو شهيد، ومن بقي حياً فهو مغفور له. وقيل: كان ثم طائفة أشربوا في قلوبهم العجل، أي حبه، فلم يتوبوا، فهم المعنيون بقوله:" إن الذين اتخذوا العجل ". وقيل: أراد من مات منهم قبل رجوع موسى من الميقات، وقيل: أراد أولادهم. وهو ما جرى على قُريظة والنضير، أي سينال أولادهم. والله أعلم. (وكذلك نجزي المفترين) أي مثل ما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين. ذكره القرطبي في 7/ 292.

ص: 28

وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)

ص: 29

(واختار موسى قومه سبعين رجلاً) هذا شروع في بيان ما كان من موسى ومن القوم الذين اختارهم، والأختيار افتعال من الخيار، يقال اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره، والمعنى اختار من قومه فحذف كلمة من وذلك شائع في العربية لدلالة الكلام عليه قيل اختار من كل سبط من قومه ستة نفر فكانوا اثنين وسبعين، فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاحنوا فقال لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وذهب معه الباقون.

وروي أنه لم يصب إلا ستين شيخاً فأوحى الله إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً فأمرهم موسى أن يصوموا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور سيناء ذكره الخطيب وقيل غير ذلك.

(لميقاتنا) أي للوقت الذي وقتناه له بعد أن وقع من قومه ما وقع، والميقات الكلام الذي تقدم ذكره لأن الله أمره أن يأتي إلى الطور في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه سبحانه من عبادة العجل، كذا قيل وقال مجاهد: المعنى لتمام الموعد، وقيل هذا الميقات غير ميقات الكلام السابق في قوله:(وواعدنا موسى) فهذا بعد ميقات الكلام ولم يبينوا مدة هذا.

وقال ابن عباس: أمره الله أن يختار سبعين رجلاً فاختارهم وبرز بهم

ص: 29

ليدعو ربهم فكان فيما دعوا لله أن قالوا اللهم أعطنا ما لم تعط أحداً من قبلنا ولا تعطه أحداً بعدنا فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة كما قال: (فلما أخذتهم الرجفة) هي في اللغة الزلزلة الشديدة قيل إنهم زلزلوا حتى ماتوا يوماً وليلة وقال وهب لم تكن موتاً ولكن أخذتهم الرِّعدة وقلقوا ورجفوا حتى كادت أن تبين مفاصلهم.

ومعظم الروايات أنهم ماتوا قال مجاهد: ماتوا ثم أحياهم الله تعالى وسبب أخذ الرجفة لهم ما حكى الله عنهم من قولهم: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة) على ما تقدم في البقرة وقيل هؤلاء السبعون غير من قالوا أرنا الله جهرة بل أخذتهم الرجفة بسبب عدم انتهائهم عن عبادة العجل، وقيل إنهم قوم لم يرضوا بعبادة العجل ولا نهوا السامري ومن معه عن عبادته فأخذتهم الرجفة بسبب سكوتهم.

فلما رأى موسى أخذ الرجفة لهم (قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل) المعنى لو شئت إهلاكنا لأهلكتنا بذنوبنا قبل هذا الوقت وقال ذلك اعترافاً منه عليه السلام بالذنب وتلهفاً على ما فرط من قومه (وإياي) معهم وذلك أنه خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين ولم يصدقوا بأنهم ماتوا.

(أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) الاستفهام للجحد أي لست ممن يفعل ذلك قاله ثقة منه برحمة الله، والمقصود منه الاستعطاف والتضرع، قاله ابن الأنباري وقيل معناه الدعاء والطلب أي لا تهلكنا قاله المبرد، وقيل قد علم موسى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره ولكنه كقول عيسى " عليه السلام إن تعذبهم فإنهم عبادك وقيل المراد بالسفهاء السبعون، والمعنى أتهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم أرنا الله جهرة، وقيل المراد بهم السامري وأصحابه.

