المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الرابع: ما وقف على الصحابي مما ليس للرأي فيه مجال: - ما له حكم الرفع من أقوال الصحابة وأفعالهم

[محمد بن مطر الزهراني]

الفصل: ‌المبحث الرابع: ما وقف على الصحابي مما ليس للرأي فيه مجال:

‌المبحث الرابع: ما وقف على الصحابيّ مما ليس للرأي فيه مجال:

1

أولاً: يراد بما ليس للرأي فيه مجال الأمور الآتية:

أ - الإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق، وقصص الأنبياء ونحو ذلك.

ب - الإخبار عن الأمور الآتية كالملاحم، والفتن، والبعث، وصفة الجنّة والنار.

ج - الإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص.

ثانياً: من أمثلته:

1 -

ما أخرجه أبو عبد الله الحاكم في " معرفة

1 انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم (ص: 21 - 22) النوع السادس، شرح التبصرة والتذكرة (1 / 139) ، النكت لابن حجر (2 / 529) ، فتح المغيث للسخاويّ (1 / 148) وغيرها.

ص: 58

علوم الحديث " 1 بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:" من أتى ساحراً أو عرافاً فقد كفر بما أنزل على محمَّد صلى الله عليه وسلم ".

2 -

ما رواه البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه كان يقول:" شرّ الطعام الوليمة، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله ". 2

1 ص: 22، ورواه الطبرانيّ في الكبير (10 / 93 ح 10005) والبزار في مسنده (كشف الأستار للهيثميّ 2 / 443 ح 2067) وقال الهيثميّ في المجمع (5 / 118) :" رواه الطبرانيّ في الكبير والأوسط والبزار، ورجال الكبير والبزار ثقات ".

2 كتاب النكاح - باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله (الصحيح مع الفتح 9 / 244 ح 5177) قال ابن حجر: " وأوّل هذا الحديث موقوف، ولكن آخره يقتضي رفعه، ذكر ذلك ابن بطال، قال: ومثله حديث أبي الشعثاء: " إنَّ أبا هريرة أبصر رجلا خارجا من المسجد بعد الأذان فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم "، قال: ومثل هذا لا يكون رأياً، ولهذا أدخله الأئمة في مسانيدهم ".

ص: 59

3 -

ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال وقد رأى رجلاً يخرج من المسجد بعد الأذان:" أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ". 1

4 -

ما أخرجه البخاريّ معلّقاً موقوفاً عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال:" من صام اليوم الذي يشكّ فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ". 2

1 كتاب المساجد - باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذّن المؤذّن (1 / 453 ح 258) .

2 كتاب الصوم - باب قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم الهلال فصوموا "(الصحيح مع الفتح 4 / 119)، وقال ابن حجر: " وقد وصله أبو داود والترمذيّ وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من طريق عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن عمار

الحديث ".

ص: 60

ثالثاً: حكمه:1

ذهب الجماهير من المحدّثين والفقهاء والأصوليين إلى أنَّه مرفوع، وهذه أهمّ أقوالهم في ذلك:

1 -

قال أبو عبد الله الحاكم (ت 405 هـ) :

النوع السادس من معرفة علوم الحديث هو معرفة الأسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ ذكر أمثلة لذلك وهي:

أ - ذكر بإسناده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" كنّا نتمضمض من اللبن ولا نتوضّأ منه ".

ب - وبإسناده إلى أنس بن مالك قال:" كان يقال في أيام العشر بكلّ يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف "،

1 تنبيه: لم أتعرّض في هذا البحث لمسألة قول الصحابيّ فيما للرأي فيه مجال وهل هو حجّة أم لا؟ لأنَّه لا يدخل في موضوع هذا البحث الذي خصّص لما له حكم الرفع وقول الصحابيّ فيما للرأي فيه مجال بالاتفاق أنَّه موقوف غير مرفوع، والله الموفّق.

