الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7 - ومنها: قَصْرُ عَقْدِ التسبيح وعده على أصابع اليد اليمنى
.
ويُحتج لها بما ورد في بعض أَلفاظ الرواة لحديث عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: «رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه» رواه أَبو داود والبيهقي.
وهي لفظة تفرد بها: «محمد بن قدامة بن أَعين» عن جميع الرواة.
وتبين منزلة هذا «التفرد» بِجَمْعِ أَلفاظ الرواة، والوقوف على مخرج الحديث، هل هو مُخْتَلِفٌ أَم مُتَّحِد.
وعليه: فاعلم أَن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما رواه أَصحاب السنن الأَربعة، وغيرهم، ولفظه:«قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلتان من حافظ عليهما أَدخلتاه الجنة. . . قال: ورأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن بيده» . وفي لفظ: «يعقد التسبيح» .
وفي لفظ: «ولقد رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد هكذا، وَعَدَّ بأَصابعه» .
وهذا الحديث من حيث سنده: فَرْدٌ في أَوله، تفرد به عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وعن عبد الله
تفرد به: السائب بن زيد أَو ابن مالك، وعن السائب، تفرَّد به عنه ابنه: عطاء بن السائب.
وعن عطاءٍ اشتهر (1)، رواه عنه جماعة منهم: شعبة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، وأَبو خثيمة زهير بن حرب، وإِسماعيل بن علية، والأَعمش.
وهؤلاء جبال في الرواية والحفظ، والإِتقان والعلم. وكلهم يقولون:«بيده» لا يختلفون البتة، فليس فيهم واحد يقول:«بيمينه» .
والاختلاف إِنَّما حصل من طريق أَحد الرواة عن عَثام بن على عن الأعمش به، من رواية شيخ أَبي داود: محمد بن قدامة عن عثام به بلفظ: «بيمينه» رواه أَبو داود، ومن
طريقه البيهقي.
ومحمد بن قدامة بهذا يخالف أَقرانه الآخذين عن عثام، الذين رووه بمثل لفظ الجماعة أَقران الأَعمش:«بيده» أَو بمعناه بلفظ: «يعقد التسبيح» .
إِذاً لابد من تحقيق البحث في رواية عثام عن الأَعمش عن عطاء، عن أبيه السائب، عن عمرو بن العاص
(1) نظير هذا الحديث في التفرد في أَوله، والشهرة في آخره: أَول حديث في «صحيح البخاري» : «إِنما الأَعمال بالنيات» وآخر حديث فيه: «كلمتان. . .» .
- رضي الله عنهما:
الأَعمش هو: سليمان بن مهران الكوفي، ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط فروايته عنه مقبولة، والأَعمش في جميع رواياته عن عطاء يرويه بصيغة العنعنة، فيقول:«عن عطاء» والأَعمش موصوف بالتدليس، لكن تدليسه قليل محتمل، كما قرره الحافظ ابن حجر في «طبقات المدلسين» .
ثم عن طريق الأَعمش انفرد بروايته عنه: عثام بن علي العامري الكوفي. وهو صدوق. وعن عثام رواه جماعة منهم:
1 -
ابنه: علي بن عثام، وهو: إمام ثقة.
وروايته به بلفظ: «رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد
التسبيح» أَخرجه الحاكم في: «المستدرك» : (1/ 547).
2 -
محمد بن عبد الأَعلى الصنعاني. وهو ثقة.
3 -
الحسين بن محمد الذراع البصري. صدوق.
كلاهما به بلفظ: «رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح» أَخرجه النسائي في: «سننه» : (3/ 79).
ومن طريق محمد بن عبد الأَعلى الصنعاني، أَخرجه الترمذي بلفظ:«رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيده» . وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب، من هذا
الوجه، عن الأَعمش عن عطاء بن السائب.
وروى شعبة والثوري هذا الحديث عن عطاء بن السائب، بطوله).
4 -
أَبو الأَشعث أَحمد بن المقدام العجلي البصري. صدوق.
ولفظه: «رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح» أَخرجه البغوي في: «شرح السنة» : (5/ 47).
وبلفظ: «رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيده» رواه ابن حبان، كما في:«موارد الظمآن» : (ص / 580).
