الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب صفة الحج
هذا الباب مسوق لبيان صفة الحج المشتملة على الفرائض والواجبات والسنن، وأكثر ما فيه تشارك العمرة فيه الحج كما سنبينه، ويقتضيه كلام الشيخ- أيضًا- في هذا الباب، وبعد، حيث لم يبين في باب صفة العمرة [جميع] صفأنها.
قال الشيخ- رحمة الله عليه-: إذا أراد المحرم دخول مكة، اغتسل-أي: في طرفها- كما نص عليه الشافعي- رضي الله عنه في "الأوسط"، لما روى البخاري قال: كان ابن عمر إذا دخل [أدنى] الحرم، أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي الصبح، ثم يغتسل، ويحدث أن النبي- صل الله عليه وسلم- كان يفعل ذلك.
و"ذي طوى"- بفتح الطاء-: طرف مكة.
قيل: سمي بذلك؛ لأن بئرها كانت مطوية بالحجارة، ولم يكن هناك غيرها؛ فنسب الوادي إليها.
وقد نقل عن الشافعي- رضي الله عنه أنه قال: "وأحب للمحرم أن يغتسل من ذي طوى".
قال معظم الأصحاب: وذلك إذا كان طريقه عليها، فإن كان على غيرها، اغتسل من حيث ورد من طريقه لدخول مكة؛ لأن الغرض الاغتسال لا البقعة و [قد] كان عمر بن عبد العزيز يغتسل لدخول مكة من بئر ميمون؛ لأن طريقه كان عليها.
وأطلق القاضي أبو الطيب القول بأن اغتساله من ذي طوى وغيرها سواء.
هذا هو المشهور. وفي "التتمة" أن المقصود من هذا الاغتسال التنظيف لا للتعبد؛ حتى يصح من غير نية وتؤمر به الحائض.
تنبيه: قول الشيخ: "إذا أراد المحرم
…
" إلى آخره يقتضي أمرين:
أحدهما: أنه لا فرق في هذه السنة بين أن يكون قد أحرم بحج أو عمرة أو بهما؛ إن لم نضمر فيه شيئًا، وهو موافق لما ذكره ابن الصباغ عن ابن عمر: أنه كان إذا خرج حاجًّا أو معتمرًا بات بذي طوى .. وساق الحديث، ولا شك في ذلك إذا كان المحرم آفاقيًّا، وقد أحرم من الميقات، أما إذا كان [قد] خرج من مكة، واحرم بالعمرة، ففي "الحاوي": أنه ينظر:
فإن أحرم من موضع بعيد كـ "الجعرانة"، والحديبية فيجب أن يغتسل ثانيًا؛ لدخول مكة؛ كما في الداخل إليها من غيرها.
وإن احرم من موضع يقرب من "مكة": كالتنعيم، أو من أدني الحل- لم يغتسل ثانيًا؛ لأن الغسل إنما يراد للتنظيف وإزالة الوسخ عند دخوله، وهو [باقٍ في] النظافة بغسله المتقدم مع قرب الزمان ودنو المسافة.
قلت: ويظهر أن يقال بمثل ذلك في الحج: إذا أحرم به من التنعيم، أو أدنى الحل؛ بكونه لم يخطر له ذلك إلا فيه.
أما إذا أضمرنا بعد قوله: "إذا أراد المحرم" لفظه به ويعيد الضمير على الحج- فلا يقتضي [ذلك] مشاركة المعتمر الحاج في هذه السنة.
الثاني: أنه لا فرق في هذه السنة وما بعدها إلا ما نبه عليه- بين الرجل والمرأة، الطاهر والحائض والنفساء، وليس كذلك، بل بعض السنن مختص بالرجال كما سنبينه، والبعض يشترك فيه الرجال والنساء، ومنه سنة الغسل؛ لأنه يستحب لها
الاغتسال للإحرام- كما تقدر- للخبر، ومن [استحب له الغسل للإحرام] ، استحب له الغسل لدخول مكة؛ كالرجل.
وما استدل به بعضهم على ما ذكرناه من قوله- عليه السلام لعائشة وقد حاضت وهي تبكي: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، وأهلي [بالحج] وحجي، واصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت ولا تصلي" ومما يفعله [الحاج] الاغتسال- فلا دلالة فيه على ما ادعيناه؛ لأن هذا القول لها من رسول الله –صل الله عليه وسلم- يوم التروية وهي بـ "مكة" حين ذهاب الناس إلى الحج، كما ورد في تتمة الخبر المذكور.
ومما ذكرناه من الدليل يظهر لك أن الداخل لمكة إذا لم يجد الماء تيمم، وإن قدر على الوضوء فقط توضأ؛ كما ذكره في الإحرام، وقد حكيته من قبل، وصرح به الماوردي [هنا].
[تنبيه] آخر: مكة: ذكرها الله-تعالى- في كتابه في قوله تعالى-: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} [الفتح: 24].
وقال- تعالى ذكره-: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّة} [آل عمران: 96]، واختلف العلماء في ذلك:
فقال قوم: هما لغتان، والمسمى واحد.
وقال آخرون: المسمى بهما شيئان، وهؤلاء اختلفوا:
فقال إبراهيم ويحيى: مكة: اسم البلد، وبكة [اسم] البيت.
وقال زيد بن أسلم: مكة [اسم] الحرم، وبكة: المسجد كله.
قال: ويدخل من ثنية كداء [بيته، كذا] من أعلى مكة، وإذا خرج، خرج من ثنية كداء من أسفل مكة؛ لما روى البخاري ومسلم عن عائشة: أن النبي- صلى الله عليه وسلم، كان إذا دخل مكة، دخل من أعلاها، وخرج من أسفلها.
ورويا- أيضًا- وغيرهما عن ابن عمر أن النبي- صل الله عليه وسلم- كان يخرج- أي: من المدينة- من طريق الشجرة، ويدخل [-أي: إليها-] من طريق المُعَرَّس،: وإذا دخل [مكة] دخل من الثنية [العليا]، ويخرج من الثنية السفلى والشجرة: على ستة أميال من المدينة، وكذا المُعَرَّس: وهو بضم الميم وفتح العين، وتشديد الراء المهملة، وفتحها، وبعدها سين مهملة.
والثنية العليا التي [يدخل منها مكة] يقال لها: كَدَاء: بفتح الكاف، والمد. والسفلى التي يخرج منها، يقال: كُدَا بضم الكاف، والقصر، وهما جبلان قريبان من مكة؛ قال الجوهري.
وقال النواوي: الثنية: الطريق الضيق بين جبلين.
وكَداء المفتوحة ينزل منها على الأبطح ومقابر مكة، والمضمومة السفلى عند قُعَيقعان، وهي طريق العمرة.
وقد ذكر القاضي الحسين في التعليق: أن الثنية العليا [التي يدخل منها] بضم الكاف، والسفلى [التي يخرج منها] بفتح الكاف.
وقال الرافعي في الثنية العليا ما ذكرناه من قبل، وقال في الثنية السفلى-إنها- بضم الكاف، وأن الذي يشعر به كلام الأكثرين: أنها بالمد-أيضًا- ويدل عليه: أنهم كتبوه بالألف.
وقال النواوي في" الروضة": الصواب الأول، وهو الذي أطبق عليه [المحققون من] أهل الضبط، ولا اعتداد بغيره، وأما كتابته بالألف فليست بلازمة للمد.
وهذه السنة يشترك فيها الرجال والنساء.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمورًا:
أحدهما: أنه لا فرق فيما ذكره بين أن يكون طريق الداخل والخارج من تلك الجهة أو من غيرها، وهو ما ذكره أبو محمد، وقال: إن كان [على] الطريق [الأول] ، وإلا عدل إليه؛ تأسِّيًا به- عليه السلام فإن الثنية العليا منحرفة قليلًا عن طريق مكة، وهي تقتضي إلى باب بني شيبة ورأس الردم، وطريق المدينة تفضي إلى [باب] إبراهيم.
وقد تبعهم [النواوي في "الروضة"] فقال: الصحيح: أنه يستحب الدخول من الثنية العليا [لكل آت من كل جهة.
وقال الصيدلاني: الدخول من الثنية العليا] ليس نسكًا، وإنما كانت طريقه- صلى الله عليه وسلم فدخل منها.
قال الإمام: وما ذكره من الحكم هو الذي قاله الأئمة، وهو الأوجه عندي؛ فإن الممر والمسلك قبل الانتهاء إلى المسجد لا يصح تعلق النسك به.
وما ذكره شيخي [يعني: والده]- من أن الثنية منحرفة قليلًا عن طريق مكة إلى آخره صحيح، ويمكن أن يحمل دخول رسول الله- صل الله عليه وسلم- منها على غرض
أو سبب يتعلق بالعبادة، لم يعتن الرواة بنقله.
[قلت: لعل مراد الصيدلاني بكونه على طريقه: أنه على طريق من يقصد باب بني شيبه، وقد توافقوا على أن الدخول منه مطلوب وأنه- عليه السلام قصده، وحينئذٍ لا اعتراض عليه، وهو الأقرب].
وفي "الحاوي" و"تعليق القاضي الحسين" و" التهذيب" أمر متوسط بين القولين: وهو أن ذلك سنة لمن جاء من طريق المدينة؛ كما اتفق النبي- صل الله عليه وسلم- أما من جاء من غيرها، فلا يكلف أن يدور حول مكة؛ ليدخل منها؛ لما فيه من المشقة.
الثاني: أنه لا فرق بين دخولها ليلًا أو نهارًا، وهو المذكور في "الحاوي"، و"الشامل"، و"تعليق أبي الطيب"؛ لأنه- عليه السلام دخلها في عمرة الجعرانة ليلًا، ودخلها في عمرة القضاء، وعام الفتح، وفي حجة سنة عشر- نهارًا.
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر انه كان يدخل مكة نهارًا، ويذكر عن النبي- صلى الله عليه وسلم أنه فعله.
فإن قيل: إكثاره- عليه السلام من الدخول في النهار يدل علي رجحانه عنده؛ فينبغي أن يكون مستحبًا.
قلنا: قد قال به في" التهذيب"، [وأنه إذا دخلها] ليلًا لم يكره، وقد صححه النواوي في "الروضة"، وقال: إن غير صاحب "التهذيب" قال به، وهو قول أبي إسحاق [وقد رأيته في "البحر" معزًا إلي أبي إسحاق، والمشهور أنه قول إسحاق] ابن راهويه.
والقائلون للأول أجابوا عن كثرة دخوله- عليه السلام[نهارًا إنما] أجاب به ابن أبي رباح حين سُئل عن ذلك، وهو أنه- عليه السلام كان إمامًا، فدخل مكة
نهارًا؛ ليرى الناس أفعاله؛ فيقتدوا به، وغيره ليس مثله.
الثالث: أنه لا فرق بين أن يدخلها راجلًا أو راكبًا.
[وفي "الروضة" حكاية وجهين في أن الأفضل دخولها ماشيًا أو راكبًا].
والصحيح، ولم يذكر في" البحر" سواه، الأول، وقال: إنه يستحب أن يدخلها بخشوع قلب وخضوع جسد.
واستحب النواوي: أنه إذا دخلها ماشيًا أن يكون حافيًا، وهو ما ذكره في" البحر" عن بعض الناس مستدلًا بقوله تعالى لموسى عليه السلام لقد حج هذا البيت سبعون نبيًّا، كلهم خلعوا نعالهم من ذي طوى؛ تعظيمًا للحرم".
قال الأصحاب: ويستحب أن يدخل إلى المسجد من باب بني شيبة؛ لأن عائشة كانت تدخل منه؛ اقتداء برسول الله- صلى الله عليه وسلم.
وقال في "المرشد": غنه يستحب أن يخرج من باب بني مخزوم، وقد وافق البغوي وشيخه وغيرهما على استحباب الدخول من باب بني شيبة، وهو الباب الأعظم الذي يلي المعلى والردم، ويعرف قديمًا بباب بني عبد شمس؛ لأنه لم يكن على طريقه عليه السلام؛ فإن الداخل من طريق المدينة أول ما يصل إليه من أبواب المسجد باب إبراهيم- عليه السلام وقد دخل من باب بني شيبة؛ فكان
سُنَّة لجميع الناس.
ولأنه لا مشقة كثيرة في دورانه حول المسجد؛ ليدخل منه.
قال الإمام: ولعل السبب في استحباب ذلك: أنه في جهة باب الكعبة، والركن الأسود.
وقال الماوردي: لأنه يكون محاذياً لوجه الكعبة، وبابها، والمنبر، والمقام، والركن؛ وقد قال الله تعالى:{وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189].
ويستحب أن يقول عند دخوله ما رواه أبو حميد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، وليقل: اللهم إني أسألك من فضلك".
وقد قال عمر بن عبد العزيز لما دخل المسجد الحرام: "اللهم إنك قلت في كتابك: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} [آل عمران: 97] [اللهم] فاجعل أمننا عندك أن تكفينا مؤنة الدنيا، وكل هول دون الجنة".
قال: فإذا رأى البيت- أي: من عند رأس الردم- رفع يديه؛ لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ترفع الأيدي في [استقبال] البيت".
وروى ابن عباس أنه – عليه السلام قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: عند رؤية البيت، وعلى الصفا والمروة، وفي الصلاة، وفي الموقف، وعند الجمرتين
…
".
وهذا من السنن التي يشترك فيها المحرم بالحج والعمرة؛ نص عليه في الجامع الكبير وحكاه القاضي أبو حامد في جامعه.
وقال في "الإملاء": ليس في رفع اليدين شيء أكرهه، ولا أستحبه، ولكنه حسن
للخبر.
قال: وقال: "اللهم زد هذا البيت، تشريفاً وتكريما وتعظيماً ومهابة، وزدْ من شرَّفه وعظَّمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً، وتكريماً، وتعظيماً، وبرًّا"؛ هكذا نص عليه في "الأم".
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك عند رؤية البيت؛ حكاه أبو الطيب وغيره قال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام"؛ ولما رُوِي عن سعيد بن المسيب أنه كان يقوله.
ويروى عنه أنه قال: "سمعت عمر بن الخطاب يقول ذلك لما رأى البيت ثم يدعو".
ولأن هذا الدعاء يليق بهذا المكان؛ فاستحب.
وقد روي أنه – عليه السلام قال: "بفتح أبواب السماء واستجابة دعوة المسلم عند رؤية البيت".
وقد زاد في "المهذب" و"التتمة" مع ما ذكرناه: "وكرَّمه" بعد قوله: "وزد من شرَّفه".
وروى المزني عوض قوله: "وبِرًّا" و"مهابة" وغلطه الأصحاب فيه؛ لأنه خلاف المنصوص والمروي في الحديث، كما تقدم.
ولأن المهابة للبيت لا لمن عظمه.
قال في "البحر": وقد قيل: ما ذكره المزني مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلاً، رواه ابن جريج.
تنبيه: التشريف: الرفع: والإعلاء.
[و] التكريم: التفضيل.
[و] التعظيم: التبجيل.
[و] المهابة: التوقير والإجلال.
[و] البر: الاتساع في الإحسان والزيادة منه، وقيل: الطاعة، وقيل: اسم جامع لكل خير.
وقوله: "اللهم أنت السلام [ومنك السلام]
…
" إلى آخره.
وقال الأزهري: "السلام" الأول: اسم الله تعالى، و"السلام" الثاني، معناه: من أكرمته بالسلام، فقد سلم، "فحينا ربنا بالسلام"، أي: سلمنا بتحيتك إيانا من جميع الآفات.
قال: ويبدأ يطواف القدوم؛ لما روى مسلم عن ابن عمر قال: "طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة، واستلم الركن لأول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة [أطواف،] ثم ركع حين مضى طوافه، وكان يسعى ببطن الوادي؛ إذا طاف بين الصفا والمروة.
وروى البخاري ومسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم "لما فتح "مكة" أتى الحجر، فاستلمه، ثم مشى على يمينه، ورمل ثلاثاً، ومشى أربعاً".
وهذا الطواف سنة للحاج رجلاً كان أو امرأة؛ إن كان فعله قبل الوقوف؛ لأن تحية
البيت كتحية المسجد، إلَاّ أن المرأة ذات الجمال والمنظر.
قال الشافعي رضي الله عنه – "الواجب لها أن تؤخره إلى الليل؛ ليستر الليل منها"؛ قاله في "الأم".
ولفظه في القديم: "إذا قدمت المرأة مكة، وهي محرمة، فينبغي [لها] أن يكون أول ما تبدأ [به طواف] القدوم إلا أن تكون شريفة؛ فإنها تطوف ليلاً؛ لأن ذلك أستر لها".
فإن قيل: [لم] قدَّم الطواف على تحية المسجد، قيل: لأن القصد من إتيان المسجد البيت، وتحيته الطواف، ولأنها تحصل بركعتي الطواف.
[وإن كان] فعله بعد الوقوف بعرفة، وقع فرضاً؛ لأنه قد دخل وقت طواف الإفاضة، ولا يقع من الشخص طواف نفل في وقت يصح [منه] فيه طواف الفرض، وهو عليه.
ولهذا المعنى لو كان القادم محرماً بعمرة، لم يكن طواف القدوم سنة في حقه؛ لأنه يقع عن فرضه، نعم: تعجيله سنة.
ثم ما ذكره الشيخ من البداءة بطواف القدوم، فإنما هو إذا لم يكن [له] عذر، ولم يخف فوت مكتوبة، أو سنة راتبة، ولم يكن عليه قضاء [صلاة] فريضة؛ كما قال الماوردي.
فلو كان له عذر، بدأ بزواله، ولو خاف فوت ما ذكرناه فقد قال الشافعى- رضى الله عنه -:"أنه يبدأ به قبل [طواف القدوم ثم يأتي بالطواف؛ لأنه يفوت، و] الطواف لا يفوت".
ولو كان عليه قضاء مكتوية نسيها، ثم ذكرها، بدأ بها؛ قاله الماوردي وغيره.
وقال: إنه إذا حضر المسجد، ولم تقم الصلاة بعد، ولكن قرب وقت إقامتها.
بحيث لم يبق من الزمن ما يسع الطواف: أنه يشتغل بتحية المسجد.
وقال القاضي أبو الطيب: إنا نأمره بأن يطوف إلى حين تقام الصلاة، ثم يقطع طوافه، ويصلي مع الناس، فإذا فعل ذلك عاد، وأتم طوافه؛ لأنه لا يبطل بالتفريق؛ وهذا هو الصحيح، وإلَاّ فسيأتي خلاف في اشتراط الموالاة في الطواف.
وهكذا الحكم فيما لو كان في طواف الإفاضة، فأقيمت الصلاة، فإنه يستحب له أن يصلي مع الناس، ثم يعود إلى طوافه، ويبني عليه، نص عليه في "الأم".
نعم: قال قيما إذا خشي فوات الوتر، أو ركعتي الفجر، أو حضرت جنازة "فلا أحب له أن يترك طوافه لشيء من ذلك".
ووجهه: أن ذلك سنة أو فرض كفاية، [وما هو فيه من فروض الأعيان؛ فلا يترك لأجل سنة أو فرض كفاية].
وبهذا يظهر الفرق [بينه و] بين ما إذا خشي فوات ذلك، وكان في طواف القدوم [؛ لأن طواف القدوم] سنة على المذهب لا واجب.
وإنما لم يسقط طواف القدوم بأداء فريضة مؤداة، أو مقضية، أو سنة راتبة، وإن سقط بذلك تحية المسجد؛ لأن صورته لا توجد فى صورة الصلاة؛ بخلاف ركعتي التحية.
نعم: لو طاف طواف الفرض بأن كان معتمراً، فطاف عنها، أو طاف طوافاً منذوراً- تأدى بذلك سنة القدوم، قاله القاضي الحسين.
قلت: وكذا إذا طاف طواف الزيارة؛ بأن يكون لم يأت مكة إلا بعد الوقوف كأهل العراق، والله أعلم.
تنبيه: الطواف من طاف به، أي: ألمَّ، يقال: طاف حول الكعبة، يطوف طَوْفًا وطوفاناً، ويطَّوف، واستطاف؛ كله بمعنىً، وطاف طوفة، وطوفتين، وسبع طوفات.
وقد كره الشافعي رضي الله عنه أن يقال: "طاف أشواطاً" و"أدواراً"؛ لأن
مجاهداً كرهه؛ نص عليه في "الأم"0
وقال القاضى الحسين: إنما كرهه؛ لأن الشوط فى حقيقة اللغة: الهلاك؛ فكرهه لاسمه؛ كما كره اسم العقيقة؛ لما فيه من لفظ العقوق.
قال النواوي في "المناسك": [لكن] في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عباس تسمية الطواف شوط؛ فالظاهر: أنه لا كراهة فيه.
وفي الشرع ثلاثة أطواف؛
أحدها: طواف القدوم، ويقال [له] طواف القادم والورود [و] الوارد، والتحية.
الثاني: طواف الإفاضة، ويقال له: طواف الزيارة، وطواف الفرض، [وطواف الركن،] وطواف [الصَّدَر] بفتح الصاد والدال.
الثالث: طواف الوداع، ويقال [له]: الصدر.
قال: ويضطبع أي: الرجل- لما روى أبو داود وابن ماجه عن عمر بن الخطاب: أنه قال: "فِيمَ الرَّمَلان" والكشف عن المناكب وقد أضاء الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأراد عمر: أن السبب الذي [كان] لأجله شرع الاضطباع والرمل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة في عمرة القضاء، وقد وهنتهم الحمى، قال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا بها شرًّا، فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوه، فأمرهم أن يضطبعوا، وأن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، فلما رأوهم قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى وهنتهم، هؤلاء أجلد منا وما نراهم إلا
مثل الغزلان.
وإذا كان [هذا] الببب فهو قد زال.
و [قد] روي عن يعلى - وهو ابن أمة - قال: "طاف النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعاً ببرد".
قال الترمذي: وهو حسن صحيح.
ولا يقال: إن هذا كان في ابتداء الأمر قبل الفتح؛ فلا حجة فيه؛ لما سنذكره من أنه اضطبع في عمرة الجعرانة، وهي بعد الفتح، وعام حجة الوداع؛ فدل على بقائه سنة.
[قال]: فيضع وسط ردائه- أي: بفتح السين تحت عاتقه الأيمن، ويطرح طرفيه على عاتقه الأيسر، لأنه عليه السلام وأصحابه فعلوه كذلك.
وروى أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى.
والاضطباع: مشتق من الضبع- بإسكان الباء -: وهو العضد.
وقيل: النصف الأعلى من العضد.
وقيل: منتصف العضد.
وقيل: الإبط.
وهو افتعال من الضبع، أبدلت التاء: طاء؛ لأن أصله الاضتباع.
قال الأزهري: ويقال الاضطباع: التأبط، والتوشح.
ثم ما ذكره الشيخ، ونقلناه من الخبر يفهم أن منكب المضجع الأيمن يكون مكشوفاً دون الأيسر، وهو المستحب.
ويدوم استحباب ذلك إلى أن يتم طوافه؛ لخبر يعلى، فإذا أراد أن يصلي ركعتيه، تركه؛ لقوله تعالى:{خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31].
ولأن [الاضطباع مكروه في الصلاة.
وإذا فرغ من الركعتين، أعاد الاضطباع للسعي؛ لرواية] يعلى بن أمية:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف مضطبعاً يين الصفا والمروة".
ولأنه أحد الطوافين؛ فكان مشروعاً فيه؛ كالطواف بالبيت؛ هكذا أورده العراقيون، وحكوه عن النص صريحاً، وهو الصحيح.
وكلام الشيخ يفهم: أنه يدوم مضطبعاً من حين يشرع في الطواف إلى أن يفرغ من السعي، وهو وجه حكاه الغزالي وغيره.
وقال القاضي الحسين: إنه يمكن أخذه من قول الشافعي رضي الله عنه – على قراءة من قرأه ["ويضطبع للطواف حنى يكمل سعيه"، والأول موافق لقراءة من قرأه]"حتى يستكمل سبعة" بضم السين وفتحها.
وفي "تعليق القاضي أبي الطيب": أن لفظه في "المختصر": "حتى يتم سبعة"، وفي غيره:"حتى يتم سعيه"، وأن أبا إسحاق المروزي، قال: المسألة على اختلاف حالين:
فالموضع الذي قال الشافعي: "حتى يتم سبعة"، أراد به: الطواف الذي لا يتعقبه سعي.
والموضع الذي قال: حتى يكمل سعيه أراد به إذا جمع الطائف بين الطواف.
وقال الداركي: هذا التأويل [وهم]؛ لأن عند الشافعي رضي الله عنه لا
يستحب الاضطباع [في طواف لا سعي بعده.
وقد قال غيره: إن كل طواف بدأ يعقبه السعي إذا صدر من رجل، شرع فيه الاضطباع]، سواء كان متعاطيه غريباً أو مكيًّا، وسواء كان الطواف فرضاً: كالطواف في العمرة، أو في الحج، إذا لم يتقدمه طواف القدوم، أو سُنَّةً: كطواف القدوم كما أفهمه كلام الشيخ.
لكن لماذا؟ هل لكونه مبتدأ به، أو لتعقب السعي؟ فيه قولان:
الجديد الأول، والقديم الثاني: وهو الذي ذكره الماوردي، [وابن الصباغ].
وفي "المهذب": [وقضية] ذلك: أنه لو تركه في طواف القدوم، وقد تعقب السعي، لم يسن له الاضطباع فيما بعده؛ لفقد الأمرين، وهو الذي ذكره القاضي الحسين، [تبعاً للشيخ أبي حامد].
[لكن] في "المهذب" و"الشامل" حكاية وجهين في إعادته في طواف الزيارة عن رواية القاضي أبي الطيب.
والمذهب، والمختار في "المرشد": أنه لا يستحب.
ولو أراد أن يطوف للقدوم، ولا يسعى عقيبه، فهل يسن له الاضطباع؟ فيه قولان، حكاهما القاضي الحسين، ووجهان في "تعليق القاضي أبي الطيب"، وهما يجريان -كما قال القاضي الحسين- فيما لو طاف للقدوم، ولم يسع بعده، فهل يشرع في طواف الزيارة أم لا؟ بناء على القولين في المأخذ.
والذي حكام الماوردي وغيره الجزم بمشروعيته؛ لأنه طواف يعقبه السعي.
[ووجهه بعضهم - وهو ابن الصباغ بأنه يحتاج إلى الاضطباع في السعي] والسعي [تابع] للطواف، ويضطبع فيه دون الطواف.
[و] في "المهذب": أنه يكره فيه دون الطواف.
وحكم الصبي فيما ذكرناه حكم البالغ.
وحكى القاضي أبو الطيب عن ابن أبي هريرة من أصحابنا: أنه لا يشرع له الاضطباع؛ لأنه لإظهار الجلد، وليس الصبي عن أهل الجلد، وليس بشيء؛ لأن ذلك المعنى زال وبقي سنة.
قال: ويبتدئ من الحجر الأسود، فيستلمه بيديه؛ لما ذكرناه عن خبر ابن عمر وجابر.
[وعن جابر]- أيضاً – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده،]
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحجر يمين الله في أرضه فمن مسحه فقد بايع الله".
تنبيه: الحجر الأسود معروف، وقد ثبت عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نزل الحجر الأسود من "الجنة"، وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم" أخرجه الدارقطني، وقال هو والترمذي: إنه حديث حسن صحيح.
والاستلام: افتعال في التقدير، مأخوذ من السلام –بالكسر- وهي الحجارة السود، واحدها: سَلِمة.
تقول: استلمت الحجر، إذا لمسته، والحجارة البيض: تسمى: البصرة، وبه سمي البلد؛ لما في أرضها من عروق الحجارة البيض؛ وهذا قول القتبي.
وقد قيل: إنه مأخوذ من السَّلام -[وهو] بفتح السين- أي: أنه يحيي نفسه عن الحجر إذ الحجر ليس ممن يجيبه؛ كما يقال: اختدم؛ إذا لم يكن [له] خادم، وإنما خدم نفسه.
وعن هذا احترز الشيخ بقوله: بيديه.
وعن ابن الأعرابي أنه قال: الاستلام: مهموز، ثم ترك همزه، وهو مأخوذ من السلامة، والموافقة؛ كما يقال استلم كذا استلاماً؛ إذا رآه موافقاً له وملائماً.
قال: ويقبله؛ لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قبَّل الحجر، ثم قال:"أما والله، لقد علمت أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك"، رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
وزاد في "الشامل" أنه قرأ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
وقال القاضي الحسين: إن أبي بن كعب قال لعمر حين قال ذلك: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يؤتى بالحجر الأسود يوم القيامة، وله لسان ذلق، يشهد لمن قبَّله؟ فقال: نعم، قال: فهذه منفعته.
وقال الماوردي: إن علي بن أبي طالب قال لعمر: أما إنه ينفع ويضر؛ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تعالى لما أخذ العهد على آدم وذريته، أودعه في رق في هذا
الحجر؛ فهو يشهد لمن وافاه يوم القيامة" فقال عمر: لا أحياني الله لمعضلة لا يكون لها ابن أبي طالب حيًّا.
قال الشافعي رضي الله عنه ويقبل [الحجر] بلا تصويت، ولا تطنين؛ هكذا السنة فيه- وقال: المستحب: أن يضع جبهته عليه، لأن فيه تقبيلاً، وزيادة سجود لله تعالى.
وقد روى عن ابن عباس [أنه] لما قدم مكة مسبداً رأسه، قبل الحجر، وسجد عليه ثلاثاً، وذلك يوم التروية.
والسبد: ترك الدهن والغسل.
قال الأصحاب: ويستحب أن يستقبله؛ لما روي عن ابن عمر أن النيي صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد، استقبل الحجر، واستلمه؛ وهذا الاستقبال يظهر أن يكون حين دخوله المسجد [بمعنى; أنه يقصده] لا في حال الطواف، وهو معنى قول الغزالي:"فإذا دخل من باب بني شيبة، فليتوجه إلى الركن الأسود"، لكن في كلام أبي الطيب ما يخالف ذلك؛ كما ستعرفه.
قال: ويحاذيه.
قال الماوردي: لما روي [عن] ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد، استقبل الحجر.
وقد اشتمل كلام الشيخ على ما هو سنة في الطواف في حق الرجال، وهو شيئان: الاستلام، والتقبيل.
وأما النساء، فلا يستحب لهن ذلك إلا أن يخلو المطاف في ليل أو غيره؛ كما
قاله النواوي [في "الروضة"] وغيره.
و [اشتمل] على ما هو ركن فيه، وهو – أيضاً- شيئان:
الابتداء من الحجر، ومحاذاته؛ وذلك ما لا خلاف فيه.
و [شبه] القاضي أبو الطيب المحاذاة بتكييرة الإحرام، فلو ترك الحجر وراءه، وطاف، لم يعتد له بتلك الطوفة حتى ينتهي إلى الحجر، ويمر على جميعه؛ فينعقد له الطواف حينئذ.
نعم: هل الركن محاذاته يبعض البدن، وبجميعه يكون مستحبًّا، أو الركن محاذاته بجميع البدن؟ فيه قولان:
القديم: الأول؛ لأن ما تعلق بالبدن، كان حكم البعض فيه حكم الكل؛ كالجلد.
والجديد [و] الأصح في "النهاية" وغيرها: الثاني: وهو الذي يقتضيه كلام الشيخ؛ إذا حمل على حقيقته؛ لأن ما وجب فيه محاذاة البيت، وجب فيه المحاذاة بجميع البدن؛ كالاستقبال في الصلاة؛ [وهذا يقتضي: أنه لا خلاف في مثل ذلك في الصلاة].
وقد حكى القاضي الحسين والإمام القولين في المصلي إذا حاذى ببعض بدنه بعض البيت؛ بأن كان قريباً منه.
ثم على الأول إذا حاذاه ببعض البدن كفاه؛ وكذا لو حاذى ببعض بدنه [بعض] الحجر؛ كما صرح به القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، وابن الصباغ.
وعلى الثاني تكون الطوفة الأولى غير معتد بها، وأما ما بعدها، ففي الاعتداد به وجهان في تعليق أبي الطيب، وأصحهما الاعتداد، وهو الذي أورده الجمهور؛ لأنه في الثانية يكون محاذياً بجميع بدنه له فصحت، وصح ما بعدها.
ولو حاذى بجميع بدنه بعض الحجر، أجزأه؛ قاله القاضي أبو الطيب.
واستبعد [البندنيجي و] ابن الصباغ تصويره؛ كما سنذكره.
ثم البدن الذي أطلقناه، قال الإمام؛ إنما هو شق الطائف من جهة يساره، لا يعني غيره [وكلام أبي الطيب وغيره] الذي سنذكره يفهم خلافه.
ومعرفة المحاذاة التي أطلقت لمن لم يشاهد البيت تتوقف على معرفة كيفية وضع الحجر في البيت، وهو في الركن الذي يليه الملتزم، ثم الباب داخل في قريبه يسيراً، بعضه مما يلي الملتزم، وبعضه مما يلي الفسحة التي بين الركن الذي هو فيه، والركن الآخر لا من جهة الملتزم والباب؛ وهذان الركنان هما اليمانيان المبنيان على قواعد إبراهيم عليه السلام.
والركنان الآخران هما الشاميان، والحجر أمامهما، والميزاب بينهما، وارتفاع الحجر من الأرض ثلاثة أذرع إلا سبعة أصابع.
[فإذا عرف] من لم يشاهد البيت ذلك أو كان قد شاهده، قلنا له: المحاذاة المشروطة في الطواف على الجديد - كما أفهمه كلام الإمام-: أن يجعل جميع شقه الأيسر مقابلاً لجميع الحجر، ثم ينحرف إلى الجهة التي فيها الملتزم، والباب والبيت، على يساره.
قال بعض الشارحين لهذا الكتاب: وإنما يتمكن من ذلك إذا بعد عن الحجر قليلاً، أو كان دقيقاً جدًّا؛ فإنه لو قرب منه ولم يكن نحيفاً، كان بعض بدنه خارجاً عن الحجر إلى جهة الملتزم، ويكون في صحة طوفته الخلاف السابق؛ وهذا يفهم منه أنه لو حاذى ببعض شقه الأسر بعض البيت من جهة الركن اليماني الآخر، [وبباقيه الحجر أنه لا يخرج على الخلاف، وحينئذ فإما ألا يجزئه بلا خلاف، [أو يجزئه بلا خلاف]، والذي يفهمه كلام الأئمة الذي سنذكره: الإجزاء] والذي يظهر مما سنذكره من بعد: أنه على الخلاف.
وحكى الإمام عن شيخه: أنه كان يقول فيما إذا حاذى من يبتدئ الطواف بشقه وسط الحجر، وخلَّف شيئًا منه فى جهة الركن اليمانى، وترك بعضاً منه مثلاً أمامه - يحتمل أن يصحح افتتاح طوافه؛ فإنه حاذى بتمام شقه الحجر.
ويحتمل أن يقول: ينبغي أن يحاذي في أول الطواف تمام الحجر بتمام الشق، وذلك بأن يبدئ من أول الحجر مما يلي الركن اليماني، ويمر على المسامتة.
قال: والأمر كما قال [محتمل].
قلت: وقد يظن أن الاحتمال الأول هو الذي حكينا، عن القاضي أبي الطيب وغيره، وليس كذلك؛ لأن القاضي أبا الطيب صور ذلك بما إذا جعل منكبه الأيمن محاذياً لحرف الحجر، ولا يستقبله؛ فإنه يكون محاذياً لذلك الجزء [بجميع بدنه، وحيتئذ فتكون هي الصورة الأولى؛ وهذا ذكره بناء على ما أبداه في كيفية المحاذاة لجميعه] بجميع البدن، وهو أن يجعل منكبه الأيمن [محاذياً لحرف الحجر الأيمن، ثم يمشي تلقاء شقه الأيمن، وهو] مستقبل الحجر حتى يستوعب محاذاته.
ويقرب من هذا قول البندنيجي: "والكمال في المحاذاة أن يستقبله بكل جزء من بدنه، وهو أن يأتي البيت، ويجعل كل الحجر عن يمين نفسه مستقبلاً، فإذا جاوزه صار البييت [عن يساره].
وأما الإجزاء: فأن يحاذي يكل بدنه كل الحجر، أو يكل بدنه بعض الحجر، إن أمكن.
وعلى ذلك جرى ابن الصباغ والنواوي في "المناسك".
فقالا: كيفية محاذاة جميعه [بجميعه]: أن يستقبل البيت، ويقف على جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني؛ بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر ثم ينوي الطواف لله تعالى، ثم يمشي مستقبل الحجر ماراً إلى [جهة] بمينه، حتى يجاوز الحجر، فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت ويمينه خارجه، ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز.
وهذا فيه نظر؛ فإنه يقتضي في الحالة الأولى: أن يمضي جزء من البيت في
الطواف، وليس هو على يساره، وستعرف أن كون البيت على يسار الطائف شرط فيه.
وعن ذلك احترز الإمام بجعله البدن الذي اشترطت محاذاته الحجر الشق الأيسر.
نعم: إن كان الشرط كون البيت على يسار الطائف من حين مجاوزة الحجر لا عند محاذاة الحجر - لم يبق [في] ذلك إشكال، وكلام أبي الطيب والبندنيجي وغيرهما السابق صريح فيه؛ ولأجله قال النواوي في "المناسك": وليس شيء من الطواف يجوز مع استقبال البيت إلا ما ذكرناه أولاً من أنه يمر في ابتداء الطواف على الحجر الأسود [مستقبلاً له، فيقع الاستقبال قبالة الحجر الأسود] لا غير، وذلك مستحب فى الطوفة الأولى لا غير.
قال: ولم يذكر جماعة من أصحابنا هذا الاستقبال، [وهو غير الاستقبال] المستحب عند لقاء الحجر قبل ابتداء الطواف، فإن ذلك مستحب، لا خلاف فيه، وسنة مستقلة.
وقد أفهم ما ذكرناه من تصوير المحاذاة بكل البدن أولاً: أنه يشترط في الإجزاء أن يجعل أول شقه الأيسر مقابلاً لما يلي الحجر من جهة الركن اليماني، ثم يمر عليه كذلك إلى أن يستكمل الطوفة، بل الشرط أن يكون جميع شقه الأيسر مقابلاً لجميع الحجر.
وكلام البندنيجي وغيره يقتضي أن الأول هو المجزئ لا غير، تفريعاً على الصحيح في اشتراط المحاذاة بكل البدن كل الحجر أو بعضه وهو الظاهر عندي؛ لأن كل جزء من أجزاء شقه الأيسر يكون قد حاذى جميع الحجر.
[وكذلك قال في "الوسيط": وينبغي لمن يبدئ الطواف أن يحاذي الحجر] بجميع بدنه؛ بحيث يمر جميع بدنه على جميع الحجر الأسود.
وأما إذا جعل جميع شقه الأيسر مقابلاً لجميع الحجر - أما مع البعد أو النحافة فهو محل الخلاف؛ لأن كل جزء من أجزاء بدنه [لا يكون] قد حاذى جميع
الحجر، وإنما حاذى جميعه منه الجزء الأخير الذي جعله من جهة الركن اليماني؛ [ولأجل ذلك قلت [آنفاً فيما] إذا حاذى ببعض شقه الأسر بعض البيت من جهة الركن اليماني]، وبباقيه الحجر: أنه يخرج على الخلاف، وعنيت بالخلاف: الخلاف الذي حكاه القاضي أبو الطيب وغيره فيما إذا حاذى ببعض بدنه بعض الحجر، والله أعلم.
فائدة: ما ذكرناه في محاذاة الحجر الأسود متعلق بالركن الذي فيه الحجر الأسود، وليس يتعلق بالحجر نفسه؛ فإنه لو نُحِّي والعياذ بالله [عن مكانه] وجبت محاذاة الركن؛ قاله القاضى أبو الطيب.
قلت: ويدل [عليه صحة] طواف الراكب.
ويظهر أن الذي يجب محاذاته من الركن الموضع الذي فيه الحجر، لا زائداً عليه.
قال: فإن لم يمكنه أي: التقبيل استلمه - أي: بيده، أو بمحجن وقبّله.
ووجهه: قوله صلى الله عليه وسلم "وما أمرتكم به، فأتوا منه ما استطعتم"، رواه البخاري ومسلم في ضمن حديث أبي هريرة.
وروى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن [أو بمحجنه].
وروى مسلم عن أبي الطفيل قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت على راحلته، يستلم الركن بمحجنه، ثم يقبِّله.
والمحجن يكسر الميم: عصا معوجة الرأس، تكون مع الراكب كالصولجان - يتناول بها ما يسقط منه، ويحرك بطرفها بعيره، للمشى.
وقد دل ظاهر الخبر على [أن] تقبيل ما يقع به الاستلام [يكون بعد الاستلام، وهو المنصوص الذي لم يذكر العراقيون غيره.