ص: 61

قال: يعني في الفضل.

ج - وبسنده أيضاً إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:" من أتى ساحراً أو عرافاً فقد كفر بما أنزل على محمَّد صلى الله عليه وسلم ".

ثمّ قال رحمه الله:" هذا باب كبير يطول ذكره بالأسانيد فمن ذلك ما ذكرنا

وأشباه ما ذكرناه إذا قاله الصحابيّ المعروف بالصحبة فهو حديث مسند وكلّ ذلك مخرّج في المسانيد " 1.

2 -

وبعد أن ذكر ابن عبد البرّ رحمه الله حديثي أبي هريرة:

أ - " شرّ الطعام طعام الوليمة

الحديث ".

ب - وحديث:" أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم " يعني الخارج من المسجد بعد الأذان قال:" ولا يختلفون في هذا أو ذاك أنّهما مسندان مرفوعان ". 2

1 معرفة علوم الحديث (ص: 22) .

2 التمهيد (1 / 175) .

ص: 62

3 -

قال أبو حفص عمر بن رسلان سراج الدين البلقينيّ (ت 805 هـ) :"

وأما حديثه في صيام يوم الشّكّ، وحديث أبي هريرة في الخارج من المسجد بعد الأذان ونسبة كلّ منهما إلى أنَّه عصى أبا القاسم، فالأقرب أنَّه ليس بمرفوع، لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد ". 1

4 -

قال الحافظ ابن حجر (ت 852 هـ) :" لم يتعرّض ابن الصلاح إلى بيان حكم ما ينسب الصحابيّ فاعله إلى الكفر أو العصيان كقول ابن مسعود:" من أتى عرافاً أو ساحراً أو كاهناً فصدّقه فقد كفر بما أنزل على محمَّد صلى الله عليه وسلم "، وكقول أبي هريرة:" ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله "، وقوله في الخارج من المسجد بعد الأذان:" أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم "، وقول عمار بن ياسر:" من صام اليوم الذي يشكّ فيه فقد عصى

1 محاسن الاصطلاح (ص: 200) .

ص: 63

أبا القاسم صلى الله عليه وسلم " 1، فهذا ظاهره إنَّ له حكم الرفع، ويحتمل أن يكون موقوفاً لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد، والأول أظهر، بل حكى ابن عبد البرّ الإجماع على أنَّه مسند، وبذلك جزم الحاكم في " علوم الحديث " 2، والإمام فخر الدين الرازيّ في " المحصول " ". 3

5 -

وقال أيضاً:" ومثال المرفوع من القول حكماً لا تصريحاً أن يقول الصحابيّ الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات ما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا تعلّق له ببيان لغة أو شرح غريب، كالإخبار عن الأمور الماضية كبدء الخلق وأخبار الأنبياء، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب

1 سبق تخريج هذه الروايات فيما مضى.

2 سبقت الإشارة إلى قوليهما فيما مضى.

3 النكت (2 / 529 - 530) .

ص: 64

مخصوص أو عقاب مخصوص، وإنّما كان له حكم الرفع لأنَّ إخباره بذلك يقتضي مخبراً له، وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقفا للقائل به، ولا موقف للصحابة إلا النبيّ صلى الله عليه وسلم أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة، فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني، وإذا كان كذلك فله حكم ما لو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مرفوع سواء كان مما سمعه منه أو عنه بواسطة ". 1

6 -

وقال الحافظ محمَّد بن عبد الرحمن السخاويّ (ت 902 هـ) :" وأدخل ابن عبد البرّ في كتابه " التقصّي الموضوع لما في الموطّأ من المرفوع " 2 عدّة أحاديث ذكرها مالك في " الموطّأ " موقوفة، منها حديث

1 نزهة النظر: (ص53) ، طبعة المكتبة العلميّة بالمدينة.

2 طبع باسم " تجريد التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد أو التقصّي لحديث الموطأ وشيوخ الإمام مالك ".