5 -
عبيد الله بن ميسرة البصري. ثقة ثبت.
قال أَبو داود - رحمه الله تعالى - في: «سننه» (2/ 81): (حدثنا عبيد الله بن ميسرة، ومحمد بن قدامة، في آخرين قالوا: حدثنا عثام، عن الأَعمش، عن عطاء بن السائب عن أَبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح. - قال ابن قدامة: بيمينه -). انتهى.
6 -
محمد بن قدامة المصيصي. ثقة. من شيوخ أَبي داود.
ولفظه: «رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه» (1).
(1) انظر: «نتائج الأَفكار» لابن حجر: (2/ 267) وحكى الاتفاق فقال: (وقد اتفقوا =
رواه أَبو داود في: «سننه» : (2/ 81)، والبيهقي من طريقه في:«السنن الكبرى» : (2/ 187).
فهؤلاء خمسة من تلاميذ عثام، وهم ما بين: ثقة ثبت، أَو ثقة، أَو صدوق، ومنهم أَخصهم به: ابنه على بن عثام، الإِمام الثقة الحافظ - كما وصفه الذهبي بذلك - كلهم به بلفظ:«يعقد التسبيح» .
واختلف محمد بن عبد الأَعلى، وأَحمد بن المقدام، فقالا مثل ذلك، وفي لفظ من طريقهما:«يعقد التسبيح بيده» .
وهي لا تخرج عن معنى روايتهما مع الآخرين: «يعقد التسبيح» ؛ لأَن العقد لا يكون إِلَاّ باليد.
فهذان اللفظان خرجا مخرج الصحيح.
وانفرد شيخ أَبي داود: محمد بن قُدامة المصيصي، من
= على أَن الثقة إِذا تميز ما حدث به قبل اختلاطه مما بعده قُبل، وهذا من ذاك) انتهى.
تنبيه: في: «السلسة الضعيفة» : (1/ 112، رقم / 83) ، (3/ 48 - 49، رقم / 1002) عزا الحديث بلفظ: «بيمينه» إِلى: الترمذي، والنسائي في سننه، وفي: عمل اليوم والليلة، وإِلى الحاكم، وكل هذا غلط في العزو فلا يوجد عند هؤلاء بلفظ:«بيمينه» ، وذكره على الصواب في تخريج:«الكلم الطيب» (ص / 69).
بين الآخرين عن عثام بلفظ: «يعقد التسبيح بيمينه» ، ولم يتابعه عليها أَحد، وليس لها شاهد.
قالها مخالفاً جميع الرواة عن عثام، عن الأَعمش به، ومخالفاً جميع أَقران الأَعمش به، فهي من باب مخالفة الثقة لمن هو أَوثق منه، وفي أَقرانه: أَخص الناس بعثام: ابنه
علي، وفيهم شيخ أَبي داود: عبيد الله بن ميسرة، الثقة الثبت.
ومخالفاً جميع أَقران الأَعمش الذين رووه عن عطاء، وفيهم: شعبة، والثوري، وحماد بن زيد، وابن علية، وزهير بن حرب، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم، وناهيك بهم في العدالة والضبط والإِتقان.
وكلهم يقولون: «بيده» .
ورواية سفيان عن عطاء به بلفظ: «ولقد رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد هكذا، وَعَدَّ بأَصابعه» .
أَخرجه عبد الرزاق: (2/ 223).
ليس فيهم واحد يقول: «بيمينه» .
فليس هذا الاختلاف صادراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابي رواي الحديث رضي الله عنه وإِنما هو ناشئ من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فهذه اللفظة «بيمينه» من
شيخ أَبي داود محمد بن قدامة، مخالفاً جميع أَقرانه، وفيهم من هو أَحفظ منه وأَضبط.
وقاعدة التخريج: أَن الحديث، إِذا اتحد مخرجه كهذا الحديث؛ امتنع حمله على التعدد، وهذا الحديث «متحد
المخرج»: عطاء عن السائب عن عبد الله بن عمرو بن العاص، لا غير: فصارت هذه اللفظة «بيمينه» خطأ من ابن قدامة ولابد، خالف بروايتها جميع الرواة من أَقرانه وفيهم من هو أَوثق منه، وأَقران الأَعمش وكلهم أَوثق منه، فهي لفظة شاذة غير محفوظة.