وقيل: إنه يكون قبل الاسلام]، وكأنه ينقل إليه القبلة.
وقيل: يتخير، وهو ما أبداه الإمام احتمالاً.
قال: فإن لم يمكنه - أي: الاستلام أشار إليه يده؛ لأنه قدر الاستطاعة، ولا يثير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم ينقل.
وقد استحب جماعة من العلماء الزحام على تقبيل الحجر: لأن ابن عمر – رضي الله عنه كان يزاحم عليه.
وهو عندنا مكروه؛ لما روى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنك رجل قوي تؤذي [الضعيف]، فإذا أردت أن تستلم الحجر، فإن كان خالياً فاستلمه، وإلا فاستقبله، وكبّر".
والإشارة باليد هي المستحبة في حق النساء مطلقًا؛ روى عطاء أن امرأة طافت مع عائشة رضي الله عنها فلما جاءت الركن، قالت المرأة: يا أم المؤمنين، ألا تستلمين؟ فقالت عائشة:[وما للنساء واستلام الركن]، امض عنك".
نعم: لو أرادت [تقبيل الحجر] فعلت ذلك في الليل عند خلو المطاف.
قال: ثم يجعل البيت على يساره؛ ويطوف - أي: به - مستقبلاً بوجهه جهة الملتزم والباب وهكذا إلى أن يتم الطوفة بانتهائه إلى الموضع الذي بدأ منه
عند الحجر الأسود.
ووجهه [أنه] عليه السلام جعل البيت على يساره حين طاف، ومشى على يمينه فحمل ما أجمله الله تعالى بقوله:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] على بيانه صلى الله عليه وسلم؛ عملاً يقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]؛ وهذا من أركان الطواف على المشهور، فلو جعله عن يمينه، وطاف موجها وجهه إلى جهة الركن اليماني، وهكذا إلى أن أتى الموضع الذي بدأ منه - ويسمى: الطواف المنكس لم يعتد به؛ نص عليه الشافعي وأصحابه رضي الله عنهم موجهين له بقوله عليه السلام: "خذوا عني مناسككم".
ولأنه عبادة تفتقر إلى البيت؛ فوجب أن يكون الترتيب شرطاً فى صحتها كالصلاة.
وقد وافق على ذلك القاضي الحسين والفورانى، لكنهما جزما القول بأنه لو جعل البيت على يمينه، ورجع القهقرى، ومَرَّ على الباب إلى أن انتهى إلى المكان الذي بدأ منه، كره وأجزأه، وإليه يرشد قول الإمام - حكاية عن شيخه: إنه كان يقول: "لو استقبل القبلة بصدره، وكان يستدبر على الجهة المرسومة عرضاً، فللقفال تردد فيه.
وربما كان يقول: "إذا دار على الصوب مقابلة [أو مدابرة] أو على شق؛ حسب طوافه، وكره.
قال الإمام: والأصح الأول، ولا وجه لغيره عندي، وتبعه في التصحيح فيما إذا طاف منكساً الرافعي، وقال: إن عدم الصحة هو الموافق لعبارة الأكثرين، وأن القياس جريان هذا الخلاف فيما لو مَرَّ معترضاً مستدبراً.
قلت: وهو مقتضى كلام الإمام؛ ولأجله قال النواوي في "المناسك": إنه لا يصح.
وفي "الروضة": أن الصواب في هذه الصورة القطع بأنه لا يصح؛ لأنه معاند؛ لما ورد الشرع به.
وحكم جعل البيت على اليمين أو تلقاء وجهه في شيء من الطواف كالحكم في جعله كذلك في كله؛ فلا يعتد به، ولا بما بعده إلى أن يأتي به إلا ما ذكرناه في حالة ابتداء الطرفة الأولى؛ كما قاله النواوي، والله أعلم.
قال: فإذا بلغ الركن اليماني، استلمه؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال:"لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين"، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وفي رواية مسلم الركن الأسود، والذي يليه".
وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لم أر رسول الله [يستلم غير الركنين اليمانيين".
وروى عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم]. "ما مررت بهذا الركن إلَاّ وجبريل قائم عنده يستغفر لمن استلمه بحق".
قال: وقبل يده كما يفعل في استلام الحجر، وفي كيفية [تقبيل اليد] الخلاف السابق.
قال: ولا يقبله؛ لأنه لم ينقل، وخالف الركن الذي فيه الحجر حيث جمع فيه بين الاستلام والتقبيل؛ لأنه اجتمع فيه فضلان: كونه مبنيًّا على قواعد إبراهيم عليه السلام، وكونه فيه الحجر، وهذا [ليس فيه]"إلا" فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إبراهيم عليه السلام؛ فلذلك شرع فيه الاستلام دون التقييل، ولما فقد الأمران في الركنين الباقيين؛ لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه استلمها، ولا قبلهما، كما ذكرناه من خبر ابن عمر.
وقد روي عنه أنه لما أخبر يقول عائشة: "إن الحجر بعضه من البيت فقال: "والله أتى لأظن عائشة إن كانت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم [لأظن رسول الله صلى الله عليه وسلم] لم يترك استلامها إلَاّ أنهما ليسا على قواعد [إبراهيم عليه السلام] ولا طاف الناس وراء الحجر إلا لذلك"، أخرجه أبو داود [أيضاً].
وأخرج البخاري ومسلم قول ابن عمر هذا بمعناه عن عائشة رضي الله عنها فى أثناء حديث عمارة البيت، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
تنبيه: الركن اليماني: مخفف الياء على المشهور؛ لأنه منسوب إلى اليمن، والألف بدل من إحدى يائي النسب؛ فلا تشدد كيلا يجمع بين البدل والمبدل.
وحكى سيبويه لغة قليلة: يمانى، بالتشديد.
وحكى ذلك عن رواية المبرد وغيره، وتبعهم الجوهري وصاحب المحكم وآخرون؛ وعلى هذا تكون الألف زائدة.
قال الشيخ رحمه الله: ويقول عند ابتداء الطواف أي: وهي حالة استلام الحجر: باسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم"؛ لأن عبد الله بن الساغب روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك اختاره الشافعي، رضي الله عنه.
ومعنى قوله: "إيماناً بك، أي: أفعله للإيمان؛ فهو مفعول للإيمان.
وقوله: "ووفاء بعهدك": المراد به هنا: الميثاق الذي أخذه الله تعالى علينا بامتثال أمره، واجتناب نهيه.
ثم ما ذكرناه من الدعاء لا يتعين في تأدية هذه السنة؛ فإنه روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال عند استلام الحجر الأسود: "باسم الله، والله أكبر الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، آمنت بالله، وكفرت بالطاغوت، وباللات والعزى، وما ادُّعِي دون الله، إن وليي الله الذي نزل الكتاب [بالحق] وهو يتولى الصالحين".
[و] الماوردي [قال هنا]: وما ذكر هنا من ذكر الله وتعظيمه فهو حسن.
وقال: إنه يستحب له إذا استلم الركن اليماني [أن يدعو عنده - أيضاً - لأنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "على الركن اليماني] ملكان [موكلان] يؤمنان على دعاء من يمر به وعلى الأمرد مالا يحصى".
قال: ويطوف سبعاً، أي: حول البيت، في المسجد في أرضه، أو فوق سطحه؛ كما قاله الماوردي؛ لأن سطحه [دونه] سطح البيت الآن.
وهذا يفهم [أنه] لو كان سطح المسجد أعلى من سطح الكعبة، لم يصح الطواف، وهو المحكي عن بعض الأصحاب، وأنكره عليه الرافعي، وقال: لا فرق بين علوه وانخفاضه.
ثم المراد بالمسجد ما كان في زمنه عليه السلام وما استجد فيه من بعده [وقد زيد فيه من بعده] صلى الله عليه وسلم زيادات كبيرة.
قال الأصحاب: والأفضل ألا يكون بينه وبين البيت حائل، وهو سقاية العباس وما يليها من البناء على زمزم وغيره، وأن يكون [بالقرب من البيت]؛ لأنه المقصود، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أقرب إليه من أصحابه، وهو الذي يفهمه كلام الشيخ السابق والآتي من بعد.
وكلام الغزالى فى "الوسيط" يفهم أنه من الواجبات؛ فإنه قال: "وواجبات الطواف ثمانية:
الأول: شرائط الصلاة: من طهارة الحدث والخبث وستر العورة، والقرب من البيت [بدلٌ عن] الاستقبال".
لكنه قال بعد ذلك: إن القرب من البيت مستحب؛ كما صرح به غيره، لا واجب؛ ولأجله قال بعض الناس: إن في بعض النسخ: "والقرب من البيت بدلاً عن القبلة"، بفتج الباء من "القرب" ونصب بدلاً، وليس بصحيح، بل الصحيح رفع الباء ورفع
البدل، ويكون "القرب" مبتدأ و"بدل" خبره، ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ما قبله؛ فإن القرب من البيت مستحب كما ذكرنا.
وهذا فيه نظر لا يخفى على متأمل، وأقرب من ذلك أن يقال: مراده بالقرب هاهنا: أن يكون في المسجد لا خارجاً؛ فإنه لوكان خارجاً عنه، لم يصح طوافه، كما صرح به القاضي [الحسين] والماوردي وغيرهما؛ [لأنَّا] لو جوزناه، لزمنا أن نجوزه خارج الحرم، ولا وجه له.
ولأنه حينئذ يكون طائفاً المسجد لا بالبيت.
وإذا كان كذلك، فالقرب نسبة وإضافة؛ فيحمل ما ذكره هنا على ما ذكرناه، وما ذكره [بعدُ من] استحباب القرب على ما إذا طاف في المسجد.
فإن قلت: قد عُدَّ من بعد من جملة واجبات الطواف الثمانية: أن يكون في المسجد، وذلك ينفى ما ذكرت.
قلت: لا؛ لأن الأول ذكره استطراداً لتتمة مقصوده، وما ذكره من بعد ذكره مقصوداً، وكثير من المصنفين من يفعل ذلك، ومنهم صاحب التنبيه رحمه الله.
[فائدة: قال الشافعي: وأكره أن يقول: طاف أشواطاً وأدواراً؛ لأن مجاهداً كرهه، ويقال: طوافاً، وطوافين؛ كما سماه الله تعالى، قال الله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]؛ كذا حكاه ابن الصباغ عن نصه في "الأم".
وقال القاضي الحسين: إنما كرهه؛ لأن الشوط في حقيقة اللغة: الهلاك؛ فكرهه لاسمه؛ كما كره اسم العقيقة؛ لما فيه من لفظ العقوق.
قال النواوي في "المناسك": لكن ثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عباس تسميته بالطوفة: شوطاً؛ فالظاهر أنه لا كراهة فيه].
قال: [و] يرمل - أي بضم الميم - في الثلاثة الأول منها، ويمشي في
الأربعة الأخيرة، أي: وعليه السكينة [والوقار]؛ لما ذكرناه من خبر جابر وابن عمر عند الكلام في الابتداء بطواف القدوم.
قال الأصحاب: والسبع في الطواف كالركعات في الصلاة بالنسبة إلى عدم الاعتداد به دون استكمالها وإن أتى بالأكثر منها، لا في كل شيء لما ستعرفه، والحكم في ذلك في الطواف في العمرة كالحكم في طواف الحج، إذا وجد بشرطه؛ لرواية أبي داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت ثلاثاً، ومشوا أربعاً.
وأخرجه ابن ماجه بنحوه.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الرمل يكون في جميع الطوفات الثلاث، وهو مقتضى حديث جابر وابن عمر، وبه جزم الماوردي، فقال: من السنة أن يرمل في ثلاثة أطواف، لا يفصل بينهما بوقوف إلاّ أن يقف عند استلام الركن؛ لرواية ابن جريج عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من سبعة أطواف: ثلاثة خبباً ليس بينهن
شيء، ثم كذا أبو بكر عام حجه؛ إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عمر، ثم عثمان والخلفاء رضي الله عنهم كانوا يسعون كذلك.
وقد روى مسلم وغيره أن [ابن] عمر رمل من الحجر إلى الحجر، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وأخرجه مسلم ينحوه من حديث جابر
فإن قيل: فقد روى أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطبع، فاستلم، فكبر، ثم رمل ثلاثة أطواف، كانوا إذا بلغوا الركن اليماني فتغيَّبُوا عن قريش، مشوا، ثم يطلعون عليهم، وهم يرملون، تقول قريش:"كأنهم الغزلان".
قال ابن عباس: "فكانت سنة".
وروى البخاري ومسلم عنه قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقد وهنتهم [حمى يثرب]، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتم الحمى، ولقوا منها شرًّا، فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوه، فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، فلما رأوهم رملوا، قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد منا".
قال ابن عباس: "ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم"، وهذا صريح في أن الرمل لا يكون في جميع الطوفة، فلم عدلتم عن هذا؟
قلنا: قد حكى الإمام عن بعض الأصحاب رواية ذلك قولاً، لكن المشهور الأول وهو الأصح في "النهاية" وغيرها وما رواه ابن عباس لا يعارض ما تقدم؛ لأن الرمل في جمح الأشواط كان في حجة الوداع، والمشي بين الركنين كان في عمرة الحديبية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم شرط على المشركين في الصلح الذي وقع يينه وبينهم سنة ست من الهجرة حين صدوه عن البيت - أن يرجع إلى "مكة" في العام القابل لعمرة القضية، ويدعوا له مكة ثلاثة أيام، فرجع إليهم قي العام القابل [العمرة القضية] وفرغوا له مكة ثلاثة أيام، وأقاموا على رءوس الجبال؛ فكان لا يقع بصر المشركين عليهم إذا كانوا بين الركنين، ففعل ذلك؛ رفقاً بهم؛ لما كان بهم من المرض، وأمرهم بالتجلد في الجهات التي تقع [عليهم] فيها أعين المشركين حين جلسوا لهم.
[تنبيه] آخر: الرمل - بفتح الراء-: الخبب، وهو سرعة المشي هع تقارب الخُطا، ومنه سُمِّى خفيف الشعر: رملاً.
وقال الماوردي والقاضي الحسين: إنه دون شدة العدو، وهو متقارب.
قال النواوي في "المناسك": قال أصحابنا: ومن قال: إنه دون الخبب، فقد غلط.
قال الشافعي رضي الله عنه "ولا أحب أن يثب من الأرض".
وهو مشروع سنة في طواف القدوم؛ إذا تعقبه السعي، بلا خلاف؛ كما
أفهمه كلام الشيخ.
فلو وجد طواف القدوم مع السعي ولم يرمل فيه، وقصد أن يسعى عقيب طواف غيره، فهل يشرع فيه الرمل أم لا؟ فيه ما ذكرناه في الاضطباع.
وقال في "الذخائر": إن الفوراني حكى قولاً: أنه لا يشرع إلا في طواف القدوم، [وقد حكاه الإمام وقال: إنه يخرج [على] استحباب الرمل في طواف العمرة فإن الطواف فيها يقع ركناً، وكان يمكن أن يقال: فيه معنى القدوم].
والمذهب - كما قال مجلي- وهو الذي أورده العراقيون والماوردي: أنه مشروع في كل طواف يتعقبه سعي، ولا فرق في مشروعيته للطائف حيث يشرع - بين أن يكون ماشياً - كما قال الشيخ - أو راكبًا محمولاً، والراكب يحرك دابته موضع الرمل، والمحمول يرمل به حامله؛ نص عليه في موضع.
قال القاضي الحسين: وقد نص في موضع آخر [على] أنه لا يرمل به، وقد رواه ابن الصباغ عن رواية الشيخ أبي حامد عن القديم، وحكاه في "التهذيب" - أيضاً - فيما إذا طاف راكباً.
ووجهه الفوراني بأن فيه أذى للناس.
فرع: لو ترك الرمل في الثلاثة الأوَل حيث يشرع، فلا يستحب له أن يأتي به في الأربعة الأخيرة؛ نص عليه لأن المشي فيها سنة، وذلك يؤدي إلى تركها، ولا يشرع ترك سنة في عبادة؛ لأجل الإتيان بمثلها.
فإن قيل: قد تقدم أن القرب من البيت سنة في الطواف، ولو كان ثم زحام لا يمكن معه الرمل، ولم يرج زواله، فإنه يتأخر إلى حاشية الناس إذا أمكنه الرمل فيه؛ ليرمل، وذلك ترك سنة لأجل سنة.
قيل: الفرق بين ما نحن فيه وما تقدم: أن ثم السنتين في نفس العبادة، فلم يكن [لإحداهما مزية] ولا كذلك هنا؛ فإن القرب من البيت فضيلة في محل العبادة،
والرمل فضيلة في نفس العبادة، [وما كان في نفس العبادة] كان آكد من الذي في محلها؛ كما أن الصلاة بالجماعة في البيت أفضل منها منفرداً في المسجد؛ لأن فضيلة الجماعة فى نفس الصلاة.
نعم: قال الماوردي: لو كان إذا تأخر عن البيت، خالط النساء؛ لفعلهن ما هو الأفضل في حقهن، وهو الطواف آخر الناس قرب من البيت، وترك الرمل، لتعذره؛ فإن مخالطة النساء مكروهة.
ويستحب أن يشير بالرمل.
قال: وكلما حاذى الحجر الأسود، استلمه، وقبله، وكلما حاذى الركن اليماني، استلمه؛ لما روى أبو داود عن ابن عمر قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة".
قال: وكان عبد الله بن عمر يفعله، وأخرجه النسائي وقد جاء في مسلم عنه أنه قال:"ما تركت استلام هذين الركنين - منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمها – في شدة ولا رخاء".
وإذا ثبت ذلك في الاستلام، قسنا عليه باقي ما ذكرناه من الأحكام في الابتداء.
قال: وفي كل وتر أحب، أي: إذا لم يتمكن من استلام الركن في كل طوفة؛ كما قاله: الماوردي، أو إذا لم يفعل ذلك في كل مرة؛ كما قاله ابن الصباغ، وأبو الطيب؛ لقوله عليه السلام:"إن الله وتر يحب الوتر".
ولأنه يصير مستلماً فى افتتاحه وخاتمته، ويكون أكثر عدداً.
وقد قيل: إن معنى قول الشيخ "وفي كل وتر أحب"، أنه في الأوتار آكد وأكثر استحباباً مع أنه مستحب في الجميع.
قال ابن الخل: لأنه عليه السلام كان لا يكاد يدع أن يستلم الركن اليماني في كل وتر من طوافه.
وإذا ثبت ذلك في الركن اليمانى، فركن الحجر أولى.
قال: ويقول في رمله كلما حاذى الحجر الأسود: "الله أكبر، الله أكبر، اللهم اجعله حجًّا مبرورًا"، أي: لا يخالطه معصية، مأخوذ من البر، وهو الطاعة.
وقيل: المبرور: المتقبل من البر، وهو اسم جامع للخير.
يقال: بررت فلاناً، أي: وصلته.
ويقال بَرَّ اللهُ حجه، وأبرَّه.
قال: "وذنباً مغفوراً، أي: اجعل ذنبي ذنباً مغفوراً) وسعياً مشكوراً، أي: اجعله عملاً متقبلاً يزكو لي ثوابه".
قال الأزهري: لأن مساعي الرجل أعماله، واحدتها: مسعاة.
وقال غيره: عملاً أشكر عليه، والله أعلم.
قال: ويقول في الأربعة: "رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم؛ إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا آتنا قي الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".
قال ابن الخل: لأنه روى ذلك عنه صلى الله عليه وسلم.
وقد روي أنه قال: "واعف" بدل قوله: "وتجاوز عما تعلم"، وروي:"وأنت العلي الأعظم" بدل [قوله]"الأعز الأكرم".
قال: ليدعو بين ذلك بما أحب - أي: من أمر الدين والدنيا - رجاء الإجابة.
وقد روى أبو داود عن عبد الله بن السائب قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين الركنين: " [اللهم] ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".
قال الشافعى: رضي الله عنه: "وأستحب له أن يقرأ فى طوافه؛ فإنه بلغنا أن مجاهداً كان يُقرأ عليه القرآن في الطواف".
قال الأصحاب: وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الطواف بالبيت صلاة"، وإذا كان صلاة، فأفضل الذكر في الصلاة وأعلاه القرآن.
لكن في "الحاوي" أن ذلك مخصوص بمن أراد أن يأتي بدعاء غير الدعاء المسنون فيه؛ فإن قراءة القرآن تكون أفضل منه، أما كونها أفضل من الدعاء المسنون فلا، بل هو أفضل منها؛ كما أن الدعاء [المسنون] في الركوع والسجود
أفضل من القراءة فيهما، وهو الذي قال النواوي [في المناسك]: إنه الأصح.
وحكي عن الحليمي من أصحابنا; أنه [لا يستحب القراءة في الطواف.
وعن الشيخ أبي محمد الجويني: [أنه] يحرص على أن يختم في أيام الموسم في طوافه ختمة].
قال: ولا ترمل المرأة، ولا تضطبع؛ لأن معناهما - وهو إظهار الجلد والقوة - لا يوجد في حقها مع كون ذلك يقدح في تسترها.
قال: وا لأفضل [أن يطوف] راجلاً - أي: إن كان يطيقه - حماية للناس عن الأذى بمركوبه، وتنزيهاً للمسجد عن دخول البهيمة إليه؛ فإنه لايأمن أن تلوثه.
ولأنه صلى الله عليه وسلم طاف في عمره كلها ماشياً، وهو يواظب على الأفضل.
قال: فإن طاف راكباً جاز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكباً، وكان يشير إلى الحجر بمحجن في يده؛ كما تقدم، وكان ذلك في حجة الوداع في طواف الإفاضة - كما قال الماوردي- لا غير، وهو يدل على الجواز؛ فإن هذه الحجة هي الني استكمل فيها تعليم أفعال الحج من فرض وواجب وسنة.
ثم فعله صلى الله عليه وسلم يدل - أيضاً - على أنه لا دم [على ذلك]؛ لأن الدم إنما [يجب] في حال النقص، وهو عليه السلام لا يؤثر لنفعه النقص، سيَّما عام حجة الوداع، وهذا ما أورده الجمهور.
ولا فرق في جواز الطواف راكباً بين أن يكون لعذر من مرض [أو لا: لأنه]، عليه السلام لم يطف راكباً لمرض؛ فإن جابراً قال: ربما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليراه الناس، وليشرف عليهم؛ ليسألوه؛ فإن الناس غشوه" كذا رواه مسلم عنه في تتمة الحديث السابق.
قال الشافعي- رضي الله عنه "ولا أعلمه في تلك الحجة اشتكى".
قال الماوردي: والإجماع على جوازه بغير عذر وإن كان أبو حنيفة ومالك يوجبان الدم إذا فعله بغير عذر.
ودليلنا ما ذكرناه.
ثم إذا جاز الطواف راكباً، فهل هو مكروه؟
قال الماوردي: إن كان بغير عذر، فنعم، وهو الذي أورده أبو الطيب وغيره؛ لأنه عليه السلام إنما فعل ذلك مرة واحدة؛ لأنه [أحب أن] يشرف على الناس؛ ليسألوه، وليس أحد في هذا الموضع مثله.
وإن كان لعذر من مرض أو زمانة، فالأولى أن يطوف محمولاً، ولا يطوف راكباً غير المعذور، وركوب الإبل أيسر حالاً من ركوب البغال والحمير.
وقال الإمام: إن في القلب من إدخال البهيمة المسجد شيئاً في حال عدم الأمن من التلويث.
نعم: لو أمكن التوثق من هذه الجهة فذاك، وإن لم يمكن فإدخال البهائم المسجد مكروه.
وقال في "الوسيط": لا بأس بالركوب لمن إذا ركب استُفتي.
وحيث يكره الطواف راكباً، يكره [الطواف] محمولاً، ومحل جوازه إذا لم ينو الحامل الطواف عن نفسه ولم يكن [عليه] طواف هو فرض أو واجب.
قال: وإن حمله محرم، ونوبا جميعاً - أي: نوى كل واحد منهما [الطواف عن نفسه - ووجد شرطه في كل واحد منهما] ففيه قولان:
أحدهما: أن الطواف للحامل؛ لأنه الفاعل [له] فوقع عنه.
ولأن الحامل أصل، والمحمول تبع؛ [وهذا] هو الأظهر في "الشامل"، والأصح في تعليق أبي الطيب، وغيره.
والثاني: أنه للمحمول؛ لأن الحامل آلة له، فهو كالراكب؛ وهذا ما اختاره في "المرشد"، وصححه النواوي في "المناسك".
قال ابن يونس: وقيل: إنما يقع عن المحمول؛ إذا كان معذوراً.
والذي أورده أبو الطيب وغيره إجراء القولين، سواء كان المحمول بالغاً أو صغيراً، صحيحاً أو مريضاً.
ومن هنا يظهر لك: أنه [لا] يقع عن الحامل والمحمود جميعاً، وقد صرح به في "المهذب"؛ و"الشامل"، و"الحاوي"، و"النهاية"؛ لأن الفعل الواحد لا يقع عن
اثنين، وهذا بخلاف ما لو طافا على بهيمة؛ فإنه يصح طوافهما.
وبخلاف ما لو حمله في الوقوف؛ فإنه يجزئ عنهما؛ لأن الفعل ثم لا يشترط، بل المشروط الحصول فى الموقف، وقد وجد.
لكن [قد] قال الماوردي فيما إذا كان المحمول صغيراً غير مميز، ونوى الولي بالطواف نفسه والصبي، فهل يقع عنهما أو عن الحامل فقط؟ فيه وجهان، سنذكرهما، ويظهر جريانها هنا.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أنهما إذا لم ينويا جميعاً، بل نوى أحدهما؛ أن الطواف يكون له، بلا خلاف.
قلت: ويظهر أن يقال فيما إذا كانت النية ممكنة من كل واحد منهما: أن ذلك ينبني على [أن] نية الطواف هل تشترط أو لا؟ كما سيأتي، وقد صرح به في "الإبانة": فإن قلنا باشتراطها، فالأمر كما أفهمه كلام الشيخ، وإلا جاء القولان.
وكذا إذا كان المحمول صغيراً غير مميز، ولم ينو حامله.
الثاني: أن الحامل لو نوى الطواف عن المحمول، لم يجر القولان؛ ولأجل ذلك قال: النواوي في الصحيح؛ إن الحامل إذا نواه للمحمول، وقع عنه، وهذا صحيح إن كان هذا في طواف القدوم، أو في طواف متطوع به، أما إذا كان في طواف الفرض فلا؛ كما ستعرفه.
الثالث: أن محل الخلاف في طواف القدوم؛ لأنه الذي تكلم فيه، وليس هو مختصاً به، بل هو جار في الطواف الركن أيضاً؛ لأن الماوردي قال: لو طاف محمولاً وكل منهما [محرم] عليه طواف قد نواه عن نفسه ففيه قولان:
أحدهما: أنه للحامل.
والثاني: أنه للمحمول.
وتوجيههما ما تقدم.
ويدل على ذلك - أيضاً - أن ابن الصباغ، والقاضي الحسين، وغيرهما قالوا: لو حمل الصبي الذي لا يتأتي عنه الطواف محلٌّ أو محرم [قد طاف] عن نفسه طواف الفرض - أجزأه يعنى: الصبي.
قال النواوي في "المناسك" و [هذا] سواء كان الحامل له وليَّه الذي أحرم عنه أو غيره، وإن حمله حامل [محرم] لم يطف عن نفسه، ففيه قولان:
أحدهما: يقع عن الصبي؛ لأن الحامل بمنزلة البهيمة إذا طافت براكبها.
والثاني: أنه يقع [عن الحامل]؛ لأنه هو الطائف؛ فلا يقع عن غيره وعليه فرضه؛ وهذا [ما] صححه القاضي الحسين.
وقد نسب الماوردي الأول إلى النص في "المختصر الكبير".
وقال: إن القاضي أبا حامد حكاه في جامعه، والثاني إلى نصه في "الإملاء"، ووجهه بما ذكرناه، وزاد فيه:"كما لا يصح منه التطوع بالطواف أو الحج، وعليه فرضه"، لكنه خص محل القولين بما إذا كان الحامل الولي [ولم ينو] الطواف عن نفسه دون الصبى.
[وقال فيما إذا نواه عن نفسه دون الصبي]، أو لم ينو شيئاً: أنه يكون عن نفسه، وعليه أن يطوف بالصبي.
ولو نوى الطواف عن نفسه وعن الصبى، فيجزئه عن نفسه، وهل يجزئه عن الصبي؟ فيه وجهان، تخريجاً من القولين.
وكلام الإمام منطبق على ما قاله إلَاّ في كونه إذا نوى [عن] نفسه والصبي: أنه يقع عنهما على وجه؛ فإنه لم يذكره، وقد تبعه في "الوسيط".
وجعل الإمام [مأخذ الخلاف] في الأصل: أن تجديد نية الطواف لا تشترط؛ كما سنذكره، لكن صرفه بالنية هل يضر بنيته السابقة أم لا؟
قال: ووجه كونه يضر - ولعله الأصح، وربما كان يقطع يه شيخي: أنَّا إذا لم نشترط تجديد النية؛ اكتفاء بالنية الشاملة، فالنية اللاحقة مراغمة لها.
وقد ذكرنا في نظير ذلك في باب النية في الطهارة عند [ذكرنا:] عزوف النية، وقصد التبرد، والتنظف [كلاماً].
قال: فإن قلنا: صرف الطواف بالنية يقطع السابقة، لم يقع عن نفسه، ويقع عن المحمول المنوي له، وإلَاّ وقع عن الحامل، وإن شيخه كان يقول: إذا نوى [عن] الصبي، فلا يقع عن الصبي، وهل يقع عنه؟ فعلى قولين. [قال:] وهذا خبط.
والذي ذكره العراقيون وغيرهم ما تقدم.
ولك آن تقول [في] الجواب عن الشيخ: [و] إن كلامه وإن كان في طواف القدوم، لكنه قد أحال الكلام في طواف الفرض عليه؛ لأنه لم يذكر حين ذكره صفته؛ فدلَّ على أن حكمهما واحد، إلا فيما وقع التنبيه عليه من الاضطباع والرمل.
الرابع- وهو الذي يفهمه كلام ابن الصباغ أيضاً؛ لأن عبارته في حكاية القولين كعبارة الشيخ-: أن محل الخلاف إذا حمله [محرمٌ، أما إذا حمله محلٌ] ونويا، فلا.
والذي يظهر أن يقال: إنه لا فرق؛ لأن الطواف يصح من غير المحرم - كما قاله القاضي الحسين وغيره عند الكلام في طواف الوداع - لأنه عبادة في نفسه، وإذا كان يصح منه، فلا فرق بينه وبين المحرم.
نعم: لو كان الخلاف مقصورًا على طواف الفرض، كان التقييد بالإحرام مقيداً؛ لأنه لا يتصور طواف الفرض إلَاّ من محرم.
ولقائل: أن يقول: لعل الشيخ إنما أشار بذلك للتنبيه على أن محل الخلاف في طواف الفرض؛ كما ذكرته، عن الماوردي من قبل، ويكون تعليل القولين ما ذكرته ابن الصباغ وغيره.
قيل: لو كان كذلك، لم يحتج إلى قوله:"ونويا جميعاً"؛ لأن طواف [الفرض] لا يفتقر إلى النية. ولكان له أن يقول: إن الخلاف الآتي فيه بلا شك؛ فيكون المراد الخروج عن الخلاف.
قلت: ويجوز أن يكون قول الشيخ: "ونويا جميعاً" أراد به التشبه على مذهب الخصم [في هذه المسألة] وهو أبو حنيفة فإنه قال: إذا نويا جميعاً، "وقع الطواف" عنهما"، وهو عندنا لا يقع عنهما؛ كما لو فقدت النية منهما، وقد تقدم ذكره، وقد يقع عن واحد منهما، ومن هو؟ فيه القولان.
ويجوز أن يكون قوله: "ونويا جميعاً"، أي: نويا الطواف عن المحمول؛ فإن فيه قولين حكاهما الفورانى وغيره.
أحدهما: أنه يقع عن الحامل.
والثاني: [أنه] يقع عن المحمول، وهو الأصح.
وفيه قول ثالث: أنه يقع عنهما، حكاه النواوي في "المناسك"، وقال: إن الحامل إذا كان محرماً، لم يطف عن نفسه، وقصد بالطواف نفسه فقط، أو قصدهما، أو لم يقصد شيئاً - وقع عن الحامل، ولم يحك غيره.
قال: وإن طاف محدثاً أو نجساً أى: عليه نجاسة غير معفو عنها - أو مكشوف العورة، أو طاف على جدار الحجر- أى: حائطه – أو [على] شاذروان الكعبة-: لم يجزئ.
هذا الفصل ينظم مسائل:
ومنها اشتراط الطهارة عن الحدث والخبث وستر العورة في الطواف، سواء فيه طواف القدوم، أو طواف الزيارة، أو طواف الوداع.
وقد حكى الإمام عن أبي يعقوب الأبيوردي من أصحابنا وجهاً: أنه يصح طواف القدوم من غير طهارة، ثم قال يجبر بدم وهو غلط.
والصحيح ما ذكره الشيخ، ووجه ذلك: ما روى طاووس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق، فمن نطق فلا يطق إلا
بخير".
ووجه الدلالة منه من وجهين:
أحدهما: أنه سماه: صلاة، وهو لا يضع الأسماء اللغوية، وإنما يكسبها أحكاماً شرعية، وإذا ثبت أنه في الشرع صلاة، لم يجز بدون طهارة الحدث والخبث [ولا] مع كشف العورة.
والثاني: أنه جعله صلاة، واستثنى من أحكامها الكلام، فلو كان الطواف صلاة في معنى دون معنى، لم يكن لاستثناء حكم واحد من جملة أحكامها معنى.
وقد ورد دليل آخر على اشتراط ستر العورة قيه، وهو ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة إلى أهل مكة قال: فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننادي ألا يدخل الجنة إلا مؤمن، وألَاّ يحج بعد هذا العام مشرك، وألَاّ يطوف بالبيت عُريان.
والسبب في ذلك: أن الناس في الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويرون ذلك أفضل؛ ليكونوا كما خُلِقوا، وكانت المرأة تشد على فرجها سيوراً.
وقيل: كانوا يفعلون ذلك، ويقولون: لا نعبد ربنا فى ثياب عصيناه فيها، وقد سمى الله تعالى ذلك: فاحشة، وفي قوله تعالى:{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا} [الأعراف: 28]، وإذا ثبت أن ذلك شرط كما فى الصلاة، ظهر منه أنه لا بد من طهارة البدن والثوب، وكذا المطاف؛ لأنه كموضع الصلاة.
لكن قد عمت البلوى بغلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير وغيره؛ فلأجل ذلك اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين - كما قال النواوي - في "المناسك" أنه يعفى عنها، وأنه ينبغي أن يقال: يعفى عمَّا يشق، الاحتراز عنه
من ذلك، كما عفي عن دم القمل والبراغيث والبق وونيم الذباب وهو روثه، وكما عفي عن الأثر الباقي بعد الاستجمار، والقليل من طين الشوارع الذي تيقَّنَّا نجاسته، وعن النجاسة التي لا يدركها الطرف في الماء والثوب على المذهب المختار.
[و] قال: وقد سئل الشيخ أبو زيد المروزي إمام أصحابنا الخراسانيين عن مسألة من هذا النحو، فقال بالعفو، وقال: الأمر إذا ضاق اتسع.
ولأن محل الطواف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ومن بعدهم من سلف الأمة وخلفها، لم يزل على هذا الحال، ولم يمتنع أحد من الطواف لذلك، ولا ألزم النبي صلى الله عليه وسلم ولا من يقتدي به [من بعده] أحدًا بتطهير المطاف عن ذلك، ولا أمروه بإعادة الطواف لذلك.
وقد اندرج فيما ذكره الشيخ عدم صحة طواف النائم؛ لأنه محدث على الصحيح. وقد قال الإمام: إن هذا يقرب [من] صرف الطواف إلى طلب غريم، ويجوز أن يقطع بوقوعه موقعه.
قال في "الروضة": قلت: الأصح صحة طوافه، والله أعلم.
فإن قلت: إذا كان الطواف بالبيت صلاة؛ فينبغي إذا أحدث في أثنائه أن يبطل، وكذا إذا سبقه الحدث على الجديد؛ كما في الصلاة.
قلت: الكلام في هذا يتوقف على معرفة أصل آخر مستقل بنفسه، وهو أن الموالاة في الطواف هل هي شرط فيه أم لا؟ [وفيه قولان] محكيان في طريق العراقيين من غير بناء على شىء.
أحدهما - وهو الجدبد، والصحيح لا؛ لأنه عادة لا يبطلها التفريق اليسير؛ فلم يبطلها التفريق الكثير، كالزكاة.
وإنما قلنا: لا ييطلها التفريق اليسير؛ لإجماعهم على إباحة جلوسه للاستراحة؛ وهذا القول هو الذي يفهم من كلام الشيخ حيث لم يتعرض لبطلانه عند فقد الموالاة كما تعرض لإبطاله عند فقد الطهارة وغيرها.
والثاني -وهو القديم-: أنها شرط؛ لأنها عبادة تتعلق بالبيت، فأبطلها التفريق كالصلاة.
وقد بنى المراوزة القولين هنا على القولين في الموالاة في الوضوء.
قال الإمام: وربما كان شيخي يجعل الطواف أولى بالموالاة، وليس يبين [لي] فرق به مبالاة.
ثم قال الإمام: والمرجع في التفريق الكثير واليسير إلى ما يغلب على الظن [الإضراب [به] عن الطواف وترك] الإضراب [عنه].
وقال غيره من أهل طريقه: إن محل القولين في أن التفريق الكثير مضر [أو لا]؟
إذا كان بغير عذر.
أما إذا حصل بعذر فطريقان؛ كما في الوضوء:
أحدهما: القطع بأنه لا يضر.
والثاني: إجراء القولين [أيضاً].
فإذا عرفت ذلك، رجعنا إلى مسألتنا، فنقول: إن قلنا بالجديد - وهو أنه لا يضر فيه التفريق- كان الحكم فيما إذا أحدث [أو سبقه الحدث واحداً، وهو أنه يوضأ، ويبنى على طوافه من حيث أحدث] إن كان حدثه بعد انتهاء طوفته؛ بأن بلغ الحجر وإن كان قبل تمام طرفته، فوجهان في "الحاوي".
أحدهما: يبني من موضع خروجه - أيضاً - وهو الأصح.
والثاني: يستأنف الطوفة من ابتدائها ولا يبني على ما مضى منها؛ لأن التفريق بين أعداد الطوفات جائز؛ لأن لكل طوفة حكم نفسها، وليس كذلك الطوفة الواحدة.
وإن قلنا بالقديم: فإن أحدث استأنف الطواف كله بعد تجديد الطهارة.
وإن سبقه الحدث، فإن قلنا إن التفريق بالعذر لا يضر، كان الحكم كالحكم فيما إذا قلنا بالجديد.
وإن قلنا: إنه يضر، فإن قلنا: إن الصلاة لا تبطل بسبق الحدث، فالطواف أولى، وإلَاّ فقولان.
والفرق: أن الصلاة في حكم الخصلة الواحدة لا يتخللها الكلام والأفعال الكثيرة، بخلاف الطواف؛ كذا قاله المراوزة، وأبداه الشيخ أبو حامد احتمالاً.
ثم ما ذكرناه إذا طال الزمان قبل التطهر، أما إذا قصر؛ بحيث لا يعد تفريقاً في الطهارة، فإن كان في حال سبق الحدث، قال القاضي الحسين: توضأ وأتم طوافه.
وإن تعمد الحدث، فوجهان، وقيل: قولان، وهو الذي ذكره العراقيون:
أحدهما: يبني - أيضاً - لأن هذا تفريق يسير، والتفريق اليسير - كما ذكرنا -
لا يقطع الموالاة.
والثاني: أن الزمان القصير صيَّره الحدث كالزمان الطويل من غير حدث، وهذا يعضده ما حكاه القاضي أبو حامد في جامعه: أن الشافعي رضي الله عنه – قال: فإن قطعه بغير عذر، وزايل موضعه، وهو فى المسجد - استأنف؛ قياساً على الصلاة.
وقال الإمام: هذا الفعل يضاهي تخلل الردة في أثناء الطهارة مع قصر الزمان؛ فإن من أصحابنا من ألحق ذلك بالتفريق الطويل، ومنهم من قطع رباط الطهارة بها، ومنهم هن ألحقها بالتفريق اليسير.
وحكم الخارج [من طوافه لحاجة حكم الخارج منه بالحدث؛ قاله الماوردي.
وأما الخارج] منه [بالإغماء، فقد نص الشافعي رضي الله عنه في "الأم" على أنه إذا عاد، استأنف الوضوء والطواف، قريباً كان أو بعيداً.
والفرق بين ذلك وبين ما إذا خرج منه] بالحدث - وإن كان كل منهما مانعاً من الطواف - زوال تكليفه بالإغماء؛ فزال به حكم البناء، وبقي تكليفه هع الحدث فبقي حكم البناء.
