المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثاني: دفع التعارض - كتابة الحديث النبوي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين النهي والإذن

[حسناء بنت بكري نجار]

الفصل: ‌المبحث الثاني: دفع التعارض

‌المبحث الثاني: دفع التعارض

المبحث الثاني: منهج دفع التعارض بين أحاديث النهي والإذن

اختلف العلماء ولا سيما الأصوليين في دفع التعارض بين الأدلة الشرعية، فذهب الجمهور إلى أن منهج دفع التعارض هو النسخ أولا، وذلك بأن يُعْلَمَ تاريخ ورود كل من الدليلين المتعارضين فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم. فإن عجزنا عن معرفة تاريخ ورود الدليلين المتعارضين لجأنا إلى الجمع، وذلك بالتأليف بينهما وإزالة الاختلاف، فإن عَجَزْنا عن الجمع بين المتعارضين لجأنا إلى الترجيح؛ وذلك بتقوية أحد الدليلين المتعارضين بناء على قواعد الترجيح المعمول بها عند المحدثين والأصوليين.

وذهب الحنفية إلى أن منهج دفع التعارض بين الدليلين المتعارضين يكون بالجمع أولا ثم بالنسخ ثانيا، ثم بالترجيح ثالثا (1) .

والخلاف بين الجمهور والحنفية في تقديم الجمع على النسخ.

وتجدر الإشارة إلى أنه ليس ثمة تعارض حقيقي في الواقع ونفس الأمر بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن، وإنما التعارض في الذهن فقط بحسب ما يبدو لذهن المجتهد لسبب من الأسباب التي تجعل الأدلة متعارضة في نظره.

وأود أن أنوه إلى أنني سأسير وفق منهج الجمهور في دفع التعارض بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن.

أولاً: النسخ

والنسخ في اللغة هو الإزالة والنقل.

(1) الإحكام للآمدي 3/182، تيسير التحرير 3/160، شرح مختصر ابن الحاجب 2/166.

ص: 34

يقال: نسخت الشمسُ الظلَّ أي: أزالته ويقال: نسخت الكتاب أي نقلته (1) .

وفي الاصطلاح: اختلف العلماء في تعريف النسخ بين كونه رفعا للحكم أو بياناً له. وأشهر ما قيل في تعريف النسخ هو: "رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه "(2) .

ومن خلال تعريف النسخ نستطيع أن نقول:

لا بد أن نعرف تاريخ ورود النهي عن الكتابة وتاريخ ورود الإذن بالكتابة حتى يمكننا القول بأن المتأخر ناسخ للمتقدم.

ويرى بعض العلماء أن أحاديث النهي منسوخة؛ لأنها متقدمة وأحاديث الإذن ناسخة لأنها متأخرة فهو من باب نسخ السُّنة بالسُّنة.

ومال إلى هذا الرأي كثير من العلماء كابن قتيبة (3) ، وابن حجر (4) ، والنووي (5) ، وابن الصلاح (6) وغيرهم، والقول بالنسخ لابد أن يستند إلى

دليل محقق.

واستدل العلماء على كون النهي المتقدم هو المنسوخ بما يلي:

أن الإذن بالكتابة متأخر عن النهي عنها؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم

(1) مختار الصحاح 656، المصباح المنير 2/271.

(2)

نهاية السول 226، دراسات في النسخ د. نادية العمري 28.

(3)

تأويل مختلف الحديث 193.

(4)

فتح الباري 1/208.

(5)

صحيح مسلم بشرح النووي 18/130.

(6)

المحدث الفاصل 386.

ص: 35

قال في غزوة الفتح:"اكتبوا لأبي شاه". يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها.

وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة وحديثه متأخر عن النهي؛ لأنه لم يزل يكتب ومات وعنده كتابته وهي الصحيفة التي كان يسميها الصادقة.

ولو كان النهي عن الكتابة متأخراً لمحاها عبد الله.

وذكر الشيخ رشيد رضا (1) : أن النهي هو المتأخر وليس هو المتقدم، وبالتالي فالإذن بالكتابة هو المنسوخ.

واستدل على ذلك بدليلين:

الأول: استدلال مَنْ رُوي عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها وذلك بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ورد على ذلك بما يلي: " لم يثبت استدلال أحد منهم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم فالمرويُّ عن زيد بن ثابت متفق على ضعفه.

