المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وكذلك عند الكلام على الصوفية وأثرهم في حركة الوضع في - التدوين المبكر للسنة بين الدكتور صبحي الصالح والمستشرقين

[ماجد أحمد نيازي الدرويش]

الفصل: وكذلك عند الكلام على الصوفية وأثرهم في حركة الوضع في

وكذلك عند الكلام على الصوفية وأثرهم في حركة الوضع في الحديث (117)،أورد عبارة للإمام يحيى بن سعيد القطان يقول فيها:«مَا رَأَيْتُ الكَذِبَ فِي أَحَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيمَنْ يُنْسَبُ إِلَى الخَيْرِ [وَالزُّهْدِ]» .

ومع أن العبارة ليست على ظاهرها، إذ كيف يُنسَبُ إلى الخير ثم يكذب؟! وإنما يقصد بالكذب هنا: الخطأ، وهو المشهور من مصطلح المتقدمين. لأن هؤلاء الذين نُسبوا إلى الخير، وهم الصوفية، شغلهم التزهد عن ضبط الرواية فكثر عندهم الخطأ في الرواية.

ولما كان المستشرقون لا معرفة لهم بهذه المصطلحات، فإن بعضهم - وهو المستشرق نولدكه - «وجد في مثل هذه العبارة مادةً صالحةً للتعليق، والتعقيب، مع أنها تشير إلى دقة المقاييس النقدية عند رجال الحديث» .

وهكذا نجد إمامنا لا يكاد يفوت فرصة ممكن أن يبين فيها خطأًُ لمستشرق، أو حتى صواباً، إلا وابتهلها.

هذا ويلاحظ المتابع لردود الدكتور الصالح على المستشرقين أنها كلها في مباحث نظرية بحتة من علوم الحديث، وليس فيها شيء من المباحث التقنية " المصطلحات "، وهذا من العلامات الدالة على أسبقية الأمة المسلمة في وضع هذا المنهاج العلمي لنقد المرويات، فلو كان عندهم من هذا شيء لحاكموا مصطلحنا إلى مصطلحهم، ولكن لما لم يكن عندهم من ذلك شيء، سَلَّمُوا لنا مصطلحنا، بل واقتبسوه وأعملوه في مروياتهم، فجاء من ذلك العجب!!.

‌شُبْهَةٌ وَرَدُّهَا:

مع هذا كله وُجِدَ من يقول إن منهج النقد عند المسلمين ركز على الشكل (السند) وأهمل المضمون (المتن)(118). «أو كما يقولون: يُعنى بالأسانيد ولا يبالي بالمتون» .

وللرد على هذه المغالطة ختم الشهيد الدكتور الشيخ صُبْحِي الصَّالِحْ رحمه الله كتابه " علوم الحديث " ببحث مستفيض دحض فيه هذه الشبهة وأتى من الأدلة الدامغة ما فيه الغنية «لمن ألقى السمع وهو شهيد» (119). وقد تكلم فيه عن الفرق بين (التدليس) وبين (الكذب) ليبين خطأ ما ذهب إليه جولدتسيهر من طعن متعمد في الروايات الحديثية، فَرَدَّ عَلَيْهِ من كلام أقرانه من المستشرقين «وَالحَقُّ مَا

(117)" علوم الحديث ومصطلحه ": ص 290.

(118)

كتب في هذا الموضوع الدكتور صلاح الدين الإدلبي كتابه " منهج نقد المتن عند [علماء الحديث النبوي] " فأتى فيه بما شفى وكفى.

(119)

" علوم الحديث ومصطلحه " ص 311. وقد استغرقت الخاتمة من ص 309 إلى ص 320 من الكتاب.

ص: 24

شَهِدَتْ بِهِ الأَعْدَاءُ» (120). فقال: «ومع أن التدليس أخو الكذب، فإنهما ليسا مترادفين على معنى واحد، والمدلَّس على كل حال ليس هو الموضوع. فالكذب في التدليس ضرب من الخداع (121)، والكذب في الوضع لون من الاختلاق. وقد لاحظ هذا الاختلاف بين الاصطلاحين كل من المستشرقين فرنكل Frankel و Ahlwardt ابن الورد» (122).

«وجولدتسيهر يعرف هذا جَيِّدًا، ولكنه يَتَعَمَّدُ الخلط بين الاصطلاحين لِيُهَوِّلَ في شأن الوضع والوضاعين» (123).