ومنها: إذا طاف على جدار الحجر أو على شاذروان الكعبة، [لم يجزئه] والكلام على هذا مع من لم يره يتوقف على معرفة كيفية الحجر والشاذروان، فنقول - وإن طال [القول].
الحِجْر بكسر الحاء، وإسكان الجيم - محوط على صورة نصف دائرة فيما بين الركن الشامي والغربي، له بابان متقابلان في آخره، وأرضه مفروشة برخام، وهو مستوٍ بالشاذروان الذي تحت إزار الكعبة.
قال الأزرقي: وعرضه من جدار الكعبة الذي تحت الميزاب إلى جدار الحجر سبعة عشرة ذراعاً وثمانية أصابع، وذرع ما بين بابي الحجر عشرون ذراعاً، وعرضه اثنان وعشرون ذراعاً، وذرع جداره من داخله في الماء ذراع وأربعة عشر أصبعاً،
[وذرعه] مما يلي الباب الذي يلي المقام ذراع وعشرة أصابع، وذرع جداره الغربي في الماء ذراع وعشرون أصبعاً، وذرع جدار الحجر من خارج مما يلي الركن الشامي ذراع وستة عشر أصبعاً، وطوله من وسطه في السماء ذراعان، وثلاثة أصابع، وعرض الجدار ذراعان إلا أصبعين ومع [تدوير الحجر من داخله ثمانية وثلاثون ذراعاً، وذرع تدويره من خارج أربعون ذراعاً وستة أصابع وذرع] طوفة واحدة حول الكعبة والحجر مائة ذراع وثلاثة وعشرون ذراعاً واثنا عشر أصبعاً.
وقد اتفق أكثر الناس على أن بعض الحجر من البيت وبعضهم يقول: كله من البيت، ومنهم ابن عباس، وعمر، وابن عمر، رضي الله عنهم.
ويدل عليه ما رُوي عن عائشة – رضي الله عنها – [أنها] قالت: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول لاله صلى الله عليه وسلم بيدي، وأدخلني الحجر، وقال:"صلى في الحجر إذا أردتِ دخول البيت؛ فإنما هو قطعة من البيت، لكن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت"، وقوله- عليه السلام " [فضرت بهم] النفقة" ليس [معناه]: أن مال قريش لم يتسع لبناء البيت، أو بخلوا به، ولكن كان للكعبة أموال طيبة من النذور والهدايا، فقالوا: لا ننفق على البيت من أموالنا التي جرى فيها الربا، ولكن ننفق [من] مال البيت فيه، فقصر ذلك المال.
وكان بناؤهم لذلك قبل البعثة بعشر سنين.
والقائلون بأن بعضه من البيت اختلفوا:
فمنهم من قال: ذلك البعض ستة أذرع، وما زاد ليس من البيت، وهو الذي رأيته
في "النهاية"، وحكاه النواوي في "المناسك" عن كثيرين من أصحابنا.
وإن منهم من قال: إنه سبعة أذرع وبهذا المذهب قال الشيخ أبو محمد الجويني، وولده إمام الحرمين، والبغوي قال: وزعم الرافعي أنه الصحيح.
ومنهم من قال: إنه قرب من سبعة أذرع، وبه قال في "الحاوي".
وقد جاء في الحديث، أنه خمسة أذرع، ولم أر أحداً قال به غير أن كلام الإمام يمكن أخذه منه، فإنه قال:"إنهم أخرجوا من جانب البيت ستة أذرع من عرض البيت".
وإذا كان كذلك فالشاذروان يسقط من ذلك، ويبقى الباقي يداني خمسة أذبع.
نعم: حكى القاضي أبو الطيب أن الشافعي رضي الله عنه قال: أخبرني بعض أهل العلم من قريش أن الذي أخرج من الكعبة [إلى] الحجر خمسة أذرع.
وليس البيت الآن هو المبني في ذلك الوقت الذي أدركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو مثله إلا في طوله؛ فإنه كان ثمانية عشر ذراعاً، فزيد فيه تسعة أذرع؛ فصار سبعة وعشرين ذراعاً.
وسبب ذلك أن ابن الزبير لما خرج إلى مكة بعد أن أحرق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام، قال: وأيها الناس أشيروا عليَّ في الكعبة أنقضها ثم أنشئ بناءها أو أصلح [ما] وَهَي منها؟ ".
فقال ابن عباس: بأبي [أنت وأمي][قد] فرق لي رأي فيها: أرى أن تصلح منها [ما وَهَى،] وتدع بيتاً [أسلم إلناس عليه، وأحجاراً]، أعلم الناس عليها، وبعث عليها النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال [ابن] الزبير: "لو كان أحدكم أحرق بيته ما رضي حتى يُجِدَّه؛ فكيف
بيت ريكم؟ إني مستخير ربي ثلاثاً، ثم عازم على أمري".
فلما مضى الثلاث أجمع أمره على أن ينقضها، فتحاماه الناس، ثم نقضوه حتى بلغوا به الأرض، وزاد فيه خمسة أذرع من الحجر حتى أبدى أساساً، فنظر الناس إليه فبنى عليه البناء، وألصق أرضه بالأرض، وجعل له بابًا شرقيًّ وباباً غربيًّا، وكان مستنده في ذلك ما رُوي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:"لولا حدثان قومك بالشرك، لهدمت البيت، ولبنيته على قواعد إبراهيم، وألصقته بالأرض، وجعلت له بابين باباً شرقيًّا يدخل الناس منه، وبابا غربيًّا يخرج الناس منه".
فلما ظهر الحجاج على ابن الزبير وقتله، هدم البيت بالمنجنيق بأمر عبد الملك بن مروان وبناه هذه البنية التي هو عليها الآن.
وفي "الحاوي": أنه هدم زيادة ابن الزبير التي استطوف يها القواعد، وهو قول الأزرقي في تاريخ مكة، وأن الحجاج بناها على أساس قريش الذي كانت استقصرت عليه، وكبسها بما هدم منها، وسدّ الباب الذي في ظهرها، وترك سائرها لم يحرك منه شيئاً، وكل شيء فيها بناء ابن الزبير إلا الجدار الذي في الحجر؛ فإنه بناء الحجاج، وسد الباب الذي في ظهرها، وما تحت عتبة الباب الشرقي الذي يدخل منه، ثم همَّ عبد الملك لما صح عنده الخبر بهدمه وإعادته على الهيئة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقل له: لا تفعل كي لا يصير ذلك [ملعبة للملوك].
وقد حكى القاضي أبو الطيب: أن الشافعي رضي الله عنه قال: "وأحب أن تترك الكعبة على حالها؛ لأن هدمها يذهب بحرمتها، ويصير كالتلاعب بها، فلا يريد إنسان ولي تغييرها إلا هدمها؛ فلذلك استحسنا تركها على ما هي عليه".
والشاذروان هو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجاً عن عرض الجدار مرتفعاً عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع، والتارك له -كما قال النواوي؛ حكاية عن أصحابنا وغيرهم- قريش حين بنوا البيت، وضاقت بهم النفقة، وهو ظاهر في جوانب
البيت، لكن لا يظهر عند الحجر الأسود.
وكلام الإمام يقتضي أنه من الركن اليماني إلى الحجر؛ فإنه قال لما ضاقت بهم النفقة، أخرجوا من جانب الحجر ستة أذرع من [غير] عَرْصة البيت، وضيقوا عرض الجدار من الركن اليماني والحجر الأسود، وأخرجوا من أساس الجدار بعضه، وهو الذي يسمى: الشاذروان.
ولعل عدم ظهوره عند الحجر لأنه انمحق، أو [رأوا رفَعْه] لتهوين الإستلام وتيسيره، وقد سمى المزنى الشاذروان تأزير البيت، ومعناه: التأسيس.
وقيل تشبيهاً له بالإزار.
وعن ابن عباس: أنه سمَّاه: الحطيم؛ لأن البيت - شرفه الله تعالى - رفع، وترك [هو] محطوماً.
وقيل: لأن العرب كانت تطرح فيه ما طافت به [من] الثياب، فيبقى حتى يحطم بطول الزمان.
فإذا عرف ذلك [قلنا: إنما لم يصح طوافه على جدار الحجر: أما على قول من قال: إن كل الحجر من البيت فلأنه حينئذ] يكون طائفاً [في البيت] لأن الجدار في محاذاة الكعبة، والله –تعالى- يقول {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] وهذا طائف بالبيت الجديد.
وأما على قول من صار إلى أن بعضه من البيت؛ فلأنه في القدر الذي منه يكون
طائفاً بالكعبة، لا بها؛ فلم يصح؛ لما ذكرناه.
نعم: قال الإمام - تبعاً للقاضي الحسين إنه [لو] خلف من الحجر مقدار الأذرع الستة على رأيه، واستظهر، ثم اقتحم في طوافه الجدار وراء ذلك، وتخطى الحجر على هذا السمت اعتد بطوافه وإن كان ما جاء به مكروهاً.
وقال الرافعي: إنه الصحيح.
قال النواوي في "الروضة"، و"المناسك": والمذهب الصحيح الذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه وبه قطع جماهير أصحابنا، وهو الصواب -: أنه لا يصح طوافه؛ لأن النبي طاف خارج الحجر، وهكذا الخلفاء الراقدون، وغيرهم من الصحابة، فمن بعدهم.
وقد روي في الصحيحين: أن الحجر من البيت.
وروي: ستة أذرع من الحجر من البيت.
وروي: ستة أذرع، أو نحوها من البيت.
وروي: خمسة أذرع.
وروي: قريباً من سبع.
وإذا اضطربت الروايات تعين الأخذ بأكثرها ليسقط الفرض بيقين؛ قاله ابن الصلاح.
قال النواوي: قلت: ولو سلم أن بعض الحجر ليس من البيت، لا يلزم منه ألا يجب الطواف خارج جميعه؛ لأن المعتمد في باب الحج الاقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيجب الطواف بجميعه، سواء كان من البيت، أو لا.
وإنما لم يصح طوافه على شاذروان الكعبة، لأنه طاف في البيت لا به؛ فلم يصح؛ لما ذكرناه.
نعم: لو كان جسده خارج البيت، وأدخل يده في هواء الشاذروان فالذي ذهب إليه الأكثرون: أنه لا يعتد بهذا الطواف أيضاً، فإن الشرط أن يكون جميع بدنه منفصلاً عن البيت.
قال الإمام: وذكر بعض أصحابنا وجها آخر بعيداً: أنه يعتد به.
وقد قال في "الوسيط" إنه الأظهر؛ لأنه يسمى: طائفاً بالبيت.
والأصح عند النواوي وغيره الأول.
قال [النواوي] في "المناسك": وينبغي أن نبينه هنا؛ لدقيقة وهي أن من قبل الحجر، فرأسه في حال التقبيل في جزء من البيت؛ فيلزمه أن يقر قدميه في موضعهما حتى يفرغ من التقييل، ويعتدل قائماً؛ لأنه لو زالت قدماه عن موضعهما إلى جهة الباب قليلاً - ولو قدر بعض شبر - في حال تقبيله، ثم لما فرغ من التقبيل اعتدل عليهما في الموضح الذي زالتا إليه، ومضبى من هناك في طوافه - لكان قد قطع جزءاً من مطافه ويده في هواء الشاذروان؛ فتبطل طوفته تلك.
تنبيه: كلام الإمام يقتضي أمرين:
أحدهما: أن الطواف داخل البيت أو على ظهره لا يجزئ؛ لأنه إذا لم يجزئ على الشاذروان؛ لما ذكرناه، فداخل البيت، وعلى ظهره من طريق الأولى، وقد صرح به الأصحاب.
الثاني: أنه لو طاف خارج المسجد لا يجزئ أيضاً.
لأنه حينئذ [يكون] طائفاً بالمسجد لا بالبيت، وقد صرح به الأصحاب؛ كما حكينا، من قبل.
نعم: لو وسع المسجد، فحيث طاف فيه أجزأه والأكمل ما ذكرناه من قبل.
وقد كان المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصغر مما هو عليه الآن فاشترى عمر دوراً، وزادها فيه، واتخذ للمسجد جداراً قصيراً دون القامة، وهو أول من اتخذ جداراً للمسجد الحرام، ثم وسَّعه عثمان كذلك، واتخذ الأروقة، وكان أول من اتخذها للمسجد الحرام.
وقيل: أول من اتخذها عبد الله بن الزبير في خلافته، ثم وسعه الوليد بن عبد الملك ثم المنصور، ثم المهدي، وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا هذا؛ قاله في "الروضة".
قال: وإن طاف من غير نية، أي: تخصه - فقد قيل: يصح؛ لأن نية الحج تأتي عليه؛ كما تأتي على الوقوف؛ وهذا ما صححه النواوي، وجزم به الإمام عند الكلام [في الطواف بالصبي، وكذا ابن الصباغ عند الكلام] فيما إذا [طاف للوداع، ولم يكن قد] طاف طواف الزيارة.
وقيل: لا يصح؛ لأنه عبادة تفتقر إلى السير، فافتقرت إلى النية؛ كركعتي المقام؛ وهذا ما اختاره في "المرشد".
وحكى في "الوسيط" وجهاً ثالثاً: أنه يجزئ إلا إذا صرفه إلى طلب غريم، أو
قصد آخر؛ وهذا من تخريج الإمام؛ بناء على أن صرف نية الوضوء إلى قصد التبرد هل تؤثر فيه أم لا؟
وقد رأيته في "تعليق القاضي أبي الطيب" مجزوماً به قبيل الكلام في الرمي أيام منى.
وهذا الخلاف في طواف الفرض، سواء كان في حج أو عمرة.
وأما طواف الوداع، فلا شك في أنه لا بد من النيَّة لفقد ما ذكرناه من علة عدم اشتراطها آنفاً؛ لأنه يقع بعد التحلل التام.
ومن طريق الأولى اشتراطها في الطواف المنذور والنفل، وقد صرح به في "الوسيط" حيث قال:"أما الطواف ابتداء فعبادة مفتقرة إلى النية".
وطواف القدوم يحتمل إجراء الوجهين فيه؛ كما يشعر به إيراد الشيخ وسياق كلامه؛ لأنه من سننه الداخلة في العبادة.
بل قال المزني: إنه نسك فيه؛ حتى يجب بتركه الدم، وهو الذي حكاه القاضي أبو الطيب عن بعض الأصحاب عقيب الكلام في طواف الوداع، وإذا كان من سننه [أو نسكاً][له]، كانت النية منسحبة عليه؛ كما في سنن الوضوء.
لكن في ابن يونس ما يفهم الجزم باشتراط النية فيه.
وما حكيته في باب الإحرام عند الكلام فيما إذا أحرم مطلقاً عن الشيخ أبي حامد يفهم جزمه بعدم اشتراط النيَّة فيه.
وقد أفهم ما ذكرناه من قياس القول الأول: أنه لا يجري مثل القول الثاني في
الوقوف بـ"عرفة"، [وبـ"مزدلفة"]، وهو المذكور في "تعليق القاضي أبي الطيب"؛ فإنه قال: أفعال الحج كالوقوف بـ"عرفة" وبـ"مزدلفة"، والطواف، والسعي، هل يفتقر كل فعل منها إلى نيّة أم لا؟
اختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة مذاهب:
قال أبو إسحاق: ليس شيء منها يفتقر إلى نية سوى الطواف؛ لأنها أبعاض الحج، ونية الحج تشملها؛ [كما أن الركعات أبعاض الصلاة، ونية الإحرام تشملها] وإنما افتقر الطواف إلى النية؛ لأنه صلاة، والصلاة تفتقر إليها.
وقال ابن أبي هريرة: ما كان من هذه المواضع يختص بفعل [: كالسعي، والطواف والرمي- افتقر إلى النية، وما لم يكن يختص بفعل]، وإنما هو لبث مجرد: كالوقوف بـ"عرفة"، و"مزدلفة"، فإنه لا يفتقر إلى نية.
وحكى ابن المرزبان عن بعض أصحابنا: أن جميع ذلك لا يفتقر إلى النية.
لكن في "تعليق القاضي الحسين" في باب فوات الحج بلا إحصار: أن الشافعي- رضي الله عنه قال: القصد والإقامة يعتبر في الحج في أربعة أشياء: في الإحرام، و [في] الوقوف، والطواف، والسعي.
وقد حكى في "التتمة" وجهين في افتقار كل ذلك إلى النية، وسنذكرهما من بعد، واعلم أن قولنا:"إن الطواف الفرض يفتقر إلى النية"، نريد بذلك نية أصل الفعل، لا كونه فرضاً؛ يدل على ذلك: أن الأصحاب قالوا: لو طاف للوداع، ولم يكن قد طاف طواف الزيارة، انصرف إليه.
وإن قلنا: إن طواف الوداع واجب؛ كما لو أحرم بحج منذور، وعليه فرض الإسلام – ينصرف إلى حج الإسلام، وفيه شيء سنذكره؛ ولذا قالوا لو طاف المحرم بالحج معتقداً أنه محرم بعمرة، أجزأه عن الحج؛ ذكره في "الروضة" عن الروياني.
قال: ثم يصلي ركعتي الطواف؛ لما روى أبو داود عن عبد الله بن أبي أوفي أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر، وطاف بالبيت، وصلى خلف المقام ركعتين، ومعه من يستره من الناس، فقيل لعبد الله: أدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة؟ قال: لا.
وفي رواية: "ثم أتى الصفا والمروة، فسعى بينهما سبعاً ثم حلق رأسه"، وأخرجه البخاري ومسلم، لكنه مختصر.
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف بالبيت في الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت، ثم يمشي أربعاً، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة، والسجدة يعبَّر بها عن الركعة كثيراً.
وقد جاء مفسراً في رواية مسلم عنه – أيضاً- أنه قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وبين الصفا والمروة سبعاً جميعاً، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة".
قال: والأفضل أن يكون خلف المقام؛ لما رواه جابر في صفة حج رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثم نفر إلى مقام إبراهيم- عليه السلام فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]، فجعل المقام بين البيت وبينه، وكان أبي يقول – ولا أعلمه ذكره إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يقرأ في الركعتين: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، و {قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ} "، انتهى.
والقائل: "كان أبي" هو جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر، كأنه شك في هذا الفصل: هل رفعه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا؟
فإن قيل: الآية والخبر ظاهرهما دال على الوجوب؟
قبل في جوابه: هي صلاة؛ فلا تختص بمكان معين؛ كسائر الصلوات؛ فلذلك حملناهما على الاستحباب.
قال القاضي الحسين: ولو لم يفعلها خلف المقام، فالمستحب أن يفعلهما في الحجر؛ [لأن ابن عمر فعلهما في الحجر] تحت الميزاب.
قال في "التهذيب": فإن لم يفعل، ففي المسجد؛ فإن لم يفعل، ففي أي موضع شاء.
قال: يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، وفي الثانية {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ؛ لما ذكرناه من خبر جابر.
قال: وهل تجب هذه الصلاة أم لا؟ فيه قولان:
أصحهما: أنها لا تجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم [في قصة الأعرابي]: "خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة" فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع"، وهذه زائدة على الخمس.
ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود، لم يشرع لها أذان ولا إقامة، ولا تتقيّد بوقت مخصوص؛ فلم تجب بالشرع؛ كسائر النوافل.
وأيضاً: فقد ذكر الشافعي – رضي الله عنه في القديم: أنه لو صلى فريضة بعد الطواف، حسبت له عن ركعتي الطواف؛ لرواية ذلك عن ابن عمر، ولم يذكر له مخالفة، ولو كانت واجبة لما دخلت في ضمن فريضة؛ لأن الواجبين لا يتداخلان؛ كذا قاله القاضي، وفيه شيء ستعرفه.
ووجه الوجوب: أنه صلى الله عليه وسلم لما طاف راكباً، نزل فصلى الركعتين خلف المقام، فلو
كانت غير واجبة، لصلى على الراحلة.
وأيضاً: فقد أطبق الناس على فعلهما، والسنن يندر فيها الاتفاق العملى.
ولأنها تابعة للطواف، فكانت واجبة، كالسعى.
والقائلون بالأول قالوا: [الحديث] لا حجة فيه؛ لأن صلاة النافلة على الراحلة لا تجوز في البلد، والطواف في البلد.
والسعي لم يجب؛ لكونه تابعًا للطواف، بل هو ركن في نفسه.
وأيضاً: فهو إذا أتى به مع طواف لا يأتي به مع آخر، فلم يكن من أتباعه، والصلاة تتبعه حيث فعل؛ فكانت من هيئاته.
ومحل القولين بالاتفاق في طواف الفرض؛ ولأجل ذلك قال الإمام; وإذا كان الطواف مفروضاً، فللشافعي رضي الله عنه في ركعتيه قولان"، أما الطواف المتنفل به: كطواف القدوم، ونحوه - فقد ألحقه الماوردي بطواف الفرض في العمرة والحج.
وقال القاضي الحسين: إنهما سنة فيه قولاً واحداً؛ كما أن التشهد إذا كان واجباً، فالصلاة فيه على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة، وإذا كان سنة، فهي فيه سنة.
قال: وغلط ابن الحداد حيث جعل في ركعتي طواف النفل القولين.
وقد جعل الإمام ما جزم به القاضي الأصح، واعتذر [عن] ابن الحداد، فقال: ولا أراه يصير إلى إيجابهما على التحقيق، ولكنه رأى ركعتي الطواف جزءاً منه، ولم ير الاعتداد بالطواف المتطوع به دونهما؛ قإنه لا بد أن يشترط في النفل ما يشترط في الفرض: كالطهارة، والركوع.
وإذا كان كذلك، فقد تحقق من معاني كلام الأصحاب: أن الركعتين معدودتان من الطواف، أو لهما حكم الانفصال عنه.
وعلى هذا الخلاف ينبغي أن يخرج اشتراط الموالاة بينهما وبينه إن اشترطنا الموالاة فيه نفسه، لكن سنذكر عن الأصحاب خلاف ذلك.
التفريع: إن قلنا بالقول الصحيح، فيجوز له فعلهما قاعداً مع القدرة على القيام،
وأن يجمع بينهما وبين الطواف بتيمم واحد، ويجوز أن يقيم مقامهما ركعتين فرضاً؛ اعتباراً بتحية المسجد؛ كما قال الصيدلاني، وهو ما حكيناه عن القديم من قبل.
وقال الإمام: إنه مما انفرد به الصيدلاني، والأصحاب على مخالفته؛ فإن الطواف يقتضى صلاة مخصوصة، والمسجد حقه ألا يجلس الداخل إليه حتى يصلى.
وإن قلنا بمقابله، فهل يجوز فعلهما قاعداً مع القدرة على القيام؟ فيه وجهان في "الحاوي" والبيان:
ووجه الجواز: أنهما من توابع الطواف، فلما جاز أن يطوف راكباً ومحمولاً مع القدرة على المشي، جاز أن يصلي قاعداً مع القدرة على القيام.
وهل يجوز أن يجمع بينهما وبين الطواف بتيمم واحد؟ فيه وجهان حكاهما الإمام.
ولا يقوم مقامهما صلاة ركعتين فريضة.
وعلى القولين معاً لا يتعين لفعلهما وقت ولا مكان، حتى لو أقيمتا بعد الرجوع إلى الوطن والتحلل وقعتا الموقع، ولا ينتهيان إلى القضاء والفوات مع بقاء الحياة.
قاله العجلي - وكذا النواوي، وهو متبع في ذلك الإمام، وقال: إنهما ليستا شرطاً في الطواف، ولا ركناً فيه وإن لم يصِر إلى ذلك أحد من الأصحاب، وأنه لا يجبر تأخيرهما ولا تركهما بدم ولا غيره.
لكن في "تعليق القاضي الحسين": أنا إذا قلنا: إنهما غير واجبتين، كان حكمهما في القضاء حكم النوافل.
وإن قلنا بالوجوب، قضاهما.
وحكى القاضي أبو الطيب عن رواية أبي الحسن بن المرزبان عن رواية بعض أصحابنا: أنه قال: إذا لم يصلِّ رجعتي الطواف حتى رجع إلى أهله، لم يحصل له التحلل؛ لأن الركعتين بمنزلة جزء من الطواف، وإذا بقي عليه جزء من الطواف؛ فإنه لا يحصل له التحلل.
قلت: وهذا يؤيد ما وجه به مذهب ابن الحداد في طواف النفل كما سبق، ولعل هذا فيما إذا تركهما من طواف [يعقبه السعي؛ لأنه حينئذٍ يكون سعيه باطلاً؛ لأن من
شرطه أن يقع بعد] [طواف] كامل، ولم يكمل الطواف بدون ركعتيه عند هذا القائل؛ فلذلك قال: إنه لا يتحلل.
أما إذا كان قد تركهما عقب طواف لم يسع بعده، فيظهر أن يحصل له التحلل –أيضاً- إذا صلاهما في منزله؛ إذ لا يتعين لفعلهما مكان كما تقدم.
وقد قال القاضي أبو الطيب: إن الصحيح: أن التحلل يحصل له وإن لم يصل الركعتين؛ لأنهما منفردتان عن الطواف؛ فهما بمنزلة السعي وما بعده.
وفي هذا نظر لا يخفى على متأمل، والله أعلم.
ثم على رأي الإمام: إذا فاتتا بالموت قبل فعلهما؛ قال: فينقدح أن يجبرا بالدم إذا قلنا بالوجوب؛ كسائر الواجبات.
وقد حكي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: إذا لم يصلهما حتى رجع إلى شعبه - أي: بيته - صلاهما وأراق دماً، وليس إراقة الدم بواجبة -كما تقدم- بلا خلاف، لكنها مستحبة.
وقد حكى النواوي عن الشافعي: أنه استحبها، لكن استحباب ذلك، هل هو مفرع على القول بالوجوب، أو على القولين؟ فيه وجهان:
المذكور فى "التتمة"، الأول.
والأصح في "تعليق القاضي الحسين" الثاني.
واعلم أن ركعتي الطواف تقعان للمستأجر لأداء النسك عنه.
قال الإمام: وليس في الشرع صلاة تجزئ فيها النيابة غير هذه.
وفي "الروضة" أن أصحابنا اختلفوا فيمن تقع عنه؟ فقيل: عن الأجير.
والأشهر: أنها عن المستأجر.
فرع: إذا أراد أن يطوف طوافين أو أكثر، استحب له أن يصلي عقيب كل طواف ركعتين، فلو طاف طوافين أو أكثر [بغير صلاة]، ثم صلى لكل طواف ركعتين جاز، لكنْ ترك الأفضل.
ويستحب أن يدعو عقيب صلاة الركعتين خلف المقام بما أحب من أمور الآخرة والدنيا، والله أعلم.
قال: ثم بعود إلى الركن فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن جابراً روى ذلك عنه حين وصف حجه صلى الله عليه وسلم، كما أخرجه مسلم وغيره.
قال الماوردي: ويستحب له بعد استلام الركن، وقبل خروجه أن يقف في الملتزم، ويدعو عنده؛ لأنه عليه السلام فعله.
وأن يدخل الحجر ويدعو تحت الميزاب؛ لقوله عليه السلام – "أما من أحد يدعو تحت الميزاب إلا استجيب له".
وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا جاوز ميزاب الكعبة: اللهم إني أسالك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب".
وقال ابن الصلاح: وظاهر الحديث الصحيح يدل على أن هذا مما لا ينبغي الاشتغال به عقيب الطواف الذي يستعقب السعي، بل يخرج إلى السعي، ويؤخر ذلك إلى ما بعد طواف آخر، ومن أراد ذلك عقب الطواف المستعقب للسعى، فينبغى
أن يأتي به مقدماً على استلام الحجر.
وقد قال الغزالي: إنه يأتي الملتزم إذا فرغ من الطواف قبل فعل ركعتي الطواف.
قال ابن الصلاح: وهكذا الأمر في دخول البيت.
قال: [ويسعى؛] لأنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه سعى بين الصفا والمروة - كما تقدم ذكره - وهو بيان لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ} الآية [البقرة: 158].
ومعنى قوله تعالى: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} أي: من علامات مناسككم.
ومعنى قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158]، أي: لا حرج عليه في ذلك.
وسببه: أن الصفا كان عليه صنم يقال: له إساف، وعلى المروة صنم يقال له: نائلة، وكانت الجاهلية إذا سعت يمسحونهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام، كرهه المسلمون؛ لأجل ذلك؛ فنزلت الآية.
وروى مسلم عن عروة قال: قلت لعائشة رضي الله عنها ما أرى عليَّ جناحًا [ألَاّ أطوف] بين الصفا والمروة، قالت:"لم"؟ قلت: "لأن الله تعالى قال: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} " الآية [البقرة: 158]، فقالت:"لو كان كما تقول، لكان: "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما"، إنما أنزل الله تعالى هذا في أناس من الأنصار كانوا إذا أهلوا، [أهلوا] [لمناة]، في الجاهلية؛ فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة".
وفي رواية: "ما أتمَّ الله حج امرئ ولا عمرته، لم يطف بين الصفا والمروة".
وهذا من قول عائشة لا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما قاله الماوردي.
فائدة: قال القاضي الحسين: الأصل في السعي قيل: قصة إبراهيم عليه السلام.
[روي أنه عليه السلام أمر] ابنيه إسماعيل [وإسحاق] بالمسابقة، فاستبقا، فبسق إسماعيل إسحاق، فأجله في حجره، وإسحاق بين يديه على الأرض، فدخلت زوجته سارة أم إسحاق، فقالت: ولد أمتي تجلسه في حجرك، وولدي على الأرض؟!
فحلف إبراهيم عليه السلام أن يهاجر يإسماعيل وأمه هاجر، فهاجر بهما إلى مكة، وحمل معهما جراباً من الزاد، وقربة من الماء، ومكة إذ ذاك ربوة حمراء، ليس بها ديار، ولا نافخ نار، فقالت هاجرت "إلى من تكلنا"؟ فقال:"إلى الله"، فقالت:"إذن لا يضيعنا الله"، فلما فني الزاد والماء، تحيرت هاجر فسمعت صوتاً من "صفاً فَزَقَتْهَا بقدر قامة رجل، ثم خفي ذلك الصوت، فنزلت وهي تمشى، فلما بلغت الموضع الذي يُبْدأ السعى منه، سمعت ذلك الصوت من "مروة"، فأخذت فى السعى الشديد، فلما بلغت المكان الذي يقطع فيه السعي، كانت قد سكنت فرجعت إلى سجية المشي حتى رقت "مروة" بقدر قامة رجل، وخفي الصوت، ثم سمعت [ذلك] الصوت من صفا بعد أن نزلت من "مروة"، وبلغت [الموضع الذي يقطع فيه السعي، فأخذت في السعي الشديد، فلما بلغت] الموضع الذي يبدأ فيه السعي، كانت قد سكنت فرجعت إلى سجية المشي حتى رقت] "صفا" هكذا سبع مرات.
وقيل: إنها لما رقت "الصفا" في المرة الأولى في طلب صاحب ذلك الصوت، سمعت ذلك الصوت من "مروة"؛ فنزلت من صفا، وقصدت "مروة"، وهى تمشي،
فلما بلغت الموضع الذي يبدأ فيه السعي، صار ولدها يمري منها، فلم تحب أن تراه في الحال الشديد من العطش، فأخذت في السعي الشديد حتى غاب عن عينها، ثم رجعت إلى سجية المشي حتى رقت "مروة"، ثم سمعت من "صفا" فنزلت من "مروة" وقصدت "صفا"، وهي على سجية المشى، حتى بلغت الموضع الذي يقطع [فيه السعى] فصار ولدها يمري منها، فأخذت في السعي الشديد؛ كراهية أن تراه في الحال الشديد من العطش، حتى بلغت الموضع الذي يبدأ فيه السعي، ثم رجعت إلى سجية المشي حتى رقت "الصفا"، هكذا سبع مرات، فلما كانت في المرة السابعة على "مروة" نظرت فرأت الماء قد نبع من تحت عقب إسماعيل، عليه السلام.
قيل: إن جبريل عليه السلام ضرب بجناحه على الأرض؛ [فنبع الماء.
وقيل: إن إسماعيل عليه السلام ضرب برجله الأرض]؛ فنبع الماء، وهو ماء زمزم، فابتدرت إليه، فأحاطت عليه التراب، مخافة أن ينفد.
قال عليه السلام: "لو لم تحطه، لكان عيناً معيناً".
ثم إن القوافل كانت تجىء من جرهم، فرأوا الطيور يقعن ويجتمعن في ذلك الموضع؛ فعلموا أن به ماء؛ فدنوا منها، وكان يطعمونها الزاد، وتسقيهم الماء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو لم يطعموها الزاد لكانت تسقيهم".
فصار هذا سنة في الحج إلى يوم القيامة، فهذا هو السبب في كيفية السعي.
وأما السبب في أصل السعي، فقد تقدم ذكره في الحديث، وقد زال واستقر حكمه، والله أعلم.
قال: يبدأ بالصفا، والأولى أن يرقى عليها حتى يرى البيت؛ لما روى مسلم وغيره عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم، لما دنا من الصفا بعد فرإغ طوافه، قرأ:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت.
قال الإمام: ورؤية البيت تحمل إذا رقى عليه بقدر قامة رجل.
والصفا: مقصور.
ورقي: بكسر القاف: أي صعد، وهي اللغة العالية.
وقول الشيخ: "يرقى"[غير]، مهموز، أيضاً.
وقد ادعى الإمام الوفاق على [أن] الانتهاء إلى أصل الجبل كاف؛ كما دلَّ عليه كلام الشيخ، وحكاه في "المهذب" عن نصه في "الأم".
وعن أبي حفص بن الوكيل من أصحابنا: أن الارتقاء عليها بقدر قامة رجل حتى يصير بحيث يتراءى له البيت - واجب؛ حكاه عنه هكذا القاضى الحسين وغيره.
وحكي عنه - وهو المذكور في الكتاب في باب فرض الحج والعمرة: أن الارتقاء عليها واجب، وأنه طرده في الارتقاء على المروة؛ موجهاً له: بأنه لا يتم سعيه إلا باستيفاء ما بينهما بلا خلاف عندنا، ولا يستوفيه إلا بذلك؛ فوجب؛ كغسل جزء من رأس في الوضوء.
قال الماوردي: وهو خلاف إجماع الصحابة؛ لأن الشافعي روى بسنده: أن أبا النجيح قال: أخبرني من رأى عثمان بن عفان يقوم في أسفل الصفا، ولا يظهر عليه، فلم ينكر ذلك أحد من الصحابة؛ فدلَّ على أنه إجماع.
وأما قوله: "إنه لا يمكن استيفاء ما بينهما إلا بالصعود عليها" فغلط؛ لأنه قد يمكنه بأن يلصق عقبه بالصفا، ثم يسعى فإذا انتهى إلى المروة، ألصق أصابع قدميه بالمروة؛ فيستوفى ما بينهما؛ وهذا منه يدل على أن الواجب من جهة المروة إنما هو إلصاق رءوس الأصابع بها، وقد صرح به القاضي الحسين أيضاً.
ويظهر أن يكون هذا فى المرة الأولى والثالثة والخامة والسابعة، أما في الثانية والرابعة والسادسة والسابعة، [فينبغي] أن يكون الواجب إلصاق العقب بها؛ كما في الصنا، وكلٌّ منهما لا يأبى ذلك.
وقد يفهم من كلام الشيخ "من لم ير البيت": أنه إذا [رقي على الصفا، رأى البيت
من أعلى جدار المسجد، وليس كذلك، بل هو إذا] رقي عليه [رآه] من باب الصفا.
قال: والمرأة لا ترقى؛ طلباً للستر والله أعلم.
قال: ويكبر ثلاثاً، ويقول: الحمد لله [على ما] هدانا)، زاد فى "الشامل":"والحمد على ما أولانا" لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير".
زاد في "الشامل" بعد قوله "يحيي ويميت": "وهو حي لا يموت، بيده الخير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون".
ثم يدعو بما أحب، أي: من أمر الدين والدنيا.
[و] الأصل في ذلك ما روى أبو داود في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر الله ووحده، وقال:"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة.
وقد أخرجه مسلم، وزاد فيه: أنه استقبل القبلة [وأسقط منه "يحيي ويميت"؛ ولأجل ما اشتمل عليه من الزيادة، استحب أصحابنا استقبال القبلة] في الدعاء؛ ذكره القاضي الماوردي وغيره.
وعن ابن عمر أنه كان يدعو بعد التكبير والتهليل لنفسه.
تنبيه: قوله: "وهزم الأحزاب وحده"، أي: الطوائف التي تحزبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحصروا المدينة.
ومعنى "وحده": أي: هزمهم بغير قتال منكم، بل أرسل عليهم ريحاً وجنوداً؛ قال: الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} إلى قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} الآية [الأحزاب: 9، 59].
قال: ثم ينزل من الصفا، ويمشي حتى يكون بينه [وبين] الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد [نحو ستة أذرع؛ فيسعى سعياً شديداً حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد] وحذاء دار العباس، ثم بمشي حتى يصعد المروة، ويفعل مثل ما فعل على الصفا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما نزل إلى المروة مشى حتى إذا انتصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعد مشى حنى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف [على] المروة، قال:"لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان ليس معه هدي، فليحل، وليجعلها عمرة" رواه مسلم عن جابر.
وكذا أخرجه أبو داود عنه، ولفظه: "حتى إذا انتصبت قدماء، رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى
…
" وأتم الحديث.
وقد روي عن حبيبة بنت أبي تجراة أنها قالت: دخلت دار أبي الحسين مع نسوة من قريش؛ لأنظر كيف يسعى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته، وأراه يدور على ساقه من شدة العدو، وهو يقول:"رأيها الناس: إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا".
واعلم أن السعي الشديد في بطن الوادي من مستحبات السعي، فلو تركه ومشى
في الجميع، جاز؛ لما روى أبو داود أن ابن عمر مشى بين الصفا والمروة، وقال:"إن مشيت، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وإن سعيت؛ فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى، وأنا شيخ كبير".
قال في "الروضة": وإذا عجز عن السعي الشديد؛ لزحمة، تشبَّه بالساعين؛ كما قلنا في الرمل.
قال الإمام: ولا يبلغ بالشدة في السعي مبلغاً يبتهر به.
قال الأصحاب: ويستحب للساعي أن يقول بين الصفا والمروة: "رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم؛ إنك أنت الأعز الأكرم؛ لأنه عليه السلام قال ذلك وزاد في "الحاوي" في الآخر وتعلم ما لا نعلم".
وزاد الغزالي [تلو ذلك]: {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201].
تنبيهان:
أحدهما: كلام الشيخ يقتضي أنه يرقى على المروة حتى يرى البيت؛ لأنه هكذا يفعل على الصفا، ولا شك في [أن] الارتقاء عليهما- بقدر قامة رجل – مشروع.
وقد قال الإمام: إن الكعبة كانت تبدو في عصره عليه السلام من تلك الجهة - أيضاً - فحال بين الكعبة وبين الراقين في المروة القدر المشروع - الأبنيةُ التي أحدثها الناس.
الثاني: الميل [المعلق]: السود.
وقوله: "المعلق بفناء المسجد"، الفناء: بكسر الفاء ممدود، والمراد: يركن المسجد، وهو المسجد الحرام.
وعبارة الشافعى - رضى الله عنه – "المعلق فى ركن المسجد"، ومعناه: المبني فيه.
وقوله: "وحذاء دار العباس"، هكذا هو مذكور فى كتب الأصحاب.
قال النواوي: وهو غلط، وصوابه: حذف لفظ "حذاء"؛ فيقال: "المعلقين بفناء المسجد ودار العباس"، وهكذا ذكره الشافعي رضي الله عنه في "المختصر"، وابن الصباغ، والبغوي، وآخرون.
وقال في "التتمة": وجدار العباس": بالجيم، وبراء بعد الألف، وهو حسن.
والجدار: الحائط.
والعباس المذكور: هو عم الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد قال الإمام: إن المعبر عنه بدار العباس خَانٌ عرفه العامة بدار العباس- رضي الله عنه.
قال: ثم ينزل، ويمشي في موضع ويسعى في موضع سعيه، حتى يأتي الصفا، فيفعل ذلك سبعاً؛ لما تقدم من حديث ابن عمر الذي أخرجه مسلم، وحديث عبد ابن أبي أوفى: أنه صلى الله عليه وسلم أتى الصفا والمروة يسعى بينهما سبعاً.
فإن قيل: قد روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: "لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً"، وهذا يعارض ما ذكرتموه.
قلنا: المراد بالطواف الواحد جملة السعى؛ لأنه شيء واحد، والأشواط فيه كالركعات [في الصلوات]؛ وحينئذ فلا تعارض.