وعن أبي سعيد روايتان: إحداهما فيها الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيها امتناع أبي سعيد، ولم نقل في هذا إنه منسوخ، إنما قلنا إنه إما خطأ والصواب عن أبي سعيد من قوله موقوفاً عليه، كما قال البخاري وغيره، وإما محمول على أمر خاص.

والرواية الثانية عن أبي نضرة عن أبي سعيد في امتناعه هو، وليس فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى، وقد بقيت صحيفة عليّ عنده إلى زمن خلافته، وكذلك بقيت صحيفة عبد الله بن عمرو عنده، ثم عند أولاده.

(1) مجلة المنار 10/767، عن السنة ومكانتها في التشريع 61.

ص: 36

فلو كان هناك نسخ لكان بقاء الصحيفتين دليلاً واضحاً على أن الإذن هو المتأخر.

وأن عمر رضي الله عنه عزم على الكتابة وأشار عليه الصحابة بها ثم تركها لمعنى آخر ولم يذكروا نهيا كان من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك صريح فيما أثبتناه" (1) .

فلا يمكن القول بأن حديث أبي سعيد هو المتأخر فيكون ناسخا لها؛ لأن الكتاب الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يكتبه إنما كان في مرض موته صلى الله عليه وسلم (2) ولا يعقل أن حديث أبي سعيد كان بعد ذلك.

ويعلق الدكتور الأعظمي على رأي رشيد رضا هذا بقوله: "

وفي الواقع هذا الرأي هو وليد نظرته إلى السنة؛ لأنه في رأيه لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون أحاديثه دينا عاما كالقرآن " (3) .

ثانياً: عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره، ولو دونوا ونشروا لتواتر ما دونوا.

رُدَّ على ذلك بما يلي: " أما نشر الحديث فقد نشروا والحمد لله وبذلك بلغنا. وأما التدوين فيُعنى به الجمع في كتاب كما جمعوا القرآن، وأن الله سبحانه وتعالى تكفَّل بحفظ القرآن وبيانه وهو السنة. وما تكفل بحفظه لابد أن يحفظ.

(1) الأنوار الكاشفة للمعلمي 43.

(2)

أخرجه البخاري في صحيحه 1/208، بشرحه فتح الباري.

(3)

دراسات في الحديث النبوي 79.

ص: 37

وقد علمنا من دين الله أنَّ على عباده مع إيمانهم بحفظ ما تكفَّل حفظه أن يعملوا ما من شأنه في العادة حفظ ذلك الشيء، وأنه لا تنافي بين الأمرين" (1) .

وبعد رَدِّ دليلَيْ القائل بأن النهي هو المتأخر فهو الناسخ، والإذن بالكتابة هو المتقدم فهو المنسوخ، وأحاديث الإذن هي الناسخة، فآخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإذن بكتابة الحديث، ويؤيد ذلك ما يلي:

1-

ما روي عن ابن عباس أنه قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده".

فقد هَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب لأصحابه كتابا حتى لا يختلفوا من بعده، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بحق. فهذا منه صلى الله عليه وسلم نسخ للنهي السابق في حديث أبي سعيد.

2-

رُوي من طرق مختلفة أن أبا هريرة قال: " ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب بيده ما سمع منه فأذن له ". فاستئذان عبد الله بن عمرو من النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الحديث يدل على أن الكتابة كانت منهيا عنها في أول الأمر، وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالكتابة لما استأذنه، ولا خصوصية لعبد الله بن عمرو، وعليه فيمكن أن يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتحق بالرفيق

(1) الأنوار الكاشفة 44.

ص: 38

الأعلى إلا وكتابة الحديث مأذون فيها (1) .

وعلق الدكتور نور الدين عتر على هذا الرأي بقوله: "

إن القول بالنسخ لا يحل الإشكال في هذه المسألة،؛ لأن النهي عن الكتابة لو نسخ نسخاً عاما لما بقي الامتناع عن الكتابة في صفوف الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأقيمت الحجة عليهم من طلبة العلم الذين كانوا على أشد الحرص على تدوين الحديث، فما زال المشكل بحاجة إلى مخلص مناسب لحله" (2) .

ثانياً: الجمع بين الدليلين (أحاديث النهي - أحاديث الإذن بالكتابة)

والجمع في اللغة: هو الضم والاقتران.

وفي الاصطلاح: هو إزالة الاختلاف بالتأليف والتوفيق والتأويل فلا يؤدي هذا التأويل إلى التعسف الشديد (3) .

