الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: التوفيق بين أحاديث النهي والإذن
المبحث: منهج التعليل
…
الفصل الثالث: التوفيق بين أحاديث النهي والإذن
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: منهج التعليل.
المبحث الثاني: دفع التعارض.
التوفيق بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن
نستطيع أن نقول إننا أمام منهجين للتوفيق بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن وهما:
1-
منهج التعليل.
2 -
ومنهج دفع التعارض.
وهذا ما سنتناوله في المبحثين التاليين:
المبحث الأول: منهج التعليل
وهو القول بأن أحاديث النهي عن الكتابة كانت لعلة، ومن المعلوم أن الأحكام تدور مع العلل وجوداً وعدماً، فمتى وجدت العلة وجد الحكم، ومتى انعدمت العلة انعدم الحكم.
والذي يدقق النظر في أحاديث النهي يجدها أشارت إلى التعليل، كما في رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نكتب الأحاديث فقال "ما هذا الذي تكتبون؟ " قلنا: أحاديث سمعناها منك، قال:"أكتابَ غير الله تريدون؟ ما أضل الأمم من قبلكم إلا أنهم اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله". قال أبو هريرة: فقلت: أنتحدث عنك يا رسول الله؟ قال: "نعم، تحدَّثوا ولا حرج، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"(1) .
واستنبط العلماء عللا أخرى عبروا عنها في كتبهم بما يلي:
قال الخطابي: ".. وقد قيل: إنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ"(2) .
وقال ابن القيم: " وهذا كان في أول الإسلام خشية أن يختلط الوحي الذي يتلى بالوحي الذي لا يتلى "(3) .
وذكر الصنعاني: أن النهي عن الكتابة إنما كان في أول الأمر " بسبب أنه لم يكن قد اشتد إلف الناس بالقرآن ولم يذكر حفاظه والمتقنون له، فلما ألفه
(1) تقييد العلم 33.
(2)
معالم السنن مطبوع مع مختصر سنن أبي داود للمنذري 5/246.
(3)
زاد المعاد 3/457.
الناس وعرفوا أساليبه وكمال بلاغته
…
فلم يخش اختلاطه بعد ذلك " (1) .
وقال ابن عبد البر: " من كره كتابة العلم إنما كرهها لوجهين: أحدهما ألا يتخذ مع القرآن كتابا يضاهى به، ولئلا يتكل الكاتب على ما كتبه فلا يحفظ، فيقلَّ الحفظ "(2) .
وذكر الخطيب البغدادي:"
…
لئلا يضاهى بكتاب الله غيره أو يشتغل عن القرآن بسواه " (3) .
وقال ابن الصلاح: ".. ولعله أذن في الكتابة لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه من وثق بحفظه مخافة الأتكال عن الكتاب"(4) .
ومن خلال أقوال العلماء هذه نستطيع أن نجمل العلل التي من أجلها نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن كتابة الأحاديث فيما يلي:
أولاً: خوف انكباب الناس على كتابة غير القرآن:
فالغرض من منع كتابة الأحاديث هو الحفاظ على الاهتمام النشط من جانب الذين هداهم الله إلى القرآن، فالقرآن لا يزال في مرحلة الوحي ولم يجمع بعد، فكان ينبغي أن يُعطى مزيداً من الاهتمام عن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فخوفاً من احتمال أن يصرف اهتمام المسلمين عن المصدر الأول للتشريع منع الرسول صلى الله عليه وسلم كتابة الأحاديث.
يؤيد ذلك التعليل: أننا إذا تأملنا أقوال الصحابة الذين امتنعوا عن الكتابة وحظروها نجدهم يصرحون بذلك، فهذا أبو نضرة يقول: قلنا لأبي سعيد: لو
(1) توضيح الأفكار 2 / 218.
(2)
جامع بيان العلم 1 / 82.
(3)
تقييد العلم 57.
(4)
مقدمة ابن الصلاح 88.
كتبتم لنا فإنَّا لا نحفظ قال: "لا نكتب ولا نجعلها مصاحف، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا عنا كما كنا نحفظ عن نبيكم"(1) .
حيث فسر رواة الحديث (النهي عن الكتابة) بخشية أن يجعل الحديث موضع القرآن، وراوي الحديث أعلم بما روى كما يقرر العلماء (2) .
وأيضا عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال:" إني كنت أردت أن أكتب السنن وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً "(3) .