ومراد جابر أنه عليه السلام وأصحابه لم يتك" منهم السعي في النسك، لتكرر الطواف، وقد صرح به الأصحاب، وأرشد إليه قول الشيخ من بعد: "فإن كان قد سمى مع طواف القدوم لم يسع".
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أمرين:
أحدهما: أن مروره من الصفا إلى المروة، ومروره عن المروة إلى الصفا مرة
واحدة، وأنه يفعل ذلك سبع مرات، وهو قول ابن خيران والصيرفى، أخذاً من قول الشافعي رضي الله عنه.
"ويبدأ بالصفا، ويختم بالمروة"؛ فإنه يقتضي أن هذا في كل مرة.
وقد نقله الماوردي عن الإصطخري والصيرفي وبعض أهل العلم، وهو ابن جريج؛ كما قال، وابن جرير؛ كما قال غيره، وهو الإمام، وأنهم استدلوا بأن الطواف لما كان ابتداؤه من الحجر، وانتهاؤه إليه، وكان ابتداء السعي من الصفا - وجب أن يكون انتهاؤه إليه؛ [قياساً عليه.
ولكن المذهب كما حكاه فى "المهذب" وغيره: أن مروره] من الفنا إلى المروة - مرةٌ، ومن المروة إلى الصفا مرة ثانية؛ لقول جابر في الحديث الذي ذكرناه من قبل "حتى إذا كان آخر طواف على المروة، قال: لو استقبلت عن أمري ما استدبرت .. " إلى آخره.
قال الماوردي: ولأن هذا هو المستفيض في الشرع، ينقله الخاصة والعامة، خلفاً عن سلف، ليس بينهم فيه تنازع؛ فكان ذلك إجماعاً منهم كإجماعهم على أن الظهر أربع [ركعات].
وأما ما استشهدوا به، فهو حجة عليهم؛ لأن [الواجب] في الطواف استيفاء جمح البيت في كل طوفة، وذلك من الحجر إلى الحجر، فأوجبناه عليه، والواجب في السعي استيفاء جميع المسعى، وذلك يحصل بمروره من الصفا إلى المروة؛ فأوجبناه عليه.
قال الإمام: وقد عرض تصنيف لأبي يكر الصيرفي، وفيه ما حكيناه عنه - عن أبي إسحاق المروزي؛ فخط عليه، فرد التصنيف إلى أبي بكر الصيرفي فأعاده، واستقر على مذهبه.
وقد جاء في بعض نسخ التنبيه ما يدل على المذهب، وهو قوله:"يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة"[ولا يصح أن يختم بالمروة] في صورة يصح فيها السعي إلا كذلك.
واحترزنا بقولنا: "يصح فيها السعى" عما لو سعى من الصفا إلى المروة، ثم رجع
إلى الصفا من غير المسعى، وأتى من الصفا في المعى إلى المروة، وفعل ذلك سبعاً - فإنه لا يعتد له بذلك إلا بالمرة الأولى على الصحيح الذي لم يورد في "الحاوي" غيره [وإن كان فيه وجه قد حكاه في "الروضة" عن "البحر" وغيره؛ أنه يصح.
وقال الماوردي- بناء]، على ما ذكرناه من المذهب في مسألة الكتاب-: إن المرة الأولى تكون من الصفا إلى المروة، والثانية من المروة إلى الصفا، والثالثة من الصفا إلى المروة، والرابعة من المروة إلى الصفا، والخامسة من الصفا إلى المروة، والسادسة من المروة إلى الصفا، والسابعة من الصفا إلى المروة، وأنه لو نسي السابع أتى به وكمل سعيه، ولو نسي السادس، وأتى السابع، لم يحسب له إلا خمسة.
ولو نسي الخامس، وأتى بما بعده، بطل السادس، وجعل السابع خامساص، وأتي بالسادس والسابع؛ لأن الترتيب شرط.
وما قاله صحيح، وقد ذكر بعده شيئاً [قد] يظن أنه يخالفه؛ فإنه قال: لو ترك من المسعى ذراعاً، ورجع إلى أهله، لم يحل، ثم ينظر:
فإن كان المتروك من السابع، نظر: فإن كان من آخره أتى بذلك الذراع، وإن كان من وسطه أتم سعيه من حيث ترك، وإن كان من أوله من ناحية الصفا عاد وأتى بالسعي [كله وتحلل.
ومراده بالسعي] ذلك المرور فقط، لا بمجموع السعي، ولوكان من السادس لم يعتد له، بالسابع، وكان الحكم في السادس كما تقدم.
الثاني: أن الموالاة لا تشترط في مرات السعي؛ [لأنه أتى بـ"ثم"، و"ثم"] هذا وضعها، وهو الذي حكاه القاضي الحسين وغيره، وهو الصحيح في "التتمة"؛ لأنه
قال: "إن حكمه حكم الطواف".
وقال البندنيجي: إن التفريق اليسير لا يضر، [وكذلك الكثير] بعذر: كالخروج لصلاة مكتوية، وللطهارة، ونحوها.
وإن كان كثيرًا بغير عذر، فعلى قولين:
المذكور في "الأم": أنه لا يضر، ويبنى.
وفي القديم: أنه يستأنف.
وقال الماوردي: إن لم يشترط ذلك في الطواف، ففي السعي أولى؛ وإلا فوجهان: أحدهما: وهو قول البصريين -: أنه شرط، فيه كالطواف.
والثاني: لا؛ لأن السعي أخف حالاً عن الطواف؛ لجوازه بغير طهارة.
وعلى هذا إذا أقيمت الصلاة، وهو في المسعى، أو عرض عارض- قطع السعي، فإذا فرغ بنى.
وقد روى أن ابن عمر كان يطوف بين الصفا والمروة، فأعجله البول؛ فتنحى، ودعا بماء، فتوضأ، ثم قام فأتم على ما مضى.
وقد اتفق الكل على [أن] عن شرطه أن يقع بعد [طواف ولو نفلاً، إلا] طواف الوداع؛ فإنه لا يتصور وقوعه بعد.
وادعى الماوردي الإجماع عليه.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله إلا هكذا، ولو لم يكن تقدم الطواف شرطاً، لفعل خلافه ولو مرة واحدة.
نعم: هل يجوز أن يتراخى عنه، أو يشترط وقوعه عقيبه؟ فيه وجهان في "الحاوي":
الذي قاله البصريون الثاني؛ حنى بَعُدَ ما بينهما، لم يجزئه؛ لأن السعي لما افتقر إلى تقديم الطواف عليه؛ ليمتاز عمَّا يفعله الإنسان لغير الله تعالى، وهو تردده إلى حاجةٍ - افتقر إلى فعله على الفور؛ ليقع الامتياز؛ لأنه لا يحصل إلا بوقوعه على الفور.
والذي قاله البغداديون، والقاضي الحسين، وهو المشهور - الأول؛ لأن كلاً منهما ركن، والموالاة بين أركان الحج لا تجب وإن كان الترتيب شرطاً؛ دليله الطواف والوقوف؛ وهذا ما اقتضاه قول الشيخ:"ثم يعود إلى الركن، ثم يخرج من باب الصفا، ويسعى" ووضع [ثم] للتراخي مع الترتيب.
وعلى هذا: لا فرق بين طويل المدة وقصيرها، لكن يشترط ألا يتخلل بينهما شيء.
وقال الغزالي: إنه [لو] تخلل بينهما الوقوف بـ"عرفة" ففيه تردد؛ لأن الوقوف كالحاجز، والذي ذكره أبو علي المنع؛ لهذه العلة، وهو المحكي في البيان عن القفال، والله أعلم.
قال: فإن بدأ بالمروة، لم يعتد بذلك حتى يأتي الصفا فيبدأ به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "أبدأ بما بدأ الله به" كما تقدم، وقال في آخر:"خذوا عني مناسككم"، وفي رواية أنه
قال: "ابدءوا بما بدأ الله به".
وظاهر الأمرك الوجوب.
تنبيه: اقتصار الشيخ على بيان هذا الحكم في السعي دون باقي أحكامه [يعرفك أن باقي أحكامه] ليس بواجبة، بل مستحب، ومن جملة [ذلك] سعيه راجلاً.
وقد صرح الأصحاب به، وقالوا: يجوز السعي راكباً [، وهو راجلاً أفضل؛ لأنه عليه السلام طاف وسعى في حجة الوداع راكبا؛] ليراه الناس، ويقتدوا به، أو ليسألوه؛ فإن الناس غشوه، وغيره ليس كذلك.
وسكوت الشيخ عن ذكر الطهارة والستارة مع ذكره لهما في الطواف، يعرفك أنهما ليسا بشرط في السعي كما صرح [به] الأصحاب؛ لقوله عليه السلام لعائشة "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت"؛ فخص الطواف بالنهي؛ فعلم أن السعي غير داخل في النهي.
ولأنه نسك لا يتعلق بالبيت؛ فلم يكن من شرطه ذلك؛ كالوقوف.
قال: والمرأة تمشي، ولا تسعى، لقول ابن عباس:"ليس على النساء معي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة".
ولأن المعنى الذي شرع لأجله السعي في الابتداء إظهار الجَلَد والقوة - كما تقدم - وهو مفقود في حق النساء.
ولأن ذلك يفضى إلى تكشفها.
وعن [الإمام] الشافعي رضي الله عنه أنه قال: "إذا كانت المرأة مشهورة الجمال، فالمستحب لها أن تطوف وتسعى ليلاً، فإن طافت نهاراً، أسدلت
على وجهها سترا".
وقد حكي في "المهذب" ما ذكرناه عن الشافعي.
وأفهم كلامه أنها إنما تمشي، ولا تسعى إذا طافت نهاراً؛ ولأجله قال في "الروضة": وقيل: إن سعت في الخلوة ليلاً، سعت كالرجل".
قال: فإذا كان اليوم السابع من ذي الحجة، خطب الإمام - أي: الأعظم -[أو نائبه] في إقامة الحج؛ إذ لا ينبغي له إذا لم يحضر الحج بنفسه أن يخلي جمعهم عن مقدَّم [يحل] محل الأمير عليهم؛ لأن الحج يجمع صنوفاً من الخلق؛ فيتوقع من الازدحام أمور لا بد في دفعها من التعلق برأي مطاع؛ ولهذا يستحب أن يحضر الجامع سلطان، وقد بعث رسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً في السنة التاسعة من الهجرة، وبعث عليًّا وراءه حتى يقرأ على الكفار سورة براءة.
قال: بعد الظهر بـ"مكة"، وأمر الناس بالغدو إلى "منى" من الغد؛ لما روى [ابن عمر] أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر، ويعلم الناس المناسك.
وهذه إحدى الخطب في الحج، وهي أربعة يأتي عليها كلام الشيخ.
وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعلها، وكلها بعد الصلاة، إلا خطبة يوم عرفة؛ فإنها قبلها؛ قاله ابن الصباغ، والإمام.
وفيما وقفت عليه من "تعليق القاضي الحسين": أن كلها قبل الصلاة، وأن [كلها] خطبة واحدة، إلا خطبة عرفة فإنها خطبتان.
قال الماوردي: ويستحب للإمام إن كان محرماً أن يفتتح الخطبة بالتلبية، وإن كان حلالاً افتتحها بالتكبير.
ويستحب [له] إن كان مقيماً بـ"مكة" أو من أهلها أن يحرم ويصعد المنبر [محرماً].
وإن كان فقيهاً، قال الشافعي رضي الله عنه:"أحب أن يقول لهم: هل من سائل فأجيبه".
وهذا إذا لم يكن الثامن يوم جمعة، "فإن كان قال ابن الصباغ": فإنه يأمرهم أن يخرجوا قبل الفجر؛ فإن الفجر إذا طلع، لم يجز الخروج إلى سفر، وترك الجمعة على أصح القولين.
وفي القول الآخر: يكون مكروهاً.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه – "ولا يصلون الجمعة بـ"منى"، ولا بـ"عرفات" إلا أن تحدث قرية مجتمعة البناء يستوطنها أربعون رجلاً".
وإن كان السابع يوم جمعة، خطب للجمعة، وصلاها، ثم رقي المنبر بعد الصلاة، وخطب للحج؛ قاله المتولي [وغيره].
قال: ثم يخرج إلى منى في اليوم الثامن، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت بها، ويصلي بها الصبح؛ هكذا رواه مسلم عن جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستحب للإمام إن لم يكن قد أحرم قبل الخطبة -كما ذكرناه- أن يحرم قبل أن يخرج، ليحرم معه من بقي من الناس غير محرم، ويختار أن يكون إحرامه بعد أن يطوف بالبيت سبعاً؛ توديعاً له، ويصلي ركعتين؛ قاله الماوردي.
قال الأصحاب: والناس مخيرون في اليوم الثامن - وهو المسمى بيوم التروية - يين أن يغدوا بكرة، وبين أن يخرجوا بعد الزوال إلا أن يكون يوم جمعة، فيخرجون قبل الفجر؛ لما تقدم.
ويستحب أن تكون صلاتهم في مسجد الخيف عند الأحجار التي بين يدي المنارة؛ فإنه مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد صلى في مسجد الخيف سبعون نبياً، فمنهم موسى، وكأني أنظر إليه، وعليه عباءتان قطوانيتان، وهو محرم على بعير مخطوم بخطام من ليف، وله ضفيرتان"؛ والمبيت بـ"منى في هذه الليلة؛ للاستراحة، وليس بنسك اتفاقاً؛ فلا يجب بتركه دم، وكذا لو ترك وداع البيت بما ذكرناه من الطواف، لا دم عليه؛ لأنه بخروجه غير مفارق للبيت، وإنما خرج؛ ليعود إليه.
وقد اختلف الناس لم سمي اليوم الثامن يوم التروية؟
فقيل: لأن الناس يروون فيه من الماء؛ لأنه لم يكن بـ"منى" ولا عرفات ماء.
وقيل: إن آدم عليه السلام رأى فيه حواء وقيل: لأن جبريل عليه السلام[أرى إبراهيم عليه السلام فيه أول المناسك.
وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام] تروى فيه في ذبح ولده.
وقيل: غير ذلك.
ومنى: يكسر الميم، مقصور، منون، مصروف، ويجوز ترك صرفها، سميت بذلك؛ لما يمنى فيها من دماء الهدي - أي: يراق - ولذلك سمي ماء الظهر منيًّا؛ لأنه يمنى، أي يراق.
قال الله تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} [القيامة: 37].
وقيل: لأن الله تعالى مَنَّ فيها على إبراهيم عليه السلام بالفداء.
وقيل: لِمَنِّهِ على خلقه [فيها] بالمغفرة.
وبينها وبين مكة فرسخان، وكذا بينها وبين عرفات فرسخان؛ لكون طريق منى
إلى عرفات أطول من طريق مكة إلى مِنى، وبينها وبينها وبين مزدلفة فرسخ، كما بين مزدلفة وعرفات فرسخ، لكن الفرسخ الذي بين عرفات ومزدلفة أطول وأمد؛ كذا قاله القاضي الحسين.
وقال في "الروضة": المختار أن المسافة بين مكة ومنى فرسخ فقط؛ كذا قاله جمهور العلماء المحققين، منهم الأزرقي وغيره ممن لا يحصى.
قال: فإذا طلعت الشمس على ثبير.
ثبير هذا بثاء مثلثة مفتوحة، ثم باء ثانية الحروف مكسورة، جبل عظيم بـ"المزدلفة" على يمين الذاهب من منى إلى عرفات.
قال: سار إلى الموقف، [واغتسل للوقوف] وأقام بنمرة.
أما استحباب الغسل؛ فلأن ابن عمر كان يغتسل إذا راح لـ"عرفة".
وحكى ابن الخل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأنه موضع اجتماع يسن فيه الاغتسال؛ كالجمعة.
وأما باقي ما ذكره؛ فلأنه صلى الله عليه وسلم لما صلى الصبح بمنى مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، فأم بقبة، فضربت له بـ"نمرة"، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى "عرفة"، فوجد القبة قد ضربت له بـ"نمرة"، فنزل بها كذا رواه مسلم عن جابر وقوله:"فأجاز [رسول الله صلى الله عليه وسلم] "، قيل: هي لغة في تجوز، وجاز، وأجاز بمعنى.
وقيل: جاز الموضع: سلكه، وسار فيه، وأجازه: خلفه، وقطعه.
ونمرة: بفتح النون وكسر الميم، عند الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمينك إذا خرجت من مَأزِمَىْ عرفات تريد الموقف؛ قاله الأزرقي وغيره؛ وكذا قاله النواوي.
وقد يفهم أن "نمرة" من "عرفات"؛ كما يفهمه ظاهر الخبر السابق.
وقد جاء عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى عرفة، فنزل بها حتى إذا زالت الشمس، أمرنا بالقصواء، فرحلت له
…
وساق الحديث؛ ذكره الماوردي، وهو أبين من الأول؛ ولأجله صرح به في "الشامل"، وتبعه الشيخ زكي الدين: أنها موضع بـ"عرفة".
لكن في "الحاوي": أنها قبل عرفة، وهي إلى الصخرة الساقطة بأصل الجبل عن يمين الذاهب إلى عرفة.
وكلام القاضي الحسين يوافق ذلك في موضع؛ فإنه قال: "وتضرب خيمة الإمام قريبًا من عرفات بـ"نمرة"، أو بوادي عرنة، ولا يدخل عرفات، بل يقيم بها حنى تزول الشمس".
وقال في آخر: "إن نمرة ليست من عرفات"، وهو الذي صرح به البندنيجي أيضاً وحكاه عن نصه في "المختصر""الأوسط" من الحج.
وقال في "الروضة" إنه الصواب.
واعلم أن بعض الشارحين قال: لو قال الشيخ "سار إلى عرفات"، لكان أحسن من قوله:"سار إلى الموقف"، وكأنه -والله أعلم- يشير بذلك لأمرين:
أحدهما: أنه لفظ الشافعي رضي الله عنه.
والثاني: أن قوله بعد: "ثم يروح إلى الموقف" يكون منتظماً مع هذا القول.
[والجواب عن هذا]: أنا نقول: إن لم تكن نمرة من عرفات، فلا فرق بين أن يقول:"ثم يروح إلى الموقف" أو "إلى عرفات"؛ لأن تقدير الكلام: سار للموقف، ونزل دونه؛ للاستراحة بنمرة، وحينئذ يبقى قوله من بعد:"ثم يروح إلى الموقف" منظماً مع ما تقدم.
وإن كانت نمرة من عرفة كما دلَّ عليه الخبر - فلا فرق يين اللفظين أيضاً، والكلام منتظم؛ لأنا نستحب له أن يوقع صلاة الظهر والعصر بمسجد إبراهيم عليه السلام كما سنذكره، وليس كله من "عرفة".
ولفظ الشيخ في "المهذب""فإذا طلعت الشمس على "ثبير" سار إلى الموقف"،
وقال ثانياً: "ثم يروح إلى عرفة، ويقف".
قال: فإذا زالت الشمس، خطب الإمام، أي: بعد توجهه إلى المصلى، وهو مسجد إبراهيم عليه السلام؛ كما قال الماوردي والقاضي الحسين وغيرهما، وهو خارج عن عرفة - كما سنعرفه - وبينه وبين موقف النبي صلى الله عليه وسلم بالصحراء نحو [ميل، قاله]"في الروضة".
قال خطبةً خفيفة، [وجلس جلة خفيفة] أي: بقدر {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ؛ كما قاله البندتيجي وغيره - ثم يقوم، ويأمر بالأذان، ويخطب الخطبة الثانية، ويفئ منها مع فراغ المؤذن، ثم تقام الصلاة، ويصلي الظهر والعمر.
قال القاضي الحسين: لأن جابراً روى أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
والذي رواه مسلم عن جابر: أنه عليه السلام لما نزل نمرة أقام بها حتى إذا بزغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، فأتي يطن الوادي، فخطب الناس، تم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يفعل بينهما شيئاً.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بطن الوادي، فخطب، ثم وقف قليلاً، ثم خطب، وأمر بلالاً، فأذن وأقام.
وروى البخاري بإسناده أن سالم بن عبد الله قال: للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب السنة، فأقصر الخطبة، وعجل الوقوف.
قال ابن عمر: صدق.
وهذه الخطبة الثانية من الخطب الأربع في الحج، ويعلِّمهم فيها مشروعات الوقوف، وواجباته، والمبيت بـ"مزدلفة"، ويأمرهم بأخذ الحصى من "مزدلفة"، لرمي جمرة العقبة، ويعلمهم الوقوف بالمشعر الحرام، وغير ذلك من المناسك التي يستقبلونها.
قال الشافعي رضي الله عنه – "وأقل ما عليه أن يعلِّمهم ما يلزمهم من هذه الخطبة إلى الخطبة الثالثة".
فإن كان فقيهاً، قال:"هل من سائل؟ "، وإن لم يكن فقيهاً لم يتعرض للسؤال.
واعلم أن كلام الشيخ يفهم أمرين:
أحدهما: أن الإمام يفرغ من الخطبة الثانية مع فرإغ المؤذن من الأذان ثم تقام الصلاة، وهو الذي أورده البندنيجي، والماوردي، وابن الصباغ، والبغوي.
والمنقول في "النهاية"، و"التتمة"، والخلاصة: أنه يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الإقامة بعد الأذان، ويكون [الإمام] قد أمره بهما.
وقال الإمام: إن رسول الله. [هكذا فعل].
الثاني: أنه لا فرق في جمع الإمام بين الظهر والعصر بالناس بين أن يكون آفاقيًّا أو من أهل مكة، أو مقيمًا بها؛ وهو ما صرح به الماوردي حيث قال: إنه سنة هناك للمقيم والمسافر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جمعهما ليتصل له الدعاء بالموقف، فلذلك لم يقع الفرق يين المسافر والمقيم.
وحكم من صلى معه من مسافر ومقيم حكمه في ذلك، إلا أن الإمام إذا جمع، وجب عليه أن ينوي الجمع عند افتتاح الأولى بلا خلاف.
وأما الذين خلفه من المأمومين، ففيهم وجهان: أصحهما [:أن]، عليهم أن ينووا الجمع؛ كالإمام، ويوصي الناس بعضهم [بعضاً] بها، ويخبر من علم من جهل.
والثاني: أنهم إن جمعوا من غير نيَّة، أجزأهم؛ لاختصاص الموضع بجواز الجمع، ولحوق المشقة في إعلام الكل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع هناك من غير أن نادى فيهم بالجمع، ولا أخبرهم به.
و [من] لم يصلِّ مع الإمام؛ لكونه تأخر عنه، فإن كان مسافراً جمع منفرداً كان أو في جماعة، ولا بد في هذه الحالة من نية الجمع.
وإن كان من المقيمين بـ"مكة"، فهل يجوز له الجمع؟ على قولين مبنيين على اختلاف قوليه في جواز الجمع في السفر القصير.
وقد أطلق ابن الصباغ حكاية القولين في أهل مكة من غير [تفصيل بين] أن يصلوا مع الإمام أو منفردين؛ إحالة على ما تقدم في الجمع بين الصلاتين.
والقاضي أبو الطيب حكاهما فيما إذا جمعوا مع الإمام، وكذا غيره.
والقاضي الحسين: نسب المنع [إلى] الجديد، والجواز إلى القديم، وقال: وعلى هذا لأي معنى جاز له؟ فيه معنيان:
أحدهما: لأجل النسك.
والثاني: للسفر.
ويظهر أثرهما في أهل "عرفة" هل يَجْمَعُوك؟ فإن قلنا: إنما جاز للمكي؛ لأجل النسك، جاز لهم أيضاً، وإلا فلا؛ لفقد السفر، وهو ما ذكره البندنيجي.
والإمام حكى طريقين في جواز الجمع للمكي:
أحدهما: القطع بالجواز؛ لأجل النسك.
والثاني: تخريجه على القولين في السفر القصير؛ وهذا حكم الجمع، ولم يتعرض الشيخ لحكم القصر هنا؛ اكتفاء بما سبق عنه في باب صلاة المسافر؛ فإن الحكم لا يختلف.
ولا يجهر الإمام بالقراءة فيها؛ لأنها صلاة نهارية.
فرع: لو وقع يوم عرفة يوم جمعة، فقد ذكرنا عن الشافعي رضي الله عنه أنه لا تصلي الجمعة فيها إلا أن تحدث قرية مجتمعة البناء يستوطنها أربعون رجلاً بصفة الكمال.
قال: ثم يرجع إلى الموقف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من صلاة العصر، ركب حتى [أتى] الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبْل المشاة
بين يديه، واستقبل القبلة، كذا رواه مسلم عن رواية جابر.
وحَبْلُ المشاة - بفتح الحاء المهملة، وسكون الباء الموحدة، وبعدها لام: صَفُّهُمْ، ومجتمعهم في مشيهم.
وقيل: طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. [وعن بعض المحققين من قال: هو بالحاء مصحف، وإنما هو "جبل المشاة" بجيم، وهو جبل الدعاء، [سمي بذلك]؛ لأن المشاة كانوا يقفون عليه].
والمراد بالموقف: عرفات؛ روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريش ومن دان بدينها يقفون بـ"المزدلفة"، وكانوا يُسَمَّوْنَ: الْحُمْس، وكان سائر العرب يقفون بـ"عرفة".
[قالت] فلما جاء الإسلام، أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]، وأخرجه البخاري ومسلم.
و [قد] قيل: إن قريشاً كانوا لا يخرجون من الحرم يوم عرفة، ويقفون بـ"نمرة" دون عرفة في الحرم، ويقولون: لسنا كسائر الناس؛ نحن أهل الله؛ فلا نخرج من حرم الله.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقف مع [قريش في] الحرم، ويخرج مع الناس إلى عرفة؛ للآية.
قال الماوردي: وفي {النَّاسُ} [البقرة: 199] قولان للعلماء:
أحدهما: أنه إبراهيم عليه السلام؛ [لأنه] كان يقف بـ:"عرفة".
والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم [حيث] وقف بها.
وغيره حكى [فيه] ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه إبراهيم عليه السلام.
والثاني; أنه آدم عليه السلام، "ويعضده" قراءة من قرأ:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199].
والثالث: أنهم سائر العرب.
وعرفات - كما قال الشافعي في القديم - ما بين الجبل المشرف على بطن عرنة إلى الجبال المقابلة يميناً وشمالاً.
ولفظه في "الأوسط": وعرفة ما جاوز وادي عرفة [إلى الجبال القابلة على عرفة كلها مما يلي حوائط بني عامر وطريق الحصن، فإذا جاوزت ذلك، فليس من عرفة][وليس الوادي، ولا المسجد من عرفة].
ومراده بالمسجد: مسجد إبراهيم عليه السلام.
وقد قال القاضي الحسين وغيره: إن صدره من عرفة، وهناك يقف للصلاة والخطبة، ومؤخره من جملة [عرفة]؛ فمن وقف فى قاصية، المسجد أجزأه عن فرض الوقوف.
قال الإمام: ويتميز مكان المسجد من عرفات يصخرات كبار، فرشت في ذلك الموضح.
قال بعضهم: ولا منافاة بين هذا وقول الشافعي- رضي الله عنه لأنه يجوز أن يكون لد فيه بعد الشافعي رضي الله عنه شيء من عرفة. قال الإمام: ويطيف بعَرَصَات عرفة جبال وجوهها من عرفة.
واخلف الناس: لم سميت عرفة؟
فقيل: لتعارف آدم وحواء فيها؛ لأنه تعالى أهبط آدم بأرض الهند، وحواء بأرض
جدة، فتعارفا بالموقف.
وقيل: لأن جبريل عليه السلام عرَّف فيه إبراهيم عليه السلام مناسكه.
وقيل: سميت بذلك للجبال التي فيها، ووقوف الناس عليها، والجبال هي الأعراف.
ومنه قوله تعالى: {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ} [الأعراف: 46].
قيل: وهو سور بين الجنة والنار، ومنه قيل: عرف الديك، وكل ناتئ، فهو عرف.
وقيل: لأن الناس فيها يعترفون بذنوبهم؛ فحينئذٍ يغفر لهم.
وقيل: لأنه أطيب تلك الأماكن من قولهم: عرفت المكان، أي: طييته.
قال: والأكل أن يقف عتد الصخرات، أي: ويجعل بطن ناقته - إن كان راكبها - إلى الصخرات؛ اقتداء به عليه السلام.
وقال: بقرب الإمام؛ كما يستحب أن يقرب منه في الصلاة والخطبة.
وإنما حمل فعله عليه السلام على الاستحباب؛ "لأن جابراً روى" أنه عليه السلام وقف بـ"عرفة"، فقال:"قد وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف"، أخرجه أبو داود ومسلم والنسائي بنحوه.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال:
سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدمنا عرفة [فقال النبي صلى الله عليه وسلم سلم هذه عرفة،] وكلها موقف، إلا وادي عرنة).
وهذا الحديث يفهم أن وادي عرنة من عرفات إذا جعلنا الاستغناء متصلاً، لكنه لا يصلح موقفاً، وعلى هذا فيحمل ما ذكره الشافعي من حد عرفة على عرفة التي يصلح الوقوف بها.
وقد حُكي [عن] ابن الصباغ أنه قال: الأفضل أن يقف عند الحصيات السود عند جبل الرحمة، وهو الجبل الذي يعرف بجبل الدعاء، وفيه قبة تعرف بقبة آدم، واستحباب الوقوف عنده؛ لكونه موقف الأنبياء؛ كما قال الماوردي.
قال فى "التتمة": يستحب أن يقف عند الصخرات على جبل الرحمة.
وقال الإمام: إنه [لا نسك في الرقي] فيه وإن كان يعتاده الناس.
وبالجملة: فأي موضع خلا بنفسه كان أفضل ليتوفر على الدعاء؛ كذا قاله الشافعي رضي الله عنه.
قال: وأن يتقبل القبلة؛ للخبر، ولأنه لا بد من استقبال جهة، وجهة القبلة أولى؛ لقوله عليه السلام – "خير المجالس ما استقبل به القبلة".
ويستحب – أيضاً- أن يكون متطهراً؛ قاله في "الروضة" قال: وأن يكون راكباً في
أحد القولين؛ اقتداء به عليه السلام.
والمعنى فيه: أنه يقوى على الدعاء الذي هو المقصود في هذا الموقف؛ ولهذا استحب للواقف بـ"عرفة"، الفطر فيه؛ وهذا هو الصحيح، والمنصوص عليه في القديم، كما قال الماوردي، و"االإملاء" كما قال في "المهذب" و"الشامل".
قال: وفيه قول آخر: أن الراكب وغيره سواء؛ لتأويهم في حصول المقصود، وهو الحصول بـ"عرفة"، وركوبه صلى الله عليه وسلم كان ليراه الناس، فيتعلموا منه مناسكهم؛ وهذا ما نص عليه في "الأم".
قال الأصحاب: [ويستحب] أن يبرز للشمس، ويظهر نفسه لها؛ لأنه – عليه السلام رأى يوم عرفة رجلاً يطلب الفيافي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أضح لمن أحرمت له، أي: اخرج [إلى] الشمس، لأن الشمس: الضح.
قال: ويكثر من الدعاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الدعاء يوم عرفة".
ولأنه أعظم الأيام التي يرجى فيها الإجابة؛ روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة،
وإنه [ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء] ".
قال الأصحاب: ويستحب أن يرفع يديه [فيه] بحيث لا تحاذيان رأسه، ولا يفرط في الجهر به؛ فإنه مكروه.
قال: ويكون أكثر قوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير"؛ لأن عليَّ بن أبي طالب روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يقول عقيبه:"اللهم اجعل في سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي قلبي نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهور"؛ كذا حكاه في "الحاوي".
وفي "تعليق القاضي الحسين": أن عليًّا قال: كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند عرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير".
والمشهور أنه عليه السلام قال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي:"لا إله إلا الله وحدم لا شريك له".
وقد سئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة؟
فقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك لهم"، فقيل له: هذا ثناء وليس بدعاء، فقال: أما سمعت قول الشاعر:
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرءُ يَوْماً كَفَاهُ من تعرّضِهِ الثَّناءُ
وفي "الشامل":
.. .... .... كفاه ما يعوضه الثناء
وفي الخبر الصحيح عن الله أنه قال: "من اشتغل بذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".
قال: ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى [طلوع] الفجر الثاني من يوم النحر.
أما وجه كون أوله من الزوال لا قبله -كما قال الإمام أحمد – فلقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم"، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم وقف بعد الزوال لا قبله؛ كما ذكرناه من خبر جابر.
وسئل [ابن] عمر عن الساعة التي راح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الموقف في هذا اليوم؟ فقال: إذا كان [ذلك] رضاً، فلما أراد أن يروح قال:"أزاغت الشمس؟ "[قالوا: لم تزغ الشمس، قال: " أزاغت الشمس؟، قالوا: لم تزغ] فلما قالوا: زاغت [الشمس] ارتحل؛ أخرجه أبو داود وابن ماجه.
ومعنى زاغت [الشمس]: مالت بالزوال إلى جهة المغرب، ومنه {زَاغَتِ الْأَبْصَارُ} [الأحزاب: 10]، أي: مالت عن مقلها.
وقد اتفق [الناس] على العمل بما ذكرناه من لدنه صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا، ولو كان جائزاً قبل ذلك ومجزئاً لما اتفقوا على تركه.
وأما وجه كون آخره [عند] طلوع الفجر الثاني من يوم النحر؛ فلما روى عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً فنادى: "الحج، الحج يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع تمَّ حجه، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه".
[قال:] ثم أردف رجلاً خلفه، فجعل ينادي بذلك، أخرجه أبو داود.
ورواه يحيي بن سعيد عن سفيان قال: "الحج" مرة.
وأخرجه الترمذي [والنسائي وابن ماجه].
وعن عروة الطائى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه، وقضى تفثه"؛ أخرجه أيو داود، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح.
وهذا القول كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموقف بجمع كما قال الراوي، ولأنه لم يخالف في ذلك أحد.
وإذ [قد] ثبت ذلك، قال الشيخ: فمن حصل بـ"عرفة" في شيء من هذا الوقت [وهو] عاقل – أي: "وهو محرم" فقد تَمَّ حجه؛ لأنه أتى بالعبادة في وقتها،
وهو من أهلها.
فإن قيل: إن ابن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك عرفة ليلاً، فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة ليلاً، فقد فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل"؛ وهذا يدل على أنه إذا وقف بعد الزوال، ولم يتصل وقوفه بالليل، [لا يحمل له الحج؛ كما قال به الإمام مالك رحمه الله.
فجوابه أن في هذا الخبر دليلاً على إدراكه [بالليل]]، وتنبيهاً على إدراكه بالنهار؛ لأن حكم آخر الوقت أما أن يكون مثل أوله أو أضعف، ولا يجوز أن يكون أقوى منه، فلما جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مدركاً بآخره وهو [أول]، الليل، كان أولى أن يكون مدركاً بأوله، وهو عن الزوال.
وتخصيصه عليه السلام الليل بالذكر، لأن الفوات يتعلق به؛ إذ الليل يوجد بعد النهار.
وقد عكس بعض أصحابنا ما اقتضاه ظاهر هذا الخبر، فقال: الليل ليس بوقت للوقوف، وحكاه الفوراني قولاً للشافعي رضي الله عنه.
وقال الأصحاب: إنه لا يصح عنه.
نعم: الخلاف مشهور في [أن] الليلة العاشرة هل يصح الإحرام فيها بالحج أم لا؟
وعن أبي الحسين وجه فيما إذا وقف في أول الزوال، وانصرف لا يجزئه، بل يجب أن يكون الوقوف بعد مضي إمكان صلاة [الظهر] بعد الزوال.
قال: ومن فاته ذلك، أو وقف وهو مغمى عليه - فقد فأنه الحج:
أما إذا فاته ذلك، فلفوات الوقت، ولا سبيل إلى قضائه؛ لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد ولم يوجد، ويخالف غيره من العبادات التي [تقضى؛ لأن تلك لم تكن] في مستقبل الزمان ما يمكن فعلها فيه أداء بخلاف الحج؛ ولهذا قلنا: من
أراد التطوع بالأضحية، وفاته يوم النحر وأيام التشريق، لا يضحي بعدها وإن قلنا بقضاء النوافل.
وأما إذا وقف وهو مغمى عليه؛ فلخروجه عن أهلية العبادة، وهذا ما أورده الغزالي [في "الوسيط"] موجهاً له بما ذكرناه، وصححه في "الروضة".
وحكى القاضي أبو الطيب عند الكلام في النيّة في الطواف عن أبي إسحاق دعوى الإجماع عليه، وكذا فيما إذا وقف وهو ناسٍ، وهو يخالف ما لو استغرق وقت الوقوف بالنوم؛ فإنه يتم حجه، قياساً على ما لو نام جميع النهار في رمضان؛ فإنه يصح صومه.
وقد قيل: إن النائم لا يكون مدركاً- أيضاً - حكاه ابن القطان، وليس بشيء.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أنه لا فرق في إدراك عرفة بين الواقف، والقاعد، والماشي؛ وهو مما لا خلاف فيه.
نعم: في "الروضة" حكاية وجه في المرور المجرد: أنه لا يكفي، وهو شاذ.
الثانى: أنه لا فرق بين أن يكون قد قصد الوقوف، أو قصد غيره، كما إذا أعَارَ فرسه أو بَعِيرَهُ، فتبعه؛ فحصل فيها، أو لم يقصد شيئاً؛ وهو ما ذكره القاضي الحسين.
وقال الإمام: قد ذكرنا اختلافاً في الذي يصرف طوافه عن جهة النسك إلى جهة أخرى، والظاهر أنه لا يجزئ هنا، ولعل السبب فيه أن الوقوف في نفسه لا يتخيل [قربة، والطواف] قربة على حياله.
ثم قال: ولا يمتنع طرد الخلاف في الوقوف إذا صرف قصدًا [إلى غير] جهة النسك.
الثالث: أنه لا فرق بين أن يعرف أنه عرفة أو لا، ولا بين أن يعرف أنه يوم عرفة أو لا، وهو المشهور.
وقيل: يشترط أن يعرف أن موقفه عرفة؛ حكاه ابن القطان عن ابن الوكيل، وحكاه
في "التتمة" فيما إذا جهل اليوم أيضاً.
وقال: إن أصل هذا الاختلاف: أن كان ركن من أركان الحج؛ هل يحتاج إلى نية مفردة؟ فيه طريقان:
أحدهما: لا؛ كالصلاة.
والثاني: نعم؛ [لأن] أركانه ينفصل بعضها عن بعض، وكل ركن عبادة مفردة.
فإن قلنا: يحتاج إلى النيّة، فلا يصح مع الجهل بالمكان واليوم، وإلَاّ صح.
وبهذا الخلاف يقوى تخرج الإمام الخلاف في الصورة السابقة.
الرابع: أنه إذا وقف وهو مجنون، فقد فاته الحج من [طريق] الأولى؛ لأنه أسوأ حالاً من المغمى عليه.
وقد قيل فيهما: إنه يتم حجُّهما أيضاً؛ حكاه ابن الصباغ عن رواية ابن القطان، وقال: إنه ليس بشيء، وهو الذي حكاه القاضي الحسين فى المغمى عليه؛ ولأجله اقتضى إيراد البغوي ترجيحه فيه، وصححه الرافعي، وقال الإمام: إنه ظاهر كلام الأئمة.
وهو فيه وفي المجنون موافق لما تقدم: أن المجنون يصح حجه [، والأول موافق لما ذكره العراقيون من [أن] المجنون لا يصح حجه،].
ومن العجب أن الغزالى قال بصحة حجّه، وأنه لا يعتد بوقوف المغمى عليه؛ كما ذكرناه، ولعل مراده؛ أنه لا يعتد به عن الفرض لا مطلقاً، كما صرَّح به في "التتمة"؛ حيث قال:"لو حضر الموقف وهو مجنون، لا يحسب له؛ لأن الجنون يضاد الخطاب، ولكن يقع نفلاً مثل حج الصبي".
ومن هنا يظهر لك أنه لو وقف سكران، فإن كان من غير معصية، كان حكمه حكم المغمى عليه؛ وإن كان بمعصية، فقياس من جعله كالصاحى فى الطلاق ونحوه - تغليظاً عليه - ألَاّ يعتد له بالوقوف؛ تغليظًا عليه، وحينئذٍ يتوافق فيه الوجهان.
ويجوز أن يقال: من جعله ثم كالصاحي؛ لأجل التغليظ، فالتغليظ أن يجعل هنا كالمغمى عليه فيجري الوجهان، وهما مذكوران فى "تعليق القاضي أيى الطيب" والبيان:
أحدهما: يعتد [له] به؛ كالصاحي.
والثاني: لا؛ تغليظ عليه.
قال: ومن أدرك الوقوف بالنهار، وقف حتى تغرب الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً، رواه مسلم عن جابر.
قال: فإن دفع [قبل] الغروب، لزمه دم في أحد القولين؛ لقوله عليه السلام – "مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ"، والوقوف بعرفة إلى الليل نسك.