وبعض العلماء يرون أنه من الممكن التوفيق والتأليف بين أحاديث النهي عن الكتابة وأحاديث الإذن فيها، ويتحقق الجمع فيها بما يلي:

الطريقة الأولى:

1 -

وذلك بأن تحمل أحاديث النهي على حال غير الحال التي تحمل عليها أحاديث الإذن بالكتابة، كأن تحمل أحاديث النهي في حق مَنْ وُثِقَ بحفظه، وخيف اتكاله على الكتابة، وتحمل أحاديث الإذن في الكتابة في حَقِّ مَنْ لا يُوثق بحفظه، ويُخاف عليه النسيان (4) .

(1) الحديث والمحدثون 125.

(2)

منهج النقد 43.

(3)

أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف 35، ولسان العرب 1/498، مادة جمع.

(4)

النووي على مسلم 16/130.

ص: 39

وقيل: النهي في حق من خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ والإذن لمن أُمِنَ منه ذلك (1) .

وقيل: بأن النهي هو في حق من لا يوثق بحفظه والإباحة في حَقِّ مَنْ يُوثق بحفظه. وهذا القول لا يقره النظر لما روي من الإذن لعبد الله بن عمرو ومثله يوثق بحفظه كما يدل عليه حديث أبي هريرة: فإنه كان يكتب بيده

ويعيه بقلبه، وكنت أعيه بقلبي، ولا أكتب بيدي، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب فأَذِن له (2) .

أو أن تحمل أحاديث النهي عن كتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد وأحاديث الإذن تحمل على تفريقهما (3) .

يؤيد ذلك ما نقله الخطابي: " إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة"(4) .

فإذا لم نقل بالنسخ فلا يكون النهي وارداً فيمن فصل بينهما فكتب القرآن في صحيفة والحديث في صحيفة أخرى (5) .

أو أن تحمل أحاديث النهي على وقت غير الوقت الذي تحمل عليه أحاديث الإذن، كأن تحمل أحاديث النهي على وقت نزول القرآن الكريم خشية التباسه، وتحمل أحاديث الإذن على غير هذا الوقت (6) .

(1) ابن حجر في فتح الباري 1/802.

(2)

كتابة الحديث النبوي، د. يوسف عبد المقصود 311، تقييد العلم 83.

(3)

فتح الباري 1/208.

(4)

معالم السنن 5/246.

(5)

كتابة الحديث النبوي 306.

(6)

تدريب الراوي 2/67.

ص: 40

الطريقة الثانية:

وذلك بأن تكون أحاديث النهي خاصة، وأحاديث الإذن عامة، فيحمل الخاص على العام، وذلك بأن يحمل الخاص فيما ورد فيه ويبقى العام على عمومه.

أو يكون بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن عموم وخصوص وجهي، وذلك بأن أحاديث الإذن أو التصريح به كان خاصا بعبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنه اعتاد أن يكتب بالسريانية والعربية في حين أن الصحابة الآخرين باستثناء واحد أو اثنين لم يكونوا على درجة تؤهلهم للكتابة.

أو أن أحاديث النهي لم تكن دائمة ولا عامة، ومن جهة أخرى فالأحاديث المصرح بتدوينها تعطي انطباعا بأن التصريح بالكتابة منح لهؤلاء الذين شَكَوْا من ضعف ذاكرتهم، وبالتالي فالذين استطاعوا حفظ أقوال النبي في الذاكرة لم يكن مسموحا لهم بالكتابة (1) .

أو تكون أحاديث النهي عامة خص منها حديث عبد الله بن عمرو؛ لأنه كان قارئا كاتبا مأمونا عليه، فكان يقرأ الكتب المتقدمة ويكتب بالسريانية والعربية، وكان غيره من الصحابة أميين فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم، ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له (2) .

ثالثاً: الترجيح

الترجيح في اللغة: التمييل والتغليب. يقال: رجحت الكفةُ إذا غلبت

(1) دلائل التوثيق المبكر 217.

(2)

تأويل مختلف الحديث 286.

ص: 41

ومالت (1) .

وفي الاصطلاح: عَرَّفه الأصوليون بتعاريف كثيرة. أوضح هذه التعريفات هو: " تقوية أحد الدليلين على الآخر ليعمل به ويترك الآخر"(2) .

ونستطيع أن ندفع التعارض بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن في الكتابة بترجيح أحدهما على الآخر بناء على قواعد الترجيح المعمول بها عند المحدثين والأصوليين، بأن نقول: إن أحاديث النهي عن الكتابة فيها ضعف ومعظمها لم تصحَّ؛ وذلك لما يلي:

بتتبع روايات النهي عن الكتابة نجد أن ثلاثةً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتهرت عنهم أحاديث النهي عن الكتابة وهم: أبو سعيد الخدري وأبو هريرة وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.