قال شيخ المفسرين الحافظ أَبو جعفر ابن جرير - رحمه الله تعالى - في: «تفسيره» : (9/ 566): «والحفاظ الثقات إِذا تتابعوا على نقل شيء بصفة فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم؛ كانت الجماعة الأَثبات أَحق بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم). انتهى.
وهذا معنى مقرر في كتب الاصطلاح، كما في:«النكت» لابن حجر: (2/ 691 - 692) و «هدي الساري» له: (ص / 348، 356، 384) و «صيانة صحيح مسلم) لابن الصلاح: (ص / 139، 154).
ويؤكِّد هذا الشذوذ من جهة المتن أُمور:
1 -
أَنا أَبا داود - رحمه الله تعالى - لما أَخرج هذه اللفظة: «بيمينه» وأَشار إِلى انفراد: محمد بن قدامة بها، دون الآخرين، لم يترجم عليه بما يفيد هذا القيد:
قَصْرُ عقد التسبيح على أَصابع اليد اليمين.
وكذلك البيهقي من طريقه في: «السنن» .
2 -
ولهذا - والله أَعلم - تنكب العلماء القول بموجب هذه اللفظة - بعد النظر والتتبع، ولم أَر إِلَاّ قول ابن الجزري كما في:«شرح ابن علان للأَذكار» : (1/ 251): (وقال أَهل العلم: ينبغي أَن يكون عدد التسبيح باليمين). انتهى.
وَلَمْ أَرَه على التفصيل.
ومن كان عنده فضل علم فليرشد إِليه، مع أَن الحجة هي السنة.
3 -
أَن لفظ: «اليد» للجنس، فيُراد بها:«اليدان» . ومن نظر في أَلفاظ الرواة في وضع «اليد» على الصدر حال القيام في الصلاة: عَلِمَ ذلك.
4 -
يزيد هذا وضوحاً: أَمره صلى الله عليه وسلم للنسوة في حديث يسيرة رضي الله عنها قالت: «قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكن بالتسبيح والتهليل
والتقديس، واعقدن بالأَنامل فإِنهن مسؤولات مستنطقات ولا تغفلن فَتُنْسَيْنَ الرَّحمة». رواه أَحمد:(14/ 221 الفتح الرباني)، وأَبو داود:(1487)، والترمذي:(3653) واللفظ له، والحاكم:(2007).
وكما أَن لفظ: «الأَنامل» وهي رؤوس الأَصابع التي بها «الظُّفْرَ» يَعُمُّ الأَصابع من باب إِطلاق البعض وإِرادة الكل، فإِن هذا أَيضاً يعم أَصابع اليدين، فَهُو على عمومه (1).
ولو فرض أَن ثمة احتمال - ولا احتمال -: فإِن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال (2).
ومعلوم أَيضاً أَن «العقد» هو أَحد «الدَّوَالِّ الخمس» وهي: اللفظ، ثم الإِشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم النصب، فمن قصر العقد على أَصابع يَدٍ دون الأُخرى فعليه الدليل، فيبقى عقد التسبيح إِذاً على عمومه بأَصابع اليدين.
5 -
وإِجراء النص على عمومه، كما هو ظاهر، وعليه عمل
(1) انظر: «شرح الأَذكار» لابن علان: (1/ 250).
(2)
«إِحكام الأَحكام» لابن دقيق العيد: (1/ 474 - 475)«فتح الباري» : (4/ 164).
المسلمين، هو الذي يطرد من قاعدة الشريعة في إِعمال كلتا اليدين في العبادة (1). حيث يمكن إِعمالهما،
كما في التعبد بهما في الصلاة في أَحوال: الرفع، والقبض، والاعتماد في الركوع، والسجود،. . .
وفي رفعهما للدعاء، واستقبال الوجه ببطنهما، ومسح الوجه بهما بعد الدعاء خارج الصلاة - في عمل بعض السلف - وفي النفث بهما والمسح على البدن وضرب اليدين على الأَرض لتيمم، ومسح الوجه بهما، وهكذا.