ولأنه عليه السلام سَنَّ الدفع عن عرفة بعد الغروب، كما سنَّ الإحرام من الميقات، ثم ثبت أن الدم يجب لمجاوزة الميقات؛ فكذا هنا، وهذا ما نص عليه في القديم [لفظاً] والجديد، وقال النواوي: إنه الأصح.
ومقابله: أنه يجب، بل يستحب؛ لأنه عليه السلام في خبر عروة الطائي السابق لم يأمر به؛ فدلَّ على أنه غير واجب.
وبالقياس على ما لو وقف ليلاً؛ فإنه لا يلزمه الدم بلا خلاف؛ وهذا ما نص عليه في "الأم"، و"الإملاء".
وقال القاضي الحسين، وتبعه البغوي: إنه نص عليه في القديم، وقد صححه المحاملي والروياني.
وقال الرافعي: إن ثبت ذلك، فالمسألة مما يفتى فيها على القديم، لكن أبا القاسم الكرخي ذكر أن الوجوب هو القديم.
وبالجملة فهذا الخلاف مبني على أن الجمع بين الليل والنهار في الوقوف في حق من تمكن منه هل هو من واجبات الإحرام أو من سننه؟ وسيأتي الكلام فيه.
فإن قلنا: إنه واجب، لزمه الدم بتركه، وإلَاّ فلا، وهو الذي اختاره في "المرشد"، وهذه الطريقة أصح الطرق، ووراءها طريقان [آخران]:
أحدهما: أنه إذا أفاض مع الإمام فهو معذور؛ لأنه تابع، وإن انفرد
بالإفاضة ففيه القولان.
والثاني: نفي وجوب [الدم] والجزم الاستحباب مطلقاً.
والدم الواجب هنا، وكذا في ترك الميت بمزدلفة، وليالي منى، وطواف الوداع إن أوجبنا ذلك ما هو؟ [وفيه]، كلام سنذكره في باب فرض الحج والعمرة، إن شاء الله تعالى.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الدم يجب هنا - على القول به - عاد إلى عرفة قبل طلوع الفجر أَوْ لا.
وقد جزم الماوردي وغيره بأنه إذا عاد قبل الغروب، وأقام إلى الغروب: أنه لا يلزمه الدم بلا خلاف.
وإن عاد بعد الغروب، فهل يسقط بهذا العود الدم؟ فيه وجهان:
المذكور في "الحاوي"، و"تعليق" أبي الطيب، والقاضي الحسين، و"الشامل": السقوط أيضاً؛ لأنه لو وقف بها ليلاً دون النهار، لم يجب؛ فأولى ألَاّ يجب إذا وقف ليلاً ونهاراً.
ووجه المنع: أن المقصود أن يتصل آخر النهار بأول الليل وهو كائن بعرفة.
ولا فرق في عدم وجوبه على من وقف ليلاً لا غير بين أن يكون لم يدرك الوقوف نهاراً، أو أدركه ولم يفعله ووقف ليلاً، وإن كان لا يجوز له تأخير الوقوف إلى الليل؛ كما قاله ابن الصباغ عند الكلام في الرمي في أيام التشريق.
قال: ثم يدفع بعد الغروب إلى المزدلفة على طريق المأزِمَيْنِ؛ لآن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، فلو سلك الطريق الآخر جاز.
وقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم سلكه حين غدا من منى إلى عرفات.
قال عطاء: وهي طريق موسى، عليه السلام.
والمزدلفة سميت بمزدلفة؛ من التزلف والازدلاف، وهو التقريب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، أي: تقربوا ومضوا إليها؛ قاله الأزهري، ومنه قوله تعالى:{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الشعراء: 90]، أي: قربت.
وقيل: سميت بذلك؛ لاجتماع الناس بها؛ قال الله تعالى: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ} [الشعراء: 64]، أي: جمعناهم.
قال الماوردي: وكذلك قيل: لمزدلفة: جمع؛ كما جاء في الحديث السابق.
وقد قيل في قوله تعالى: {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} [العاديات: 5]: إنه المزدلفة.
وقال غيره: إنما سميت بجمع؛ لاجتماع آدم وحواء فيها.
وقيل: لأنه يجمع فيها في تلك الليلة بين الصلاتين، وهي - كما قال الشافعي رضي الله عنه من حيث يفيض من مأزمَيْ عرفة إلى أن أتي قريب مُحَسِّر عن يمينك وشمالك من تلك المواطن الظواهر، كل ذلك من المزدلفة، والمأزمان ووادي محسر ليسا منها، وكذا [نقل] عن عطاء.
والمأزمان: بهمزة بعد الميم الأولى، ويجوز ترك همزه كما في راس، والزاي مكسورة. والمأزم: المضيق بين جبلين، هذا أصله في اللغة، ومراد الفقهاء: الطريق الذي بين الجبلين، [وهما جبلان] بين عرفات ومزدلفة.
قال: ويمشي وعليه السكينة والوقار، فإذا وجد فرجة أسرع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما دفع شَنَقَ للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مَوْرِكَ رحله، ويقول بيده اليمنى:"أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ"، كلما أتى جبلاً من الجبال، أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة. رواه مسلم عن جابر.
وعن أسامة بن زيد أنه سُئل: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفة؟ قال: "كان يسير العَنَقَ فإذا وجد فجوة نصَّ"، أخرجه البخاري ومسلم.
ومورك الرحل: هي المرفقة التي تكون [عند قادمة الرحل يضع الراكب رجله
عليها، ليستريح من وضع رجله في الركاب، يكون] شبيه المنعدة الصغيرة.
والعنق: مسير الجماعة والرفاق.
والنص: قال أبو عبيد: هو التحريك حتى يستخرج من الدابة أقصى سيرها.
والفجوة- بفتح الفاء، وسكون الجيم، وبعدها وأو مفتوحة، وتاء تأنيث-: الموضع المتسع من المسير يخرج إليه من مضيق.
قال الشيخ زكي الدين: وقد روي: فُرجة، بضم الفاء، وسكون الراء المهملة.
قال: ويصلي بها المغرب والعشاء، أي: في وقت العِشَاء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئاً؛ كذا رواه مسلم.
وهذا الجمع جائز للآفاقي بلا خلاف، ويفعل قبل حط الرحل، وهو مخير بين أن ينيخ راحلته أو يعقلها ويصلي؛ لأن الصحابة فعلوا ذلك.
وهل يجوز لأهل مكة والمقيمين بها؟ فيه ما تقدم في الجمع بـ"عرفة".
ولا خلاف في أنه لو أقام كل صلاة في وقتها، جاز.
ومحل القول باستحباب الجمع- كما قال في "الإملاء" - إذا لم يخف فوت وقت الاختيار للعشاء قبل أن يوافي مزدلفة، وفيه قولان في الكتاب، الجديد: ما لم يذهب ثلث الليل؛ كما قال أبو الطيب، فإن خاف فوت ذلك فيصلى فى الطريق دون مزدلفة.
وقد دلَّ ظاهر الخبر على أنه يأتي بأذان واحدٍ وإقامتين، وبه قال في القديم.
وقال في الجديد: إنه يجمع بينهما بإقامتين من غير أذان؛ لرواية ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة لكل واحدة، ولم يناد في الأولى، ولم يسبح على إثر واحدة منهما؛ أخرجه أبو داود.
فإن قلت: قد حكى الشيخ في باب الأذان فيما إذا جمع بين صلاتين أو فائتتين ثلاثة أقوال، وقضية ذلك جريان القول الثالث [هنا].
قلت: قد حكاه ابن الصباغ وغيره، وعزاه القاضي أبو الطيب إلى نصّه في "الإملاء"، وهو إن رجا حضور جماعة أذَّن للأولى، وأقام للتي بعدها، وإلا أقام لكل واحدة منهما.
وإن أبا إسحاق المروزي قال: إنه يجيء على ما قاله في "الإملاء": أن يؤذن في الصلوات الراتبة؛ إذا رجا اجتماع الناس، ويقتصر على الإقامة إذا لم يرج اجتماعهم.
وقال البندنيجي: إن القول الثالث الذي نَصَّ عليه في "الإملاء" يجيء هاهنا؛ لأن الناس قد اجتمعوا.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أن القولين هنا في الأذان مفرعان على القول بأنه لا يؤذن للفوائت.
فإن قلنا: يؤذن لها، فالمغرب بمزدلفة عند الجميع أولى؛ لأنها في الحقيقة كالمؤداة في وقتها؛ لأن وقت العشاء جعل وقتاً لها.
وعلى كل حال إذا صلى العشاء، قال العجلي: أتي بعدها بنافلة المغرب، ثم بنافلة العشاء، والوتر، وهكذا يفعل الجامع في السفر.
وفي "الحاوي" و"تعليق" القاضي الحسين: أن الشافعي رضي الله عنه قال: ولا يسبِّح بينهما، ولا في إثر واحدة منهما، وهو ما حكيناه في الخبر، وأراد بذلك: أنه لا يتنفل بين صلاتي الجمع؛ لأن التنفل بينهما يقطع الجمع، ولا يتنفل قبل المغرب، ولا بعد العشاء؛ لأنه مأمور بالتأهب لمناسكه.
قال القاضي: ولو فعل كان جائزاً، لكنه غير مسنون.
قال: ويبيت بها - أي: يمكث بها نائماً أو مستيقظاً - إلى أن يطلع الفجر الثاني؛ لقول [جابر - كما رواه مسلم-:]"ثم اضطجع حتى طبع الفجر حين تبيَّن له الفجر بأذان وإقامة".
واعلم أن كلام الشيخ قد اشتمل على ما هو مستحب بلا خلاف، وهو المقام بها بعد نصف الليل إلى صلاة الصبح؛ كما يدل عليه كلامه الآتي من بعد، وهو في حق غير الضَّعَفَة، فأما الضعفة والنساء فالأولى في حقهم الدفع بعد نصف الليل إلى منى؛ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:"بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في النفل – أو قال: في الضعفة - من جَمْع بليل"، أخرجه مسلم.
وعلى ما هو نسك بلا خلاف، وهو المبيت إلى بعد نصف الليل، وليس بركن عندنا، خلافاً لأبي محمد وعبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبي بكر بن خزيمة من أصحابنا، وهل هو واجب؟ فيه قولان ثابتان في الكتاب.
قال: ليأخذ منها حصا الجمار؛ لما روي عن الفضل بن العباس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة، وهو على راحلته؛ "الْتَقِطْ لِي"، فالتقطت له حصيات مثل حصا الخذف، فلما وضعها في يده، قال:"بِمِثْلِ هَذَا فَارْمُوا".
ولأنه إذا دخل الحرم، استحب له أن يبدأ بالرمي تحية له، فإذا أخذ الحصا من المزدلفة لم يشتغل بغير الرمي].
وقد أطلق الشافعي رضي الله عنه القول في "المختصر" بأنه يأخذ منها حصا الجمار؛ كما فعل الشيخ.
وقال الشيخ أبو حامد: إنما أراد بما قال: إنه يأخذ منها الذي يرمي [به] جمرة العقبة، وهو سبع حصيات، وبه قال الأكثرون، وحكوه عن نصه في موضع آخر؛ ولأجله قال القاضي أبو الطيب والشيخ فى "المهذب": إنه يأخذ منها حصا جمرة العقبة.
وعن بعضهم أنه قال: يستحب الأخذ من المزدلفة تكون لجميع الجمار؛ فيأخذ [منها] سبعين حصاة، لكن الأخذ لرمي يوم النحر أحب.
وفي "النهاية": أن الحجج يعتادون أخذ ما يحتاجون إليه من الحصا من جبال مزدلفة، ولم يرد في التزود منها نص وتوقيف في الشرع.
قال: ومن حيث أخذ جاز؛ لحصول المقصود منه.
وفي "الشامل": أنه مكروه؛ للمخالفة.
والمنقول عن الشافعي رضي الله عنه أنه كره أخذه من ثلاثة مواضع: من المسجد، والحُشِّ، والمرمى:
أما المسجد؛ فإن أحجاره فرشه [، ويكره تعطيل فرش المسجد.
وأما الحش؛ فإن أحجاره نجسة]، ويكره الرمي بالنجس.
وأما المرمى؛ فلأن ما بقي فيه من الحجارة قيل: إنه مردود؛ فإن من يقبل حجه يرفع حجره، ولولا ذلك لصارت جبالاً من كثرة ما رمي فيها؛ قال عليه السلام:"الحَجَرُ قُرْبَانٌ؛ فَمَنْ تُقُبِّلَ حَجُّهُ رُفِعَ حَجَرُهُ، وَمَنْ لَمْ يُتَقَبَّلْ حَجُّهُ بَقِيَ حَجَرُهُ".
ولا فرق في كراهية الرمي بالحجر الذي رمى به بين أن يكون هو راميه أو غيره.
نعم: هل يجزئه ما رمى هو به؟ فيه كلام سنذكره.
قال الأصحاب: ويستحب أن يلتقط الحصا، ولا يكسره، وكذا يستحب أن يغسله؛ لما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغسل جمار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فإن دفع قبل نصف الليل، أي: ولم يعد قبل الفجر - لزمه دم في أحد القولين؛ لقوله عليه السلام: "مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ".
قال في "الحاوي": وهذا ما نص عليه في القديم والجديد، وكذلك اختاره في "المرشد"، وصححه النواوي.
وحكى الرافعي طريقة قاطعة [به].
ومقابله: أنه لا دم عليه؛ كما لو ترك المبيت بمنى ليلة عرفة، وهو ما نص عليه في
"الأم" و"الإملاء"؛ كما قال الماوردي.
وحكى الرافعي طريقة قاطعة به.
وبالجملة: فالخلاف في لزوم الدم مبني على أن المبيت بها في هذه الليلة واجب أو مستحب؟ وفيه قولان يأتيان من بعد:
فإن قلنا بالوجوب وجب الدم، وإلا فلا.
وقد اختصر الماوردي ما ذكرناه، فقال: الكلام في هذا كالكلام في الدفع من عرفة قبل الغروب.
لكنه قال: إنه لو دفع من عرفة ليلاً، وحصل بمزدلفة بعد نصف الليل، كان في الدم القولان؛ لأنه لم يبت بها إلا أقل من نصف [الليل]؛ فصار كالخارج منها قبل نصف الليل، وقد تقدم أنه لولم يقف إلا ليلاً: أنه لا يلزمه الدم جزماً، وهو نظير ما نحن فيه في الحكم، وكان قياسه ألا يجب جزماً، وهو مقتضى قول الأصحاب؛ إن من لم يدرك الوقوف إلا ليلاً، فاشتغل به حتى فاته المبيت بمزدلفة لا دم عليه، بلا خلاف كما سنذكره.
وكذا قول النواوي في "الروضة": إن الذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه فيما إذا حصل بمزدلفة في النصف الأخير: أنه حصل له المبيت.
وحكى قولاً ضعيفاً عن نصه في "الإملاء" والقديم: أنه يحصل بساعة بعد نصف الليل وطلوع الشمس.
فإن قضية القولين التوافق على عدم الدم.
وقد حكى الإمام عن نقل شيخه وصاحب "التقريب" في حد المبيت في هذه الليلة، وفي ليالي "منى" قولين:
أظهرهما: أن المعتبر كونه بموضع المبيت في معظم الليل.
والثاني: أن الاعتبار بحال طلوع الفجر.
وقال: إن طردهما على [هنا]، النسق في ليلة مزدلفة محال؛ لأنَّا جوزنا الخروج منها بعد انتصاف الليل، ولا ينتهون إليها إلا بعد غيبوبة الشفق عالياً، ومن انتهى إليها والحالة هذه، وخرج بعد انتصاف الليل -[لم يكن بها حال طلوع الفجر، ولا في معظم الليل]؛ فلا يتجه لها الاعتبار حالة الانتصاف.
قال الرافعي: ولك أن تقودت هذه الاستحالة [واضحة إن قيل بوجوب المبيت، لكنه مستحب على هذا القول]؛ فعلى هذا لا يستحيل المصير إلى الكون بها في معظم الليل، أو حالة الطلوع، ويجوز خلافه، وهذا في [حق] غير المعذورين.
أما المعذورون فسيأتي حكمهم عند الكلام في الدعاء، إن شاء الله تعالى.
قال: ثم يصلي الصبح في أول الوقت؛ للخبر؛ وقد روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لوقتها [إلا] بِجَمْعِ؛ فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى الصبح من الغد قبل وقتها". انتهى.
وأراد ابن مسعود قبل وقتها المعتاد في كل يوم، لا أنه صلاها قبل الفجر؛ لما تقدم.
والمعنى في ذلك: ليتسع الوقت للدعاء؛ ولأجل ذلك قال الجمهور: الأولى أخذ
الجمار قبل الصلاة؛ كما اقتضاه إيراد الشيخ، وإن كان في "التهذيب" قال: إنه يؤخر أخذها عن الصلاة.
قال: ثم يقف على قُزَح، وهو المشعر الحرام، ويذكر الله تعالى إلى أن يسفر، والأصل في ذلك قوله تعالى:{فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198]، وقال جابر في صفة حجه عليه السلام كما رواه مسلم:"ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبّره، وهلله، ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدًّا".
قال: ويكون من دعائه: اللهم كما أوقفتنا فيه، وأريتنا إيَّاه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق، ويقرأ:{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] إلى
قوله: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199]؛ لأنه لائق بالحال، وهو مضمون الآية.
ويستحب أن يدعو سرًّا ويرفع يديه؛ لما ذكرناه من الخبر، وهذا الوقوف سنة، وليس بنسك، ولا يجب يتركه دم.
قال القاضي الحسين: ويكتفي فيه بالمرور كما في الوقوف بعرفة.
[قال في "الأم": "ويستحب الاغتسال لهذا الموقف؛ لأنه موضع اجتماع".
وعلى هذا يغتسل بعد صلاة الصبح يوم النحر.
وقد أهمل الشيخ هاهنا هذه السنة؛ اتباعاً لسياق الخبر].
تنبيه: قُزح - بقاف مضمومة، ثم زاي مفتوحة، ثم حاء مهملة-: جبل صغير من المزدلفة؛ كما قال ابن الصباغ، ودلَّ عليه ما رواه مسلم: أن ابن عمر كان يقدِّم ضَعَفَةَ أهِلِه؛ فيقومون عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وهو آخرها كما قال الماوردي،
والقاضي الحسين، وليس هو من [منى]؛ كما قال النواوي.
وعلى ذلك يدل ما رواه أبو داود عن علي قال: فلما أصبح - يعني النبي صلى الله عليه وسلم ووقف على قزح، وقال:"هَذَا قُزَحُ، وَهُوَ الْمَوْقِفُ، وَجَمْغٌ كَلُّهَا مَوْقِفٌ، وَنَحَزْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ؛ فَانْحَرُوا في رِحَالِكُمْ". قال الترمذي: هو حسن صحيح.
وفي ابن يونس: أن قزح جبل بمنى، ولم أره لغيره؛ فلعله من طغيان القلم.
وقد صرح ابن الصباغ والشيخ بأن المشعر الحرام قزح، وهو قول حكاه الماوردي مع قول آخر: أنه الجبل الذي [في] ذيله وأطنابه.
والمشعر: المعلم، وكل شيء علمته بعلامة فقد أشعرته، والمشاعر: المعالم؛ وعنه قوله تعالى: {لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} [المائدة: 2]، أي: معالم الله.
قال: ثم يدفع قبل طلوع الشمس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دفع قبل أن تطلع الشمس؛ كما رواه مسلم عن جابر.
وعن عمر بن الخطاب قال: "كان أهل الجاهلية لا يفيضون حتى تزول الشمس على ثَبِير، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم فدفع قبل طلوع الشمس"، أخرجه البخاري.
وقد قيل: إن قائلهم [كان] يقول: "أشرِقْ ثَبِير كيما نغير"، أي: فلتطلع الشمس عليك يا ثبير، أو أضئ ثبير- يقال: شرقت الشمس، إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وصفت - كيما ندفع ونسرع بالمشي؛ يقال: أغار الرجل، إذا أسرع في المشي.
فلو أخرّ الدفع إلى بعد الطلوع، كره؛ لمخالفة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموافقة أهل
الجاهلية؛ قاله في "المهذب".
قال: فإذا وجد فرجة أسرع؛ كما فى السير من عرفات.
قال الأصحاب: وكذا يستحب أن يمشي وعليه السكينة والوقار؛ روي عن ابن عباس أنه قال: "أفاض النبي صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة والوقار، فلما بلغ وادي مُحَسِّر، أَوْضَعَ"، والإيضاع- كما قال أبو عبيد-: سير الإبل إذا سارت الخَبَبَ.
قال: فإذا بلغ وادي محسِّر أسرع، أي: إن كان ماشياً، أو حرك دابته؛ إن كان راكباً قدر رمية حجر؛ كما قاله في "المهذب" و"الشامل"، ووجهه فيما إذا كان راكباً [الخبر].
وقد روى مسلم أن جابراً قال في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى إذا أتى بطن محسر، حرَّك قليلاً، ثم سلك طريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة".
وإذا كان ماشياً؛ فبالقياس على الراكب؛ كما في الرمل.
قال الرافعي: ورأيت في بعض الشروح: أن الراكب يحرّك دابته، وأما الماشي فلا يعدو، ولا يرمل.
ثم إسراعه - عليه [السلام]- يحتمل أن يكون، لأجل [سعة المكان، ويحتمل أن يكون لأجل] أن العرب كانت تقف فيه، وتذكر مفاخر آبائهم؛ فأمرنا بمخالفتهم، وهذا ما ذكره الغزالي.
وقال القاضي الحسين: إنما كان ذلك؛ لأن النصارى كانوا يقفون بها، وعليه يدل فعل الصحابة؛ روي أن أبا بكر حرّك دابته في هذا الموضع حتى إن فخذه لتندلج بالقتب.
وعن عمر أنه كان يحرّك في محسِّر، ويقول:
تشكو إليك قلقاً وضِينها معترضاً في بطنها جنينها
مخالفاً دين النصارى دينُها
وقال القاضي الحسين في حكاية ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
إليك تعدو قلقاً وضينها معترضاً فى بطنها جنينها
مخالفاً دين النصارى دينها
وقال: إنه يستحب أن يقول ذلك فيه.
وعلى هذا لو ترك الإسراع فيه كره، ولا شيء عليه، ولم يذكر في "الشامل" الكراهة.
تنبيه: محسر: بميم مضمومة، ثم حاء مفتوحة، ثم سين مكسورة مشددة مهملتين، ثم راء، سمي بذلك؛ لأن فيل أصحاب الفيل حَسَّر فيه – أي: أَعْيَى، وهو واد بين المزدلفة ومنى، وليس من واحد منهما، وذَرْعُهُ - كما قيل - خمسمائة وأربعون ذراعاً.
قال: فإذا وصل إلى منى، بدأ يجمرة العقبة؛ لحديث جابر، ووصوله إليها يوافي [بعد] طلوع الشمس إذا فعل ما ذكرناه؛ فحينئذ يكون الأفضل الرمي بعد طلوع الشمس، وبه صرّح الأصحاب، وعليه يدل ما روى مسلم عن جابر قال:"رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر ضُحى".
قال الماوردي: ويستدام وقت الفضيلة إلى الزوال يوم النحر.
قال ابن الصلاح: وقد قيل: إنه يليه في الفضيلة ما بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس.
وقال: إن هذه الجمرة تسمى: الجمرة الكبرى، والرمي إليها تحية منى؛ فلا يبدأ بغيرها من مناسك هذا الأيام الأربعة كما سنبينها، ويبدأ بها قبل نزوله في المنعيم.
واختلف الناس فى تسميتها: جمرة، وكذا ما قبلها من الجمرتين:
فقيل: إنما سميت بذلك؛ لاجتماع الناس بها، ومنه ما روي "رأنه صلى الله عليه وسلم نهي عن
التجمير"، يعني: اجتماع الرجال والنساء في الغزوات، ويقال: جَمَّر بنو فلان؛ إذا [اجتمعوا] فصاروا إِلْبًا على غيرهم.
وقيل: سميت بذلك؛ لأن إبراهيم عليه السلام لما عرض له إبليس هناك فحصبه جَمَّر بين يديه، أي: أسرع، والإجمارت الإسراع.
وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تجمر بالحصى، والعرب تسمى الحصى الصغار: جماراً، وسميت: جمرة العقبة؛ لأنها حائدة عن الطريق، مرتفعة قليلاً فى حضيض الجبل.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه الجمرة: مجتمع الحصى، إلا ما سأل من الحصى، فمن رمى في المجتمع أجزأه، وإن رمى في السائل فلا.
قال: يرمي إليها مع حصيات، أي: بيده؛ فإنه لو رمى عن القوس أو دفع ذلك برجله [لم يجزئه]؛ كما قاله في "العدة" وغيرها.
قال: واحدة واحدة؛ للخبر.
قال: لا يجزئه غير ذلك؛ لأنه فعل غير معقول المعنى؛ فاتبع فيه ما ورد؛ وبهذا خالف ما لو جمع الأسواط [في الحد]، وضرب بها ضربة واحدة؛ فإنه يجزئ؛ لأنه معقول المعنى، وهو إيصال الألم إليه.
وفي تعليق أبي الطيب حكاية قولين فيما إذا رمى فوقع الحصى في مسيل الماء:
المنصوص في "الأم": أنه لا يجزئ، وهو الموافق لما في الكتاب؛ لأنه – عليه السلام رمى الحصى في المرمى، فدلَّ على أن الفرض أن يرمي الحصى فيه دون غيره.
ووجه مقابله: أن مسيل الماء [متصل] بالمرمى، وليس بينهما حائل، وهو بمنزلة جزء منه.
فرع: هل تجب الموالاة في رمي الحصى؛ حتى لو فرق بينهما تفريقاً كبيراً لا يعتد
به؟ فيه قولان فى "التتمة"؛ كالموالاة فى الوضوء.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أموراً:
أحدها: أنه لو رمى بغير الحصى لا يجزئه، وسيأتي الكلام فيه.
الثاني: [أنه] لو رمى في الهواء، فوقع في المرمي، لا يجزئه، وهو يفهم أن القصد إلى المرمى شرط فيه، وقد صرح [بذلك] في "المهذب" وغيره.
وقال أبو الطيب وغيره; إنه إذا قصده، فوقعت الحصاة على محمل، أو بدن إنسان، أو بعير، ثم جازته إلى أن حصلت في المرمى، أجزأته؛ ونص عليه.
ويخالف ما لو جرى مثل ذلك في المرمى في المسابقة؛ حيث لا يحتسب له على أحد القولين؛ لأن المقصود ثم معرفة حذق الرامي، ولم يوجد، والقصد هنا حصول الحصى في المرمى بفعله، وقد حصل.
وقولنا: "بفعله" يحترز به عما إذا وقعت على ثوب رجل، فنفضها، فوقعت في المرمي، [أو وقعت على بعير، فانتفض،] ووقت في المرمى؛ فإنها لا تجزئه - أيضاً- لأنها حصلت فيه بغير فعل منه.
لكن هذا القيد لا يخرج ما إذا رمى، فوقعت الحصاة في كمه [أو ثوبه،] فنفضه فوقعت فى المرمى؛ فإنها لا تجزئ؛ كما قال القاضى الحسين.
فلا جرم أنه احترز عنه يقوله: "يقوة الرمي".
ولو رمى حصاة، فوقعت أعلى من المرمي، ثم تدحرجت إليه، ففي إجرائها وجهان جاريان: فيما لو وقعت على بعير وهو ينتفض، فوقعت في المرمي، وقد أبداهما القاضي الحسين في الأولى احتمالين لنفسه، وقال في "التهذيب" فيها: الأصح الإجراء؛ لأنها حصلت فيه لا بفعل الغير.
الثالث: أنه لو وضع الحجر في المرمى لا يجزئه؛ لأنه لا يسمى: رمياً، وقد صرح به أبو الطيب وغيره، وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه بعيد: أنه يعتد به، اكتفاء
بالحصول في المرمى.
الرابع: أنه لو رمى حصاتين دفعة واحدة، لا يعتد بهما، سواء وقعتا متساويتين، أو متعاقبتين، وهو المذهب.
[و] الذي حكام القاضي الحسين عن النص: أنه يعتد له بواحدة منهما، وكذا لو رمى السبع دفعة واحدة، ولم يحك غيره.
وغيره من المراوزة حكى وجهاً بعيداً فيما إذا رمى دفعة بحصاتين، وتلاحقتا في الوقوع، ولم يتساويا-: أنه يعتد بهما اثنتين.
نعم، حكى القاضي - وتبعه المتولي - فيما لو رماهما في دفعتين، وتساويتا في الوقوع [وجها: أنه لا يجزئه إلا واحدة منهما؛ نظراً إلى الوقوع،] وكذا لو رماهما على التعاقب، فوقعت الثانية قبل الأولى، لم تحتسب له إلا واحدة على وجه، والمذهب خلافه.
الخامس: أنه لو وقع الشك في أن الحصاة وقعت في المرمى [أم لا تجزئه؛ لأنه جعل الواجبَ، الرميَ] إلى الجمرة، وقد حصل، وهو قول قديم؛ لأن الظاهر؛ أن الحصاة سقطت فيه.
لكن الجديد: المنع؛ لأن الفرض حصول الحصاة برميه في المرمى؛ فلا تسقط بالشك، وقد قطع بعضهم به، وقال: إن الأول ليس بمذهب للإمام الشافعي رضي الله عنه وإنما حكاه عن غيره.
السادس: أنه لو أخذ حصاة واحدة، ورمى بها [ثم عاد، وأخذها، ورمى بها،] وكذا سبع مرات في يوم واحد - لا يجزئه، وهو وجه حكاه القاضي الحسين وغيره، وأن المزني اختاره، وهو الأظهر في "النهاية".
لكن الظاهر من نص "المختصر"، وهو الذي صححه في "التهذيب": أنه يجزئه مع الكراهة؛ كما لورمى هو بها في جمرة أخرى، أو في يوم آخر؛ وهذا يشعر بموافقة المزني على ذلك، وكلام القاضي أبي الطيب وغيره يقتضي مخالفته فيه أيضاً؛ لأنهم
قالوا: الذي نض عليه في "المختصر": أنه يجزئه ما رمى به هو وغيره، وقال المزني: إنه يجزئه ما رمى به غيره، ولا يجزئه ما رمى هو به.
وقد قيل: إن هذا غلط.
وعلى المذهب يكفيه للجمرات كلها حجر واحد؛ كما تتأدى به الكفارة بمد واحد؛ بأن يدفعه لفقير، ثم يشتريه منه [، ثم يدفعه لآخر، ويشتريه منه]، وهكذا إلى أن يتم المقصود، وليس كالماء إذا استعمل في الطهارة مرة لا يستعمل فيها مرة أخرى؛ لأن ثم انتقل إليه مانع؛ فألحق بالمستهلك، ولا كذلك هنا، بل نظير الحصاة نظير الثوب؛ فيصلي فيه مراداً.
قال: ويكبر مع كل حصاة؛ للخبر.
قال الشافعي رضي الله عنه – "فيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد".
قال: ويرفع يديه حتى يرى بياض إبطه؛ لما ذكرناه من الخبر أول الباب، ولأنه أعون على الرمي.
قال الأصحاب: ولا يقف عند هذه الجمرة للدعاء؛ لما سنذكره، بل يدعو في منزله.
قال: والأولى أن يكون راكباً؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
أشار الشيخ بذلك لما رواه جابر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول لنا:"خذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". أخرجه مسلم.
قال في "المهذب" والمستحب أن يرمي من بطن الوادي؛ لما روت أم سلمة قالت: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي من بطن الوادي، وهو راكب، وهو يكبر مع كل حصاة".
وروى [مسلم] عن عبد الرحمن بن يزيد: أنه كان مع عبد الله بن مسعود، فأتى الجمرة، فاستبطن الوادي، فاستعرضها، فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة قال: فقلت: "يا [أداء عبد الرحمن، إن الناس يرمونها من فوقها" فقال: "هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة".
وفي "الحاوي" أن الشافعي رضي الله عنه – قال: "إنه لا يمكنه غير ذلك، لأنها على أكمة، ولا يتمكن من [الرمي إليه] إلا كذلك".
نعم: لو رمى الجمرة من فوقها، ولم يرمها من بطن الوادي، أجزأه؛ لأن عمر لما أتى الجمرة، ورأى زحام الناس صعد الجمرة، فرماها من فوقها.
قال ابن الصلاح في "المناسك": وإذا رمى من بطن الوادي جعل مكة والقبلة عن يساره ومنى وعرفة عن يمينه، ويستقبل العقبة.
وقطع الشيخ أبو حامد وغيره بأنه يقف مستقبل الجمرة، مستدبر الكعبة، وهو المذكور في "الشامل" وغيره.
وحكى في "الروضة" وجهاً آخر: أنه يقف فى بطن الوادي مستقبل الكعبة؛ فتكون الجمرة - على هذا - على جانبه الأيمن.
قال ابن الصلاح: وهذا قد رواه الترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود.
والقول الأول هو المختار عندنا، وكذلك جعله النواوي في "الروضة" الصحيح؛
لأنه جاء في مسلم والبخاري وغيرهما عن ابن معود أنه لما انتهي إلى الجمرة الكبرى، جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حميات، وقال:"هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة".
قال: ويقطع التلبية مع أول حصاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، أخرجه مسلم عن رواية الفضل بن عباس، وهو أعرف الناس بحال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المكان؛ لأنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من مزدلفة إلى منى.
والمعنى في ذلك: أنه مدعو إلى فعل جميع المناسك، فما لم يتحلل من إحرامه يستحب له التلبية [؛ لأنها إجابة الداعي، وإذا رمى فقد شرع في التحلل؛ فلم يستحب له التليية]؛ لأنه أخذ في فعل الانصراف، ولا معنى للإجابة في حال الانصراف.
وكذلك يستحب للمعتمر أن يقطع التلبية بأخذه في الطواف.
ولو شرع الحاج في خلاف الأولى، وهو تقديم الطواف على الرمي، أو الحلق، وقلنا: إنه نسك - كما سنذكره - قطع التلبية بشروعه فيه –أيضاً- لما ذكرناه.
ولو خالف السنة بأن قطع التلبية، وكبر قبل رمي جمرة العقبة وغيرها من أسباب التحلل، أو استدام التلبية، ولم يكبر إلى أن فرغ من [رمي] الجمرة - كان فاعلاً لمكروه، ولا فدية عليه.
وعن القفال: إن الحجاج إذا رحلوا من مزدلفة مزجوا التلبية بالتكبير في ممرهم، فإذا ابتدءوا في رمي جمرة العقبة محضوا التكبير.
قال الإمام: ولم أر ذكر المزج إلى الرمي لغيره.
قال: وإن رمى بعد نصف الليل، أجزأه؛ لما روى الشافعي رضي الله عنه بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بأم سلمة ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول
الله صلى الله عليه وسلم، يعني عندها.
وأخرجه أبو داود، وقال البيهقي: إن إسناده صحيح، لا غبار عليه.
وروي أنه أمرها أن تعجل الإفاضة، وأن توافي مكة مع صلاة الصبح.
قال الشافعي رضي الله عنه – "وهذا يدل على جواز خروجها بعد نصف الليل، وقبل الفجر، وأن رميها كان قبل الفجر أيضاً؛ لأنها لا تصلي الصبح بـ"مكة" إلا وقد رمت قبل الفجر [بساعة].
ولأنه وقت يجوز الدفع فيه للمعذورين من مزدلفة؛ فجاز الرمي فيه لبعد طلوع الفجر؛ وهذا بيان أول وقت جواز الرمي، وأما آخره فلم يتعرض له الشيخ.
وقد قال القاصي الحسيين والماوردي وغيرهما: أنه غروب الشمس من يوم النحر.
وفي "النهاية" حكاية وجه: أنه يمتد إلى طلوع [الفجر أول] أيام التشريق [على وجه]؛ اعتباراً بالوقوف بـ"عرفة"؛ فإنه لما تعلق بالنهار والليل، تعلق بالليلة المستقيلة.
والأصح في الرافعي [و"الروضة" الأول لكن سيأتي; أن يقول: إن الصحيح فيما إذا أخَّرَ هذا الرمي إلى اليوم الأول أو الثاني أو الثالث من أيام التشريق – وقع أداءً؛ وهذا يدل على أن الوقت لم يخرج بما ذكر.
ويجوز أن يقال]: إن المراد هنا: خروج وقت الاختيار، والذي سيأتي المراد به: ييان وقت الجواز؛ وحينئذ يكون للرمي ثلاثة أوقات:
وقت فضيلة: وهو بعد طلوع الشمس إلى الزوال.
ووقت اختيار: وهو من الزوال إلى الغروب.
ووقت جواز: وهو إلى آخر أيام التشريق في حق من لم يتعجل، والله أعلم.
قال: وإذا رمى، ذبح هدياً إن كان معه؛ لقوله تعالى:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29]، يعني: الرمي، {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29]، يعني: نحر الهدي.
ولقول جابر في صفة حجه عليه السلام: "ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنة، ثم أعطى عليَّا [فنحر] ما عبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، وطبخت؛ فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها".
وقد استحب الشافعي رضي الله عنه لأجل ذلك أن يأكل من كبد هديه – إذا كان متطوعاً به - قبل أن يمضي إلى طواف الإفاضة، وأما إذا كان [واجباً فقد تقدم الكلام فيه، وأما إذا كان] منذوراً، فسيأتي حكمه، إن شاء الله تعالى.
ثم الهدي ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره، والمراد هنا - كما قال النواوي:
ما يجزئ في الأضحية من الإبل والبقر والغنم.
ويقال: هّدْيٌ، وهدِيُّ بإسكان الدال وتخفيف الياء، وبكسرها وتشديد الياء؛ ذكرهما الأزهري وغيره.
قال الأزهري: وأصله التشديد، والواحدة: هَدْية وهدِيَّة، ويقال: أهديت الهدي.
قال ابن الصلاح: ومن السنة التي غفل الناس عنها في هذا الزمان سياقة الهدي.
والأفضل أن يكون هدي الحاج والمعتمر معه من الميقات شعراً مقلداً؛ فإن ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واعلم أن كلام الشيخ يقتضي أن وقت ذبح [الهدي] يدخل بالفراغ من الرمي، وكذلك الحلق والتقصير، وهو كذلك فيما إذا وقع الرمي في الوقت المسنون.
أما إذا وقع في أول وقت الجواز، وهو بعد نصف الليل، فليس كذلك؛ لأن القائل فى الهدي قائلان:
أما اختصاصه بيوم النحر، وأقام التشريق، أو لا؛ كما تقدمت الإشارة [إليه] في آخر باب كفارات الإحرام، ويأتي في باب الأضحية، وحينئذ فلا يكون موافقاً للرمي
ولا مرتباً عليه.
وأما فى الحلق والتقصير، فلأن أول وقتهما أول وقت الرمي لا بعده، وليس لآخر وقتهما انتهاء، وهو إذا قلنا: إن الحلق نسك؛ كما سيأتي.
قال: وحلق أو قصر - أي شعر رأسه - لما رَوى جابر أنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يحلقوا أو يقصروا.
لكن الأفضل للرجال الحلق؛ لقوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27]، والعرب تبدأ بالأهم فالأهم، وهو الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى مسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم حلق رأسه في حجة الوداع.
وروى مسلم - أيضاً - عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، والحجام جالس، وقال بيده عن رأسه، فحلق شقه الأيمن، فقسمه فيمن يليه، ثم قال:"احلق الشق الآخر"، فقال: "أين أبو طلحة: فأعطاه إيَّاه.
وروى مسلم –أيضاً- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، قال:"اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، قال:"والمقصرين".
ولو نذر الحلق في وقته، قال الغزالي: فلا خلاف في وجوبه، وقد نص عليه؛ كما قال الإمام.
وقال الرافعي: إنه غير صافٍ عن الإشكال، و [قد] قال غيره - يعني: غير الغزالي: إنه إنما يلزم بالنذر على قولنا: إنه نسك، ولا يقوم التقصير مقام الحلق إذا نذره، وقلنا بانعقاد نذره.
وفي استئصال الشعر بالقص، وإمرار الموسى من غير استئصال تردد للإمام.
والظاهر المنع؛ لفوات اسم الحلق.
وقد ألحق في القديم تلبيد الشعر بالنذر، فأوجب على الملبد شعره حلقه، وقال: لا يجزئه غيره.
والجديد: لا.
قال الرافعي - تبعاً للإمام، والمسعودي: والقولان كالقولين في أن التقليد والإشعار، هل يتزل منزلة قوله:"جعلته أضحية".
والتلبيد: قد تقدمت صفته في باب الإحرام.
ويستحب للمقصر - كما قال القاضى الحسين-: أن يأخذ من شعر لحيته وشاربه.
