الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الآول: الكتابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
المبحث الأول: الكتابة عند العرب قيل الإسلام
.
…
الفصل الأول: الكتابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الكتابة عند العرب قبل الإسلام.
المبحث الثاني: الكتابة عند العرب بعد الإسلام.
المبحث الأول: الكتابة عند العرب قبل الإسلام
أثبتت الدراسات الحديثة للنقوش والبرديات الجاهلية أن العرب عرفوا الكتابة وكتبوا بالخط العربي الذي عرف فيما بعد بالخط الكوفي منذ مطلع القرن الرابع الميلادي أي قبل الإسلام بثلاثة قرون تقريباً، كما عرفوا النقط والإعجام (1) .
وقد انتقلت الكتابة إلى العرب عن طريق "الأنبار" وهم تعلموها من أهل "الحيرة" التي عرفت فيما بعد "بالكوفة"؛ فقد كانت مركزاً ثقافياً منذ زمن بعيد، واستخدمت فيها اللغة العربية في بلاط الحكام العرب.
وانتقلت الكتابة إلى الحجاز عن طريق "حرب بن أمية" وكان له صحبة مع "بشر بن عبد الملك" أخو "أكيدر" صاحب "دومة الجندل" بسبب تجارته إلى "العراق" فتعلم منه الكتابة، ثم سافرا معاً إلى مكة فتزوج "بشر""الصهباء" أخت "أبي سفيان"، وتعلم منه الكتابة جماعة من أهل مكة (2) .
ويذكر أنه ممن كان يكتب في تلك الفترة:"عبد المطلب" جد النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك جده الأكبر "قصي"(3) .
ومن الطبيعي أن تنتشر الكتابة في "مكة" بعد ذلك بوصفها مركزاً دينياً وتجارياً، ولابد أن يكون هذا الانتشار عن طريق التعليم، إذ وجدت أماكن
(1) مصادر الشعر الجاهلي، 619.
(2)
مناهل العرفان 1/362.
(3)
تاريخ الطبري 1/1084، طبقات ابن سعد 1/1/38، عن دلائل التوثيق المبكر للسنة، د. امتياز أحمد، 156.
للتعليم في مكة (1) ، والمدينة (2) ، ودومة الجندل (3) ، وغيرها.
كما كانت تعقد في مكة مجالس للعلم تتدارس فيها الأخبار والأشعار والأنساب، وكان منها مجالس أبي بكر رضي الله عنه، قال ابن عباس رضي الله عنهما:"كانت قريش تألف منزل أبي بكر لخصلتين: العلم والطعام، فلما أسلم أسلم عامة من كان مُجالسه"(4) .
وقد أدرك العرب قيمة الكتابة والكاتبين فأطلقوا صفة الكمال على من أتقن أمورا ثلاثة، أحدها: الكتابة. قال ابن سعد: "كان الكامل عندهم في الجاهلية وأول الإسلام الذي يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي"(5) .
قال في " مختار الصحاح: "والكاتب عند العرب العالم" (6) .
أما الموضوعات التي أثر عن عرب الجاهلية كتابتها: فهي تشمل كل شؤون حياتهم الخاصة والعامة، فكانوا يكتبون أنسابهم (7) ، وأشعارهم (8) ، ومآثرهم، وحكم بلغائهم (9) ، وأيام حروبهم (10) ، وعهودهم ومواثيقهم،
(1) فتوح البلدان 579.
(2)
فتوح البلدان 583.
(3)
المحبر 475.
(4)
البيان والتبيين 4/76.
(5)
طبقات ابن سعد 3/2/91.
(6)
مختار الصحاح 562.
(7)
طبقات ابن سعد 4/1/32.
(8)
مصادر الشعر الجاهلي 107 - 123.
(9)
تاريخ الطبري 1/1208، عن دلائل التوثيق المبكر للسنة 159.
(10)
طبقات ابن سعد 4/1/1/32.
وأحلافهم (1) ، ومراسلاتهم الشخصية (2)، وديونهم فقد جاء في كتاب رسول صلى الله عليه وسلم إلى ثقيف:"وما كان لثقيف من دَين في صحفهم اليوم الذي أسلموا عليه في الناس فإنه لهم"(3) .
على أن هذه المعرفة للقراءة والكتابة لم تكن عامة عند الجميع، فهي تختلف باختلاف البيئات والمواطن تطوراً وازدهاراً، فالقبيلة الواحدة قد يكون قسم منها ضارباً في جوف الصحراء، وقسم تحضَّر واستقرَّ، وسكن المدن والقرى، وقسم بين هذين القسمين يبتعد في جوف الصحراء، ولكنه لا ينزل قلب المدن والقرى، وإنما يستوطن باديتها، وظاهرها، وعلى ذلك كانت قريش، والأوس، والخزرج وهذيل، وأكثر قبائل العرب (4) .
وعن ذلك يقول "ابن فارس" -بعد أن عرض لذكر بعض الأعراب ممن كان لا يحسن الكتابة- "
…
فأما من حكي عنه من الأعراب الذين لم يعرفوا الهمز والجر والكاف والدال فإنا لم نزعم أن العرب كلها مدرا ووبرا قد عرفوا الكتابة كلها والحروف أجمعها، وما العرب في قديم الزمان إلا كنحن اليوم فما كل يعرف الكتابة والخط والقراءة
…
" (5) .
كما أن هذا لا ينافي ما وصفهم الله به في كتابه الكريم من أنهم أمة أمية وذلك في ثلاث آيات هي: قوله تعالى {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} [آل عمران:20]، وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ
(1) مصادر الشعر الجاهلي 166.
(2)
صبح الأعشى 6/468.
(3)
الوثائق السياسية، محمد حميد الله، 181، فقرة 10.
(4)
مصادر الشعر الجاهلي 618.
(5)
عن مصادر الشعر الجاهلي 47.
عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران:75]، وقوله تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ} [الجمعة:2] . لأن الأمية بهذا المعنى كانت غالبة على كثرتهم والكتابة فيهم قليلة نادرة (1) .
وقد ادَّعى البعض أن وصف العرب بالأمية لا ينافي معرفتهم بالقراءة والكتابة، وأن المراد بالأمية هي الأمية الدينية أي الجهل بالشريعة؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، وما كان محمد صلى الله عليه وسلم أمياً إلا لأنه نبي هؤلاء الأميين لتعليمه إياهم شريعة الله (2) .
وهو حمل لظاهر معنى النص القرآني على غير المراد منه من غير قرينة، وذلك لأنه يقتضي التفريق بين تفسير الأميين -وهم العرب- بأنهم جهلة الدين والشريعة، وبين تفسير ما وصف به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمية في قوله تعالى:{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} [الأعراف:157] بأنه الذي لا يعرف القراءة والكتابة، وهو الأصل المراد من ظاهر النص والذي فهمه جمهور المفسرين، وبيَّنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"(3) .
(1) فتح الباري 4/127.
(2)
انظر علوم الحديث صبحي الصالح 16، والسنة قبل التدوين 296.
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الصوم 4/127، بشرحه فتح الباري.