1-

حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

وحديثه قد رُوي من طريقين:

الأول: طريق همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ - قال همام: أحسبه قال: متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"(3) .

وهذه الرواية تكاد تكون أصح الروايات، ومع ذلك اختلف البخاري

(1) انظر مختار الصحاح 234.

(2)

التمهيد في أصول الفقه 4/226.

(3)

صحيح مسلم بشرح النووي 18 /129.

ص: 42

ومسلم في رفعها ووقفها.

قال ابن حجر: "ومنهم َمْن أعلَّ حديث أبي سعيد، قاله البخاري وغيره"(1) ، بالإضافة إلى أن تفرد همام بن يحيى عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد.

قال الخطيب: " تفرد همام برواية هذا الحديث عن زيد بن أسلم هكذا مرفوعاً، وقد روي عن سفيان الثوري أيضا عن زيد، ويقال: إن المحفوظ رواية هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري من قوله غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم (2) ؛ مما يجعل أحاديث إباحة الكتابة أرجح منه لخلوها من التفرد الذي في الحديث هذا.

الثاني: طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: " استأذنَّا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة، فأبى أن يأذن لنا ".

وهذه الرواية ضعيفة وأجمعوا على ضعف راويها عبد الرحمن (3) .

2 -

حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

أما رواية أبي هريرة فقد رويت من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناساً قد كتبوا حديثه فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " ما هذه الكتب التي بلغني أنكم قد كتبتم، إنما أنا بشر، من كان عنده منها شيء

(1) الفتح 1/208.

(2)

تقييد العلم 30.

(3)

الجرح والتعديل 2/233، ميزان الاعتدال 2/564.

ص: 43

فليأت به "، فجمعناها فأخرجت. فقلنا: يا رسول الله نتحدث عنك؟ قال: "تحدثوا عني ولا حرج، ومَنْ كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (1) .

وفي رواية عن ابن سهل عن أبيه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال أبو هريرة: فجمعناها في صعيد واحد فألقيناها في النار.

وهذا الحديث فيه الكلام السابق نفسه لأن راويه هو عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم فلا نحتاج إلى إعادته فهذه ساقطة الاعتبار.

3-

أما حديث زيد بن ثابت فله روايتان:

الرواية الأولى: عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث، فأمر إنسانا يكتبه. فقال له زيد:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا ألَاّ نكتب شيئاً من حديثه" فمحاه (2) .

وهذا الحديث فيه مقال أيضا ينزله عن درجة الصحيح إلى درجة الضعيف؛ ففي سنده كثير بن زيد روى ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل أن يحيى بن معين سئل عنه. فقال: "ليس بالقوي" وقال النسائي: "ضعيف" وقال أبو زرعة: "صدوق فيه لين" كما أورد له الذهبي في ((الميزان)) حديثاً فيه نكارة (3) فلا يحتج به إذن.

بالإضافة إلى أن المطلب الذي روى عنه كثير هذا الحديث، لم يدرك زيد

ابن ثابت ولم يسمع منه فهو منقطع (4) .

الرواية الثانية عن الشعبي: أن مروان أجلس لزيد بن ثابت رجلا وراء

(1) تقييد العلم 34.

(2)

تقييد العلم 35.

(3)

الجرح والتعديل 7/151، ميزان الاعتدال 3/404، تهذيب التهذيب 8/414.

(4)

تهذيب التهذيب 10/179، الأنوار الكاشفة 35، دراسات في الحديث النبوي د. الأعظمي 78.

ص: 44

الستر، ثم دعاه فجلس يسأله ويكتبون، فنظر إليهم زيد فقال: يا مروان عذراً إنما أقول برأيي.

فيحتمل أن ما كتب عن زيد كانت آراءه الشخصية؛ لذا كرهها زيد.

وهذا لا يدل على كراهيته لكتابة الحديث؛ لأنه ثبت أنه كتب الحديث (1) .

وعلى هذا فإن أحاديث النهي عن الكتابة لم تسلم من الضعف جميعها إلا حديث واحد تفرد به رواته - واختلف في وقفه ورفعه - أما الأحاديث الأخرى فالكل متفق على ضعفها قال المعلمي: " أما الأحاديث فإنما هي حديث مختلف في صحته، وآخر متفق على ضعفه "(2) .