قال: وأقل ما يجزئ [أي] أن يحلق أو يقصر - ثلاث شعرات؛ لأنها أقل الجمع؛ كما تقدم؛ وهذا بناء على أن الدم لا يكمل إلا في ثلاث شعرات.
أما إذا قلنا: أنه يكمل في شعرة - كما تقدم - كفى حلقها أو تقصيرها هنا؛ ومن هذا يظهر لك أنه لو حلق على المشهور شعرة، ثم شعرة، أو قصر شعرة ثم بعضها ثم استكملها، هل يكتفي بذلك أم لا؟
[إن] قلنا: إنه يكمل الجزاء بذلك إذا كان محظوراً كفى، وإلا فلا؛ وقد صرح به الرافعي والإمام.
ولا فرق فيما إذا قصَّرَ بين أن يكون [المأخوذ] مما يحاذي الرأس أو من المسترسل.
وفي وجه: لا يغني الأخذ من المسترسل؛ اعتباراً بالمسح.
قال ابن الصباغ: وليس بصحيح؛ لأنه يقع عليه اسم التقصير، فأجزأه، ويخالف
المسح؛ لأنه مأمور يه في الرأس، والرأس ما ترأس وعلا، وها هنا المأمور يه التقصير، وذلك من أطراف الشعر.
ولا يقوم حلق شعر آخر، ولا تقصيره مقام حلق شعر الرأس في ذلك وإن استوى الكل في وجوب الفدية؛ إذا أخذ قبل الوقت؛ لأن الأمر ورد في شعر الرأس.
تنبيه: كما يحصل الحلق المجزئ بالموسى يحصل بالنورة، والقص، والنتف؛ نص عليه.
وكما يحصل التقصير المجزئ بالقص يحصل بالقطع بالسكين، والإحراق، لكن السنة الحلق بالموسى، [و] إليه يرشد قول الشيخ من بعد [حيث] قال:"والأفضل أن يحلق جميع رأسه"؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستحب أن يبدأ بمقدم رأسه، ويحلق الشق الأيمن، ثم الأسر [ثم الباقي] تأسياً به عليه السلام، ولو نذر حلق جميع رأسه، ففي لزومه تردد عن القفال، وله نظائر تأتي في باب النذر.
ويستحب أن يكون في حال الحلق والتقصير مستقبل القبلة، وأن يكبر بعد الفراغ من ذلك، وأن يدفن شعره.
قال: فإن لم يكن له شعر، استحب له أن يمر الموسى على رأسه؛ تشبهاً بالحالقين، وقد روي عن عمر أنه قال:"الأصلع يمر الموسى على رأسه".
قال الشافعي رضي الله عنه "ولو أخذ من شاربه، أو من شعر لحيته شيئاً، كان أحب إليَّ كي لا يخلو من أخذ الشعر".
قال الأصحاب: وهذا -كما قلنا- فيمن قطعت يده عن فوق المرفق: أنه يغسل موضع القطع بالماء؛ كي لا تخلو الطهارة من غسل اليدين.
وقد يفهم من كلام الشافعي رضي الله عنه أنه إذا أراد أخذ شيء من لحيته
وشاربه، لا يمر الموسى على رأسه، وليس كذلك، بل الذي حكاه الإمام عن رواية الصيدلاني عنه: أنه يستحب المجموع.
ثم قال الإمام: ولست أرى للأخذ من الشارب وجهاً، إلا أن يكون أسنده إلى أثر.
قال: ولا نقول على قولنا: إن الحلاق نسك - ينبغي أن يصبر حتى ينبت شعره، ثم يحلقه.
وإنما لم يجب إمرار الموسى على رأسه؛ لأنه لو فعله في حال الإحرام، لم تلزمه الفدية.
ولأنها عبادة تعلقت بجزء من البدن، فسقطت بفواته، كغسل الأعضاء في الوضوء، [ويخالف المسح في الوضوء] حيث يجب مسح الرأس إذا لم يكن عليها شعر؛ لأن الوجوب في المسح متعلق بالرأس، وفي الحلق متعلق بالشعر، ولم يوجد.
تنبيه: الموسى يذكَّر ويؤنَّث.
قال ابن قتيية: [قال الكسائي:] هي "فعلى".
وقال غيره: هي "مُفعل" من أوسيت رأسه، أي: حلقته.
قال الجوهري: والكسائي والفرَّاء يقولان: "فُعلى" مؤنثة، وعبد الله بن سعيد الأموي يقول:"مفعل" مذكر.
قال أبو عبيد: لم يسمع تذكيره إلا من الأموي.
قال: والمرأة تقصر، ولا تحلق؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على النساء الحلق، وإنما على النساء التقصير".
ولأن حلاق شعر المرأة مُثلة، والمثلة منهي عنها، فلو فعلته فقد فعلت مكروهاً؛ قاله في "الحاوي".
قال الشافعي رضي الله عنه: وأحب أن تجمع ضفائرها وتأخذ من أطرافه قدر
أنملة؛ [لتعم الشعر كله]، وهكذا نقول في الرجل إذا قصر.
قال: وهل الحلاق أو التقصير نسك، أي: في الحج والعمرة؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه نسك، أي: فيثاب عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رميتم، وحلقتم [حل] لكم كل شيء إلا النساء"، علق الحل بالحلق، كما علقه بالرمي.
ولأن الحلق أفضل من التقصير، ويلزم بالنذر - كما تقدم، والتفضيل واللزوم بالنذر إنما يقع في القربات دون المباحات، وهذا هو الصحيح.
قال الإمام: وعلى هذا فهو ركن، وليس كالرمي والمبيت؛ فاعلم ذلك؛ فإنه متفق عليه، وآيته أنه مع الحكم بوجوبه لا يقوم الفداء مقامه؛ حنى لو فرض اعتلال في الرأس، تعسر معه التعرض للشعر، ولكنه كائن - فلا بد من التريث إلى إمكان الحلق - أي: أو التقصير - ولا يرد عليه إذا لم يكن له شعر؛ لأن النسك هو حلق ثم يشتمل الإحرام عليه، فإذا لم يكن على الرأس شعر في وقت الحلق، لم يتحقق ما ذكرناه.
[وما دكره] من الاتفاق على أنه ركن، فيه نظر؛ لأنا سنذكر عن الداركي عند الكلام في التحلل ما ينازع فيه، وهو مقتضى قول الشيخ:"وأفعال العمرة كلها أركان إلا الحلق"، فلو كان ركناً عنده على هذا القول، لم يستثنه لما عرفت أن هذا القول هو الصحيح عند الجمهور.
وأصرح من ذلك عَدَّه الحلقَ من الواجبات على أحد القولين.
[قال:] والثانى: أنه استباحة محظور - أي: فلا يثاب عليه - لقوله تعالى: ولا {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]، فحظر الحلق، وجعل لحظره غاية، وهي التحلل، فلم يجز أن يكون نسكاً يقع به التحلل.
ولأن كل ما لو فعله قبل وقته، لزمته الفدية، [فإذا فعله بعد وقته، لزمته الفدية،] فإذا فعله في وقته، كان استباحة محظور؛ كالطيب، واللباس، وهذا ما قال في
"الحاوي": إنه أقيس.
وقال القاضي أبو الطيب عند الكلام في السعي: إنه الصحيح.
وفائدة الخلاف يأتي في الكتاب مع ما سنذكره معها، إن شاء الله تعالى.
والحلاق - بكسر الحاء – بمعنى: الحلق.
قال: ثم يخطب الإمام بعد الظهر بمنى، ويعلم الناس النحر والرمي والإفاضة.
أما استحباب الخطبة بمنى في هذا اليوم؛ فلما روى أبو داود عن أبي أمامة - وهو الباهلي قال: "سمعت [خطبة] رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر".
وروى- أيضاً- عن الهرماس بن زياد الباهلي قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى"، وأخرجه النسائي.
وعن الحناطي رواية وجه: أن موصع هذه الخطية مكة.
وأما كونها بعد الظهر؛ فلأنها خطبة مشروعة في الحج، فكانت بعد الظهر؛ كغيرها من الخطب فيه.
وما ذكره الشيخ هو الذي نص عليه في "المختصر"، ولم يحك أبو الطيب وابن الصباغ غيره.
لكن قد روى أبو داود عن رافع بن عمرو المزني قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعلي رضي الله عنه يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد". وأخرجه النسائي.
وأما كونه يعلم الناس فيها النحر والرمي والإفاضة؛ فلما روى أبو داود عن عبد الرحمن ابن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ونحن] بمنى، ففتحنا
أسماعنا؛ حتى كنا سمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار، فوضع أصبعيه السبابتين، ثم قال: بحصى الخذف، وأخرجه النسائي.
فإن قيل: المستحب في النحر أن يكون قبل الزوال، فأي فائدة في تعليمهم سنته، وقد فات ذلك؟
قيل: فائدته: أن من وقع له فيه خلل تداركه كله؛ كما قلنا: إن المستحب في عيد الفطر: أن يؤدي زكاة الفطر، ثم يخرج إلى المصلى، ثم الإمام يخطب، ويعلمهم كيفية أدائها؛ كذا هنا؛ وهذه هي الخطبة الثالثة في الحج.
قال: ثم يفيض إلى مكة، ويغتسل ويطوف طواف الزيارة.
لا شك في أن الإفاضة إلى مكة في يوم النحر، لأجل الطواف مشروعة؛ لما سنذكره، والاغتسال له مسنون؛ لما تقدم وهو ما ادعى في "الوسيط": أنه قوله في القديم، وأنه لم يستحبه في الجديد، لاتساع وقته.
وقد اقتضى كلام الشيخ هنا وفي "المهذب": أن الإفاضة؛ لأجل الطواف تكون بعد الخطبة التي ذكر أنها تشرع بعد الظهر، وهو ما دل عليه كلام ابن الصباغ حيث قال:"يستحب أن يخطب الإمام يوم النحر بعد صلاة الظهر بمنى؛ فيعلِّم الناس النحر والرمي والمصير إلى طواف الإفاضة، وذلك وجه محكي في "تعليق القاضي أبي الطيب"؛ لأن عائشة قالت: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض في آخر النهار من يوم النحر".
وروى أبو داود عنها في الخبر الذي سنذكره: أنها قالت: "أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى".
وروي عنها وعن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخَّر الطواف يوم النحر إلى
الليل".
وقال الترمذي: إنه حسن.
وهذا القائل كأنَّه - والله أعلم - أخذ ذلك من ترتيب المزني في "المختصر"؛ فإنه قال بعد ذكر النحر: "ويخطب الإمام بعد الظهر يوم النحر، ويطوف بالبيت طواف الفرض".
لكن الذي نص عليه [الشافعي رضي الله عنه] في "الأم"؛ كما قال أبو الطيب عند الكلام في الجبران: "أنه إذا رمى جمرة العقبة، ونحر، وحلق، مضى إلى مكة، فطاف، ثم عاد إلى منى، فصلى الظهر، وشهد الخطبة، وبه قال بعض الأصحاب.
وقال القاضي: إنه الصحيح، ولم يذكر القاضي الحسين والغزالي والرافعي غيره.
ووجهه ما روى مسلم عن [ابن] عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى".
قال نافع: وكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع، فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وأخرجه البخاري مختصراً.
لكن في مسلم -أيضاً-: أن جابراً قال في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أكل من لحم هديه وشرب من مرقه: "ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر"، وهذا بظاهره معارض لخبر ابن عمر.
وقد اختار القاضي أبو الطيب وجهاً ثالثاً في المسألة فقال: إن كان الزمان صيفاً
عجل الإفاضة في أول النهار؛ لاتساعه، وإن كان شتاء أخرها؛ بقصر النهار.
تنبيه سمي هذا الطواف: طواف الزيارة؛ لإتيانهم البيت بعد مفارقتهم له، ولا يقيمون عنده، بل يرجعون إلى منى.
وسمي: طواف الإفاضة؛ لأنه يفعل بعد إفاضتهم من [منى] إلى مكة.
ويسمى: طواف الركن، والفرض، لأنه ركن الحج وفرضه.
ويسمى: طواف الصدر.
وقيل: باختصاص هذا الاسم بطواف القدوم.
قال: وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة الحر، لأن ما بعد نصف الليل وقت لرمي جمرة العقبة؛ فكان وقنا لطواف الإفاضة؛ أصله: ما بعد طلوع الفجر.
قال القاضي أبو الطيب: وليس للشافعي في ذلك نص، إلا أن أصحابنا ألحقوه بالرمي في ابتداء الوقت.
قال: والمستحب أن يكون في يوم النحر؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهل الأفضل أن يكون قبل الزوال أو بعده؟ فيه الخلاف السابق، والمذكور في "تعليق البندنيجي" و"الحاوي": أنه قبل الزوال.
قال: فإن أخره عنه - أي: ولو إلى آخر عمره؛ كما قال البندنيجي وغيره - جاز؛ لقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] ولم يوقِّت؛ فكان على إطلاقه.
وما ذكره الشيخ هو الذي ذكره الجمهور، وحكاه الإمام عن شيخه؛ حيث قال: "لو
أخر طواف الركن إلى انقضاء أيام منى، فلا بأس، وفي قلبي منه شيء، والعلم عند الله سبحانه".
وقد حكى ابن التلمساني أنه لا يجوز له أن يخرج من مكة حتى يطوف.
وقال الماوردي: إنه يكون مسيئاً بتأخره بغير عذر عن يوم النحر.
وفي "التتمة": أنه إذا أخَّره حتى مضت أيام التشريق، وفعله كان قضاة، وإليه يرشد قول ابن الصباغ:"إذا خرج، ولم يكن طاف للوداع، وجب عليه الرجوع للطواف".
ولا يحل له النساء حتى يطوف وإن طال زمانه، وخرج وقته.
وبالجملة: فالكل متفقون على أنه لا يلزمه دم بالتأخير؛ لأنه أخَّر النسك عن وقت الاختيار إلى وقت الجواز؛ فلم يلزمه الدم؛ كما لو أخَّر الوقوف بعرفة عن النهار إلى الليل.
قلت: والذي يظهر لي: أن قول من قال: "إنه يجوز له تأخير الطواف إلى آخر العمر"، ليس على إطلاقه، بل هو محمول على ما إذا كان قد تحلل التحلل الأول، أما إذا لم يكن قد تحلل التحلل الأول، فلا يجوز له تأخيره وتأخير ما يحصل به التحلل الأول إلى آخر العمر، بل لا يجوز تأخيره إلى العام القابل؛ لأنه يصير مُحرِمًا بالحج في غير أشهره، [وسنذكر مادة ذلك في باب الفوات والإحصار عن الماوردي، إن
شاء الله تعالى].
فرع: لو طاف للوداع، ولم يطف طواف الزيارة.
قال الأصحاب: وقع عن طواف الزيارة.
وعن بعضهم بناء ذلك على أنه لو صرف الطواف بالنية إلى غرض آخر، هل يفسد؟ فيه خلاف سبق:
فإن قلنا يفسد، لم يعتد بهذا الطواف عن الإفاضة، ولا عن الوداع؛ إذ لا وداع مع إيجاب الرجوع عليه حتماً.
وإن قلنا: لا يفسد، فالأمر كما تقدم.
قال: فإذا فرغ من الطواف، فإن كان قد سعى مع طواف القدوم، لم يسع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم، لم يسع عقيبه؛ إذ كان قد سعى مع طواف القدوم.
وقد تقدم عن رواية مسلم عن جابر بن عبد الله قال: ولم يطف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً" [فلو سعى] قال الشيخ أبو محمد: فقد فعل مكروهاً.
قال الإمام؛ والأمر كما ذكر.
قال: وإن لم يكن قد سعى أتى بالسعي؛ لأنه من أركان الحج؛ كما سيأتي بيانه، [وشرطه - كما تقدم: أن يكون عقيب طواف، ولم يبق في الحج طواف آخر يأتي به] قبل تمام التحلل غيره؛ فتعين.
فلو لم يفعله، وأتى بالمناسك التي بمنى، قال الإمام؛ اعتد بها.
ومن هنا يظهر [لك] ما قاله الأصحاب: إن لآخر وقت السعي زمناً
معيناً؛ لأنه إذا جاز فعله عقيب طواف الزيارة، [وطواف الزيارة] لا آخر لوقته إلى آخر العمر، فكذلك [ما] يجوز فعله بعده، والسنة أن يفعل عقيب طواف القدوم.
ومما يشرع في هذا اليوم سنة بعد الطواف: الشرب من نبيذ سقاية العباس؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى السقاية؛ ليشرب منها، فقال له العباس: إنه نبيذ قد خاضت فيه الأيدي، ووقع فيه الذباب ولنا في البيت نبيذ صافٍ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هات" فشرب صلى الله عليه وسلم منه.
قال أبو الطيب: قال الشافعي- رضي الله عنه[ولم يكن] نبيذ سقاية العباس يسكر في جاهلية ولا إسلام، وإنما كان حلواً، وقد جاوز حَدَّ الحلاوة".
وإذ قد عرفت ما ذكره الشيخ من حين قوله: فإذا وصل إلى منى [إلى هنا]، عرفت أن المشروع إيقاعه في يوم النحر –كما ذكر- أربعة أشياء:
رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، وهو من [مناسك الحج].
ونحر الهدي بعده، وليس من مناسك الحج والعمرة بلا خلاف، وإنما هو قربة على حياله.
والحلق أو التقصير بعده، وهل هو من مناسك الحج والعمرة أو لا؟ فيه ما تقدم.
وطواف الزيارة بعد ذلك، وهو من مناسك الحج بلا خلاف.
وإيقاع ذلك على الترتيب الذي ذكره الشيخ مستحب، لا واجب بلا خلاف بين أصحابنا، إلا في الحلق –كما سنبينه- لقوله تعالى:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29]، يعني: الرمي، {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29]، يعني نحر الهدي، {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29].
ولأنه – عليه السلام فعلها كذلك.
فلو قدم الطواف على الرمي جاز، وكذا لو قدم النحر على الرمي، أو قدم الحلق على النحر جاز؛ لرواية مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [و] أتاه رجل يوم النحر، وهو واقف عند الجمرة، فقال: يا رسول الله، إني حلقت قبل أن أرمي؟ قال:"ارم ولا حرج"، [فأتاه آخر، فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: "ارم ولا حرج"][فأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم ولا حرج"] فما رأيته مثل يومئذ عن شيء إلا قال: "افعل ولا حرج".
وأخرج مسلم عن عبد الله المذكور، قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، [فطفق الناس يسألونه، فيقول القائل منهم: يا رسول الله، إني لم أكن أشعر أن الرمي قل النحر؛ فنحرت قبل الرمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ارم ولا حرج" قال:] فطفق آخر يقول: لم أشعر أن النحر قبل الحلق؛ فحلقت قبل أن أنحر، فيقول:"انحر ولا حرج"، قال: فما سمعته سُئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء ويجهل إلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افعلوا ولا حرج".
ولو قدم الحلق على الرمي والطواف، قال الأصحاب: فإن قلنا: إن الحلق نسك، جاز – أيضاً- ولا شيء عليه، وعليه يدل الحديث السابق.
وبه –أيضاً- يستدل على أن الحلق نسك.
وإن قلنا: إنه استباحة محظور، فعليه الفدية؛ لوقوع الحلق قبل التحلل؛ وهذا البناء هو الذي ذكره الجمهور.
وعلى ما ذكرناه يدل قول الشيخ من بعد: فإن قلنا: إن الحلق نسك حصل له التحلل الأول
…
إلى آخره.
وقد حكى ابن كج عن أبي إسحاق وابن القطان: أنهما قالا: يلزمه الفدية، وإن قلنا: إن الحلق نسك.
وحكى الماوردي وجهاً وعزاه إلى أكثر البصريين من أصحابنا: أنه لا فدية عليه، وإن قلنا: إنه ليس بنسك؛ للحديث.
وحينئذ فلك أن تقول: في لزوم الدم وجهان، سواء قلنا: إن الحلق نسك أم لا.
قال: فإن قلنا: إن الحلق نسك، حصل له التحلل الأول باثنين من ثلاثة، وهى: الحلق، والرمى، والطواف؛ لما روى أبو داود عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء إلا النساء".
وفي كتب الفقهاء: أنه قال: إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم الطيب واللباس، وكل شيء إلا النساء.
وقد حكي عن القاضي أبي حامد المرْوَرُّوذي أنه قال في جامعه: على قولنا: إن الحلق نسك، يحصل له التحلل بالرمي وحده؛ لأن الشافعي رضي الله عنه نص
في [المنسكين]"الأوسط" و"الصغير": أنه يتحلل بالرمي.
قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: وله وجه، وهو إذا قلنا: الحلق إطلاق محظور؛ فإنه إذا رمى جمرة العقبة، حصل له التحلل الأول، وقد بقي عليه سُنَّتان: الطواف، والسعي [؛ فكذلك إذا قلنا: الحلق نسك، يجب أن يحصل له [التحلل] بالرمي؛ لأنه يبقى عليه سنتان: الطواف] والحلق.
قلت: وهذا من القاضي قد يفهم تخصيص قول القاضي أبي حامد بما إذا كان قد سعى [مع طواف القدوم، أما إذا لم يكن قد معى] فلا؛ لأنه على هذا يكون قد بقى عليه أكثر مما أتى يه، وهو ثلاثة أشياء، وليس كذلك؛ لما ستعرفه.
وقد قال الإمام - تبعًا للقاضي الحسين، وتبعهما الغزالي: إن السعي مع الطواف في حق من لم يسع يعدان شيئاً واحداً.
ويأتي فى المسألة وجه آخر من قول الإصطخري الذي سنذكره: "إن دخول وقت الرمى كالرمي": أنه يحصل التحلل الأول - على قولنا: إن الحلق نسك - بالحلق أو الطواف.
وقد حكى الماوردي عنه أنه قال: إذا مضى بعد نصف الليل من ليلة النحر زمان حلق، ورمي، فقد حد إحلاله الأول، وإن لم يرم لأن لم يحلق.
وعن الداركي: أنا إذا جعلنا الحلق نسكًا، حصل له التحللان معًا بالحلق والطواف، [وبالرمي والطواف،] ولا يحصل بالحلق والرمي، [ولا أحدهما.
والفرق: أن الطواف ركن، فما انضم إليه يقوى به؛ بخلاف الرمي، والحلق].
وهذا نزاع فيما سبق: أن الحلق ركن على هذا القول.
وعن أبي إسحاق المروزي رواية وجه آخر عن بعض الأصحاب: [أنه يحصل] التحلل الأول على القول الذي عليه نفرع بالرمي وحده، وبالطواف وحده.
وما عدا ما قاله الشيخ - بعيد.
قال: وإن قلنا: إن الحلق ليس بنسك، حصل له التحلل الأول بواحد من اثنين: الرمي، والطواف، وحصل له التحلل الثاني بالثاني، لما تقدَّم.
وحكى القاضي أبو الطيب وغيره عن الإصطخري: أنه قال: دخول وقت الرمي - وإن لم يرمِ- قائم مقام الرمي في وقته.
وقال: إن هذا مذهب الشافعى - رضى الله عنه-؛ لأنه قال قى "الإملاء": "إذا دخل عليه وقت الرمي، فلم يرمِ حتى جَنَّه الليل، حصل له التحلل، وثبت الدم في ذمته"؛ ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "رإذا رميتم، وحلقتم، فقد حلَّ لكم كل شيء إلَاّ النساء".
ولا يجوز أن يكون [المراد] بذلك فعل الرمي؛ لأنَّا أجمعنا على أنه إذا لم يرم حتى ذهب وقت الرمي، حصل له التحلل؛ فدلَّ على أنه [بحصول الوقت]، لا بالفعل.
قال: ولأن الحج والصوم عبادتان متشابهتان من جهة إيجاب الكفارة بإفسادهما، ولو دخل وقت الفطر، ولم يفطر، حكمنا بخروجه من الصوم؛ فكذلك هنا.
وقد حكى القاضي الحسين عن الإصطخري: أنه قال: إذا ترك جمرة العقبة حنى فات وقتها، فقد تحلل التحلل الأول.
فإن قلت: هل يحمل ما أطلقه أبو الطيب وغيره عنه على هذا؟
قلت: لا؛ لأن في "المهذب" و"الحاوي": أن الإصطخري قال: إذا دخل وقت الرمي، حصل له التحلل الأول وإن لم يرم؛ كما إذا فات وقت الرمي، حصل له التحلل [الأول] وإن لم يرم.
والذي قاله أبو إسحاق وعامة الأصحاب - وهو المذهب فى "المهذب": إنه لا يحصل له التحلل حتى يرمي؛ للخبر؛ فإن ظاهره: أن من لم يفعل ذلك لا يحصل له التحلل.
وبالقياس على الطواف.
قال أبو الطيب: وأما الجواب عن قول الشافعي رضي الله عنه – فهو أن التحلل حصل له بثبوت الدم في ذمته، والدم يقوم مقام الفعل.
قلت: على أن الإمام قد حكى فيما إذا فات [الرمي] على ما نصف فواته- ولم نثبت قضاءه أو أثبتناه، وانتفي بانقضاء أيام التشريق؛ أن الأصحاب اختلفوا في [أن] التحلل هل [يتوقف على الإتيان ببدل الرمي؟
فمنهم من قال: لا يتوقف.
ومنهم من قال:] يتوقف على البدل توقفه على المبدل.
ومنهم من فصل بين أن يكون البدل دمًا؛ فيتوقف عليه، وبين أن يكون صومًا؛ فلا يتوقف عليه؛ لطول الزمان؛ وعلى هذا والذي قبله تتتفي دعوى الإجماع.
وأمَّا الفرق بينه وبين الصوم فظاهر؛ لأنه هاهنا مأمور بأن يخرج منه بفعل، ولم يوجد؛ بخلاف الصوم؛ فإنه غير مأمور بالخروج منه بالفعل.
وعن الشيخ أبي حامد: أنه [قال]: ليس في الحج إلا تحلل واحد، أي: وهو يحصل بالرمي وحده؛ كما يفهمه كلامه.
قال: وقولنا: "فيه تحللان" مجاز، فإذا رمى جمرة العقبة، فقد زال إحرامه، ويبقى حكمه؛ فلا يجوز له الوطء حتى يطوف؛ كما قلنا في الحائض إذا انقطع دمها، زال حيضها، وييقى حكمه في المنع من الوطء حتى تغتسل.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا غلط؛ لأن أركان الحج أربعة: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي؛ فلا يجوز أن يقال [لمن رمى] جمرة العقبة: قد زال إحرامه، ونصف الأركان بعدُ باقٍ عليه.
وقوله: "المنع من الوطء؛ لبقاء حكم الإحرام" خطأ؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب مثله بعد الطواف؛ لأن الميت بمنى ورمي الجمار باقيان عليه، وهما من حكم
الإحرام، ولما أجمعنا على جواز الوطء بعد الطواف؛ دلَّ على أن المنع منه قبل الطواف إنما كان لبقاء الإحرام نفسه دون حكمه.
واعلم أن القاضي أبا الطيب قال في كتاب النذور: إن قلنا إن الحلاق نسك، كان التحلل التام بأربعة أشياء: الرمي، والطواف، والسعي- إن لم يكن سعي- والحلاق.
وإن قلنا: إنه استباحة محظور، فهو يحمل بثلاثة أشياء: الرمي، والطواف، والسعي؛ إن لم يكن [قد] سعى.
[وأما التحلل الأول: فإن قلنا: إن الحلق نسك، حصل بفعل شيئين من أربعة، وهي: الرمي، والطواف، والسعي- إن لم يكن قد سعى - والجلاق، فمتى فعل شيئين من هذه الأربعة، حصل [التحلل الأول]]، [والحلاق] إن قلنا: إنه استباحة محظور حصل [التحلل الأول] بفعل شيء واحد من ثلاثة أشياء، وهي: الرمي، والطواف، والسعي، فمتى فعل واحداً من [هذه] الثلاثة؛ فقد حصل له التحلل.
وهذا منه فيه نظر؛ لما تقدم: أنه لا يعتد بسعي لم يتقدمه طواف؛ فكيف تقول: إنه متى فعل واحداً من الثلاثة حصل التحلل؟ فإن قلت: قد دلَّ الخبر على جواز السعي قبل الطواف.
روى أبو داود عن أسامة بن شريك قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجَّا، فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف؟ أو قدمت شيئاً وأخَّرت شيئاً؟ فكان يقول:"لا حرج، لا حرج إلا على رجل افترض عرض رجل مسلم، وهو ظالم، فذاك الذي حرِج وهلك"؛ فيجوز أن يكون هذا الحديث مستند القاضي فيما ذكره.
قلت: قد ادعى هو الإجماع على أنه لا يجوز تقديم السعي على الطواف، وأجاب عن الخبر بأنه غير ثابت، ولو ثبت، لحملناه على أن النبي كان قد علم من السائل: أنه سعى بعد طواف الورود، والسعي من شرطه أن يتقدمه طواف، وسواء فيه طواف الإفاضة وغيره، إلا طواف الوداع كما تقدم؛ لأنه لا يتصور - فأجابه [على ما] علم من أمره. نعم: يمكن أن يصحَّ كلامه؛ أخذاً من جوابه عن الخبر بأن يقول: هذا ذكره في حق من طاف للقدوم، وفرّ على أنه لا يشترط أيضاً إيقاع السعي عقيب الطواف، وأنه يجوز التراخي عنه وإن فصل بينهما الوقوف؛ على ما تقدم ذكره؛ وحينئذ يستقيم ما قاله من غير إشكال.
قال: وفيما يحل بالتحلل الأول والثاني قولان:
أصحهما: أنه يحل بالأول ما سوى الماء - أي: وطء النساء – [للخبر،] وبالثاني: يحل النساء؛ للإجماع، لكن المستحب ألا يطأ حتى يرمي أيام التشريق؛ كذا قاله الجمهور.
وفي "الحاوي": أن [مباشرة النساء] فيما دون الفرج كالوطء في الفرج.
والقول الثاني: يحل بالأول لبس المخيط، [أي:] وما في معناه، وهو ستر الرأس للرجل، والوجه للمرأة؛ كما قاله أبو الطيب.
وغيره قال: والحلق؛ أي: إذا لم يجعل نسكاً - كما قال الرافعي – وتقليم الأظفار.
وبالثاني: يحل الباقي، أي: وهو الجماع في الفرج، وما حرِّم لأجله: كعقد النكاح، والوطء فيما دون الفرج، واللمس بشهوة، والاستمناء، والطيب، وقتل الصيد.
ووجه عدم استباحة ذلك بالتحلل الأول.
أما الوطء في الفرج وعقد النكاح ونحوه؛ فللخبر.
وأما دواعي النكاح، فقد ثبت أن الوطء لا يباع بالأول، فكذلك ما يدعو إليه.
وأما الصيد؛ فلقوله تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95]، وقبل التحلل الثاني هو من جملة المحرمين.
ولأن قل الصيد آكد من الجماع؛ بدليل أنه محرم في الحرم [على كل أحد] ولا يحرم الجماع إلا على من كان محرماً، فإذا لم نستبح الجماع بالتحلل الأول، فأولى ألا يستباح به الصيد؛ لتأكده.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "إذا رميتم الجمرة، فقد حلَّ لكم كل شيء إلا الماء، والطيب"، [والصيد]؛ وهذا القول نص عليه في الجديد، [كما قال أبو الطيب مع القول][الأول، [فيما عدا الطيب][فإن المنصوص فيه في الجديد الأول لا غير] ومقابله فيه نص عليه في القديم.
وأنكر بعض الأصحاب أن يكون قولاً للشافعي، قال: وإنما حكاه عن غيره، بل يستحب أن يتطيب لحله؛ لقول عائشة:"طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين قبل أن يطوف البيت"؛ كما أخرجه البخاري ومسلم، وأرادت: الحل الثاني؛ لأن التطيب قبل الحل الأول محظور.
وقال في "الشامل": إن القول الثاني في الصور كلها هو القديم، والأول هو الجديد.
وقد وافق الشيخ على تصحيحه هنا، وفي "المهذب" في الصيد غيره وفيما عداه جماعة، منهم الماوردي، وخالفهم جماعة فيه، ومنهم: البغوي، والمسعودي.
قال الرافعي: وهم أكثر عدداً، وقالوا: الصحيح الثاني.
قال الرافعي: وقولهم أوفق لظاهر النص في "المختصر".
فائدة: [قال الأصحاب:] إنما كان للحج تحللان، وللعمرة تحلل واحد؛ لأن الحج يطول زمانه، وتكثر أعماله؛ فأبيح بعض محظوراته دفعة واحدة، وباقيها أحرى؛ بخلاف العمرة.
وهذا كالحيض والجنابة، لما طال زمان الحيض، جُعِلَ لارتفاع محظوراته تحللان: انقطاع الدم، والاغتسال، والجنابة لما قصر زمانها، جعل لارتفاع محظوراتها تحلل واحد.
قال: ثم يعود بعد الطواف، أي: يوم النحر- إلى منى اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كذا فعل.
قال: ويرمي] في أيام التشريق في كل يوم الجمرات الثلاث؛ لنقل الخلف عن السلف: كل جمرة سبع حصيات - كما وصفنا - لما روى أبو داود عن عائشة قالت: "أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس: كل جمرة بسبع حصيات، بجد مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام، ويتضرع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها".
وأيام التشريق: هي الأيام المعدودات، وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، سميت بذلك؛ لإشراق نهارها بنور الشمس، ولياليها بنور القمر.
[وقيل: لأن الناس يشرقون فيها اللحم في الشمس] واليوم الأول منها يسمى: يوم القر؛ لأن أهل الموسم يوم التروية ويوم عرفة ويوم الحر [في تعب من الحج، فإذا كان الغد من يوم النحر،] قروا بمنى فلهذا سمي: يوم القر.
ويسمى اليوم الثاني منها: يوم النفر الأول؛ لأن للحاج أن [ينفر] فيه من منى.
ويسمى - أيضاً-: يوم الرءوس؛ لأن الحاج يأكل فيه رءوس الهدي والأضاحي.
ويسمى اليوم الثالث منها: يوم الخلاء؛ لأن منى تخلو فيه من أهلها.
وقد اقتضى كلام الشيخ استحباب الرمي في أيام التشريق كلها وهو راكب؛ لأنه من جملة ما وصف به رمى جمرة العقبة.
والمذكور في "الشامل" و"التهذيب"، وغيرهما؛ حكاية عن نصه في "الإملاء": أنه يستحب رمي الجمرات في اليوم الأول منها والثاتي ماشياً، وفي اليوم الثالث راكباً؛ لأنه يسير بعده، بخلاف رمي اليومين [الأولين]؛ فإنه يقيم بمنى بعده؛ كذا وجهه الأصحاب.
ومقتضاه: استحباب الرمي في اليوم الثاني لمن يريد النفر الأول راكباً.
وفي "التتمة": أن الصحيح ترك الركوب في الأيام الثلاثة، وكأنه - والله أعلم - تمسك بما رواه أبو داود عن ابن عمر أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة [بعد] يوم النحر ماشياً ذاهباً وراجعاً، ويخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
ولكن في إسناد هذا الخبر عبد الله بن عمر بن حفص العمري، وفيه مقال وإن كان مسلم قد خرج له مقروناً بأخيه عبيد الله.
قال: فيرمي الجمرة الأولى – أي: من ناحية المزدلفة، وهي التي تلي مسجد الخيف - ويقف قدر سورة البقرة، ويدعو الله تعالى، ثم يرمي الجمرة الوسطى، ليقف ويدعو كما ذكرنا، ثم يرمي الجمرة الثالثة - وهي جمرة العقبة- ولا يقف عندها؛ للخبر السابق، ولما سنذكره.
وهل الموالاة بين الرمي شرط حتى لو طوّل الفصل يبهما بأكثر مما ذكرناه لا يعتد به أو لا؟ فيه قولان في "التتمة":
قال الأصحاب; ويستحب في حال رميه الجمرة الأولى: أن يجعلها على يساره؛ ليكون مستقبل القبلة، ويقف بعد أن يتنحى عنها؛ بحيث لا تناله الحصاة.
وفي حال رمي الجمرة الوسطى، يجعلها على يمينه، ويستقبل القبلة، ويتنحى عنها قليلاً؛ لما ذكرناه؛ لأنه روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يرمي الجمرة الدنيا سبع حصيات، يكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم، فيستهل، فيقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً، ويدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك، فيأخذ ذات الشمال، فيستهل، ويقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً، يدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ويقول:"هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل" أخرجه البخاري.
والمعنى فى كونه لا يقف عند جمرة العقبة، ويقف عند غيرها: أنَّ ما يليها ضيق، فإذا وقف فيه تأذى الناس بوقوفه، وما يلي غيرها واسع.
وقد رأيت في "تعليق القاضي أبي الطيب والحسين": أنه يجعل جمرة العقبة - أيضاً- على يمينه، ويستقبل القبلة.
تنبيه: مسجد الخيف: بفتح الخاء المعجمة، وهو مسجد عظيم بمنى، واسع جداً، فيه عشرون باباً، قد أوضحه الأزرقى، وبسط القول فى فضله، وبيان مساحته، وما يتعلق به، ودرك مقاصده.
قال أهل اللغة: الخيف: ما انحدر عن غلظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء، وبه سمي مسجد الخيف.
قال: ومن عجز عن الرمي، استناب من يرمي عنه؛ خشية من فواته؛ لضيق وقته.
وقد روي [عن] جابر أنه قال: "كُنَّا إذا حججنا من النبي صلى الله علي هوسلم، نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان"، وهذا يدل على دخول النيابة فيه، والعجز تارة يكون بالحبس ظلماً؛ كما نقله البندنيجي عن نصه في "الإملاء"، وتارة بالمرض، ولا فرق [فيه] بين أن يكون مرجو الزوال أو لا؛ لما ذكرناه من العلة، وبها خالفت الاستنابة في الحج، حيث لا تجوز إلا في مرض [لا] يرجى برؤه، كذا قاله القاضي أبو الطيب، والحسين، وابن الصباغ، وغيرهم.
نعم: يشترط ألا يرجى زواله، ووقت الرمي باق؛ كما صرح به الإمام والغزالي.
قال: ويكبر هو؛ لقدرته على ذلك.
قال الشافعي: "واستحب أن يأخذ الحصى بيده، ثم يجعله في كف المستناب؛ ليكون له في الرمي صنع".
قال القاضي أبو الطيب وغيره: وهذا في حق من قدر على الحضور معه، فأما من لا يقدر على الحضور، فالذي يُكّبر الرامي.
ولو زال عجز المستنيب ووقت الرمي باق فهل يحتسب له بما رماه النائب؟
فيه قولان حكاهما في "النهاية"، و"التهذيب"؛ كما لو استناب من حج عنه لمرض ظن أنه ميئوس منه، ثم برئ.
واختار في "المرشد" الاحتساب، وهو الذي ذكره البندنيجي، والماوردي، وابن الصباغ والقاضي الحسين.
وعلى هذا يستحب له الإعادة؛ للخروج من الخلاف.
ولا فرق فى إجزاء رمى النائب عن المستنيب العاجز بين أن يكون النائب قد رمى عن نفسه أو لا؛ كما قاله ابن يونس.
لكن الذي حكاه البندنيجي عن نصه في "الإملاء": أنه يشترط أن يكون النائب قد رمى عن نفسه، [فإن لم يكن قد رمى عن نفسه،] ورمى عن غيره، وقع عن نفسه؛ كما في أصل الحج، وهو ما أورده الرافعي.
وفي "الحاوي" حكاية وجهين، وعلل الأول بأن حكم الرمي أخف من سائر أركان الحج؛ فجاز أن يفعله عن الغير قبل فعله عن نفسه.
وكذا لا فرق بين أن يكون المستنيب مفيقاً عند الرمي، أو مغمى عليه؛ لأن استنابته لا تبطل به؛ كما لا تبطل بموته، ولا يبطل بموت المعضوب إذنه لمن يحج عنه؛ وهذا بخلاف الإذن فى سائر العقود؛ لأنه واجب عليه.
وقال الإمام بعد حكاية ذلك عن العراقيين: إنه محتمل جدًّا، ولا يمتنع خلافه؛ ولأجل ذلك قال الرافعي: إن أصح الوجهين: أنه لا يبطل إذنه في الرمي عنه بالإغماء.
ولا يجوز الرمي عن العاجز عن الرمي بغير إذنه - وإن كان مغمى عليه - إلا إذا كان صبيًّا؛ فإن وليه يفعل في أمره ما تقدم.
قال: ولا يجوز الرمي إلا بالحجر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم حين وضع الجمار في يده: "بأمثال هؤلاء فارموا"؛ فعلم أن ما لم يكن مثلاً لتلك لا يجزئ؛ لأن المتبع فيما لا يعقل معناه ما
ورد، ومثل الحجر حجر، وليس غير الحجر مثلاً له.