وقد أعلن عمر هذا على ملأ من الصحابة رضوان الله عليهم، وأقروه، مما يدل على استقرار أمر هذه العلة في نفوسهم.
ثانياً: الخوف من مضاهاة الحديث للقرآن الكريم:
فالنهي عن كتابة السنة حتى لا تكون مثل القرآن، فالقرآن مكتوب متداول بين الصحابة متعبد بتلاوته وقراءته، فخشي أن يكتب الحديث فيكون مصحفاً يقرأ ويتلى كما يقرأ القرآن الكريم.
يؤيد ذلك التعليل: ما ذكر عن الصحابة عموما أنّهم كانوا يرون أن بني إسرائيل إنما ضلوا بكتب ورثوها، ولذلك قال الخطيب البغدادي: " فقد ثبت أن كراهة الكتاب من الصدر الأول إنما هي لئلا يُضاهى بكتاب الله تعالى
(1) تقييد العلم 57.
(2)
منهج النقد في علوم الحديث 43.
(3)
تقييد العلم 49.
غيرُه، أو يشتغل عن القرآن بسواه " (1) .
ثالثاً: المحافظة على النص القرآني خشية اختلاطه بالسنة.
إن من أسباب النهي عن كتابة الحديث النبوي: خوف اختلاط بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن سهواً من غير عمد (2)، ويؤيد ذلك التعليل ما ذكره البغدادي بقوله:".. ونهى عن كتب العلم في صدر الإسلا م وجدته لقلة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين الوحي وغيره، لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يُؤْمَنْ أن يُلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه كلام الرحمن"(3) .
رابعاً: الحفاظ على ملكة الحفظ عند المسلمين:
قال ابن حجر: "النهي في حَقِّ مَنْ خشي الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن عليه ذلك"(4) .
فالنهي عن كتابة الأحاديث، كان للحفاظ على ملكة الحفظ عند المسلمين؛ إذ الاتكال على الكتابة يضعفها؛ ولذلك كانوا يحتفظون بمعلوماتهم في خزائن القلوب الآمنة (5) ، والمعرفة عندهم ليست ما تحتويه الكتب، ولكن ما وقر في الصدر، فكانوا يرون أن المعلومات التي تُدَوَّن تكون عرضة للنسيان والضياع، وقد منحهم الله ذاكرة حافظة قوية صقلتها كثرة محفوظاتهم واعتمادهم عليها في كل ما يودون الاحتفاظ به، يقول الخطيب: "ونهي عن
(1) تقييد العلم 57.
(2)
السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: (ص 76 – 77)
(3)
تقييد العلم 57.
(4)
فتح الباري 1/208.
(5)
دلائل التوثيق المبكر 220.
الاتكال على الكتاب؛ لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عدم الكتاب قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان" (1) .
يؤيد ذلك التعليل أن بعض الصحابة كانوا يكتبون ثم يمحون ما كتبوا (2) ، ولولم يكن النهي عن الكتابة مستقراً عندهم لما كتبوا ابتداء.
خامساً: الحرج في الكتابة:
لقد اهتم الصحابة بكتابة القرآن الكريم، وكانت الوسائل الكتابية بدائية وغير ميسرة منها: رقاق الحجارة والعظام وسعف النخل وجلود الحيوانات، وكانت الأحاديث النبوية أكثر من أن يحصوها؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم آتاه الله العلم والحكمة والنبوة فكان له في كل حادثة قول، وفي كل مسألة جواب، وفي كثير من الوحي تفسير وبيان، استمر ذلك النور النبوي ثلاثاً وعشرين سنة بين أظهر الصحابة رضوان الله عليهم. فأنى لهم الوسائل الكتابية، ومن أين لهم الوقت الكافي لتدوين حديثه كله تدويناً كاملا، وليسوا مضطرين أن يعتمدوا على الكتابة، وقد منحهم الله سبحانه وتعالى حافظة في صدورهم تعوض لهم ما فاتهم من الكتابة تدوينا وتقييدا؟ ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشق عليهم فيأمرهم بكتابة السنة، وإنما اكتفى بكتابة القرآن الكريم (3) .
(1) تقييد العلم 58، وانظر المحدث الفاصل بين الراوي والواعي 377.
(2)
الإلماع 149.
(3)
معالم السنة النبوية 73.