ص: 65

سهل بن حثمة في صلاة الخوف 1، وصرّح في " التمهيد " بأنَّه لا يقال من جهة الرأي 2، ثمّ قال: وقال أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان الداني (ت 444 هـ) :وقد يحكي الصحابيّ قولاً يوقفه على نفسه فيخرجه أهل الحديث في المسند لامتناع أن يكون الصحابيّ قاله إلا بتوقيف، كحديث أبي صالح السمان عن أبي هريرة أنَّه قال:" نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات " 3 فمثل هذا لا يقال بالرأي فيكون من جملة المسند ".

1 انظر تجريد التمهيد (ص: 215) .

2 وكذلك صرّح في التجريد (ص: 215) .

3 رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً في صحيحه - كتاب اللباس والزينة - باب النساء الكاسيات العاريات (3 / 1680 ح 125) ، ورواه أحمد مرفوعاً أيضاً في المسند (2 / 356) ، ورواه مالك موقوفاً في الموطأ - كتاب صلاة الخوف (1 / 183 ح 2) .

ص: 66

ثمّ قال السخاويّ:" وقال ابن العربيّ في " القبس ":إذا قال الصحابيّ قولاً لا يقتضيه القياس، فأنَّه محمول على المسند إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومذهب مالك وأبي حنيفة أنَّه كالمسند. اهـ

وهو الظّاهر من احتجاج الشافعيّ رحمه الله في الجديد بقول عائشة:" فرضت الصلاة ركعتين ركعتين " 1 حيث أعطاه حكم المرفوع لكونه مما لا مجال للرأي فيه ".

ثمّ قال:" إذا علم هذا فقد ألحق ابن العربيّ بالصحابة في ذلك ما يجيء عن التابعين أيضاً مما لا مجال للاجتهاد فيه على أنَّه يكون في حكم المرفوع، وادّعى أنَّه مذهب مالك ". 2

7 -

قال الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقيّ (ت 806 هـ) :" ما جاء عن صحابيّ موقوفاً

1 انظر: كتاب الأمّ (1 / 180) .

2 انظر: فتح المغيث (1 / 148 - 152) .

ص: 67

عليه ومثله لا يقال من قبل الرأي حكمه حكم المرفوع، كما قال الإمام فخر الدين في " المحصول " 1، فقال: إذا قال الصحابيّ قولاً ليس للاجتهاد فيه مجال فهو محمول على السماع تحسيناً للظنّ به ".

ثمّ قال:" وما قاله في " المحصول " موجود في كلام غير واحد من الأئمّة كأبي عمر ابن عبد البرّ وغيره، وقد أدخل في كتابه " التقصّي " عدّة أحاديث ذكرها مالك في الموطّأ موقوفة مع إنَّ موضوع الكتاب لما في الموطّأ من الأحاديث المرفوعة، ومنها حديث سهل بن حَثْمَة في صلاة الخوف، وقال في " التمهيد ":هذا الحديث موقوف على سهل في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك، قال: ومثله لا يقال من جهة الرأي ". 2

8 -

قال الشيخ محمَّد الأمين الشنقيطيّ رحمه الله في

1 انظر: (2 / 1 / 643) ، طبعة جامعة الإمام بالرياض.

2 شرح التبصرة والتذكرة (1 / 139 - 140) .

ص: 68

مسألة قول الصحابيّ الموقوف عليه:" لها حالتان: الأولى أن يكون مما لا مجال للرأي فيه، الثانية: أن يكون مما له فيه مجال. فإن كان مما لا مجال للرأي فيه فهو في حكم المرفوع كما تقرّر في علم الحديث، فيقدّم على القياس ويخصّ به النّصّ إن لم يعرف الصحابيّ بالأخذ عن الإسرائيليّات

". 1

1 مذكّرة أصول الفقه (ص: 165) .

ص: 69