ولا فرق في الحجر بين أن يكون رخواً، أو صلباً: كالكَذَّان، والبرام، والصوان، وكذا الرمر - كما قال الرافعي -: وحجر النورة قبل أن يطبخ، ويصير نورة.
وهل يجوز بالحجر الذي يُتخذ فصوصاً: كالفيروزج، والياقوت، والعقيق، والزمرد؟ فيه وجهان:
أصحهما في الرافعي، وهو المذكور في "تعليق القاضي الحسين، والبندنيجي" منهما: الجواز.
وقال الإمام: الظاهر أنه لا يجزئ الرمي بها.
وللشيخ أبي محمد تردد في حجر الحديد.
قال الرافعي: والظاهر إجزاؤه؛ لأنه حجرٌ في الحال إلا أن فيه حديداً كامناً يستخرج بالعلاج.
وقد صلح [الشيخ] بعدم إجزاء الرمي بغير الحجر، ويندرج فيه الذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، [والحديد، والقزدير،] وكذا الآجر، والمدر، والنورة، والكحل، والزرنيخ، والملح، وهو الذي [ذكره] غيره.
قال: والأولى أن يكون بحصى الخذف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا رميتم الجمرة، فارموا بمثل حصى الخذف"، أخرجه أبو داود.
[و] لأنه الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رواه مسلم عن جابر.
فلو رمى بأكبر منه، أو أصغر، كره، وأجزأه؛ لأنه – عليه السلام – قال: "بمثل هؤلاء [فارموا]، وإياكم والغلو؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في
الدين".
تنبيه: الخذف – بفتح الخاء وإسكان الذال المعجمتين -: معروف.
والحصى المشار إليه قيل: إنه يكون دون الأنملة طولاً وعرضاً بقدر الباقلاء؛ قاله الماوردي والقاضي الحسين، وحكاه ابن الصباغ عن الشافعي، رضي الله عنه.
ومنهم من قال: كقدر النواة ويقال: حذف الحصى؛ إذا تركها على رأس [أنملة] سبابته، ووضع إبهامه عليها، وخذف بالعصا إذا رمى بها.
قال الرافعي: ويرمي الحصاة على هيئة الخذف؛ فيضعها على بطن [الإبهام].
وقال في "الروضة": وهذا وجه ضعيف والصحيح أنه يرميه على غير هيئة الخذف.
قال: ولا يجوز رمي الجمار إلا مرتباً، أي: يبدا بالأولى، ثم بالوسطى، ثم بجمرة العقبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"خذوا عني مناسككم".
ولأن ما لا يعقل معناه المعتمد فيه على ما ورد، ولم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده الرمي إلا هكذا وهو إلى هلم جرّا.
ولأنه نسك يتكرر، فوجب أن يكون الترتيب شرطاً فيه؛ كالسعي.
فعلى هذا لو ابتدأ بجمرة العقبة، ثم بالوسطى، ثم بالأولى؛ أو بالوسطى، ثم بالأولى، ثم بجمرة العقبة أعاد الثانية والثالثة.
[ولو نسي حصاة من جمرة لا يعرف عينها، جعلها من الأولى، وأتى بالثانية والثالثة] ليخرج عن الواجب بيقين؛ نص عليه؛ كما قاله القاضي الحسين.
وغيره ذكر الحكم، ولم ينسبه للنص
ولا فرق في ذلك بين أن يوقع الرمي أداء أو قضاء في بقية الأيام، كما قال الإمام؛ وهذا مما لا خلاف فيه.
قال: ولا يجوز إلا بعد الزوال، أي: لا يجوز الرمي في كل يوم من أيام
التشريق إلا بعد الزوال، لما روي عن جابر بن عبد الله قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك، فبعد زوال الشمس" أخرجه مسلم.
وعن وبرة وهو ابن خزيمة بن عبد الرحمن – قال: سألت ابن عمر متى أرمي الجمار؟ قال: "إذا رمى إمامك فارمِ، فأعدت عليه المسألة، قال: "كنا نتحين زوال الشمس، فإذا زالت رمينا"، أخرجه البخاري.
فلو رمى قبل الزوال، كان كما لو لم يرم.
وقد استحب الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم": أن يكون رميه عقيب الزوال قبل الصلاة؛ لأن عائشة – رضي الله عنها – قالت: "رمى رسول الله صلى الله عيه وسلم حين زالت الشمس".
لكن الخبر – أيضاً –يدل على أنه لا يغتسل للرمي بعد الزوال، وقد قال الأصحاب: إنه يستحب له الاغتسال بعد الزوال، كما تقدم في باب الغسل المسنون.
أما رمي جمرة العقبة، فقد تقدم: أن الأفضل رميها بعد طلوع الشمس إلى الزوال.
قال: وإن ترك الرمي، أي: المختص بأيام التشريق – عامداً أو ساهياً حتى مضت أيام التشريق، لزمه دم؛ لأنه ترك نسكاً؛ قال- عليه السلام –" من ترك سكاً فعليه دم".
وقيل يلزمه ثلاث دماء؛ لما ستعرفه.
ولو ترك الرمي ناسياً حتى نفر في اليوم الثاني من أيام التشريق قبل الغروب، قال القاضي أبو الطيب: فإذا تذكر، استحب له أن يرجع، فيرمي؛ لأن وقت الرمي باقٍ، ولا
يجب عليه ذلك سواء رجع فرمي أو لم يرجع؛ فإن الدم ثابت في ذمته؛ لأن الخروج من الحج بمنزلة خروج [الوقت]، وقد ثبت أنه يجب عليه الدم إذا أخلَّ بالرمي حتى خرج الوقت؛ فكذلك إذا خرج من الحج.
[و] الدليل على أنهما بمثابة واحدة: [أن الحاج] لا يجوز له أن يعتمر في أيام منى؛ لبقاء وقت الرمي، فلو تعجل في اليوم الثاني، فنفر، جاز له أن يعتمر وإن كان وقت الرمي باقياً؛ لأنه بالنفر خرج من الحج، وصار ذلك بمثابة تقضي وقت الرمي.
وقال القاضي الحسين: إن عاد بعدما نفر [قبل الغروب]، بعد الغروب – فالحكم كذلك.
وإن عاد قبل الغروب، فوجهان:
أحدهما: لا يرمي لما ذكرناه؛ وعلى هذا لا يلزمه المبيت بمنى إذا غربت الشمس، وه وبمنى.
والثاني: [يرمي] ويجزئه؛ لأن الرمي يحصل في وقته؛ فأشبه ما لو نفر يوم الأضحى، أو يوم القَرّ، ثم عاد، ورمى قبل غروب الشمس؛ وهذا ما صححه الرافعي.
وعلى هذا هل يجب عليه العود والرمي قبل الغروب، أو الجبر؟ فيه وجهان:
ويرجع حاصل ذلك عند الاختصار إلى ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا ينفعه العود.
والثاني: يجب عليه أن يعود ويرمي ما لم تغرب الشمس، فإذا غربت تعين الدم.
والثالث: أنه بالخيار إن أراد الرجوع والرمي وفعل أجزأه، وألا فلا يجب عليه الرجوع، ويجب الدم.
وقد حكاها الإمام عن رواية صاحب "التقريب" أقوالاً، وأنها تجري فيما إذا نفر في اليوم الثالث قبل الغروب، ثم عاد، ورمي قبل الغروب فيه، وأنه ذكر قولاً رابعاً عن ابن سريج: أن ذلك لا ينفعه بعد نفره في اليوم الثاني، وينفعه بعد نفره في اليوم الثالث.
والفرق: أن الخروج في النفر الثاني لا حكم له؛ فإنه منتهى الوقت نفر أو لم ينفر؛ فكان خروجه وعدم خروجه بمثابة [واحدة][بخلاف] الخروج في النفر الأول؛ [فإن له] حكماً؛ فإنه لو لم يخرج منه، بقي إلى اليوم الثالث؛ فأثر خروجه في قطع علائق منى وإذا انقطعت العلائق، لم يعد.
ولا خلاف في أنه إذا أخَّر الرمي حتى مضت أيام منى: أنه لا يقضي الرمي بعدها؛ كما قال الماوردي، والقاضي الحسين وغيرهما.
قال القاضي الحسين: لأن الرمي تابع للوقوف؛ بدليل أن العمرة لما لم يكن لها وقوف، لم يكن لها رمي، ومن فاته الوقوف بعرفة، سقط عنه الرمي، ثم للوقوف وقت يفوت فيه، كذلك ما كان تابعاً له.
وقال الإمام: لأن الغالب في الرمي التعبد، فكما لا يعدل عن الجنس المرمي به إلى غيره؛ فكذلك يجب ألا يعدل عن الوقت.
نعم: لو ترك رمي اليوم الأول، فهل يأتي به في اليوم الثاني؟ أو [ترك] رمي اليوم الأول والثاني، فهل يأتي به في اليوم الثالث أداء؟ فيه قولان مأخذهما: أن أيام منى هل تجعل كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي؛ كما جعلت في جواز الأضحية كاليوم الواحد أم لا؟ لأن الرمي فيها مؤقت، ولوجعلت كاليوم الواحد، لجاز رمي جميعها في اليوم الأول، وهو لا يجوز إجماعا، كما قال الماوردي؟
فالقديم، والجديد، وأحد قوليه في "الإملاء": الأول، وهو الصحيح، واختيار الشافعي – رضي الله عنه كما قال البندنيجي؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّصَ لرعاة الإبل وأهل سقاية العباس: أن يدَعوا رمي اليوم الأول، ويقضوه في اليوم الثاني؛
فعلم أن حكم جميعها واحد، وأنها زمان الرمي؛ فعلى هذا يأتي بما فاته في اليوم الأول في الثاني، [وبما فاته في اليوم الأول والثاني في الثالث، ويبدأ برمي اليوم الأول قبل الثاني،] وكذا بالثاني قبل الثالثن فلو عكس ورمى عن اليوم الثاني قبل الأول، فوجهان:
أحدهما: لا يجزئه عن واحد منهما: أما عن الأول؛ فلأنه لم ينُوه، وأما عن الثاني، فلترك الترتيب؛ كما لو [بدأ بجمرة] العقبة، أو الوسطى قبل الأولى؛ فإنه لا يجزئه قولاً واحداً كما تقدم.
قال البندنيجي: وليس بشيء، والمذهب الثاني، وكذا قال القاضي الحسين أيضاً.
وقال غيرهما: إنه الأصح، وهو أنه يقع عن الأول؛ لأنه فرض يجب تقديمه، فإن نوى غيره، وقع عن الأول؛ كما لو نوى بالطواف الوداع وعليه طواف الزيارة.
قال ابن الصباغ: ويجوز له أن يرمي جمرات اليوم الأول بعد غروب الشمس منه إلى [أن] تزول الشمس في اليوم الثاني.
وقال ابن الصلاح: إن ذلك هو الأصح.
والقول الثاني – وهو أحد قوليه في "الإملاء": أنه [لا يأتي به] أداء، بل يكون لكل يوم حكم نفسه، يفوت الرمي فيه بغروب الشمس منه؛ قاله الماوردي، والبندنيجي، وابن الصباغ، وادعى الرافعي، [وإمام الحرمين]: أنه الأصح.
وقيل: إنه لا يفوت إلا بطلوع فجر [اليوم] بعده إلا في اليوم الثالث من أيام التشريق؛ فإنه يفوت بغروب شمسه بلا خلاف، وهذا مذكور في "تعليق القاضي الحسين" احتمالاً، وقال العجلي: إنه الأصح.
وعلى هذا القول هل يأتي بما فاته في اليوم الأول في الثاني؟ أو بما فاته [في اليوم الأول] والثاني في الثالث قضاء أو لا؟ فيه قولان"
فإن قلنا: لا، لزمه لترك الرمي في اليوم الأول أو الثاني دمٌ [كامل، ولترك الرمي فيهما دمان،]، ولترك الرمي في الأيام الثلاثة ثلاثة دماء؛ وهذا ما أشرت إليه من قبل.
قال القاضي الحسين: وليس له أن يقول: كان لي ترك الرمي يوم النفر الثاني؛ فلا يلزمني إلا دمان؛ لأن هذا إنما كان له إذا أتى برمي يومين؛ كما لو ترك الصلاة في السفر، ثم قال: أنا أقضيها قصراً، ليس له ذلك.
وكلام الإمام مشير إلى أن محل التزامه ثلاثة دماء إذا لم ينفر في اليوم الثاني قبل الغروب منه، والله أعلم.
وقد اختصر في "المهذب"، و"البندنيجي"، و"القاضي أبو الطيب"، و"الحسين" – ما ذكرناه، وقالوا: إذا قلنا: إن رمي كل يوم مؤقت بوقته، وفات ولم يرم – ففيه ثلاثة أقوال مذكورة في الإملاء.
وقال ابن الصباغ: إنها احتمالات [ثلاثة مذكورة] فيه، وذلك متقارب:
أحدها: أن الرمي يسقط، وينتقل إلى الدم، وهو الذي صححه القاضي الحسين.
والثاني: أنه يرمي [ويريق] دماً؛ للتأخير؛ كما لو أخَّر رمضان حتى أدركه رمضان آخر.
وقال الرافعي: إن هذا ينسب إلى تخريج ابن سريج.
والثالث: يرمي، ولا شيء عليه؛ كما لو ترك الوقوف بالنهار؛ فإنه يقف بالليل، ولا دم عليه.
وسلك بعض المراوزة طريقاً آخر، فقالوا: إذا فاته رمي اليوم [الأول] سهواً أو عمداً، فهل يتداركه، ويأتي به في اليومين بعده؟ أو إذا فاته رمي اليوم الثاني، فهل يأتي به في اليوم الثالث؟
فيه قولان:
قال الرافعي: فإن قلنا: لا، فهل يأتي برمي اليوم الأول في ليلة اليوم الثاني، وكذا يرمي اليوم الثاني في ليلة الثالث؟ فيه وجهان، وهما مفرعان على الصحيح في أن وقت الرمي في كل يوم لا يمتد إلى طلوع فجر من اليوم الذي يليه ولم أرهما في "النهاية" كذلك في هذا الموضع، بل هما محكيان في غير هذا المحل؛ كما سنذكره.
فإن قلنا: [لا تَدَارُك، تعيّن الدم، وما هو الدم؟ فيه ما سبق.
وإن قلنا: بالتدارك، وجب حتماً ولا يجوز الانتقال إلى الدم مع إمكانه.
ولكن المأتي به تداركاً يكون قضاء أو أداء تأخر عن وقت الاختيار؟ فيه قولان، ويقال: وجهان:
فإن قلنا: قضاء، [جاز] فعل ما فات [في] اليوم الأول في اليوم الثاني، وما فاته في اليوم الثاني في اليوم الثالث قبل الزوال؛ لأن القضاء لا يتأقت.
وقيل: إنه لا يجوز.
قال الإمام: فإن القضاء قد يتأقَّت بعض التأقيت، وما قبل الزوال لم يشرع فيه رمي: لا قضاءً، ولا أداءً؛ فكانت تلك الساعات بمثابة ساعات الليل في تصوير الصوم.
قال: والوجهان يجريان في تدارك الدم ليلاً إذا جرينا على الأصح في أن الوقت
لا ينبسط على الليلة؛ وهذا [هو] المحل الذي أشرتُ إليه من قبل.
وهل يجب تقديم القضاء على الأداء بالزمان؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب؛ كما في الأداء.
والثاني: لا؛ كما في قضاء الصلاة؛ كذا قاله في "الوسيط"، وهو صريح في أن الوجهين مفرعان على القول بأن ما يأتي به تداركاً، يكون قضاءً.
وكذا حكاهما الإمام، وقال:"إن الأظهر الثاني".
وفي الرافعي: أنهما عند الأئمة مبنيّان على أن ما يفعل تداركاً قضاءً أو أداءً.
إن قلنا: أداء اعتبرنا الترتيب.
وإن قلنا: قضاء، فلا ترتيب؛ كترتيب قضاء الصلوات الفائتة.
وكأنه – والله أعلم – أخذ ذلك من قول الإمام وقد ذكر صاحب "التقريب" وغيره: أن القول باستحقاق الترتيب يدنو من قولنا: إن المتدارك قضاء أو أداء؟ فإن قلنا: قضاء، بَعُدَ استحقاق الترتيب؛ كما ذكرنا في الصلاة [المقضية] والمؤداة.
ثم إن اعتبرنا الترتيب، فرمى [إلى] الجمرة الأولى أربع عشرة حصاة: ثم كذلك إلى الثانية، ثم كذلك إلى الثالثة لم يحتسب من رمي اليوم حصاة ما بقي عليه من رمي أمس حصاة.
ولو رمى إلى الجمرات كلها عن يومه قبل أن يرمي عن أمسه، فهل يصح أم لا؟ فيه وجهان:
أصحهما: الصحة، ويقع عن القضاء، وهما كالوجهين فيما إذا فاته رمي اليوم الأول والثاني، وقلنا: إن أيام التشريق كلها محل للرمي، فرمي في اليوم الثالث [عن اليوم الثاني] قبل أن يرمي عن اليوم الأول.
قال الرافعي: وقد زاد الإمام هنا، فقال: لو صرف الرمي عن قصده إلى غير النسك – كما لو رمى إلى شخص أو دابة في الجمرة – ففي انصرافه عن النسك الخلاف المذكور في الطواف.
قلت: وهذا بناء على اعتقاده: أن الرمي لا يفتقر إلى النية؛ اكتفاء بالنية الشاملة.
أما إذا قلنا باشتراطها – كما سبق- فلا يتأتى الخلاف، بل الجزم بعدم الإجزاء.
وهذا كله تفريع على أن المأتيَّ به تداركاً يكون قضاء، فإن قلنا: يكون أداءً فجملة أيام منى في حكم الوقت الواحد، وكل يوم للقدر المأمور به فيه وقت اختيار، كأوقات الاختيار للصلوات؛ كذا قاله الرافعي، وإليه وقت الإشارة من قبل.
وقال الإمام عن الأئمة: إنهم قالوا: لا يمتنع على هذا تقديم رمي يوم [إلى يوم].
وقال الرافعي: إنه يجوز أن يقال: إن وقته يتسع من جهة الآخر، دون الأول؛ فلا يجوز التقديم.
قال في "الروضة": وهو الصواب، وبه قطع الجمهور تصريحاً ومفهوماً.
قلت: ويؤيده دعوى الماوردي الإجماع على أنه لا يجوز رمي جميعها في اليوم الأول؛ فلأنه لو جاز تقديم رمي اليوم الثاني في اليوم الأول، لجاز الثالث [أيضاً، بل أولى؛ لأنه يسقط بالنفر [قبل] الغروب في اليوم الثاني.
وقد قال الإمام] بعد ذلك تفريعاً على جواز التقديم: إن مما أجراه صاحب التقريب رمزاً في أثناء كلامه أن قال: إذا جعلنا المستدرك من الرمي مقاماً في وقته أداءً، وقلنا بحسب ذلك، يجوز التقديم ويجزئ [فيلزم من] ذلك جواز التأخير – أيضاً – حتى لا ينسب المؤخر من غير علة إلى مأثم.
وهذا بعيد؛ فإن جواز ذلك مما خص به أهل السقاية، ورعاة الإبل، فإن كان يلزم ما قاله قياساً، فالوجه أن يستدل بهذا على فساد المصير إلى أن الرمي المقام بعد انقضاء وقته مؤدى.
قال الرافعي: وعلى قولنا: إن ما [يحصل به الاستدراك] أداء – كما عليه نفرع – يجوز تقديم رمي يوم التدارك على الزوال.
وقال الإمام في جوازه قبل الزوال والليل من التفصيل ما ذكرناه فيما إذا قلنا: إن التدارك يكون قضاء؛ فيجري الخلاف على بعد.
والوجه، القطع بالمنع؛ فإن تعيين الأوقات بحكم الأداء أليق.
أما لو ترك رمي يوم النحر حتى دخلت أيام التشريق، فهل يأتي به في أيام التشريق، [ويكون حكهم حكم رمي اليوم الأول من أيام التشريق] إذا فاته فيما ذكرناه؟ فيه طريقان:
منهم من قال: نعم، وهي الطريقة الصحيحة في "الشامل"، وجعلها البندنيجي المذهب، واختارها في "المرشد".
وقيل: إن الشافعي – رضي الله عنه – نص على أنه إذا أخر رمي جمرة العقبة حتى غربت الشمس: أنه يرميها في أيام التشريق.
فعلى هذا إذا ترك الرمي في الأيام الأربعة حتى مضت أيام التشريق، لزمه دم واحد على الصحيح.
وعلى مقابله أربعة دماء إذا لم يكن قد نفر قبل الغروب في اليوم الثاني؛ كما قال الإمام.
ومنهم من قال: يسقط رمي يوم النحر بفوات يوم النحر، وطلوع الفجر من اليوم
الأول من أيام التشريق.
وهل يسقط بفواته فقط؟ فيه الوجهان السابقان:
ووجه هذه الطريقة: أنه لما خالف رمي أيام التشريق في المقدار والمحل والحكم، خالفه في الوقت.
قال البندنيجي: وليس بشيء.
وعلى هذه الطريقة لو ترك رمي الأيام الأربعة، وجب عليه لفوات رمي يوم النحر [دم] لفوات رمي جمرة يوم النحر فقط، وقلنا: إن يوم النحر مخالف للرمي في أيام التشريق، وقد ادعى القاضي الحسين: أنه لا خلاف في ذلك.
وحكى ابن الصباغ: أن أبا إسحاق قال: في "الشرح" إن الشافعي – رضي الله عنه – قال في موضع من "الإملاء": إن ترك رمي يوم، وجب مد، [وإن ترك رمي يومين فمدان؛] وإن ترك [رمي] ثلاثة، فدم.
[وعلى هذا يتجه أن يجب في اليوم الواحد – على رأي – درهم أو ثلث دم].
فإن قلنا بهذا، لم يخف عليه ما يجب بترك حصاة واحدة مما سنذكره من بعد.
وإن قلنا بالمشهور، انبنى أمر تارك الحصاة الواحدة – أيضاً – على أنه هل يكمل الدم بترك جمرة واحدة من وظيفة يوم أو لا؟ وفيه خلاف حكاه الإمام عن الأصحاب:
منهم من قال: إن الجمرات الثلاث كالشعرات [الثلاث]؛ فلا يكمل الدم في بعضها فإن ترك بعضها؛ ففيما يلزمه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها في حلق شعرة وشعرتين.
وعلى هذا إذا ترك حصاة واحدة من الجمرة، فعن صاحب "التقريب": أن على قولنا في الجمرة الواحدة ثلث دم، يجب في حصاة واحدة جزء من أحد وعشرين جزءاً من دم؛ رعاية للتبعيض.
وعلى قولنا: إن فيها مُدَّا أو درهماً، يحتمل أن يجب سبع مد أو سبع درهم.
ويحتمل ألا نبعضهما.
ومنهم من قال: إن الدم يكمل بترك جمرة واحدة؛ وهذا هو المشهور، وبعضهم لم يحك سواه، لكن هؤلاء اختلفوا:
فمنهم من قال: إن الدم وإن كمل في وظيفة جمرة واحدة، فلا يزيد بترك جمرة أخرى إلى تمام وظيفة اليوم، وإن نقص عنها فلا يكمل الدم.
وعلى هذا إذا ترك حصاة واحدة، ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: سبع دم.
والثاني: مد.
والثالث: درهم.
ومنهم من قال- وهو المشهور، والصحيح-: إنه كما يكمل بترك جميع حصى الجمرة، يكمل بترك [ثلاث] حصيات منها؛ لأنه يقع عليها اسم الجمع المطلق؛ فصار كما لو ترك الجميع.
وعلى هذا يكون في ترك الحصاة الواحدة الأقوال الثلاثة التي ذكرها الشيخ. والله أعلم.
قال: أحدها: يلزمه ثلث دم، وهو الذي حكاه الحميدي.
والثاني: مد، وهو الذي نص عليه هنا، والأصح عند النواوي وغيره.
والثالث: درهم.
وهذه الأقوال الثلاثة كالأقوال فيما إذا قلم ظفراً، أو حلق شعرة، وقد تقدم توجيهها.
ولا يخفى عليك بعد ذلك ما الواجب عليه فيما إذا ترك حصاتين؟
وقد حكى الإمام وجهاً غريباً أن الدم يكمل في حصاة واحدة، وهو نظير ما حكيناه من أنه يكمل في شعرة واحدة.
ثم اعلم أن ترك الجمرة الواحدة والحصاة الواحدة إنما يتصور ذلك – بلا خلاف – من الجمرة الأخيرة من رمي اليوم الأخير: إما الثالث من أيام التشريق، أو الثاني منها إذا نفر فيه قبل غروب شمسه؛ كما قال الماوردي، وابن الصباغ، والقاضي الحسين، وغيرهم.
أما لو كانت من رمي يوم النحر، فالقياس أن نقول: إن قلنا: إنه مستقل بنفسه، فالحكم كذلك، وهو المذكور في "التهذيب".
وإن قلنا: إنه كيوم من أيام التشريق، أو كان ذلك من رمي يوم –ولو اليوم الثاني من أيام التشريق؛ إذا لم ينفر قبل غروب شمسه – فينبني على أن الترتيب في التدارك واجب أولاً.
فإن لم نوجبه، تصور ذلك أيضاً، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، وإن كان ما سنذكره من بعد ينفي ذلك.
وإن أوجبنا الترتيب، فلا يتصور؛ لأنها إن كانت من رمي يوم النحر، فرميه في اليوم الأول من أيام التشريق، وما بعده في الجمرة الثالثة على أنه كذلك اليوم قلنا: فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يصح أصلاً، وحينئذ فيكون عليه حصاة من رمي يوم النحر، ووظيفة أيام التشريق كلها، وما يجب عليه من الدم يؤخذ مما قدمته من الأصول.
وقد قال في "التتمة" فيما إذا ترك حصاة من يوم النحر: إنه يلزمه دم لأجلها؛ لأنها من أسباب التحلل، فإذا ترك شيئاً منها، لم يتحلل إلا ببدل كامل.
والثاني: أنه يصح، ويقع عما عليه، وهوا لصحيح وحينئذ يكون قد تم له بما رماه
من الجمرة الأخيرة [في يوم النفر] ما عليه من رمي يوم النحر، وفاته رمي يوم القر [بجملته؛ رعاية للترتيب في الرمي، والجمرات.
ثم] ما رماه في يوم النفر الأول [يقع عما عليه من الرمي في يوم القر وما رماه في يوم النفر الآخر يقع عما عليه من الرمي في يوم النفر الأول]؛ فيبقى عليه وظيفة يوم كامل؛ فيجب عليه دم كامل على المشهور.
ولو كانت الحصاة من الجمرة الأخيرة من يوم القر، ولم ينفر النفر الأول، وقد أوجبنا الترتيب فإن لم نصحح ما أتى به بعد المتروك على أنه كغيره، كان عليه حصاة واحدة، ووظيفة يوم النفر الأول، ويوم النفر الثاني.
وإن كان قد نفر النفر الأول، أو كانت من يوم النفر الأول، ولم ينفره، قال الرافعي: فإن قلنا إن ما أتى به بعده بنية إيقاعه عن غيره لا يصح – كان عليه حصاة، ووظيفة يوم كامل، وإلا كان عليه وظيفة [يوم] كامل.
ولو كانت الحصاة من الجمرة الوسطى والأولى من اليوم الأخير من أيام الرمي، فمعلوم أن مارماه بعدها في غيرها غير معتد به؛ لما تقدم من أن وجوب الترتيب في المكان متفق عليه عندنا؛ فيكون عليه أكثر من حصاة وما يجب عليه لا يخفي مما تقدم. والله أعلم.
فرع: لو ترك ثلاث حصيات من جملة الأيام، ولم يدر موضعها، أخذ بالأسوأ وهو أنه ترك واحدة من يوم النحر، وأخرى من الجمرة الأولى من بعده يوم القر، وأخرى من الجمرة الثانية يوم النفر الأول، وحينئذ قال الرافعي – مختصراً في ذلك الكلام المتولي؛ إنَّا إن لم نصحح ما أتى به بعد المتروك بنيّة إيقاعه عن غيرهن فالحاصل له ست حصيات من يوم النحر لا غير، سواء شرطنا الترتيب بين التدارك ورمي الوقت أو لا.
قلت: وقياس ما تقدم إذا جعلنا المتروك ما ذكر من الأيام: أن نقول: إذا قلنا إن
رمى يوم النحر كرمي يوم من أيام التشريق، وأن الترتيب غير واجب في التدارك؛ بناء على أن ما يفعل في اليوم عما قبله يكون قضاء، ولا يشترط الترتيب في القضاء ووظيفة الوقت أن يصح له رمي الجمرة الأولى من يوم النفر الأول وست حصيات من الثانية منه؛ لأنه يجوز له حينئذ إذا ترك رمي [اليوم الأول] والثاني من أيام التشريق – أن يرمي في اليوم الثالث جمرات [اليوم الثاني قبل جمرات] اليوم الأول؛ كما تقدم، وهذا مثله، وإذا صح هذا، فقد حصل له ست حصيات من يوم النحر، والجمرة الأولى من [يوم] النفر الأول، وست حصيات من الجمرة الوسطى منه.
قال الرافعي: فغن حسبنا ما أتى به بعد المتروك عن المتروك، فالحاصل له [رمي] يوم النحر، وأحد أيَّام التشريق لا غير، سواء شرطنا الترتيب أو لا، قال: وسببه لا يخفى على من أمعن النظر في الأصول السابقة.
قلت: قياس ما تقدم من الأصول، أنَّا إن جعلنا يوم النحر [منفصلاً] عن أيَّام التشريق – أن يكون قد حصل له من رميه ست حصيات، وفاته حصاة؛ فيلزمه – على رأي المتولي- دم كامل، ويكون قد فاته رمي يوم القَر بجملته، وحصل له من يوم النفر الأول بالجمرة الأولى؛ إن لم توجب الترتيب في الاستدراك، وست حصيات من الثانية، وبطلت الجمرة الثالثة، وحصل له رمي يوم النفر الثاني بجملته؛ إذا قلنا: إن الترتيب في المستدرك لا يجب أيضاً، وحينئذ فيكون قد حصل له ست حصيات من يوم [النحر والجمرة الأولى من يوم النفر الأول، وست حصيات من الجمرة الوسطى منه، ورمي يوم] النفر الثاني بجملته.
وإن قلنا: إن الترتيب في المستدرك واجب، فيوم النحر لا يجبر بما بعده؛ إذ التفريع على استقلاله، وأما الحصاة التي جعلت متروكة من الجمرة الأولى، فتجبر بحصاة من الجمرة الأولى من يوم النفر الأول، وما رماه من الجمرة الوسطى،
وهو ست حصيات يجعل من الوسطى من يوم القر، ويبطل باقي ما رماه في يوم النفر الأول، وما رماه في اليوم الثاني لا يعتد له بالجمرة الأولى منه، ويجعل حصاة من الوسطى عما يليه من الوسطى من يوم القر، وفسد باقيها، والجمرة الأخيرة التي رماها منه تحسب عن الجمرة الأخيرة من يوم القر أيضاً، وحينئذ فيكون قد حصل له ست حصيات من يوم النحر، ويوم القر بجملته.
وإن قلنا: إن يوم النحر كيوم من أيام التشريق، وقلنا بالترتيب في التدارك، لم يتجه إلا ما ذكره الرافعي؛ لأنا نجبره بحصاة من الجمرة الأخيرة من يوم القر، نجبر يوم النفر الأول بالثاني. والله أعلم.
قال: ويبيت بها في أيام الرمي أي: في ليالي أيام الرمي – تأسياً به صلى الله عليه وسلم؛ فإنه بات بها.
قال: فإن ترك المبيت في الليالي الثلاث- أي: ليالي أيام منى الثلاث – لزمه دم في أحد القولين.
الخلاف في لزوم الدم في هذه الحالة ينبني على أن المبيت بها في الليالي الثلاث لمن لم ينفر قبل الغروب في اليوم الثاني من أيام التشريق، واجب أم لا؟
وسيأتي الكلام فيه:
فإن قلنا: إنه مستحب، وليس بواجب، لم يجب الدم، وهو قوله في "الإملاء"؛ كما قاله أبو الطيب، والبندنيجي.
وألا وجب، وهو نصه في "الأم"، والقديم، كما قالاه.
[وعلى هذا] قال الشيخ: وفي ليلةٍ الأقوال الثلاثة التي ذكرناها في الحصاة، وتوجيهها ما تقدم، ومذهب الشافعي منها ومنصوصه – كما قال الماوردي -: وجوب المد، وفي ليلتين – والصورة كما ذكرنا -: مدَّان، أو درهمان، أو ثلثا دم.
أما إذا نفر في اليوم الثاني من أيام التشريق قبل الغروب، فالواجب في حقه على قول من أوجب المبيت مبيت ليلتين لا غير فإذا تركهما، فهل يكمل الدم عليه؟
بنى الإمام ذلك على أصل آخر، وهو أنه لو ترك المبيت في ليلة مزدلفة، والليالي
الثلاث إذا وجبت، فهل يجب عليه دم واحد أو دمان:
دم لليلة مزدلفة، ودم لليالي منى؟ وفيه قولان في ظاهر المذهب.
ووجه الثاني: أن ليلة مزدلفة مباينة لغيرها من ليالي المبيت؛ كما نبهنا عليه؛ فلتفرد بحكمها.
قال: فإن قلنا بهذا، ففي ليلتي من وجهان:
أحدهما: أنه يكمل فيهما الدم؛ فإن المبيت بمنى جنس كالمبيت بمزدلفة وقد ترك أصل المبيت بمنى؛ فلا يقصر جنس المبيت بمنى عن جنس المبيت بمزدلفة ليلة واحدة، وهذا ظاهر منقاس، وهو الفقه.
والثاني: أنه يجب عليه مدان، [أو درهمان]، أو ثلثا دم، كما تقدم؛ نظراً لتقسيط دم المبيت في الليالي الثلاث.
قلت: وقياس هذا الوجه: أن نقول: إذا قلنا: إنه يجب في ترك ليلة مزدلفة وليالي منى الثلاث دم واحد؛ بجعل المبيت جنساً واحداً - أن يجب في ترك ليلتين من ليالي منى نصف دم، أو مد ونصف، [أو درهم ونصف]؛ لأنهما نصف الأربعة.
وقد حكى الإمام في أصل المسألة قولاً عن رواية صاحب "التقريب" يضاهي قولاً غريباً فيما تقدم، ولكنه ارتضاه هاهنا وإن زيَّفه فيما سبق، وذلك أنه قال: للشافعي رضي الله عنه قولٌ: أنه يجب في كل ليلة دم؛ لأن كل ليلة تنسب إلى يومها، وإذا كان الدم يكمل في وظيفة كل يوم، فليكمل في مبيت كل ليلة.
قال الإمام: وهذا يتجه هاهنا اتجاهاً بيناً. والله أعلم.
وقد تقدم الكلام في أن المعتبر في هذا المبيت على قول الوجوب وغيره، هل هو الكون بها معظم الليل، سواء فيه آخره وأولوه كما هو الأصح في مناسك ابن الصلاح - أو الكون بها عند طلوع الفجر؛ لأن المقصود من المبيت إقامة شعار اليوم من الرمي؛ ولذلك لم يجب على من تعجل في اليوم الثاني الرمي قبل الغروب المبيت ليلة اليوم الثالث من أيام التشريق؛ لسقوط الرمي فيه.
وقد قال الشافعي - كما قال ابن الصلاح -: لو شغله طواف الإفاضة حتى يكون
أكثر ليله بمكة، لم يكن عليه فدية؛ لأنه كان في لازم له من عمل الحج، ولو كان عمله تطوعاً، افتدى.
قال: ويجوز لأهل سقاية العباس ورعاة الإبل أن يدعوا المبيت ليالي منى.
أما أهل السقاية؛ فلما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر: "أن العباس بن عبد المطلب، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى؛ من أجل سقايته، فأذن لهم".
ولأنهم متشاغلون بإصلاح الشراب، واستقاء الماء؛ ليرتوي الناس منه، ويرتفقوا به، فكانت الحاجة داعية لهم إلى ذلك.
وأما رعاة الإبل؛ فلما روى أبو داود عن عاصم بن عدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد من بعد الغد بيومين، ويرمون يوم النفر"، وأخرجه النسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح.
قال: فيرموا يوماً ويدعوا يوماً، ثم يرموا ما فاتهم.
هذا الكلام يجوز أن يفسر بتفسيرين، وكل منهما يجوز فعله؛ كما صرح به الأصحاب:
أحدهما: أنهم يرمون يوم القر، ويدعون يوم النفر الأول، وعليه يدل قوله:"ثم يرمون ما فاتهم"، أي: في اليوم الثالث مع رمي اليوم الثالث؛ لما ذكرنا: أن الصحيح: أن الرمي في أيام التشريق كلها يقع أداء؛ فيجب الترتيب في رمي الأيام؛ كما يجب
في رمي الجمار.
والثاني: أنهم يرمون يوم النحر جمرة العقبة ويدعون يوماً [وهو يوم القر، ثم يرمون ما] فاتهم – أي: في اليوم الثاني – وكذا يرمون عن ذلك اليوم، وسكت عنه الشيخ؛ للعلم به، ثم ينفرون مع الناس؛ وهذا ما نص عليه في "المختصر"، وهو أقرب إلى ما ورد في الخبر الذي ذكرناه عن رواية عاصم.
وقد روى عنه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص أن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً.
قال الترمذي: والأول أصح.
وفي "الحاوي": أن عاصم بن عدي روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاة أن يتعاقبوا، فيرموا يوم النحر، ثم يدعوا يوماً وليلة، ثم يرموا من الغد، وقوله:"يتعاقبوا" أن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً؛ ولأجل ذلك قال ابن الصلاح: إن عليهم أن يأتوا في اليوم الثاني من أيام التشريق، وبالتفسير الأول لا تكون إلا في جواز تأخير الرمي في اليوم الثاني إن لم نجوّز لغيرهم التأخير فيه؛ كما ذكرنا: أنه الصحيح، بل يكون غيرهم أخف حالاً منهم؛ لان لهم أن يقتصروا على رمي يومين، وهؤلاء يأتون برمي الثلاثة الأيام.
وقد حكى عن أبي الحسين وجه: أنه ليس لهم فعل ما ذكرناه عن النص في "المختصر"، ونص الخبر يرد عليه.
ووجه الدلالة على ما ذكره الشيخ:
أما [في حق] الرعاة فالخبر، ولأن عليهم رعي الإبل، وحفظها؛ لتشاغل الناس
بنسكهم عنها، ولا يمكنهم الجمع بين رعيها وبين الرمي والمبيت بمنى فجوّز لهم ذلك؛ للعذر.
وأما في حق أهل السقاية؛ فبالقياس عليهم، ولكن لو أرادوا أن يتركوا الرمي في اليومين الأولين، ويأتوا به في اليوم الثالث، ويتركوا المبيت في الليالي الثلاث – فالمذكور في "تعليق القاضي الحسين": أنه لا يجوز؛ لأن الرخصة ما وردت غلا بترك رمي يوم واحد ومبيت ليلتين.
نعم: لو تركوا الرمي في اليوم الأول، فعليهم أن يقضوه في الثاني، ثم يرموا عنه – كما تقدم – فإن لم يأتوا مني في اليوم [الثاني]، وجب عيهم الإتيان في الثالث.
قال الماوردي: ورموا فيه عن جميع الأيام.
قال: فإن أقام الرعاء أي – بمنى – يوم النحر بعد جمرة العقبة حتى غربت الشمس، لم يجز لهم أن يخرجوا حتى يبيتوا أي: ليلة القر، خاصة لأن الحاجة التي جوزت لهم ترك المبيت إنما هي الرعي، وهي بالنهار خاصة.
قال: ويجوز لأهل السقاية أن يدعوا المبيت [منى] وإن أقاموا إلى الغروب؛ لأن المعنى الذي لأجله جوز لهم ترك المبيت – وهو تخمير الشراب – موجود في الليل.
وقد أغرب الحناطي، فحكى وجهاً: أنهم كالرعاة؛ فلا ينفرون بعد الغروب.
وسقاية العباس: موضع بالحرم جوار زمزم، يستقي منه الماء، ويجعل في حياض، ويخمر، ويسيل للشاربين.
وقد قدمنا: أن الشرب من نبيذها مستحب، وأهلها هم الذين يُعِدُّون السويق والماء للحاج بمكة؛ قاله الطبري المؤرخ، وعليه يدل قول البندنيجي: وأما أهل سقاية العباس الذين يعدون السويق والنبيذ للحاج
…
إلى آخره.