وبالتالي فإن أحاديث الإذن في الكتابة هي الراجحة وهي التي يحتج بها واستقر الأمر في حياته صلى الله عليه وسلم على إباحة الكتابة.

وعلى أية حال فقد فهم الصحابة أنه لا مانع من كتابة الأحاديث وتوثيقها بها، وكتبوا قسماً كبيراً من الحديث في حياته صلى الله عليه وسلم: إما احتفاظاً به لأنفسهم وإما بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد سبق في الفصل الثاني الإشارة إلى بعضها، ومن الأولى:

- صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، كتب صحيفة سماها الصادقة.

- كتب علي بن أبي طالب صحيفة صغيرة تشتمل على العقل وعلى أحكام فكاك الأسير (3) .

(1) دراسات، الأعظمي 108.

(2)

الأنوار الكاشفة 34.

(3)

صحيح البخاري، كتاب العلم 1/204، بشرحه فتح الباري.

ص: 45

- كتب أبو بكر لأنس بن مالك فرائض الصدقة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .

- كتب جابر بن عبد الله رضي الله عنها صحيفة اشتهرت بصحيفة جابر (2) .

- كتب سعد بن عبادة الأنصاري صحيفة وكان يروي منها (3) .

- كتب ابن عباس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يأتي أبا رافع الصحابي ويقول: "ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم يوم كذا؟ " ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها (4) .

وقد أحصى الأعظمي في دراساته أكثر من خمسين صحابيا كتبوا الحديث (5) .

- ومن النوع الثاني: كتبه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى الإسلام، وكتبه إلى عماله ككتابه لعمرو بن حزم عامله على اليمن، وعقود الصلح والمعاهدات بين المسلمين واليهود والمشركين (6) .

(1) صحيح البخاري بشرح فتح الباري، كتاب الزكاة، 3/316.

(2)

طبقات ابن سعد 5/467.

ص: 46

الرأي الراجح:

بعد أن تعرضنا لآراء العلماء في التوفيق بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن، وقلنا: إن هناك منهجين للعلماء في التوفيق بينهما، أولهما: منهج تعليل الأحاديث الواردة في النهي والإذن، والثاني: منهج دفع التعارض: إما بالنسخ أو الجمع أو الترجيح، نستطيع أن نقول: إن الرأي الراجح هو منهج التعليل في التوفيق بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن وذلك لما يلي:

أولاً: أن مسألة الكتابة لا ينهى عنها لذاتها؛ لأنها ليست من القضايا التعبدية التي لا مجال للنظر فيها، ولأنها لو كانت محظورة لذاتها لما أمكن صدور الإذن بها لأحد من الناس كائنا من كان.

وعلى هذا فإنه لابد من علة يدور عليها الإذن والمنع في آن واحد.

يقول الدكتور نور الدين عتر: " والعلة التي تصلح لذلك من وجهة نظرنا هي ضعف الانكباب على درس غير القرآن وترك القرآن اعتمادا على ذلك"(1) .

فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث الشريف مع القرآن في صحيفة واحدة خوف الالتباس.

وربما يكون ذلك أول الإسلام حتى لا ينشغل المسلمون بالحديث عن القرآن الكريم، وأراد أن يحفظ المسلمون القرآن في صدورهم وعلى الألواح والصحف والعظام توكيدا لحفظه، وترك الحديث للممارسة العملية والتطبيق فكانوا يرون الرسول صلى الله عليه وسلم فيقلدونه ويسمعون منه فيتبعونه،

(1) منهج النقد، 43.

ص: 47

فكأن الحديث امتزج بأرواحهم لشدة حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعتهم له واقتدائهم بسنته.

وإلى جانب هذا سمح لمن لا يختلط عليه القرآن بالسنة أن يدون السنة كعبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وأباح لمن يصعب عليه الحفظ أن يستعين بيده، حتى إذا حفظ المسلمون قرآنهم وميزوه عن الحديث جاء الإذن بالإباحة.

ثانياً: إن القول بتعليل النهي والإذن لا يمنع تخصيص النهي بالسماح لبعض من لا تتحقق فيهم هذه العلة، فالنهي لم يكن عاما والإباحة لم تكن عامة، فحيثما تحققت علة النهي منعت الكتابة وحيثما زالت أبيحت الكتابة.

ثالثاً: القول بالتعليل لا يمنع القول بنسخ الإباحة لأحاديث النهي.

ص: 48