ولذلك نرى الشيخ الصَّالِحْ، عندما يتكلم عن تلازم منهجية العلماء في النقد للسند والمتن معاً، «وأن هذه الثنائية المؤلفة من المتن والسند هي التي كانت تسود جميع مسائل هذا الفن» ، نراه يشن هُجُومًا على المستشرقين الذين حاولوا اللعب على التفريق بين هذه الثنائية، وادعاء أن النقد انْصَبَّ على السند دون المتن، فيقول: «لن نرتكب الحماقة التي لا يزال المستشرقون وتلامذتهم المخدوعون بعلمهم (الغزير) يرتكبونها كلما عرضوا للحديث النبوي، إذ يفصلون بين السند والمتن مثلما يُفْصَلُ بين خَصْمَيْنِ لا يلتقيان، أو ضَرَّتَيْنِ لا تجتمعان، كما فعل شبرنجر في مقاله في " المجلة الإجتماعية الألمانية الشرقية " عن الحديث عند العرب، وإن كان قد حاول أن يُهَدِّئَ من غلوائه بزعمه أن التشدد في الأسانيد لم يكن يعني المحدثين حقيقة إلا إذا تعلق بالحلال والحرام. وقد بينا فساد هذا الرأي

».

ولذلك نراه يكثر الانتقاد لتحليلات المستشرقين، وبخاصة جولدتسيهر الذي كان يعترف بأن دقة علم المصطلح كما وضعه المسلمون ليس له مثيل في التاريخ «ولكنه أبى أن يجعل الدقة فيه شاملة للمتن والسند معاً» (124)، هذا غير طعنه ببعض الصحابة كأبي هريرة رضي الله عنه (125).

وأخذ أحمد أمين هذا عنه «فخاض فيما لم تحمد عقباه» (126)، مما فتح المجال أمام البعض للنيل من نصوص الحديث ومتونه، «كما نجد في كتاب ساليسبرغ» .

(120) هكذا أورد الدكتور صبحي العبارة، وأصلها (الفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأَعْدَاءُ) فما كل ما شهدت به الأعداء فهو حق.

(121)

هذا إن قُصِد.

(122)

Frankel، Diearamaischen Fremdworter im Arabischen 188 ; Ahlwardt،Verzeichniss der Landbergschen Sammlung arab. Handschriften de la Biblioth royale de Berlin، no 149

(123)

" علوم الحديث ومصطلحه ": ص 313.

(124)

" علوم الحديث ومصطلحه ": ص 319.

(125)

نظر " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 320.

(126)

المرجع السابق نفسه.

ص: 25

وبهذا ختم الشهيد الدكتور الصَّالِحْ هجومه على المستشرقين. ويمكننا القول: إن كتابه جاء سجلاً حافلاً جامعاً لشبهاتهم حول الحديث وَالرَدِّ عَلَيْهَا، وهو يعتبر من أوائل ما أُلِّفَ في هذا الموضوع، ساعده في ذلك إتقانه للغة الفرنسية، واطلاعه الواسع على كتابات المستشرقين، وبخاصة خلال فترة دراسته في جامعة السوربون. ففي الوقت الذي يكتب غيره في الرد على المستشرقين معتمدين على ما يُتَرْجَمُ من كتاباتهم، كان الدكتور الصَّالِحْ رحمه الله يقرأ في مؤلفاتهم مباشرة.

وقد عاصره عالم جليل كتب في الرد على المستشرقين، وهو الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ". وقد كان زميلاً للدكتور الصَّالِحْ في جامعة دمشق، إلا أن هذا الكتاب كان لما يطبع بعد، ولم يطلع عليه الدكتور صبحي الصالح إلا وملازم كتابه (" علوم الحديث ") الأخيرة في المطبعة (127).

وعليه فإن الكثير من المباحث التي رقمها كان له فيها نوع سبق، كما في المنهجية التي اتبعها.

فجزاه الله تعالى عن العلم خير الجزاء وأوفاه، وتقبله الله عنده من الذين أنعم الله عليهم.

انتهى المقصود وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الدكتور ماجد الدرويش

أستاذ الحديث الشريف في جامعة الجنان

(127) - ينظر " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 318 حاشية.

ص: 26