لكن المشهور: أنهم الذين يسقون الماء؛ كما ذكرنا، وعليه يدل ما رواه مسلم عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت جالساً مع ابن عباس – رحمه الله – عند الكعبة،
فأتاه أعرابي، فقال: ما لي أرى بني عمكن يسقون العسل واللبن، وأنتم تسقون النبيذ، أمن حاجة بكم، أم من بخل؟! فقال: ابن عباس الحمد لله ما بنا من حاجة، ولا بخل، قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته، وخلفه أسامة، فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ، فشرب، وأسقى فضلته أسامة، وقال:"أحسنتم، وأجملتم، فاصنعوا"؛ فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد كانت في يد قصي بن كلاب، ثم ورثها منه ابنه عبد مناف، ثم منه ابنه هاشم، ثم منه ابنه عبد المطلب، ثم منه ابنه العباس، ثم منه ابنه عبد الله، ثم منه ابنه علي، ثم واحد بعد واحد.
ولا يختص ما ذكرناه من الحكم ببني العباس، بل هو جارٍ فيهم، وفي غيرهم إذا تولوا السقاية.
قال أبو الطيب: لوجود المعنى المجوز لبني العباس فيهم، نعم لو أحدثت سقاية غير سقاية العباس، وتولي السقي فيها بنو العباس أو غيرهم، لا يشرع لهم الترخص كأهل سقاية العباس؛ كما حكاه في "الحاوي" عن نص الشافعي رضي الله عنه – وهو الذي حكاه ابن كج وغيره أيضاً.
وفي "التهذيب": أنه لو استحدث سقايات للحج فللقائم بشأنها ترك المبيت أيضاً، وهو الذي أورده النواوي في "المناسك".
وحكى البندنيجي في تعليقه فيما لو عمل في سقاية العباس غير أهل العباس أو عمل أهل العباس في سقاية غيرها وجهين:
أحدهما: ليس لهم ذلك.
والثاني: لهم ذلك.
وقد حكى الرافعي الوجه المنقول في اختصاص بني العباس بما ذكرناه عن بعض الأصحاب، وقال: إن منهم من يجعل الاختصاص ببني هاشم؛ وهذا قد عزاه الإمام إلى رواية بعض العراقيين.
قال: ومن ترك المبيت؛ لعبد أبق، أو أمر يخاف فوته – كان كالرعاة، وأهل السقاية؛ على المنصوص.
أي: من كان عذره مثل العذر الذي جوز للرعاة ما ذكرناه، [جاز لهم ما جاز للرعاة.
ومن كان عذره مثل العذر الذي جوز لأهل سقاية [العباس] ما ذكرناه،] جوز لهم – أيضاً – قياساً عليهم؛ لتماثلهم في العذر وأردت بما ذكرت من التقرير زوال إشكال قد يَعْرِضُ للمفتي، من جهة أن أهل السقاية يجوز لهم ترك المبيت وإن أقاموا إلى الغروب على المذهب؛ بخلاف الرعاة، فكيف يجوز أن يكون رب الحاجة غيرهم ملحقاً في الحكم بهم مع تغاير أحكامهم؟
وقد أطلق الرافعي القول بأن لهم أن ينفروا بعد الغروب، وهو محمول على من ذكرناهم.
ومراد الشيخ بالمنصوص: ما نص عليه في مختصر الحج، وقد اختاره في "المرشد" وصححه النواوي وغيره.
ومقابله – قاله بعض الأصحاب – أن الرعاة، وأهل السقاية مخصوصون بما ذكرناه دون غيرهم من أصحاب الأعذار؛ [لأنهم مخصوصون] بالرخصة، لما يعود بتأخرهم من الرفق والمعونة [و][به] باينوا غيرهم من [ذوي] الأعذار؛ فلذلك منع قياسهم عليهم؛ وهذا ما ادعى الإمام قطع الأئمة به؛ كما [لا] يثبت في حق المتربص رخصة المسافر.
وقد أفهم كلام الشيخ اختصاص الخلاف بما ذكره من المثالين، والأصحاب مطبقون على جريانه في المريض مرضاً يمنعه البيتوتة بمنى، وحكاه
الماوردي في الحائض.
قال القاضي الحسين: ونظير هذا الخلاف القولان في أن الحصر الخاص، هل يبيح التحلل كالعام أم لا؟
تنبيه: قوله: "أبق" بفتح الهمزة، والباء، والقاف، فعل ماض، ويجوز كسر الباء في لغة، [ويجوز "آبق" بالمد، وكسر الباء، صفة للعبد.
قال أهل اللغة:] يقال: أبق العبد بفتح الباء؛ إذا هرب من سيده، يأبق بضم الباء وكسرها، فهو آبق.
وحكى ابن فارس: أبق العبد – بكسر الباء – يأبق بفتحها.
فرع: يستحب للمقيم بمنى ألا يترك حضور الجماعة في الفرائض مع الإمام في مسجد الخيف؛ فإن فضله كبير.
ويستحب له إكثار الصلاة في مسجد الخيف، وأن يصلي أمام المنارة عند الأحجار التي أمامها؛ فقد روي أنه مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وسع فيه، وصارت المنارة الآن في وسط المسجد.
[فرع] آخر: حكم من ذكرناهم من المعذورين في ليلة مزدلفة إذا أوجبناها حكمهم في ليالي الرمي.
لكن الأصحاب اتفقوا على أن من لم يدرك عرفة إلا ليلاً، واشتغل بالوقوف حتى فاته المبيت بمزدلفة لا دم عليه.
وقال صاحب "التقريب" بناء عليه: إن من أدركها نهاراً، وأفاض من عرفة بعد الغروب، واستمر إلى مكة، وطاف في النصف الأخير، ففاته المبيت فلا دم عليه؛ لأن شغل الطواف كشغل الوقوف.
وقد حكى أبو محمد ذلك عن القفال.
قال الإمام: وتبعه الغزالي، وهو محتمل عندنا؛ من جهة أن من لم ينته إلى عرفة إلا ليلاً مضطر إلى ترك المبيت بمزدلفة، بخلاف [المفيض] إلى مكة؛ فإنه لا ضرورة به؛ فليبت، وليصبح مع الناس.
قال: ثم يخطب الإمام في اليوم الثاني من أيام التشريق؛ لما روى أبو داود عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته، وهي خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي خطب بمنى.
وروى أيضاً عن سراء بنت نبهان قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرءوس، فقال:"أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله [أعلم،] قال: "أليس أوسط أيام التشريق".
قال أبو داود: وكذلك قال عمُّ أبي حرة الرقاشي: إنه خطب أوسط أيام التشريق.
وسراء – المذكورة – بفتح السين المهملة بعدها راء مهملة مشددة مفتوحة، وهي ممدودة.
وأبو حرة هذا بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين، وتاء تأنيث.
قال: بعد صلاة الظهر [كما خطب يوم النحر بها بعد صلاة الظهر] وقد تقدم أن الشافعي – رضي الله عنه – استحب في هذا اليوم واليوم الذي قبله أن تقع الصلاة بعد الرمي؛ فعلى هذا تقع الخطبة بعد الرمي، وبعد الصلاة.
قال: ويودع الحاج، ويعلمهم جواز النفر –أي: الأول، والثاني – لأنه لائق بالحال، وكذا ينبغي أن يأمرهم أن يختموا حجهم بتقوى الله تعالى وطاعته، وأن يكونوا بعد الحج خيراً منه قبله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"من أتى هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه" أخرجه مسلم.
وقال – عليه السلام – "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" أخرجه مسلم.
وقد قيل: إنه قيل [له] يا رسول الله، فما بر الحج؟
قال: "طيب الكلام وإطعام الطعام".
وروى أنه – عليه السلام – قال: "من علامة الحج المبرور أن يكون المرء بعد حجه خيراً منه قبله".
ثم ما ذكرناه من الخطبة بعد الظهر إذا لم يرد الإمام أن ينفر النفر الأول، فإن أراده وعجَّل الخطبة قبل الزوال؛ ليتعجل النفر – جاز؛ قاله الماوردي؛ وهذه الخطبة تسمى: خطبة الوداع؛ لأنها آخر الخطب الأربع، ولأنه ربما نفر بعدها في النفر الأول؛ وكان مودعاً بها، ولو تركها فلا فدية عليه.
قال: فمن نفر – أي: ذهب – قبل الغروب- أي: من منى في اليوم الثاني بعذر أو غير عذر، سقط عنه الرمي في اليوم الثالث، ومن لم ينفر حتى غربت الشمس، لم يسقط عنه الرمي؛ لقوله تعالى:{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة:203]، وقد ذكرنا قبل من الحديث ما يعضد الآية.
قال الشافعي – رضي الله عنه:"والمراد بالتعجيل فيها النفر".
وقال مالك: إنه الرمي، واستدل بها على أنه يجوز له أن يرمي في اليوم الثاني جمرات اليوم الثالث.
قال الأصحاب: وإذا تعجل في يومين دفع ما بقي معه من الحصى إلى من لم يتعجل، أو طرحه، وما يفعله الناس من رميه لا توقيف فيه ولا أثر.
والأفضل عدم النفر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعله، فإن قيل: إذا كان هو الأفضل، فما معنى قوله تعالى:{وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة:203]؟
قيل: فيه تأويلات:
أحدها: قاله ابن مسعود: أن من تعجل في يومين، فلا إثم عليه، أي: كفرت سيئاته، وكذلك من تأخر.
والثاني: أن معنى الآية: من تأخر، ورمى، فلا إثم عليه؛ فإنه إذا تأخر، ولم يرم، أثم.
والثالث: أن التعجيل رخصة وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يحب أن يؤخذ بعزائمه"، فأعلمنا الله تعالى: أن من رغب عن هذه الرخصة، وأقام إلى اليوم الثالث، لم يكن عليه إثم.
والرابع: أنها وردت على سبب، فإن قوماً قالوا: لا يجوز التعجيل، وقوماً قالوا: لا يجوز التأخير؛ فنزلت الآية على ذلك.
قال: فإن نفر قبل الغروب، ثم عاد زائراً، أو ماراً – أي بعد الغروب – لم يلزمه الرمي؛ لأنه حصلت له رخصة بالنفر؛ وكذا لو عاد لأخذ شيء نسيه.
ولو رحل من منى، فغربت الشمس عليه، وهو سائر قبل انفصاله منها، لم يلزمه الرمي أيضاً ولا المبيت؛ لأن عليه في الحط بعد الارتحال مشقة.
نعم: لو كان مشغولاً بالتأهب، فغربت الشمس؛ فوجهان في "الشامل" وغيره:
أحدهما: لا يلزمه المقام، وهو المذكور في "تعليق القاضي أبي الطيب" لا غير، واختاره في "المرشد".
وقال الرافعي: إن الأصح مقابله، وقد حكاه فيما لو نفر قبل الغروب، ثم عاد
قبل الغروب أو بعده.
وكلام الإمام يقتضي الجزم به فيما إذا غربت عليه بعد أن ارتحل، ولم يفارق مني؛ فإنه قال: "وإن لم يفارق الشاحط منى حتى غابت الشمس يثبت المبيت عليه.
والصحيح الأول، وبه جزم أكثرهم.
قال [الأصحاب:] ويستحب إذا خرج من منى أن ينزل بالمحصب لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن منى: "نحن نازلون [غداً بخيف] بنى كنانة؛ حيث تقاسموا على الكفر: وذلك أن قريشاً وبني كنانة تحالفتا على بني هاشم وبني عبد المطلب: ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عيه وسلم، يعني: بذلك المحصب. انتهى.
وروى أبو داود عن ابن عمر أنه كان يهجع هجعة بالبطحاء، ثم يدخل مكة، ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
وأخرجه البخاري بمعناه، وأخرج مسلم نحوه.
قال الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين:
ونزول المحصب دأب [الصالحين].
قلت: ومنهم أبو بكر، وعمر – رضي الله عنهما – فإن مسلم بن الحجاج روى عن
ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر كانوا ينزلون الأبطح. انتهى.
والأبطح: هو المحصب، وهو ما بين الجبل الذي عنده مقابر مكة، والجبل الذي يقابله مصعداً في الشق الأيسر، وأنت ذاهب إلى منى مرتفعاً، وليست المقبرة منه، وسمي بـ"المحصب"، لاجتماع الحصى فيه لأنه منهبط، والسيل يحمل الحصى إليه من الجمار.
قال الشافعي في القديم: وإذا نزله، صلى به الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، إن اختار ذلك، ثم أفاض في جوف الليل إلى مكة؛ فهكذا فعل ابن عمر، وإن لم ينزله صلاها بـ"مكة".
وأشار بفعل ابن عمر إلى ما ذكرناه من قبل.
فإن قلت: قد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: "إنما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصب؛ ليكون أسمح لخروجه، وليس بسنة، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله".
وروى أبو داود عن أبي رافع، وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم [قال]:"لم يأمرني أن أنزله ولكن ضربت قبته فنزله".
قال مسدد: وكان على ثَقَل النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال عثمان – وهو ابن أبي شيبة -: يعني [في] الأبطح. وأخرجه مسلم.
وهذا يمنع أن يكون سنة [في الحج]؛ فوقع التعارض.
قلنا: يحمل قول عائشة – رضي الله عنها – وغيرها على أنه ليس بسنة في الحج، ونحن نقول بأنه غير سنة فيه ولا نسكاً؛ حتى لا يجبر تركه بدم.
قال: ويستحب لمن حج – أي: أو اعتمر – أن يدخل البيت؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخله؛ روى أبو داود عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وعثمان بن [أبي] طلحة، وبلال، فأغلقها عليه، فمكث فيها، قال عبد الله بن عمر: فسألت بلالاً حين خرج: ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "جعل عموداً عن يساره وعمودين عن يمينه، وثلاث أعمدة من ورائه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة – ثم صلى".
وفي رواية: "ثم صلى، وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع".
وفي رواية: "نسيت أن أسأله كم صلى؟ ". وأخرجه البخاري ومسلم.
وجاء في حديث آخر: "من دخل البيت، دخل في حسنه، وخرج من سيئة مغفوراً له".
ولكن قد جاء في الخبر ما يدل على كراهة دخوله؛ روى أبو داود عن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها وهو مسرور، ثم رجع إليها وهو كئيب، فقال:"إني دخلت الكعبة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما دخلتها؛ إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي"، وأخرجه الترمذي، وقال: إنه حديث حسن صحيح.
قال: حافياً؛ تعظيماً له.
قال القاضي أبو الطيب: و [قد] روي أنه – عليه السلام – لما دخله، لم يرفع رأسه إلى السقف حتى خرج؛ تعظيماً له.
قال: و [هو] من سنن دخوله.
وقد روي عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: "عجباً للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرع بصره قبل السقف؟! ليدع ذلك؛ إجلالاً لله تعالى، وإعظاماً؛ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها".
قال: ويصلي فيه – أي: النفل – اقتداء به صلى الله عليه وسلم؛ فإنه صلى [فيه كما ذكرناه.
وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن صفوان قال:
قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين] دخل الكعبة؟ قال: "صلى ركعتين".
والأفضل إذا صلى أن يقصد مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا دخل من الباب مشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريباً من ثلاثة أذرع، فيصلي، لما ذكرناه، ويكون مساؤه في جوانبه من الدعوات المهمة، مع حضور القلب والخشوع، وليكبر، وليعلم أنه في أفضل الأرض.
فإن قيل: قد أخرج البخاري عن ابن عباس:"أن النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل البيت، كبر في نواحيه، وفي زواياهن ثم خرج، ولم يصل فيه"، وهذا معارض لما تقدم.
قلنا: لا تعارض؛ لأن "الأول إثبات وهذا نفي، والإثبات مقدم".
أما صلاة الفرض، فالقياس أن تكون خارجاً عنه أفضل؛ للخروج من خلاف الأئمة؛ فإن مالكاً – رحمه الله – لا يرى بالصحة؛ وهذا كما قلنا: إن الأفضل إيقاع ما فاته من الصلاة منفرداً؛ للخروج من خلاف أبو حنيفة – رحمه الله – فإنه لا يرى
بصحة ذلك في جماعة.
لن في مناسك النواوي: انه إن رجا كثرة جماعة، فالصلاة خارجها أفضل، وإن كان لا يرجوها، فداخل البيت أفضل.
ويستحب – أيضاً – ألا يدخله إلا تائباً، [منيباً، قد اقلع عن معاصيه وأخلص طاعته.
قال النواوي في "الروضة":] واستحباب الدخول مشروط بما إذا لم يؤذِ غيره، أو يتأذى هو به؛ بزحام أو غيره.
واعلم أنه قد يؤخذ من استحباب دخول البيت دخول الحجر؛ لأنه منه كما تقدم؛ ويدل عليه ما ذكرناه من حديث عائشة رضي الله عنها، وقد صرح الصحاب بأنه
يختار له دخوله وتكراره؛ لأن دخوله سهل، وأن يدعو تحت الميزاب؛ لأنه - عيه السلام - قال:"ما من أحد يدعو تحت الميزاب إلا استجيب له".
قال: ويشرب من ماء زمزم لما أحب؛ لرواية جابر: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ماء زمزم لما شرب له"، وقد شربه جماعة من العلماء لمطالب لهم جليلة، فنالوها.
روى عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: " [شربته لثلاث: للرمي؛ فكنت أصيب العشرة من العشرة،] والتسعة من العشرة، وللعلم؛ فها أنا كما تروني، ولدخول الجنة، وأرجو حصول ذلك".
ويستحب لمن أراد شربه؛ للمغفرة، أو للشفاء من مرض، ونحوه - أن يستقبل القبلة، [ثم يذكر اسم الله تعالى]، ثم يقول:"اللهم إنه بلغني عن رسولك صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له" اللهم إني أشربه؛ لتغفر لي، أو لتعافيني أو لتعطيني كذا وكذا" مما يريد من آخرته ودنياه.
وزمزم: بئر في المسجد الحرام، بينه وبين الكعبة ثمانية وثلاثون ذراعاً.
وسميت: زمزم؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم، وزمزوم، وزمام؛ إذا كان كثيراً.
وقيل: لضم هاجر: أم إسماعيل عليه السلام لمائها حين انفرجت؛ كما تقدم
[لكثرته وقيل وزمها إياه].
وقيل: لزمزمة جبريل – عليه السلام – وكلامه.
وقيل: إنها غير مشتقة.
وقد قيل: إن عليًّا – كرم الله وجهه – قال: "خير بئر في الأرض زمزم، شر بئر في الأرض بهروت".
قال: ويتنفس ثلاثاً؛ لأنه سنة الشارب من غيره؛ كما ورد عنه – عليه السلام فكيف منه؟!
قال: ويتضلع منه: لما روى عطاء: أنه – عليه السلام – لما أفاض، نزع هو لنفسه بدلو من بئر زمزم، ولم ينزع معه أحد، فشربن ثم أفرغ باقي الدلو في البئر.
وجه الدلالة منه: أنه لما شرب من نزع بني عبد المطلب – كما تقدم ذكره – ومن نزعه – كما دل عليه هذا الخبر – أفاد ذلك القطع بأن أحد الشربين كافٍ في الشربين غالباً.
والتضلع – لغة – الامتلاء شبعاً وريًّا.
وقد روى عن ابن عباس انه سأل رجلاً شرب من زمزم؛ فقال: هل شربت كما يجب؟ فقال: وما الذي يجب؟ قال: أن تتضلع منها؛ فإن آية ما بيننا وبين المنافقين: أنهم لا يتضلعون من زمزم.
قال: ويكثر [من] الاعتمار؛ لأنه – عليه السلام – بعد الهجرة اعتمر أربع مرات: في ذي القعدة عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية، وعمرة من العام المقبل، وعمرة من جعرانة؛ حيث قسم غنائم حنين، وعمرة مع حجة.
وحج مرة واحدة بعدما هاجر، وبمكة أخرى، وروى هذا كله مسلم بمعناه.
وقال – عليه السلام – "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". رواه البخاري [ومسلم].
واستحباب الإكثار من الاعتمار في رمضان أشد، قال- عليه السلام – "عمرة في رمضان تقضي حجة" أو "حجة معي". أخرجه مسلم، والله أعلم.
قال: والنظر إلى البيت؛ لأنه عبادة، وقد جاءت آثار كثيرة في فضل النظر إليه، وورد تقدير الأجر عليه؛ قال – عليه السلام:"يُنزل الله – تبارك وتعالى –على هذا البيت في كل يوم عشرين ومائة رحمة؛ ستون منها للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين"؛ كذا ذكره الماوردي عن رواية عطاء عن ابن عباس.
قال الأصحاب: وينظر إليه إيماناً واحتساباً.
ومن هنا يؤخذ: أن [إكثار] الطواف المجرد مستحب أيضاً؛ لأنه إذا استحب الإكثار من النظر إلى البيت مع أن الأجر المرتب عليه أقل من الأجر المرتب على الطواف – كان الإكثار من الطواف أولى، وقد صرح به الأصحاب.
وزاد في "الحاوي" لأجل ذلك فقال:
إنه أفضل من الصلاة، واستدل له – أيضاً – برواية [أبي] الزناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكرم سكان أهل السماء على الله الذين يطوفون حول عرشه، وأكرم سكان أهل الأرض الذين يطوفون حول بيته".
قال في "الروضة": وظاهر عبارة صاحب "المهذب" وآخرين في قولهم: "أفضل عبادات البدن الصلاة": أنها أفضل منه، ولا ينكر هذا.
ويقال: الطواف صلاة إلا أن الصلاة عند الإطلاق لا تنصرف إليهن لا سيما في كتب المصنفين الموضوعة للإيضاح، وهو أقوى في الدليل.
قال: ويكون آخره عهده بالبيت إذا خرج النظر إليه إلى أن يغيب عنه؛ لأن ذلك أبلغ في تعظيمه، وفي المحافظة على تحصيل الأجر المطلوب بالنظر إليه، وهذا ما حكى عن أبي عبد الله الزبيري وغيره من أصحابنا.
وقيل: يلتفت إليه من انصرافه كالمتحزن على مفارقته.
قال النواوي في "المناسك": والمذهب الصحيح الذي جزم به جماعات من أئمة أصحابنا – منهم أبو عبد الله الحليمي، والماوردي، وآخرون: أنه يخرج، ويولي ظهره إلى الكعبة، [ولا ميشي] قهقري كما يفعله كثير من الناس.
قالوا: بل المشي قهقري مكروه؛ فإنه ليس فيه سنة مروية، ولا أثر محكي، وما لا أصل له؛ فلا يعرج عليه.
وقد جاء عن ابن عباس ومجاهد كراهة قيام الرجل على باب المسجد ناظراً إلى الكعبة إذا أراد الانصراف إلى وطنه، بل يكون آخر عهده الطواف.
وقد استحب لمن حج أو اعتمر أيضاً: أن يختم القرآن العظيم بمكة قبل رجوعه، وأن ينوي الاعتكاف كلما دخل المسجد الحرام؟! فإن الاعتكاف مستحب لكل من دخل مسجداً من المساجد، فكيف الظن بالمسجد الحرام؛ ولهذا المعنى لم يذكر الشيخ ذلك؛ لأنه إنما ذكر ما هو من خصائص تلك المواضع.
نعم: بقي من المستحبات ثم: زيارة المواضع المشهورة بالفضل في "مكة" والحرم، ولم يذكرها الشيخ.
وقد قيل: إن تلك المواضع ثمانية عشر [موضعاً]، منها: البيت الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو اليوم في مسجد في زقاق، يقال له: زقاق المولد.
وذكر الأزرقي: أنه لا خلاف فيه.
ومنها: بيت خديجة الذي كان يسكنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخديجة، وفيه [ولدت أولادها] من رسول الله صلى الله عليه وسلم [وفيه توفيت، ولم يزل عليه السلام] مقيماً به حتى هاجر، ثم اشتراه معاوية – وهو خليفة- من عقيل بن أبي طالب، فجعله مسجداً.
ومنها: مسجد في دار الأرقم، وهي التي يقال لها: دار الخيزران، كان النبي صلى الله عليه وسلم مستتراً فيه في أول الإسلام، وهو عند الصفا، وفيه أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ومنها: الغار الذي بجبل حراء، كان – عليه السلام – يتعبد فيه.
والغار الذي بجبل ثور، وهو المذكور في القرآن؛ [قال الله تعالى:{إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40]].
قال: وإذا أراد الخروج إلى بلده من أي موضع كان فيه، سواء فيه مكة ومنى بعد قضاء النسك أي: وجميع أشغاله – طاف للوداع – أي: طوافاً كاملاً – فيصلي ركعتين؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت".
قال في مختصر السنن: وقد أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
وروى أبو داود عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: "أحرمت من التنعيم بعمرة؛
فقضيت عمرتي، وانتظرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح حتى فرغت، وأمر الناس بالرحيل"، قالت:"وأتى رسول الله صلى الله عيه وسلم البيت، فطاف به، ثم خرج".
ولا يرمل في هذا الطواف، ولا يضطبع؛ لما تقدم؛ وقد نص عليه.
والوداع: بفتح الواو.
وهل هذا الطواف من المناسك؟
اختلف فيه، وأثره يظهر في المكي إذا خرج من مكة قاصداً مسافة القصر:
فالذي قاله الغزالي: إنه من المناسك، وليس على الحاج من مكة وداع لخروجه منها.
وهو في ذلك متبع للإمام؛ فإنه قال: إنه من مناسك الحج – وإن [وقع] بعدها – وليس على الحاج من مكة وداع؛ لخروجه منها؛ حتى إن الغريب لو نوى الإقامة بمكة بعد قضاء المناسك، ثم عنَّ له السفر، فلا وداع عليه.
وليس الخروج في اقتضاء [الوداع كدخول الغرباء مكة في اقتضاء] الإحرام، وإن في بعض الطرق رمزاً إلى أن المكيين إذا عنَّ لهم أن ينفروا – أي: من منى – ويخرجوا مع الغرباء: أنهم يودِّعون، وأنه لا خلاف أنهم إذا عنَّ لهم هذا بعد العود إلى مكة فلا وداع.
والذي قاله صاحب "التتمة" و"التهذيب" وغيرهما: إنه ليس من المناسك، بل يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر، سواء كان مكيًّا أو آفاقيًّا.
قال الرافعي: وهذا أقرب؛ تعظيماً للحرم، وتشبيهاً لاقتضاء خروجه للوداع باقتضاء دخوله للإحرام.
ولأنهم اتفقوا كما سنذكره على أن المكي إذا حج وهو على أن يقيم بوطنه [و] لا يمر بطواف الوداع، [وكذا الآفاقي إذا حج، وأراد الإقامة بمكة، لا وداع] عليه، ولو كان من جملة المناسك، لعم الحجيج.
قال في "الروضة": قلت: ومما يستدل به من السنة لكونه ليس من المناسك- ما ثبت في صحيح مسلم وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً".
وجه الدلالة: أن طواف الوداع يكون عند الرجوع، فسماه قبله: قاضياً للمناسك، وحقيقته أن يكون قضاها كلها.
وقد اقتضى كلام الشيخ انه لا يستحب الاغتسال لهذا الطواف، إذ لو كان مستحباً عنده لذكره كما في طواف الزيارة، وهو ما ذكره في "الوسيط"[عن الجديد، وأنه استحب الاغتسال في القديم].
قال: ولم يقم بعده، أي: القضاء شغل بقي عليه، أو زيارة صديق، ونحو ذلك؛ لأنه [لو أقام لم يكن مودعاً، ولم يكن آخر عهده الطواف].
قال: فإن أقام [أي: لما ذكرناه] لم يعتد بطوافه عن الوداع؛ لما ذكرناه.
نعم: لو تشاغل بأسباب الخروج: كشراء الزاد، وشد الرحل، ونحوهما، فهل يحتاج إلى إعادته؟ [فيه] ثلاثة طرق:
[أحدها - وهو] الذي قطع به الجمهور: أنه لا يحتاج، ومنهم صاحب "التهذيب"، والقاضي الحسين.
وفي "تعليق البندنيجي": أنه إذا تشاغل بترتيب رحله وقضاء حوائجه، غير شراء الخبز، ونحوه - بطل وداعه.
وإذا جمعت بين النقلين، جاءك في شد الرحل وجهان، وقد حكاهما الرافعي عن رواية الإمام، وأنهما جاريان في شراء الزاد.
والذي رأيته في "النهاية" في هذا الموضع حكاية تردد في التعريج على أمر قبل طواف القدوم، وقال: إنهم قطعوا بأن التعريج بعد طواف الوداع يفسده.
ولو أقيمت الصلاة عقيب طوافه، فصلاها، لم يعده؛ قاله في "المهذب" وغيره.
قال: ومن ترك طواف الوداع، لزمه دم في أحد القولين.
الخلاف في لزوم الدم ينبني على أن طواف الوداع واجب أم لا؟ وسيأتي الكلام عليه:
فإن أوجبناه – وهو الجديد؛ كما قال القاضي الحسين، وقال البندنيجي وابن الصباغ: إنه الذي نص عليه في "القديم" و"الأم"، والأصح عند البغوي وصاحب العدة والنواوي – وَجَبَ الدم بتركه.
وإلا فلا يجب، وهوا لأصح في "تعليق القاضي الحسين"، وقال البندنيجي: إنه الجديد، وعن بعضهم القطع به.
ويستقر الدم على الأول بانتهائه إلى مسافة القصر؛ حتى لو عاد، وطافه، لم يسقط.
قال في "المهذب": لأن هذا الطواف عن الخروج الثاني، فلا يجزئه عن الأول؛ وهذا منه يدل على اعتقاده أنه ليس بنسك؛ كما تقدم.
ومن هنا يظهر لك: أنه لا يجب عليه – والحالة هذه – العود لأجله، وبه صرح غيره.
وقد حكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي وغيره قولاً آخر:
أنه لو عاد من مسافة القصر، أمكنه أن يتدارك الوداع، وأن هذا القائل لا يوجب العود، ولكنه يجوِّزه.
وعلى هذا فهل يكفيه طواف واحد للوداع الأول والثاني، أو لابد من طوافين؟ فيه وجهان:
والثاني: رواه صاحب "التقريب"، وضعفه الإمام.
والمشهور: عدم إمكان التدارك واستقرار الدم بالانتهاء إلى مسافة القصر.
نعم: لو رجع قبل انتهائه إلى مسافة القصر، [أمكنه التدارك، فإذا فعله، سقط عنه الدم؛ لأنه في حكم المقيم؛ وهذا ما نص عليه؛ كما] قال الإمام.
ومن هنا يظهر لك أنه يجب عليه العود لأجله قبل انتهائه إلى مسافة القصر؛ كما صرح به الأصحاب.
وحكى الإمام قولاً مخرجاً في المسألة: أنه لا يمكنه التدارك والحالة هذه، وسنذكر ممَّ خرَّج؟
وقد روى عن عمر – رضي الله عنه – أنه رد رجلاً لم يودع من بطن مر.
قال: وإن نفرت الحائض بلا وداع، لم يلزمها دم؛ لما روى [مسلم] عن عائشة قالت: حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، قالت عائشة: فذكرت حيضتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أحابستنا هي؟ " قال: فقلت: يا رسول الله، إنها كانت قد أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فلتنفر".
وجه الدلالة منه: أنه أمرها بالنفر، ولم يأمرها بالدم، ولو كان واجباً لبينه، كما فعلفي حديث كعب بن عجرة؛ فإنه لا يجوز له تأخير البيان عن وقت الحاجة.
نعم: لو نفرت ثم طهرت قبل مفارقتها بنيان مكة، كان حكمها حكم الطاهر [في الوداع].
وإن كان بعد مفارقة البنيان، فهي كما لو لم تطهر، قاله القاضي أبو الطيب، والماوردي، والقاضي الحسين، والشيخ في"المهذب"، وغيرهم وعزاه الإمام إلى النص، وقال: إن من الأصحاب من خرج من نصه على أن الرجل إذا خرج من غير وداع ولم ينته إلى مسافة القصر: أنه يمكنه التدارك؛ بأن يعود [ويطوف] ويسقط [عنه الدم]: أنه يلزمها العود إذا لم تنته إلى مسافة القصر، فإن لم تعد، لزمها الدم.
كما خرج من هنا إلى ثم قولاً: أنه لا يمكنه التدارك بالعود، ويستقر عليه الدم، وجعل في المسألتين قولين:
وإن منهم من أقر النصين، وهو الأصح في الرافعي.
والفرق: أن المرأة حين المفارقة، لم تكن من أهل الوداع، بخلاف الرجل.
قال: ثم إذا قلنا باعتبار مفارقة الخطة، فيعود الوجهان المذكوران في باب المواقيت في أن مفارقة العمران هي المرعيَّة أو مفارقة الحرم؟ وقد تقدم ذكر الوجهين، وهما جاريان هنا.
فرع: إذا رأت المرأة الدم في زمان الإمكان، فتركت طواف الوداع، وانصرفت، ثم اتصل بها الدم، وجاوزت خمسة عشر يوماً – فإنها مستحاضة:
فإن [كان] تركها الطواف في الحالة التي حكمنا عليها فيها بأنها حائض، فلا شيء عليها.
وإن كانت تركته في الحالة التي حكمنا عليها فيها بأنها طاهرة، تبينا ثبوت الدم في ذمتها، وحكمها لا يخفى مما تقدم؛ قاله أبو الطيب، وعزاه البندنيجي إلى نصه في الأم.
قال: وإذا فرغ من [طواف الوداع]، وقف في الملتزم بين الركن [أي: الأسود] الباب، ويدعو؛ لأن الملتزم من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء. وهو بفتح الزاي، سمي بذلك؛ لأنهم يلتزمون في الدعاء.
ويقال له: المدعي، والمتعوذ بفتح الواو.
قال: فيقول: "اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، حتى سيرتني في بلادك، وبلغتني نعمك؛ حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني، فازدد عني رضا، وإلا فَمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، [ويبعدك عنه مزاري]، هذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي خير الدنيا والآخرة؛ إنك على كل شيء قدير"؛ لأنه روي ذلك عن صالحي السلف، وهو دعاء يليق بالحال.
والمنقول عن الشافعي – رضي الله عنه – أنه استحبه في "الإملاء"، وفي مختصر الحج الصغير من أوله إلى قوله:"ما أبقيتني"، وأن القاضي أبا حامد في جامعه زاد باقيه؛ كذا قاله ابن الصباغ.
وقوله: "فمن الآن" يجوز فيه ثلاثة [أوجه]:
أجودها ضم الميم، وتشديد النون.
والثاني: كسر الميم، وتخفيف النون وفتحها.
والثالث: كذلك، لكن النون مكسورة.
وقوله "الآن": هو الوقت الحاضر، [هذا حقيقته وقد يقع على التقريب من الماضي، والمستقبل؛ تنزيلاً له منزلة الحاضر] ومنه قوله تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة:187]، قيل: تقديره: فالآن أبحنا لكم مباشرتهن؛ فعلى هذا هو في الآية [على] حقيقته.
وقوله: "قبل أن تنأى عن بيتك داري"، أي: تبعد.
والأوان [الحِين، والوقت] وجمعه: آونة، مثل: زمان وأزمنة.
قال: ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن بذلك رجاء الإجابة.
قال النواوي في "المناسك":
ويتعلق الداعي بهذا الدعاء بأستار الكعبة في تضرعه.
وقد روى أبو داود عن عبد الرحمن بن صفوان أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح قد خرج من الكعبة هو وأصحابه، قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم.
وإذا فرغ من الوداع، أتى زمزم، فشرب من مائها متزوداً، ثم يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، ويقبله، ويمضي.
والحائض إذا أرادت السفر بلا وداع، استحب لها أن تدعو بما ذكره الشيخ من الدعاء على باب المسجد، وتنصرف.
وستحب للخارج من "مكة"[أن يقول عند خروجه] ما رواه نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل من الجيوش، أو السرايا، أو الحج، أو العمرة، إذا أوفى على ثنية أو فَدْفَد كبر ثلاثاً، ثم قال:"لا إله إلا الله وحده لا شركي له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، أخرجه مسلم.
[وأخرج أيضاً عن الأزدي أن ابن عمر علمهم].
ويستحب أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم قبل عوده إلى بلده، لما روى البزار، والدارقطني بإسنادهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من زار قبري وجبت له شفاعتي".
ويستحب للزائر مع قصده الزيارة: أن يقصد التقرب بالمسافرة لمسجده صلى الله عليه وسلم، والصلاة فيه، وأن يكثر من الصلاة والتسليم عليه الصلاة والسلام في طريقه، فإذا وقع بصره على أشجار المدينة، وما يعرف بها، زاد في الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وسلم، وسأل الله تعالى أن ينفعه بزيارته، وأن يتقبلها منه.
ويستحب أن يغتسل قبل دخوله، ويلبس أنظف ثيابه، وليكن أول ما يفعله حين يدخل المسجد: أن يقصد "الروضة"، ويصلي ركعتين تحية [المسجد] فيها، بجنب المنبر.
قال النواوي في "المناسك": ثم يأتي القبر الكريم، فيستدبر القبلة، ويستقبل جدار القبر، ويبعد من رأس القبر [نحو أربعة أذرع.
وفي "إحياء علوم الدين": أنه يستقبل جدار القبر على نحو] أربعة أذرع من السارية التي عند رأس القبر في زاوية جداره، ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه، ويقف ناظراً أسفل ما يستقبله من جدار القبر، غاض الطرف في مقام الهيبة والإجلال، فارغ القلب من علائق الدنيا، مستحضراً في قلبه جلالة موقفه، ومنزلة من هو بحضرته، ثم يسلّم، ولايرفع صوته بل يقتصد، فيقول: "السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خير خلق الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا سيد المرسلين، وخاتم النبيين، السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغر المحجَّلين، السلام عليك، وعلى أهل بيتك وأزواجك وأصحابك أجمعين، السلام عليك، وعلى [سائل] عباد الله الصالحين، جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى به نبيًّا ورسولاً عن أمته، وصلى عليك كلما ذكرك ذاكر، وغفل عن ذكرك غافل –أفضل وأجمل ما صلى على أحد من الخلق أجمعين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأشهد أنك
بلغت الرسالة، وأديت الأمانة ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده، اللهم آتِه الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي عدته، وآته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون، اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك، النبي الأمي، وعلى آله وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد".
ومن عجز عن حفظ هذا، أو ضاق وقته عنه، اقتصر على بعضه، وأقله:"السلام عليك يا رسول الله صلىلله عليه وسلم".
ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع للسلام على أبي بكر رضي الله عنه؛ لأن رأسه عند منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيقول: "السلام عليك يا أبا بكر".
ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع للسلام على عمر – رضي الله عنه – فيقول: "السلام عليك يا عمر"، وهذه صورة القبور الكريمة الجليلة:
وقيل صورتها هكذا:
والمشهور هو الصفة الأولى:
ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عيه وسلم، ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى.
ومن أحسن ما يقول ما حكاه أصحابنا عن العتبيّ قال: "كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي، فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله تعالى يقول:{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} [النساء: 64]، وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، ثم انشأ يقول:
يا خبر من دفنت [في الترب أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف، فغلبتني عيناي، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال:"يا عتبي، الحق الأعرابي، فبشره بأن الله قد غفر له".
ثم يتقدم إلى رأس القبر، فيقف بين القبر والأسطوانة التي هناك، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويدعوا لنفسه بما أهمه وأحبه لوالديه، ومن شاء من أقاربه وإخوانه وسائر المسلين.
ثم يأتي "الروضة"، فيكثر فيها [من] الدعاء اولصلاة، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال:"ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي"، ويقف عند المنبر ويدعو.
أما إذا لم يرد الحاج والمعتمر الخروج من مكة، وأراد المقام بها والمجاورة، أو كان من أهلها فلا وداع عليه؛ لأن غير مفارق ولا مودع.
قال في "الحاوي": ولا يختلف المذهب في ذلك.
نعم هل تستحب المجاورة بها أم تكره؟
اختلف فيه العلماء:
فذهب أبو حنيفة ومن وافقه إلى الكراهة؛ خوفاً من الملل وقلة الحرمة للأُنْسِ، وخوف ملابسة الذنوب؛ فإن الذنب فيها أقبح منه في غيرها، كما أن الحسنة فيها أعظم منها في غيرها.
قلت: ويقرب من هذا قول القاضي أبي الطيب: ويستحب لمن فرغ من حجه أن يعجل الرجوع إلى بلده؛ لما روي أنه – عليه السلام – قال: "من فرغ من حجه، فليعجل الرجوع إلى أهله؛ فإنه أعظم لأجره".
وذهب الإمام أحمد إلى استحبابها؛ لما يحصل فيها من الطاعات التي لا تحصل في غيرها من الطواف، وتضعيف الصلوات، والحسنات.
قال النواوي في "المناسك": وهذا هو المختار إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في الأمور المحذورة.
وقد جاور بها خلائق لا يحصون من سلف الأمة، وخلفها ممن يقتدي به، وينبغي للمجاور بها أن يذكر نفسه بما جاء عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال:"لخطيئة أصيبها بمكة أعز على من سبعين خطيئة بغيرها".