(إن هي) قال الواحدي: الكناية في هي تعود إلى الفتنة كما تقول إن

ص: 30

هو إلا زيد (إلا فتنتك) التي تختبر بها من شئت وتمتحن بها من أردت، ولعله عليه السلام استفاد هذا من قوله سبحانه:(إنا قد فتنا قومك من بعدك) قال أبو العالية: بليَّتك وقال ابن عباس: مشيئتك (تضل بها) أي بهذه الفتنة (من تشاء) من عبادك (وتهدي) بها (من تشاء) منهم ومثله (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) قال الواحدي: وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر.

ثم رجع إلى الاستعطاف والدعاء فقال: (أنت ولينا) أي المتولي لأمورنا وهذا يفيد الحصر أي لا ناصر ولا حافظ إلا أنت (فاغفر لنا) ما أذنبناه (وارحمنا) برحمتك التي وسعت كل شيء (وأنت خير الغافرين) للذنوب.

ص: 31

(واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة) بتوفيقنا للأعمال الصالحة أو تفضل علينا بإفاضة النعم من الحياة الطيبة والعافية وسعة الرزق (و) اكتب لنا (في الآخرة) الجنة بما تجازينا به أو بما تتفضل به علينا من النعيم في الآخرة (إنا هدنا) تعليل لما قبلها من سؤال المغفرة والرحمة والحسنة في الدنيا وفي الآخرة أي إنا تبنا (إليك) ورجعنا عن الغواية التي وقعت من بني إسرائيل، والهود التوبة، وقد تقدم في البقرة وبه قال جميع المفسرين قيل وبه سميت اليهود، وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم ثم صار اسم ذم وهو لازم لهم، وأصل الهود الرجوع برفق والمهادنة المصالحة قال عكرمة فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة.

وقال أبو وجزة السعدي: وكان من أعلم الناس بالعربية: لا والله ما أعلمها في كلام العرب هدنا قيل فكيف؟ قال: هدنا بكسر الهاء يقول ملنا.

(قال عذابي أصيب به من أشاء) قيل المراد بالعذاب هنا الرجفة، وقيل

ص: 31

أمره سبحانه لهم بأن يقتلوا أنفسهم أي ليس هذا إليك يا موسى بل ما شئت كان وما لم أشأ لم يكن، والظاهر أن العذاب هنا يندرج تحته كل عذاب ويدخل فيه عذاب هؤلاء دخولاً أولياً، وقيل المراد من أشاء من المستحقين للعذاب أو من أشاء أن أضله وأسلبه التوفيق ليس لأحد عليّ اعتراض لأن الكل ملكي وعبيدي.

(ورحمتي وسعت كل شيء) من المكلفين وغيرهم، قيل هذا من العام الذي أريد به الخاص فرحمة الله عمت البر والفاجر في الدنيا، وهي للمؤمنين خاصة في الآخرة، قاله الحسن وقتادة، وقال جمع من المفسرين: لما نزلت هذه الآية تطاول إبليس إليها قال وأنا من ذلك الشيء فنزعها الله من إبليس قاله السدي وابن جريج، وعن قتادة نحوه فقال:(فسأكتبها للذين يتقون) الذنوب أو الشرك قاله ابن عباس (ويؤتون الزكاة) المفروضة عليهم (والذين هم بآياتنا يؤمنون) أي يصدقون ويذعنون لها، فأيس إبليس، وقالت اليهود نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا فنزعها الله من اليهود وأثبتها لهذه الأمة.

وأخرج مسلم وغيره عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن لله مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة "(1)، وعن ابن عباس قال سأل موسى ربه مسألة فأعطاها محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأعطى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كل شيء سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه في هذه الآية.

(1) وفي رواية لمسلم: إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس، والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة مسلم (2752) البخاري 2320.

وفي رواية خلق الله مائة رحمة، فوضع واحدة بين خلقه وخبأ عنده مائة إلا واحدة.

ص: 32