والذكر دعاء، وسنة الدعاء باليدين معاً، وكما أَن رفعهما ووضعهما على الصدر:«زينة الصلاة» كما قال بعض السلف، فكذلك عقد التسبيح بهما زينة للصلاة بعدها. وأَما الإِشارة إِلى الحجر الأَسود أَو استلامه باليمنى فقط؛ فلأَنه من باب السلام، والسلام باليمين.
ولهذا ذكر البغدادي في «خِزانة الأَدب» (2): أَنه لما
شرفت
(1)«إِحكام الأَحكام» : (2/ 342).
(2)
بكسر الخاء، ولهذا يقولون: لا تفتح الخِزانة. ونحوه: لا تفتح الجراب، ولا تكسر القصعة، ولا تمد القفا، وإِذا دخلت مكة فافتح:«طَوى» وإِذا خرجت فضم: «طُوى» ، والجنازة بفتح الجيم وكسرها، فالأَعلى للأَعلى، والأَسفل للأَسفل، وملِك بكسر اللام في الأَرض وبفتحها في السماء. «فتح المغيث»:(3/ 43). و «أَسرار العربية» لأَحمد تيمور: (ص / 164).
اليمين بالتيامن، شُرِّفَت الشمال معها بعقد التسبيح. وليس عقد التسبيح بهما بأَبلغ من قراءة القرآن والنفث فيهما ثم مسح البدن.
وهذا التوجيه من أَعظم الأَدلة في تقرير مسائل العلم؛ لأَن أَحكام الشريعة في جهة واحدة، تجري على نسق واحد ولهذا صار من مواضع الخطأ التي تصرف عن صحة النظر:«التجريد في الدليل عما يحف به» وقد بينته - ولله الحمد - بسطاً في: «التأْصيل لأُصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل» .
فهذه الوجوه الإِسنادية والمتنية، جلية كافية في دلالة السنة على عقد التسبيح، وأَنه باليد، وأَن المراد بها جنس اليد، فيشمل اليدين وعقد التسبيح بأَصابعهما، وأَن لفظ:«بيمينه» : شاذ غير محفوظ، وهذا من أَنواع الحديث الضعيف فَلَا يُعمل به.
• تنبيه مهم: لا يُؤثر على هذا ما تراه في وصف «حاسب اليد» ويقال: «حساب العقود» وقد أُلِفت فيه كُتُبٌ نظماً ونثراً، ومنها: أرجوزة: محمد بن أَحمد الموصلي
الحنبلي المطبوعة في: «بلوغ الأَرب» للآلوسي: (3/ 379 - 385) مع التعليق عليها،
وأَرجوزة: على بن المغربي، المتوفى سنة 684هـ، المشهورة باسم:«لوح الحفظ» وشرحها لابن شعبان، وفي «نشوار المحاضرة» و «فتح الباري»:(13/ 107 - 109).
ومختصر ذلك في «سبل السلام» للصنعاني؛ عند حديث عقد الأَصابع في الجلوس للتشهد.
فإِن وصف عقد الحساب هذا قد حصل التواضع عليه «للإِخبار» عن حساب وعدد بعينه، كثمن سلعة أًو سومها، فللآحاد: الخنصر، والبنصر، والوسطى، وللعشرات: الإِبهام والسبابة، من اليد اليمنى، وللمئين من اليد اليسرى: الخنصر والبنصر والوسطى، وللألوف من اليسرى: الإِبهام والسبابة.
وعليه: فلا مدخل لهذا «الإِخبار» عن وصف حساب العقود باليد، بإِنشاء التعبد بعقد التسبيح، فإِن عقد الأَصابع تعبداً «ثلاثاً وثلاثين» بالتسبيح والتحميد والتكبير، لابد من عقد إِصبع لكل مرة، مجموعة أَو مفرقة حتى تبلغ «تسعاً وتسعين» .
ولهذا فإِن القائلين بقصر العَدِّ على أَصابع اليد اليمنى، يتعذر عليهم القول بقصر الآحاد على الخنصر، والبنصر، والوسطى. . . بل يتعذر ولا يأَتي البتة.
ومع جميع ما تقدم فإِن ظاهر عد النَّبي صلى الله عليه وسلم لأَيام الشهر
بأَصابع يديه الشريفتين وأَشار بها. . . الحديث، يفيد صفة العدد بأَصابع اليدين على المأْلوف، فكذلك ليكن عقد التسبيح بأَصابع اليدين كلتيهما.